النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٢٨٩ - (٩٨) حدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ إِحْدَى صَلاَتَي الْعَشِيِّ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ.
١٢٩٠ - (٩٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ،
عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنٍ أَبِي أَحْمَدَ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلَّى لَّنَا
رَسُولُ اللّهِ وَهِ صَلاَةَ الْعَضْرِ. فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ. فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلاَةُ
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَّ: ((كُلُّ ذُلِكَ لَمْ يَكُنْ)) فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ
ذُلِكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ((أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟)) فَقَالُوا:
نَعَمْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلاَةِ. ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ. وَهُوَ
جَالِسٌ. بَعْدَ التَّسْلِيمِ.
١٢٩١ - (٠٠٠) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْخَزَّازِ.
حَدَّثَنَا عَلِيٍّ (وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ)، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِّ وَّهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلاَةِ الُهْرِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمِ. فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقُصِرَتِ الصَّلاَةُ أَمْ نَسِيتَ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
١٢٩٢ - (١٠٠) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ
٩٩ - ( ... ) - قوله: (كل ذلك لم يكن) الخ: أي: لم أنس، ولم تقصر، كما هو
المصرح في الروايات، وفيه تأييد لما قاله أصحاب المعاني أن لفظ ((كل)) إذا تقدم، وعقبها النفي
كان نفياً لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت، كأن يقول: لم يكن كل ذلك. ولهذا
أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله: ((قد كان بعض ذلك)) وأجابه في رواية ابن سيرين
بقوله: ((بلى قد نسيت)) لأنه لما نفى الأمرين وكان مقرراً عند الصحابي أن السهو غير جائز عليه
في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان، لا بالقصر. وهو حجة لمن قال: إن السهو جائز على
الأنبياء فيما طريقه التشريع، وإن كان عياض نقل الإجماع على عدم جواز دخول السهو في
الأقوال التبليغية، وخص الخلاف بالأفعال، لكنهم تعقبوه. نعم! اتفق من جوّز ذلك على أنه لا
يقرّ عليه، بل يقع له بيان ذلك إما متصلاً بالفعل، أو بعده، كما وقع في هذا الحديث من قوله:
((لم أنس ولم تقصر)) ثم تبين أنه نسي.
ومعنى قوله: ((لم أنس)) أي: في اعتقادي، لا في نفس الأمر، ويستفاد منه أن الاعتقاد
عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين، وفائدة جواز السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع
مثله لغيره. كذا في الفتح.
( ... ) - قوله: (هارون بن إسماعيل الخزاز) الخ: هو بخاء معجمة وزاي مكررة.

١٤٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَىُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّ مَعَ النَّبِيِّ نَهُ
صَلاَةَ الظُّهْرِ، سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَاقْتَصَّ
الْحَدِيثَ.
١٢٩٣ - (١٠١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ
عُلَيَّةَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِّي قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي
الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ (١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلاَثِ
رَكَعَاتٍ. ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْخِرْبَاقُ. وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ. فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ. وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ. فَقَالَ:
((أَصَدَقَ هَذَا؟)) قَالُوا: نَعَمْ. فَصَلَّى رَكْعَةٌ. ثُمَّ سَلَّمَ. ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ.
١٢٩٤ - (١٠٢) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا
خَالِدٌ، وَهُوَ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ؛ قَالَ:
سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لهَ فِي ثَلاَثِ رَكَعَاتٍ، مِنَ الْعَصْرِ. ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ. فَقَّامَ رَجُلٌ
١٠١ - (٥٧٤) - قوله: (عن أبي المهلب) الخ: اسمه عبد الرحمن بن عمرو، وقيل:
معاوية بن عمر، وقيل: عمرو بن معاوية، ذكر هذه الأقوال الثلاثة في اسمه البخاري في
تاريخه، وآخروه. وقيل: اسمه النضر بن عمر الجرمي، الأزدي، البصري، التابعي الكبير، روى
أجمعين.
عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وأبى بن كعب، وعمران بن حصين
وهو عم أبي قلابة الراوي عنه هنا. كذا في الشرح.
قوله: (عن عمران بن حصين) الخ: أسلم هو وابنه عام خيبر. وتقدم الكلام على ما يتعلق
بهذا الحديث في ((باب تحريم الكلام في الصلاة)).
قوله: (الخرباق) الخ: بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء، بعدها موحدة، وفي آخره
قاف، لقبه أو اسمه. قاله في المرقاة.
قوله: (يجرُّ رداءه) الخ: أي: مستعجلاً .
(١) قوله: ((عن عمران بن حصين)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب ذكر الاختلاف
على أبي هريرة في السجدتين، رقم (١٢٣٧) و(١٢٣٨) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب السهو
في السجدتين، رقم (١٠١٨) وباب سجدتي السهو فيهما تشهد وتسليم، رقم (١٠٣٩) والترمذي في جامعه،
في كتاب الصلاة، باب ما جاء في التشهد في سجدتي السهو، رقم (٣٩٥) وابن ماجه في سننه، في كتاب
إقامة الصلاة والسنة فيها، باب فيمن سلم من ثنتين أو ثلاث ساهياً، رقم (١٢١٥) وأحمد في مسنده (٤:
٤٢٧ و٤٣١ و٤٤٠ و٤٤١).

١٤٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
بَسِيطُ الْيَدَيْنِ. فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلاَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَخَرَجَ مُغْضَباً. فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي
كَانَ تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ.
(٢٠) - باب: سجود التلاوة
١٢٩٥ - (١٠٣) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى.
كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَّى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. قَالَ: أَخْبَرَنِي
نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ. فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ فَيَسْجُدُ.
وَنَسْجُدُ مَعَهُ. حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعاً
(٢٠) - باب: سجود التلاوة
أقوال العلماء في أن سجود التلاوة سنة أو واجب، وبيان دلائل الوجوب.
١٠٣ - (٥٧٥) - قوله: (فيسجد ونسجد معه) الخ: فيه إثبات سجود التلاوة، وقد أجمع
العلماء عليه .
قال النووي: ((وهو عندنا وعند الجمهور سنة ليس بواجب، وعند أبي حنيفة ظ له واجب
ليس بفرض، على اصطلاحه فى الفرق بين الواجب والفرض)).
قال صاحب الهداية: ((دليل الوجوب قوله وله: ((السجدة على من سمعها أو على من
تلاها)) وهي كلمة إيجاب)).
قال الشيخ ابن الهمام كثّفُ: ((وحديث السجدة على من سمعها)) رفعه غريب، وأخرج ابن
أبي شيبة من مصنفه عن ابن عمر أنه قال: ((السجدة على من سمعها)). وفي البخاري تعليقاً:
وقال عثمان: إنما السجود على من استمع)) وهذا المعلق أخرجه عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن
الزهري، عن ابن المسيب، أن عثمان مرّ بقاص، فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان، فقال: إنما
السجود على من استمع، ثم مضى ولم يسجد)) وأخرج مسلم عن أبي هريرة في الإيمان يرفعه:
((إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله
الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار. والأصل أن الحكيم إذا حكى عن غير الحكيم كلاماً
(١) قوله: ((عن ابن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب سجود القرآن، باب من سجد لسجود
القارىء، رقم (١٠٧٥) وباب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة، رقم (١٠٧٦) وباب من لم يجد موضعاً
للسجود من الزحام، رقم (١٠٧٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، (تفريع أبواب السجود) باب في
الرجل يسمع السجدة وهو راكب وفي غير الصلاة، رقم (١٤١١) و(١٤١٢) و(١٤١٣) وأحمد في مسنده
(٢: ١٤٢ و١٥٧).

١٤٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ولم يعقبه بالإنكار كان دليل صحته، فهذا ظاهر في الوجوب، مع أن اي السجدة تفيد أيضاً،
لأنها ثلاثة أقسام: قسم فيه الأمر الصريح به. وقسم: تضمن حكاية استنكاف الكفرة، حيث
أمروا به. وقسم: فيه حكاية فعل الأنبياء السجود، وكل من الامتثال والاقتداء ومخالفة الكفرة
واجب، إلا أن يدل دليل في معين على عدم لزومه، لكن دلالتها فيه ظنية، فكان الثابت الوجوب
لا الفرض، والاتفاق على أن ثبوتها على المكلفين مقيد بالتلاوة لا مطلقاً، فلزم كذلك، ويؤيد
الوجوب أن في حديث ابن مسعود: أن الذي ما سجد من المشركين: عوقب بأن قتل كافراً.
قال الشيخ: ومما استدل به على الوجوب الحديث الذي استدل به الشافعية على أن في
الحج سجدتين بتقدير صحته، فإنه أفاد كراهة التحريم للقراءة بدون سجود، وهي رتبة الواجب.
والحديث الذي أشار إليه الشيخ هو ما روي عن عقبة بن عامر: ((قلت: يا رسول الله،
أفضلت سورة الحج بسجدتين؟ قال: نعم، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما)) قال الترمذي: إسناده
ليس بالقوي، كأنه لأجل ابن لهيعة.
قال الحاكم: ((عبد الله بن لهيعة أحد الأئمة، وإنما نقم اختلاطه في آخر عمره)) اهـ.
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الحديث المذكور من طريق ابن وهب
عن ابن لهيعة: ((وحديث ابن لهيعة يحتج منه بما رواه عنه العبادلة، كعبد الله بن وهب،
وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرىء. وقال: وقد انتقى النسائي هذا الحديث من
جملة حديثه، وأخرجه، واعتمده. وقال: ما أخرجت من حديث ابن لهيعة قط إلا حديثاً واحداً
أخبرناه هلال بن العلاء، حدثنا معافي بن سليمان، عن موسى بن أعين، عن عمرو بن الحارث،
عن ابن لهيعة ... )) فذكره. وقال ابن وهب: حدثني الصادق البار والله: عبد الله بن لهيعة. وقال
الإمام أحمد: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟ وقال ابن عيينة: كان
عند ابن لهيعة الأصول، وعندنا الفروع. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ما كان محدث
مصر إلا ابن لهيعة. وقال أحمد بن صالح الحافظ: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب، طلاباً
للعمل. وقال ابن حبان: كان صالحاً، ولكنه يدلس عن الضعفاء، ثم احترقت كتبه، وكان
أصحابنا يقولون: سماع من سمع منه قبل احتراق كتبه مثل العبادلة: ابن وهب، وابن المبارك،
والمقرىء، والقعنبي، فسماعهم صحيح" اهـ.
والحاصل أن الحديث يصلح للاحتجاج إذا لم يعارضه دليل أقوى منه، وهو كما يدل على
تعدد السجدة في الحج يدل على وجوب السجود لتلاوتها .
قال الشيخ ابن الهمام: ((وما في الصحيحين من قول زيد بن ثابت: ((قرأت على النبي وَيّ
النجم فلم يسجد) لا يفيد نفي الوجوب والسنية في المفصل، كما استدل به مالك رضاه، إذ هو

١٤٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
واقعة حال، فيجوز كونه للقراءة في وقت مكروه، أو على غير وضوء، أو ليبين أنه غير واجب
على الفور، وهذا الأخير على التعيين محمل حديث عمر المروي في الموطأ ((أنه قرأ سجدة،
وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد، وسجد الناس معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى
فتهيّأ الناس للسجود، فقال: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، فلم يسجد
ومنعهم أن یسجدوا)).
وأخرج البخاري عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير: أن عمر بن الخطاب قرأ يوم الجمعة
على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل، فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت
الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس، إنا نمرّ بالسجود، فمن سجد
فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر رَّ ◌ُله وزاد نافع عن ابن عمر: ((إن الله
لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء)).
قال الشيخ ولي الله الدهلوي: ((فبين عمر ظلبه أنها (أي سجدة التلاوة) مستحبة، وليست
بواجبة على رأس المنبر، فلم ينكر السامعون وسلموا له)) اهـ. إلا أنك قد عرفت ما أوله به ابن
الهمام من حمله على نفي الوجوب على الفور، ونفي الإثم عمن يؤخره، للأدلة التي تقدمت على
الوجوب. وفي التجنيس: ((هل يكره تأخيرها عن وقت القراءة؟ ذكر في بعض المواضع أنه إذا
قرأها في الصلاة فتأخيرها مكروه، وإن قرأها خارج الصلاة لا يكره تأخيرها. وذكر الطحاوي:
أن تأخيرها مكروه مطلقاً، وهو الأصح)) اهـ. وهي كراهة تنزيهية في غير الصلاتية، لأنها لو
كانت تحريمية لكان وجوبها على الفور، وليس كذلك، كذا في البحر الرائق.
ونبّه الشيخ الأنور على أن الفاروق الأعظم رظُبه لعله أخذ ما قاله مما روى أبو داود بإسناد
صحيح عن أبي سعيد الخدري به أنه قال: ((قرأ رسول الله وَ ﴿ل وهو على المنبر ((ص)) فلما بلع
السجدة نزل، فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزن
الناس للسجود، فقال رسول الله وقيل: إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود، فنزل
فسجد وسجدوا)) فسياق الموقوف على عمر رضيله كما ترى يشبه بالغاية سياق المرفوع عن أبي
سعيد ه فكأن عمر له تشبه بالنبي وَّر في صنيعه، واجتهد في المسألة، والصحابة
تركوا النكير على المجتهد فيه، وحينئذ فينقل الكلام إلى حديث أبي سعيد المرفوع الذي هو
مأخذ قول عمر، وقد أخرج الإمام أحمد عن بكر بن عبد الله المزني عن أبي سعيد ظراته قال:
((رأيت رؤيا وأنا أكتب سورة ((ص)) فلما بلغت السجدة رأيت الدواة والقلم وكل شيء يحضرني
انقلب ساجداً، قال: فقصصتها على رسول الله وَّر، فلم يزل يسجد بها))، وهو في المسند (٣:
٨٤). وفي تفسير ابن كثير من طريق يزيد بن زريع، عن حميد، عن بكر: ((فلم يزل يسجد بها
بعد)) قال ابن كثير: تفرد به أحمد (ابن كثير ٢ : ٢٩٢).

١٤٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لِمَكَانٍ جَبْهَتِهِ .
١٢٩٦ - (١٠٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: رُبَّمَا قَرَأَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ الْقُرْآنَ. فَيَمُرُّ
بِالسَّجْدَةِ فَيَسْجُدُ بِنَا. حَتَّى أَزْدَحَمْنَا عِنْدَهُ. حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَاناً لِيَسْجُدَ فِيهِ. فِي غَيْرِ
صَلاَةٍ.
١٢٩٧ - (١٠٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ: سَمِعْتُ الأَسْوَدَ يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ(١)،
قال ابن الهمام تخلّفُ: «فأفاد أن الأمر صار إلى المواظبة عليها (أي السجدة في ص)
كغيرها من غير ترك، واستقر عليه بعد أن كان قد لا يعزم عليها، فظهر أن ما رواه (أبو سعيد
وغيره مما يدل على عدم كونها عزمة) - إن تمت دلالته - كان قبل هذه القصة أي قصة الرؤيا))
اهـ. والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (لمكان جبهته) الخ: يعني من الزحام، زاد مسلم في رواية له: ((في غير صلاة ولم
يذكر ابن عمر ما كانوا يصنعون حينئذ)) ووقع في الطبراني من طريق مصعب بن ثابت، عن نافع،
في هذا الحديث: ((أن ذلك كان بمكة لما قرأ النبي ◌َّل﴿ النجم)) وزاد فيه: ((حتى سجد الرجل
على ظهر الرجل)).
قال ابن بطال: ((من لم يجد موضعاً للسجود مع الإمام من الزحام ماذا يفعل؟ لم أجد هذه
المسألة إلا في سجود الفريضة، واختلف السلف: فقال عمر: يسجد على ظهر أخيه، وبه قال
الكوفيون، وأحمد، وإسحاق. وقال عطاء والزهري: يؤخر حتى يرفعوا، وبه قال مالك
والجمهور. وإذا كان هذا في سجود الفريضة فيجري مثله في سجود التلاوة، وظاهر صنيع
البخاري أنه يذهب إلى أنه يسجد بقدر استطاعته، ولو على ظهر أخيه)). كذا في الفتح.
قال ابن الهمام: ((روي عنه ظلّا أنه تلا على المنبر، فنزل وسجد، وسجد الناس معه،
والسنة في أدائها أن يتقدم التالي ويصف السامعون خلفه، وليس هذا اقتداء حقيقة بل صورة،
(١) قوله: ((عن عبد الله)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب سجود القرآن، باب ما جاء في سجود
القرآن وسنتها. رقم (١٠٦٧) وباب سجدة النجم، رقم (١٠٧٠) وفي كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقى
النبي ◌ُّله وأصحابه من المشركين بمكة، رقم (٣٨٥٣) وفي كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، رقم
(٣٩٧٢) وفي كتاب التفسير، سورة والنجم، باب فاسجدوا لله واعبدوا، رقم (٤٨٦٣) والنسائي في سننه،
في كتاب الافتتاح، باب سجود القرآن، السجود في ((والنجم)) رقم (٩٦٠) وأبو داود في سننه، في كتاب
الصلاة، (تفريع أبواب السجود) باب من رأى فيها السجود، رقم (١٤٠٦) والدارمي في سننه، في كتاب
الصلاة، باب السجود في النجم، رقم (١٤٧٣) وأحمد في مسنده (١: ٣٨٨ و٤٠١ و٤٣٧ و ٤٤٣ و٤٦٢).

١٤٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
عَنِ النَّبِّ وََّ؛ أَنَّهُ قَرَأَ: والنجم. فَسَجَدَ فِيهَا. وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ.
٠٠
ولذا يستحب أن لا يسبقوه بالوضع ولا بالرفع، فلو كان حقيقة الائتمام لوجب ذلك)) كذا في
المرقاة.
١٠٥ - (٥٧٦) - قوله: (وسجد من كان معه) الخ: وفي البخاري: ((وسجد معه المسلمون
والمشركون والجن والإنس)).
وروى البزار عن أبي هريرة ربه: ((أن النبي وَلهو كتبت عنده سورة النجم، فلما بلغ السجدة
سجد وسجدنا معه، وسجدت الدواة والقلم)) وإسناده صحيح.
وروى الدارقطني من حديث أبي هريرة: ((سجد النبي ◌َّ ر بآخر النجم، والجن والإنس
والشجر)) .
فإن قلت: من أين علم الراوي أن الجن سجدوا؟ قلت: قال الكرماني: إما بإخبار
النبي وَلّ له، وإما بإزالة الله تعالى الحجاب. قلت: قال شيخنا زين الدين: الظاهر أن الحديث
من مراسيل ابن عباس عن الصحابة، فإنه لم يشهد تلك القصة خصوصاً إن كانت قبل فرض
الصلاة، ومراسيل الصحابة مقبولة على الصحيح. والظاهر أن ابن عباس سمعه من النبي ◌َّ-
يحدث به .
تأويل سجود المشركين في ((النجم)) وتحقيق قصة الغرانيق التي رواها المفسرون
فإن قلتَ: لِمَ سجد المشركون وهم لا يعتقدون القرآن؟
قلت: قيل: لأنهم سمعوا أسماء أصنامهم، حيث قال: ﴿أَفََّيُّ الَّتَ وَالْعُزَّى
١٩] (فسجدوا تعظيماً لذكر ما هو معظم في زعمهم).
(١)﴾ [النجم:
قال القاضي عياض: كان سبب سجودهم - فيما قال ابن مسعود - أنها أول سجدة نزلت.
قلت: استشكل هذا بأن ((اقرأ باسم ربك)) أول السورة نزولاً، وفيها أيضاً سجدة، فهي سابقة
على ((النجم)) وأجيب بأن السابق من ((اقرأ)) أولها، وأما بقيتها فنزلت بعد ذلك، بدليل قصة أبي
جهل في نهيه للنبي وَلّر عن الصلاة، أو المراد أول سورة استعلن بها رسول الله ويطلقون: (والنجم))
وهكذا رواه ابن مردويه في تفسيره، كذا في عمدة القاري.
قال الكرماني: سجد المشركون مع المسلمين، لأنها أول سجدة نزلت، فأرادوا معارضة
المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا قصد، أو خافوا في ذلك المجلس من
مخالفتهم.
قلت: والاحتمالات الثلاثة فيها نظر، والأول منها لعياض، والثاني يخالفه سياق ابن
مسعود، حيث زاد فيه ((أن الذي استثناه منهم أخذ كفاً من حصى، فوضع جبهته عليه)) فإن ذلك

١٤٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ظاهر في القصد. والثالث أبعد، إذ المسلمون حينئذ هم الذين كانوا خائفين من المشركين لا
العكس، كذا قال الحافظ.
وقال الشيخ ولي الله الدهلوي تغلفه: ((وتأويل حديث ((سجد النبي وص له بالنجم وسجد معه
المسلون والمشركون والجن والإنس)) عندي أن في ذلك الوقت ظهر الحق ظهوراً بيناً، فلم يكن
لأحد إلا الخضوع والاستسلام، فلما رجعوا إلى طبيعتهم كفر من كفر، وأسلم من أسلم، ولم
يقبل شيخ من قريش تلك الغاشية الإلهية لقوة الختم على قلبه إلا بأن رفع التراب إلى الجبهة،
فعجل تعذيبه بأن قتل بیدر) اهـ.
قلت: وهذا التأويل لا بد من المصير إليه: فإن ما قدمنا من سجود الدواة والقلم والشجر
يدل دلالة ظاهرة على أنه لم يقع هذا السجود إلا بجذب إلهي، والله تعالى أعلم.
قال النووي: ((وأما ما يرويه الإخباريون والمفسرون: أن سبب ذلك ما جرى على لسان
رسول الله ﴿ من الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم: فباطل، لا يصح فيه شيء، لا من
جهة النقل، ولا من جهة العقل، لأن مدح إله غير الله كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان
رسول الله خلقه، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك، والله
أعلم)) اهـ.
والقصة التي أشار إليها - وهي قصة الغرانيق - قد أطال الكلام فيها الحافظ ابن حجر فقال
في تفسير سورة الحج:
((روى ابن أبي حاتم، وابن المنذر من طرق، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن
وَمَنَّوَةَ الثَّالِثَةَ
جبير، قال: ((قرأ رسول الله وَّه بمكة: ((والنجم))، فلما بلغ ﴿أَفَرَءَيُّ الَّتَ وَالْعُزَّى
الْأُخْرَى (٣)﴾ [النجم: ١٩ ٢٠] ألقى الشيطان على لسانه: («تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن
لترتجى)) فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فنزلت هذه الآ ية»
(والغرانيق: بغين معجمة مفتوحة، جمع غرنيق، هي طيور الماء، شبهت الأصنام المعتقدون فيها
أنه تشفع لهم بالطيور، تعلو في السماء وترتفع) وأخرجه البزار، وابن مردويه، من طريق أمية بن
خالد، عن شعبة، فقال في إسناده: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب، ثم ساق
الحديث. وقال البزار: لا يروى متصلاً إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة
مشهور. قال: قال: وإنما يروى هذا من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، انتهى.
والكلبي متروك، ولا يعتمد عليه، وكذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدي، وذكره ابن
إسحاق في السيرة مطولاً، وأسندها عن محمد بن كعب، وكذلك موسى بن عقبة في المغازي،
عن ابن شهاب الزهري، وكذا ذكره أبو معشر في السيرة له عن محمد بن كعب القرظي،
ومحمد بن قيس، وأورده من طريقة الطبري، وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط، عن

١٤٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
السدي، ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب، عن يحيى بن كثير، عن الكلبي، عن أبي
صالح، وعن أبي بكر الهذلي وأيوب، عن عكرمة، وسليمان التيمي، عمن حدثه ثلاثتهم عن ابن
عباس، وأوردها الطبري أيضاً من طريق العوفي، عن ابن عباس، ومعناهم كلهم في ذلك واحد،
وكلها - سوى طريق سعيد بن جبير - إما ضعيف، وإما منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن
للقصة أصلاً مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين: أحدهما ما
أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث بن هشام .. فذكر نحوه. والثاني ما أخرجه أيضاً من طريق المعتمر بن سليمان،
وحماد بن سلمة، فرقهما عن داود بن أبي هند عن أبي العالية.
وقد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته، فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا
أصل لها، وهو إطلاق مردود عليه، وكذا قول عياض: هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل
الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده،
وكذا قوله: ومن حملت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها
إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية. قال: وقد بين البزار أنه لا يعرف من
طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله. وأما
الكلبي فلا تجوز الرواية عنه، لقوة ضعفه. ثم رده من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتدّ كثير
ممن أسلم، قال: ولم ينقل ذلك. انتهى.
وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على
أن لها أصلاً. وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح. وهي مراسيل يحتج بمثلها
من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به، لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك تعين تأويل
ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: ((ألقى الشيطان على لسانه: ((تلك الغرانيق العلى وإن
شفاعتهن لترتجى)) فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره، لأنه يستحيل عليه و # أن يزيد في القرآن
عمداً ما ليس منه، وكذا سهواً، إذا كان مغايراً لما جاء به من التوحيد، لمكان عصمته.
وقد سلك العلماء في ذلك مسالك:
فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة وهو لا يشعر، فلما علم بذلك أحكم الله
آياته، وهذا أخرجه الطبري عن قتادة، وردّه عياض بأنه لا يصح، لكونه لا يجوز على النبي وقل
ذلك، ولا ولاية للشيطان عليه في النوم.
وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره، ورده ابن العربي بقوله تعالى
حكاية عن الشيطان: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ .... ) الآية [إبراهيم: ٢٢] قال: فلو كان
للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة في طاعة.

١٥٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوهم بذلك (كما في معجم البلدان
لياقوت: أن قريشاً كانوا يقولون حين يطوفون بالكعبة هذه الكلمات: ((واللات والعزى ومناة
الثالثة الأخرى، هؤلاء الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)) راجع كلمة ((عزى))) فعلق ذلك
بحفظه وَلقر، فجرى على لسانه لما ذكرهم سهواً. وقد رد ذلك عياض، فأجاد.
وقيل: لعله قالها توبيخاً للكفار (وروي عن الحسن أنه لما تلا ما فيه ذكر الأصنام قال لهم
النبي ◌َّر: إنما هي عندكم كالغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، في قولكم على جهة النكير
عليهم) قال عياض: وهذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد، ولاسيما وقد كان الكلام
في ذلك الوقت في الصلاة جائزاً، وإلى هذا نحا الباقلاني.
وقيل: إنه لما وصل إلى قول: ((ومناة الثالثة الأخرى)) خشي المشركون أن يأتي بعدها
بشيء يذم آلهتهم به، فبادروا إلى ذلك الكلام، فخلطوه في تلاوة النبي وَّل على عادتهم في
قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا أَلْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] ونسب ذلك للشيطان لكونه الحامل لهم
على ذلك، أو المراد بالشيطان شيطان الإنس.
وقيل: المراد بالغرانيق العلى: الملائكة، وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات الله،
ويعبدونها، فسيق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله تعالى:
﴾ [النجم: ٢١] فلما
لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأَنَ
﴿
سمعه المشركون حملوه على الجميع، وقالوا: قد عظم آلهتنا، ورضوا بذلك، فنسخ الله تلك
الكلمتين، وأحكم آياته .
وقيل: كان * يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتةٍ من السكتات، ونطق بتلك
الكلمات محاكياً نغمته، بحيث سمعه من دنا إليه، فظنها من قوله وأشاعها (ونادى إبليس يوم
أحد أن محمداً قد قتل، ومثل ذلك جائز في أزمان الأنبياء الّ لضرب من التدبير، فجائز أن
يكون الذي قال ذلك شيطاناً، فظن القوم أن النبي ◌َلو قاله، أحكام القرآن ٣: ٢٤٧).
قال الحافظ: وهذا أحسن الوجوه، ويؤيده ما تقدم في صدر الكلام عن ابن عباس من
تفسير ((تمنى)) في قوله تعالى: ﴿إِلَّ إِذَا تَمَنََّ﴾ [الحج: ٥٢] بـ((تلا)) وكذا استحسن ابن العربي هذا
التأويل، وقال قبله: إن هذه الآية نص في مذهبنا في براءة النبي ◌ّ مما نسب إليه، قال: ومعنى
قوله ﴿فِيّ أُمَّنِّيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] أي في تلاوته، فأخبر تعالى في هذه الآية أن سنته في رسله إذا
قالوا قولاً زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، فهذا نص في أن الشيطان زاده في قول النبي وَّر، لا
أن النبي وَ ◌ّ قاله. قال: وقد سبق إلى ذلك الطبري لجلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده في
النظر، فصوّب على هذا المعنى، وحوّم عليه)) اهـ.
والشيخ ولي الله الدهلوي كثّفُ قد ذكر في نزول آية التمني قصة أخرى، وفسرها بما يلائم
تلك القصة، فالله أعلم بحقيقتها .

١٥١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
غَيْرَ أَنَّ شَيْخاً أَخَذَ كَفَّ مِنْ حَصّى وتُرَابٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ، بَعْدُ، قُتِلَ كَافِراً.
١٢٩٨ - (١٠٦) حدّثنا يَحْبَىُ بْنُ يَحْبَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ
- قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ
يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ ابْنِ قُسَيْطِ، عَنِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ (١)
قوله: (غير أن شيخاً) الخ: أي: كبير السن، ذكر البخاري في تفسير ((النجم)) أنه أمية بن
خلف. وللنسائي من حديث المطلب بن أبي وداعة قال: ((قرأ رسول الله وَ لير (النجم)) فسجد
وسجد من معه، فرفعت رأسي، وأبيت أن أسجد)) ولم يكن المطلب يومئذ أسلم، ومهما ثبت من
ذلك فلعل ابن مسعود لم يره، أو خصّ واحداً بذكره لاختصاصه بأخذ الكف من التراب دون
غيره. كذا في الفتح.
قوله: (من حصى) الخ: أي: حجارة صغار.
قوله: (فرفعه) الخ: أي: الكف.
قوله: (يكفيني هذا) الخ: فإن المقصود من السجود التواضع، والانقياد والمذلة بين يدي
رب العباد، ووضع أشرف الأعضاء في أخس الأشياء رجوعاً إلى أصله من الفناء، وهذا لما كان
في رأسه من توهم الكبرياء.
قوله: (بعد) الخ: أي: بعد هذه القصة.
قوله: (قتل) الخ: أي : يوم بدر.
قوله: (كافراً) الخ: قال ابن رشيد: فلعل جميع من وفق للسجود يومئذ ختم له بالحسنى،
فأسلم البركة السجود.
١٠٦ - (٥٧٧) - قوله: (عن يزيد بن خصيفة) الخ: بالخاء المعجمة والصاد المهملة،
مصغر، وهو يزيد بن عبد الله بن خصيفة نسب إلى جده.
قوله: (ابن قسيط) الخ: هو يزيد بن عبد الله بن قسيط - بضم القاف وفتح السين المهملة -.
(١) قوله: ((زيد بن ثابت)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب سجود القرآن، باب من قرأ السجدة
ولم يسجد، رقم (١٠٧٢) و(١٠٧٣) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب سجود القررن، ترك
السجود في النجم، رقم (٩٦١) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، تفريع أبواب السجود، باب من لم
ير السجود في المفصل، رقم (١٤٠٤ و١٤٠٥) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء من لم
يسجد فيه (يعني في النجم) رقم (٥٧٦) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب في الذي يسمع السجدة
ولا يسجد، رقم (١٤٨٠) وأحمد في مسنده (٥: ١٨٣ و١٨٦).

١٥٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ الإِمَامِ؟ فَقَالَ: لَا قِرَاءَةَ مَعَ الإِمَامِ فِي شَيْءٍ. وَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأْ عَلَى
رَسُولِ اللّهِ وَهِ: ﴿وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى﴾. فَلَمْ يَسْجُدْ.
قوله: (لا قراءة مع الإمام) الخ: فيه تأييد لما قاله أبو حنيفة تَعَثُ من نفي القراءة خلف
الإمام في شيء من الصلوات، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة ومتعلقاتها مبسوطاً في بابها
فراجعه .
قوله: (وزعم) الخ: أي: قال، والزعم يطلق على القول المحقق، كما سبق.
قوله: (فلم يسجد) الخ: احتج به من قال: إن المفصل لا سجود فيه، كالمالكية، أو: إن
النجم بخصوصها لا سجود فيها، كأبي ثور، والاستدلال به لا يتم، لأن ترك السجود فيها في
هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقاً، لاحتمال أن يكون السبب في الترك إذ ذاك إما لكونه كان
بلا وضوء، أو لكون الوقت كان وقت كراهة، أو لكون القارىء كان لم يسجد، كما ذهب إليه
بعضهم، أو ترك حينئذ لبيان الجواز، أو لبيان جواز أدائه على التراخي.
وأما ما رواه أبو داود وغيره من طريق مطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس ((أن
النبي ◌َّر لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة))، فقد ضعّفه أهل العلم
بالحديث، لضعف في بعض رواته، واختلاف في إسناده، وعلى تقدير ثبوته فرواية من أثبت ذلك
أرجح، إذ المثبت مقدم على النافي، فسيأتي في الباب الذي يليه ثبوت السجود في ((إذا السماء
انشقت)) .
وروى البزار والدارقطني من طريق هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: ((أن
النبي ◌َّ سجد في سورة ((النجم)) وسجدنا معه .... )) الحديث، رجاله ثقات.
وروى ابن مردويه في التفسير بإسناد حسن، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن، أنه رأى أبا هريرة سجد في خاتمة ((النجم)) فسأله، فقال: ((إنه رأى
رسول الله (َ* يسجد فيها)) وأبو هريرة إنما أسلم بالمدينة.
وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن الأسود بن يزيد، عن عمر، أنه سجد في ﴿إِذَا السَّمَآءُ
أُنشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١].
ومن طريق نافع، عن ابن عمر، أنه سجد فيها .
وفي هذا رد على من زعم أن عمل أهل المدينة استمر على ترك السجودفي المفصل،
وزعم بعضهم أن عمل أهل المدينة استمر بعد النبي وَير على ترك السجود فيها، وفيه نظر لما
رواه الطبري بإسناد صحيح: عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمر أنه قرأ النجم في الصلاة،
فسجد فيها، ثم قام، فقرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١].
ومن طريق إسحاق بن سويد، عن نافع، عن ابن عمر، أنه سجد في النجم. كذا في
الفتح.

١٥٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٢٩٩ - (١٠٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَىُ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أقوال العلماء في عدد سجدات التلاوة
قال النووي: وقد اختلف العلماء في عدد سجدات التلاوة، فمذهب الشافعي
عنه
وطائفة: أنهن أربع عشرة سجدة، منها سجدتان في الحج، وثلاث في المفصل، وليست سجدة
((ص)) منهن، وإنما هي سجدة شكر.
وقال مالك رحمه الله تعالى وطائفة: هي إحدى عشرة، أسقط سجدات المفصل.
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: هن أربعة عشرة، أثبت سجدات المفصل، وسجدة ((ص))
وأسقط السجدة الثانية من الحج.
وقال أحمد، وابن سريج من أصحابنا، وطائفة: هن خمسة عشرة، أثبتوا الجميع،
ومواضع السجدات معروفة.
واختلفوا في سجدة ((حم)) فقال مالك، وطائفة من السلف، وبعض أصحابنا: هي عقب
قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وقال أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله
تعالى، والجمهور: عقب: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] والله أعلم)) اهـ.
قلت: وقد تقدم منا في شرح أوائل الباب أن الأمر قد استقرّ على المواظبة في سجود
(ص)) بعد ما لم يكن من العزائم، وأدلة السجود في ((ص)) مذكورة في فتح القدير وغيره.
وتقدم أن تعدد السجود في الحج قد ورد من حديث ابن لهيعة، عن مشرح بن عاهان. قال
الشوكاني في النيل: هما ضعيفان. وقد ذكر الحاكم أنه تفرد به، لكن قد سبق من كلام الحافظ
ابن القيم ما يدل على أن الحديث ليس بساقط، والإنصاف أن العمل به أحسن من الرأي
المجرد.
قال ابن القيم: ((أما الرأي فهو أن آخر الحج السجود فيها سجود الصلاة لاقترانه بالركوع،
بخلاف الأولى، فإن السجود فيها مجرد عن ذكر الركوع، ولهذا لم يكن قوله تعالى: ﴿يَمَرْيَمُ
أَقْنُقِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرْكَعِى مَعَ الزَّكِينَ ﴾﴾ [آل عمران: ٤٣] من مواضع السجدات بالاتفاق، قال:
ويدل على فساد هذا الرأي وجوه:
منها : أنه مردود بالنص، أي حديث ابن لهيعة.
ومنها : أن اقتران الركوع بالسجود في هذا الموضع لا يخرجه عن كونه موضع سجدة، كما
أن اقترانه بالعبادة التي هي أعم من الركوع لا يخرجه عن كونه سجدة، وقد صح سجوده وَّ في
((النجم)) وقد قرن السجود فيها بالعبادة، كما قرنه بالعبادة في سورة الحج، والركوع لم يزده إلا
التأکید .
ومنها: أن أكثر السجدات المذكورة في القرآن متناولة لسجود الصلاة، فإن قوله تعالى:

١٥٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَزِيدَ، مَوْلَى الأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ(١)
قَرَّأَ لَهُمْ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ
سَجَدَ فِيهَا .
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] يدخل فيه سجود المصلين قطعاً، وكيف!
(@)﴾ [النجم: ٦٢]
وهو أجل السجود وأفرضه، وكيف لا يدخل هو فى قوله: ﴿فَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُ وا﴾
وفي قوله: ﴿كَلَّا لَا نُطِعْهُ وَأَسْجُدْ وَأَقْتَبِ يُ (٣)﴾ [العلق: ١٩] وقد قال قبل: ﴿أَوَّيْتَ الَّذِى يَنْعَىِّ جَ عَبْدًا
إِذَا صَلََّ ﴾﴾ [العلق: ٩ ,١٠] ثم قال: ﴿كَلَّا لَا نُطِعْهُ وَأَسْجُدْ وَأَقْتَّبِ ﴾ (1)﴾ فأمره بأن يفعل هذا الذي
نهاه عنه عدو الله، فإرادة سجود الصلاة بآية السجدة لا تمنع كونها سجدة، بل تؤكدها وتقويها .
يوضحه أن مواضع السجدات في القرآن نوعان: أخبار وأمر، فالأخبار خبر من الله تعالى
عن سجود مخلوقاته له عموماً، أو خصوصاً، فسنّ للتالي والسامع وجوباً أو استحباباً أن يتشبه
بهم عند تلاوة آية السجدة أو سماعها، وآيات الأوامر بطريق الأولى. وهذا لا فرق فيه بين أمر
وأمر، فكيف يكون الأمر بقوله: ﴿فَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ ◌ُ (4)﴾ مقتضياً للسجود دون الأمر بقوله:
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧] فالساجد إما متشبه بمن أخبر عنه، أو
ممتثل لما أمر به، وعلى التقديرين يسن له السجود في آخر الحج، كما يسن له السجود في
أولها، فكما سوّت السنة بينهما سوّى القياس الصحيح، والاعتبار الحق بينهما، وهذا السجود
شرعه الله ورسوله عبودية عند تلاوة هذه الآيات واستماعها، وقربة إليه، وخضوعاً لعظمته،
وتذللاً بين يديه، واقتران الركوع ببعض آياته مما يؤكد ذلك ويقويه، ولا يضعفه ويوهيه، والله
المستعان .
وأما قوله تعالى: ﴿يَمَّرْيَمُ أَقْنُنِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرَكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، ﴿يَأَبَتِ
إِى قَدْ جَآءَنِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَتَّبِعْنِىّ أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِبًا (®)﴾ [مريم: ٤٣] فإنما لم يكن موضع
سجدة، لأنه خبر خاص عن قول الملائكة لامرأة بعينها أن تديم العبادة لربها بالقنوت، وتصلي
(١) قوله: ((أبا هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب الجهر في العشاء، رقم
(٧٦٦) وباب القراءة في العشاء بالسجدة، رقم (٧٦٨) وفي كتاب سجود القرآن، باب سجدة ((إذا السماء
انشقت)) رقم (١٠٧٤) وباب من قرأ السجدة في الصلاة فسجد فيها، رقم (١٠٧٨) والنسائي في سننه، في
كتاب الافتتاح، باب سجود القرآن، باب السجود في ((إذا السماء انشقت)) رقم (٩٦٢) و(٩٦٣) و(٩٦٦)
وباب السجود في الفريضة، رقم (٩٦٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، تفريع أبواب السجود، باب
السجود في ((إذا السماء انشقت)) و(اقرأ)) رقم (١٤٠٨) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة
فيها، باب عدد سجود القرآن، رقم (١٠٥٩) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة باب السجود في ((إذا
السماء انشقت)) رقم (١٤٧٦) و(١٤٧٧) و(١٤٧٨) وأحمد في مسنده (٢: ٢٢٩ و٢٨١ و٤١٣ و٤٤٩ و٤٥١
و ٤٥٤ ز ٤٥٦ و ٤٥٩ و٤٦٦ و٤٨٧ ٬ ٥٣٩).
٠

١٥٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٣٠٠ - (٠٠٠) وحدّثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. ح
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامِ، كِلاَهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ
أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َُّ بِمِثْلِهِ.
١٣٠١ - (١٠٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. قَالا: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ قَالَ:
سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ نَ ◌ّهِ فِي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. وَ ﴿اقْرَأْ بِاسْم رَبِّكَ﴾ .
١٣٠٢ - (١٠٩) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ،
عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَغْرَجَ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ
قَالَ: سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ بِ ◌ّهِفِي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. و ﴿اقْرَأْ بِاسَّمِ رَبِّكَ﴾.
له بالركوع والسجود، فهو خبر عن قول الملائكة لها ذلك، وإعلام من الله تعالى لنا أن الملائكة
قالت ذلك لمريم، فسياق ذلك غير سياق آيات السجدات)). انتهى كلام ابن القيم.
١٠٨ - ( ... ) - قوله: (عن عطاء بن ميناء) الخ: بكسر الميم، ويمد ويقصر.
١٠٩ - ( ... ) - قوله: (عن صفوان بن سليم، عن عبد الرحمن الأعرج) الخ: قال
النووي: ((وفي الرواية الثانية: عن عبد الله بن أبي جعفر، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي
هريرية ظه، مثله قال الحميدي في الجمع بين الصححين في آخر ترجمة أبي هريرة: الأعرج
الأول مولى بن مخزوم، اسمه عبد الرحمن بن سعد المقعد، كنيته أبو أحمد وهو قليل الحديث،
وأما عبد الرحمن الأعرج الآخر فهو ابن هرمز، كنيته أبو داود، مولى ربيعة بن الحارث، وهو
كثير الحديث، وروى عنه جماعات من الأئمة. قال: وقد أخرج مسلم عنهما جميعاً في سجود
القرآن، قال: فربما أشكل ذلك، قال: فمولى بني مخزوم يروي ذلك عنه صفوان بن سليم، وأما
ابن هرمز فيروي ذلك عنه عبيد الله بن أبي جعفر، هذا كلام الحميدي، وهو مليح نفيس، وكذا
قال الدارقطني: إن الأعرج اثنان، يرويان عن أبي هريرة، أحدهما - وهو المشهور -: عبد
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب سجود القرآن، باب
السجود في ((إذا السماء انشقت)) رقم (٩٦٤) و(٩٦٥) وباب السجود في ((اقرأ باسم ربك)) رقم (٦٩٧)
و(٩٦٨) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، تفريع أبواب السجود، باب السجود في ((إذا السماء
انشقت)) و((اقرأ)) رقم (١٤٠٧) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة باب ما جاء في السجدة في «إقرأ
باسم ربك الذي خلق)) و((إذا السماء انشقت)) رقم (٥٧٣) و(٥٧٤) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة
الصلاة والسنة فيها، باب عدد سجود القرآن، رقم (١٠٥٨) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب
السجود في ((اقرأ باسم ربك)) رقم (١٤٧٩) وأحمد في مسنده (٢: ٢٤٧ و٢٤٩ و٤٦١).

١٥٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٣٠٣ - (٠٠٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ
الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَهِ، مِثْلَهُ.
١٣٠٤ - (١١٠) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. قَالا: حَدَّثَنَا
الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ؛ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلاَةَ الْعَتَمَةِ.
فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. فَسَجَدَ فِيهَا. فُقُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا
خَلْفَ أَبِي الْقَاسِم ◌ََّ، فَلاَ أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى: فَلاَ أَزَالُ
أَسْجُدُهَا .
١٣٠٥ - (٠٠٠) حدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو
كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، (يَعْنِي ابْنَ زُرَيْع)، حِ قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةً. حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ
أَخْضَرَ. كُلُّهُمْ عَنِ التَّْمِيِّ، بِهَذَا الإِسِّنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا: خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ لِلَّهِ.
١٣٠٦ - (١١١) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ؛ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ
يَسْجُدُ فِي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. فَقُلْتُ: تَسْجُدُ فِيهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. رَأَيْتُ خَلِيلِي ◌ِّل
يَسْجُدُ فِيهَا. فَلاَّ أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ.
قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ: النَّبِيَّ وََّ؟ قَالَ: نَعَمْ.
الرحمن بن هرمز، والثاني: عبد الرحمن بن سعد مولى بني مخزوم، وهذا هو الصواب، وقال
أبو مسعود الدمشقي: هما واحد. قال أبو علي الغساني الجياني: الصواب قول الدار قطني، والله
أعلم)) اهـ.

١٥٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
(٢١) - باب: صفة الجلوس في الصلاة،
وكيفية وضع اليدين على الفخذين
١٣٠٧ - (١١٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيِّ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام
الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، (وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ)، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ. حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنٌ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ (١)؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَ لهَ، إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلاَةِ، جَعَلَ
قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ. وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَىْ رُكْبَتِهِ
الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى،
(٢١) - باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين
١١٢ - (٥٧٩) - قوله: (وفرش قدمه اليمنى) الخ: هذا مشكل، لأن السنة في القدم اليمنى
أن تكون منصوبة باتفاق العلماء، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على ذلك في صحيح
البخاري وغيره، قال القاضي عياض: ((قال الفقيه أبو محمد الخشني: صوابه ((وفرش قدمه
اليسرى)) ثم أنكر القاضي قوله، لأنه قد ذكر في هذه الرواية ما يفعل باليسرى، وأنه جعلها بين
فخذه وساقه، قال: ولعل صوابه: ((ونصب قدمه اليمنى)) قال: وقد تكون الرواية صحيحة في
اليمنى، ويكون معنى ((فرشها)) أنه لم ينصبها على أطراف أصابعه في هذه المرة، ولا فتح
أصابعها كما كان يفعل في غالب الأحوال)) هذا كلام القاضي.
قال النووي: ((وهذا التأويل الأخير الذي ذكره هو المختار، ويكون فعل هذا لبيان
الجواز، وإن وضع أطراف الأصابع على الأرض وإن كان مستحباً: يجوز تركه، وهذا التأويل له
نظائر كثيرة، لاسيما في باب الصلاة، وهو أولى من تغليط رواية ثابتة في الصحيح، واتفق عليها
جميع نسخ مسلم)).
وقد سبق اختلاف العلماء في أن الأفضل في الجلوس في التشهدين: التورك أم الافتراش؟
في ((باب ما يجمع صفة الصلاة))، وذكرنا هناك أدلة كل من الأقوال، والجواب عما يمكن
جوابه، فراجعه.
قوله: (ووضع يده الیمنی) الخ: وفي حديث أبي حميد عند أبي داود: ((ووضع كفه اليمنى
(١) قوله: ((عن أبيه)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب الإشارة بالإصبع في التشهد
الأول، رقم (١١٦٢) وباب بسط اليسرى على الركبة، رقم (١٢٧١) وباب موضع البصر عند الإشارة
وتحريك السبابة، رقم (١٢٧٦) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الإشارة في التشهد، رقم
(٩٨٨) و(٩٨٩) و(٩٩٠) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب الإشارة في التشهد، رقم (١٣٤٤)
وأحمد في مسنده (٤: ٣).

١٥٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ.
١٣٠٨ - (١١٣) حدّثنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو
بَكرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ عَجْلاَنَ، عَنْ
عَامِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ، إِذَا فَعَدَ يَدْعُو، وَضَعَ
يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى. وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَىُ. وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ.
على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى وعى ركبته اليسرى، وأشار بإصبعه)) - يعني السبابة -.
قال علي القاري: ((ولا شك أن وضع الكف مع قبض الأصابع لا يتحقق حقيقة، فالمراد -
والله أعلم - وضع الكف ثم قبض الأصابع بعد ذلك عند الإشارة، وهو المروي عن محمد في
كيفية الإشارة. قال: ويكره عندنا تحريك المسبحة، لأنه علّ كان يتركه، وقيل: يسن، لأنه ظلَّلا
كان يفعله، روى الخبرين البيهقي وصححهما، ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد بتحريكها في
خبره ((رفعها)) لا تكرير تحريكها، وهو احتمال ظاهر للجمع بين الحديثين، وأما خبر «تحريك
الأصابع مذعرة للشيطان)) أي منفرة له، فضعيف)). كذا في المرقاة، وفي بعضه نظر.
قوله: (وأشار بإصبعه) الخ: فيه إثبات الإشارة في التشهد، وقد اتفقت الأئمة الثلاثة
وأتباعهم على كون الإشارة في جلسة التشهد سنة، كما حكاه العيني في شرح الهداية، وكذا اتفق
عليه أئمتنا الثلاثة وقدماء أتباعهم.
قال القاري في رسالته («تزيين العبارة)): ((وقد أغرب الكيداني حيث قال: ((العاشر من
المحرمات: الإشارة بالسبابة كأهل الحديث)). وهذا منه خطأ عظيم وجرم جسيم، منشأه الجهل
عن قواعد الأصول، ومراتب الفروع من النقول، ولولا حسن الظن به لكان كفره صريحاً،
وارتداده صريحاً، فهل يحل لمؤمن أن يحرم ما ثبت من فعله عليه الصلاة والسلام ما كاد أن
يكون متواتراً في نقله؟ ولو لم يكن للإمام نص على المرام لكان من المتبعين على أتباعه من
العلماء الكرام فضلاً عن العوام أن يعملوا بما صح عن رسول الله بَّر، وكذا لو صح عن الإمام
نفي الإشارة وصح إثباتها عن صاحب البشارة، فلا شك في ترجيح المثبت المسند إلى
رسول الله وَّر، فكيف! وقد طابق نقله الصريح (ولم يثبت عنه خلافه) فمن أنصف ولم يتعسف
عرف عن هذا سبيل أهل التدين من السلف والخلف، وغاية ما يعتذر عن بعض المشايخ حيث
منعوا الإشارة، وذهبوا إلى الكراهة عدم وصول الأحاديث إليهم، وقد رأوا ورود اختلاف في
فعلها وتركها، فظنوا أن تركها أولى)) انتهى ملخصاً، كذا في بذل المجهود.
١١٣ - ( ... ) - قوله: (إذا قعد يدعو) الخ: أي: يقرأ التشهد. قال الطيبي: سمي دعاء
لاشتماله عليه، فإن قوله: ((سلام عليك)). و((سلام علينا)) دعاء.
قوله: (بإصبعه السبابة) الخ: قال الطيبي: ((أي: رفعها عند قوله: ((إلا الله)) ليطابق القول

١٥٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
وَوَضَعَ إِنْهَامَهُ عَلَى إِصْبَعِهِ الْوُسْطَىْ. وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَىْ رُكْبَتَهُ.
١٣٠٩ - (١١٤) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ
ابْنُ رَافِع: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، غُّنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ(١)؛ْ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ، كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلاَةِ، وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ. وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ
الْيُمْنَى الَّتِي تَلِي الإِنْهَامَ، فَدَعًا
الفعل على التوحيد)) اهـ. وعندنا يرفعها عند ((لا إله)) ويضعها عند ((إلا الله)) لمناسبة الرفع للنفي،
وملائمة الوضع للإثبات، ومطابقة بين القول والفعل حقيقة.
قال ابن حجر: سميت بالسبابة، لأنه كان يشار بها عند المخاصمة والسب، وسميت أيضاً
بالمسبحة: لأنه يشار بها إلى التوحيد والتنزيه، وهو التسبيح، فاندفع النظر في تسميتها بذلك،
لأنها ليست آلة التسبيح. كذا في المرقاة.
قوله: (ويلقم كفه اليسرى) الخ: أي: أحياناً. قال السيد جمال الدين: جعله المظهر من
التلقيم، وجمهور الشراح على أنه من الإلقام. قال الطيبي: يقال: لقمت الطعام: إذا أدخلته في
فيك، أي: يدخل ركبته في راحة كفه اليسرى. قال ابن الملك: حتى صارت ركبته كاللقمة في
كفه. قال ابن حجر: ولا ينافي هذا ما مر من أن السنة وضع بطن كفيه على فخذيه قريباً من
ركبتيه، بحيث تسامتها رؤوس الأصابع، لأن ذاك لبيان كمال السنة، وهذا لبيان أصل السنة.
فمن قال من أصحابنا: ينبغي تركه، لأنه يخل بتوجيهها للقبلة: فقد غفل عن هذه الرواية، ويؤيد
ما ذكرته: قول النووي في شرح مسلم: «أجمعوا على ندب وضعها عند الركبة أو عليها)) كذا في
المرقاة .
١١٤ - (٥٨٠) - قوله: (فدعا) الخ: أي: هلل بها. سمي التهليل والتحميد دعاء، لأنه
بمنزلة استجلاب لطف الله تعالى، ولذا قيل:
إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناء
ومن ذلك قوله تعظيّلا: ((أفضل الدعاء يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده .... )).
(١) قوله: ((عن ابن عمر)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب موضع البصر في التشهد،
رقم (١١٦١) وباب موضع الكفين، رقم (١٢٦٧) وباب قبض الأصابع من اليد اليمنى دون السبابة، رقم
(١٢٦٨) وباب بسط اليسرى على الركبة، رقم (١٢٧٠) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الإشارة
في التشهد، رقم (٩٨٧) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الإشارة في التشهد، رقم
(٢٩٤) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الإشارة في التشهد، رقم (٩١٣)
والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب الإشارة في التشهد، رقم (١٣٤٥) وأحمد في مسنده (٢: ٦٥
و ١٤٧).

١٦٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِهَا. وَيَدَهُ الْيُسْرَىُ عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَىُ، بَاسِطُهَا عَلَيْهَا .
١٣١٠ - (١١٥) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ ﴿َ، كَانَ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ
وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِّهِ الْيُسْرَىُ. وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى. وَعَقَدَ ثَلاَثَةً
وَخَمْسِينَ. وَأَشَارَ بَالسَّبَّابَةِ.
وقال ابن حجر: ((سمي التشهد دعاء لاشتماله عليه، إذ من جملته: ((السلام عليك أيها
النبي - إلى - الصالحين)) وهذا كله دعاء، وإنما عبر عنه بلفظ الإخبار لمزيد التوكيد، ولذا قال
أئمة البيان: إن ((غفر الله له)) أعظم من: ((اللهم اغفر له)) لأن الأول يستدعي قوة الرجاء بوقوع
المغفرة، وأنها صارت كالأمر الواقع المحقق، حتى أخبر عنها بلفظ الماضي، بخلاف الثاني)).
قوله: (بها) الخ: أي: مشيراً بها وداعياً إلى وحدانية الله تعالى.
قوله: (باسطها عليها) الخ: وهذا بظاهره يغاير صفة الإلقام.
١١٥ - ( ... ) - قوله: (على ركبته اليسرى) الخ: لعل حكمة وضعها على الركبتين:
المحافظة من العبث، ومراعاة الأدب.
قوله: (وعقد ثلاثاً وخمسين) الخ: وهو أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى، ويرسل
المسبحة، ويضم الإبهام إلى أصل المسبحة .
قال الطيبي: ((وللفقهاء في كيفية عقدها وجوه:
أحدها : ما ذكرنا .
والثاني: أن يضم الإبهام إلى الوسطى المقبوضة، كالقابض ثلاثاً وعشرين، فإن ابن الزبير
رواه كذلك. قال الأشرف: وهذا يدل على أن في الصحابة من يعرف هذا العقد والحساب
المخصوص .
والثالث: أن يقبض الخنصر والبنصر، ويرسل المسبحة، ويحلق الإبهام والوسطى، كما
رواه وائل بن حجر)) اهـ. والأخير هو المختار عندنا. قال الرافعي: الأخبار وردت بها جميعاً،
وكأنه ظلَّلا كان يصنع مرة هكذا، ومرة هكذا، كذا في المرقاة.
وحكي عن شيخ مشايخنا الكنگوهي رحمه الله تعالى أنه قال: لعل عقد الأصابع إشارة إلى
عقد القلب، والله أعلم.
قال النووي: ((واعلم أن قوله: ((عقد ثلاثاً وخمسين)) شرطه عند أهل الحساب أن يضع
طرف الخنصر على البنصر، وليس ذلك مراداً ههنا، بل المراد أن يضع الخنصر على الراحة،
ويكون على الصورة التي يسميها أهل الحساب تسعة وخمسين. والله أعلم)).