النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
إِنَّهُ لَيُسَمِّيَها يَوْمَئِذٍ - ((انْظُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ. يَعْمَلْ لِي أَعْوَاداً أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا)». فَعَمِلَ ....
نجاراً، ألا يجعل لك شيئاً تقعد عليه؟ قال: إن سشئت، ففعلتْ له هذا المنبر)).
فإن قيل: ظاهر سياق حديث جابر مخالف لسياق حديث سهل، لأن في هذا أنها ابتدأت
بالعرض، وفي حديث سهل أنه و # هو الذي أرسل إليها يطلب ذلك.
أجاب ابن بطال باحتمال أن تكون المرأة ابتدأت بالسؤال متبرعة بذلك، فلما حصل لها
القبول أمكن أن يبطىء الغلام بعمله، فأرسل يستنجزها إتمامه، لعلمه بطيب نفسها بما بذلته،
ويمكن إرساله إليها ليعرفها بصفة للمنبر مخصوصة ما يصنعه الغلام من الأعواد. ويحتمل أنه لما
فوض الأمر إليها بقوله لها: ((إن شئت)) كان ذلك سبب البطء لا أن الغلام كان شرع وأبطأ، ولا
أنه جهل الصفة. قال الحافظ: ((وهذا أوجه الأوجه في نظري)).
قوله: (إلى امرأة) الخ: لا يعرف اسمها، لكنها أنصارية، ونقل ابن التين عن مالك أن
النجار كان مولى لسعد بن عبادة، فيحتمل أن يكون في الأصل مولى امرأته، ونسب إليه مجازاً،
واسم امرأته فكيهة بنت عبيد بن دليم، وهي ابنة عمه أسلمت وبايعت، فيحتمل أن تكون هي
المرادة، لكن رواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن ابن عيينة، فقال: مولى لبني بياضة.
وأما ما وقع في الدلائل لأبي موسى المديني نقلاً عن جعفر المستغفري أنه قال في أسماء
النساء من الصحابة: علاثة - بالعين المهملة وبالمثلثة - ثم ساق هذا الحديث من طريق يعقوب بن
عبد الرحمن عن أبي حازم، قال: ((وفيه: أرسل إلى علائة امرأة قد سماها سهل))، فقد قال أبو
موسى: صحف فيه جعفر أو شيخه، وإنما هو ((فلانة)) انتهى.
ووقع عند الكرماني: ((قيل: اسمها عائشة، وأظنه صحف المصحف، ولو ذكر مستنده في
ذلك لكان أولى، ثم وجدت في الأوسط للطبراني من حديث جابر ((أن رسول الله وَالر كان يصلي
إلى سارية في المسجد، ويخطب إليها ويعتمد عليها، فأمرت عائشة فصنعت له منبره هذا ... ))
فذكر الحديث، وإسناده ضعيف، ولو صح لما دل على أن عائشة هي المرادة في حديث سهل
هذا، إلا بتعسف، والله أعلم، كذا في الفتح.
قوله: (إنه ليسميها) الخ: أي: إن سهلاً كان يسمي المرأة.
قوله: (غلامك النجار) الخ: اختلف في تسمية هذا الغلام على ثمانية أقوال، ذكرها
الحافظ ابن حجر، ثم قال: ((وليس في جميع هذه الروايات التي سمي فيها النجار شيء قوي
السند إلا حديث ابن عمرو (عند أبي داود فيه ذكر تميم الداري) ليس التصريح بأن الذي اتخذ
المنبر تميم الداري، بل قد تبين من رواية ابن سعد أن تميماً لم يعمله، وأشبه الأقوال بالصواب
قول من قال: هو ميمون، لكون الإسناد من طريق سهل بن سعد أيضاً. وأما الأقوال الأخر فلا
اعتداد بها لوهائها، ويبعد جداً أن يجمع بينها بأن النجار كانت له أسماء متعددة.

٨٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
هَذِهِ الثَّلاَثَ دَرَجَاتٍ. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ بِهِ. فَوُضِعَتْ هَذَا الْمَوْضِعَ. فَهِيَ مِنْ طَرْفَاءِ
الْغَابَةِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلـ
وأما احتمال كون الجميع اشتركوا في عمله فيمنع منه قوله في كثير من الروايات: (لم يكن
بالمدينة إلا نجار واحد)) إلا إن كان يحمل على أن المراد بالواحد: الماهر في صناعته، والبقية
أعوانه، فیمکن والله علم)) اهـ.
قوله: (هذه الثلاث درجات) الخ: قال النووي: هذا التركيب ينكره أهل العربية،
والمعروف عندهم: ((ثلاث الدرجات)) أو ((الدرجات الثلاث)) والحديث يدل على أن الذي فيه
لغة. قلت: المسألة من باب تعريف العدد، والمعروف في تعريف العدد المضاف ما ذكر، وإنما
أنكروه لأن فيه الجمع بين الألف واللام والإضافة، وإنما الأصل أن يضاف ما ليس فيه الألف
واللام إلى ما هما فيه. كذا في الإكمال.
قال العيني: ((وفي حديث ابن عمر عند أبي داود: ((فاتخذ له منبراً مرقاتين)) وهي تثنية
مرقاة، وهي الدرجة، وفي حديث الباب: ثلاث درجات، فيوفق بينهما بأن الذي قال: مرقاتين،
كأن لم يعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها، والذي روى له ثلاثاً اعتبرها)) اهـ.
قوله: (من طرفاء الغابة) الخ: وفي بعض الروايات: ((من أثل الغابة)) ولا مغايرة، فإن
الأثل هو الطرفاء، وقيل: يشبه الطرفاء، وهو أعظم منه (والطرفاء شجرة يقال لها في الهندية:
جهاؤ).
والغابة بغين معجمة وباء موحدة، أرض على تسعة أميال من المدينة، كانت إبل النبي وَل
مقيمة بها للرعي، وبها وقعت قصة العرنيين الذين أغاروا على سرحه وَّه. وقال ياقوت: بينها
وبين المدينة أربعة أميال. وقال البكري: هما غابتان: عليا، وسفلى. وقال الزمخشري: الغابة
بريد من المدينة من طريق الشام. قال الواقدي: ومنها صنع المنبر، ولم يزل المنبر على حاله
ثلاث درجات حتى زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات من أسفله، وكان سبب ذلك ما
حكاه الزبير بن بكار في أخبار المدينة بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال: ((بعث
معاوية إلى مروان وهو عامله على المدينة أن يحمل إليه المنبر، فأمر به فقلع، فأظلمت المدينة،
فخرج مروان فخطب، وقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه فدعا نجاراً، وكان ثلاث
درجات، فزاد فيه الزيادة التي عليها اليوم)) ورواه من وجه آخر: ((فكسفت الشمس حتى رأينا
النجوم)) وقال: ((فزاد فيه ست درجات)) وقال: ((إنما زدت فيه حين كثر الناس)).
قال ابن النجار وغيره: ((استمر على ذلك إلا ما أصلح منه إلى أن احترق مسجد المدينة
سنة أربع وخمسين وستمائة، فاحترق، ثم جدد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبراً،
ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبراً، فأزيل منبر المظفر، فلم يزل ذلك إلى هذا العصر،

٨٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
قَامَ عَلَيْهِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ. وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ. ثمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِي
أَصْلِ الْمِنْبَرِ. ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلاَتِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ،
فأرسل الملك المؤيد سنة عشرين وثمان مائة منبراً جديداً، وكان أرسل في سنة ثماني عشرة منبراً
جديداً، إلى مكة أيضاً شكر الله له صالح عمله آمين)).
قوله: (قام عليه) الخ: أي: على المنبر على الدرجة العليا منه.
قوله: (وهو على المنبر) الخ: فيه: الصلاة على المنبر، وقد علل ◌َّل صلاته عليه وارتفاعه
على المأمومين بالاتباع له والتعليم، فإذا ارتفع الإمام على المأموم فهو مكروه إلا لحاجة، كمثل
هذا، فيستحب، وبه قال الشافعي وأحمد والليث، وعن مالك والشافعي: المنع، وبه قال
الأوزاعي، وحكى ابن حزم عن أبي حنيفة: المنع، وهو غير صحيح، بل مذهبه الجواز مع
الكراهة. وقال شيخ الإسلام: وإنما يكره إذا لم يكن من عذر، أما إذا كان من عذر فلا يكره،
كما في الجمعة إذا كان القوم على الرف، وبعضهم على الأرض، والرف بتشديد الفاء شبه
الطاق، قاله الجوهري. وعن الطحاوي: أنه لا يكره، وعليه عامة المشايخ، كذا في عمدة
القاري.
قوله: (ثم رفع) الخ: أي: رأسه من الركوع.
قوله: (فنزل القهقرى) الخ: بالقصر: المشي إلى خلف. والحامل عليه المحافظة على
استقبال القبلة.
قوله: (في أصل المنبر) الخ: أي: على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى منه.
قوله: (ثم عاد) الخ: فيه جواز العمل اليسير في الصلاة، وكذا الكثير إن تفرق، وقد تقدم
البحث فيما يتعلق بالكثير والقليل.
وذكر في الحلية في فصل المكروهات: ((أن الذي تقتضيه القواعد المذهبية المستندة إلى
الأدلة الشرعية ووقع به التصريح في بعض الصور الجزئية أن المشي لا يخلو إما أن يكون بلا
عذر، أو بعذر، فالأول إن كان كثيراً متوالياً تفسد، وإن لم يستدبر القبلة، وإن كان كثيراً غير
متوال بل تفرق في ركعات أو كان قليلاً فإن استدبرها: فسدت صلاته للمنافي بلا ضرورة،
وإلافلا، وكره لما عرف أن ما أفسد كثيره كره قليله بلا ضرورة، وإن كان بعذر، فإن كان
للطهارة عند سبق الحدث أو في صلاة الخوف لم يفسدها، ولم يكره، قل أو كثر، استدبر أولا ،
وإن كان لغير ما ذكر فإن استدبر معه فسدت، قل أو كثر، وإن لم يستدبر فإنه قلّ لم يفسد ولم
يكره، وإن كان كثيراً متلاحقاً أفسد، وأما غير المتلاحق ففي كونه مفسداً أو مكروهاً خلاف
وتأمل)) اهـ. ملخصاً. وقال في هذا الباب: ((والذي يظهر أن الكثير الغير المتلاحق غير مفسد،
ولا مكروه إذا كان لعذر مطلقاً)) اهـ. كذا قال ابن عابدين تَّهُ في رد المحتار.

٨٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِنِّي صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُوا بِي. وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي)) .
١٢١٧ - (٤٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيُّ الْقُرَشِيُّ. حَدَّثَنِي أَبُو حَازِم؛ أَنَّ رِجَالاً أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ. ح
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ
بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ؛ قَالَ: أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَسَأَلُوهُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ مِنْبَرُ النَّبِيِّ وَِّ؟
وَسَاقُوا الْحَدِيثَ نَحْوَ خِّدِيثِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ.
(١١) - باب: كراهة الاختصار في الصلاة
١٢١٨ - (٤٦) وَحَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ح
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ وَأَبُوِ أُسَامَةَ، جَمِيعاً عَنْ هِشَامِ، عَنْ
مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)، عَنِ النَّبِيِّ نَّرَ؛ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِراً.
قوله: (ولِتَعْلِمُوا) الخ: بكسر اللام وفتح المثناة وتشديد اللام، أي لتتعلموا، وعرف منه
أن الحكمة في صلاته في أعلى المنبر ليراه من قد يخفى عليه رؤيته إذا صلى على الأرض،
ويستفاد منه أن من فعل شيئاً يخالف العادة أن يبين حكمته لأصحابه. قال الحافظ كثّتُهُ: ((وفي
الحديث استحباب الافتتاح بالصلاة في كل شيء جديد إما شكراً، وإما تبركاً، والله علم)).
٤٥ - ( ... ) - قوله: (وساقوا الحديث) الخ: بضمير الجمع، وكان ينبغي أن يقول:
((وساقا)). لأن المراد بيان رواية يعقوب بن عبد الرحمن وسفيان بن عيينة عن أبي حازم، فهما
شريكا ابن أبي حازم في الرواية عن أبي حازم، ولعله أتى بلفظ الجمع ومراده الإثنان، وإطلاق
الجمع على الإثنين جائز بلا شك، لكن هل هو حقيقة أم مجاز؟ فيه خلاف مشهور: الأكثرون
أنه مجاز، ويحتمل أن مسلماً أراد بقوله: ((وساقوا)) الرواة عن يقعوب وعن سفيان، وهم
كثيرون، والله أعلم. كذا في الشرح.
(١١) - باب: كراهة الاختصار في الصلاة
٤٦ - (٥٤٥) - قوله: (حدثني الحكم بن موسى القنطري) الخ: بفتح القاف، منسوب إلى
محلة من محال بغداد، تعرف بقنطرة البردان، ينسب إليها جماعات كثيرون، منهم: الحكم بن
موسى هذا، ولهم جماعات يقال فيهم: القنطري، ينسبون إلى محلة من محال نيسابور، تعرف
برأس القنطرة، وقد أوضح القسمين الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي.
قوله: (أن يصلي الرجل مختصراً) الخ: من الاختصار.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العمل في الصلاة، باب الخصر =

٨٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ.
وقد فسره الترمذي بقوله: ((والاختصار هو أن يضع الرجل يده على خاصرته في الصلاة)»
وكأنه أراد نفس الاختصار المنهي عنه، وإلا فحقيقة الاختصار لا يتقيد بكونها في الصلاة.
وفسره أبو داود عقيب حديث أبي هريرة فقال: ((يعني أن يضع يده على خاصرته)) وما فسّره
به الترمذي فسّره به محمد بن سيرين راوي الحديث فيما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي
أسامة عن هشام وهو: ((أن يضع يده على خاصرته وهو يصلي)) وكذا فسره هشام فيما رواه
البيهقي في سننه عنه .
وحكى الخطابي وغيره قولاً آخر في تفسيره الاختصار، وهو: أن يمسك بيديه مخصرة،
أي عصا يتوكأ عليها، وأنكره ابن العربي.
وعن الهروي في ((الغريبين)) وابن الأثير في ((النهاية))، وهو: أن يختصر السورة فيقرأ من
آخرها آية أو آيتين.
وحكى الهروي أيضاً وهو: أن يحذف في الصلاة فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها.
وقيل: يختصر الآيات التي فيها السجدة في الصلاة فيسجد فيها. والقول الأول هو الأصح،
ويؤيده ما رواه أبو داود: حدثنا هناد بن السري، عن وكيع، عن سعيد بن زياد، عن زياد بن
صبيح الحنفي، قال: ((صليت إلى جنب ابن عمر رضي الله تعالى عنه، فوضعت يدي على
خاصرتي، فلما صلى قال: هذا الصلب في الصلاة وكان رسول الله وَلجه ينهى عنه)) قوله: ((هذا
الصلب)) أي: شبه الصلب، لأن المصلوب يمد باعه على الجذع، وهيئة الصلب في الصلاة أن
يضع يديه على خاصرتيه ويجافي بين عضديه في القيام.
والحكمة في النهي عن الاختصار قيل: لأن إبليس أهبط مختصراً، رواه ابن أبي شيبة من
طريق حميد بن هلال موقوفاً .
وقيل: لأن اليهود تكثر من فعله، فنهى عنه كراهة للتشبيه بهم. أخرجه البخاري في ذكر
بني إسرائيل من رواية أبي الفتح، عن مسروق عن عائشة أنها كانت تكره أن يضع يده على
خاصرته، تقول: ((إن اليهود تفعله)). وزاد ابن أبي شيبة في رواية له: ((في الصلاة)) وفي رواية
أخری: «لا تشبهوا باليهود)).
في الصلاة، رقم (١٢١٩) و(١٢٢٠) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب النهي عن التخصر في
=
الصلاة، رقم (٨٩١) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الرجل يصلي مختصراً، رقم (٩٤٧)
والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في النهي عن الاختصار في الصلاة، رقم (٣٨٣)
والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب النهي عن الاختصار في الصلاة، رقم (١٤٣٥) وأحمد في
مسنده (٢: ٢٣٢ و٢٩٠).

٨٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٢) - باب: كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في الصلاة
١٢١٩ _ (٤٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ
عَنْ يَحْيِّى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَّةَ، عَنْ مُعَيْقِيبٍ (١)؛ قَالَ: ذَكَّرَ النَّبِيُّ وََّ الْمَسْحَ فِي
وقيل: لأنه راحة أهل النار، كما روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن مجاهد، قال: ((وضع
اليدين على الحقو استراحة أهل النار)) وروى ابن أبي شيبة أيضاً من رواية خالد بن معدان عن
عائشة أنها رأت رجلاً واضعاً يده على خاصرته، فقالت: ((هكذا أهل النار في النار)) وهذا
منقطع، وقد جاء ذلك من حديث مرفوع رواه البيهقي من رواية عيسى بن يونس، عن هشام بن
حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أن رسول الله وَ ير قال: ((الاختصار في الصلاة راحة أهل
النار))، ولعلهم يختصرون بقصد الراحة، ولا راحة لهم في ذلك، وظاهر هذا الإسناد الصحة،
إلا أن الطبراني رواه في الأوسط، فأدخل بين عيسى بن يونس وبين هشام عبد الله بن الأزور،
وقال: ((لم يروه عن هشام إلا عبد الله بن الأزور، تفرد به عيسى بن يونس، وعبد الله بن الأزور
ضعفه الأزدي، والله أعلم)).
وقيل: لأنه فعل المختالين والمتكبرين، قاله المهلب بن أبي صفرة. وقيل غير ذلك، والله
أعلم.
وأما حكم الاختصار في الصلاة: فاختلفوا فيه، فكرهه ابن عمر، وابن عباس، وعائشة،
وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وأبو مجلز، وآخرون. وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي،
والأوزاعي، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الاختصار في الصلاة عملاً بظاهر الحديث. كذا في
عمدة القاري.
(١٢) - باب: كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في الصلاة
٤٦ - (٥٤٦) - قوله: (عن معيقيب) الخ: بضم الميم، وفتح العين المهملة، وسكون الياء
آخر الحروف، وكسر القاف، بعدها باء موحدة، ابن أبي فاطمة الدوسي، حليف بني عبد
شمس، أسلم قديماً، كان على خاتم رسول الله وَالر، واستعمله الشيخان على بيت المال،
(١) قوله: ((عن معيقيب)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العمل في الصلاة، باب مسح الحصى
في الصلاة، رقم (١٢٠٧) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب الرخصة فيه مرة (أي في مسح
الحصى في الصلاة) رقم (١١٩٣) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في مسح الحصى في
الصلاة، رقم (٩٤٦) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية مسح الحصى في
الصلاة، رقم (٣٨٠) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب مسح الحصى في
الصلاة، رقم (١٠٢٦) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب النهي عن مسح الحصى، رقم (١٣٩٤)
وأحمد في مسنده (٣: ٤٢٦) و(٥: ٤٢٥ و٤٢٦).

٨٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
الْمَسْجِدِ . يَعْنِي الْحَصِى قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ لا بُدَّ فَاعِلاَ، فَوَاحِدَةً».
وأصابه الجذام، فجمع له عمر رضيبه الأطباء، فعالجوه فوقف المرض، وهو الذي سقط من يده
خاتم النبي ◌َّ* أيام عثمان رؤيته في بير أريس، فلم يوجد، فمذ سقط الخاتم اختلفت الكلمة،
وتوفي في آخر خلافة عثمان. وقيل: توفي سنة أربعين في خلافة علي ر ◌ُله.
قوله: (فاعلا) الخ: أي: مسويّاً للتراب، ولفظ الفعل أعم الأفعال، ولهذا استعمل لفظ
(فاعلون)) في موضع «مؤدون)» في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلِزَّكَوَةِ فَعِلُونَ ﴾﴾ [المؤمنون: ٤].
قوله: (فواحدة) الخ: بالنصب على إضمار الناصب، تقديره: ((فامسح واحدة)) ويجوز أن
تكون منصوبة على أنها صفة لمصدر محذوف، والتقدير: إن كنت فاعلاً فافعل فعلة واحدة،
يعني مرة واحدة، وكذا في رواية الترمذي: ((إن كنت فاعلاً فمرة واحدة))، ويجوز رفعها على
الابتداء، وخبره محذوف، أي ففعلة واحدة تكفي، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف، أي
المشروع فعلة واحدة. ففيه الرخصة بمسح الحصى في الصلاة مرة واحدة، وممن رخص به فيها
أبو ذر وأبو هريرة وحذيفة ﴿، وكان ابن مسعود وابن عمر يفعلانه في الصلاة، وبه قال من
التابعين إبراهيم النخعي، وأبو صالح، وحكى الخطابي في المعالم كراهته عن كثير من العلماء،
وممن كرهه من الصحابة: عمر بن الخطاب، وجابر ◌ًا، ومن التابعين: الحسن البصري،
وجمهور العلماء بعدهم، وحكى النووي في شرح مسلم اتفاق العلماء على كراهته، لأنه ينافي
التواضع، ولأنه يشغل المصلي.
قلت: في حكايته الاتفاق نظر، فإن مالكاً لم ير به بأساً، وكان يفعله في الصلاة، وفي
التلويح: روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمسحون الحصى لموضع سجودهم مرة واحدة،
وكرهوا ما زاد عليها، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم ما زاد على المرة.
وقال ابن حزم: فرض عليه أن لا يمسح الحصى وما يسجد عليه إلا مرة واحدة، وتركها
أفضل، لكن يسوي موضع سجوده قبل دخوله في الصلاة، وأخرج الترمذي عن أبي ذر عن
النبي وَلّ قال: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه)) ورواه أيضاً
بقية الأربعة، وقال الترمذي: ((حديث أبي ذر حديث حسن)) وتعليل النهي عن مسح الحصى
يكون الرحمة تواجهه يدل على أن النهي حكمته أن لا يشتغل خاطره بشيء يلهيه عن الرحمة
المواجهة له فيفوته حظه. (وروى ابن أبي شيبة عن أبي صالح السمان قال: ((إذا سجدت فلا
تمسح الحصى، فإن كل حصاة تحب أن يسجد عليها)) فهذا تعليل آخر).
وفي معنى مسح الحصى: مسح الجبهة من التراب والطين والحصى في الصلاة، ورواه ابن
أبي شيبة في مصنفه عن أبي الدرداء قال: ((ما أحب أن لي حمر النعم وأني مسحت مكان جبيني
من الحصى إلا أن يغلبني فأمسح مسحة)) وفي حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه: ((أن
النبي ◌َّهر انصرف عن الصلاة وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين)).

٨٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٢٢٠ - (٤٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ. قَالَ:
حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ مُعَيْقِيبٍ، أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ نَّهَ عَنِ الْمِّسْحِ فِي
الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: ((وَاحِدَةً)).
١٢٢١ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ، (يَعْنِي ابْنَ
الْحَارِثِ)، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ. ح.
١٢٢٢ - (٤٩) م وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا
شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قَالَ، فِي
الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ، قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ فَاعِلاَ، فَوَاحِدَةً» .
(١٣) - باب: النهي عن البصاق في المسجد، في الصلاة وغيرها
١٢٢٣ - (٥٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ نَافِعِ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ رَأَى بُصَاقاً
قال القاضي عياض: وكره السلف مسح الجبهة في الصلاة، وقبل الانصراف - يعني من
المسجد - مما يتعلق بها من تراب ونحوه، وحكى ابن عبد البر عن سعيد بن جبير، والشعبي،
والحسن البصري: أنهم كانوا يكرهون أن يمسح الرجل جبهته قبل أن ينصرف، ويقولون: هو من
الجفاء .
وقال ابن مسعود: ((أربع من الجفاء: أن تصلي إلى غير سترة، أو تمسح جبهتك قبل أن
تنصرف، أو تبول قائماً، أو تسمع المنادي ثم لا تجيبه)) كذا في عمدة القاري.
وفي شرح المنية: ويكره أن يقلب الحصى إلا أن لا يمكنه الحصى من السجود، بأن
اختلف ارتفاعه وانخفاضه كثيراً، فلا يستقر عليه قدر الفرض من الجبهة، فيسوّيه حينئذ مرة أو
مرتين، لأن فيه روايتين، في رواية: تسويه مرة، وفي رواية: تسويه مرتين، وفي أظهر الروايتين
أنه يسويه مرة، ولا يزيد عليها، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تمسح الحصى وأنت تصلي،
فإن كنت لا بد فاعلاً فواحدة))، كذا في المرقاة.
(١٣) - باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها
قوله: (رأى بصاقاً) الخ: قيل: النخامة: ما يخرج من الصدر، والبصاق: ما يخرج من
الفم، والمخاط: ما يسيل من الأنف.
(١) قوله: ((عن عبد الله بن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب حك البزاق
باليد من المسجد، رقم (٤٠٦) وفي كتاب الأذان، باب هل يلتفت لأمر ينزل به أو يرى شيئاً أو بصاقاً فى =

٨٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ. فَحَكَّهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِي فَلاَ يَبْصُقْ قِبَلَ
وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِيَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى)).
قوله: (في جدار القبلة) الخ: أي: الجدار الذي من جهة القبلة.
قوله: (فحكه) الخ: أي: فحتّه، فيه إزالة البزاق وغيره من الأقذار ونحوها من المسجد،
وفيه تفقد الإمام أحوال المساجد وتعظيمها وصيانتها. وفي بعض الروايات: ((وأحسبه دعا
بزعفران فلطخه به)).
قوله: (فإن الله قبل وجهه) الخ: بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: الجهة التي عظمها قبل
وجهه، وقيل: فإن قبلة الله قبل وجهه، وقيل: ثوابه قبل وجهه. ونحو هذا، فلا يقابل هذه الجهة
بالبصاق الذي هو الاستخفاف بمن يبزق إليه وإهانته وتحقيره، وفي بعض الروايات: ((إن ربه بينه
وبين القبلة)).
قال العيني رحمه الله تعالى: ((ولا يصح حمل هذا الكلام على ظاهره، لأن الله تعالى منزه
عن الحلول في المكان، فالمعنى على التشبيه، أي كأنه بينه وبين القبلة)).
قال الخطابي: ((معناه أن توجهه إلى القبلة مفضٍ بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير
كأن مقصوده بينه وبين قبلته، وقيل: على حذف مضاف، أي: عظمة الله، أو ثواب الله)).
وقال ابن عبد البر: ((هو كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة، وقد نزع به بعض المعتزلة
القائلين بأن الله في كل مكان، وهو جهل واضح، لأن في الحديث أنه يبزق تحت قدمه، وفيه
نقض ما أصلّوه، وفيه الرد على من زعم أنه على العرش بذاته، ومهما تأول به هذا جاز أن يتأول
به ذاك، والله أعلم)).
وهذا التعليل يدل على أن البزاق في القبلة حرام، سواء كان في المسجد أم لا، ولاسيما
من المصلي، فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل هي للتنزيه أو
للتحريم.
القبلة، رقم (٧٥٣) وفي كتاب العمل في الصلاة، باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة، رقم
=
(١٢١٣) وفي كتاب الأدب، باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى، رقم (٦١١١) والنسائي في
سننه، في كتاب المساجد، باب النهي عن أن يتنخم الرجل في قبلة المسجد، رقم (٧٢٥) وأبو دادو في
سننه، في كتاب الصلاة، باب في كراهية البزاق في المسجد، رقم (٤٧٩) وابن ماجه في سننه، في كتاب
المساجد والجماعات، باب كراهية النخامة في المسجد، رقم (٣٦٣) والدارمي في سننه، في كتاب
الصلاة، باب كراهة البزاق في المسجد، رقم (١٤٠٤) وأحمد في مسنده (٢: ١٨ و٣٢ و٣٤ و٦٦ و٧٢
و ١٤٤).
.٠

٩٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٢٢٤ - (٥١) حدّثُنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ. ح
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدْثَنَا أَبِي. جَمِيعاً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدِّثَنَا قُتَيْبَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ عَنِ
اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ)، عَنْ أَيُّوبَ .
ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، (يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ)، ح
وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدْثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي
مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ. كُلَّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ؛ أَنَّهُ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ
الْمَسْجِدِ. إِلاَّ الضَّحَّاكَ فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ: نُخَامَّةٌ فِي الْقِبْلَةِ. بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكِ.
١٢٢٥ - (٥٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعاً
عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ(١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ. فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ. ثُمَّ
نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ أَمَامَهُ.
وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان من حديث حذيفة مرفوعاً: ((من تفل تجاه القبلة جاء
يوم القيامة وتفله بین عینیه)).
وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم
القيامة وهي في وجهه)) .
ولأبي داود وابن حبان من حديث السائب بن خلاد ظه: ((أن رجلاً أم قوماً فبصق في
القبلة، فلما فرغ قال رسول الله وَير: لا يصلي لكم ... )) الحديث. وفيه: أنه قال له: ((إنك
آذیت الله ورسوله)).
٥١ - ( ... ) - قوله: (رأى نخامة) الخ: قيل: هي ما يخرج من الصدر، وقيل: النخاعة
بالعين: من الصدر، وبالميم: من الرأس.
٥٢ - (٥٤٨) - قوله: (أن يبزق الرجل عن يمينه) الخ: ليس فيه تقييد ذلك بحالة الصلاة،
(١) قوله: ((عن أبي سعيد الخدري)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب حك
المخاط بالحصى من المسجد، رقم (٤٠٩) وباب لا يبصق عن يمينه في الصلاة، رقم (٤١١) وباب ليبزق
عن يساره أو تحت قدمه اليسرى، رقم (٤١٤) والنسائي في سننه، في كتاب المساجد، باب ذكر نهى
النبي و 8* عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته، رقم (٧٢٦) وأبو داود في سننه، في
كتاب الصلاة، باب في كراهية البزاق في المسجد، رقم (٤٨٠) وابن ماجه في سننه، في كتاب المساجد
والجماعات، باب كراهية النخامة في المسجد، رقم (٧٦١) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب
كراهة البزاق في المسجد، رقم (١٤٠٥) وأحمد في مسنده (٣: ٦ و٢٤ و٥٨ و٨٨ و ٩٣).

٩١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
وَلَكِنْ يَبْزُقُ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى.
٠٠٠
نعم! هو مقيد بذلك في طرق أخرى، فبعضهم حمل المطلق على المقيد، وقد جزم النووي
بالمنع في كل حالة داخل الصلاة وخارجها، سواء كان في المسجد أم غيره، وقد نقل عن مالك
أنه قال: ((لا بأس به)) يعني خارج الصلاة.
ويشهد للمنع ما رواه عبد الرزاق وغيره عن ابن مسعود: ((أنه كره أن يبصق عن يمينه،
وليس في صلاة)) .
وعن معاذ بن جبل قال: ((ما بصقت عن يميني منذ أسلمت)).
وعن عمر بن عبد العزيز: ((أنه نهى ابنه عنه مطلقاً)) وكأن الذي خصه بحالة الصلاة أخذه
من علة النهي المذكورة في رواية همام عن أبي هريرة حيث قال: ((فإن عن يمينه ملكاً)) هذا إذا
قلنا: إن المراد بالملك غير الكاتب والحافظ، فيظهر حينئذ اختصاصه بحالة الصلاة.
وقال القاضي عياض: ((النهي عن البصاق عن اليمين في الصلاة إنما هو مع إمكان غيره،
فإن تعذر ذلك فله ذلك)).
قلت: لا يظهر وجود التعذر مع وجود الثوب الذي هو لا بسه، وقد أرشد الشارع إلى التفل
فيه .
وقال الخطابي: ((إن كان عن يساره أحد فلا يبزق في واحد من الجهتين، لكن تحت قدمه
أو ثوبه».
قلت: وفي حديث طارق المحاربي عند أبي داود ما يرشد لذلك، فإن قال فيه: ((أو تلقاء
شمالك إن كان فارغاً، وإلا فهكذا، وبزق تحت رجله، ودلك)) ولعبد الرزاق من طريق عطاء عن
أبي هريرة نحوه. ولو كان تحت رجله مثلاً شيء مبسوط أو نحوه تعين الثوب، ولو فقد الثوب
مثلاً فلعل بلعه أولى من ارتكاب المنهي عنه، والله علم. كذا في الفتح.
قوله: (ولكن يبزق عن يساره) الخ: قال ابن حجر: ((واستثنى بعضهم من المسجد النبوي
مستقبل القبلة، فإن بصاقه عن يمينه أولى لأنه ظلَّل عن يساره، اهـ. وهو وجيه كما لو كان على
يساره جماعة ولم يتمكن منه تحت قدمه، فإنه الظاهر أنه حينئذ عن اليمين أولى))، تم كلامه.
كذا في المرقاة.
قوله: (أو تحت قدمه اليسرى) الخ: وفي بعض الروايات بحذف ((أو)) والرواية التي فيها
((أو)) أعم لكونها تشمل ما تحت القدم وغير ذلك، كذا في الفتح.
قوله: (اليسرى) الخ: يحتمل التقييد، ويحتمل بيان الأفضل، وفي بعض الروايات من
الزيادة: ((فيدفنها)).
قال النووي في الرياض: ((المراد بدفنها ما إذا كان المسجد ترابياً أو رملياً، فأما إذا كان

٩٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٢٢٦ - (٠٠٠) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ. ح
قَالَ: وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبِي. كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ(١) أَخْبَرَاهُ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللّهِ وَيْهِ رَأَى نُخَامَةً بِمِثْلٍ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.
١٢٢٧ - (٠٠٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِىءَ عَلَيْهِ، عَنْ
هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ(٢)؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ رَأَى بُصَاقاً فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ أَوْ
مُخَاطَاً أَوْ نُخَامَةً. فَحَكَّهُ.
١٢٢٨ - (٥٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ.
قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي رَافِعَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٣)؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ رَأَى نُخَامَةً فِيَ قِبْلَةِ الْمَسَّجِدِ. فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَّالَ: ((مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ
مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَتَخَّعُ أَمَامَهُ؟ أَيُحِبُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَتَخْعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَتَخَّعَ أَحَدُكُمْ
فَلْيَتَتَجِّعْ عَنْ يَسَارِهِ. تَحْتَ قَدَمِهِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا)) وَوَصَفَ الْقَاسِمُ، فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ،
ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ.
مبلطاً مثلاً فدلكها عليه بشيء مثلاً فليس ذلك بدفن، بل زيادة في التقذير)).
قلت: لكن إذا لم يبق لها أثر البتة فلا مانع، وعليه يحمل قوله في حديث عبد الله بن
الشخير: ((ثم دلكه بنعله)) وكذا قوله في حديث طارق: ((وبزق تحت رجله ودلك)).
٥٣ - (٥٥٠) - قوله: (فليقل هكذا) الخ: أي: فليفعل هكذا، كما في البخاري.
(١) قوله: ((أبا هريرة وأبا سعيد)) أما حديث أبي سعيد فقد مر آنفاً في التعليقة السابقة وأما حديث أبي هريرة فقد
أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب حك المخاط بالحصى من المسجد، رقم (٤٠٨)
وباب لا يبصق عن يمينه في الصلاة، رقم (٤١٠) وباب دفن النخامة في المسجد، رقم (٤١٦) والنسائي في
سننه في كتاب الطهارة، باب البزاق يصيب الثوب، رقم (٣١٠) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب
في كراهية البزاق في المسجد، رقم (٤٧٧) وابن ماجه في سننه، في كتاب المساجد والجماعات باب
كراهية النخامة في المسجد رقم (٧٦١) وفي كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب المصلى يتنخم، رقم
(١٠٢٢) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب كراهة البزاق في المسجد، رقم (١٤٠٥) وأحمد في
مسنده (٢: ٢٥٠ و٢٦٠ و٢٦٦ و٣١٨ و٣٢٤) و(٣: ٩٣).
(٢) قوله: ((عن عائشة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب حك البزاق باليد من
المسجد، رقم (٤٠٧) وابن ماجه في سننه، في كتاب المساجد والجماعات، باب كراهية النخامة في
المسجد، رقم (٧٦٤).
(٣) قوله: ((عن أبي هريرة)) انظر تخريج الحديث (١٢٣٣).

٩٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٢٢٩ - (٠٠٠) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ. كُلُّهُمْ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ
النَّبيِّ وَّهِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةً. وَزَادَ فِي حَدِيثٍ هُشَيْمٍ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى
رَسُولِ اللّهِ وَلَهِ يَرُدُّ ثَوْبَّهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ.
١٢٣٠ - (٥٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَة قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ(١)؛ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بَِّ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ. فَلاَ يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلاَ عَنْ
يَمِينِهِ. وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ)).
١٢٣١ - (٥٥) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ
( ... ) - قوله: (يرد ثوبه بعضه على بعض) الخ: فيه البيان بالفعل، ليكون أوقع في نفس
السامع.
٥٤ - (٥٥١) - قوله: (فإنه يناجي ربه) الخ: قال النووي: ((المناجاة إشارة إلى إخلاص
القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى)). قلت: المناجاة والنجوى: السر بين الاثنين، يقال:
ناجيته: إذا ساررته، وكذلك: نجوت نجوى ومناجاة الرب مجاز، لأن القرينة صارفة عن إرادة
الحقيقة، إذ لا كلام محسوساً إلا من طرف العبد، فيكون المراد لازم المناجاة، وهو إرادة
الخير، ويجوز أن تكون من باب التشبيه، أي كأنه ربه يناجي، والتحقيق فيه أنه شبّه العبد
وتوجهه إلى الله تعالى في الصلاة وما فيها من القراءة والأذكار وكشف الأسرار واستنزال رحمته
ورأفته مع الخضوع والخشوع: بمن يناجي مولاه ومالكه، فمن شرائط حسن الأدب أن يقف
محاذيه، ويطرق رأسه، ولا يمد بصره إليه، ويراعي جهة إمامه حتى لا يصدر من تلك الهيئات
شيء، وإن كان الله تعالى منزهاً عن الجهات، لأن الآداب الظاهرة والباطنة مرتبط بعضها
ببعض. قاله العيني.
(١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب حك البزاق باليد
من المسجد، رقم (٤٠٥) وباب لا يبصق عن يمينه في الصلاة، رقم (٤١٢) وباب ليبزق عن يساره أو تحت
قدمه اليسرى، رقم (٤١٣) وباب إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه، رقم (٤١٧) وفي كتاب مواقيت
الصلاة، باب المصلى يناجي ربه عز وجل، رقم (٥٣١) و(٥٣٢) وفي كتاب العمل في الصلاة، باب ما
يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة، رقم (١٢١٤) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب كراهة
البزاق في المسجد، رقم (١٤٠٣) وأحمد في مسنده (٣: ١٠٩ و١٧٦ و١٨٨ و١٩١ و١٩٩ و٢١٤ و٢٣٤
و ٢٤٥ و٢٦٩ و٢٧٣ و٢٧٨ و٢٩١).

٩٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ - عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ:
((الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ.
٥٥ - (٥٥٢) قوله: (خطيئة) الخ: قال القاضي عياض: إنما يكون خطيئة إذا لم يدفنه،
وأما من أراد دفنه فلا))، وردّه النووي، فقال: هو خلاف صريح الحديث.
قلت: وحاصل النزاع أن هنا عمومين تعارضا، وهما قوله: ((البزاق في المسجد خطيئة))
وقوله: ((وليبصق عن يساره أو تحت قدمه)) فالنووي يجعل الأول عاماً ويخص الثاني بما إذا لم
يكن في المسجد، والقاضي بخلافه يجعل الثاني عاماً ويخص الأول بمن لم يرد دفنها. وقد
وافق القاضي جماعة، منهم ابن مكي في التنقيب، والقرطبي في المفهم، وغيرهما، ويشهد لهم
ما رواه أحمد بإسناد حسن من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعاً قال: ((من تنخم في المسجد
فيغيب نخامته، أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه)) وأوضح منه في المقصود ما رواه أحمد
أيضاً، والطبراني بإسناد حسن من حديث أبي أمامة مرفوعاً قال: ((من تنخع في المسجد فلم
يدفنه فسيّئة، وإن دفنه فحسنة))، فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، ونحوه حديث أبي ذر عند
مسلم مرفوعاً قال: ((ووجدت في مساوئ أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن))، قال
القرطبي: ((فلم يثبت لها حكم السيئة لمجرد إيقاعها في المسجد، بل به وبتركها غير مدفونة))
انتھی .
وروى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح أنه تنخم في المسجد ليلة، فنسي أن
يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار، ثم جاء فطلبها حتى دفنها، ثم قال: ((الحمد لله
الذي لم يكتب عليّ خطيئة الليلة))، فدل على أن الخطيئة تختص بمن تركها لا بمن دفنها، وعلة
النهي ترشد إليه، وهي تأذي المؤمن بها .
ومما يدل على أن عمومه مخصوص: جواز ذلك في الثوب، ولو كان في المسجد بلا
خلاف. وعند أبي داود من حديث عبد الله بن الشخير ((أنه صلى مع النبي وَّر، فبصق تحت قدمه
اليسرى ثم دلكه بنعله)) إسناده صحيح، وأصله في مسلم، والظاهر أن ذلك كان في المسجد،
فیؤيد ما تقدم.
(١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب كفارة البزاق في
المسجد، رقم (٤١٥) والنسائي في سننه، في كتاب المساجد، باب البصاق في المسجد، رقم (٧٢٤) وأبو
داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في كراهية البزاق في المسجد، رقم (٤٧٤) و(٤٧٥) (٤٧٦)
والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية البزاق في المسجد، رقم (٥٧٢) والدارمي
في سننه، في كتاب الصلاة، باب كراهية البزاق في المسجد، رقم (١٤٠٢) وأحمد في مسنده (٣: ٢٣٢
و ٢٧٧ و٢٧٩).

٩٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
وَكَفَّارَتُها دَفْتُهَا)).
١٢٣٢ - (٥٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ، (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ)،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَأَلْتُ قَتَادَةَ عَنِ التَّفْلِ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ
يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَلِهِ يَقُولُ: ((الَّفْلُّ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ. وَكَفَّارَتُهَا دَفْتُهَا)).
١٢٣٣ - (٥٧) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ.
قَالاَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ
يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرِّ(١)، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((عُرِضَتْ
عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي. حَسَنُهَا وَسَيِّتُهَا. فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنٍ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ.
وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِىءٍ أَعْمَالِهَا
وتوسط بعضهم فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر، كأن لم يتمكن من الخروج من
المسجد، والمنع على ما إذا لم يكن له عذر، وهو تفصيل حسن. والله علم، كذا قال الحافظ
في الفتح.
قوله: (وكفارتها دفنها) الخ: قال النووي: قال الجهمور: يدفنها في تراب المسجد أو
رمله أو حصبائه، وحكى الروياني أن المراد بدفنها إخراجها من المسجد أصلاً. قال
الحافظ تَّقُ: الذي قاله الروياني يجري على ما يقوله النووي من المنع مطلقاً .
٥٦ - ( ... ) - قوله: (التفل في المسجد) الخ: ظرف للفعل، فلا يشترط كون الفاعل فيه،
حتى لو بصق من هو خارج المسجد فيه تناوله النهي، والله علم، والتفل بفتح التاء المثناة فوق،
وإسكان الفاء، هو البصاق.
٥٧ _ (٥٥٣) - قوله: (عرضت عليّ أعمال) الخ: أي: إجمالاً من غير بيان عامليها،
ويحتمل تفصيلاً، والظاهر أن المراد أعمال الجوارح، وقال الأبي: المراد بالأعمال أنواع
الأعمال، والله أعلم.
قوله: (في محاسن أعمالها) الخ: جمع حسن - بالضم والسكون - على غير قياس.
قوله: (الأذى) الخ: أي: المؤذي، يعني إزالته.
قوله: (يماط) الخ: أي: يزال.
قوله: (في مساوىء أعمالها) الخ: جمع سوء على غير قياس، والياء منقلبة عن الهمزة.
(١) قوله: ((عن أبي ذر)) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، في كتاب الأدب، باب إماطة الأذى عن الطريق،
رقم (٣٦٨٣) وأحمد في مسنده (٥: ١٨٠).

٩٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لاَ تُدْفَرُ)).
١٢٣٤ - (٥٨) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ عَنْ
يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِيرِ، عَنْ أَبِيهِ (١)؛ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ لَهَ. فَرَ أَيْتُهُ تَنَخَّعَ،
فَذَلَكَهَا بِنَعْلِهِ.
١٢٣٥ - (٥٩) وحدّثني يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ
أَبِي الْعَلاَءِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ وَّ؛ قَالَ: فَتَنَخَّعَ
فَدَلَّكَهَا بِنَعْلِهِ الْيُسْرَى.
(١٤) - باب: جواز الصلاة في النعلين
١٢٣٦ - (٦٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ
سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ. قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكِ(٢): أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يُصَلِّي فِي النَّعْلَيْنِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قوله: (النخاعة) الخ: بضم النون، أي: البزاقة التي تخرج من أصل الفم، والمراد بها
إلقاؤها، وقيل: المراد بها البصاق، والنخامة هي البلغم.
(١٤) - باب جواز الصلاة في النعلين
٦٠ - ( ... ) - قوله: (قال: نعم) الخ: فيه جواز الصلاة في النعال والخفاف، أي: إذا
تحقق طهارتها، ويتمكن معها من تمام السجود، بأن يسجد على جميع أصابع رجليه، كما قاله
الخطابي.
واختلفوا في تطهير النعال من النجاسات، فقالت طائفة: إذا وطىء القذر الرطب يجزيه أن
يمسحهما بالتراب، ويصلي فيه.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجزيه أن يطهر الرطب إلا بالماء، وإن كان يابساً أجزأه حَكِّهُ.
(١) قوله: ((عن أبيه)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في كراهية البزاق في المسجد،
رقم (٤٨٢) و(٤٨٣) وأحمد في مسنده (٤: ٢٥).
(٢) قوله: ((لأنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعال،
رقم (٣٨٦) وفي كتاب اللباس، باب النعال السَّبتية وغيرها، رقم (٥٨٥٠) والنسائي في سننه، في كتاب
القبلة، باب الصلاة في النعلين، رقم (٧٧٦) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في
الصلاة في النعال، رقم (٤٠٠) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعلين، رقم
(١٣٨٤) وأحمد في مسنده (٣: ١٠٠ و١٦٦ و١٨٩).

٩٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٢٣٧ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّام. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ
يَزِيدَ أَبُو مَسْلَمَةَ. قَالَ: سَأَلْتُ أَنَساً. بِمِثْلِهِ.
وقال الشافعي: لا يطهر النجاسات إلا الماء في الخف والنعل وغيرهما. وقال ابن دقيق
العيد: ((الصلاة في النعال من الرخص، لا من المستحبات، لأن ذلك لا يدخل في المعنى
المطلوب من الصلاة، وهو وإن كان من ملابس الزينة إلا أن ملامسة الأرض التي تكثر فيها
النجاسات قد تقصر عن هذه الرتبة، وإذا تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعات إزالة
النجاسة قدمت الثانية، لأنها من باب دفع المفاسد، والأخرى من باب جلب المصالح، قال:
إلا أن يرد دليل بإلحاقه بما يتجمل به، فيرجع إليه ويترك هذا النظر)) اهـ.
قلت: في حديث ابن مسعود عند مسلم: ((قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه
حسناً، ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجميل)) وهذا يدل على أن التنعل بنعل حسنة
أيضاً داخل في التجمل المحبوب إلى الله، والله أعلم.
قال الحافظ: وقد روى أبو داود والحاكم من حديث شداد بن أوس مرفوعاً: ((خالفوا
اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)) فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة
المذكورة وورد في كون الصلاة في النعال من الزينة المأمور بأخذها في الآية: حديث ضعيف
جداً، أورده ابن عدي في الكامل، وابن مردويه في تفسيره، من حديث أبي هريرة ظه والعقيلي
من حديث أنس څبه اهـ.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي رحمه الله تعالى: ((وكان اليهود يكرهون الصلاة في نعالهم
وخفافهم، لما فيه من ترك التعظيم، فإن الناس يخلعون النعال بحضرة الكبراء، وهو قوله تعالى:
﴿فَخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِأَلَوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى﴾ [طه: ١٢] وكان هنا وجه آخر وهو أن الخف والنعل تمام
زي الرجل فترك النبي ﴿ القياس الأول، وأيّد الثاني مخالفة اليهود، وهو قوله وَلّى: ((خالفوا
اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم وخفافهم))، فالصحيح أن الصلاة متنعلاً وحافياً سواء)).
وقد روى ابن أبي شيبة بإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: ((صلى رسول الله وَل
في نعليه، فصلى الناس في نعالهم، فخلع نعليه فخلعوا، فلما صلى قال: من شاء أن يصلي في
نعليه فليصل، ومن شاء أن يخلع فليخلع)) قال العراقي: وهذا مرسل صحيح الإسناد، كذا في
نيل الأوطار.
قال الشوكاني: ((إن أحاديث الصلاة في النعال محمولة على الندب، لأن التخيير
والتفويض إلى المشيئة كما في حديث ابن أبي ليلى بعد الأوامر لا ينافي الاستحباب، قال:
وهذا أعدل المذاهب وأقواها عندي».
قال في الدر المختار: ((وينبغي لداخل المسجد تعاهد نعله وخفه، وصلاته فيهما أفضل)).

٩٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٥) - باب: كراهة الصلاة في ثوب له أعلام
١٢٣٨ - (٦١) حدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْبَةَ، (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ)، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ(١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ﴿ِ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ،
قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: ((أي: صلاته في النعل والخف الطاهرين أفضل مخالفة
لليهود)) (تتارخانية) وفي الحديث: ((صلوا في نعالكم ولا تشبّهوا باليهود)) رواه الطبراني كما في
الجامع الصغير رامزاً لصحته، وأخذ منه جمع من الحنابلة أنه سنة، ولو كان يمشي بها في
الشوارع، لأن النبي ◌َّله وصحبه كانوا يمشون بها في طرق المدينة، ثم يصلون بها، قلت: لكن
إذا خشي تلويث فرش المسجد بها ينبغي عدمه وإن كانت طاهرة، وأما المسجد النبوي فقد كان
مفروشاً بالحصى في زمنه * بخلافه في زماننا، ولعل ذلك محمل ما في عمدة المفتي من أن
دخول المسجد متنعلاً من سوء الأدب، تأمل، اهـ.
قال الأبي: ((ثم إنه وإن كان جائزاً فلا ينبغي أن يفعل، لاسيما في المساجد الجامعة، فإنه
قد يؤدي إلى مفسدة أعظم، كما اتفق في رجل يسمى هداجاً من أكابر أعراب إفريقية إذ دخل
الجامع الأعظم بتونس بأخفافه، فزجر عن ذلك، فقال: دخلت بها كذلك والله على السلطان،
فاستعظم ذلك العامة منه، وقاموا عليه، وأفضت الحال إلى قتله، وكانت فتنة. وأيضاً فإنه يؤدي
إلى أن يفعله من العوام من لا يتحفظ في المشي بنعله)» اهـ.
وفي بذل المجهود: ((وقلت: دل الحديث على أن الصلاة في النعال كانت مأمورة لمخالفة
اليهود، وأما في زماننا فينبغي أن تكون الصلاة مأمورة بها حافياً لمخالفة النصارى، فإنهم يصلون
متنعلاً لا يخلعونها عن أرجلهم)) اهـ.
(١٥) - باب: كراهة الصلاة في ثوب له أعلام
٦١ - (٥٥٦) - قوله: (في خميصة) الخ: بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم وبالصاد
المهملة، وهي كساء أسود مربع، له علمان أو أعلام، ويكون من خز أو صوف، ولا يسمى
--
(١) قوله: ((عن عائشة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب إذا صلى في ثوب له
أعلام ونظر إلى علمها، رقم (٣٧٣) وفي كتاب الأذان، باب الالتفات في الصلاة، رقم (٧٥٢) وفي كتاب
اللباس، باب الأكسية والخمائص، رقم (٥٨١٧) والنسائي في سننه، في كتاب القبلة، باب في الصلاة في
خميصة لها أعلام، رقم (٧٧٢) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب النظر في الصلاة، رقم (٩١٤)
وفي كتاب اللباس، باب من كرهه (أي لبس الحرير)، رقم (٤٠٥٢) وابن ماجه في سننه في كتاب اللباس،
باب لباس رسول الله وَ ر، رقم (٣٥٥٠) وأحمد في مسنده (٦: ٣٧ و١٩٩).

٩٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
لَهَا أَعْلاَمٌ. وَقَالَ: ((شَغَلَتْنِي أَعْلاَمُ هَذِهِ. فَاذْهَبُوا بِهَا
خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، سميت بذلك للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت، مأخوذ
من الخمص، وهو ضمور البطن.
قوله: (لها أعلام) الخ: على وجه البيان والتأكيد، وإلا فلا تخلو الخميصة من أعلام.
قوله: (شغلتني أعلام) الخ: وفي بعض الروايات: ((فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي)) وفي
البخاري تعليقاً عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: (فأخاف أن تفتنني)) وهذا يدل على أنه
لم يقع له شيء من ذلك، وإنما خشي أن يقع، لقوله: ((فأخاف)) وكذا في رواية مالك ((فكاد))
فلتؤول الرواية الأولى (أي بحملها على المبالغة في القرب، لا تحقق الإلهاء والشغل).
قال ابن دقيق العيد: ((فيه مبادرة الرسول إلى مصالح الصلاة، ونفي ما لعله يخدش فيها،
وأما بعثه بالخميصة إلى أبي جهم فلا يلزم منه أن يستعملها في الصلاة، ومثله قوله في حلة
عطارد حيث بعث بها إلى عمر: ((إني لم أبعث بها إليك لتلبسها)) ويحتمل أن يكون ذلك من
جنس قوله: ((كل، فإني أناجي من لا تناجي)) ويستنبط منه كراهية كل ما يشغل عن الصلاة من
الأصباغ، والنقوش، ونحوها)).
وقال الطيبي: ((فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيراً في القلوب الطاهرة والنفوس
الزكية، يعني فضلاً عمن دونها)». كذا في الفتح.
قيل: كيف يخاف الافتتان من لا يلتفت إلى الأكوان، ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا ◌َنَى﴾؟ [النجم: ١٧].
وأجيب بأنه كان في تلك الليلة خارجاً عن طباعه، فأشبه ذلك نظره من ورائه، فأما إذا ردّ
إلى طبعه البشرى فإنه يؤثر فيه ما يؤثر في البشر.
قيل: إن المراقبة شغلت خلقاً من أتباعه، حتى إنه وقع السقف إلى جانب مسلم بن يسار
ولم يعلم.
وأجيب بأن أولئك يؤخذون عن طباعهم، فيغيبون عن وجودهم، وكان الشارع يسلك طريق
الخواص وغيرهم، فإذا سلك طريق الخواص غير الكل، فقال: ((لست كأحدكم)) وإذا سلك
طريق غيرهم قال: ((إنما أنا بشر)) فردّ إلى حالة الطبع، كذا في عمدة القاري.
قوله: (فاذهبوا بها) الخ: قيل: إن الخميصة إذا ألهت سيد الخلق مع عصمته فكيف لا
تلھي أبا جهم؟
والجواب عنه قد تقدم في شرح القول السابق، على أنه قيل: كان أبو جهم أعمى،
فالإلهاء مفقود عنه .
وقال العيني: (لعله وَّر أنه لا يصلي فيها، ويحتمل أن يكون خاصاً بالشارع، كما قال:
((كل، فإني أناجي من لا تناجي)).

١٠٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَالْتُونِي بِأَنْبِجَانِيُّه)).
قال القاري: ((ومن زعم من الأمة أن قلبه لا يتأثر بذلك فقد جهل طريق السلوك، لأنه لا
يقاس الحدّادون بالملوك)) اهـ.
وفي إكمال إكمال المعلم: ((وقد يقال: كيف صح أن يبعث ما تأذى به إلى غيره، لاسيما
مع أن شغلها للغير ألزم، ويجاب بما تقدم في حديث جبريل عظلا من أن مقامه وي* في العبادة
مقام من يعبد الله كأنه يراه، فاستغراقه في بحار المكاشفة والأمور الخفية التي لا يعلمها غيره
يشغل عنها ما لا يشغل عن غيرها، وأبو جهم غايته التوسط، وإنما يشغل بالتفكر في الأمور
الجلية، وهذا المقام لا يشغل عنه. وقيل: في الجواب: إنما فعل ذلك ليدل على الحكم، كما
في قوله {َله: ((إذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله)) وفعل ذلك وإنما فعله ليرشد إلى
الحكم لا أنه { وقع به شيء من ذلك.
قوله: (إلى أبي جهم) الخ: هو عبيد، ويقال: عامر بن حذيفة القرشي العدوي، وصحابي
مشهور، وهو غير أبي جهيم بضم الجيم، وزيادة ياء على التصغير المذكور في باب التيمم، وفي
مرور المار بين يدي المصلي. وإنما خصه وَله بإرسال الخميصة، لأنه كان أهداها للنبي وَّر،
كما رواه مالك في الموطأ من طريق أخرى عن عائشة، قالت: ((أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى
رسول الله ◌َ* خميصة لها علم، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال: رُدّي هذه الخميصة إلى
أبي جهم، ووقع عند الزبير بن بكار ما يخالف ذلك، فأخرج من وجه مرسل: ((أن النبي وَلّ أتى
بخميصتين سوداوين، فلبس إحداهما وبعث الأخرى إلى أبي جهم)»، ولأبي داود من طريق
أخرى: ((وأخذ كردياً لأبي جهم، فقيل: يا رسول الله، الخميصة كانت خيراً من الكردي)».
قال ابن بطال: ((إنما طلب منه ثوباً غيرها ليعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافاً به)) كذا
في الفتح.
قال النووي: ((هو من باب الإدلال عليه، لعلمه بأنه يؤثر هذا ويفرح به، والله أعلم)) اهـ.
قوله: (وأتوني) الخ: طلب ذلك تطييباً لنفس أبي جهم لرده هديته عليه، وفعل هذا من
طلب مال الغير جائز إذا علم سروره، وطيب نفسه بذلك.
قوله: (بأنبجانية) الخ: قال القاضي عياض: ((رويناه بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء
وكسرها أيضاً في غير مسلم، وبالوجهين ذكرها ثعلب، قال: ورويناه بتشديد الياء في آخره،
وبتخفيفها معاً في غير مسلم، إذ هو في رواية لمسلم: ((بأنبجانية)) مشدد مكسور على الإضافة إلى
أبي جهم، وعلى التذكير كما جاء في الرواية الأخرى: ((كساء له أنبجانياً)).
قال في الفتح: ((هوكساء غليظ لا علم له، وأنكر أبو موسى المديني على من زعم أنه
منسوب إلى ((منبج)) البلد المعروف بالشام، وقال: الصواب أن هذه النسبة إلى موضع يقال له:
((أنبجان))، والله أعلم)).