النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَتَزَلَتْ بَعْدَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ◌َ.
....
٠٠٠
وأخرج الطبراني من طريق ابن جريج قال: ((صلى النبي ◌ّ أول ما صلى: إلى الكعبة، ثم
صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاث حجج، ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة
ستة عشر شهراً، ثم وجهه الله إلى الكعبة)) ويؤيد رواية ابن جريج هذه قصة إمامة جبريل، ففي
بعض طرقه أن ذلك كان عند باب البيت، وفي تلك الحالة لا يتصور التوجه إلى القبلتين، والله
أعلم.
قال الحافظ: ((وقوله في حديث ابن عباس الأول: ((أمره الله)) يرد قول من قال: إنه صلى
إلى بيت المقدس باجتهاد، ويؤيده قوله عز وجل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَتِ كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن
يَقَبِعُ ... ﴾ [البقرة: ١٤٣].
قوله: (شطره) الخ: قال البخاري: تلقاءه، هكذا روى عن أبي العالية وقتادة وغيرهما .
قوله: (فنزلت بعد ما صلى) الخ: قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((السر في
ذلك (أي تحويل القبلة) أنه لما كان تعظيم شعائر الله وبيوته واجباً، لاسيما فيما هو أصل أركان
الإسلام، وأم القربات، وأشهر شعائر الدين، وكان التوجه في الصلاة إلى ما هو مختص بالله
بطلب رضا الله بالتقرب منه أجمع للخاطر، وأحثّ على صفة الخشوع، وأقرب لحضور القلب،
لأنه يشبه مواجهة الملك في مناجاته: اقتضت الحكمة الإلهية أن يجعل استقبال قبلة ما شرطاً في
الصلاة في جميع الشرائع، وكان إبراهيم وإسماعيل عَلَّه ومن تديّن بدينهما يستقبلون الكعبة،
وكان إسرائيل فظلّ وبنوه يستقبلون بيت المقدس، هذا هو الأصل المسلّم في الشرائع، فلما قدم
النبي ◌ّله المدينة وتوجهت العناية إلى تأليف الأوس والخزرج وحلفائهم من اليهود، وصاروا هم
القائمين بتصرته، والأمة التي أخرجت للناس، وصارت مضر وما والاها أعدى أعاديه، وأبعد
الناس عنه: حكم باستقبال بيت المقدس، إذ الأصل أن يراعى في أوضاع القربات حال الأمة
التي بعث الرسول فيها، وقامت بنصرته، وصارت شهداء على الناس، وهم الأوس والخزرج
يومئذ، وكانوا أخضع شيءٍ لعلوم اليهود، وبيّنه ابن عباس ◌َُّّه في تفسير قوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ
حَرّثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] حيث قال: ((إنما كان هذا الحي من الأنصار، وهم
أهل وثن مع هذا الحي من اليهود، وهم أهل الكتاب، فكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم،
فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم ... )) الحديث. وأيضاً الأصل أن تكون الشرائع موافقة لما عليه
الملل الحقة ما لم تكن من تحريفات القوم وتعمقاتهم، ليكون أتم لإقامة الحجة عليهم، وأشدَّ
الطمأنينة قلوبهم، واليهود هم القائمون برواية الكتاب السماوي والعمل بما فيه، ثم أحكم الله
آياته وأطلع نبيه على ما هو أوفق بالمصلحة من هذا، وأقعد بقوانين التشريع بالنفث في روعه
أولاً، فكان يتمنى أن يؤمر باستقبال الكعبة، وكان يقلب وجهه في السماء، طمعاً أن يكون
جبرائيل نزل بذلك، وبما أنزل في القرآن العظيم ثانياً، وذلك لأن النبي و 98 بعث في الأميين

٢٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَمَرَّ بِنَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُمْ يُصَلُّونَ. فَحَدَّثَهُمْ. فَوَلَّوْا وُجُوهَهُمْ ....
الآخذين بالملة الإسماعيلية، وقدر الله في سابق علمه أنهم هم القائمون بنصرة دينه، وهم شهداء
الله على الناس من بعده، وهم خلفاءه في أمته، وأن اليهود لا يؤمن منهم إلا شرذمة قليلة،
والكعبة من شعائر الله عند العرب، أذعن لها أقاصيهم وأدانيهم، وجرت السنة عندهم باستقبالها
شائعاً ذائعاً، فلا معنى للعدول عن ذلك، ولما كان استقبال القبلة شرطاً إنما أريد به تكميل
الصلاة، وليس شرطاً لا يتأتى أصل فائدة الصلاة إلا به: تلا رسول الله وسير فيمن تحرى في ليلة
مظلمة وصلى لغير القبلة قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] يومىء إلى أن
صلاتهم جائزة للضرورة.
وقد كشف القناع عن أسرار هذه المسألة ومتعلقاتها: شيخ شيخنا قاسم العلوم والخيرات
نور الله مرقده في رسالته الهندية ((قبله نما)) فليراجع من قدر عليه، والله ولي الخير والجود.
قوله: (فانطلق رجل) الخ: هو عباد بن بشر ﴿ته.
قوله: (فمرّ بناس من الأنصار) الخ: أي: في مسجد بني حارثة.
قوله: (وهم يصلون) الخ: أي: العصر، كما في البخاري.
قوله: (فولوا وجوههم) الخ: ووقع في بيان كيفية التحول في حديث ثويلة بنت أسلم عند
ابن أبي حاتم، قالت: ((صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء،
فصلينا سجدتين - أي ركعتين - ثم جاءنا من يخبرنا أن النبي وير قد استقبل البيت الحرام،
قالت: فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين إلى البيت
الحرام)).
قال الحافظ كثّفُ: ((وتصويره أن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر
المسجد، لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار كما هو في مكانه لم يكن
خلفه مكان يسع الصفوف، ولما تحول الإمام تحولت الرجال، حتى صاروا خلفه، وتحول
النساء حتى صرن خلف الرجال، وهذا يستدعي عملاً كثيراً في الصلاة، فيحتمل أن يكون ذلك
وقع قبل تحريم العمل الكثير كما كان قبل تحريم الكلام، ويحتمل أن يكون اغتفر العمل
المذكور من أجل المصلحة المذكورة، أو لم تتوالى الخطا عند التحويل، بل وقعت مفرقة، والله
أعلم)) اهـ.
وفي الحديث قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به، ونسخ ما تقرر بطريق العلم به، لأن
صلاتهم إلى بيت المقدس كانت عندهم بطريق القطع لمشاهدتهم صلاة النبي تنظر إلى جهته،
ووقع تحولهم عنها إلى جهة الكعبة بخبر هذا الواحد، وأجيب بأن الخبر المذكور احتفت به
قرائن ومقدمات، أفادت القطع عندهم بصدق ذلك المخبر، فلم ينسخ عندهم ما يفيد العلم إلا
بما يفيد العلم.

٢٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
قِبَلَ الْبَيْتِ.
١١٧٧ - (١٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّدٍ. جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى. قَالَ
ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ. حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ
يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً أَوْ سَبْعَةً عَشَرَ شَهْراً.
ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ.
١١٧٨ - (١٣) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِم. حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١). ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، عَنْ مَالِكِ بْنِ
قوله: (قبل البيت) الخ: بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: إلى جهة البيت.
١٢ - ( ... ) - قوله: (ثم صرفنا نحو الكعبة) الخ: واختلفت الروايات في الصلاة التي
تحولت القبلة عندها، وكذا في المسجد، والتحقيق أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة في بني
سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور الظهر وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر. وأما
الصبح فهو من حديث ابن عمر بأهل قباء. قاله الحافظ تَّهُ .
وقال ابن سعد في الطبقات حاكياً عن بعضهم: إن ذلك كان بمسجد المدينة، قال ويقال:
صلى رسول الله ◌َّ ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يوجه إلى المسجد
الحرام، فاستدار إليه، وكان معه المسلمون، ويكون المعنى برواية البخاري أنها العصر، أي: إن
أول صلاة صلاها إلى الكعبة كاملة صلاة العصر. كذا في نيل الأوطار، وفيه نظر، وليراجع
بحث التحويل من روح المعاني.
(١) قوله: ((عن ابن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في القبلة. رقم
(٤٠٣) وفي كتاب التفسير، تفسير سورة لا بقرة، باب: وما جعلنا القبلة التي كنت عليه إلا لنعلم من يتبع
الرسول ممن ينقلب على عقبيه، رقم (٤٤٨٨) وباب: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا
قبلتك، رقم (٤٤٩٠) وباب: الذين آتينهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم رقم (٤٤٩١) وباب: ومن
حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام، وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون، رقم
(٤٤٩٣) وباب: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم - إلى قوله - ولعلكم
تهتدون، رقم (٤٤٩٤) وفي كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، رقم
(٧٢٥١) والنسائي في سننه، في كتاب الصلاة، باب استبانة الخطأ بعد الاجتهاد، رقم (٤٩٤) وفي كتاب
القبلة، باب استبانة الخطأ بعد الاجتهاد، رقم (٧٤٦) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء
في ابتداء القبلة، رقم (٣٤١) وفي كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة، رقم (٢٩٦٣) والدارمي في سننه، في
كتاب الصلاة، باب في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، رقم (١٢٣٧) وأحمد في مسنده (٢: ١٦
و٢٦ و ١٠٥ و ١١٣).

٢٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ
جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ. وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ
فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ. فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَة.
١١٧٩ - (١٤) حدّثني سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ
عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ
فِي صَلاَةِ الْغَدَآَةِ. إِذْ جَاءَهُمْ رَجُلٌ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكِ.
١١٨٠ - (١٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَقَّانُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ
١٣ - (٥٢٦) - قوله: (بقباء) الخ: بالمد والصرف وهو الأشهر، ويجوز فيه القصر وعدم
الصرف، وهو يذكر ويؤنث، موضع معروف ظاهر المدينة، والمراد هنا مسجد أهل قباء، ففيه
مجاز الحذف، واللام في ((الناس)) للعهد الذهني، والمراد أهل قبا ومن حضر معهم.
قوله: (إذ جاءهم آت) الخ: لم يسم هذا الآتي، وقيل: هو عباد بن بشر الآتي إلى بني
حارثة، والله أعلم.
قوله: (أنزل عليه الليلة) الخ: فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي والليلة التي تليه
مجازاً، والتنكير في قوله: ((قرآن)) لإرادة البعضية، والمراد قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ
السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٤٤] الآيات.
قوله: (وقد أمر) الخ: فيه: أن ما يؤمر به النبي وَل﴿ يلزم أمته، وأن أفعاله يؤتسى بها
كأقواله، حتى يقوم دليل الخصوص.
قوله: (فاستقبلوها) الخ: بفتح الموحدة للأكثر، أي فتحولوا إلى جهة الكعبة، وفاعل
فاستقبلوها المخاطبون بذلك، وهم أهل قباء. وقوله: ((وكانت وجوههم)) الخ: تفسير من الراوي
للتحول المذكور، ويحتمل أن يكون فاعل استقبلولها النبي ◌ُّزومن معه، وضمير ((وجوههم)) لهم
أو لأهل قباء على الاحتمالين.
وفي رواية الأصيلي: ((فاستقبِلوها)) بكسر الموحدة بصيغة الأمر، ويأتي في ضمير
((وجوههم)) الاحتمالان المذكوران، وعوده إلى أهل قباء أظهر. ويرجح رواية الكسر ما عند
البخاري في التفسير: ((ألا فاستقبلوها)) فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأن الذي بعده أمر لا أنه
بقية الخبر الذي قبله، والله أعلم.
١٤ - ( ... ) - قوله: (في صلاة الغداة) الخ: هو أحد أسماء صلاة الصبح، وقد نقل
بعضهم كراهية تسميتها بذلك.

٢٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَتَزَلَتْ: ﴿قَدْ
نَرَىْ تَقَّلُّبَ وَجْهِكَ فِىَ السَّمَاءِ فَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةُ تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:
١٤٤] فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ. وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً. فَنَادَى: أَلاَ
إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوَّلَتْ. فَمَالُوا كَمَا هُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ.
(٣) - باب: النهي عن بناء المساجد على القبور،
واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد
١١٨١ - (١٦) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ.
أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ(٢)؛ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةٌ رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ، فِيهَا
١٥ - (٥٢٧) - قوله: (فنادى ألا إن القبلة) الخ: فيه: جواز تعليم من ليس في الصلاة من
هو فيها، وأن استماع المصلي لكلام من ليس في الصلاة لا يفسد صلاته.
قوله: (فمالوا كما هم) الخ: ((ما)) في ((كما هم)) موصولة، والكاف للمبادرة، وقال
الكرماني: للمقارنة، و((هم)) مبتدأ، وخبره محذوف.
قوله: (نحو القبلة) الخ: في هذا الحديث أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف حتى
يبلغه، لأن أهل قباء لم يؤمروا بالإعادة مع كون الأمر باستقبال الكعبة وقع قبل صلاتهم تلك
بصلوات، واستنبط منه الطحاوي أن من لم تبلغه الدعوة ولم يمكنه استعلام ذلك فالفرض غير
لازم له. كذا في الفتح.
(٣) - باب: النهي عن بناء المسجد على القبور،
واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد
١٦ - (٥٢٨) قوله: (أن أم حبيبة) الخ: أي: رملة بنت أبي سفيان الأموية، وأم سلمة أي
هند بنت أبي أمية المخزومية، وهما من أزواج النبي ◌ّ﴿﴿ وكانتا ممن هاجر إلى الحبشة.
قوله: (ذكرتا كنيسة) الخ: أي: معبداً للنصارى، وفيه جواز حكاية ما يشاهده المؤمن من
(١) قوله: ((عن أنس)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب من صلى لغير القبلة ثم علم،
رقم (١٠٤٥) وأحمد في مسنده (٣: ٢٨٤).
(٢) قوله: ((عن عائشة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب هل تنبش قبور مشركي
الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد، رقم (٤٢٧) وباب الصلاة في البيعة، رقم (٤٣٤) وفي كتاب الجنائز، باب
بناء المسجد على القبر، رقم (١٣٤١) وفي كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة الحبشة، رقم (٣٨٧٣)
والنسائي في سننه، في كتاب المساجد، باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد، رقم (٧٠٥) وأحمد في مسنده
(٦: ٥١).

٢٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تَصَاوِيرُ، لِرَسُولِ اللَّهِ وَِّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَجِ: ((إِنَّ أُولَئِكَ، إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ
الصَّالِحُ، فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِداً، وَصَوَّرُوا فِيهِ
العجائب ووجوب بیان حكم ذلك على العالم به.
قوله: (رأينها) الخ: أي: هما ومن كان معهما من النسوة.
قوله: (لرسول الله) الخ: متعلق بذكرتا .
قوله: (إن أولئك) الخ: بكسر الكاف، ويجوز فتحها، وكذا في قوله: ((تلك الصور))
و((أولئك)) الآتية.
قوله: (فمات) الخ: عطف على قوله: ((كان))، وقوله: ((بنوا)) جواب ((إذا)).
قوله: (وصوروا فيه) لخ: أي: في المسجد. قاله القسطلاني.
قال الحافظ: ((وإنما فعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أحوالهم
الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ثم خلف من بعدهم خلوف جهلوا مرادهم، ووسوس لهم
الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها، فاعبدوها، فحذر النبي ◌َّل عن مثل
ذلك، سداً للذريعة المؤدية إلى ذلك.
وفي الحديث: دليل على تحريم التصوير، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك
الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا. وقد أطنب ابن دقيق العيد كَذَفُ في ردّ ذلك.
وقال البيضاوي: ((لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم،
ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثاناً: لعنهم، ومنع المسلمين عن مثل
ذلك، فأمّا من اتخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه، لا التعظيم له ولا التوجه
نحوه، فلا يدخل في ذلك الوعيد)).
فالحاصل أن المنع من ذلك إنما هو حال خشية أن يصنع بالقبر كما صنع أولئك الذين
لُعِنُوا، وأمّا إذا أمن ذلك فلا امتناع، وقد يقول بالمنع مطلقاً من يرى سد الذريعة، وهو هنا متجه
قوي. كذا في الفتح.
وأما الصلاة في المقبرة: فذهب أحمد إلى تحريم الصلاة فيها، ولم يفرق بين المنبوشة
وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيء يقيه من النجاسة أم لا، ولا بين أن تكون بين القبور أو
في مكان منفرد عنها، كالبيت والعلو.
وقال أبو ثور: لا يصلى في حمام ولا مقبرة على ظاهر الحديث، يعني قوله ظلَّلا:
((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)).
وذهب الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي إلى كراهة الصلاة في المقبرة. (وفيه تفصيل مذكور
في كتب أصحابنا).

٢٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
تِلْكَ الصُّوَرَ. أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) .
وفرق الشافعي تَُّ بين المقبرة المنبوشة وغيرها، فقال: إذا كانت مختلطة التراب بلحوم
الموتى وصديدهم وما يخرج منهم: لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان
طاهر منها أجزاته صلاته.
وقال الرافعي: ((أما المقبرة فالصلاة فيها مكروهة بكل حال، ولم ير مالك تلفهُ بالصلاة في
المقبرة بأساً، وحكى أبو مصعب عن مالك كراهة الصلاة في المقبرة، كقول الجمهور)).
وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الصلاة في المقبرة، سواء كانت مقابر المسلمين أو الكفار،
وحكى ابن حزم عن خمسة من الصحابة: النهي عن ذلك، وهم: عمر، وعلي، وأبو هريرة،
وأنس، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم. وقال: ((ما نعلم لهم مخالفاً من الصحابة، وحكاه
عن جماعة من التابعين: إبراهيم النخعي، ونافع بن جبير بن مطعم، وطاؤس، وعمرو بن دينار،
وخیثمة، وغیرهم».
قَلت: قوله: ((لا نعلم لهم مخالفاً من الصحابة)) معارض بما حكاه الخطابي في معالم
السنن عن عبد الله بن عمر: أنه رخص في الصلاة في المقبرة، وحكى أيضاً عن الحسن البصري
أنه صلى في المقبرة.
وفي شرح الترمذي: حكى أصحابنا اختلافاً في الحكمة في النهي عن الصلاة في المقبرة،
فقيل: المعنى فيه ما تحت مصلاه من النجاسة، وقد قال الرافعي: لو فرش في المجزرة والمزبلة
شيئاً وصلى عليه صحت صلاته، وبقيت الكراهية لكونه مصلياً على نجاسة، وإن كان بينهما
حائل.
وقال القاضي حسين: إنه لا كراهة مع الفرش على النجاسة مطلقاً، وحكى ابن الرفعة في
الكفاية أن الذي دل عليه كلام القاضي أن الكراهة لحرمة الموتى، وعلى كل تقدير من هذين
المعنيين فينبغي أن يقيد الكراهة بما إذا حاذى الميت، أما إذا وقف بين القبور بحيث لا يكون
تحته ميت ولا نجاسة فلا كراهة، إلا أن ابن الرفعة بعد أن حكى المعنيين السابقين قال: لا فرق
في الكراهة بين أن يصلي على القبر أو بجانبه أو إليه، قال: ومنه يؤخذ أنه تكره الصلاة بجانب
النجاسة وخلفها. كذا في عمدة القاري.
قوله: (تلك الصور) الخ: وفي بعض الروايات: ((تيك الصور)) بالياء التحتانية بدل اللام،
وهي لغة فيه .
قوله: (أولئك شرار الخلق) الخ: بكسر الشين المعجمة، جمع الشر، كالخيار جمع
الخير، والبحار جمع البحر، وأما الأشرار: فقال يونس: واحدها شر أيضاً، وقال الأخفش :
شرير، مثل: يتيم وأيتام. وهذا القول منه وَ* يشعر بأن تصوير الآدميين لم يكن جائزاً في

٢٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١١٨٢ - (١٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ.
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ ◌ّه فِي مَرَضِهِ.
فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ كَنِيسَةً ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.
١١٨٣ - (١٨) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيَّ وَلَ كَنِيسَةٌ رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ. بِمِثْلٍ
حَدِيثِھِمْ.
١١٨٤ _ (١٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. قَالاَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ
الْقَاسِمِ. حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ هِلَاَلِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ(١)؛
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: ((لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى.
اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)).
شرائعهم، ولو كان جائزاً فيها ما أطلق عليه و # أن الذي فعله: شر الخلق، فدل على أن فعل
صور الحيوان فعل محدث أحدثه عباد الصور. وأما قوله تعالى عند ذكر سليمان عليّا: ﴿يَعْمَلُونَ
لَهُ مَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِلَ﴾ [سبأ: ١٣] فيحتمل أن يقال: إن التماثيل كانت على صورة النقوش
لغير ذوات الأرواح، وإذا كان اللفظ محتملاً فيحمل على ما يوافق الأحاديث الصحيحة
المرفوعة .
١٨ - ( ... ) - قوله: (يقال لها مارية) الخ: بكسر الراء وتخفيف الياء التحتانية.
قوله: (في مرضه الذي لم يقم منه) الخ: فائدة التنصيص عليه الإشارة إلى أنه من الأمر
المحكم الذي لم ينسخ، لكونه صدر في آخر حياته وَّر. وقال الأبي: ((لما علم أنه وَّر ميت
عرّض بفعل اليهود والنصارى، لئلا يفعل بقبره مثل ذلك، وشدّد في النهي عن ذلك خوف أن
يتناهى في تعظيمه، ويخرج عن حد المبرة إلى حد النكير، فيعبد من دون الله عز وجل، ولذا
قال ◌َّة: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)) لأن هذا الفعل كان أصل عبادة الأوثان)) اهـ.
١٩ - (٥٢٩) - قوله: (لعن الله اليهود والنصارى) الخ: قال الحافظ: ((وقد استشكل ذكر
النصارى فيه، لأن اليهود لهم أنبياء بخلاف النصارى، فليس بين عيسى وبين نبينا وَّر نبي غيره،
وليس له قبر.
(١) قوله: ((عن عائشة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ
المساجد على القبور، رقم (١٣٣٠) وباب ما جاء ف قبر النبي ◌َّل # وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. رقم
(١٣٩٠) وفي كتاب المغازي، باب مرض النبي وَّر ووفاته. رقم (٤٤٤١) والنسائي في سننه، في كتاب
الجنائز، باب اتخاذ القبور مساجد، رقم (٢٠٤٨) وأحمد في مسنده (٦: ٨٠ و١٢١ و١٤٦ و٢٥٢ و٢٥٥).

٢٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
قَالَتْ: فَلَوْلا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ. غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِداً.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنٍ أَبِي شَيْئَةً: وَلَوْلا ذَاكَ. لَمْ يَذْكُرْ: قَالَتْ.
١١٨٥ - (٢٠) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسَ
وَمَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ(١) قَالَ: قَالَ
والجواب: أنه كان فيهم أنبياء أيضاً، لكنهم غير مرسلين، كالحواريين، ومريم في قول،
أو الجمع في قوله ((أنبيائهم)) بإزاء المجموع من اليهود والنصارى، أو المراد الأنبياء وكبار
أتباعهم، فاكتفى بذكر الأنبياء، ويؤيده قوله في رواية مسلم من طريق جندب: ((كانوا يتخذون
قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد)) أو المراد بالاتخاد أعم من أن يكون ابتداعاً أو اتباعاً، فاليهود
ابتدعت، والنصاى اتبعت، ولا ريب أن النصارى تعظم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظمهم
اليهود)) اهـ. أو المراد: من أمروا بالإيمان لهم، كنوح، وإبراهيم، وغيرهما، قاله
القسطلاني كآتُ .
قوله: (لأبرز قبره) الخ: أي: لكشف قبر النبي وَلاير، ولم يتخذ عليه الحائل، والمراد
الدفن خارج بيته. وهذا قالته عائشة قبل أن يوسع المسجد النبوي، ولهذا لما وسع المسجد
جعلت حجرتها مثلثة الشكل، محددة، حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال
القبلة. كذا في الفتح.
قال الأبي: ((لما كثر المسلمون أيام عثمان رُه واحتيج إلى الزيادة في المسجد، وامتدت
الزيادة حتى أدخلت فيه بيوت أزواجه وَّير، ومن جملتها بيت عائشة رضيها التي دفن فيها وَلّ أدير
على القبر المشرف حائط مرتفع، كيلا يظهر القبر في المسجد، فيصلي إليه العوام، فيقعوا في
اتخاذ قبره مسجداً، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية
مثلثة من جهة الشمال، حتى لا يمكن من استقبال القبر في الصلاة، ولذا قالت: لولا ذلك لبرز
قبره)) .
قوله: (غير أنه خشي) الخ: بضم الخاء لا غير، كذا قال الحافظ. وجوز النووي الفتح
وفي بعض روايات أبي عوانة: ((غير أنه خشي أو خُشي))، بالشك في فتح الخاء وضمها، وفي
البخاري: ((غير أني أخشى)) بصيغة التكلم، وهذه الرواية تقتضي أنها هي التي امتنعت من إبرازه،
(١) قوله: ((أبا هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب (بلا ترجمة، بعد باب
الصلاة في البيعة) رقم (٤٣٧) والنسائي في سننه، في كتاب الجنائز، باب اتخاذ القبور مساجد، رقم
(٢٠٤٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الجنائز، باب في البناء على القبر، رقم (٣٢٢٧) وأحمد في مسنده
(٢: ٢٤٦ و٢٨٥ و٤٥٤ و٥١٨).

٣٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿: ((قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ. اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)).
١١٨٦ - (٢١) وحدّثني قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ.
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِ قَالَ: ((لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ
وَالنَّصَارَىُ. اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)) .
١١٨٧ - (٢٢) وحدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، (قَالَ حَرْمَلَةُ:
أَخْبَرَنَا. وَقَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ)، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ (١) قَالاَ: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَ﴾
طَفِقِ يَطْرَحُ خَمِيصَةٌ لَهُ
ورواية الضم مبهمة، يمكن أن تسفر بهذه، والهاء ضمير الشأن، وكأنها أرادت نفسها ومن
وافقها، وذلك يقتضي أنهم فعلوه باجتهاد، بخلاف رواية الفتح فإنها تقتضي أن النبي بَّ هو
الذي أمرهم بذلك.
٢٠ - (٥٣٠) - قوله: (قاتل الله اليهود) الخ: أي: قتلهم الله، لأن فاعَل يجىء بمعنى فعل
أيضاً، كقولهم: سافر وسارع بمعنى سفر وسرع، ويقال: معناه: لعنهم الله، ويقال: معناه:
عاداهم الله، ويقال: القتال ههنا عبارة عن الطرد والإبعاد عن الرحمة، فمؤداه ومؤدّى اللعنة
واحد .
وإنما خصص اليهود ههنا بالذكر بخلاف ما تقدم، لأنهم أسّسوا هذا الاتخاذ وابتدؤوا به،
فهم أظلم، أو لأنهم أشد غلواً. كذا في عمدة القاري.
٢٢ - (٥٣١) - قوله: (لما نزل برسول الله) الخ: قال النووي: هكذا ضبطناه: ((نزل)) بضم
النون وكسر الزاي، وفي أكثر الأصول: ((نزلت)) بفتح الحروف الثلاثة، وبتاء التأنيث الساكنة،
أي لما حضرت المنية والوفاة. وأما الأول فمعناه: نزل ملك الموت والملائكة الكرام.
قوله: (طفق) الخ: بكسر الفاء وفتحها، والأول أشهر وأفصح، أي: جعل.
قوله: (خميصة له) الخ: بالخاء المعجمة والصاد المهملة، كساء لها أعلام.
(١) قوله: ((عائشة وعبد الله بن عباس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب (بلا
ترجمة، بعد باب الصلاة في البيعة) رقم (٤٣٥ و٤٣٦) وفي كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني
إسرائيل، رقم (٣٤٥٣ و٣٤٥٤) وفي كتاب المغازي، باب مرض النبي { 18 ووفاته، رقم (٤٤٤٣ و٤٤٤٤)
وفي كتاب اللباس، باب الأكسية والخمائص، رقم (٥٨١٥ و٥٨١٦) والنسائي في سننه، في كتاب
المساجد، باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد، رقم (٧٠٤) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب
النهي عن اتخاذ القبور مساجد، رقم (١٤١٠) وأحمد في مسنده (١: ٢١٨) و(٦: ٣٤ و٢٢٩ و٢٧٤).

٣١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
عَلَى وَجْهِهِ. فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَها عَنْ وَجْهِهِ. فَقَالَ، وَهُوَ كَذَلِكَ: ((لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ
وَالنَّصَارَى. اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)) يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا.
١١٨٨ - (٢٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، (وَاللَّفْظُ لأَبِي
بَكْرٍ)، (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ)، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ
عَمْرٍو؛ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ؛
قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبُّ(١) قَالَ: سَمِعْتُ النَِّيَّ وَّهِ، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: ((إِنِّي
أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى
قوله: (على وجهه) الخ: أي: يجعلها على وجهه من الحمى.
قوله: (فإذا اغتم بها) الخ: بالغين المعجمة أي تسخن بالخميصة وأخذ بنفسه من شدة
الحر.
قوله: (وهو كذلك) الخ: أي: في حالة الطرح والكشف.
قوله: (يحذر) الخ: أي: أمته أن يصنعوا بقبره مثل ما صنعوا، أي اليهود والنصارى بقبور
أنبيائهم.
والحكمة فيه: أنه ربما يصير بالتدريج شبيهاً بعبادة الأوثان.
٢٣ - (٥٣٢) - قوله: (عن عبد الله بن الحارث النجراني) الخ: بالنون والجيم، وفي إكمال
الإكمال: ((قال المازري: استدركه الدارقطني على مسلم، وقد خالف فيه عبد الله أبو عبد
الرحمن، فقال فيه: عن جميل النجراني، وجميل مجهول، والحديث محفوظ عن أبي سعيد،
وابن مسعود. قال غيره: وذكر النسائي الحديث من رواية عبد الله بن عمرو، وذكر رواية أبي عبد
الرحمن عن زيد بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن جميل النجراني، عن جندب)) اهـ.
قوله: (إني أبرأ) الخ: أي: أبعد وأمتنع من هذا، وأنكره.
قوله: (أن يكون لي منكم خليل) الخ: قال النحاس: الخليل المختص بالشيء دون غيره،
ولا يختص رسول الله وثر أحداً بشيء من الديانات دون غيره، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ
بَلِّغْ .... ﴾ [المائدة: ٦٧] وقيل: إنه مشتق من الخلة بفتح الخاء، وهي: الحاجة. وقيل: من الخُلة
بضمها، وهي: تخليل المودة في القلب. وقيل: من الخلة بالضم أيضاً، وهو: نبت تستحليه
الإبل، تقول العرب: الخلة: خبز الإبل، والحمض - وهو ما ملح من النبات - فاكهتها. قال
(١) قوله: ((جندب)) لم أجد هذا الحديث عند أحد من أصحاب الأصول الستة ولا عند الدارمي وأحمد سوى
مسلم رحمه الله تعالى.

٣٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلاً، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً. وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً مِنْ أُمَّتِي خَلِيلاً لاَ تَّخَذْتُ أَبَا
بَكْرٍ خَلِيلاً. أَلاَ وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ. أَلاَ
فَلاَ تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ. إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ)).
عياض: وقيل: الخلة صفاء المودة، مشتق من الاستصفاء. وقيل: الخلة فراغ القلب عن غير
الخليل ولهذا قال بعضهم في هذا الحديث: الخليل من لا يتسع القلب لسواه. وقيل: إنما سمي
إبراهيم ظلّا: خليلاً، لقوله لجبريل لعلّل - وقد قال له: ألك حاجة؟ وقد رمي في المنجنيق -
قال: ((أما إليك فلا)) فنفي وَلتر أن تكون له حاجة إلى أحد غير الله عز وجل. كذا في الإكمال.
قال الحافظ: ((واختلف في المودة والخلة والمحبة والصداقة: هل هي مترادفة أو مختلفة
قال أهل اللغة: الخلة: الصداقة والمودة. ويقال: الخلة أرفع رتبة، وهي الذي يشعر به حديث
الباب. وكذا قوله ظلملا: (لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي ... )) فإنه يشعر بأنه لم يكن له خليل من
بني آدم، وقد ثبت محبته لجماعة من أصحابه كأبي بكر، وفاطمة، وعائشة، والحسنين،
وغيرهم. ولا يعكر على هذا اتصاف إبراهيمعليّلا بالخلة، ومحمد ◌َل* بالمحبة، فتكون المحبة
أرفع رتبة من الخلة، لأنه يجاب عن ذلك بأن محمداً وَ ل﴿لقد ثبت له الأمران معاً، فيكون
رجحانه من الجهتين. والله أعلم)).
قوله: (قد اتخذني خليلاً) الخ: قال الأبي: ((ما تقدم من الأقوال في تفسير الخلة كلها
تشير إلى علة كونه لا يتخذ منهم خليلاً، وكلها علل مستنبطة من لفظ ((الخلة)) وهو ◌َّه لم يعلل
ذلك إلا بأن الله اتخذه خليلاً، وبيان كونه علة مانعة أن الخلة من النسب المنعكسة، أعني أنها
إنما تكون من الجانبين، وهو فرق بينها وبين المحبة، لأن المحبة قد تكون من جانب واحد،
فلما اتخذه الله خليلاً امتنع أن يتخذ هو أحداً خليلاً)) اهـ.
قال الحافظ: ومعنى خلة الله للعبد: نصره له ومعاونته.
قوله: (لاتخذت أبا بكر) الخ: فيه منقبة عظيمة لأبي بكر لم يشاركه فيها أحد.
قوله: (إني أنهاكم عن ذلك) الخ: أكّد النهي عن ذلك خوف أن يتغالى في تعظيم القبور
حتى يخرج من حد المقبرة إلى حد المنكر، فيعبد من دون الله، وقد وقع في الأمة ما كان يخشى
منه من الافتتان بتعظيم القبور المفرط، فإلى الله المشتكى وهو المستعان.

٣٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
(٤) - باب: فضل بناء المساجد والحث عليها
١١٨٩ - (٢٤) حدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو؛ أَنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنٍ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ
اللَّهِ الْخَوْلاَنِيَّ يَذْكُرُ: أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ(١)، عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ
(٤) - باب: فضل بناء المساجد والحث عليها
٢٤ - (٥٣٣) - قوله: (عند قول الناس فيه) الخ: وقع بيان ذلك في الطريق الآتي من قوله:
((كره الناس ذلك، فأحبوا أن يدعه على هيئته)). قال البغوي في شرح السنة: ((لعل الذي كره
الصحابة من عثمان بناءه بالحجارة المنقوشة، لا مجرد توسيعه)) اهـ.
قوله: (حين بنى) الخ: أي: وسّعه وشيّده، كما في الصحيح: ((أن المسجد كان على عهد
رسول الله ﴿ مبنياً باللبن، وسقفه: الجريد، وعمده: خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً،
وزاد فيه عمر، وبناه على بنيانه في عهد رسول الله وَلو باللبن والجريد، وأعاد عمده خشباً، ثم
غيّر عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من
حجارة منقوشة، وسقفه بالساج)).
قال ابن بطال وغيره: ((هذا يدل على أن السنة في بنيان المسجد القصد وترك الغلو في
تحسينه، فقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة المال عنده لم يغير المسجد عما كان
عليه، وإنما احتاج إلى تجديده، لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه، ثم كان عثمان، والمال
في زمانه أكثر، فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك فقد أنكر بعض الصحابة عليه، كما مر
آنفاً، وأول من زخرف المساجد: الوليد بن عبد الملك بن مروان، وذلك في أواخر عصر
الصحابة، وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفاً من الفتنة، ورخص في ذلك بعضهم،
وهو قول أبي حنيفة كَُّ إذا وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد، ولم يقع الصرف على ذلك
من بيت المال)».
وقال ابن المنير: ((لما شيّد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صوناً
لها عن الاستهانة)). وتعقب بأن المنع إن كان للحث على اتباع السلف في ترك الرفاهية فهو كما
(١) قوله: ((عثمان بن عفان)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب من بني مسجداً،
رقم (٤٥٠) ومسلم أيضاً في آخر الكتاب، كتاب الزهد والرقائق، باب فضل بناء المساجد، والترمذي في
جامعه، في تكاب الصلاة، باب ما جاء في فضل بنيان المسجد، رقم (٣١٨) وابن ماجه في سننه، في
كتاب المساجد والجماعات، باب من بنى لله مسجداً، رقم (٧٣٦) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة،
باب من بنى الله مسجداً، رقم (١٣٩٩) وأحمد في مسنده (١: ٦١ و٧٠).

٣٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الرَّسُولِ وَّهِ: إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ بَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ بَتَى مَسْجِداً لِلَّهِ
تَعَالَى - قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ - بَنَّى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ)).
قال، وإن كان لخشية شغل بال المصلي بالزخرفة فلا، لبقاء العلة. كذا في الفتح.
قوله: (إنكم قد أكثرتم) الخ: حذف المفعول للعلم به، والمراد الكلام بالإنكار ونحوه.
قوله: (من بنى مسجداً) الخ: التنكير فيه للشيوع، فيدخل فيه الكبير والصغير، ووقع في
رواية أنس عند الترمذي: ((صغيراً أو كبيراً)) وزاد ابن أبي شيبة في حديث الباب: ((ولو كمفحص
قطاة)) رواه ابن خزيمة من حديث جابر بلفظ: ((كمفحص قطاة أو أصغر))، وحمل أكثر العلماء
ذلك على المبالغة، لأن المكان الذي تفحص القطاة عنه لتضع فيه بيضها وترقد عليه لا يكفي
مقداره للصلاة فيه، ويؤيده رواية جابر هذه. وقيل: بل هو على ظاهره، والمعنى أن يزيد في
المسجد قدراً يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد فتقع
حصة كل واحد منهم ذلك القدر. وهذا كله بناء على أن المراد بالمسجد ما يتبادر إلى الذهن،
وهو المكان الذي يتخذ للصلاة فيه. فإن كان المراد بالمسجد موضع السجود، وهو ما يسع
الجبهة، فلا يحتاج إلى شيء مما ذكر. وبناء كل شيء بحسبه. وقد شاهدنا كثيراً من المساجد
في طرق المسافرين يحوطونها إلى جهة القبلة وهي في غاية الصغر، وبعضها لا تكون أكثر من
قدر موضع السجود.
وروى البيهقي تَّثُ في الشعب من حديث عائشة نحو حديث عثمان، وزاد: ((قلت: وهذه
المساجد التي في الطرق؟ قال: نعم)) وللطبراني نحوه من حديث أبي قرصافة، وإسنادهما حسن.
كذا في الفتح، والله أعلم.
قوله: (قال بكير: حسبت أنه قال) الخ: أي: شيخه عاصم.
قوله: (يبتغى به وجه الله) الخ: أي: يطلب به رضا الله، والمعنى بذلك الإخلاص. وهذه
الجملة لم يجزم بها بكير في الحديث، ولم أرها إلا من طريقه هكذا، وكأنها ليست في الحديث
بلفظها، فإن كل من روى حديث عثمان من جميع الطرق إليه لفظهم: ((من بنى الله مسجداً)) فكأن
بكيراً نسيها، فذكرها بالمعنى متردداً في اللفظ الذي ظنه، فإن قوله: ((لله)) بمعنى قوله: ((يبتغي به
وجه الله)) لاشتراكهما في المعنى المراد، وهو الإخلاص.
فائدة:
قال ابن الجوزي: ((من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيداً من الإخلاص))
انتهى. ومن بناه بالأجرة لا يحصل له هذا الوعد المخصوص، لعدم الإخلاص، وإن كان يؤجر
في الجملة.
وروى أصحاب السنن وابن خزيمة والحاكم من حديث عقبة بن عامر مرفوعاً: ((إن الله

٣٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
وَقَالَ ابْنُ عِيسِى فِي رِوَايَتِهِ: ((مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ)) .
١١٩٠. (٢٥) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)،
قَالاَ: حَدَّثَنَا الضَّخَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ
مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ. فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ. فَأَحَبُّوا أَنْ
يَدَعَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ. فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِداً لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي
الْجَنَّةِ مِثْلَهُ» .
يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه المحتسب في صنعته، والرامي به، والممدّ به)).
فقوله: ((المحتسب في صنعته)) أي من يقصد بذلك إعانة المجاهد، وهو أعم من أن يكون
متطوعاً بذلك أو بأجرة، لكن الإخلاص لا يحصل إلا من المتطوع
وهل يحصل الثواب المذكور لمن جعل بقعة من الأرض مسجداً بأن يكتفي بتحويطها من
غير بناء؟ وكذا من عمد إلى بناء كان يملكه فوقفه مسجداً؟ إن وقفنا مع ظاهر اللفظ فلا، وإن
نظرنا إلى المعنى: فنعم، وهو المتجه.
قوله: (مثله) الخ: صفة لمصدر محذوف أي بنى بناء مثله.
ولفظ المثل له استعمالان: أحدهما: الإفراد مطلقاً، كقوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ
مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧] والآخر: المطابقة، كقوله تعالى: ﴿أَمَّمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فعلى الأول
لا يمتنع أن يكون الجزاء أبنية متعددة، فيحصل جواب من استشكل التقييد بقوله: ((مثله)) مع أن
الحسنة بعشر أمثالها، لاحتمال أن يكون المراد بنى الله له عشرة أبنية مثله، والأصل أن ثواب
الحسنة الواحدة واحد بحكم العدل، والزيادة عليه بحكم الفضل، وأما من أجاب باحتمال أن
يكون ◌َير قال ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَنْ جَّمَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ففيه
بعد، وكذا من أجاب بأن التقييد بالواحد لا ينفي الزيادة عليه. ومن الأجوبة المرضية أيضاً: أن
المثلية هنا بحسب الكميّة، والزيادة حاصلة بحسب الكيفية، فكم من بيت خير من عشرة، بل من
مائة، أو أن المقصود من المثلية أن جزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا من غيره مع قطع النظر
عن غير ذلك، مع أن التفاوت حاصل قطعاً بالنسبة إلى ضيق الدنيا وسعة الجنة، إذ موضع شبر
فيها خير من الدنيا وما فيها، كما ثبت في الصحيح، وقد روى أحمد من حديث واثلة بلفظ:
(بنى الله له في الجنة أفضل منه)) وللطبراني من حديث أبي أمامة بلفظ: ((أوسع منه)) وهذا يشعر
بأن المثلية لم يقصد بها المساواة من كل وجه.
وقال النووي تغذّفُ: ((يحتمل أن يكون المراد أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد
على بيوت الدنيا)).
٢٥ - ( ... ) - قوله: (عن محمود بن لبيد) الخ: هو من صغار الصحابة
حے

٣٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٥) - باب: الندب إلى وضع الأيدي
على الركب في الركوع، ونسخ التطبيق
١١٩١ - (٢٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ الْهَمْدَانِيُّ، أَبُو كُرَيْبٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ. قَالاَ: أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
مَسْعُودٍ (١) فِي دَارِهِ. فَقَالَ: أَصَلَّى هُولَاءٍ خَلَّفَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لاَ. قَالَ: فَقُومُوا فَصَلُّوا. فَلَمْ
يَأْمُرْنَا بِأَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ. قَالَ: وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلْفَهُ. فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ
وَالآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ. قَالَ: فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا. قَالَ: فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا
...
(٥) - باب: الندب إلى وضع الأيدي
على الركب في الركوع ونسخ التطبيق
٢٦ - (٥٣٤) - قوله: (هؤلاء خلفكم) الخ: يعني الأمير وأتباعه، وفيه إشارة إلى إنكار
تأخيرهم الصلاة.
قوله: (فقوموا فصلوا) الخ: فيه جواز إقامة الجماعة في البيوت لعذر.
قوله: (فلم يأمرنا بأذان) الخ: هذا مذهب ابن مسعود، وبعض السلف من أصحابه. قال
في الدر المختار: بخلاف مصل ولو بجماعة في بيته بمصر أو قرية لها مسجد، فلا يكره
تركهما . - أي الأذان والإقامة - قال ابن عابدين كثّفُ: ((لأن أذان المحلة وإقامتها كأذانه
وإقامته)). ثم قال: ((وقد علمت تصريح الكنز بندبه للمسافر وللمصلي في بيته في المصر،
فالمقصود من كفاية أذان الحي نفي الكراهة المؤثمة».
قوله: (أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله) الخ: هذا مذهب ابن مسعود وصاحبيه،
وخالفهم جميع العلماء من الصحابة، فمن بعدهم إلى الآن، فقالوا: إذا كان مع الإمام رجلان
وقفا وراءه صفّا، لحديث جابر بن صخر، وقد ذكره مسلم في صحيح في آخر الكتاب في
الحديث الطويل عن جابر، وأجمعوا إذا كانوا ثلاثة أنهم يقفون وراءه. وأما الواحد فيقف عن
يمين الإمام عند العلماء كافة، ونقل جماعة: الإجماع فيه، ونقل القاضي عياض تغذّثُ عن ابن
المسيب أنه يقف عن يساره، ولا أظنه يصح عنه، وإن صح فلعله لم يبلغه حديث ابن عباس،
وكيف كان، فهم اليوم مجمعون على أنه يقف عن يمينه. كذا في الشرح. وفي الدر المختار:
((ويقف الواحد محاذياً ليمين إمامه، فلو وقف عن يساره كره اتفاقاً، وكذا يكره خلفه على
(١) قوله: ((عبد الله بن مسعود)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب التطبيق، رقم
(١٠٣٠) و(١٠٣١) و(١٠٣٢) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب تفريع أبواب الركوع والسجود
ووضع اليدين على الركبتين، رقم (٨٦٨) وأحمد في مسنده (١: ٣٧٨).

٣٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
وَطَبَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ. ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّ صَلَّى قَالَ: إِنَّهُ سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ
يُؤَخِّرُونَ الصَّلاَةَ عَنْ مِيقَاتِهَا. وَيَخْنُقُونَهَا إِلَى شَرَقِ الْمَوْتَى. فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ،
فَصَلُوا الصَّلاَةَ لِمِيقَاتِهَا. وَاجْعَلُوا صَلاَتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً. وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً فَصَلُّوا جَمِيعاً
وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ. وَإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْرِشْ ذِرَاعَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ
وَلْيَجْنَأُ. وَلْيُطَبِّقْ بَيْنَ كَفَّيْهِ فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلاَفِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَأَرَاهُمْ.
الأصح، لمخالفة السنة، والزائد يقف، فلو توسط اثنين كره تنزيهاً، وتحريماً لو أكثر.
قوله: (وطبق بين كفيه) الخ: التطبيق هو الإلصاق بين باطني الكفين، ولعله رَظُه ذهب إلى
كون التطبيق عزيمة فإن الركوع على هذه الصفة غاية الاستسلام والذلة، لأنها صفة المتسلم
الذليل المسلم نفسه لضرب عنقه إذا جلس، ويداه بين فخذيه كالمكتوف، كذا في الإكمال. وأما
وضع الأكف على الركب من فعل النبي وسلم وأصحابه فلعله رؤيته حمله على الإباحة والجواز،
ولم يبلغه الناسخ القولي، والله أعلم.
قوله: (يؤخرون الصلاة عن ميقاتها) الخ: أي: عن أول وقتها المختار، ويفعلونها في
غيره، كذا في الإكمال.
قوله: (ويخنقونها) الخ: بضم النون، معناه: يضيقون وقتها، ويؤخرون أداءها، يقال: هم
في خناق من كذا، أي: في ضيق.
قوله: (إلى شرق الموتى) الخ: بفتح الشين والراء، قال ابن الأعرابي: هو من قولهم:
شَرِق الميتُ بريقه، إذا لم يبق إلا يسيراً ويموت، شبّه قلة ما بقي من الوقت بما بقي من حياة من
شرق بريقه.
وسئل أبو حنيفة تغلّثُ عن الحديث، فقال: ((ألم تر إلى الشمس إذا ارتفعت على الحيطان،
وصارت بين القبور، كأنها لجة، فذلك شرق الموتى)).
قوله: (معهم سُبحة) الخ: بضم السين وإسكان الباء، هي النافلة، ومعناه: صلُّوا في أول
الوقت يسقط عنكم الفرض، ثم صلوا معهم متى صلّوا لتحرزوا فضيلة أول الوقت، وفضيلة
الجماعة، ولئلا تقع فتنة بسبب التخلف عن الصلاة مع الإمام، وتختلف كلمة المسلمين. وفيه:
دليل على أن من صلى فريضة مرتين تكون الثانية سنة، والفرض سقط بالأولى، وهذا هو
الصحيح عند أصحابنا. وقيل: الفرض أكملهما، وقيل: كلاهما، وقيل إحداهما مبهمة. كذا في
الشرح.
قوله: (فصلوا جميعاً) الخ: أي: بحيث لا يتقدم الإمام.
قوله: (وليحن) الخ: قال النووي: ((هو ((وليجنأ)) بفتح الياء وإسكان الجيم آخره مهموز،
هكذا ضبطناه، وكذا هو في أصول بلادنا، ومعناه: ينعطف)).

٣٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١١٩٢ - (٢٧) وحدّثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ الثَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ. ح قَالَ:
وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا يَحْيَى
ابْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ. كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوِّدِ؛ أَنَّهُمَا دَخَلاَ
عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةً. وَفِي حَدِيثِ ابْنٍ مُسْهِرٍ وَجَرِيرٍ: فَلَكَأَنِّي أَنْظَرُ إِلَى
اخْتِلاَفِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ وَهُوَ رَاكِعْ.
١١٩٣ - (٢٨) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ؛ أَنَّهُمْا دَخَلاَ عَلَى
عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ: أَصَلَّى مَنْ خَلْفَكُمْ؟ قَالاَ: نَعَمْ. فَقَامَ بَيْنَهُمَا. وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ
وَالآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ. ثُمَّ رَكَعْنَا. فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا. فَضَرَبٍ أَيْدِيَنَا. ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ
يَدَيْهِ. ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ. فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: هَكَذَا فَعَلَّ رَسُولُ اللَّهِ وَه .
١١٩٤ - (٢٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، (وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ)، قَالاً:
حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ (١). قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبٍ أَبِي.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ((روي ((وليجنا)) كما ذكرناه، وروي: ((وليحن))
بالحاء المهملة، قال: وهذا رواية أكثر شيوخنا، وكلاهما صحيح، ومعناه: الانحناء والانعطاف
في الركوع. قال: ورواه بعض شيوخنا بضم النون، وهو صحيح في المعنى أيضاً، يقال: حنيت
العود وحنوته: إذا عطفته. وأصل الركوع في اللغة: الخضوع والذلة، وسمي الركوع الشرعي
ركوعاً لما فيه من صورة الذلة والخضوع والاستسلام)) اهـ.
٢٨ - ( ... ) - قوله: (قالا: نعم) الخ: وفي الأول قالا: لا، فيحتمل أنهما موطنان. قاله
الأبي.
ويحتمل أنهما صلاتان، ولعلهما قد دخلا على ابن مسعود في أوائل وقت العصر،
فسألهما، فأخبراه أنهم صلوا الظهر آنفاً في آخر وقته ولم يصلوا العصر.
وقال الشيخ الأنور في نيل الفرقدين: ((كذا عند أكثر الرواة، قلنا: نعم، وليس ((لا)) إلا
عند مسلم، وهو عند الطحاوي والبيهقي أيضاً، والظاهر أنه وهم، وقد وجه بعض الناس أن
((نعم)) بالنسبة إلى الظهر، و((لا)) بالنسبة إلى العصر، وليس بشيء، لأن السياق واحد تماماً لا
غير، وقد كانت الصلاة في الظهر، كما في المسند من رواية ابن إسحاق، والله أعلم)).
٢٩ - (٥٣٥) - قوله: (عن أبي يعفور) الخ: بفتح التحتانية وبالفاء، وآخره راء، وهو
(١) قوله: ((مصعب بن سعد)) أي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، والحديث أخرجه البخاري في صحيح، =

٣٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
قَالَ: وَجَعَلْتُ يَدَيَّ بَيْنَ رُكْبَتَيَّ. فَقَالَ لِي أَبِي: اضْرِبْ بِكَفَّيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ. قَالَ: ثُمَّ
فَعَلْتُ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَضَرَبَ يَدَيَّ وَقَالَ: إِنَّا نُهِينَا عَنْ هَذَا. وَأُمِرْنَا أَنْ نَضْرِبَ بِالأَكُفُّ
عَلَى الرُّكَبِ.
الأكبر، كما جزم به المزي، وهو مقتضى صنيع ابن عبد البر، وصرح الدارمي في روايته من
طريق إسرائيل عن أبي يعفور بأنه العبدي، والعبدي هو الأكبر بلا نزاع. وذكر النووي في شرح
مسلم أنه الأصغر، وتعقب، قاله الحافظ تَقُ. واسم الأكبر: واقد، وقيل: وقدان، والأصغر
عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس - بكسر النون - قاله النووي: وليراجع مقدمة الفتح.
.
قوله: (إلى جنب أبي) الخ: أبوه سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة ر
قوله: (يدي بين ركبتي) الخ: وفي رواية إسرائيل المذكورة عند الدارمي: ((كان بنو
عبد الله بن مسعود إذا ركعوا جعلوا أيديهم بين أفخاذهم، فصليت إلى جنب أبي، فضرب
يدي .... )) الحديث، فأفادت هذه الزيادة مستند مصعب في فعل ذلك، وأولاد ابن مسعود
أخذوه عن أبيهم.
قوله: (إنا نهينا عن هذا) الخ: قال الترمذي: ((التطبيق منسوخ عند أهل العلم، لا خلاف
بين العلماء في ذلك إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون)) اهـ. وحمل
هذا على أنه لم يبلغه النسخ.
وقد روى ابن المنذر عن ابن عمر بإسناد قوي، قال: ((إنما فعله النبي ◌َّ مرة)» يعني
التطبيق .
وروى عبد الرزاق عن عمر ما يوافق قول سعد، أخرجه من وجه آخر عن علقمة والأسود،
قال: ((صلينا مع عبد الله، فطبق، ثم لقينا عمر فصلينا معه، فطبقنا، فلما انصرف قال: ذلك
شيء كنا نفعله ثم ترك)). وفي كنز العمال: ((فلما انصرف قال: ما هذا؟ فأخبرناه بفعل عبد الله،
قال: ذاك شيء كان يفعل، ثم ترك)). وعن إبراهيم: قال: ((كان عمر يضع يديه على ركبتيه،
وكان عبد الله بن مسعود يطبق يديه بين ركبتيه إذا ركع، قال إبراهيم: الذي كان عبد الله يصنع:
شيء لا يصنع فترك، والذي صنع عمر أحب إلي)).
في كتاب الأذان، باب وضع الأكف على الركب في الركوع، رقم (٧٩٠) والنسائي في سننه، في كتاب
=
الافتتاح، باب نسخ ذلك (أي التطبيق) رقم (١٠٣٣) و(١٠٣٤) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب
تفريع أبواب الركوع والسجود، ووضع اليدين على الركبتين، رقم (٨٦٧) والترمذي في جامعه، في كتاب
الصلاة، باب ما جاء في وضع اليدين على الركبتين في الركوع، رقم (٢٥٩) وابن ماجه في سننه، في كتاب
إقامة الصلاة والسنة فيها، باب وضع اليدين على الركبتين، رقم (٨٧٣) والدارمي في سننه، في كتاب
الصلاة، باب العمل في الركوع، رقم (١٣٠٨) وأحمد في مسنده (١: ١٨١ و١٨٢).

٤٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١١٩٥ - (٠٠٠) حدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَام. حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ
أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي يَعْفُورِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. إِلَى قَوْلِهِ: فَنُهِينَا عَنْهُ. وَلَمْ
يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ.
١١٩٦ - (٣٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي
خَالِدٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ؛ قَالَ: رَكَعْتُ فَقُلْتُ بِيَدَيَّ هَكَذَا - يَعْنِي
طَبَّقَ بِهِمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ - فَقَالَ أَبِي: قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا. ثُمَّ أُمِرْنَا بِالرُّكَبِ.
١١٩٧ - (٣١) حدّثني الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا عِيسى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ؛ قَالَ:
صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبٍ أَبِي. فَلَمَّا رَكَعْتُ شَبَّكْتُ أَصَابِعِي وَجَعَلْتُهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيَّ. فَضَرَبَ يَدَيَّ.
فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا. ثُمَّ أُمِرْنَا أَنْ نَرْفَعَ إِلَى الرُّكَبِ.
وفي الترمذي من طريق أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال لنا عمر بن الخطاب: ((إن
الرکب سُنّت لكم، فخذوا بالرکب)».
ورواه البيهقي بلفظ: «كنا إذا ركعنا جعلنا أيدينا بين أفخاذنا، فقال عمر: إن من السنة
الأخذ بالركب)). وهذا أيضاً حكمه حكم الرفع، لأن الصحابي إذا قال: السنة كذا، أو سنّ
كذا، كان الظاهر انصراف ذلك إلى سنة النبي ◌َ﴾، ولا سيما إذا قاله مثل عمر بقڅته.
واستدل ابن خزيمة بحديث الباب على أن التطبيق غير جائز، وفيه نظر، لاحتمال حمل
النهي على الكراهة، فقد روى ابن أبي شيبة من طريق عاصم بن ضمرة عن علي، قال: ((إذا
ركعت فإن شئت قلت هكذا - يعني: وضعت يديك على ركبتيك - وإن شئت طبقت)) وإسناده
حسن، وهو ظاهر في أنه كان يرى التخيير، فإما لم يبلغه، وإما حمله على كراهة التنزيه، ويدل
على أنه ليس بحرام: كون عمرو وغيره ممن أنكره لم يأمر من فعله بالإعادة. كذا في الفتح.
قال الحافظ: ((وقد وردت الحكمة في إثبت التفريج على التطبيق عن عائشة فيها، أورد
سيف في الفتوح من رواية مسروق أنه سألها عن ذلك، فأجابت بما محصله: أن التطبيق من
صنيع اليهود، وأن النبي ◌َّ ه نهى عنه لذلك، وكان النبي ◌َّه يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم
ينزل عليه، ثم أمر في آخر الأمر بمخالفتهم. والله أعلم)) اهـ.