النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
كتاب: الصلاة
رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ. فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ، قَرَأَهُ النَّبِّ وَ كَمَا أَقْرَأَهُ.
تفلته، فنزلت: ﴿لَا تُرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ﴾ إلى قوله: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ ثم عاد الكلام إلى تكملة ما
ابتدأ به.
قال الفخر الرازي: ((ونحوه ما لو ألقى المدرس على الطالب مثلاً مسألة، فتشاغل بشيء
عرض له، فقال له: ألق إليّ بالك، وتفهم ما أقول، ثم كمل المسألة، فمن لا يعرف السبب
يقول: ليس هذا الكلام مناسباً للمسألة، بخلاف من عرف ذلك.
ومنها مناسبات أخرى ذكرها الفخر الرازي لا طائل فيها، مع أنها لا تخلوا عن تعسف.
كذا في الفتح.
والذي يظهر للعبد الضعيف - والله أعلم - أن المقصود في هذه السورة الرد على منكري
حشر الأجساد، ومستبعدي جمع العظام البالية يعد تفرقها وانتشارها، وإثبات أن الله تعالى قادر
على أن يسوي بنان الإنسان، ويجمع ما تفرق وتبدد من أعضائه صغيراً أو كبيراً، وجليلاً أو
حقيراً، بل الله تعالى يجمع يوم القيامة الأجرام الفلكية التي كل واحد منها في غاية التباعد،
ونهاية الافتراق، وطول المسافة من الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَجُعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُّ ﴾﴾ [سورة
القيامة، آية: ٩] وقال: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ ﴾﴾ وَإِذَا النُّجُومُ أَنْكَدَرَتْ
(٢)) [سورة التكوير، آية: ١ و٢]
وأزيد منه أنه سبحانه وتعالى يجمع سائر ما عمله أيّ عامل، وقال أيّ قائل من الأزل إلى الأبد
في أيّ زمان وفي أيّ مكان، وبأيّ وضع وهيئة، وكم وكيف، وما كان ربك نسياً، كما قال
تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَوَيَِّثَنَا مَالِ هَذَا أَلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَاْ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ
حَاضِرً﴾ [سورة الكهف، آية: ٤٩] وقال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ جَ﴾ [سورة الانفطار، آية: ٥]
وقال هنا - أي في سورة القيامة -: ﴿يُّ الْإِنَنُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)﴾ [سورة القيامة، آية: ١٣] فلا
يفوته شيء من عمله ولا ينساه، بل يستحضر جميع ما عمله في مدة عمره من نقير وقطمير،
مجموعاً بحيث لا يشذ عنه شيء ولا يغيب، فهو بصير على نفسه، ولو ألقى معاذيره، وهذا أي
جمع ما مضى وانقضى من أعماله وحضوره عنده، وعدم نسيانه وذهوله عن شيء من ذلك
بقدرة الله له: أنموذج في إقراءه سبحانه وتعالى رسوله و ﴿ القرآن، ومنعه عن تحريك اللسان
بقراءته مع ما يعالج من تنزيله شدة، ثم جمعه في صدره حرفاً حرفاً بتمامه وكماله بعد ما تنقضي
قراءة جبريل، في هذا الجمع الخارق للعادة تنبيه للمخاطبين على جواز وقوع ما أشير إليه في
قوله: ﴿ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر﴾ من جمع أعمال العبد قديمها وحديثها، بعد انقضائها
وحضورها عنده، بحيث لا ينسى شيئاً، ورفع لاستبعاد المحبوسين في دائرة العادة، وهذا كما
نبه بذكر الإسراء إلى المسجد الأقصى على إمكان المعراج إلى السموات السبع وما فوقها، والله
سبحانه وتعالى أعلم.

٤٠٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٣٣) باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجنّ
١٠٠٥ - ١٤٩ / حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ(١)؛ قَالَ: مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ عَلَى الْجِنِّ وَمَا رَآهُمْ.
انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ.
(٣٣) - باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن
١٤٩ - (٤٤٩) - قوله: (ما قرأ رسول الله وَّ ر على الجن) إلخ: وفي حديث ابن مسعود
الآتي: ((أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن)).
قال العلماء: هما قضيتان، فحديث ابن عباس في أول الأمر وأول النبوة حين أتوا فسمعوا
قراءة ﴿قل أوحي﴾ واختلف المفسرون هل علم النبي ◌ّ- استماعهم حال استماعهم بوحي أوحي
إليه أم لم يعلم بهم إلا بعد ذلك. وأما حديث ابن مسعود فقضية أخرى جرت بعد ذلك بزمان
الله أعلم بقدره، وكان بعد اشتهار الإسلام. كذا في الشرح.
قوله: (في طائفة من أصحابه) إلخ: ذكر ابن إسحاق وابن سعد أن ذلك كان في ذي القعدة
سنة عشر من البعثة، لما خرج النبي ◌ّ﴿ إلى الطائف، ثم رجع منها. لكنه مشكل من جهة
أخرى، لأن محصل ما في الصحيح وما ذكره ابن إسحاق أنه وَّ لما خرج إلى الطائف لم يكن
معه من أصحابه إلا زيد بن حارثة، وهنا قال: ((انطلق في طائفة من أصحابه)) فلعلها كانت وجهة
أخرى.
ويمكن الجمع بأنه لما رجع لاقاه بعض أصحابه في أثناء الطريق، فرافقوه. كذا في الفتح.
قوله: (عامدين) إلخ: أي: قاصدين، نصب على الحال من فعل النبي وَّر ومن كان معه .
قوله: (إلى سوق عُكّاظ) إلخ: بضم المهملة وتخفيف الكاف وآخره ظاء معجمة بالصرف
وعدمه. قال اللحياني: الصرف لأهل الحجاز، وعدمه لغة تميم.
وهو موسم معروف للعرب، بل كان من أعظم مواسمهم، وهو نخل في واد بين مكة
والطائف (إلى بلد يقال له: ((الفتق)) بضم الفاء والمثناة بعدها قاف) وهو إلى الطائف أقرب.
بينهما عشرة أميال، وهو وراء قرن المنازل بمرحلة من طريق صنعاء اليمن.
وقال البكري: أول ما أحدثت قبل الفيل بخمس عشرة سنة، ولم تزل سوقاً إلى سنة تسع
(١) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب الجهر بقراءة صلاة
الفجر، رقم (٧٧٣) وفي كتاب التفسير، تفسير سورة الجن، باب (بلا ترجمة) رقم (٤٩٢١) والترمذي في
جامعه، في كتاب التفسير، باب ومن سورة الجن، رقم (٣٣٢٣) وأحمد في مسنده (٢٥٢/١ و٢٧٤
و ٣٢٣).

٤٠٣
كتاب: الصلاة
وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ.
وعشرين ومائة، فخرج الخوارج الحرورية فنهبوها، فتركت إلى الآن.
وروى الزبير بن بكار في كتاب النسب، من طريق حكيم بن حزام: أنها كانت تقام صبح
هلال ذي القعدة إلى أن يمضي عشرون يوماً، قال: ثم يقام سوق مجنة عشرة أيام إلى هلال ذي
الحجة، ثم يقام سوق ذي المجاز ثمانية أيام، ثم يتوجهون إلى منى للحج.
وفي حديث أبي الزبير عن جابر: ((أن النبي ◌َّر لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في
الموسم بمجنّة وعكاظ يبلغ رسالات ربه)) الحديث، أخرجه أحمد وغيره، كذا في الفتح.
قوله: (وقد حيل) إلخ: بكسر الحاء المهملة وسكون التحتانية بعدها لام، أي حجر ومنع،
على البناء للمجهول.
قوله: (وأرسلت عليهم الشهب) إلخ: بضمتين جمع شهاب، وظاهر هذا أن الحيلولة
وإرسال الشهب وقعا في هذا الزمان المتقدم وذكره، والذي تظافرت به الأخبار أن ذلك وقع لهم
من أول البعثة النبوية، وهو المعتمد، وهذا مما يؤيد تغاير زمن القصتين، وأن مجيء الجن
لاستماع القرآن كان قبل خروجه 18 إلى الطائف بسنتين، ولا يعكر على ذلك إلا قوله في هذا
الخبر: أنهم رأوه يصلي بأصحابه صلاة الفجر، لأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل فرض الصلوات
ليلة الإسراء، فإنه ولو كان يصلي قبل الإسراء قطعاً، وكذلك أصحابه، ولكن اختلف: هل
افترض قبل الخمس شيء من الصلاة أم لا؟ فيصح على هذا قول من قال: إن الفرض أولاً كان
صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، والحجة فيه قوله تعالى: ﴿فسبح (١) بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ
مُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهاً﴾ [سورة طه، آية: ١٣٠] ونحوها من الآيات، فيكون إطلاق صلاة الفجر في
حديث الباب باعتبار الزمان، لا لكونها إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء، فتكون قصة الجن
متقدمة من أول المبعث، وهذا الموضع مما لم ينبه عليه أحد ممن وقفت على كلامهم في شرح
هذا الحديث، كذا قال الحافظ في باب التفسير.
وقال في باب ذكر الجن: ((والذي يظهر من سياق الحديث الذي فيه المبالغة في رمي
الشهب لحراسة السماء من استراق الجن السمع دال على أن ذلك كان قبل المبعث النبوي،
وإنزال الوحي إلى الأرض، فكشفوا ذلك إلى أن وقفوا على السبب، ثم لما انتشرت الدعوة
وأسلم من أسلم قدموا فسمعوا فأسلموا، وكان ذلك بين الهجرتين، ثم تعدد مجيئهم حتى في
المدينة)) اهـ . - والله أعلم بالصواب - .
ثم استشكل عياض، وتبعه القرطبي والنووي وغيرهما، من حديث الباب موضعاً آخر،
(١) كذا في المطبوع بالفاء، والصحيح بالواو ((وسبح)).

٤٠٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ولم يتعرضوا لما ذكرته، فقال عياض: ((ظاهر الحديث أن الرمي بالشهب لم يكن قبل مبعث
النبي والتر، الإنكار الشياطين له وطلبهم سببه، ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب، ومرجوعاً
إليها في حكمهم، حتى قطع سببها بأن حيل بين الشياطين وبين استراق السمع، كما قال تعالى
ـ) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ
في هذه السورة: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِتَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُيّاً
لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَحِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾ [سورة الجن، آية: ٨ و٩] وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ
لَمَعْزُولُونَ
﴾ [سورة الشعراء، آية: ٢١٢] وقد جاءت أشعار العرب باستغراب رميها وإنكاره إذ لم
يعهدوه قبل المبعث، وكان ذلك أحد دلائل نبوته، ويؤيده ما ذكر في الحديث من إنكار
الشياطين، قال: وقال بعضهم: لم تزل الشهب يرمى بها مذ كانت الدنيا، واحتجوا بما جاء في
أشعار العرب من ذلك، قال: وهذا مروي عن ابن عباس والزهري، ورفع فيه ابن عباس حديثاً
عن النبي 18َّ، وقال الزهري لمن اعترض عليه بقوله: ﴿من يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً﴾
قال: غلظ أمرها وشدّد» انتھی.
وهذا الحديث الذي أشار إليه أخرجه مسلم من طريق الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس
عن رجال من الأنصار قالوا: ((كنا عند النبي و طل﴿ إذا رمي بنجم، فاستنار، فقال: ما كنتم تقولون
لهذا إذا رمي به في الجاهلية؟ ... )) الحديث. وأخرجه عبد الرزاق عن معمر، قال: ((سئل
الزهري عن النجوم: أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، ولكنه إذ جاء الإسلام غلظ وشدد»
وهذا جمع حسن.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله وَطهير: ((إذا رمي بها في الجاهلية)) أي جاهلية المخاطبين،
ولا يلزم أن يكون ذلك قبل المبعث، فإن المخاطب بذلك الأنصار، وكانوا قبل إسلامهم في
جاهلية، فإنهم لم يسلموا إلا بعد المبعث بثلاث عشرة سنة.
وقال السهيلي: ((لم يزل القذف بالنجوم قديماً، وهو موجود في أشعار قدماء الجاهلية،
كأوس بن حجر وبشر بن أبي حازم وغيرهما)».
وقال القرطبي: ((يجمع بأنها لم تكن يرمى بها قبل المبعث رمياً يقطع الشياطين عن استراق
السمع، ولكن كانت ترمى تارة ولا ترمى أخرى، وترمى من جانب ولا ترمى من جميع
ـذَا دُحُورًا﴾ [سورة الصافات،
الجوانب، ولعل الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ
آية: ٨ و ٩] انتهى.
ثم وجدت عن وهب بن منبه - والله أعلم بصحته - ما يرفع الإشكال، ويجمع بين مختلف
الأخبار، قال: ((كان إبليس يصعد إلى السموات كلهن، ينقلب فيهن كيف شاء، لا يمنع منذ
أخرج آدم إلى أن رفع عيسى، فحجب حينئذ من أربع سماوات، فلما بعث نبينا حجب من
الثلاث، فصار يسترق السمع هو وجنوده، ويقذفون بالكواكب)).

٤٠٥
كتاب: الصلاة
فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ. فَقَالُوا: مَالَكُمْ؟ قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ.
وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ
وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هُذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ
ويؤيده ما روى الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال: ((لم تكن السماء تحرس في
الفترة بين عيسى ومحمد، فلما بعث محمد حرست حرساً شديداً، ورجمت الشياطين، فأنكروا
ذلك)). ومن طريق السدي قال: ((إن السماء لم تكن تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين
ظاهر، وكانت الشياطين قد اتخذت مقاعد يسمعون فيها ما يحدث، فلما بعث محمد رجموا)).
وقال الزين بن المنير: ظاهر الخبر أن الشهب لم تكن يرمى بها وليس كذلك، لما دل عليه
حديث مسلم، وأما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبً رَّصَدًا﴾ [سورة الجن، آية: ٩] فمعناه أن
الشهب كانت ترمى فتصيب تارة ولا تصيب أخرى، وبعد البعثة أصابتهم إصابة مستمرة،
فوصفوها لذلك بالرصد، لأن الذي يرصد الشيء لا يخطئه، فيكون المتجدد دوام الإصابة لا
أصلها .
فإن قيل: فإذا كان الرمي بها غلظ وشدد بسبب نزول الوحي فهلا انقطع بانقطاع الوحي
بموت النبي ◌ّهه ونحن نشاهدها الآن يرمى بها؟ فالجواب يؤخذ من حديث الزهري المتقدم، ففيه
عند مسلم: ((قالوا كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله وَاليوم:
فإنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا إذا قضى أمراً أخبر أهل السموات بعضهم
بعضاً، حتى يبلغ الخبر السماء الدنيا، فيخطف الجن السمع، فيقذفون به إلى أوليائهم))، فيؤخذ
من ذلك أن سبب التغليظ والحفظ لم ينقطع لما يتجدد من الحوادث التي تلقى بأمره إلى
الملائكة، فإن الشياطين مع شدة التغليظ عليهم في ذلك بعد المبعث لم ينقطع طمعهم في استراق
السمع في زمن النبي بَّر، فكيف بما بعده، وقد قال عمر لغيلان بن سلمة لما طلق نساءه: ((إني
أحسب أن الشياطين فيما تسترق السمع سمعت بأنك ستموت، فألقت إليك ذلك الحديث))
أخرجه عبد الرزاق وغيره، فهذا ظاهر في أن استراقهم السمع استمر بعد النبي وَّر ، فكانوا
يقصدون استماع الشيء مما يحدث، فلا يصلون إلى ذلك إلا أن اختطف أحدهم بخفة حركته
خطفة، فيتبعه الشهاب، فإن أصابه قبل أن يلقيها لأصحابه فاتت، وإلا سمعوها وتداولوها. هذا
كله في الفتح.
قوله: (فرجعت الشياطين) إلخ: وفي رواية نافع بن جبير عن ابن عباس عند أحمد:
((فشكوا ذلك إلى إبليس، فبثّ جنوده، فإذا هم بالنبي ◌َّ يصلي برحبة في نخلة)).
قوله: (فاضربوا مشارق الأرض) إلخ: أي: سيروا فيها كلها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ
يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اَللَّهُ﴾ [سورة المزمل، آية: ٢٠] كذا في الفتح.

٤٠٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الأَرْضِ ومَغَارِبَهَا. فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا نَحْوَ تِهَامَةَ وَهُوَ بِنَخْلٍ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقٍ
عُكَاظِ. وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَّعُوا لَهُ. وَقَالُوا: هَذَا
الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا، ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا
﴾ [الجن: ١ - ٢ ]
◌َجبًا يَهْدِىّ إِلَى الْرُّشْدِ فَامَنَا بِهِ، وَلَن نُّشْرِكَ بِرَنَا أَحَدًّا
قوله: (فمرّ النفر الذين) إلخ: قيل: كان هؤلاء المذكورون من الجن على دين اليهود،
ولهذا قالوا: أنزل من بعد موسى، وأخرج ابن مردويه من طريق عمر بن قيس عن سعيد بن جبير
عن ابن عباس: ((أنهم كانوا تسعة))، ومن طريق النضر بن عربي عن عكرمة عن ابن عباس:
((كانوا سبعة من أهل نصيبين))، وقد روى ابن مردويه أيضاً من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة
عن ابن عباس: ((كانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل، فقال النبي وَلّ لابن مسعود: أنظرني
حتى آتيك، فخط عليه خطاً ... )) الحديث. والجمع بين الروايتين بتعدد القصة، فإن الذين
جاؤوا أولاً كان سبب مجيئهم ما ذكر في الحديث من إرسال الشهب، وسبب مجيء الذين في
قصة ابن مسعود ظه أنهم جاءوا لقصد الإسلام وسماع القرآن والسؤال عن أحكام الدين.
قوله: (أخذوا نحو تهامة) إلخ: أي: توجهوا نحوه، وتهامة بكسر المثناة اسم لكل مكان
غير عال من بلاد الحجاز، سميت بذلك لشدة حرها، اشتقاقاً من التهم - بفتحتين - وهو شدة
الحر، وسكون الريح، وقيل: من تهم الشيء: إذا تغير، قيل لها ذلك لتغير هوائها .
قال البكري: حدها من جهة الشرق: ذات عرق، ومن قبل الحجاز: السرج، بفتح مهملة
وسكون الراء، بعدها جيم، قرية من عمل الفرع، بينها وبين المدينة اثنان وسبعون ميلاً كذا في
الفتح.
قوله: (هو بنخل) إلخ: كذا وقع في مسلم: ((بنخل)) بلا هاء، والصواب إثباتها، والنخلة:
بفتح النون وسكون المعجمة موضع بين مكة والطائف. قال البكري: على ليلة من مكة، وهي
التي ينسب إليها بطن نخل.
قوله: (استمعوا له) إلخ: أي: قصدوا لسماع القرآن، وأصغوا إليه.
قوله: (فآمنًا به) إلخ: قال الماوردي: ((ظاهر هذا أنهم آمنوا عند سماع القرآن. قال:
والإيمان يقع بأحد أمرين: إما بأن يعلم حقيقة الإعجاز وشروط المعجزة، فيقع له العلم بصدق
الرسول، أو يكون عنده علم من الكتب الأولى فيها دلائل على أنه النبي المبشر به، وكلا
الأمرين في الجن محتمل)) اهـ.
قلت: ولا ينحصر حصول الإيمان في هذين الطريقين، ولا دليل على هذا الحصر.
قال الحافظ: ((وفي هذا الحديث الاعتبار بما قضى الله للعبد من حسن الخاتمة، لا بما
يظهر منه من الشر، ولو بلغ ما بلغ، لأن هؤلاء الذين بادروا إلى الإيمان بمجرد استماع القرآن

٤٠٧
كتاب: الصلاة
فَأَنْزِلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِّهِ مُحَمَّدٍ وَِّ: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنّ﴾ [الجن: ١].
لو لم يكونوا عند إبليس في أعلى مقامات الشر ما اختارهم للتوجه إلى الجهة التي ظهر له أن
الحدث الحادث من جهتها، ومع ذلك فغلب عليهم ما قضي لهم من السعادة بحسن الخاتمة،
ونحو ذلك قصة سحرة فرعون».
قوله: (فأنزل الله على نبيه) إلخ: زاد الترمذي: ((قال ابن عباس: وقول الجن لقومهم:
قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِدًا﴾، قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يصلون بصلاته،
· يسجدون بسجوده، قال: فتعجبوا من طواعية أصحابه له، قالوا لقومهم ذلك)).
مبحث يتعلق بإثبات وجود الشياطين والجن وما يتعلق بهم
قوله: ﴿أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنّ﴾ إلخ: قال الحافظ. في هذا الحديث إثبات وجود الشياطين
والجن. أما إثبات وجود الجن: فقد نقل إمام الحرمين في الشامل عن كثير من الفلاسفة
والزنادقة والقدرية أنهم أنكروا وجودهم رأساً، قال: ولا يتعجب ممن أنكر ذلك من غير
المشرعين، إنما العجب من المشرعين مع نصوص القرآن والأخبار المتواترة. قال: وليس في
قضية العقل ما يقدح في إثباتهم. قال: وأكثر ما استروح إليه من نفاهم حضورهم عند الإنس
بحيث لا يرونهم، ولو شاؤوا لأبدوا أنفسهم. قال: وإنما يستبعد ذلك من لم يحط علماً بعجائب
المقدورات.
وقال القاضي أبو بكر: وكثير من هؤلاء يثبتون وجودهم وينفونه الآن، ومنه من يثبتهم
وينفي تسلطهم على الإنس. وقال عبد الجبار المعتزلي: الدليل على إثباتهم السمع دون العقل،
إذ لا طريق إلى إثبات أجسام غائبة، لأن الشيء لا يدل على غيره من غير أن يكون بينهما تعلق،
ولو كان إثباتهم باضطرار لما وقع الاختلاف فيه، إلا أنا قد علمنا بالاضطرار أن النبي وَلو كان
یتدین بإثباتهم، وذلك أشهر من أن يتشاغل بإيراده.
واختلف في صفتهم:
فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: قال بعض المعتزلة: الجن أجساد رقيقة بسيطة. قال:
وهذا عندنا غير ممتنع إن ثبت به سمع. وقال أبو يعلى بن الفراء: الجن أجسام مؤلفة،
وأشخاص ممثلة، يجوز أن تكون رقيقة، وأن تكون كثيفة، خلافاً للمعتزلة في دعواهم أنها
رقيقة، وأن امتناع رؤيتنا لهم من جهة رقتها، وهو مردود، فإن الرقة ليست بمانعة من الرؤية،
ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام الكثيفة إذا لم يخلق الله فينا إدراكها .
وروى البيهقي في مناقب الشافعي بإسناده عن الربيع، سمعت الشافعي يقول: ((من زعم أنه
يرى الجن أبطلنا شهادته، إلا أن يكون نبياً)) انتهى. وهذا محمول على من يدعي رؤيتهم على
صورهم التي خلقوا عليها، وأما من ادعى أنه يرى شيئاً منهم بعد أن يتطور على صور شتى من
الحيوان، فلا يقدح فيه، وقد تواردت الأخبار بتطورهم في الصور، واختلف أهل الكلام في

٤٠٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٠٠٦ - (١٥٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ،
ذلك، فقيل: هو تخييل فقط، ولا ينتقل أحد عن صورته الأصلية، وقيل: بل ينتقلون، لكن لا
باقتدارهم على ذلك، بل بضرب من الفعل إذا فعله انتقل، كالسحر، وهذا قد يرجع إلى الأول،
وفيه أثر عن عمر أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح («أن الغيلان ذكروا عند عمر، فقال: إن
أحداً لا يستطيع أن يتحول عن صورته التي خلقه الله عليها، ولكن لهم سحرة كسحرتكم، فإذا
رأيتم ذلك فأذّنوا)).
وإذا ثبت وجودهم فقد اختلف في أصلهم، فقيل: إن أصلهم كان من ولد إبليس، فمن
كان منهم كافراً سمي شيطاناً، وقيل: إن الشياطين خاصة أولاد إبليس، ومن عداهم ليسوا من
ولده، وحديث ابن عباس ◌ًا يقوي أنهم نوع واحد من أصل واحد، واختلف صنفه، فمن كان
كافراً سمي شيطاناً، وإلا قيل له: جنيٌ. وأما كونهم مكلفين فقال ابن عبد البر: الجن عند
الجماعة مكلفون. وقال عبد الجبار: لا نعلم خلافاً بين أهل النظر في ذلك إلا ما حكى زرقان
عن بعض الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم، وليسوا بمكلفين. قال: والدليل للجماعة ما في
القرآن من خلقهم للعبادة، وذم الشياطين، والتحرز من شرهم، وما أعد لهم من العذاب، وهذه
الخصال لا تكون إلا لمن خالف الأمر وارتكب النهي مع تمكنه من أن لا يفعل، والآيات
والأخبار الدالة على ذلك كثيرة جداً .
وإذا تقرر كونهم مكلفين فقد اختلفوا: هل كان فيهم نبي منهم أم لا؟ فروى الطبري من
طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك. قال: ومن قال بقول الضحاك احتج بأن الله تعالى أخبر
أن من الجن والإنس رسلاً أرسلوا إليهم، فلو جاز أن المراد برسل الجن رسل الإنس لجاز
عکسه، وهو فاسد. انتهى.
وأجاب الجمهور عن ذلك بأن معنى الآية أن رسل الإنس رسل من قبل الله إليهم، ورسل
الجن بثّهم الله في الأرض، فسمعوا كلام الرسل من الإنس، وبلغوا قومهم، ولهذا قال قائلهم:
﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى﴾ [سورة الأحقاف، آية: ٣٠].
واحتج ابن حزم ((بأنه ◌َّر قال: ((وكان النبي يبعث إلى قومه))، قال: وليس الجن من قوم
الإنس، فثبت إنه كان منهم أنبياء إليهم، قال: ولم يبعث إلى الجن من الإنس نبي إلا
نبينا وَ لعموم بعثته إلى الجن والإنس باتفاق)) انتهى.
وقال ابن عبد البر: ((لا يختلفون أنه ﴿ بعث إلى الإنس والجن، وهذا مما فضل الله به
على الأنبياء، ونقل ابن عباس في قوله تعالى في سورة غافر: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ
بِالْبَيِّنَتِ﴾ [سورة غافر، آية: ٣٤] قال هو رسول الجن وهذا ذكره.
وقال إمام الحرمين في الإرشاد في أثناء الكلام مع العيسوية: ((وقد علمنا ضرورة
أنه وَ لّ ادعى كونه مبعوثاً إلى الثقلين)).

٤٠٩
كتاب: الصلاة
قَالَ: سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ: هَلْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ فَقَالَ
عَلْقَمَةُ: أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ(١). فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ لَيْلَةَ
وقال ابن تيمية: ((اتفق على ذلك علماء السلف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين،
وثبت التصريح بذلك في حديث: ((وكان النبي ◌َّ يبعث إلى قومه وبعثت إلى الإنس والجن)) فيما
أخرجه البزار بلفظه، وعن ابن الكلبي: ((كان النبي يبعث إلى الإنس فقط، وبعث محمد إلى
الإنس والجن)) وإذا تقرر كونهم مكلفين فهم مكلفون بالتوحيد وأركان الإسلام، وأما ما عداه من
الفروع فاختلف فيه لما ثبت من النهي عن الروث والعظم، وأنهما زاد الجن، فدل على جواز
تناولهم للروث، وذلك حرام على الإنس)).
واختلف أيضاً: هل يأكلون ويشربون ويتناكحون أم لا؟ فقيل بالنفي، وقيل بمقابله، ثم
اختلفوا: فقيل: أكلهم وشربهم تشمم واسترواح، لا مضغ ولا بلع، وهو مردود بما رواه أبو
داود من حديث أمية بن مخشي قال: ((كان رسول الله وَّ ر جالساً ورجل يأكل ولم يسم، ثم سمى
في آخره، فقال النبي ◌َّر: ما زال الشيطان يأكل معه، فلما سمى استقاء ما في بطنه)) وروى
مسلم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله (ص18: ((لا يأكلن أحدكم بشماله ويشرب بشماله،
فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله)).
وروى ابن عبد البر عن وهب بن منبه أن الجن أصناف، فخالصهم ريح لا يأكلون، ولا
يشربون، ولا يتوالدون، وجنس منهم يقع ذلك، واستدل من قال بأنهم يتناكحون بقوله تعالى:
﴿لَ يَطْمِنْهُنَّ إِنْسُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَنٌ﴾ [سورة الرحمن، آية: ٧٤] وبقوله تعالى: ﴿أَفَتَّخِذُوْنَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ
مِن دُونِ﴾ [سورة الكهف، آية: ٥٠] والدلالة من ذلك ظاهرة.
واعتل من أنكر ذلك بأن الله تعالى أخبر أن الجانّ خلق من نار، وفي النار من اليبوسة
والخفة ما يمنع معه التوالد. والجواب أن أصلهم من النار، كما أن أصل الآدمي من التراب،
وكما أن الآدمي ليس طيناً حقيقة، كذلك الجني ليس ناراً حقيقة، وقد وقع في الصحيح في قصة
تعرض الشيطان للنبي وسلم أنه قال: ((فأخذته فخنقته، حتى وجدت برد ريقه على يدي)).
قلت: وبهذا الجواب يندفع إيراد من استشكل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَنْبَعَهُم
شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾﴾ [سورة الصافات، آية: ١٠] فقال: كيف تحرق النارُ النارَ؟
ولم يختلف من أثبت تكليفهم أنهم يعاقبون على المعاصي، واختلف: هل يثابون؟ فروى
(١) قوله: ((ابن مسعود)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب التفسر، باب ومن سورة الأحقاف، رقم
(٣٢٥٨). وأخرجه أبو داود أيضاً في كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، رقم (٨٥) مقتصراً على قوله:
(من كان منكم مع رسول الله* ليلة الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد)). وأحمد في مسنده (٤٣٦/١
و ٤٥٨).

٤١٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْجِنِّ؟ قَالَ: لا، وَلْكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ إِ ذَاتَ لَيْلَةٍ. فَفَقَدْنَاهُ. فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الأَوْدِيَةِ
الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي الزناد موقوفاً قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار
النار قال الله لمؤمني الجن وسائر الأمم - أي من غير الإنس - : ﴿كونوا تراباً﴾، فحينئذ يقول
الكافر: يا ليتني كنت تراباً)). وروى ابن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال: ((ثواب الجن أن
يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا تراباً)) وروي عن أبي حنيفة نحو هذا القول، وذهب
الجمهور إلى أنهم يثابون على الطاعة، وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد بن
الحسن وغيرهم.
ثم اختلفوا: هل يدخلون مدخل الإنس؟ على أربعة أقوال: أحدها: نعم، وهو قول
الأكثر. وثانيها: يكونون في ربض الجنة، وهو منقول عن مالك وطائفة. وثالثها: أنهم أصحاب
الأعراف. ورابعها: التوقف عن الجواب في هذا.
وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي يوسف قال: قال ابن أبي ليلى في هذا: لهم ثواب،
قال: فوجدنا مصداق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتُ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ [سورة الأنعام، آية:
١٣٢]، ونقل عن مالك أنه استدل على أن عليهم العقاب ولهم الثواب، بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ
مَقَامَ رَیِهِ جَنََّانِ
٤٦)
﴾ [سورة الرحمن، آية: ٤٦] ثم قال: ﴿فَأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
١٣ ﴾ [سورة الرحمن،
آية: ٤٧] والخطاب للإِنس والجن، فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين، والمؤمن شأنه أن يخاف مقام ربه :
ثبت المطلوب، - والله أعلم - ، كذا في الفتح.
١٥٠ - (٤٥٠) - قوله: (قال: لا) إلخ: قال الحافظ: ((وقول ابن مسعود في هذا الحديث:
((أنه لم يكن مع النبي وَّير)) أصح مما رواه الزهري: أخبرني أبو عثمان بن شيبة الخزاعي أنه
سمع ابن مسعود يقول: ((إن رسول الله ﴿ قال لأصحابه - وهو بمكة - : من أحب منكم أن ينظر
الليلة أثر الجن فليفعل، قال: فلم يحضر منهم أحد غيري، فلما كنا بأعلى مكة خطّ لي برجله
خطأً، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق، ثم قرأ القرآن، فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه،
حتى ما أسمع صوته، ثم انطلقوا، وفرغ منهم مع الفجر، فانطلق ... )) الحديث. قال البيهقي:
يحتمل أن يكون قوله في الصحيح: ((ما صحبه منا أحد)) أراد به في حال إقرائه القرآن، لكن قوله
في الصحيح: ((إنهم فقدوه)) يدل على أنهم لم يعلموا بخروجه، إلا أن يحمل على أن الذي فقده
غير الذي خرج معه، - فالله أعلم - (قلت: ولكن يرده ما في حديث الباب: ((هل شهد أحد منكم
مع رسول الله وَ ي ليلة الجن؟ قال: لا) ولرواية الزهري متابع من طريق موسى بن علي بن رباح
عن أبيه عن ابن مسعود قال: ((استتبعي النبي و 18، فقال: إن نفراً من الجن خمسة عشر بني
إخوة وبني عم يأتونني الليلة، فأقرأ عليهم القرآن، فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد، فخطّ لي
خطّاً ... )) فذكر الحديث نحوه، أخرجه الدارقطني وابن مردويه وغيرهما، وأخرج ابن مردويه من
طريق أبي الجوزاء عن ابن مسعود نحوه مختصراً)) اهـ. كذا في الفتح.

٤١١
كتاب: الصلاة
وَالشِّعَابِ. فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ أَوِ اغْتِيلَ. قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا
هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلِ حِرَاءَ، قَالَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْنَاكَ فَطَلَبْنَاكَ فَلَمْ نَجِدْكَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ
بَاتَ بِهَا قَوْمٌ. فَقَالَ: ((أَتَانِي دَاعِي الْجِنَّ. فَذَهَبْتُ مَعَهُ. فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ)) قَالَ: فَانْطَلَقَ
◌ِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ. وَسَأَلُوهُ الزَّادَ. فَقَالَ: ((لَكُمْ كُلُّ عَظْم ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ
فِي أَيْدِيكُمْ، أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْماً. وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفْ لِدَوَابْكُمْ)).
وأخرج الترمذي في أبواب الأمثال من طريق جعفر بن ميمون عن أبي تميمة الهجيمي عن
أبي عثمان عن ابن مسعود حديثاً طويلاً، وفيه إثبات معية ابن مسعود في ليلة الجن، وحكم عليه
الترمذي بأنه حسن صحيح غريب من هذا الوجه، فالأولى أن يحمل أحاديث النفي والإثبات
على تعدد ليلة الجن، - والله أعلم - .
قوله: (استطير أو اغتيل) إلخ: أي طارت به الجن أو قتل، والغيلة بالكسر: القتل خفية.
قال الأبي: ((ولعل هذا قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة المائدة، آية:
٦٧] أو بعده، ونسوا لدهشهم، وجوزوا الأمرين، ولم يقولوا: رفع النبي وَّ كعيسى عليَّلا، ولا
ذهب ◌َّ* ليناجى كموسى ظلّلا، لأن المحب مولَّع بسوء الظن.
قوله: (فقرأت عليهم) إلخ: وفي حديث ابن عباس المتقدم أنه لم يقرأ عليهم.
قال عياض: ((فيجمع بين الحديثين بأنهما قضيتان: الأولى في بدأ الأمر حين أتوا يبحثون
عن أمره واستمعوا له. والثانية: حين أتوا ليقرأ عليهم)).
قلت: يبعد أن يكون ابن عباس لم يعلم بحديث ابن مسعود. كذا في الإكمال.
قوله: (وآثار نيرانهم) إلخ: قال الدارقطني: هنا انتهى حديث ابن مسعود فيما ذكره
أصحاب داود بن علية وغيره، وما بقي هو من قول الشعبي. قال الشعبي: ((وسألوه الزاد)) وكذا
ذكره مسلم عن إسماعيل عن داود، وأسند الكلام كله حفص عن داود، ووهم.
قال النووي: ((ومعنى أنه من كلام الشعبي أنه ليس مسنداً، وهو لم يقله إلا عن توقيف)).
قوله: (وسألوه الزاد) إلخ: يعني: ما هو المباح لهم.
٠
قوله: (كل عظم ذكر اسم الله عليه) إلخ: الأظهر في ذكر اسم الله أنه عند الأكل، لا عند
الذبح، قاله الأبي.
قوله: (أوفر ما يكون لحماً) إلخ: قلت: الأظهر أنه مما يبقى عليه بعد الأكل، ويحتمل
أن الله سبحانه يخلق ذلك لهم عليها، وانظر عليه هل يستحب أن لا تستقصى العظام بتقشير ما
عليها؟ وهل يثاب من ترك مثل ذلك لذلك؟ كذا في الإكمال.
وروى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في دلائل النبوة قال: ((إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا

٤١٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((فَلا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ)) .
١٠٠٧ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ
دَاوُدَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَأَثَّارَ نِيرَانِهِمْ.
١٠٠٨ - (٠٠٠) قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَسَأَلُوهُ الزَّادَ. وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ. إِلَى آخِرِ
الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ. مُفَصَّلاً مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ.
١٠٠٩ - (١٥١) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ عَنْ
دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ. إِلَى قَوْلِهِ: وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ.
وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
١٠١٠ - (١٥٢) حدّثنا يَحْيِىُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ، عَنْ
أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَهُ.
١٠١١ - (١٥٣) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْجَرْمِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. قَالا: حَدَّثَنَا
أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مَعْنٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي. قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقاً: مَنَ آذَنَ
النَّبِيَّ وَّهِ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ أَسْتَمَعُوا الْقُرَّآنَ؟
عليه لحمه الذي كان عليه يوم أخذ، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أكلت)).
قال القاري: ((والحبّ أعم من الشعير والتبن وغيرهما، وذلك معجزة له عليه الصلاة
والسلام)).
قوله: (فلا تستنجوا بهما) إلخ: تقدم الكلام على ذلك في الطهارة في أحاديث
الاستجمار.
( ... ) - قوله: (من جن الجزيرة) إلخ: وفي حديث أبي هريرة عند البخاري: ((أتاني وفد
جن نصیبین)) .
قال الحافظ: ((ونصيبين بكسر الباء بلدة مشهورة بالجزيرة، ووقع في كلام ابن التين أنها
بالشام، وفيه تجوز، فإن الجزيرة بين الشام والعراق، ويجوز صرف ((نصیبین)) وتركه.
١٥٢ - ( ... ) - قوله: (ووددت أني كنت معهم) إلخ: فيه الحرص على مصاحبة أهل
الفضل في أسفارهم ومهماتهم، ومشاهدهم ومجالسهم مطلقاً، والتأسف على فوات ذلك.
١٥٣ - ( ... ) - قوله: (من آذن النبي) إلخ: بالمد أي أعلمه بحضور الجن واستماعهم
القرآن.

٤١٣
كتاب: الصلاة
فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - أَنَّهُ آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ.
(٣٤) - باب: القراءة في الظهر والعصر
١٠١٢ - (١٥٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ
الْحَجَّاج، (يَعْنِي الصَّوَّافَ)، عَنْ يَحْيَى، (وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةً
وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ(١)؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ يُصَلِّي بِنَا. فَيَقْرَأُ فِي الْظُهْرِ
وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ
قوله: (آذنته بهم شجرة) إلخ: وفي بعض الروايات: ((سمرة)) أي أعلمته الشجرة بأن الجن
حضروا يستمعون القرآن.
قال النووي: ((هذا دليل على أن الله تعالى يجعل فيما يشاء من الجماد تمييزاً، ونظيره قول
الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة، آية: ٧٤] وقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىءٍ إِلَّا
يُسَيِّحُ بِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [سورة الإسراء، آية: ٤٤] وقوله وَّه: ((إني لأعرف حجراً بمكة كان
يسلم عليّ)) وحديث الشجرتين اللتين أتتاه ربَّيه، وقد ذكره مسلم في آخر الكتاب، وحديث حنين
الجذع، وتسبيح الطعام، وفرار حجر موسى بثوبه، ورجفان حراء وأحد، - والله تعالى أعلم - .
(٣٤) - باب: القراءة في الظهر والعصر
١٥٤ - (٤٥١) - قوله: (في الركعتين الأوليين) إلخ: بتحتانيتين تثنية الأولى.
قوله: (وسورتين) إلخ: أي: في كل ركعة سورة، كما في البخاري: ((بفاتحة الكتاب
وسورة سورة)) .
قوله: (ويسمعنا الآية) إلخ: قال ابن حجر: ((وهو محمول على أنه لغلبة الاستغراق في
(١) قوله: ((عن أبي قتادة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب القراءة في الظهر، رقم
(٧٥٩) وباب القراءة في العصر، رقم (٧٦٢) وباب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب، رقم (٧٧٦) وباب إذا
أسمع الإمام آية، رقم (٧٧٨) وباب يطول في الركعة الأولى، رقم (٧٧٩). والنسائي في سننه، في كتاب
الافتتاح، باب تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر، رقم (٩٧٥) وباب إسماع الإمام الآية في
الظهر، رقم (٩٧٦) وباب تقصير القيام في الركعة الثانية من الظهر، رقم (٩٧٧) وباب القراءة في الركعتين
الأوليين من صلاة الظهر، رقم (٩٧٨) وباب القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة العصر رقم (٩٧٩) وأبو
داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في القراءة في الظهر، رقم (٧٩٨) و(٧٩٩) و(٨٠٠) وابن
ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب القراءة في صلاة الفجر، رقم (٨١٩) وباب الجهر
بالآية أحياناً في صلاة الظهر والعصر، رقم (١٢٩٥) و(١٢٩٦) و(١٢٩٧) وأحمد في مسنده (٢٩٥/٥
و ٣٠١ و٣٠٥ و٣٠٧ و ٣٠٨ و٣١٠ و٣١١).

٤١٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَحْيَاناً، وَكَانَ يُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُولَىُّ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّبْحِ.
التدبر يحصل الجهر من غير قصد، أو لبيان جوازه، أو ليعلم أنه يقرأ، أو يقرأ سورة كذا ليتأسوا
به)) اهـ.
وقوله: (لبيان الجواز) إلخ: لا يجوز عندنا، إذ الجهر والإخفاء واجبان على الإمام إلا أن
يراد ببيان الجواز أن سماع الآية أو الآيتين لا يخرجه عن السر. كذا في المرقاة.
قوله: (أحياناً) إلخ: أي: نادراً من الأوقات. قال الحافظ: ((وقوله: ((أحياناً)) يدل على
تكرار ذلك منه».
قوله: (وكان يطول الركعة الأولى) إلخ: قال الشيخ تقي الدين: ((كان السبب في ذلك أن
النشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف في الثانية حذراً من الملل)) انتهى.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن يحيى في آخر هذا الحديث: ((فظننا أنه يريد بذلك أن
يدرك الناس الركعة الأولى)) ولأبي داود وابن خزيمة نحوه من رواية أبي خالد عن سفيان عن
معمر .
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: ((إني لأحب أن يطول الإمام الركعة
الأولى من كل صلاة، حتى يكثر الناس)) كذا في الفتح.
واستدل به على تطويل الأولى على الثانية، وهو قول محمد بن الحسن وغيره. قيل: وعليه
الفتوى. وفي الخلاصة: إنه أحب، وإليه جنح ابن الهمام كثَّثُ في فتح القدير. وعن أبي
حنيفة تَقْلَهُ أنه يطول في أولى الصبح خاصة، وحديث الباب يؤيد قول محمد تَّقُ .
قال الحافظ - وجمع بينه وبين حديث سعد الآتي حيث قال: ((أمدّ في الأوليين)) - ((إن
المراد تطويلهما على الأخريين لا التسوية بينهما في الطول. وقال من استحب استواءهما: إنما
طالت الأولى بدعاء الافتتاح والتعوذ، وأما في القراءة فهما سواء، ويدل عليه حديث أبي سعيد
عند مسلم: ((كان يقرأ في الظهر في الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية))، وفي رواية لابن
ماجه: ((إن الذين حزروا ذلك كانوا ثلاثين من الصحابة))، وادعى ابن حبان أن الأولى إنما طالت
على الثانية بالزيادة في الترتيل فيهما مع استواء المقروء فيهما، وقد روى مسلم من حديث
حفصة: ((أنه * كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها)).
وذهب بعض الأئمة إلى استحباب تطويل الأولى من الصبح دائماً، وأما غيرها فإن كان
يترجى كثرة المأمومين ويبادر هو أول الوقت فينتظر، وإلا فلا، وذكر في حكمة اختصاص الصبح
بذلك أنها تكون عقب النوم والراحة، وفي ذلك الوقت يواطىء السمع واللسان والقلب لفراغه،
وعدم تمكن الاشتغال بأمور المعاش وغيرها، والعلم عند الله.
قال في الدر المختار: ((وكره تحريماً إطالة ركوع أو قراءة لإدراك الجائي، أي إن عرفه،

٤١٥
كتاب: الصلاة
١٠١٣ - (١٥٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ
وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِلـ
كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَّيَيْنِ مِنَ الظُهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ. وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ
أَحْيَاناً. وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَبَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.
١٠١٤ - (١٥٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. جَمِيعاً عَنْ هُشَيْمٍ.
قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمِ،
وإلا فلا بأس به، ولو أراد التقرب إلى الله لم يكره اتفاقاً. لكنه نادر)) اهـ.
قال العلامة ابن عابدين تَخْلُ في شرحه: ((قصد الإعانة على إدراك الركعة مطلوب، فقد
شرعت إطالة الركعة الأولى في الفجر اتفاقاً، وكذا في غيره على الخلاف إعانة للناس على
إدراكها، لأنه وقت نوم وغفلة، كما فهم الصحابة ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام. وفي
المنية: ويكره للإمام أن يعجلهم عن إكمال السنة. ونقل في الحلية عن عبد الله بن المبارك
وإسحاق وإبراهيم والثوري: أنه يستحب للإمام أن يسبح خمس تسبيحات ليدرك من خلفه
الثلاث)) اهـ.
فعلى هذا إذا قصد إعانة الجائي فهو أفضل بعد أن لا يخطر بباله التودد إليه، ولا الحياء
منه، ونحوه. ولهذا نقل في المعراج عن الجامع الأصغر أنه مأجور لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى
اَلْبِ وَالنَّقْوَى﴾ [سورة المائدة، آية: ٢]، وفي أذان التتارخانية: قال: وفي المنتقى: إن تأخير المؤذن
وتطويل القراءة لإدراك بعض الناس حرام. هذا إذا مال لأهل الدنيا تطويلاً وتأخيراً يشق على
الناس.
فالحاصل أن التأخير القليل لإعانة أهل الخير غير مكروه)) اهـ. كذا في رد المحتار.
١٥٥ - ( ... ) - قوله: (بفاتحة الكتاب وسورة) إلخ: استدل به على أن قراءة سورة أفضل
من قراءة قدرها من طويلة قاله النووي. وزاد البغوي: ولو قصرت السورة عن المقروء، كأنه
مأخوذ من قوله: ((كان يفعل))، لأنها تدل على الدوام أو الغالب. قاله الحافظ.
قوله: (ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة) إلخ: أي فقط، فلا تسن قراءة السورة في
الأخريين. وأما حديث أبي سعيد الآتي الدال بظاهره على ضم السورة فيهما أيضاً فمحمول على
الجواز لا السنية.
قال في الدر المختار: ((واكتفى المفترض فيما بعد الأوليين بالفاتحة، فإنها سنة على
الظاهر، أي ظاهر الرواية، ولو زاد لا بأس به)) اهـ.
١٥٦ - (٤٥٢) - قوله: (عن منصور، عن الوليد بن مسلم) إلخ: أي: أبو الوليد بن مسلم
الغبري البصري أبو بشر التابعي.

٤١٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ(١)؛ قَالَ: كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ وَ فِي
الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيْنِ مِنَ الظّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةٍ آلم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ.
وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الأُخْرَبَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذُلِكَ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ
الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الأُخْرَبَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ. وَفِي الأُخْرَبَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النَّصْفِ مِنْ
ذُلِكَ.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: الم تَنْزِيلُ. وَقَالَ: قَدْرَ ثَلاثِينَ آيَةً .
١٠١٥ - (١٥٧) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْوَلِيدِ
أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَّرْ كَانَ يَقْرَأُ فِي
صَلاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلاثِينَ آيَّةً. وَفِي الأُخْرَبَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ
عَشْرَةَ آيَةٌ(*). أَوْ قَالَ: نَصْفَ ذُلِكَ. وَفِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ
قِرَاءَةٍ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً. وَفِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذُلِكَ.
قوله: (عن أبي الصديق) إلخ: اسمه بكر بن عمرو. وقيل: ابن قيس الناجي. منسوب إلى
ناجية قبيلة.
قوله: (كنا نحزر) إلخ: بضم الزاء وكسرها، بعدها راء، وهو التقدير والخرص، أي نقيس
ونخمن .
قوله: (الم تنزيل) إلخ: بالرفع على الحكاية، ويجوز جره على البدل، ونصبه بتقدير
((أعنى)).
قوله: (السجدة) إلخ: قال النووي: ((يجوز جرّ السجدة على البدل، ونصبها ((بأعني))،
ورفعها على خبر مبتدأ محذوف. ولا يخفى أن هذه الوجوه الثلاثة كلها مبنية على رفع تنزيل
حكاية. وأما على إعرابه فيتعين جر السجدة بالإضافة)).
قوله: (قدر ثلاثين آية) إلخ: هذا يؤيد ما قال أصحابنا أنه يقرأ في الظهر بطوال المفصل.
كما في فتح القدير.
(١) قوله: ((عن أبي سعيد الخدري)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الصلاة، باب عدد صلاة العصر
في الحضر، رقم (٤٧٦) و(٤٧٧) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب تخيف الأخريين، رقم
(٨٠٤) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيه، باب القراءة في الظهر والعصر، رقم (٨٢٨)
والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب قدر القراءة في الظهر، رقم (١٢٩٢) و(١٢٩٣) وأحمد في
مسنده (٢/٣).
(*) ظاهره أنه # كان لا يقتصر على الفاتحة في الأخريين من الظهر، بل كان يضم معها سورة، فتدبر (رف).

٤١٧
كتاب: الصلاة
١٠١٦ - (١٥٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ،
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً(١)؛ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ شَكَوْا سَعْداً إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَذَكَرُوا مِنْ
صَلاتِهِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَقَدِمَ عَلَيْهِ. فَذَكَرَ لَهُ مَا عَابُوهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ الصَّلاةِ. فَقَالَ: إِنِّي
لِأُصَلِّ بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهَِّهَ. مَا أَخْرِمُ عَنْهَا. إِنِّي لأَرْكُدُ بِهِمْ فِي الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ
١٥٨ - (٤٥٣) - قوله: (إن أهل الكوفة شكوا) إلخ: أي: بعضهم، كما هو مصرح في
الروايات. والكوفة هي البلد المعروف، وهي والبصرة من بناء عمر رضي الله وسميت كوفة
لاستدارتها، من الكوف، وهو الرمل المستدير. وقيل: لاجتماع الناس فيها، لأن الكوف هو
الرمل المستدير المتراكم بعضه فوق بعض.
قوله: (فذكروا من صلاته) إلخ: أي: عابوا منها. وجهات الشكوى كانت متعددة، ومنها
قصة الصلاة .
قال الزبير بن بكار في كتاب النسب: ((رفع أهل الكوفة عليه أشياء كشفها عمر ظله فوجدها
باطلة)) اهـ، ويقويه قول عمر رَُّبه في وصيته)) فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة)).
قوله: (فأرسل إليه عمر) إلخ: فيه استحضار من شكى به من العمال، يسأل ويعزل إن
خيف من دوام ولايته مفسدة، لأن السبب الذي عزل له سعد، لا لقادح فيه. وفي البخاري في
قضية الشورى: ((قال عمر ◌ُّه: فإن أصابت الإمارة سعداً فذاك، وإلا فليستعن به من أمِّرَ،
فإني لم أعزله عن عجز ولا عن خيانة)).
قوله: (صلاة رسول الله) إلخ: أي: مثل صلاته.
قوله: (ما أخرم عنها) إلخ: بفتح أوله وكسر الراء، أي: لا أنقص.
قوله: (لأركد بهم) إلخ: أي: أطولهما وأديمهما وأمدهما. كما قاله في الرواية الأخرى
من قولهم: ركدت السفينة والريح والماء: إذا سكن ومكث، وقوله: ((وأحذف في الأخريين))
يعني: أقصرهما عن الأوليين، لا أنه يخل بالقراءة ويحذفها كلها .
قوله: (وأحذف) إلخ: بفتح أوله وسكون المهملة، والمراد به حذف التطويل، لا حذف
أصل القراءة، فكأنه قال: ((أحذف الركود)) وفي رواية البخاري: ((وأخفّ في الأخريين)) بضم
أوله وكسر الخاء المعجمة.
(١) قوله: ((عن جابر بن سمرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب وجوب القراءة
للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت، رقم (٧٥٥) و(٧٥٨)
وباب يطوّل في الأوليين ويحذف في الأخريين، رقم (٧٧٠) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب
الركود في الركعتين الأوليين، رقم (١٠٠٣) و(١٠٠٤) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب تخفيف
الأخريين، رقم (٨٠٣) وأحمد في مسنده (١٧٥/١ و١٧٦ و١٧٩ و١٨٠).

٤١٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فِي الأُخْرَبَيْنِ. فَقَالَ: ذَاكَ الّنُّ بِكَ. أَبَا إِسْحَاقَ.
١٠١٧ - (٠٠٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدٍ
الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
١٠١٨ _ (١٥٩) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عَوْنٍ. قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ. قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ: قَدْ شَكَوْكَ فِي
كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الصَّلاةِ. قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الأُولَيَيْنِ وَأَخْذِفُ فِي الأُخْرَبَيْنِ. وَمَا أَلُو
مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلاةِ رَسُولِ اللّهِ وَهِ. فَقَالَ: ذَاكَ الّنُّ بِكَ. أَوْ ذَاكَ ظَنِّي بِكَ.
١٠١٩ - (١٦٠) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ
وَأَبِي عَوْنٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ. وَزَادَ: فَقَالَ: تُعَلِّمُنِي الأَغْرَابُ بِالصَّلاةِ؟
١٠٢٠ - (١٦١) حدّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، (يَعْنِي ابْنَ مُسْلِم)، عَنْ
سَعِيدٍ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ قَزْعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ(١)؛
قوله: (ذاك الظن بك) إلخ: أي: هذا الذي تقول ذاك الذي كنا نظنه .
قوله: (أبا إسحاق) إلخ: هي كنية سعد، كني بذلك بأكبر أولاده، وهذا تعظيم من عمر
له. وفيه دلالة على أنه لم تقدح فيه الشكوى عنده.
١٥٩ - ( ... ) - قوله: (شكوك في كل شيء) إلخ: قال المازري في كتابه الكبير: ((لم
يوقفه عمر إلا ليتحقق براءته مما طعن فيه، فبرأه مما قالوا، وكان عند الله وجيهاً)). قلت: وإنما
لم يجبه إلا عن الصلاة، لأنها أهم. كذا في الإكمال.
قوله: (وما آلو ما اقتديت) إلخ: آلو بالمد في أوله وضم اللام، أي: لا أقصر في ذلك.
ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [سورة آل عمران، آية: ١١٨] أي لا يقصرون في إفسادكم.
١٦٠ - ( ... ) - قوله: (تعلمني الأعراب) إلخ: فيه دلالة على أن الذين شكوه لم يكونوا
من أهل العلم، وكأنهم ظنوا مشروعية التسوية بين الركعات، فأنكروا على سعد التفرقة، فيستفاد
منه ذم القول بالرأي الذي لا يستند إلى أصل. وفيه أن القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار.
١٦١ - (٤٥٤) - قوله: (يعني ابن مسلم) إلخ: أي الدمشقي أبا العباس الأموي مولاهم،
الإمام الجليل المشهور، صاحب الأوزاعي.
قوله: (عن قزعة) إلخ: بفتح الزاي وإسكانها .
٠
(١) قوله: ((عن أبي سعيد الخدري)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب تطويل القيام =
:

٤١٩
كتاب: الصلاة
قَالَ: لَقَدْ كَانَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ. فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ. فَيَقْضِي حَاجَتَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ .
ثُمَّ يَأْتِي وَرَسُولُ اللّهِ وَهِ فِيَ الرَّكْعَةِ الأُولَى. مِمَّا يُطَوِّلُهَا .
١٠٢١ - (١٦٢) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةً
ابْنِ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ. قَالَ: حَدَّثَنِي قَزْعَةُ. قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدَ الْخُدْرِيَّ وَهُوَ مَكْثُورٌ
عَلَيَّهِ. فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، قُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْأَلُكَ عَمَّا يَسْأَلُكَ هَؤُلاءِ عَنْهُ. قُلْتُ: أَسْأَلُكَ
عَنْ صَلاةٍ رَسُولِ اللّهِ وَ﴿. فَقَالَ: مَالِّكَ فِي ذَاكَ مِنْ خَيْرِ. فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ. فَقَالَ: كَانَتْ
صَلاةُ الظَّهْرِ تُقَامُ. فَيَنْطَلِقُ أَحَدُنَا إِلَى الْبَقِيعَ. فَيَقْضِي حَاجَتَهُ ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَتَوَضَّأُ. ثُمَّ
يَرْجِعُ إِلَى الْمَسْجِدٍ وَرَسُولُ اللَّهِ لَّهَ فِي الرَّكْعَّةِ الأُولَى.
(٣٥) - باب: القراءة في الصبح
١٠٢٢ - (١٦٣) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ
ابْنِ جُرَيْج. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج. قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ غُبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ
قوله: (مما يطولها) إلخ: قال في الأكمال: اختلاف الروايات في القراءة وإن دل على
عدم التحديد فالأولى التخفيف، بل أحاديث الأمر بالتخفيف ظاهرة في أن التطويل لا يجوز،
وقد صرح بأنه لا يجوز.
قال أبو عمر: ((ويكفيك من أحاديث الباب غضبه وهو على من طول، وهو كان لا يغضب
إلا أن تنتهك حرمات الله عز وجل، ولا يقاس على تطويله وَل98 - كما تقدم - من أن حاله في
قراءة القرآن على الناس ليس كغيره، لا سيما وكان ولقد أحسن الناس صوتاً، وأصدقهم قلباً،
فقراءته في القلوب أوقع، والناس في سماعها أرغب، ثم إن سلم القياس فلا ينبغي أن يقرأ
بأطول من أطول ما قرأ به، وكذا لا يقرأ بأقصر من أقصر ما قرأ به)) اهـ.
١٦٢ - ( ... ) - قوله: (وهو مكثور عليه) إلخ: أي: عنده ناس كثيرون للاستفادة منه.
قوله: (مالك في ذلك من خير) إلخ: معناه أنك لا تستطيع الإتيان بمثلها لطولها وكمال
خشوعها، وإن تكلفت ذلك شق عليك، ولم تحصله، فتكون قد علمت السنة وتركتها .
٠
(٣٥) - باب: القراءة في الصبح
١٦٣ - (٤٥٥) - قوله: (أخبرني أبو سلمة بن سفيان) إلخ: ابن عبد الأشهل المخزومي،
ذكره الحاکم أبو أحمد فیمن لا يعرف اسمه.
=
في الركعة الأولى من صلاة الظهر، رقم (٩٧٤) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها،
باب القراءة في الظهر والعصر، رقم (٨٢٥) وأحمد في مسنده (٣٥/٣).
٣٠

٤٢٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
سُفْيَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُسَيَّبِ الْعَابِدِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
السَّائِبِ(١). قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ وَّرَ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ. فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ. حَتَّى جَاءَ
ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ. أَوْ ذِكْرُ عِيسَى - مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ يَشُكُّ، أَوِ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ - أَخَذَتِ
النَّبِيَّ ◌َّهِ سَعْلَةٌ،
قوله: (وعبد الله بن عمرو بن العاص) إلخ: قوله: (ابن عمرو بن العاص) وهم من بعض
أصحاب ابن جريج، وقد رويناه في مصنف عبد الرزاق عنه، فقال: عبد الله بن عمرو القاري،
وهو الصواب.
واختلف في إسناده على ابن جريج، فقال ابن عيينة: عنه عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن
السائب، أخرجه ابن ماجه. وقال أبو عاصم: عنه عن محمد بن عباد عن أبي سلمة بن سفيان أو
سفيان بن أبي سلمة. وكأن البخاري علقه بصيغة ((ويذكر)) لهذا الاختلاف، مع أن إسناده مما
تقوم به الحجة .
قال النووي: ((قوله: (ابن العاص) غلط عند الحفاظ، فليس هذا عبد الله بن عمرو بن
العاص الصحابي المعروف، بل هو تابعي حجازي)).
قوله: (العابدي) إلخ: بالباء الموحدة والدال المهملة.
قوله: (الصبح بمكة) إلخ: أي: في فتح مكة، كما صرح النسائي في روايته.
قوله: (حتى جاء ذكر موسى وهارون) إلخ: أي: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ
هَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون، آية: ٤٥].
قوله: (أو ذكر عيسى) إلخ: وهو قوله تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا أَبْنَ مَّرْتَمَ وَأَمَّهُ ءَايَةٌ﴾ [سورة المؤمنون، آية:
٥٠].
قوله: (أو اختلفوا عليه) إلخ: أي: أو اختلف الرواة على ابن عبّاد . - والله أعلم -.
قوله: (سعلة) إلخ: بفتح أوله من السعال. واستدل به على أن السعال لا يبطل الصلاة،
وهو واضح فيما إذا غلبه. قال الحافظ: ((ويؤخذ منه أن قطع القراءة لعارض السعال ونحوه أولى
من التمادي في القراءة مع السعال، أو التنحنح، ولو استلزم تخفيف القراءة فيما استحبّ فيه
تطويلها)».
(١) قوله: ((عن عبد الله بن السائب)) الحديث أخرجه البخاري تعليقاً في كتاب الأذان، باب الجمع بين السورتين
في الركعة والقراءة بالخواتيم. والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب قراءة بعض السورة رقم (١٠٠٨)
وأبو داود في سنن، في كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل، رقم (٦٤٨) و(٦٤٩) وابن ماجه في سننه،
في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب القراءة في صلاة الفجر، رقم (٨٢٠) وأحمد في مسنده (٣]
٤١١).