النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة ١٣٨٢ - (١٦٩) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَخْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ قلت: هذا الحديث هو العمدة في هذا الباب، وقوله: ((حين كان ظله مثليه)) بالتثنية، وهذا آخر وقت الظهر عند أبي حنيفة، لأن عنده إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر، وعند أبي يوسف ومحمد: إذا صار ظل كل شيء مثله يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر، وهي رواية الحسن بن زياد عنه، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد والثوري، وإسحاق. ولكن قال الشافعي: آخر وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه لمن ليس له عذر، وأما أصحاب العذر والضرورات فآخر وقتها لهم غروب الشمس. وقال القرطبي: خالف الناسُ كلهم أبا حنيفة فيما قاله، حتى أصحابه. قلت: إذا كان استدلال أبي حنيفة بالحديث فما يضره مخالفة الناس له، ويؤيد ما قاله أبو حنيفة حديث علي بن شبيان قال: ((قدمنا على رسول الله ◌َ و المدينة، فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية)) رواه أبو داود وابن ماجه، وهذا يدل على أنه كان يصلي العصر عند صيرورة ظل كل شيء مثليه، وهو حجة على خصمه. وحديث جابر: ((صلى بنا رسول الله وَله حين صار ظل كل شيء مثليه قدر ما يسير الراكب إلى ذي الحليفة العَنَق)). رواه ابن أبي شيبة بسند لا بأس به، كذا في عمدة القاري. وفي شرح المنية: ((له (أي لأبي حنيفة) حديث أبي هريرة ظه: ((إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم)) رواه الستة. وعن أبي ذر قال: ((كنا مع النبي ◌َّ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن، فقال له: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى ساوى الظل التلول، فقال النبي ◌َّر: إن شدة الحر من فيح جهنم)) رواه البخاري في باب الأذان للمسافرين. ووجه الاستدلال بالحديث الأول: أن شدة الحر في ديارهم إذا كان ظل الشيء مثله، وبالثاني: بأنه صرح بأن الظل قد ساوى التلول، ولا قدر يدرك لفيء الزوال ذلك الزمان في ديارهم، فثبت أنه عليه الصلاة والسلام صلى الظهر حين صار ظل الشيء مثله، ولا يظن به أنه صلاها في وقت العصر، فكان حجة على أبي يوسف ومحمد، وإن لم يكن حجة على من يجوز الجمع في السفر) اهـ. وفي إعلاء السنن: ((قال الشيخ - أطال الله بقاءه - الحديث (أي ((حتى ساوى الظل التلول))) نص في بقاء الوقت بعد المثل، كما هو المشهور من مذهب إمامنا الأعظم تقُّ تعالى، إذ من المعلوم اللازم عادة أن الأجسام المنبطحة إذا كان ظلها مساوياً لها يكون ظل الأجسام المنتصبة زائداً على المثل لا محالة، فارتفع احتمال كون هذا الظل مع الظل الأصلي مساوياً للتلول، ثم لما كان الأذان بعد هذه الزيادة على المثل كانت الصلاة بعد الزيادة الكثيرة عليه ضرورةً، وما ٢٢٢ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَِّ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ ورد في بعض الروايات: ((حتى رأينا في التلول)) فالرؤية فيها مبهمة، فترد إلى المفسر، وهو المساواة، فيكون المعنى: ((حتى رأينا فيء التلول مساوياً لها)) اهـ. قلت: وليُنظر متى يكون ظل التلول مساوياً لها في المقدار؟ وفي وقت مساواته لها كم يزيد ٠ ظل سائر الأجسام الشاخصة على المثل؟ ولعله يبلغ مثليها، وهذا مما ينبغي أن يحقق بالتجربة، كما نبه عليه شيخنا المحمود قدس الله روحه. قال في إعلاء السنن: ((وأما تأويل الحديث (أي ((حتى ساوى الظل التلول))) بغير هذا فهو ضعيف جداً، وخلاف الظاهر، كما قد أقر الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث بكون ما ذهبنا إليه ظاهراً منه، وكون خلافه خلاف الظاهر، حيث قال: والتلول جمع تل - بفتح المثناة وتشديد اللام - كل ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحو ذلك، وهي في الغالب منبطحة غير شاخصة، فلا يظهر لها ظل إلا إذا ذهب أكثر وقت الظهر - إلى أن قال - فظاهره يقتضي أنه أخرها إلى أن صار ظل كل شيء مثله، ويحتمل أن يراد بهذه المساواة ظهور الظل بجنب التل، بعد أن لم يكن ظاهراً، فساواه في الظهور لا في المقدار، أو يقال: قد كان ذلك في السفر فلعله أخّر الظهر، حتى يجمعها مع العصر. قلت: الاحتمال الأول يمجّه الطبع السليم، فلو فتحنا باب أمثال هذه التأويلات الباردة لم يثبت من الأحاديث شيءٍ. والاحتمال الثاني يبطله تعليله وَير بقوله: ((إن شدة الحر من فيح جهنم)) فإنه يدل على أن علة التأخير كانت شدة الحر، وهي لا تختص بسفر ولا حضر، بل تعمهما جميعاً، والحكم يدور مع علته دائماً، كما لا يخفى. وزاد البخاري في بعض طرق هذا الحديث بعد قوله: ((إن شدة الحر من فيح جهنم)): ((فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة)) وهذا القول بإطلاقه يبطل تخصيص الإبراد بالسفر. وفي حديث أنس بن مالك به عند النسائي قال: ((كان رسول الله و 8﴿ إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجّل)) فهذا أدل دليل على أن إيراد الظهر في أوان الحر كان من عادته وَل﴿ مطلقاً، فتخصيص الإبراد بالسفر لا يصح أصلاً)) اهـ. قلت: والشافعية أن يقولوا: إن الإبراد وشدة الحر من الأمور الإضافية، والمراد بالأمر بالإبراد في الحديث إنما هو إلى حد يجوز للمصلي أن ينتهي إليه، لا الإبراد المطلق الذي يكاد يحصل عند الغروب، وهذا الحد يتفاوت بالسفر والإقامة، لجواز جمع التأخير للمسافر عندهم دون المقيم، فالإبراد المفرط الذي يحصل عند مساواة ظل التلول، التلولَ إنما يختص بالمسافر لإباحة تأخير الظهر إلى وقت العصر في حقه عندهم، والله أعلم. وقد تمسك بعض الحنفية بحديث ابن عمر عند البخاري أنه سمع رسول الله وسلم يقول: ((إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوارة التوراةً، فعملوا، حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتي أهل ٢٢٣ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا. لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ فِي حُجْرَتِهَا. الإنجيل الإنجيلَ، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابين: أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً، ونحن كنا أكثر عملاً، قال الله تعالى عز وجل: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: وهو فضلي أوتيه من أشاء)) رواه البخاري، فتمسك به القاضي أبو زيد الدبوسي الحنفي في ((كتاب الأسرار)) إلى أن وقت العصر من مصير ظل كل شيء مثيله، لأنه لو كان من مصير ظل كل شيء مثله لكان مساوياً لوقت الظهر، وقد قالوا: كنا أكثر عملاً، فدل على أنه دون وقت الظهر ولو كان المراد مجرد كثرة العمل من غير التفات إلى طول الوقت وقصره لكان بيان الأوقات مما لا مدخل له في غرض التشبيه ومراده، ولو كان المراد كون اليهود والنصارى مجتمعين أكثر عملاً من المسلمين فلا يناسب حينئذ قولهم: ((أقلّ عطاء)) فإن عطاءهم بمجموعه لا يكون أقل من عطاء المسلمين، وأما احتمال أن يكون قائل هذا الكلام اليهود دون النصارى: فيرده ما وقع في بعض روايات البخاري: ((فغضبت اليهود والنصارى)). فإن قيل: إن لزوم المساواة (أي مساواة وقتي الظهر والعصر) على تقدير المثل ممنوع، فإنه على تقدير خروج وقت الظهر بصيرورة ظل كل شيء مثله يكون أيضاً أزيد شيء مما بعده إلى غروب الشمس على ما هو محقق عند الرياضيين. قلنا: هذا التفاوت القليل لا يظهر إلا عند الحُسّاب، وهم لا يدركونه أيضاً إلا بمعونة الآلات، والمقصود من الحديث تفهيم كل أحد، وذا لا يحصل إلا على القول بالمثلين، كما هو قول أبي حنيفة. هذا، وقد أخرج محمد في آخر الموطأ هذا الحديث (حديث ابن عمر) وقال: ((هذا الحديث يدل على أن تأخير العصر أفضل من تعجيلها، ألا ترى أنه جعل ما بين الظهر إلى العصر أكثر مما بين العصر إلى المغرب في هذا الحديث! ومن عجل العصر كان ما بين الظهر إلى العصر أقل مما بين العصر إلى المغرب، فهذا يدل على تأخير العصر، وتأخير العصر أفضل من تعجيلها ما دامت الشمس بيضاء نقية لم تخالطها صفرة، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا رحمهم الله تعالی)). قال الشيخ عبد العزيز الدهلوي - قدس الله روحه - في بستان المحدثين: ((وهذا الذي استنبطه محمد من الحديث المذكور من تفضيل تأخير العصر على تعجيلها صحيح، فإن مدلول الحديث ليس إلا أن يكون ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أقل مما بين نصف النهار إلى صلاة العصر، وهذا لا يتحقق إلا بتأخير صلاة العصر من أول وقتها . وأما ما حكي عن بعض الفقهاء من الاحتجاج به على مسألة المثلين فهو ممنوع، نعم! لو كان في الحديث لفظ ((ما بين وقت العصر إلى الغروب)) لكان لهذا التمسك مساغ، ولكن ٢٢٤ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٣٨٣ - (١٧٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ الحديث - كما ترى - ليس فيه إلا لفظ ((صلاة العصر)) وليس من المعتاد أن تؤدى صلاة العصر وغيرها في مبدأ وقتها، فيحمل لفظ ((صلاة العصر)) على الوقت الذي كان النبي ◌َّ و يعتاد فيه أداء صلاة العصر، ولا ريب في كون هذا الوقت (أي ما بين صلاته وَ و إلى غروب الشمس) أقل مما بين انتصاف النهار إلى صلاته هذه، وإن كان من ابتداء وقت العصر إلى الغروب مساوياً له، فلا تقدح هذه المساواة في غرض التشبيه . فإن قيل: إن التشبيه للتفهيم، وهو لا يحصل على هذا التقرير، لأن فعل صلاة العصر ليس له وقت معين للتوسعة في أدائها في أول الوقت أو آخره أو أوسطه، بخلاف وقت العصر، فإنه متعين في نفسه. قلنا: التفهيم متحقق في حق المخاطبين، لما عرفوا من عادته وَ لّ واستفاض عندهم من وقت صلاته المعتاد، وأما في حق غير المخاطبين: فإنما هو بنقل المخاطبين عادته وَّر إليهم، وسماعهم منهم، ونظيره ما في حديث عائشة رؤيتنا: ((كان يصلي العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء بعد)) فإن من المعلوم بالضرورة أن هذا البيان والتفسير لا يفيد تعيين الوقت وتفهيمه إلا لمن شاهد حجرتها، وقايس ظهور الشمس والفيء فيها، وهكذا فيما نحن فيه)) اهـ. قلت: هذا تحقيق متين من الشيخ كثُّ تعالى، إلا أنه ورد في حديث أبي موسى عند البخاري: ((فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر ... )) الحديث، وهذا يشعر بأن المراد بالصلاة في الحديث أول وقتها، ويؤيده مقابلة صلاة العصر بانتصاف النهار وغروب الشمس، ثم وجدت في أواخر صحيح البخاري ما يؤيد ما حققه الشيخ تغّهُ - ولله الحمد - فإنه أخرج هذه القصة في ((باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِلتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَآ﴾ [آل عمران: ٩٣] من حديث ابن عمر، وفيه: ((فعملوا به حتى صُليت العصر)) وهذا كالصريح في أن المراد بالعصر صلاتها ووقتها الذي كانوا يعتادون فيه فعلها، لا مبدأ وقتها، والله أعلم. أما مسألة المثل والمثلين: فالذي يظهر للعبد الضعيف - والله أعلم - أن عامة الأحاديث ساكتة عن التصريح بانتهاء وقت الظهر وابتداء وقت العصر، وأما حديث جبريل - وهو أقدم حديث في الباب -: فظاهره نوع من اشتراك الوقت كما زعمه مالك كثّفُ ومن وافقه، إلا أن الأحاديث القولية المتأخرة عنه قد نسخت هذا الاشتراك فإنه قد ورد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم تَثْدُ وفيه: ((ووقت الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء ما لم تحضر العصر)) وفي حديث أبي هريرة من طريق محمد بن فضيل، عن الأعمش عند الترمذي: ((أن أول وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر)) فهذان الحديثان ينفيان بظاهرهما تداخل الوقتين الذي كان يتبادر إليه من حديث إمامة جبريل، فسقط العمل به وبقي الأمر مشكوكاً في أن الوقت المشترك هل جعل ملحقاً بالظهر أو بالعصر، وثبوت ٢٢٥ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يُصَلِّيِ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ وَاقِعَةٌ فِي حُجْرَّتِي . الظهر قبل الوقت المشترك (أي إلى المثل) يقيني مجمع عليه فلا ينقضي بالشك، وهكذا لا يحكم بدخول العصر بالشك أيضاً، بل الظاهر من استصحاب الحال أن يلحق الوقت المشكوك بما قبله، أي الظهر حتى يحضر العصر يقيناً، وحضوره اليقيني إنما هو بعد المثلين، لحديث إمامة جبريل في اليوم الثاني، ولما كان وقت هذه الأمة من بين سائر الأمم من العصر إلى المغرب، وكان أجرها ضعف أجرهم: كان في تشريع وقت العصر من المثلين نوع من التنبيه والتذكير لما تفضل الله تعالى عليها من إعطاء المثلين من الأجر إياها . قال شيخنا المحمود قدس الله روحه: ((وهذا هو مقتضى الاحتياط أيضاً، فإن الوقت المشكوك إن كان في الظهر في الواقع لا تصح صلاة العصر ممن زعمه العصر، فإن الصلاة قبل الوقت لا تجوز، وإن كان في العصر في الواقع فتصح ظُهر من زعمه الظهر، فإن الصلاة بعد انقضاء الوقت تكون قضاء بنية الأداء)). قلت: وقوله ◌َّ﴿ في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم تقدّمُ تعالى: ((وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم تحضر العصر)» فيه إشعار لطيف ببقاء وقت الظهر في الجملة بعد المثل، فإنه ◌َّلو عطف كون ظل الرجل كطوله على ابتداء الوقت دون انتهاءه. فلم يقل وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر، ويكن ظل الرجل كطوله، كما قال في قرينه: ((ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول)) فاصفرار الشمس ههنا انتهاء العصر، وعطف سقوط القرن عليه للتنبيه على أن انتهاءه ممتد من الاصفرار إلى سقوط القرن في الجملة، وإن كان وقتها المختار الخالي عن الكراهة قد انتهى إلى الاصفرار، وهكذا ينبغي أن يفهم في الظهر من عطف كون ظل الرجل كطوله على زوال الشمس أن ابتداء الظهر ممتدّ ومتسع من الزوال إلى المثل في الجملة. وأما انتهاءه فإلى عدم حضور العصر، وظاهر أن الرجل إذا شرع في الصلاة حين كان الظل مثلاً فتقع الصلاة بعد المثل، فعلم منه أن بعد المثل وقت الظهر لا وقت العصر، حضور العصر قد علم من حديث إمامة جبريل في اليوم الثاني أنه بعد المثلين يقيناً، وقبله مشكوك كما مرّ. فدل سياق الحديث على امتداد وقت الظهر إلى ما بعد المثل في الجملة، ولهذا قال أبو حنيفة كلُّ تعالى في رواية المعلى عن أبي يوسف عنه: إذا صار الظل أقل من قامتين يخرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر حتى يصير قامتين، وصححه الكرخي كَذُّهُ. وفي رواية الحسن بن زياد عنه: إذا صار ظل كل شيء قامته خرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر حتى يصير قامتين. فلعل المراد بخروج وقت الظهر خروج وقتها المختار المعمول به بلا دغدغة، وكون الوقت المختار إلى المثل هو المراد بروايته الموافقة للجمهور. ٢٢٦ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٣٨٤ - (١٧١) حدّثنا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالا: حَدَّثَنَا وما في الرواية المشهورة عنه من أنه إلى مثلين: فالمراد بقاء نفس الوقت في الجملة، وقد روى مالك عن عمر بن الخطاب له، أنه كتب إلى عماله، وفيه: ((أن صلاة الظهر إن كان الفيء ذراعاً إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصرَ والشمس مرتفعة بيضاء نقية، قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة قبل مغيب الشمس)) كذا في المشكاة، وهو يقارب رواية الحسن عن أبي حنيفة، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. قال شمس الأئمة السرخسي كثّفُ في المبسوط: ((واختلفوا في آخر الظهر: فعندهما إذا صار ظل كل شيء مثله خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر، وهو رواية محمد عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى (وهذه هي رواية الحسن عن أبي حنيفة عند الطحاوي في آخر الظهر). وإن لم يذكره في الكتاب نصاً في خروج وقت الظهر. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه لا يخرج وقت الظهر حتى يصير الظل قامتين (وقد رواه الطحاوي من طريق محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة). وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى: أنه إذا صار الظل قامة يخرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل قامتين، وبينهما وقت مهمل، وهو الذي تسميه الناس ((بين الصلاتين)) كما أن بين الفجر والظهر وقتاً مهملاً)) اهـ. وفي البحر الرائق: ((وأما آخره (أي: وقت الظهر) ففيه روايتان عن أبي حنيفة الأولى: رواها محمد عنه ما في الكتاب (أي: الكنز) وهو المثلان، والثانية: رواية الحسن إذا صار ظل كل شيء مثله، والأولى قول أبي حنيفة. قال في البدائع: إنها المذكورة في الأصل، وهو الصحيح، وفي النهاية: أنها ظاهر الرواية عن أبي حنيفة. وفي غاية البيان: وبها أخذ أبو حنيفة، وهو المشهور عنه، وفي المحيط: والصحيح قول أبي حنيفة. وفي الينابيع: وهو الصحيح عن أبي حنيفة. وفي تصحيح القدوري للعلامة قاسم: أن برهان الشريعة المحبوبي اختاره، وعوّل عليه النسفي، ووافقه صدر الشريعة، ورجح دليله. وفي الغيائية: وهو المختار. وفي شرح المجمع للمصنف: أنه مذهب أبي حنيفة، واختاره أصحاب المتون، وارتضاه الشارحون. فثبت أنه مذهب أبي حنيفة، فقول الطحاوي: ((وبقولهما نأخذ)) لا يدل على أنه المذهب مع ما ذكرناه)) اهـ. قلت: ولكن الطحاوي أخذ بقولهما لكون الحديث فيه صريحاً، ومدارك الإمام دقيقة، فلا لوم عليه . قال في الدر المختار: ((وفي الفيض: وعليه عمل الناس اليوم، وبه يفتى)) اهـ. أي بقول صاحبيه . ٢٢٧ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة مُعَاذٌ، (وَهُوَ ابْنُ هِشَام)، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (١)؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ بِّهِ قَالَ: ((إِذَا صَلَيْتُمُ الْفَجْرَ فَإِنَّهُ وَقْتْ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ وفي رد المحتار: قوله: ((وعليه عمل الناس اليوم)) أي في كثير من البلاد، والأحسن ما في السراج عن شيخ الإسلام أن الاحتياط أن لا يؤخر الظهر إلى المثل، وأن لا يصلي العصر حتى يبلغ المثلين، ليكون مؤدياً للصلاتين في وقتيهما بالإجماع. وأما حديث إمامة جبريل فقال الشيخ ابن الهمام: إن هذا الحديث كما يرد علينا يرد على الخصم أيضاً في وقت الظهر، فقد جاء فيه أنه وصّ ه صلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس. واحتج به مالك وطائفة من العلماء على أن وقت العصر يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله، ولا يخرج وقت الظهر، بل يبقى بعد ذلك قدر أربع ركعات، صالح للظهر والعصر أداء، وتأوله الشافعية بأن معناه: فرغ من الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، وشرع في العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، فلا اشتراك بينهما. كذا قال النووي في شرح مسلم. قال في إعلاء السنن: ((قلنا أيضاً: إن نتأول الحديث بأنه قد ثبت بالأحاديث المتقدمة بقاء وقت الظهر بعد المثل، وحديث جبريل يقتضي جواز العصر إذا صار ظل الشيء مثله، فنقول: إن معنى قوله: ((ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله)) أي أراد أن يصلي، ويؤيد ذلك ما ورد في رواية النسائي: ((فأتاه حين كان الظل مثل شخصه)) وفي رواية له: «ثم مكث حتى إذا كان فيء الرجل مثله جاءه للعصر، فقال: قم يا محمد، فصل العصر)) فهذا يدل على أن وقت المثل الواحد هو وقت مجيء جبريل، لا وقت صلاته. ولو أبقينا الحديث على ظاهره فنقول: إذا تعارضت الآثار لا ينقضي الوقت بالشك، وما قال: إن الوقت المذكور في الحديث هو وقت مجيء جبريل لا وقت صلاته يوضحه ما تقدم من رواية نافع بن جبير: ((نزل حين زاغت الشمس، فأمر، فصيح بأصحابه: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصلى به جبريل)) ولا يخفى أن صلاته بعد تداعيهم واجتماعهم لا تخلو عن وقفة بين مجيئه وصلاته، والله أعلم)). ١٧١ - (٦١٢) - قوله: (إذا صليتم الفجر فإنه وقت) الخ: ليس فيه بيان لأول أوقات هذه الصلوات المذكورة، وإنما فيه بيان أواخرها، وأول وقت الصبح طلوع الفجر الصادق. قوله: (إلى أن يطلع) الخ: ما بعد ((إلى)) هنا غير داخل للقرينة. (١) قوله: ((عن عبد الله بن عمرو)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب آخر وقت المغرب، رقم (٥٢٣) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في المواقيت، رقم (٣٩٦) وأحمد في مسنده (٢: ٢١٠ و٢١٣ و٢٢٣). ٢٢٨ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَرْنُ الشَّمْسِ الأَوَّلُ. ثُمَّ إِذَا صَلَّيْتُمُ الُهْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الْعَصْرُ. فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ وَقْتْ إِلَى أَن تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَسْقُطُ الشَّفَقُ. فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ قوله: (قرن الشمس الأول) الخ: أي: أول ما يبدو منها، واحترز به عما يلي الأرض، وفي هذا الحديث دليل للجمهور أن وقت الأداء يمتدّ إلى طلوع الشمس. قال أبو سعيد الاصطخري من أصحابنا: إذا أسفر الفجر صارت قضاء بعده، لأن جبريل منظلا صلى في اليوم الثاني حين أسفر، وقال: ((الوقت ما بين هذين)). ودليل الجمهور هذا الحديث، قالوا: وحديث جبريل عليه لبيان وقت الاختيار لا لاستيعاب وقت الجواز، للجمع بينه وبين الأحاديث الصحيحة في امتداد الوقت إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى، إلا الصبح، وهذا التأويل أولى من قول من يقول: إن هذه الأحاديث ناسخة لحديث جبريل ظا، لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا عجزنا عن التأويل، ولم نعجز في هذه المسألة. والله أعلم. وقد مرّ البحث في تقديم النسخ على التطبيق وغيره في مقدمة هذا الشرح. قوله: (وقت إلى أن يحضر العصر) الخ: فيه نفي اشتراك وقتي الظهر والعصر، وتقدم بسطه في شرح أول حديث الباب. قوله: (إلى أن تصفر الشمس) الخ: المراد به وقت الاختيار، لقوله تعظل في الصحيحين: ((ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) أي مؤدّاة، ولحديث غيرهما بسند رجاله في مسلم: ((وقت العصر ما لم تغرب الشمس)) وفي رواية لمسلم: ((ما لم تصفرّ الشمس، ويسقط قرنها الأول)). قال ابن الملك: والحديث يدل على كراهة التأخير إلى وقت الاصفرار، فوقت جوازه إذا غربت، كذا في المرقاة. قوله: (فإذا صليتم المغرب) الخ: قال الأبي: ((أول وقتها مغيب قرص الشمس ببلد لا جبال فيه، وهو ببلد به جبل: تغيب خلفه أن تطلع الظملة من المشرق)) اهـ. قوله: (إلى أن يسقط الشفق) الخ: الشفق: اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب الشمس. قاله الراغب. ويطلق على الحمرة وعلى البياض، كما في مجمع البحار. وقال الخطابي: إنما يطلق على أحمر ليس بقانٍ وعلى أبيض بناصع. كما في إكمال إكمال المعلم. أقوال العلماء في أن الشفق هنا هو الحمرة أو البياض وقال الحلبي في شرح المنية: ((المراد بالشفق هو البياض الذي في الأفق الكائن بعد ٢٢٩ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة الحمرة التي تكون في الأفق عند أبي حنيفة. وقالا - أي أبو يوسف ومحمد، وهو قول الأئمة الثلاثة، ورواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة أيضاً -: المراد بالشفق هو الحمرة نفسها لا البياض الذي بعدها . ولهما ما روى الدارقطني عن ابن عمر أن النبي ◌َّر قال: ((الشفق: الحمرة، فإذا غاب وجبت الصلاة)) قال البيهقي والنووي: الصحيح أنه موقوف على ابن عمر. وله ما روى الترمذي من حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: رسول الله وَله: ((إن للصلاة أولاً وآخراً، وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفرّ الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وإن أول وقت العشاء حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس)). فقد جعل آخر وقت المغرب وأول وقت العشاء حين يغيب الأفق، وغيبوبة الأفق بسقوط البياض الذي بعد الحمرة، وإلا كان بادياً . لكن قد خطأ البخاري والدارقطني محمد بن فضيل في رفع هذا الحديث، فإن غيره من أصحاب الأعمش يروونه عن مجاهد عنه من قوله . ودفعه ابن الجوزي وابن القطان بتجويز أن يكون الأعمش سمعه من مجاهد موقوفاً، ومن أبي صالح مرفوعاً، فيكون له عنده فريقان: موقوف، ومرفوع، والذي رفعه - يعني ابن فضيل - صدوق من أهل العلم، وثقه ابن معين، فتقبل زيادته، وهي الرفع، ثم من المشايخ من أفتى برواية أسد بن عمرو الموافقة لقولهما . قال الشيخ كمال الدين بن الهمام: ((ولا تساعده رواية ولا دراية، أما الأول فلأنه خلاف الرواية الظاهرة، وأما الثاني: فلما مرّ آنفاً من دليله، ولأنه حيث تعارضت الأخبار لم ينقض الوقت القائم بالشك، وقد نقل مذهبه عن أبي بكر الصديق، ومعاذ بن جبل، وعائشة ﴿ه، وابن عباس في رواية، وأبي هريرة، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، والمزني، وابن المنذر، والخطابي. واختاره المبرد وثعلب، ولا ينكر إطلاقه على الحمرة، يقال: ثوب كالشفق، كإطلاقه على البياض الرقيق، وما شفقة(١) القلب: لرقته غير أن النظر أفاد ترجيح البياض هنا، إذ حيث تردد أنه في الحمرة أو البياض، فالاحتياط في إبقاء الوقت الموجود للشك (١) كذا في الأصل، ولعل في العبارة سقطاً. من المؤلف رحمه الله تعالى .. قلت: وفي فتح القدير (١: ١٥٥): ((ومنه شفقة القلب: لرقته ... )). ٢٣٠ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم في انقضائه، ودخولٍ ما بعده، ولا وقت مهمل بينهما، فبخروج وقت المغرب يدخل وقت العشاء اتفاقاً)) اهـ. وما في الدر المختار أن الإمام رجع إلى قول صاحبيه فقال العلامة قاسم في تصحيح القدوري: إن رجوعه لم يثبت، لما نقله الكافة من لدن الأئمة الثلاثة إلى اليوم من حكاية القولين، ودعوى عمل عامة الصحابة بخلافه خلاف المنقول. قال العلامة قاسم: فثبت أن قول الإمام هو الأصح، وأيده صاحب البحر، وفي السراج: قولهما أوسع، وقوله أحوط، والله أعلم. قال في إعلاء السنن: ((ثم اعلم أنه قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي - كما نقله في النيل -: وقد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول، وهو الذي حد فظنّ* خروج أكثر الوقت به، فصح يقيناً أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين، فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي هو البياض، فتبين بذلك يقيناً أن الوقت دخل بالشفق الذي هو الحمرة)) انتهى. قلت: هذا كله بناء الفاسد على الفاسد، فقوله: ((إن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول)) غلط جداً، لا يقبله كل من له علم بالهيئة، وذلك لأن الحمرة والبياض الباديين في الأفق بعد غروب الشمس كلاهما نظيراً البياض والحمرة الباديين قبل طلوع الشمس، لكون كليهما من آثار أشعتها، فمدة ما بين غروب الشمس إلى غيبوبة بياض الشفق هي المدة ما بين ظهور بياض الفجر إلى طلوع الشمس، سواء بسواء، كما صرح به أصحاب الرياضي والهيئة. قال في حاشية شرح الچغميني: الشفق والفجر هما متشابهان شكلاً، ومتقابلان وضعاً، إذ الفجر يبدو من بياض ضعيف مستطيل، ثم بياض عريض، ثم حمرة، والشفق يبدو بعد الغروب من حمرة، ثم بياض عريض، ثم بياض مستطيل. ولعلك تفطنت من هذا الكلام أن الشفق الأبيض أيضاً مثل الفجر اثنان: بياض مستطير عريض، وبياض ضعيف مستطيل، فكما أن المعتبر في الفجر هو البياض العريض كذلك في الشفق المعتبر هذا البياض المستطير، فلو سلم صحة قول ابن سيد الناس أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل نحمله على البياض المستطيل، وقد عرفت أنه ليس بمعتبر، فلا يرد على أبي حنيفة منه شيء، فافهم) اهـ. قال النووي: ((هذا الحديث وما بعده من الأحاديث صرائح في أن وقت المغرب يمتد إلى غروب الشفق، وهذا أحد القولين في مذهبنا، وهو ضعيف عند جمهور نقلة مذهبنا، وقالوا: الصحيح أنه ليس لها إلا وقت واحد، وهو عقب غروب الشمس بقدر ما يتطهر، ويستر عورته، ٢٣١ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ». ويؤذن، ويقيم، فإن أخر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم، وصارت قضاء، وذهب المحققون من أصحابنا إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب الشفق، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك، ولا يأثم بتأخيرها عن أول الوقت، وهذا هو الصحيح أو الصواب الذي لا يجوز غيره. والجواب عن حديث جبريل ظلّ ** حين صلى المغرب في اليومين في وقت واحد حين غربت الشمس من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه اقتصر على بيان الاختيار، ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جار في كل الصلوات سوى الظهر. والثاني: أنه متقدم في أول الأمر بمكة، وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة، فوجب اعتمادها. والثالث: أن هذه الأحاديث أصح إسناداً من حديث بيان جبريل عليه، فوجب تقديمها. فهذا مختصر ما يتعلق بوقت المغرب، وقد بسطت في شرح المهذب دلائله، والجواب عما يوهم خلاف الصحيح. والله أعلم. قوله: (إلى نصف الليل) الخ: المراد به وقت الاختيار لا الجواز. وقال الاصطخري: إذا ذهب نصف الليل صارت قضاء. قال في شرح المنية: ((وآخره (أي وقت العشاء) ما لم يطلع الفجر، أي: الجزء الذي قبل طلوع الفجر من الزمان، لما ذكر الطحاوي أنه يظهر من مجموع الأحاديث أن آخر وقتها حين يطلع الفجر، وذلك أن ابن عباس وأبا موسى والخدري رووا أنه لا أخّرها إلى ثلث الليل، وروى أبو هريرة وأنس أنه ظلّلا أخرها حتى انتصف الليل، وابن عمر روى أنه ظلَّلا أخّرها حتى ذهب ثلثا الليل، وروت عائشة ◌َّا أنه علّ أعتم بها حتى ذهب عامة الليل (إلا أن المراد بعامة الليل كثير منه، كما قال النووي) وكلها في الصحيح، فثبت أن الليل كله وقت لها، ثم ساق بسنده إلى نافع بن جبير قال: ((كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: وصلِّ العشاء أيّ الليل شئت ولا تغفلها)) ولمسلم في قصة التعريس عن أبي قتادة أن النبي وسلم قال: ((ليس في النوم تفريط، إنما التفريط أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى)) فدل على بقاء وقت كل صلاة إلى أن يدخل وقت الأخرى)) اهـ. قال الحافظ: وعموم حديث أبي قتادة مخصوص بالإجماع في الصبح، وعلى قول الشافعي الجديد في المغرب، فللاصطخري أن يقول: إنه مخصوص بالحديث المذكور وغيره من الأحاديث في العشاء، والله أعلم)) اهـ. ٢٣٢ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٣٨٥ - (١٧٢) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ - وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ مَالِكِ الأَزْدِيُّ وَيُقَالُ: الْمَرَاغِيُّ. وَالْمَرَاغُ حَيٍّ مِنَ الأَزْدِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ بَّرِ؛ قَالَ: ((وَقْتُ الظُهْرِ مَا لَمْ يَخْضُرِ الْعَصْرُ. وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَّرَّ الشَّمْسُ. وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ. وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ. وَوَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ». ١٣٨٦ - (٠٠٠) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ. كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِهِمَا: قَالَ شُعْبَةُ: رَفَعَهُ مَرَّةً. وَلَمْ يَرْفَعْهُ مَرَّتَّيْنِ. ١٣٨٧ - (١٧٣) وحدّثني أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ. وَكَانَ ظِلُ الرَّجُلِ كَطُولِهِ. مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ. وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. وَوَقْتُ صَلاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ. وَوَقْتُ صَلاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ. وَوَقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ. مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ. فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلاةِ. فَإِنَّهَا تَطْلُغُ بَيْنَ قَرْنَيَ شَيْطَانٍ)) . ١٧٢ - ( ... ) - قوله: (المراغ حي من الأزد) الخ: هو بفتح الميم، وبالغين المحجمة. قوله: (ثور الشفق) الخ: بالثاء المثلثة، أي: ثورانه وانتشاره، وفي رواية أبي داود: فور الشفق بالفاء، وهو بمعناه، وهذا يعشر بكون الشفق الحمرة. والله أعلم. ١٧٣ - ( ... ) - قوله: (ما لم يحضر العصر) الخ: بيان وتأكيد لقوله: ((وكان ظل الرجل كطوله)) ثم المراد بالظل الظل الحادث، أو مطلق الظل، ويلائمه قوله: ((ما لم يحضر العصر)) أي: وقته، وهو الظل الحادث لطول الرجل. كذا في المرقاة. وقد تقدم ما يتعلق بشرح هذا اللفظ في شرح أول أحاديث الباب. قوله: (إلى نصف الليل الأوسط) الخ: الأوسط صفة الليل، أي الليل المعتدل، لا طويل ولا قصير، فنصف الليل الأوسط يكون بالنسبة إلى ليل قصير أكثر من نصفه، وبالنسبة إلى ليل طويل أقل من نصفه، وقيل: الأوسط صفة النصف، أي: نصف عدل من الليل عموماً، يعني من كل نصفه، وبه قطع الفقهاء قاطبة. كذا في المرقاة. قوله: (فإنها تطلع بين قرني الشيطان) الخ: أي: جانبي رأسه، وذلك لأن الشيطان يرصد وقت طلوع الشمس فينتصب قائماً في وجه الشمس مستقبلاً لمن سجد للشمس، لينقلب سجود ٢٣٣ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة ١٣٨٨ - (١٧٤) وحدّثني أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِينٍ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي ابْنَ طَهْمَانَ - عَنِ الْحَجَّاجِ - وَهُوَ ابْنُ حَجَّاجٍ- عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ عَنْ وَقْتٍ الصَّلَوَاتِ؟ فَقَالَ: ((وَقْتُ صَلاَةِ الْفَجْرِ مَاَ لَمْ يَطْلُّغْ قَرْنُ الشَّمْسِ الأَوَّلُ. وَوَقْتُ صَلاةِ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّمَاءِ. مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ. وَوَقْتُ صَلاةِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. وَيَسْقُطْ قَرْنُهَا الأَوَّلُ، وَوَقْتُ صَلاةِ الْمَغْرِبِ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ. وَوَقْتُ صَلاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ» . ١٣٨٩ - (١٧٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الكفار للشمس عبادة له، فنهى النبي وَلّر أمته عن الصلاة في ذلك الوقت، لتكون صلاة من عبد الله في غير وقت عبادة من عبد الشيطان. ويحتمل أن يكون من باب التمثيل، شبه تسويل الشيطان لعبدة الشمس عبادتها، وحثه إياهم على سجودها بحمله إياهم برأسه إليهم واطلاعه عليهم. وقيل: المراد بقرنيه حزباه السابقون واللاحقون بالليل والنهار. وقيل: جنداه اللذان يبعثهما حينئذ لإغواء الناس. وقيل: هو من باب التخييل، تشبيهاً له بذوات القرون التي تناطح الأشياء، لأن اللعين مناطح للحق، ومدافع له. قال الطيبي: والمختار هو الوجه الأول، كذا في المرقاة. وقيل: يحتمل أن يكون للشمس شيطان تطلع بين قرنيه. قال الحافظ: ((وعلى هذا فقوله: ((تطلع بين قرني الشيطان)) أي بالنسبة إلى من يشاهد الشمس عند طلوعها، فلو شاهد الشيطان لرآه منتصباً عندها. وقد تمسك به من رد على أهل الهيئة القائلين بأن الشمس في السماء الرابعة، والشياطين قد منعوا من ولوج السماء، ولا حجة فيه لما ذكرنا. والحق أن الشمس في الفلك الرابع، والسموات السبع عند أهل الشرع غير الأفلاك، خلافاً لأهل الهيئة)) انتهى. تنبيه: قال الحافظ: ((وزاد مسلم من حديث عمرو بن عنبسة: ((وحينئذ يسجد لها الكفار)) فالنهي حينئذ لترك مشابهة الكفار، وقد اعتبر ذلك الشرع في أشياء كثيرة، وفي هذا تعقب على أبي محمد البغوي، حيث قال: إن النهي عن ذلك لا يدرك معناه، وجعله من قبيل التعبد الذي يجب الإيمان به». 4 ٢٣٤ ٠۵ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ. ١٣٩٠ - (١٧٦) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. كِلاهُمَا عَنِ الأَزْرَقِ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ (١)، عَنِ النَّبِيِّ وَّةِ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلاةِ؟ فَقَالَ لَهُ: ((صَلْ مَعَنَا هَذَيْنٍ)) - يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ - فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلالاً فَأَذِّنَ. ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، ١٧٥ - ( ... ) - قوله: (لا يستطاع العلم براحة الجسم) الخ: قال السيوطي: ((وقد أخرجه ابن عدي في الكامل بزيادة، ولفظه: «سمعت أبي يقول: كان يقال: ميراث العلم خير من ميراث الذهب، والنفس الصالحة خير من اللؤلؤ، ولا يستطاع العلم براحة الجسم)). قال النووي: ((جرت عادة الفضلاء بالسؤال عن إدخال مسلم هذه الحكاية عن يحيى، مع أنه لا يذكر في كتابه إلا أحاديث النبي ◌ّ و محضة، مع أن هذه الحكاية لا تتعلق بأحاديث مواقيت الصلاة فكيف أدخلها بينها؟ وحكى القاضي عياض كثّفُ عن بعض الأئمة أنه قال: سببه أن مسلماً ؟ما تعالى أعجبه حسن سياق هذه الطرق التي ذكرها لحديث عبد الله بن عمرو، وكثرة فوائدها، وتلخيص مقاصدها، وما اشتملت عليه من الفوائد في الأحكام وغيرها، ولا نعلم أحداً شاركه فيها، فلما رأى ذلك أراد أن ينبّه من رغب في تحصيل الرتبة التي ينال بها معرفة مثل هذا، فقال: طريقه أن يكثر اشتغاله وإتعابه جسمه في الاعتناء بتحصيل العلم. هذا شرح ما حكاه القاضي)) اهـ. وما أحسن ما قال أبو يوسف كثّفُ: ((لا يعطيك العلم بعضه حتى تعطيه كلك)). ١٧٦ - (٦١٣) - قوله: (فقال له: صل معنا) الخ: فيه البيان بالفعل، فإنه أبلغ في الإيضاح، والفعل تعم فائدته السائل وغيره. قوله: (ثم أمره فأقام الظهر) الخ: أي: أمره بالإقامة، وعطف بـ ((ثم)) لأن فيه قليل مهلة بانتظار اجتماع الناس وفعلهم السنن. قوله: (ثم أمره فأقام العصر) الخ: أي: تلفظ بكلمات الإقامة لصلاة العصر، وترك ذكر الوقت لظهوره، وكذا الأذان فيه وفيما بعده للوضوح. (١) قوله: ((عن أبيه)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب أول وقت المغرب، رقم (٥٢٠) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب منه (أي ما جاء في مواقيت الصلاة عن النبي (وَّ)، رقم (١٥٢) وابن ماجه في سننه، في فاتحة كتاب الصلاة، أبواب مواقيت الصلاة، رقم (٦٧٧) وأحمد في مسنده (٥ : ٣٤٩). ٢٣٥ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ. ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتٍ الشَّمْسُ. ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ. ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ. فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ. فَأَبْرَدَ بِهَا. فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا. وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ. وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ. وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ. وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا. ثُمَّ قَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلاةِ؟)) فَقَال الرَّجُلُ: أَنَا. يَاَ رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((وَقْتُ صَلائِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ)». قوله: (والشمس مرتفعة) الخ: الجملة حالية، أي صلى في أول وقته. قوله: (بيضاء) الخ: أي: لم تختلط به صفرة، وكذا قوله: ((نقية)) أي طارهة من الاصفرار، وصافية منه . قوله: (فلما أن كان) الخ: ((أن)) زائدة. قوله: (فأنعم أن يبرد بها) الخ: أي: بالغ في الإبراد، يقال: أحسن إلى فلان وأنعم، أي: زاد في الإحسان وبالغ. والمعنى: زاد الإبراد لصلاة الظهر، وبالغ في الإبراد على أول وقت الإبراد، حتى ثم انكسار وهج الحر، أي شدة حر الظهر. في الفائق: ((حقيقة الإبراد: الدخول في البرد، كقولك أظهرنا، والباء للتعدية، أي أدخل الصلاة في البرد)». قوله: (اخرها) الخ: بالتشدید. قوله: (فوق الذي كان) الخ: أي: فوق التأخير الذي وجد في اليوم الأول. قوله: (وصلى المغرب قبل أن) الخ: فيه حجة على الشافعي في تضييق وقت المغرب. وفيه احتمال تأخير الصلاة عن أول وقتها، وترك فضيلة أول الوقت لمصلحة راجحة. قوله: (بعد ما ذهب ثلث الليل) الخ: ولعله لم يؤخرها إلى آخره وهو وقت الجواز، لأنه يلزم منه الكراهة في حق غيره، ولحصول الحرج بسهر الليل كله، وكراهة النوم قبل صلاة العشاء، وثلث الليل هو آخر الوقت المستحب. قوله: (وقت صلاتكم) الخ: أي: الوقت الذي ينبغي أن تختاروه لصلاتكم، ولعله جمع الضمير إشعاراً بأنه ليس مختصاً بالسائل. قوله: (بين ما رأيتم) الخ: تقديره: وقت صلاتكم في الطرفين اللذين صليت فيهما وفيما بينهما، وترك ذكر الطرفين لحصول علمهما بالفعل، أو يكون المراد ما بين الإحرام بالأولى، والسلام من الثانية، كذا في الشرح. ٢٣٦ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٣٩١ - (١٧٧) وحدّثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ. حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنٍ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَّى النَّبِيَّ ◌َِّ. فَسَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: (اشْهَدْ مَعَنَا الصَّلاةَ)) فَأَمَرَ بِلالاً فَأَذِّنَ بِغَلَسٍ. فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالظُّهْرِ. حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّمَاءِ. ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعَصْرِ. وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْمَغْرِبِ. حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ. ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعِشَاءِ حِينَ وَقَعَ الشَّفَقُ. ثُمَّ أَمَرَهُ، الْغَدَ، فَنَوَّرَ بِالصُّبْحَ. ثُمَّ أَمَرَهُ بِالظُّهْرِ فَأَبْرَدَ. ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعَصْرِ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ تُخَالِطْهَا صُفْرَةٌ. ثُمَّ أَمِّرَهُ بِالْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الشَّفَقُ. ثُمَّ أَمَرَةُ بِالْعِشَاءِ عِنْدَ ذَهَابٍ ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضِهِ - شَكَّ حَرَمِيٍّ - فَلَّمَّا أَصْبَحَ قَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ؟ مَا بَيْنَ مَا رَأَيْتَ وَقْتْ)). ١٣٩٢ - (١٧٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا بَدْرُ بْنُ عُثْمَانَ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ (١)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ؛ أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئاً. قَالَ: فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ. وَالنَّاسُ لا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً. ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْظُّهْرِ. حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ. وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدِ انْتَصَفَ النَّهَارُ. وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ. ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْعَصْرِ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ. ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ. ثُمَّ أَخَّرَ ١٧٧ - ( ... ) - قوله: (إبراهيم بن محمد بن عرعرة) الخ: بفتح العينين المهملتين، وإسكان الراء بينهما . قوله: (السامي) الخ: منسوب إلى سامة بن لؤي بن غالب. قوله: (وجبت الشمس) الخ: أي: غابت. قوله: (وقع الشفق) الخ: أي: غاب. قوله: (فنوّر بالصبح) الخ: من التنوير، أي: أسفر وأضاء. ١٧٨ - (٦١٤) - قوله: (فلم يرد عليه شيئاً) الخ: لم يرد جواباً ببيان الأوقات باللفظ، بل قال له: صلِّ معنا لتعرف ذلك، ويحصل لك البيان بالفعل، وإنما تأولناه لنجمع بينه وبين حديث بريدة، ولأن المعلوم من أحوال النبي ◌َّر أنه كان يجيب إذا سئل عما يحتاج إليه، والله أعلم. (١) قوله: ((عن أبيه)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب آخر وقت المغرب، رقم (٥٢٤) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في المواقيت، رقم (٣٩٥) وأحمد في مسنده (٤: ٤١٦). ٢٣٧ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا. وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ. ثُمَّ أَخَّرَ الظّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيباً مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالأَمْسِ. ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا. وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ احْمَرَّتِ الشَّمْسُ. ثُمَّ أَخَرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ. ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ فَقَالَ: ((الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ)) . ١٣٩٣ - (١٧٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ بَدْرِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى. سَمِعَهُ مِنْهُ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ سَائِلاً أَتَى النَّبِيَّ نَّهِ، فَسَأَلَّهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ؟ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي. (٣٢) - باب: استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحرّ لمن يمضي إلى جماعة ويناله الحرّ في طريقه ١٣٩٤ - (١٨٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ِ قَالَ: ((إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا (٣٢) - باب: استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحرّ لمن يمضي إلى جماعة ويناله الحرّ في طريقه ١٨٠ - (٦١٥) - قوله: (إذا اشتد الحر) الخ: أصله ((اشتدد)) بوزن ((افتعل)) من الشدة، ثم أدغمت إحدى الدالين في الأخرى. ومفهومه: أن الحر لم يشتد لم يشرع الإبراد، وكذا لا يشرع في البرد من باب الأولى. قوله: (فأبردوا) الخ: بقطع الهمزة وكسر الراء، أي أخّروا إلى أن يبرد الوقت، يقال: أبرد إذا دخل في البرد، كأظهر إذا دخل في الظهيرة، ومثله في المكان: أنجد: إذا دخل نجداً، (١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب الإبراد بالظهرفي شدة الحر. رقم (٥٣٣) و(٣٦٥) والنسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر، رقم (٥٠١) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في وقت صلاة الظهر، رقم (٤٠٢) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في تأخير الظهر في شدة الحر، رقم (١٥٧) وابن ماجه في سننه، في كتاب الصلاة، باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، رقم (٦٧٧) و(٦٧٨) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب الإبراد بالظهر، رقم (١٢١٠) وأحمد في مسنده (٢: ٢٣٨ و٢٥٦ و٢٦٦ و ٢٨٥ و ٣٩٤ و ٤٦٢). ٢٣٨ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وأتهم: إذا دخل تهامة، والأمر بالإبراد أمر استحباب. وقيل: أمر إرشاد. وقيل: بل هو للوجوب. حكاه عياض وغيره، وغفل الكرماني فنقل الإجماع على عدم الوجوب، نعم، قال جمهور أهل العلم: يستحب تأخير الظهر في شدة الحر إلى أن يبرد الوقت، وينكسر الوهج. كذا في الفتح. قالت الحنفية: التأخير أفضل في الصيف، والتعجيل في الشتاء، وهذا الفرق مصرح في حديث أنس بن مالك عند النسائي، وخص البعض استحباب التأخير في شدة الحر بالجماعة، فأما المنفرد فالتعجيل في حقه أفضل. وهذا قول أكثر المالكية، والشافعي أيضاً، لكن خصه بالبلد الحار، وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجداً من بعد، فلو كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في كِنّ فالأفضل في حقهم التعجيل. والمشهور عن أحمد التسوية من غير تخصيص ولا قيد، وهو قول إسحاق، والكوفيين، وابن المنذر. واستدل له الترمذي بحديث أبي ذر الآتي بعد هذا، لأن في روايته أنهم كانوا في سفر، وهي رواية للمصنف أيضاً، ستأتي قريباً. قال: فلو كان على ما ذهب إليه الشافعي لم يأمر بالإبراد لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البعد. قال الترمذي: والأول أولى للاتباع. وتعقبه الكرماني: ((بأن العادة في العسكر الكثير تفرقتهم في أطراف المنزل للتخفيف، وطلب الرعي، فلا نسلم اجتماعهم في تلك الحالة)) انتهى. وأيضاً فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرقون في ظلال الشجر، وليس هناك كِنّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي. وغايته أنه استنبط من النص العام وهو الأمر بالإبراد معنى يخصصه، وذلك جائز على الأصح في الأصول، ولكنه مبني على أن العلة في ذلك تأذّيهم بالحر في طريقهم، وللمتمسك بعمومه أن يقول: العلة فيه تأذيهم بحر الرمضاء في جباههم حالة السجود. قلت: وأيضاً شدة تأذّيهم بنفس الاجتماع مع التزاق بعضهم ببعض في الجماعة في وقت شدة الحر، ولهذا لم يُمنعوا من الصلاة في شدة البرد، ويؤيده حديث أنس: ((كنا إذا صلينا خلف النبي ◌ّر بالظهائر سجدنا على ثيابنا، اتقاء الحر)) رواه أبو عوانة في صحيحه بهذا اللفظ، وأصله في مسلم. وفي حديث أنس أيضاً في الصحيحين نحوه، وسيأتي قريباً. والجواب عن ذلك أن العلة الأولى أظهر، فإن الإبراد لا يزيل الحرّ عن الأرض، وذهب بعضهم إلى أن تعجيل الظهر أفضل مطلقاً، وقالوا: معنى ((أبردوا)) صلوا في أول الوقت، أخذاً من برد النهار، وهو أوله، وهو تأويل بعيد يرده قوله: ((فإن شدة الحر من فيح جهنم)) إذ التعليل ٢٣٩ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة بِالصَّلاةِ. فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ بذلك يدل على أن المطلوب التأخير، وحديث أبي ذرّ الآتي صريح في ذلك، حيث قال: ((انتظر، انتظر)). والحامل لهم على ذلك حديث خباب: ((شكونا إلى رسول الله وَلل حر الرمضاء في جباهنا وأكفّنا، فلم يُشكنا)) أي فلم يزل شكوانا، وهو حديث صحيح، رواه مسلم. وتمسكوا أيضاً بالأحاديث الدالة على فضيلة أول الوقت، وبأن الصلاة حينئذ أكثر مشقة، فتكون أفضل. والجواب عن حديث خباب أنه محمول على أنهم طلبوا تأخيراً زائداً عن وقت الإبراد، وهو زوال حر الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت، فلذلك لم يجبهم، أو هو منسوخ بأحاديث الإبراد، فإنها متأخرة عنه، واستدل له الطحاوي بحديث المغيرة بن شعبة قال: ((كنا نصلي مع رسول الله وَلقر الظهر بالهاجرة، ثم قال لنا: أبردوا بالصلاة ... )) الحديث، وهو حديث رجاله ثقات، رواه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله وَلقتله. وجمع بعضهم بين الحديثين بأن الإبراد رخصة، والتعجيل أفضل، وهو قول من قال: إنه أمر إرشاد، وعكسه بعضهم، فقال: الإبراد أفضل، وحديث خباب يدل على الجواز وهو الصارف للأمر عن الوجوب، كذا قيل: وفيه نظر، لأن ظاهره المنع من التأخير. وقيل: معنى قول خباب: ((فلم يشكنا)) أي فلم يحوجنا إلى شكوى، بل أذن لنا في الإبراد، حكي عن ثعلب، ويرده أن في الخبر زيادة رواها ابن المنذر بعد قوله: ((فلم يشكنا)) وقال: ((إذا زالت الشمس فصلوا)) وأحسن الأجوبة - كما قال المازري - الأول. والجواب عن أحاديث أول الوقت أنها عامة، أو مطلقة، والأمر بالإبراد خاص، فهو مقدم، ولا التفات إلى من قال: التعجيل أكثر مشقة فيكون أفضل، لأن الأفضلية لم تنحصر في الأشق، بل قد يكون الأخف أفضل، كما في قصر الصلاة في السفر. كذا في الفتح. قوله: (بالصلاة) الخ: الباء للتعدية، وقيل: زائدة، ومعنى ((أبردوا)) أخّروا على سبيل التضمين، أي أخّروا الصلاة. قوله: (فإن شدة الحر) الخ: تعليل لمشروعية التأخير المذكور، وهل الحكمة فيه دفع المشقة لكونها قد تسلب الخشوع؟ وهذا أظهر، أو كونها الحالة التي ينقشر فيها العذاب؟ ويؤيده حديث عمرو بن عبسة عند مسلم، حيث قال له: ((أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم)) . وقد استشكل هذا بأن الصلاة سبب الرحمة، ففعلها مظنة لطرد العذاب، فكيف أمر بتركها؟ ٢٤٠ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)). ١٣٩٥ - (٠٠٠) وحدّثني حَرْمَلَة بْنُ يَحْيَىُ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُمَا سَمِعًا أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِمِثْلِهِ، سَوَاءً. ١٣٩٦ - (١٨١) وحدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى - قَالَ عَمْرٌو: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ - قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو؛ أَنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ وَسَلْمَانَ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ: (إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الْحَارُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ. فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيِحِ جَهَنَّمَ)). قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي أَبُو يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((أَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرْ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)) . وأجاب عنه أبو الفتح العمري بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله، وإن لم يفهم معناه، واستنبط له الزين بن المنير معنى يناسبه، فقال: وقت ظهور أثر الغضب لا ينجع فيه الطلب إلا ممن أذن له فيه، والصلاة لا تنفك عن كونها طلباً، ودعاء، فناسب الاقتصار عنها حينئذ، واستدل بحديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء، كلهم للأمم بأن الله تعالى غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، سوى نبينا وَّليز، فلم يعتذر بل طلب لكونه أذن له في ذلك، ويمكن أن يقال: سجر جهنم سبب فيحها، وفيحها سبب وجود شدة الحر، وهو مظنة المشقة التي هي مظنة سلب الخشوع، فناسب أن لا يصلى فيها . لكن يرد عليه أن سجرها مستمر في جميع السنة، والإبراد مختص بشدة الحر، فهما متغايران، فحكمة الإبراد دفع المشقة، وحكمة الترك وقت سجرها لكونه وقت ظهور أثر الغضب، والله أعلم. قوله: (من فيح جهنم) الخ: بفاء، ثم ياء، ثم حاء، أي من سعة انتشارها وتنفسها، ومنه: مكان أفيح: أي متسع، وهذا كناية عن شدة استعارها، وظاهره أن مثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة. وقيل: هو من مجاز التشبيه، أي كأنه نار جهنم في الحر، والأول أولى، ويؤيده الحديث الآتي: اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين ..... )) وسيأتي البحث فيه، كذا في الفتح. قلت: ويخطر بالبال أن الحرارة معدنها جهنم، والشمس تستفيد الحرارة منها، ثم الأشياء الأرضية تكتسبها من الشمس، على اختلاف استعدادها ومحاذاتها للشمس، وقلة موانعها، ومثل الشمس بين الأرض وبين جهنم كالمرآة المحماة، (شيشه آتشين) تجذب حرارة الشمس إلى نفسها، ثم تفيضها على ما يحاذيها، فيحرقه، والله سبحانه وتعالى أعلم.