النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ. وَلاَ مُعْطِيّ لِمَا مَنَعْتَ. وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». ١٣٤٢ - (١٣٩) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ؛ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ (١) يَقُولُ فِي دُبُرٍ كُلِّ صَلَةٍ، حِينَ يُسَلِّمُ: ((لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَخْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. لَهُ الْمُلْكُ وَلَّهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةً إِلا باللّهِ. لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، لَهُ النَّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ. وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ. لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ». وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ. ١٣٤٣ - (١٤٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، مَوْلَّى لَّهُمْ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يُهَلِّلُ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ. وَقَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ يَقُولُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَله يُقَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ. ١٣٤٤ - (٠٠٠) وحدّثني يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ. حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ. وَهُوَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ بَهِ يَقُولُ، إِذَا سَلَّمَ، فِي دُبُرِ الصَّلاَةِ أَوِ الصَّلَوَاتِ فَذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً. ١٣٤٥ - (١٤١) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ ١٣٩ - (٥٩٤) - قوله: (النعمة) الخ: أي: جنسها. قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] أوّله نعمة التوفيق. قوله: (وله الفضل) الخ: بالقبول أو التفضل على عباده. قوله: (وله الثناء الحسن) الخ: على ذاته، وصفاته، وأفعاله، ونعمه، وعلى كل حال. قوله: (مخلصين له الدين) الخ: أي: الطاعة من دون رياء ونفاق. قوله: (ولو كره الكافرون) الخ: أي: ولو كره الكافرون جميعهم حال كوننا مخلصين دين الله، وکوننا عابدین وموحدین لله. (١) قوله: ((ابن الزبير)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب التهليل بعد التسليم، رقم (١٣٤٠) وباب عدد التهليل والذكر بعد التسليم، رقم (١٣٤١) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل إذا سلم، رقم (١٥٠٦) و(١٥٠٧) وأحمد في مسنده (٤: ٤ و٥). ١٨٢ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سالِم، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ؛ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكِّيَّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَقُوَّلُ، فِي إِثْرِ الصَّلاَةِ إِذَا سَلَّمَ، بِمِثْلٍ حَدِيثِهِمَا. وَقَالَ فِي آخِرِهِ : وَكَانَ يَذْكُرُ ذُلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. ١٣٤٦ - (١٤٢) حدّثنا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ. حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ عَنِ ابْنِ عَجْلاَنَ كِلاَهُمَا عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١) - وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ - أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ وَّل. فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّنُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. فَقَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)) قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي. وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ. وَيَتَصَدَّقُونَ وَلاَ نَتَّصَدَّقُ. وَيُعْتِقُونَ وَلاَ نُعْتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ: ((أَفَلاَ أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُذْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ؟ وَلاَ يَكُونَ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ)) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ١٤٢ - (٥٩٥) - قوله: (أن فقراء المهاجرين) الخ: كان الفقر في المهاجرين أكثر منه في الأنصار، لانتقال المهاجرين عن أموالهم التي بمكة، فلذا لم يقع السؤال إلا منهم، وقد سمي منهم عند أبي داود: أبو ذر الغفاري، وعند النسائي: أبو الدرداء. قوله: (أهل الدثور) الخ: بضم المهملة والمثلثة، جمع ((دثر)) بفتح ثم سكون، هو المال الكثير . قوله: (بالدرجات العلى) الخ: بضم العين، جمع العليا، وهي تأنيث الأعلى، ويحتمل أن تكون حسية، والمراد درجات الجنات، أو معنوية، والمراد علو القدر عند الله. قوله: (والنعيم المقيم) الخ: وصفه بالإقامة إشارة إلى ضده، وهو النعيم العاجل، فإنه قال ما يصفو، وإن صفا فهو بصدد الزوال. قوله: (ويصومون كما نصوم) الخ: زاد في حديث أبي الدرداء: ((ويذكرون كما نذكر)) وفي حديث ابن عمر: ((صدقوا تصديقنا وآمنوا إيماننا)). قوله: (من سبقكم) الخ: من أهل الأموال الذين امتازوا عليكم بالصدقة والإعتاق. قوله: (ولا يكون أحد أفضل منكم) الخ: ظاهره نفي الأفضلية عن غيرهم، لا إثبات أفضليتهم ممن سواهم، فهذا لا ينافي المساواة التي يدل عليها قوله: ((تدركون به من سبقكم)) (١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، رقم (٨٤٣) وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء بعد الصلاة، رقم (٦٣٢٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب التسبيح بالحصى، رقم (١٥٠٤) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب التسبيح في دبر الصلاة، رقم (١٣٦٠) وأحمد في مسنده (٢: ٢٣٨). ١٨٣ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة («تُسَبِحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ، وقيل: إن الإدراك لا يلزم منه المساواة، فقد يدرك ثم يفوق، فالتقرب بهذا الذكر راجح على التقرب بالمال. واستشكل تساوي فضل هذا الذكر بفضل التقرب بالمال مع شدة المشقة فيه، وأجاب الكرماني بأنه لا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقة في كل حالة. واستدل لذلك بفضل كلمة الشهادة مع سهولتها على كثير من العبادات الشاقة. قوله: (تسبحون وتكبرون) الخ: الترتيب بين التسبيح والتحميد والتكبير ليس بلازم، ويستأنس لذلك بقوله في حديث الباقيات الصالحات: ((لا يضرك بأيهن بدأت)) لكن يمكن أن يقال: الأولى البداءة بالتسبيح: لأنه يتضمن نفي النقائص عن الباري سبحانه وتعالى، ثم التحميد، لأنه يتضمن إثبات الكمال له إذ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال، ثم التكبير: إذ لا يلزم من نفي النقائص وإثبات الكمال أن يكون هناك كبيرآخر، ثم يختم بالتهليل الدال على انفراده سبحانه وتعالى بجميع ذلك. قوله: (في دبر كل صلاة) الخ: وفي بعض الروايات: ((خلف كل صلاة)) وفي بعضها: ((إثر كل صلاة)). وأما رواية ((دبر)) فهي بضمتين، قال الأزهري: دبر الأمر - يعني بضمتين - ودبره، يعني بفتح ثم سكون آخره، وادعى أبو عمرو الزاهد أنه لا يقال بالضم إلا للجارحة. وردّ بمثل قولهم: أعتق غلامه عن دبر. قال الحافظ: ((ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيراً بحيث لا يعد معرضاً، أو كان ناسياً أو متشاغلاً بما ورد أيضاً بعد الصلاة، وكآية الكرسي: فلا يضر، وظاهر قوله: ((كل صلاة)) يشمل الفرض والنفل، لكن حمله أكثر العلماء على الفرض، وقد وقع في حديث كعب بن عجرة عند مسلم التقييد بالمكتوبة، وكأنهم حملوا المطلقات عليها، وعلى هذا هل يكون التشاغل بعد المكتوبة الراتبة بعدها فاصلاً بين المكتوبة والذكر أو لا؟ محل النظر، والله أعلم. قال ابن بطال: في هذه الأحاديث: الحض على الذكر في أدبار الصلوات، وأن ذلك يوازي إنفاق المال في طاعة الله، لقوله: ((تدركون به من سبقكم)) وسئل الأوزاعي: هل الذكر بعد الصلاة أفضل أم تلاوة القرآن؟ فقال: ليس شيء يعدل القرآن، ولكن كان هدي السلف الذكر. وفيها أن الذكر المذكور يلي الصلاة المكتوبة، ولا يؤخر إلى أن يصلي الراتبة لما تقدم، والله أعلم، كذا في الفتح. وقال شمس الأئمة الحلواني من أصحابنا: ((لا بأس بقراءة الأوراد بين الفريضة والسنة)). ١٨٤ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم . قال ابن الهمام في معنى هذا الكلام: ((وإنما قال: ((لا بأس))؟ لأن المشهور من هذه العبارة استعمالها فيما يكون خلافه أولى منه، فكان معناها أن الأولى أن لا يقرأ الأوراد قبل السنة، فلو فعل لا بأس به، فلا تسقط بقراءته ذلك، حتى إذا صلاها بعد الأوراد تقع سنة مؤداة لا على وجه السنة)) اهـ، وقال في الاختيار شرح المختار: ((كل صلاة بعدها سنة يكره القعود بعدها، والدعاء، بل يشتغل بالسنة، وأورد حديث عائشة السابق ذكره، ثم قال: أي فيندب الفصل بهذا لهذا)) اهـ. قال ابن الهمام: ((فمن ادعى فصلاً أكثر مما ذكر في حديث عائشة فلينقله، ولا يقتضي الأكثر ما ورد من أنه ◌َ ﴿ كان يقول دبر كل صلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... )) الخ والحديث الوارد في الأمر لفقراء المهاجرين بالتسبيح وأخواته دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين إلى غير ذلك، لأنه لا يقتضي وصل هذه الأذكار بالفرض، بل كونها عقب السنة من غير اشتغال بما ليس من توابع الصلاة فصح كونها دبرها)). ثم قال ابن الهمام: ((والحاصل أنه لم يثبت عنه ظلّ الفصل بالأذكار التي يواظب عليها في المساجد في عصرنا من قراءة آية الكرسي، والتسبيح وأخواته ثلاثاً وثلاثين وغيرها، بل ندب هو إليها، والقدر المتحقق أن كلا من السنن والأوراد له نسبة إلى الفرائض بالتبعية، والذي ثبت عنه ◌َّو هو ما روته عائشة عند مسلم والترمذي، وتقدم ذكره، قال: فهو نص صريح في المراد، وما يتخايل منه أنه يخالفه: لم يقو قوته، فوجب اتباع هذا النص)). واعلم أن المذكور في حديث عائشة هذا لا يستلزم سنية هذا اللفظ بعينه دبر كل صلاة، إذ لم تقل: حتى يقول، وإلا أن يقول، فيجوز كونه * كان مرة يقوله، ومرة يقول غيره من قوله: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... )) الخ، ومقتضى العبارة حينئذ أن السنة يفصل بين الفرض والسنة بذكر قدر ذلك، وذلك يكون تقريباً، فقد يزيد قليلاً، وقد ينقص قليلاً، وقد يدرج، وقد يترسل، فأما ما يزيد مثل آية الكرسي وعدد التسبيحات، فينبغي استنان تأخيرها عن السنة البتة، على أن ثبوت مواظبته وَل﴿ لا أعلمه بل الثابت عنه ندبه إلى ذلك، ولا يلزم من ندبه إلى شيء مواظبته عليه، وإلا لم يفرق حينئذ بين السنة والمندوب، وعندي قول الحلواني حكم آخر لا يعارض القولين، يفيد عدم سقوط السنة بقراءة الأوراد بين الفرض والسنة، فقط. اهـ. كذا في الشرح الإحياء للزبيدي. وقال الشيخ المحقق ولي الله الدهلوي كثّفُهُ: ((والأدعية كلها بمنزلة أحرف القرآن، من قرأ منها شيئاً فاز بالثواب الموعود، والأولى أن يأتي بهذه الأذكار قبل الرواتب، فإنها جاء في بعض الأذكار ما يدل على ذلك نصاً، كقوله: ((من قال قبل أن ينصرف ويثني رجليه من صلاة المغرب والصبح: لا إله إلا الله وحده ... )) الخ وكقول الراوي ((كان إذا سلم من صلاته يقول بصوته ١٨٥ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة ثَلاَثًاً وَثَلاَثِينَ مَرَّةً)). قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعِّلْنَا. فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((ذُلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)) . الأعلى: ((لا إله إلا الله)) الخ، قال ابن عباس: ((كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله وَله بالتكبير)). وفي بعضها ما يدل ظاهراً، كقوله: ((دبر كل صلاة)) وأما قول عائشة: ((كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ... )) الخ، فيحتمل وجوهاً: منها: أنه كان لا يقعد بهيئة الصلاة إلا هذا القدر، ولكنه يتيامن ويتياسر، أو يقبل على القوم بوجهه، فيأتي بالأذكار، لئلا يظن الظان أن الأذكار من الصلاة. منها: أنه كان حيناً بعد حين يترك الأذكار غير هذه الكلمات، يعلمهم أنها ليست فريضة، وإنما مقتضى ((كان)) وجود هذا الفعل كثيراً، لا مرة ولا مرتين، ولا المواظبة، والأصل في الرواتب أن يأتي بها في بيته، والسر في ذلك كله أن يقع الفصل بين الفرض والنوافل بما ليس من جنسهما، وأن يكون فصلاً معتداً به يدرك بادي الرأي، وهو قول عمر حظالله لمن أراد أن يشفع بعد المكتوبة: ((اجلس فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلواتهم فصل)) فقال النبي وَّلير: ((أصاب الله بك يا ابن الخطاب)) وقوله وَله: ((اجعلوها في بيوتكم)) انتهى كلامه. قلت: فالإتيان بشيء من الأذكار والأدعية المأثورة بعد الفرائض متصلاً بها هو الراجح في نظري، فإنه يفيد فصلاً زمانياً بين الفريضة والنافلة، كما أن التحول من موضع الفريضة يفيد فصلاً مكانياً. والله أعلم. قوله: (ثلاثاً وثلاثين) الخ: يحتمل أن يكون المجموع للجميع، فإذا وزع كان بكل واحد إحدى عشرة، وهو الذي فهمه سهيل بن أبي صالح، كما رواه مسلم من طريق روح بن القاسم عنه لكن لم يتابع سهيل على ذلك، بل لم أر في شيء من طرق الحديث كلها التصريح بإحدى عشرة إلا في حديث ابن عمر عند البزار، وإسناده ضعيف، والأظهر أن المراد أن المجموع لكل فرد فرد، فعلى هذا ففيه تنازع ثلاثة أفعال في ظرف ومصدر، والتقدير: تسبحون خلف صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدون كذلك، وتكبرون كذلك. قاله الحافظ كقذفهُ . قوله: (قال أبو صالح: فرجع فقراء) الخ: هذه الزيادة مرسلة. قوله: (ذلك فضل الله يؤتيه) الخ: زاد في حديث ابن عمر عند البزار: ((يا معشر الفقراء، ألا يسركم أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنياءهم بنصف يوم خمسمائة عام، وتلا موسى بن عبيدة: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُونَ﴾ [الحج: ٤٧]. قال ابن بطال عن المهلب: ((في هذا الحديث (أي حديث الباب) فضل الغني نصاً لا ١٨٦ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَزَادَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ اللَّيْثِ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ: قَالَ سُمَيٍّ: فَحَدَّثْتُ تأويلاً، إذ استوت أعمال الغني والفقير فيما افترض الله عليهما، فللغني حينئذ فضل عمل البر من الصدقة ونحوها مما لا سبيل للفقير إليه)). وقال ابن دقيق العيد: ظاهر الحديث القريب من النص أنه فضل الغني، وبعض الناس تأوّله بتأويل مستكره، قال: والذي يقتضيه النظر أنهما إن تساويا وفضلت العبادة المالية أنه يكون الغني أفضل، وهذا لا شك فيه، وإنما النظر إذا تساويا وانفرد كل منهما بمصلحة ما هو فيه أيهما أفضل، إن فسر الفضل بزيادة الثواب، فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة، فيترجح الغنى، وإن فسر بالأشرف بالنسبة إلى صفات النفس فالذي يحصل لها من التطهير بسبب الفقر أشرف، فيترجح الفقر، ومن ثم ذهب جمهور الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر. وقال القرطبي: للعلماء في هذه المسألة خمسة أقوال ... ، ثالثها: الأفضل الكفاف. رابعها : يختلف باختلاف الأشخاص. خامسها: التوقف. وقال الكرماني: قضية الحديث أن شكوى الفقر تبقى بحالها. وأجاب بأن مقصودهم كان تحصيل الدرجات العلي والنعيم المقيم لهم أيضاً، لا نفي الزيادة عن أهل الدثور مطلقاً . اهـ. قال الحافظ: ((والذي يظهر أن مقصودهم إنما كان طلب المساواة، ويظهر أن الجواب وقع قبل أن يعلم النبي ◌َّر أن متمني الشيء يكون شريكاً لفاعله في الأجر. فإن في رواية للترمذي من وجه آخر التصريح بأن المنفق والمتني إذا كان صادق النية في الأجر: سواء، وكذا قوله وَله: ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من يعمل بها، من غير أن ينقص من أجره شيء)» فإن الفقراء في هذه القصة كانوا السبب في تعلم الأغنياء الذكر المذكور، فإذا استووا معهم في قوله امتاز الفقراء بأجر السبب مضافاً إلى التمني، فلعل ذلك يقاوم التقرب بالمال، وتبقى المقايسة بين صبر الفقير على شظف العيش وشكر الغني على التنعم بالمال، ومن ثم وقع التردد في تفضيل أحدهما على الآخر)). قال الحافظ: ((وفي حديث الباب التوسعة في الغبطة، وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا يسمى منافسة، فإن كان في الطاعة فهو محمود، ومنه: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] وإن كان في المعصية فهو مذموم، ومنه: (ولا تنافسوا)) وإن كان في الجائزات فهو مباح)). قوله: (وزاد غير قتيبة) الخ: لم يوصل مسلم هذه الزيادة، و((الغير)) المذكور يحتمل أن يكون شعيب بن الليث أو سعيد بن أبي مريم، فقد أخرجه أبو عوانة في مستخرجه عن الربيع بن سليمان، عن شعيب. وأخرجه الجوزقي والبيهقي من طريق سعيد. ١٨٧ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة بَعْضَ أَهْلِي هَذَا الْحَدِيثَ. فَقَالَ: وَهِمْتَ. إِنَّمَا قَالَ: ((تُسَبِحُ اللَّهَ ثَلاثاً وَثَلاَثِينَ وَتَحْمَدُ اللَّهَ ثَلاثَاً وَثَلاَثِينَ وَتُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلاثَاً وَثَلاَئِينَ)) فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي صَالِحِ فَقُلْتُ لَهُ ذُلِكَ. فَأَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. اللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلاثَةً وَثَلاَثِينَ. قوله: (وتكبر الله ثلاثاً وثلاثين) الخ: وفي بعض الروايات: ((إنهن أربع وثلاثون)) ويخالف ذلك ما في رواية محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة عند أبي داود، ففيه: ((ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له ... )) إلى آخره، وكذا لمسلم في رواية عطاء بن يزيد عن أبي هريرة، ومثله لأبي داود في حديث أم الحكم، وجعفر الفريابي في حديث أبي ذر. قال النووي: ((ينبغي أن يجمع بين الروايتين بأن يكبر أربعاً وثلاثين، ويقول معها: لا إله إلا الله وحده إلى آخره)) . وقال غيره: بل يجمع أن يختم مرة بزيادة تكبيرة، ومرة بلا إله إلا الله، على وفق ما وردت به الأحادیث. قوله: (حتى تبلغ من جميعهن ثلاثة وثلاثين) الخ: ظاهرها أن العدد للجميع، لكن يقول ذلك مجموعاً، وهذا اختيار أبي صالح، لكن الرواية الثابتة عن غيره: الإفراد، قال عياض: وهو أولى، ورجح بعضهم الجمع للإتيان فيه واو العطف، والذي يظهر أن كلا من الأمرين حسن، إلا أن الإفراد يتميز بأمر آخر، وهو أن الذاكر يحتاج إلى العدد، وله على كل حركة لذلك - سواء كان بأصابعه أو بغيرها - ثواب لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث. وقد جاء من حديث زيد بن ثابت وابن عمر أنه وفر أمرهم أن يقولوا كل ذكر منها خمساً وعشرين، ويزيدوا فيها ((لا إله إلا الله)) خمساً وعشرين. ولفظ زيد بن ثابت («أمرنا أن نسبح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ونحمد ثلاثاً وثلاثين، ونكبر أربعاً وثلاثين، فأتى رجل في منامه، فقيل له: أمركم محمد أن تسبحوا - فذكره - قال: نعم، قال: اجعلوها خمساً وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبي ◌َّر وأخبره، فقال: فافعلوه)). أخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان. ولفظ ابن عمر: ((رآى رجل من الأنصار فيما يرى النائم ... فذكر نحوه، وفيه: فقيل له: سبح خمساً وعشرين، واحمد خمساً وعشرين، وكبر خمساً وعشرين، وهلل خمساً وعشرين، فتلك مائة فأمرهم النبي ◌َّر أن يفعلوا كما قال)) أخرجه النسائي وجعفر الفريابي. واستنبط من هذا أن مراعاة العدد المخصوص في الأذكار معتبرة، وإلا لكان يمكن أن يقال لهم: أضيفوا لها التهليل ثلاثاً وثلاثين. وقد كان بعض العلماء يقول: إن الأعداد الواردة كالذكر عقيب الصلوات إذا رتب عليها ١٨٨ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ ابْنُ عَجْلاَنَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ. ١٣٤٧ - (١٤٣) وحدّثني أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع. حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ؛ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَّ رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُّ الدُّنُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالَّعِيمِ الْمُقِيمِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ. إِلاَّ أَنَّهُ ثواب مخصوص فزاد الآتي بها على العدد المذكور لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص، لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوت بمجاوزة ذلك العدد. قال شيخنا الحافظ أبو الفضل في شرح الترمذي: ((وفيه نظر، لأنه أتى بالمقدار الذي رتب الثواب على الإتيان به، فحصل له الثواب بذلك، فإذا زاد عليه من جنسه، كيف تكون الزيادة مزيلة لذلك الثواب بعد حصوله))؟ اهـ. ويمكن أن يفترق الحال فيه بالنية، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد، ثم أتى بالزيادة، فالأمر كما قال شيخنا لا محالة، وإن زاد بغير نية بأن يكون الثواب رتب على عشرة مثلاً فرتبه هو على مائة، فيتجه القول الماضي. وقد بالغ القرافي في القواعد، فقال: ((من البدع المكروهة الزيادة في المندوبات المحدودة شرعاً، لأن شأن العظماء إذا حدوا شيئاً أن يوقف عنده، ويعد الخارج عنه مسيئاً للأدب)) اهـ. وقد مثله بعض العلماء بالدواء يكون - مثلاً - فيه أوقية سكر، فلو زيد فيه أوقية أخرى لتخلف الانتفاع به، فلو اقتصر على الأوقية في الدواء ثم استعمل من السكر بعد ذلك ما شاء لم يتخلف الانتفاع، ويؤيد ذلك أن الأذكار المتغايرة إذا ورد لكل منها عدد مخصوص مع طلب الإتيان بجميعها متوالية لم تحسن الزيادة على العدد المخصوص لما في ذلك من قطع الموالاة، لاحتمال أن يكون للموالاة في ذلك حكمة خاصة تفوت بفواتها، والله أعلم. كذا في الفتح. قال العيني كثّفُ: ((الصواب هو الذي قاله الشيخ (أي في شرح الترمذي) أن هذا ليس من الحدود التي نهيَّ عن اعتدائها ومجاوزة أعدادها، والدليل على ذلك ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَله: ((من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد علیه)) اهـ. قلت: هذا ليس بصريح في الزيادة على عدد هذا الذكر المخصوص، بل اللفظ يشمل ما إذا زاد شيئاً من القول الطيب أو العمل الحسن. والله أعلم. فإن قلت: الشرط في هذا أن يقول الذكر المنصوص عليه بالعدد متتابعاً أم لا؟ والشرط أن يكون في مجلس واحد أم لا؟ قلت: كل منهما ليس بشرط، ولكن الأفضل أن يأتي به متتابعاً، وأن يراعي الوقت الذي عين فيه)). كذا في العمدة. ١٨٩ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة أَدْرَجَ، فِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَوْلَ أَبِي صَالِحٍ: ثُمَّ رَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ. إِلَى آخِرٍ الْحَدِيثِ. وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: يَقُولُ سُهَيْلٌ: إِخْدَى عَشْرَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ فَجَمِيعُ ذُلِكَ كُلُّهُ ثَلاَثَةٌ وَثَلاثُونَ . ١٣٤٨ - (١٤٤) وحدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ. أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ. قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَىْ، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةً(١)، عَنْ رَسُولِ اللّهِ بِهِ قَالَ: ((مُعَقِّبَاتٌ لاَ يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ، (أَوْ فَاعِلُهُنَّ)، دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ. ثَلاَثٌ وَثَلاثُونَ تَسْبِيحَةً. وَثَلاثٌ وَثَلاثُونَ تَحْمِيدَةً. وَأَرْبَعْ وَثَلاثُونَ تَكْبِیرَةً» . ١٣٤٩ - (١٤٥) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ. حَدَّثَنَا حَمْزَةٌ الزَّيَّاتُ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ،وَلِ؛ قَالَ: ((مُعَقْبَاتٌ لاَ يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ، (أَوْ فَاعِلُهُنَّ)، ثَلاَثَ وَثَلاثُونَ تَسْبِيحَةٌ. وَثَلاثٌ وَثَلاَثُونَ تَحْمِيدَةً. وَأَرْبَعْ وَثَلاثُونَ تَكْبِيرَةً. فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ» . ١٤٣ - ( ... ) - قوله: (يقول سهيل: إحدى عشرة) الخ: تقدم منشؤه في شرح قوله: («ثلاثاً وثلاثين مرة)). ١٤٤ - (٥٩٦) - قوله: (عن كعب بن عجرة) الخ: اعلم أن حديث كعب بن عجرة هذا ذكره الدارقطني في استدراكاته على مسلم، وقال: ((الصواب أنه موقوف على كعب، لأن من رفعه لا يقاومون من وقفه في الحفظ)»، وهذا الذي قاله الدارقطني مردود، لأن مسلماً رواه من طرق كلها مرفوعة، وذكره الدارقطني أيضاً من طرق أخرى مرفوعة، وإنما روي موقوفاً من جهة منصور وشعبة، وقد اختلفوا عليهما أيضاً في رفعه ووقفه، وبين الدارقطني ذلك. وقد قدمنا في الفصول السابقة في أول هذا الشرح أن الحديث الذي روي موقوفاً ومرفوعاً يحكم بأنه مرفوع على المذهب الصحيح الذي عليه الأصوليون والفقهاء والمحققون من المحدثين، منهم: البخاري وآخرون، حتى لو كان الواقفون أكثر من الرافعين حكم بالرفع، كيف! والأمر هنا بالعكس، ودليله ما سبق أن هذه زيادة ثقة، فوجب قبولها، ولا ترد لنسيان أو تقصير حصل بمن وقفه، والله أعلم، قاله النووي كثُّهُ. ١٤٥ _ ( ... ) - قوله: (معقبات) الخ: قال الهروي: قال سمرة: معناه تسبيحات تفعل (١) قوله: ((عن كعب بن عجرة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب نوع آخر من عدد التسبيح، رقم (١٣٥٠) والترمذي في جامعه، في كتاب الدعوات، باب منه (بعد باب ما جاء في التسبيح والتكبير والتحميد عند المنام) رقم (٣٤١٢). ١٩٠ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٣٥٠ - (٠٠٠) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسِ الْمُلاَئِيُّ عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. ١٣٥١ - (١٤٦) حدّثني عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيّانِ الْوَاسِطِيُّ. أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ الْمَذْحِجِيِّ - قَالَ مُسْلِمٌ: أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ ((مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَةٍ ثَلاَثَاً وَثَلاثِينَ. وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاثَاً وَثَلاَِّينَ. وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاَثًاً وَثَلاثِينَ. فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ. وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: ((لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ. لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)). ١٣٥٢ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّح. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ بِمِثْلِهِ. (٢٧) - باب: ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة ١٣٥٣ - (١٤٧) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(٢)؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَّةِ، سَكَتَ هُنَيَّةً أعقاب الصلاة. وقال أبو الهشيم: سميت (معقبات)) لأنها تفعل مرة بعد أخرى، وقوله تعالى: ﴿لَمُ مُعَقِبَتٌ﴾ [الرعد: ١١] أي ملائكة يعقب بعضهم بعضاً، كذا في الشرح. وفي حاشية السندي كثّفُ: ((معقبات: أي كلمات تأتي بعضها عقب بعض، أو موجبات للعاقبة الحميدة تأتي عقبها لا يخيب قائلها عن تلك العاقبة)). والله أعلم. ١٤٦ - (٥٩٧) - قوله: (عن أبي عبيد المذحجي) الخ: بفتح الميم وإسكان الذال المعجمة، ثم حاء مهملة مكسورة، ثم جيم، منسوب إلى مذحج، قبيلة معروفة. (٢٧) - باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة ١٤٧ - (٥٩٨) - قوله: (سكت هنية) الخ: بالنون بلفظ التصغير وهو عند الأكثر بتشديد (١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث لم أجده عند أحد من أصحاب الأصول الستة ولا الدارمي، وقد أخرجه أحمد في مسنده (٢: ٣٧١ و٤٨٣). (٢) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير رقم (٧٤٤) والنسائي في سننه، في كتاب الصلاة، باب السكتة عند الافتتاح، رقم (٧٨١) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب افتتاح الصلاة، رقم (٨٠٥) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب في السكتتين، رقم (١٢٤٧) وأحمد في مسنده (٢: ٢٣١ و٤٩٤). ١٩١ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: ((أَقُولُ: اللَّهُمّ بَاعِدْ بَيْنِي الياء، وذكر عياض والقرطبي أن أكثر رواة مسلم قالوه بالهمزة، وأما النووي فقال: الهمز خطأ، قال: وأصله: هنوة، فلما صغر صار ((هنيوة)) فاجتمعت واو وياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت. قال غيره: لا يمنع ذلك إجازة الهمزة، فقد تقلب الياء همزة، وقد وقع في رواية الكشميهني ((هنيهة)) بقلبها هاء، وهي رواية إسحاق والحميدي في مسنديهما عن جرير. كذا قال الحافظ في الفتح. قوله: (بأبي أنت وأمي) الخ: أي: أنت مفدي بأبي وأمي، فيه تفدية الشارع بالآباء والأمهات، وهل يجوز تفدية غيره من المؤمنين؟ فيه مذاهب: أصحها: نعم بلا كراهة، وثانيها : المنع، وذلك خاص به. وثالثها: يجوز تفدية العلماء الصالحين الأخيار دون غيرهم. قوله: (ما تقول) الخ: هذا مشعر بأن هناك قولاً، لكونه قال: ((ما تقول)) ولم يقل: هل تقول، نبه عليه ابن دقيق العيد. قال: ((ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم، كما استدل غيره على القراءة باضطراب اللحية، ونقل ابن بطال عن الشافعي أن سبب هذه السكتة للإمام أن يقرأ المأموم فيها الفاتحة، ثم اعترضه بأنه لو كان كذلك لقال في الجواب: أسكت لكي يقرأ من خلفي. وردّه ابن المنير بأنه لا يلزم من كونه أخبره بصفة ما يقول أن لا يكون سبب السكوت ما ذکر)) انتھی. وهذا النقل من أصله غير معروف عن الشافعي، ولا عن أصحابه إلا أن الغزالي قال في الإحياء: إن المأموم يقرأ الفاتحة إذا اشتغل الإمام بدعاء الافتتاح، وخولف في ذلك، بل أطلق المتولي وغيره كراهة تقديم المأموم قراءة الفاتحة على الإمام، وفي وجه: إن فرغها قبله بطلت صلاته. كذا قال الحافظ ابن حجر في الفتح، وتقدم الكلام على حديث السكتات في باب القراءة. قوله: (قال: اللهم) الخ: قد تقدم الكلام على دعاء التوجه، وما اختاره الحنفية فيه. لا يقال: فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة المتفق على منعه، لوجوب بيان الشرعيات على الفور، واجبات كن أو مندوبات، لأنه إنما أخر بيانها لعلمه أن من الصحابة الفطن الذي يبادر بالسؤال عن ذلك، فيبين له، فكأنه لم يؤخر. قوله: (باعد بيني) الخ: قال الحافظ: المراد بالمباعدة محو ما حصل منها، والعصمة عما سيأتي منها، وهو مجاز، لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان، وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنه أراد أن لا يبقى لها منه اقتراب بالكلية. وقال الكرماني: كرر لفظ ((بين)) لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض. كذا في الفتح. ١٩٢ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قال الشيخ الأكبر في الفتوحات: إن العالم إذا دعاه الحق لمناجاته فقد خصه بمحل القربة منه، فإذا أشهده خطاياه في موطن القرب - وهي في ذاتها في كل البعد من تلك المكانة - كان العبد في محل البعد عما طلب الحق منه من القرب، فدعا الله قبل الشروع في المناجاة أن تحول بينه وبين مشاهدة خطاياه أن تظهر له في قلبه في هذا الموطن الذي هو موطن القربة، ولذلك قال بعضهم في حد التوبة: أن تنسى ذنبك، فإن ذكر الجفا في موطن الصفا جفا، وما رأيت فيمن رأيت أحداً تحقق هذا المقام ذوقاً إلا بعض الملوك في مقامه مع الخلق، فلا يريد أن يظهر له شيء من خطاياه بتخيل أو تذكر. وقوله وَله: ((كما باعدت بين المشرق والمغرب)) فالمشرق وإن بعد عن المغرب حسا، فإنه يشاهد كل واحد صاحبه على التقابل، وهو بعد حسي بالموضعين، وبعد معنوي بالشروق والغروب، فإن الغروب يضاد الشروق، ومحل الشروق الذي هو المشرق: بعيد جداً من محل الغروب الذي هو المغرب. ولم يقل: ((كما باعدت بين السواد والبياض)) مع أنهما أيضاً ضدان، فإن اللونية تجمع بينهما (وليس بينهما بعد حسي مكاني)) فانظر ما أحكم هذا التعليم وما أحقه وأدقّه، وتأدب مع الله حيث طلب البعد من خطاياه، وما طلب إسقاطها عنه في هذا المقام، حتى لا يكون في ذلك الموطن في حظ نفسه، يسعى ويطلب، فيكون بمنزلة من وجه الملك فيه ليدخل عليه، فلما دخل عليه طلب منه ابتداء ما يصلح لنفسه، فهذا سيىء الأدب، وإنما ينبغي له أن يطلب من الحق ابتداء ما يليق مما تطلبه تلك الحالة من التأهب لمناجاة سيده فطلب البعد من الخطايا، وما طلب الإسقاط. ثم قال: ((اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس)) وذلك لما قال له عز وجل: ﴿وَثَكَ فَطَهِّرْ ﴾﴾ [المدثر: ٤] فجاء في دعائه بلفظ الثوب، وهذا غاية الأدب، حيث يترك علمه لإيمانه، أي ما دعوتك إلا بما أمرتني به أن أفعله من تطهير الثوب لمناجاتك، فلتكن أنت يا رب: المتولي لذلك التطهير، فإنه لا حول لي ولا قوة إلا بك، وكل وصف لا يليق بجلالك فهو خطيئة، من تخطيت، وهو أن يتجاوز العبد حده، فيخطو في غير محله، ويجول في غير ميدانه، فهو كالماشي في الأرض المغصوبة. فإذا خطأ العبد في غير ما أمر به سيده سمي مخطئاً وخاطئاً، وسميت تلك الفعلة والحركة: خطيئة، فالعبد عبد، والرب رب، ثم يقول: اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، أي تول أنت سبحانك غسل خطاياي، فأضاف الغسل إليه، يقول: فإنك قد شرعت لي أن أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وشرعت لي أن أقول: إذا قلت: إياك نعبد، أقول: وإياك نستعين، أي على عبادتك، فإن لم تتولني بقوتك ومعونتك فيما أمرتني به من تطهير ذاتي لمناجاتك فكيف أناجيك في حالة جعلتها دنساً؟ وأنت القائل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] فاغسل خطاياي بالماء، أي أحي قلبي بأن ١٩٣ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبٍ. اللَّهُمَّ، نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ. اللَّهُمَّ، اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ)). ١٣٥٤ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، (يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ)، كِلاَهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَّاعِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ جَرِيرٍ . ١٣٥٥ - (١٤٨) قَالَ مُسْلِمٌ: وَحُدِّثْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ وَيُونُسَ الْمُؤَدِّبِ تبدل سياته حسنات بالتوبة والعمل الصالح، فهذه الحياة هنا على هذا الحال بورود الماء على النجاسة والدنس تطهير، أي ما كان دنساً صار نقياً، وما كان نجساً صار طاهراً، فإن دنسه ونجاسته لم تكن لذاته، وإنما كان بحكم شرعي انفرد به هذا الموطن، فلما اجتمع بالماء لورود الماء عليه كان للاجتماع حكم آخر سمي به نقاء وطهارة، فعاد القبيح حسناً، والسيئة حسنة. قوله: (وبين خطاياي) الخ: جمع خطيئة، كالعطايا جمع عطية، يقال: خطأ في دينه خطأ، إذا أثم فيه . قوله: (اللهم نقني) الخ: مجاز عن زوال الذنوب ومحو أثرها، ولما كان الدنس في الثوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان وقع التشبيه به، قاله ابن دقيق العيد. قوله: (بالثلج) الخ: تقدم ضبط أكثر ألفاظ الحديث وشرحه في ((باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع)) فراجعه. قال الشيخ الأكبر: يقال في الرجل في لسان العرب إذا سرّ قلبه بأمر ما: ثلج فؤاد الرجل، أي هو في أمر يسر به، فيقول: يا رب، إنك إذا فعلت مثل هذا الغسل سر قلبي حيث تطهر لما يرضيك بما يرضيك، فينقلب غمه سروراً. وقوله: ((والبرد)) هو ما ينطفىء من جمرة الاحتراق الذي قام بالقلب من كونه حين دعاه ربه لمناجاته على حالة لا يصلح أن يقف بها بين يدي ربه، فيحب ما يطفىء تلك النار، فجاء بلفظ ((البرد)) من البرد، وفي رواية ((بالماء البارد)) فهو المستعمل في كلام العرب، كذا رويناه عنهم، قال شاعرهم: وعطل قلوصي في الركاب فإنها ستبرد أكباداً وتبكي بواكياً قوله: (والبرد) الخ: أي: حب الغمام. ١٤٨ - (٥٩٩) - قوله: (قال مسلم: وحدثت عن يحيى بن حسان) الخ: حدثت بصيغة المجهول، وهذا من الأحاديث المعلقة التي سقط أول إسنادها في صحيح مسلم، وفي بعض الحواشي ناقلاً عن تدريب السيوطي: رواه أبو نعيم من طريق محمد بن سهل بن عسكر، عن يحيى، ومحمد بن سهل من شيوخ مسلم، ورواه البزار عن أبي الحسن بن مسكين ثقة، عن ١٩٤ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَغَيْرِهِمَا. قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ. حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً(١) يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِ ◌ّهِ إِذَا نَهَضَ مِنَ الَرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَلَمْ يَسْكُتْ. ١٣٥٦ - (١٤٩) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخَبَرَنَا قَتَادَةُ وَثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ(٢)؛ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ، فَدَخَلَ الصَّفَّ، وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ صَلاَتَهُ قَالَ: (أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟)) فَأَرَمَّ الْقَوْمُ. فَقَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْساً» يحيى. وقد مر تفصيل معلقات مسلم في المقدمة فراجعها. ١٤٩ - (٦٠٠) - قوله: (أن رجلاً جاء) الخ: لعله رفاعة بن رافع راوي القصة عند البخاري، إلا أن في سياق القصتين نوع تغاير، والله أعلم. قوله: (وقد حفزه النفس) الخ: بتحريك الفاء (سانس) جمعه أنفاس، والنفس بالسكون، جمعه: نفوس. ومعنى حفزه النفس: أي ضغطه لسرعته. قوله: (فقال: الحمد لله) الخ: قال عياض: فيه فضل هذا الذكر، وما روي عن مالك من كراهة إنما هو خشية أن يعتقد أنه من سنة الصلاة، ومحله بعد (ربنا ولك الحمد)) ترجم عليه البخاري ((فضل اللهم ربنا ولك الحمد)) وترجم عليه في حاشية مسلم ((فضل الذكر حين الدخول في الصلاة)) ولكن التراجم ليست من وضع مسلم. وفي الموطأ ((بضعة عشر)) بدل ((اثني عشر)) وهنا ((أيهم يرفعها)) وفي الموطأ ((أيهم يكتبها قبل)). (قلت) فكأن المترجم لها بذلك في مسلم رأى أنه لما جاء منحفزاً ليدرك الصلاة، فلما أدرك بادر أن حمد، إذ أدرك. كذا في شرح الأبي. قوله: (طيباً) الخ: أي: خالصاً من الرياء والسمعة. قوله: (فأرمّ القوم) الخ: بفتح الراء وتشديد الميم، أي سكتوا. قال القاضي عياض: ورواه بعضهم في غير صحيح مسلم ((فأزم)) بالزاى المفتوحة وتخفيف الميم، من ((الأزم)) وهو الإمساك، وهو صحيح المعنى. قوله: (فإنه لم يقل بأساً) الخ: استدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا (١) قوله: ((أبا هريرة)) لم أجد هذا الحديث عند أحمد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله تعالى. (٢) قوله: ((عن أنس)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في تكاب الافتتاح، باب نوع آخر من الذكر بعد التكبير، رقم (٩٠٢) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، رقم (٧٦٣). ٠ ١٩٥ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلْتُهَا. فَقَالَ: ((لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكاً يَبْتَدِرُونَهَا. أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا)) . ١٣٥٧ - (١٥٠) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ. أَخْبَرَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١)؛ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ. إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ. اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيراً. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيراً. وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((مَنِ الْقَائِلُ كَلِمَةً كَذَا وَكَذَا؟)) قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((عَجِبْتُ لَهَا. فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ» . قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَهِ يَقُولُ ذُلِكَ. كان غير مخالف للمأثور، وعلى جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش على من معه . قوله: (فقال رجل: جئت) الخ: قد استشكل تأخير الرجل إجابة النبي وَل حين كرر سؤاله ثلاثاً، كما في بعض الروايات، مع أن إجابته واجبة عليه، بل وعلى كل من سمعه، فإنه لم يسأل المتكلم وحده. وأجيب بأنه لما لم يعين واحداً بعينه لم تتعين المبادرة بالجواب من المتكلم، ولا من واحد بعينه، فكأنهم انتظروا بعضهم ليجيب، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقه شيئاً، ظناً منهم أنه أخطأ فيما فعل، ورجوا أن يقع العفو عنه، وكأنه وَّر لما رأى سكوتهم فهم ذلك، فعرّفهم أنه لم يقل بأساً، ويحتمل أن يكون المصلون لم يعرفوه بعينه، إما لإقبالهم على صلاتهم، وإما لكونه في آخر الصفوف، فلا يرد السؤال في حقهم، والعذر عنه ما قدمناه. كذا في الفتح. قوله: (اثني عشر ملكاً) الخ: والظاهر أن هؤلاء الملائكة غير الحفظة، ويؤيده ما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إن لله ملائكة يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذكر ... )) الحديث. واستدل به على أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة. ١٥٠ - (٦٠١) - قوله: (الله أكبر كبيراً) الخ: أي: كبرت كبيراً. قوله: (قال ابن عمر: ما تركتهن) الخ: هذا فعل صحابي لا تقوم به حجة، فإن التعامل فيه مفقود. والله أعلم. (١) قوله: ((عن ابن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الافتتاح، باب القول الذي يفتتح به الصلاة، رقم (٨٨٦) و(٨٨٧) والترمذي في جامعه، في كتاب الدعوات، باب دعاء أم سلمة، رقم (٣٥٩٢). ١٩٦ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٢٨) - باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، والنهي عن إتيانها سعياً ١٣٥٨ - (١٥١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َلِّ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ. أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ، (يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ)، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ(١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ. وَأْتُوهَا تَمْشُونَ. (٢٨) - باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، والنهي عن إتيانها سعياً ١٥١ - (٦٠٢) - قوله: (إذا أقيمت الصلاة) الخ: هو أخص من قوله في حديث أبي قتادة: ((إذا أتيتم الصلاة)) لكن الظاهر أنه من مفهوم الموافقة، لأن المسرع إذا أقيمت الصلاة يترجى إدراك فضيلة التكبيرة الأولى، ونحو ذلك، ومع ذلك فقد نهي عن الإسراع، فغيره ممن جاء قبل الإقامة لا يحتاج إلى الإسراع، لأنه يتحقق إدراك الصلاة كلها، فينهى عن الإسراع من باب الأولى. قوله: (فلا تأتوها تسعون) الخ: وفي رواية البخاري: ((ولا تسرعوا)). قال الحافظ: ((فيه زيادة تأكيد، ويستفاد منه الرد على من أول قوله في حديث أبي قتادة: ((لا تفعلوا)) أي الاستعجال المفضي إلى عدم الوقار، وأما الإسراع الذي لا ينافي الوقار كمن خاف فوت التكبيرة: فلا، وهذا محكي عن إسحاق بن راهويه)). قلت: لعل المراد بنفي الإسراع نفي الإسراع الشديد الذي يقارب السعي، وإلا فشيء من (١) قوله: ((أبا هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة، وليأت بالسكينة والوقار، رقم (٦٣٦) وفي كتاب الجمعة، باب المشي إلى الجمعة، رقم (٩٠٨) والنسائي في سننه، في كتاب الإمامة، باب السعي إلى الصلاة، رقم (٨٦٢) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب السعي إلى الصلاة، رقم (٥٧٢) و(٥٧٣) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في المشي إلى المسجد، رقم (٣٢٧) و(٣٢٨) و(٣٢٩) وابن ماجه في سننه، في كتاب المساجد والجماعات، باب المشي إلى الصلاة، رقم (٧٧٥) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب كيف يمشي إلى الصلاة، رقم (١٢٨٦) وأحمد في مسنده (٢: ٤٢٧ و٤٦٠ و٥٢٩ و٥٣٢). ١٩٧ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة . الإسراع دون السعي قد ورد في حديث أبي رافع عند النسائي قال: ((كان رسول الله وَّو إذا صلى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث عندهم، حتى ينحدر للمغرب، قال أبو رافع: فبينا النبي ◌َّيه يسرع إلى المغرب مررنا بالبقيع ... )) الحديث. وترجم له النسائي («الإسراع إلى الصلاة من غير سعي)). قال الحافظ: ((والسعي المأمور به في آية الجمعة غير السعي المنهي عنه في الحديث، والحجة فيه أن السعي في الآية فسر بالمضي، والسعي في الحديث فسر بالعدو، لمقابلته بالمشي)» . قال الشيخ الأكبر: المسارعة إلى الخيرات مشروعة، والسكينة مشروعة، والوقار، والجمع بينهما أن تكون المسارعة بالتأهب المعتاد قبل دخول وقتها، فيأتيها بسكينة ووقار، فيجمع بين المسارعة والسكينة، وإنما أمر العبد بالمسارعة إلى الخيرات لتصرفه في المباحات، لا غير، فمن كانت حالته أن لا يتصرف في مباح فهو في خير على كل حال، ولذلك ورد ما يدل على الحالين معاً، فقيل: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وهي العبادة هنا، من سارع إليها فقد سارع إلى المغفرة، وقال في الحالة الأخرى ﴿أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَرَتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] فجعل المسارعة فيها وفي الأولى إليها، فإنها ما هي نائبة عنه. وههنا وجه آخر أيضاً، وذلك أن المغفرة لا تصح إلا بعد حصول فعل الخير الموجب لها، فنحن نسارع في الخيرات إلى المغفرة، فكان المسارع فيه غير المسارع إليه، فالعبد إذا كان تصرفه في غير المباح فلا بد أن يكون في مندوب أو واجب، فإن كان في مندوب واستشعر بحصول وقت واجب: سارع إليه في مندوبه بإقامة أسبابه التي لا يصح ذلك الواجب إلا بها، ومعنى المسارعة هنا المبادرة إلى الأفعال التي هي شرط في صحة ذلك الواجب، فمن رأي الجماعة واجبة، ومن قال بإتمام الصف ووجوبه، وهو في خير: فإنه إلى الصلاة مثلاً، فيسمع الإقامة، فأمره الشارع أن يأتي إليه وعليه وقار وسكينة، وسبب ذلك أن الحق لا يتقيد بالأحوال، وأن الآتي إلى الصلاة في صلاة ما دام يأتي إليها أو ينتظرها، فنفس الإسراع المشروع قد حصل، وأما الإسراع بالحركة فإنه يقتضي سوء الأدب وتقييد الحق، ولهذا قال رسول الله وَ لقر للذي دب، وهو راكع، حتى دخل الصف - وهو أبو بكرة -: ((زادك الله حرصاً ولا تعد)) يعني إلى إسراع الحركة، وما قال له: ((زادك الله إسراعاً)) فإن الحرص أوجب له الإسراع، فنبه رسول الله ويقول على أن الحرص على الخير هو المطلوب، وهو الإسراع المطلوب لله من العبد، لا حركة الأقدام، فإن ذلك يؤذن بتحديد الله، والله مع العبد حيث كان، وقد وقع لك التفريط أولاً بتأخرك، فهنالك كان ينبغي لك الإسراع بالتأهب، كما حكي عن بعضهم: أنه ما دخل عليه منذ أربعين سنة وقت صلاة إلا وهو في المسجد. وحكي عن آخر أنه بقي كذا سنة ما فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام. ١٩٨ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ. فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا. وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)). قوله: (وعليكم السكينة) الخ: ضبطها القرطبي: بالنصب على الإغراء، والنووي: بالرفع على أنها جملة في موضع الحال. قوله: (فما أدركتم فصلوا) الخ: استدل به على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزء من الصلاة، فإنه لم يفصل بين القليل والكثير. قال الحافظ: وهذا قول الجمهور، واستدل به أيضاً على استحباب الدخول مع الإمام في أي حالة وجد عليها، وفيه حديث أصرح منه أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عبد العزيز بن رفيع، عن رجل من الأنصار، مرفوعاً: ((من وجدني راكعاً أو قائماً أو ساجداً فليكن معي على حالتي التي أنا عليها)). قوله: (وما فاتكم فأتموا) الخ: أي: وما فاتكم من الصلاة مع الإمام فأتموه. قال العيني: وفي هذه اللفظة اختلاف، فعند أبي نعيم الأصبهاني: ((وما فاتكم فاقضوا)) وكذا ذكرها الإسماعيلي من حديث شيبان عن يحيى، وفي رواية أبي داود من حديث أبي هريرة: ((فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)) وكذا هو في أكثر روايات مسلم، وفي رواية: ((فاقض ما سبقك)) وفي رواية لأبي داود: ((فاقضوا ما سبقكم)) وعند أحمد من حديث ابن عيينة عن الزهري عن سعيد عنه: ((وما فاتكم فاقضوا)) وفي المحلى من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة أنه قال: ((إذا كان أحدكم مقبلاً إلى الصلاة فليمش على رسله، فإنه في صلاة، فما أدرك فليصل، وما فاته فليقض بعد)) ما قال عطاء: وإني لا أصنعه. وفي مسند أبي قرة، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أبي سلمة، عنه، بلفظ: ((فاقضوا)) قال: وذكر سفيان عن سعد بن إبراهيم: حدثني عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عنه، بلفظ: ((وليقض ما سبقه)). أقوال العلماء فيما يدركه المسبوق مع الإمام هل هو أول صلاته أو آخرها قال العيني تقذفُ: ((واختلف العلماء في ((القضاء)) و((الإتمام)) المذكورين: هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين، وترتب على ذلك خلاف فيما يدركه الداخل مع الإمام: هل هو أول صلاته أو آخرها على أربعة أقوال: أحدها: أنه أول صلاته، وأنه يكون بانياً عليه في الأفعال والأقوال، وهو قول الشافعي، وإسحاق، والأوزاعي، وهو مروي عن علي، وابن المسيب، والحسن، وعطاء، ومكحول، ورواية عن مالك، وأحمد، واستدلوا بقوله: ((وما فاتكم فأتموا)) لأن لفظ ((الإتمام)) واقع على باق من شيء قد تقدم سائره، وروى البيهقي من حديث عبد الوهاب، عن عطاء، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رحظه: ((ما أدركت فهو أول صلاتك)). وعن ابن عمر بسند جيد مثله . الثاني: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، فيبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال، ١٩٩ كتاب: المساجد ومواضع الصلاة ١٣٥٩ - (١٥٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ فيقضيها. وهو قول مالك. وقال ابن بطال عنه: ((ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة)). وقال سحنون: هذا الذي لم يعرف خلافه، دليله ما رواه البيهقي من حديث قتادة أن علي بن أبي طالب قال: ((ما أدكرت مع الإمام فهو أول صلاتك واقض ما سبقك به من القرآن)). الثالث: ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقرأ بالحمد وسورة مع الإمام، وإذا قام للقضاء قضى بالحمد وحدها، لأنه آخر صلاته، وهو قول المزني، وإسحاق، وأهل الظاهر. الرابع: أنه آخر صلاته، وأنه يكون قاضياً في الأقوال والأفعال. وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، وسفيان، ومجاهد، وابن سيرين. وقال ابن الجوزي: الأشبه بمذهبنا ومذهب أبي حنيفة أنه آخر صلاته. وقال ابن بطال: روي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر، وإبراهيم النخعي، ولعلها شعبة، وأبي قلابة، ورواه ابن القاسم عن مالك، وهو قول أشهب، وابن الماجشون، واختاره ابن حبيب. واستدلوا على ذلك بقوله وَل قول: ((وما فاتكم فاقضوا)) ورواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر، وابن حزم بسند مثله عن أبي هريرة، والبيهقي بسند لا بأس به على رأي جماعة عن معاذ بن جبل نضعبه. والجواب عما استدل به الشافعي ومن تبعه - وهو قوله: ((فأتموا)) - أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، فحمل قوله: ((فأتموا)) على أن من قضى ما فاته فقد أتم، لأن الصلاة تنقص بما فات، فقضاؤه إتمام بما نقص، فإن قلت: قال النووي: وحجة الجمهور أن أكثر الروايات ((وما فاتكم فأتموا)) وأجيب عن رواية: ((واقض ما سبقك)) بأن المراد بالقضاء الفعل لا القضاء المصطلح عليه عند الفقهاء، وقد كثر استعمال القضاء بمعنى الفعل، فمنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ نُنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ﴾ [الجمعة: ١٠] ويقال: قضيت حق فلان، ومعنى الجميع: الفعل)). قلت: أما الجواب عن قوله: ((فأتموا)) فقد ذكرناه آنفاً . وأما قوله: ((المراد بالقضاء: الفعل)) فمشترك الدلالة، لأن الفعل يطلق على الأداء والقضاء جميعاً . ومعنى ((فقضاهن سبع سموات)): قدرهن. ومعنى ((قضيتم مناسككم»: فرغتم عنها. وكذا معنى: ((فإذا قضيت الصلاة)). ومعنی: قضیت حق فلان: أنهیت إليه حقه . ٢٠٠ الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بْنِ جَعْفَرٍ. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاَءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ ولو سلمنا أن القضاء بمعنى الأداء فيكون مجازاً، والحقيقة أولى من المجاز، ولا سيما على أصلهم أن المجاز ضروري لا يصار إليه إلا عند الضرورة والتعذر)) اهـ. قلت وههنا قول خامس: قال في الدر المختار: ((ويقضي أول صلاته في حق قراءة، وآخرها في حق تشهد». قال ابن عابدين كثّفُ: ((هذا قول محمد كما في المبسوط السرخسي، وعليه اقتصر في الخلاصة، وشرح الطحاوي، والاسبيجابي، والفتح، والدرر، والبحر، وغيرهم. وذكر الخلاف كذلك في السراج، لكن في صلاة الجلابي أن هذا قولهما، وتمامه في شرح الشيخ إسماعيل. وفي الفيض عن المستصفى: «لو أدركه في ركعة الرباعي يقضي ركعتين بفاتحة وسورة، ثم يتشهد، ثم يأتي بالثالثة بفاتحة خاصة عند أبي حنيفة، وقالا: ركعة بفاتحة وسورة، وتشهد، ثم ركعتين أولاهما بفاتحة وسورة، وثانيتهما بفاتحة خاصة)) اهـ. وظاهر كلامهم اعتماد قول محمد كَذَقُ». كذا في رد المحتار. والذي يظهر للعبد الضعيف - والله أعلم - أن المسألة مبنية على مسألة اتحاد صلاتي الإمام والمأموم، فيحكم باتحاد ركعة الإمام والمأموم من الجهة التي وقع فيها اتحاد صلاتيهما، وهي القراءة، كما تقدم في حديث عبد الله بن شداد: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)) فركعة المسبوق التي أدركها مع الإمام هي الركعة التي ركعها الإمام بعينها في حق القراءة فقط، إن ثانية فثانية، وإن ثالثة فثالثة، وأما في حق غير القراءة فهي ركعته على وفق ترتيب الصلاة الطبعي الحسي، فالركعات التي يصليها المسبوق بعد فراغ الإمام قضاء في حق القراءة، وأداء وإتمام في حق غيرها، فمن استعمل الحديثين - أعني الروايتين - وجمع بين القضاء والأداء: قال: يقضي في حق القراءة، ويكون مؤدياً في غيرها . والعجب! أنهم يتنازعون في لفظ (الإتمام)) و((القضاء)) ولا يلتفتون إلى لفظ ((ما سبقك)) في حديث: واقض ما سبقك)) وأوضح منه قول المغيرة في قصة اقتداء النبي ◌ُّو بعبد الرحمن بن عوف: ((فلما سلم قام النبي ◌َّر، وقمت، فركعنا الركعة التي سبقتنا)) كما تقدم في باب المسح عل الخفين. قال النووي: معنى قوله: ((سبقتنا)) أي وجدت قبل حضورنا، فهذا ظاهر في أن المسبوق إنما يقضي الركعة التي سبقته، أي وجدت قبل حضوره، ولا شك أنها أول الصلاة إلا أن يقال: إنها أول صلاة الإمام دون المقتدي، وهو تكلف. ولا أقل من أن تكون أوّليتها باعتبار القراءة التي هي معظم أجزاء الصلاة، بل هي أصل الصلاة عند المحققين، كما يشير إليه قوله وَيُقرّ في حديث أبي هريرة: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ... )) والله سبحانه وتعالى أعلم.