النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كتاب: الصلاة
يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ.
التشهد الأخير، ومواضع أخر، كما صرح بها الفقهاء رحمهم الله.
وفي الينابيع: «لو قرأ القرآن فمرّ على اسم نبي فقراءة القرآن على نظمه وتأليفه أفضل من
الصلاة على النبي ◌َّ في ذلك الوقت، فإن فرغ ففعل فهو أفضل، وإن لا فلا شيء عليه)).
وقال ابن عابدين كثّفُ: ((ويستثنى أيضاً (أي من وجوب الصلاة على النبي وَّ) ما لو
ذكره أو سمعه في القراءة، أو وقت الخطبة، لوجوب الاستماع والإنصات فيهما)) اهـ.
قلت: وما اختاره ابن الهمام من وجوب الصلاة عليه وفر كلما ذكر، ورجحه غير واحد من
أصحابنا: فحجتهم الأحاديث التي فيها الدعاء بالرغم، والإبعاد، والشقاء، والوصف بالبخل،
والجفاء، لمن ترك الصلاة عند ذكره بَّر، فإنه وعيد والوعيد على الترك من علامات الوجوب.
قال الحافظ تَّفُهُ : ((وأجاب من لم يوجب ذلك بأجوبة، منها: أنه قول لا يعرف عن أحد
من الصحابة والتابعين، فهو قول مخترع، ولو كان ذلك على عمومه للزم المؤذن إذا أذّن، وكذا
سامعه، وللزم القارىء إذا مرّ ذكره في القرآن، وللزم الداخل في الإسلام إذا تلفظ بالشهادتين،
ولكان في ذلك من المشقة والحرج ما جاءت الشريعة السمحة بخلافه، ولكان الثناء على الله
كلما ذكر أحق بالوجوب، ولم يقولوا به، وقد أطلق القدوري وغيره من الحنفية أن القول
بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله، لأنه لا يحفظ عن أحد من
الصحابة أنه خاطب النبي وهو فقال: يا رسول الله صلى الله عليك، ولأنه لو كان كذلك لم يتفرغ
السامع لعبادة أخرى.
وأجابوا عن الأحاديث بأنها خرجت مخرج المبالغة في تأكيد ذلك وطلبه، وفي حق من
اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنا .
وفي الجملة لا دلالة على وجوب تكرر ذلك بتكرر ذكره (وَل# في المجلس الواحد)) اهـ.
قوله: (فكيف نصلي عليك) إلخ: السؤال إنما وقع عن صفتها لا عن جنسها، لأن لفظ
(كيف)) ظاهر في الصفة، وذلك أنهم عرفوا المراد بالصلاة، فسألوا عن الصفة التي تليق بها
ليستعملوها .
قال الحافظ: ((والحامل لهم على ذلك أن السلام لما تقدم بلفظ مخصوص، وهو:
(«السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)) فهموا منه أن الصلاة أيضاً تقع بلفظ مخصوص،
وعدلوا عن القياس، لإمكان الوقوف على النص، ولا سيما في ألفاظ الأذكار، فإنها تجيء
خارجة عن القياس غالباً، فوقع الأمر كما فهموا، فإنه لم يقل لهم: قولوا: الصلاة عليك أيها
النبي ورحمة الله وبركاته، ولا قولوا: الصلاة والسلام عليك الخ، بل علمهم صيغة أخرى)).
قوله: (فسكت رسول الله) إلخ: وقع عند الطبري من وجه آخر في هذا الحديث: ((فسكت
حتى جاء الوحي)).

٣٢٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَتَّى تَمَنَيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((قُولُوا:
قوله: (حتى تمنينا) إلخ: إنما تمنوا ذلك خشية أن يكون لم يعجبه السؤال المذكور، لما
تقرر عندهم من النهي عن السؤال بقوله تعالى: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [سورة المائدة، آية: ١٠١].
قوله: (قولوا) إلخ: قال الشوكاني: ((استدل بذلك ((أي بصيغة الأمر)) على وجوب الصلاة
عليه وَير بعد التشهد، وإلى ذلك ذهب الشافعي، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، منهم:
مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى. قال: ولا يتم الاستدلال على وجوبها بعد التشهد بما في
حديث الباب من الأمر بها، لأن غايتها الأمر بمطلق الصلاة عليه وَطير ، وهو يقتضي الوجوب في
الجملة، فيحصل الامتثال بإيقاع فرد منها خارج الصلاة، فليس فيها زيادة على ما في قوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب، آية: ٥٦]، ولكنه يمكن
الاستدلال لوجوب الصلاة في الصلاة بما أخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي، وصححوه، وابن
خزيمة في صحيحه، والدارقطني، من حديث ابن مسعود بزيادة: ((كيف نصلي عليك إذا نحن
صلينا عليك في صلاتنا؟)) وفي رواية: ((كيف نصلي عليك في صلاتنا))، وغاية هذه الزيادة أن
يتعين بها محل الصلاة عليه وَلقر ، وهو مطلق الصلاة، وليس فيها ما يعين محل النزاع، وهو
إيقاعها بعد التشهد الأخير.
ويمكن الاعتذار عن القول بالوجوب بأن الأوامر المذكورة في الأحاديث تعليم كيفية،
وهي لا تفيد الوجوب، فإنه لا يشك من له ذوق أن من قال لغيره: إذا أعطيتك درهماً فكيف
أعطيك إياه، أسراً أم جهراً؟ فقال له: أعطنيه سراً، كان ذلك أمراً بالكيفية التي هي السرية، لا
أمراً بالإعطاء، وتبادر هذا المعنى لغة وشرعاً وعرفاً لا يدفع، وقد تكرر في السنة وكثر، فمنه:
((إذا قام أحدكم الليل فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين)). الحديث.
وكذا قوله وَّر في صلاة الاستخارة: ((فليركع ركعتين، ثم ليقل ... )) الحديث.
وكذا قوله في صلاة التسبيح: ((فقم وصل أربع ركعات)).
وقوله في الوتر: ((فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة)).
والقول بأن هذه الكيفية المسؤولة عنها هي كيفية الصلاة المأمور بها في القرآن، فتعليمها
بيان للواجب المجمل، فتكون واجبة: لا يتم إلا بعد تسليم أن الأمر القرآني بالصلاة مجمل،
وهو ممنوع. لاتضاح معنى الصلاة والسلام المأمور بهما، على أنه قد حكى الطبري الإجماع
على أن محمل الآية على الندب، فهو بيان لمجمل مندوب لا واجب، ولو سلم انتهاض الأدلة
على الوجوب لكان غايتها أن الواجب فعلها مرة واحدة، فأين دليل التكرار في كل صلاة؟ ولو
سلم وجود ما يدل على التكرار لكان تركها في تعليم المسيء دالاً على عدم وجوبه.
ومن جملة ما استدل به القائلون بوجوب الصلاة بعد التشهد الأخير: ما أخرجه الترمذي

٣٢٣
كتاب: الصلاة
اللَّهُمَّ صَلِّ
وقال: ((حسن صحيح)) من حديث علي عن النبي بَّر أنه قال: ((البخيل من ذكرت عنده فلم يصل
عليّ))، قالوا: وقد ذكر النبي في التشهد، وهذا أحسن ما يستدل به على المطلوب، لكن بعد
تسليم تخصيص البخل بترك الواجبات، وهو ممنوع، فإن أهل اللغة والشرع والعرف يطلقون اسم
البخيل على من يشحّ بما ليس بواجب، فلا يستفاد من الحديث الوجوب. قال ابن دقيق العيد:
وقد كثر الاستدلال على الوجوب في الصلاة بين المتفقهة بأن الصلاة عليه واجبة بالإجماع، ولا
تجب في غير الصلاة بالإجماع، فتعين أن تجب في الصلاة وهو ضعيف جداً، لأن قوله: ((لا
تجب في غير الصلاة بالإجماع)) إن أراد ((لا تجب في غير الصلاة عيناً)) فهو صحيح، لكن لا
يلزم منه أن تجب في الصلاة عيناً، لجواز أن يكون الواجب مطلق الصلاة، فلا يجب واحد من
المعنيين، أعني خارج الصلاة وداخل الصلاة، وإن أراد أعم من ذلك وهو الوجوب المطلق،
فممنوع))، اهـ كذا في نيل الأوطار. وقد أطال الشوكاني تقدّفُ في ردّ أدلة الموجبين إلى أن قال:
((والحاصل أنه لم يثبت عندي من الأدلة ما يدل على مطلوب القائلين بالوجوب، وعلى
فرض ثبوته فترك تعليم المسيء للصلاة لا سيما مع قوله وَّلفي: ((فإذا فعلت ذلك فقد تمت
صلاتك)) قرينة صالحة لحمله على الندب))، اهـ.
وأما عدم مشروعية الصلاة على النبي ◌ّر في القعدة الأولى: فلحديث ابن مسعود مرفوعاً
عند أحمد في مسنده، وفيه بعد ذكر التشهد: ((ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من
تشهده، وإن كان في آخرها: دعا بعد تشهده الأولى بما شاء الله أن يدعو ثم يسلم)) ذكره
الزيلعي . - والله أعلم - .
قوله: (اللهم) إلخ: هذه كلمة كثر استعمالها في الدعاء، وهو بمعنى: ((يا الله)) والميم
عوض عن حرف النداء إلا في نادر، ولا يدخلها حرف النداء إلا في نادر، وقد جاء عن الحسن
البصري: ((اللهم مجتمع الدعاء)) وعن النضر بن شميل: من قال: اللهم، فقد سأل الله بجميع
أسمائه. كذا في الفتح.
قوله: (صل) إلخ: في معنى ((الصلاة)) أقوال: أولها ما عن أبي العالية أن معنى صلاة الله
على نبيه: ثناؤه عليه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم عليه: طلب ذلك له من الله تعالى،
والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة. وقيل: صلاة الله على خلقه تكون خاصة، وتكون
عامة، فصلاته على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم: الرحمة، فهي
التي وسعت كل شيء، ونقل عياض عن بكر القشيري، قال: ((الصلاة على النبي ◌َّ من الله
تشريف وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبي رحمة. وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي وَّر وبين
سائر المؤمنين، حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَئِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [سورة الأحزاب، آية: ٥٦]
وقال قبل ذلك في السورة المذكورة: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَبِّكْتُهُ﴾ [سورة الأحزاب، آية: ٤٣]

٣٢٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي ور من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على
أن في هذه الآية من تعظيم النبي وَّر والتنويه به ما ليس في غيرها. وقال الحليمي في الشعب:
(معنى الصلاة على النبي ◌َّار تعظيمه، فمعنى قولنا: ((اللهم صل على محمد)»: عظم محمداً،
والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته
وتشفيعه في أمته وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى: ﴿صلو عليه﴾:
أدعوا ربكم بالصلاة عليه)) انتهى. ولا يعكر عليه عطف ((آله)) و((أزواجه)) و((ذريته)) عليه، فإنه لا
يمتنع أن يدعى لهم بالتعظيم، إذ تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به، وما تقدم عن أبي العالية:
أظهر، فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله تعالى، وإلى ملائكته، وإلى المؤمنين
المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيده أنه لا خلاف في جواز الترحم على غير الأنبياء.
واختلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى قولنا: اللهم صل على محمد:
اللهم ارحم محمداً، أو ترحم على محمد: لجاز لغير الأنبياء، وكذلك لو كانت بمعنى البركة،
وكذا الرحمة: لسقط الوجوب في التشهد عند من يوجبه بقول المصلي في التشهد: السلام عليك
أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويمكن الانفصال بأن ذلك وقع بطريق التعبد، فلا بد من الإتيان
به، ولو سبق الإتيان بما يدل عليه. كذا في الفتح.
وقال الحافظ ابن القيم في بدائع الفوائد: ((ورأيت لأبي القاسم السهيلي كلاماً حسناً في
اشتقاق الصلاة، وهذا لفظه:
((قال: (معنى الصلاة) اللفظة حيث تصرفت ترجع إلى الحنو والعطف، إلا أن الحنو
والعطف يكون محسوساً ومعقولاً، فيضاف إلى الله منه ما يليق بجلاله، وينفي عنه ما يتقدس
عنه، كما أن العلو محسوس ومعقول، فالمحسوس منه صفات الأجسام، والمعقول منه صفة ذي
الجلال والإكرام، وهذا المعنى كثير موجود في الصفات، والكثير يكون صفة للمحسوسات،
وصفة للمعقولات، وهو من أسماء الرب تعالى، وقد تقدس عن مشابهة الأجسام ومضاهاة
الأنام، فالمضاف إليه من هذه المعاني معقولة غير محسوسة، وإذا ثبت هذا فالصلاة كما تسمى:
عطفاً وحنواً تقول: اللهم اعطف علينا، أي ارحمنا، قال الشاعر:
عليه كما تحنو على الولد الأم
وما زلت في ليني له وتعطفي
ورحمة العباد: رقة في القلب إذا وجدها الراحم من نفسه انعطف على المرحوم وانثنى
عليه، ورحمة الله للعباد جود وفضل، فإذا صلى عليه فقد أفضل عليه وأنعم، وهذه الأفعال إذا
كانت من الله أو من العبد فهي متعدية بـ ((على))، مخصوصة بالخير، لا تخرج عنه إلى غيره، فقد
رجعت كلها إلى معنى واحد، إلا أنها في معنى الدعاء، والرحمة: صلاة معقولة، أي انحناء
معقول غير محسوس، ثمرته من العبد: الدعاء، لأنه لا يقدر على أكثر منه، وثمرته من الله:

٣٢٥
كتاب: الصلاة
عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلٍ مُحَمَّدٍ.
الإحسان والإنعام، فلم تختلف الصلاة في معناها، إنما اختلفت ثمرتها الصادرة عنها، والصلاة
التي هي الركوع والسجود انحناء محسوس، فلم يختلف المعنى فيها إلا من جهة المعقول
والمحسوس، وليس ذلك باختلاف في الحقيقة، ولذلك تعدت كلها بـ ((على)) واتفقت في اللفظ
المشتق من الصلاة، ولم يجز صليت على العدو: أي دعوت عليه، فقد صار معنى الصلاة أرق
وأبلغ من معنى الرحمة، وإن كان راجعاً إليه، إذ ليس كل راحم ينحني على المرحوم، ولا
ینعطف علیه)).
قوله: (على محمد) إلخ: هو علم منقول من اسم المفعول المضعف، سمي به بإلهام
من الله لجده عبد المطلب، ليحمده أهل السماء والأرض، وقد حقق الله رجاءه، ومن ثم كان
يقول - كما أخرجه البخاري في تاريخه . .
وشق له من اسمه ليجله
فذو العرش محمود وهذا محمد
وهو أشهر أسمائه، لأن الله جمع له من المحامد وصفات الحمد ما لم يجمعه لغيره، ومن
ثم كان بيده لواء الحمد، وكان صاحب المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون،
وألهم من مجامع الحمد حين يسجد بين يدي ربه للشفاعة العظمى في فصل قضاء التي هي
المقام المحمود ما لم يفتح به عليه قبل ذلك، وسميت أمته، الحمادون، لحمدهم على السراء
والضراء.
وأما أحمد فلم يسم به غيره قط، وأما ((محمد)» فكذلك قبل أوان ظهوره، وبعده مد أناس
أعناقهم إلى رجائها غفلة عن أن الله أعلم حيث يجعل رسالته، فسموا أبناءهم محمداً، حتى
بلغوا خمسة عشر نفساً، هذا. كذا في المرقاة.
تحقيق لفظ الآل ومعناه:
قوله: (آل محمد) إلخ: قال العلامة المحقق ابن أمير الحاج كثّفُ: ((قد اختلف في أصل
((الآل))، فسيبويه والبصريون: ((أهل)) فأبدلت الهاء همزة، ثم أبدلت الهمزة ألفاً، والكسائي
ويونس وغيرهما: ((أول)) قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، كما في ((قال)) وهذا هو
الصحيح (وهو المحقق عند الحافظ ابن تيمية في فتاواه).
أما أولاً: فلأن هذا الانقلاب قياس مطرد في الأسماء والأفعال، حتى صار من أشهر
قواعد التصريف والاشتقاق، بخلاف انقلاب الهاء همزة، حتى قال الإمام أبو شامة: إنه مجرد
دعوى، وحكمة العرب تأباه، إذ كيف يبدل من الحرف السهل - وهو الهاء - حرف مستثقل - وهو
الهمزة التي عادتهم الفرار منها حذفاً وإبدالاً وتسهيلاً - مع أنهم إذا أبدلوا الهاء همزة في هذا
المكان فهي في موضع لا يمكن إثباتها فيه، بل يجب قلبها ألفاً، فأي حاجة إلى اعتقاد هذا
التكثير من التغيير بلا دليل: ولا يشكل ((بماء)) لقيام الدليل على إبدال الهاء فيه همزة، ليقوى على

٣٢٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الإعراب، وأما ((أرقت)) فالهاء فيه بدل من الهمزة لا بالعكس.
وأما ثانياً: فلإختلافهما استعمالاً، مع عدم الموجب لذلك فيما يظهر، فإن ((الآل)) لم
يسمع إلا مضافاً إلى معظم ذي عِلْم عَلَم أو ما جرى مجراه، ليصلح أن يكون مرجعاً ومآلاً،
بخلاف ((الأهل)) فإنه يضاف إلى معظم وغير معظم ذي علم وغير ذي علم علماً ونكرة، ومن ثمة
يقال: آل محمد، وآل إبراهيم، ولا يقال: آل ضعيف، ولا آل الدار، ويقال: أهل ضعيف وأهل
الدار.
وأما قول عبد المطلب في الاستغاثة بالله على أصحاب الفيل:
ــه اليوم آلك
وانصر على آل الصليب
فالظاهر أنه على سبيل المشاكلة كما في: ﴿تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَاَ أَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِكٌ﴾ [سورة
المائدة، آية: ١١٦] والأصل في الاسمين إذا اتحدا أن يتساويا في الاستعمال إلا الموجب، ولا
موجب ههنا فيما يظهر.
وبهذا يندفع ما احتج به القائلون أن أصله ((أهل)) من أنه سمع في تصغيره ((أهيل)) لا ((أويل))
والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها .
ووجه اندفاعه أنه لم يسمع مصغراً بالشروط المذكورة، وإنما سمع في نحو: ((يا أهيل
الحمى))، ((يا أهيل النقى)) وقد عرفت من أنه لا يقال: ((آل الدار)) بل يقال: ((أهلها)) إنه لا يقال:
(آل الحمى والنقى))، بل «أهلهما)) فأهيل الحمى والنقى: تصغير أهل حينئذ، لا آل، وكأن
اختصاصه بذوي الخطر من ذوي العلم الأعلام منع من ذلك، ويبقى بعد هذا علاوة ما ذكر
الكسائي أنه سمع أعرابياً فصيحاً يقول: ((أويل)) في تصغير ((آل)).
وأما ثالثاً: فلأن الآل إذا ذكر مضافاً إلى من هو له ولم يذكر من هو له معه مفرداً أيضاً تناوله
الآل، كما يشهد به كثير من المواقع، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْفَاَ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِاَلْسِنِينَ﴾ [سورة الأعراف،
آية: ١٣٠] ﴿أَدْخِلُوَاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [سورة غافر، آية: ٤٦] إذ لا ريب في دخول فرعون في ((آله))
في كلتا الآيتين، وكما في الصحيحين في صفة الصلاة على النبي وَلو أنه وَّر علمهم أن يقولوا:
((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم)) فإن إبراهيم داخل فيمن
صلى الله عليه، بل هو الأصل المستتبع لسائر آله، وما فيهما أيضاً عن عبد الله بن أبي أوفى أن أباه
أتى النبي ◌َّه بصدقة، فقال: ((اللهم صلي على آل أبي أوفى)). ومعلوم أن أبا أوفى هو المقصود
بالذات بهذه الدعوة، ولا كذلك ((الأهل)) إذ لو قيل مثلاً: جاء أهل زيد، لم يدخل زيد فيهم،
واختلف في المراد بهم في مثل هذا الموضع، فالأكثرون أنهم قرابته الذين حرمت عليهم الصدقة
على الاختلاف فيهم، وقيل: جميع أمة الإجابة، وإلى هذا مال مالك على ما ذكر ابن العربي،

٣٢٧
كتاب: الصلاة
كَمَا صَلَّيْتَ
واختاره الأزهري، ثم النووي في شرح مسلم وقيل غير ذلك))، اهـ. وهو اختيار الأزهري وغيره
من المحققين، وإليه ذهب نشوان الحميري إمام اللغة، ومن شعره في ذلك:
من الأعاجم والسودان والعرب
آل النبي هم أتباع ملته
صلى المصلي على الطاغي أبي لهب
لو لم يكن آله إلا قرابته
ويدل على ذلك أيضاً قول عبد المطلب من أبيات:
وعابديه اليوم آلك
وانصر على آل الصليب
والمراد بآل الصليب: أتباعه، ومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى: ﴿أَدْخِلُواْ ءَلَ فِرْعَوْنَ
أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [سورة غافر، آية ٤٦]لأن المراد بآله: أتباعه، واحتج لهذا القول بما أخرجه الطبراني
أن النبي *** لما سئل عن الآل، قال: ((آل محمد كل تقي)) وروي هذا من حديث علي، ومن
حديث أنس، وفي أسانيدها مقال، ويؤيد ذلك معنى الآل لغة، فإنهم - كما قال في القاموس .
أهل الرجل وأتباعه. ولا ينافي هذا اقتصاره و # على البعض منهم في بعض الحالات. (كذا في
نيل الأوطار) وفيه أقوال أخر تركناها مخافة التطويل.
قوله: (كما صليت) إلخ: اشتهر السؤال عن موقع التشبيه مع أن المقرر أن المشبه دون
المشبه به، والواقع هنا عكسه، لأن محمداً بَّله وحده أفضل من آل إبراهيم، ومن إبراهيم، ولا
سيما قد أضيف إليه آل محمد، وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة
حصلت أو تحصل لغيره. وأجيب عن ذلك بأجوبة:
منها أن التشبيه إنما هو الأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا القدر بالقدر، فهو كقوله تعالى:
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [سورة النساء، آية: ١٦٣] وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْضِيَامُ كَمَا
كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [سورة البقرة، آية: ١٨٣] وهو كقول القائل: أحسن إلى ولدك كما
أحسنت إلى فلان. ويريد بذلك أصل الإحسان لا قدره، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَّ أَحْسَنَ
اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [سورة القصص، آية: ٧٧] ورجح هذا الجواب القرطبي في المفهم.
ومنها بدفع المقدمة المذكورة، وهي أن المشبه به يكون أرفع من المشبه، وأن ذلك ليس
مطرداً، بل قد يكون التشبيه بالمثل، بل وبالدون، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ﴾ [سورة
النور، آية: ٣٥] وأين يقع نور المشكاة من نوره تعالى، ولكن لما كان المراد من المشبه به أن يكون
شيئاً ظاهراً واضحاً للسامع: حسن تشبيه النور بالمشكاة، وكذا هنا لما كان تعظيم إبراهيم وآل
إبراهيم بالصلاة عليهم مشهوراً واضحاً عند جميع الطوائف: حسن أن يطلب لمحمد وآل محمد
بالصلاة عليهم مثل ما حصل لإبراهيم وآل إبراهيم، ويؤيد ذلك ختم الطلب المذكور بقوله: ((في
العالمين)) أي كما أظهرت الصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، ولهذا لم يقع

٣٢٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قوله: ((في العالمين)) إلا في ذكر آل إبراهيم، دون ذكر آل محمد، على ما وقع في الحديث الذي
ورد فيه، وهو حديث أبي مسعود فيما أخرجه مالك ومسلم وغيرهما .
وعبر الطيبي عن ذلك بقوله: ((ليس التشبيه المذكور من باب إلحاق الناقص بالكامل، بل
من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر)).
وقال الحليمي: ((سبب هذا التشبيه أن الملائكة قالت في بيت إبراهيم: ﴿رَحْمَتُ اُللَّهِ وَبَرَكَتُهُ
عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِّ إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِيدٌ﴾ [سورة هود، آية: ٧٣] وقد علم أن محمداً وآل محمد من أهل بيت
إبراهيم، فكأنه قال: أجب دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك في محمد وآل محمد، كما أجبتها
عند ما قالوها في آل إبراهيم الموجودين حينئذ، ولذلك ختم بما ختمت به الآية، وهو قوله:
«إنك حمید مجید)).
وقال ابن القيم: ((والأحسن أن يقال: هو ◌َّر من آل إبراهيم، وقد ثبت ذلك عن ابن
عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿٤) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْزَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ
(10) [سورة آل عمران، آية: ٣٣] قال: ((محمد من آل إبراهيم، فكأنه أمرنا أن نصلي على محمد
وعلى آل محمد خصوصاً، بقدر ما صلينا عليه مع إبراهيم وآل إبراهيم عموماً، فيحصل لآله ما
يليق بهم، ويبقى الباقي كله له، وذلك القدر أزيد مما لغيره من آل إبراهيم قطعاً، ويظهر حينئذ
فائدة التشبيه، وأن المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من المطلوب لغيره من الألفاظ)).
قال الحافظ: ((ووجدت في مصنف لشيخنا مجد الدين الشيرازي اللغوي (صاحب
القاموس) جواباً آخر نقله عن بعض أهل الكشف، حاصله: أن التشبيه لغير اللفظ المشبه به لا
لعينه، وذلك أن المراد بقولنا: ((اللهم صل على محمد)»: اجعل من أتباعه من يبلغ النهاية في أمر
الدين، كالعلماء بشرعه بتقريرهم أمر الشريعة، ((كما صليت على إبراهيم)) بأن جعلت في أتباعه
أنبياء يقررون الشريعة. والمراد بقوله: ((وعلى آل محمد)): اجعل من أتباعه ناساً محدَّثين - بالفتح -
يخبرون بالمغيبات، ((كما صليت على إبراهيم)) بأن جعلت فيهم أنبياء يخبرون بالمغيبات.
والمطلوب حصول صفات الأنبياء لآل محمد، وهم أتباعه في الدين كما كانت حاصلة بسؤال
إبراهيم.
وهذا محصل ما ذكره، وهو جيد إن سلم أن المراد بالصلاة هنا ما ادعاه، - والله أعلم - ))
كذا في الفتح.
قلت: إذا كان شيء تحته أنواع أو أصناف، وابتغي منها بعضها فنأخذ فرداً من أفراد ذلك
البعض، حقيراً أو جليلاً، ونقول: نبغي مثل هذا مثلاً إذا شئنا أن نشتري نوعاً خاصاً من
الثياب، فنعرض أنموذجاً، وهي ربما تكون خرقة قصيرة، ونقول: هات طاقة كهذا الثوب،

٣٢٩
كتاب: الصلاة
عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ. وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، في
فليس المراد تشبيه طاقة من الثياب بتلك الخرقة في القدر والقيمة، بل المقصود تعيين نوع من
أنواع الثياب بأخصر طريق وأوضحه، فإن العبارات مع طولها لعلها لا تكاد تضبط جميع أوصاف
الثوب المطلوب، فهكذا ينبغي أن يفهم أن للصلاة والبركة مفهوماً شاملاً لأنواع من الثناء
والرحمة، وأقسام من الحنو والبركة، قال تعالى في حق كافة الصابرين: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن
زَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [سورة البقرة، آية: ١٥٧] وخاطب المؤمنين بقوله: ﴿هُوَ اُلَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ﴾ [سورة
الأحزاب، آية: ٤٣] وقال في نبيه وَِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَبِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [سورة الأحزاب، آية: ٥٦]
وقال في قصة نوح: ﴿أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِنَّا وَبَرَّكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَرٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾ [سورة هود، آية: ٤٨]
وقال في إبراهيم: ﴿وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَّ إِسْحَقْ﴾ [سورة الصافات، آية: ١١٣] وقال في عيسى حكاية عنه:
﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [سورة مريم، آية: ٣١] وقال لامرأة إبراهيم على لسان الملائكة:
﴿رَحْمَتُ اَللَّهِ وَبَكَتُمُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِّ إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِيدٌ﴾ [سورة هود، آية: ٧٣] والمطلوب هنا نوع من
الصلاة والبركة خاص أفيض من الله سبحانه وتعالى على إبراهيم الخليل وآله وكلير ، فالتشبيه
بطريق ذكر الأنموذج للصلاة والبركة اللتين نلتمسهما في حق محمد و طيور وآله. وهذا لا يدل على
أفضلية المشبه به في الكم أو الكيف من المشبه، - والله أعلم - .
وهذا الجواب مما قرره شيخ شيخنا قاسم العلوم والخيرات نوّر ضريحه، ولعله يرجع بعد
التأمل إلى إحدى الأجوبة التي نقلناها من الفتح.
وخص إبراهيم بالتشبيه دون غيره لمناسبة ومشابهة خاصة بينه وبين نبينا وَل، فـ ﴿إِنَّ أَوْلَى
(٦٨)﴾ [سورة آل عمران، آية: ٦٨].
النَّاسِ بِإِنَهِيمَ لَّذِينَ أَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
قوله: (على آل إبراهيم) إلخ: هم ذريته المسلمون بل المتقون من إسماعيل وإسحاق، وإن
ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير سارة وهاجر فهم داخلون لا محالة، والتقييد بالمتقين لقوله
تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ﴾ [سورة البقرة، آية: ١٢٤] جواباً عن قول إبراهيم: ((ومن ذريتي))،
- والله أعلم - .
تنبيه:
ادعى ابن القيم أن أكثر الأحاديث بل كلها مصرحة بذكر محمد وآل محمد، وبذكر آل
إبراهيم فقط، أو بذكر إبراهيم فقط، ولم يجىء في حديث صحيح بلفظ ((إبراهيم وآل إبراهيم))
معاً .
قال الحافظ تختثُ : ((وغفل عما وقع في صحيح البخاري في أحاديث الأنبياء في ترجمة
إبراهيم لل من حديث كعب بن عجرة: «كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد
مجيد) وكذا في قوله: ((كما باركت)) وكذا وقع في حديث أبي مسعود البدري من طريق محمد بن
إسحاق عند الطبري)).

٣٣٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ)).
٩٠٧ - (٦٦) حَدَّثَنَا مَحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)،
قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَم. قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى.
قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ(١) فَقَالَ: أَلا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةٌ؟ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّه
قوله: (إنك حميد) إلخ: فعيل من الحمد، بمعنى محمود، وأبلغ منه، وهو من حصل له
صفات الحمد أكملها. وقيل: هو بمعنى الحامد. أي: يحمد أفعال عباده.
قوله: (مجيد) إلخ: من المجد، وهو صفة من كمل في الشرف، وهو مستلزم للعظمة
والجلال، كما أن الحمد يدل على صفة الإكرام. ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين
العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه، وثناؤه عليه، والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما
يستلزم طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذييل له.
والمعنى أنك فاعل ما تستوجب به الحمد من النعمة المترادفة، كريم بكثرة الإحسان إلى جميع
عبادك.
قوله: (والسلام كما قد علمتم) إلخ: أي: في التشهد، وهو قولهم: ((السلام عليك أيها
النبي ورحمة الله وبركاته)) وقوله: ((علمتم)) هو بفتح العين وكسر اللام المخففة، ومنهم من رواه
بضم العين وتشديد اللام، أي علمتكموه، وكلاهما صحيح.
٦٦ - (٤٠٦) - قوله: (عن الحكم) إلخ: وهو ابن عتيبة بمثناة وموحدة، مصغر، فقيه
الكوفة في عصره.
قوله: (سمعت ابن أبي ليلى) إلخ: هو عبد الرحمن بن أبي ليلى، تابعي كبير.
قوله: (فقال: ألا أهدي) إلخ: أخرجه الطبري بلفظ ((إن كعباً قال له وهو يطوف بالبيت)).
(١) قوله: ((كعب بن عجرة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأنبياء، باب (بلا ترجمة، قبل
باب قول الله عز وجل: ﴿نبّئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه﴾ رقم (٣٣٧٠) وفي كتاب التفسير، تفسير
سورة الأحزاب، باب ﴿إِنَّ اللَّهُ وَمَلائِكَتَهِ يُصَلُّوْنَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾،
رقم (٤٧٩٧) وفي كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي ◌َّر، رقم (٦٣٥٧) والنسائي في سننه، في كتاب
الافتتاح، باب نوع آخر (أي من الصلاة على النبي صل®) رقم (١٢٨٨) و(١٢٨٩) و(١٢٩٠) وأبو داود في
سننه، في كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ◌َّر، رقم (٩٧٦) و(٩٧٧) و(٩٧٨) والترمذي في جامعه،
في كتاب الصلاة، باب ما جاء في صفة الصلاة على النبي وَط9، رقم (٤٨٣) وابن ماجه في سننه في كتاب
إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الصلاة على النبي 8* رقم (٩٠٤) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة،
باب الصلاة على النبي ◌َّر، رقم (١٣٤٨) وأحمد في مسنده (٢٤٤/٤ و٣٤٣).

٣٣١
كتاب: الصلاة
فَقُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلُّ عَلَى
مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى
مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ. كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)).
٩٠٨ - (٦٧) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةً وَمِسْعَرٍ
عَنِ الْحَكَم. بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ مِسْعَرٍ: أَلا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةٌ.
٩٠٩ - (٦٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الأَعْمَشِ،
وَعَنْ مِسْعَرٍ، وَعَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:
(وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ)) وَلَمْ يَقُلِ: ((اللَّهُمَّ).
٩١٠ - (٦٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ.
ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لَهُ)، قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَّنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ. أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدِ السَّاعِدِيُّ(١)؛
أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى
أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ. كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ. وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرْيَتِهِ. كَمَا
بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ. إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)).
قوله: (فقلنا قد عرفنا) إلخ: الإتيان بصيغة الجمع إن ثبت أن السائل كان متعدداً فواضح،
وإن ثبت أنه كان واحداً فالحكمة فيه الإشارة إلى أن السؤال لا يختص به بل يريد نفسه ومن
يوافقه على ذلك.
٦٩ - (٤٠٧) - قوله: (عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه) إلخ: هو أبو بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم الأنصاري، مختلف في اسمه، وقيل: کنیته اسمه.
قوله: (وذريته) إلخ: بضم المعجمة، وحكي كسرها، هي النسل، وقد يختص بالنساء
والأطفال، وقد يطلق على الأصل.
قال الحافظ تتَّثُ: ((إن أكثر الأحاديث جاء بلفظ ((وآل محمد)) وجاء في حديث أبي حميد
(١) قوله: ((أبو حميد الساعدي)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأنبياء، باب (بدون ترجمة
قبل باب قول الله عز وجل: ﴿ونبّئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه﴾ رقم (٣٣٦٩) وفي كتاب الدعوات،
باب هل يصلّي على غير النبي ◌َ غيره، رقم (٦٣٦٠) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب نوع آخر (أي
من الصلاة على النبي (18) رقم (١٢٩٥) وأبو داود في سننه في كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ◌َ ◌ّ
بعد التشهد، رقم (٩٧٩) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الصلاة على
النبي چ*، رقم (٩٠٥) وأحمد في مسنده (٤٢٤/٥).

٣٣٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٩١١ - (٧٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَأَبْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ
(وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُهُ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ:
((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْراً)) .
(حديث الباب) موضعه: ((وأزواجه وذريته)) فدل على أن المراد بالآل الأزواج والذرية. وتعقب
بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة في حديث أبي هريرة، فيحمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظه
غيره، فالمراد بالآل في التشهد الأزواج، ومن حرمت عليهم الصدقة، ويدخل فيهم الذرية،
فبذلك يجمع بين الأحاديث، وقد أطلق على أزواجه ون له: ((آل محمد)» في حديث عائشة: ((ما
شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثاً)) وكأن الأزواج أفردوا بالذكر تنويهاً بهم، وكذا الذرية،
واستدل بهذا الحديث على جواز الصلاة على غير النبي وي لتر تبعاً.
قال عياض تخلفُ: ((والصلاة على غير الأنبياء استقلالاً لم تكن من الأمر المعروف)).
وقال ابن القيم: ((المختار أن يصلى على الأنبياء والملائكة، وأزواج النبي ◌َّر وآله وذريته
وأهل الطاعة على سبيل الإجمال، وتكره في غير الأنبياء لشخص مفرد بحيث يصير شعاراً، ولا
سيما إذا ترك في حق مثله أو أفضل منه كما يفعله الرافضة، فلو اتفق وقوع ذلك مفرداً في بعض
الأحايين من غير أن يتخذ شعاراً لم يكن به بأس، ولهذا لم يرد في حق غير من أمر النبي وَلّ بقول
ذلك لهم، وهم من أدى زكاته، إلا نادراً كما في قصة زوجة جابر وآل سعد بن عبادة)). كذا في
الفتح.
٧٠ - (٤٠٨) - قوله: (صلى عليّ واحدة) إلخ: مقتضى اللفظ أنه بأي لفظ كانت الصلاة،
وإن كان الراجح ما تقدم من الصفة، لأنه * علمها لأصحابه بعد سؤالهم عنها، ولا يختار
لنفسه إلا الأشرف الأفضل. قاله الأبي، إلا أنه ورد في حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((من سره أن
يكال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا فليقل: اللهم صلِّ على محمد النبي، وأزواجه أمهات
المؤمنين، وذريته، وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) رواه أبو داود
وسكت عنه هو والمنذري، ورواه النسائي من حديث علي كرم الله وجهه، فهذا يشعر بكون هذه
الصيغة أوفى وأكمل في خارج الصلاة . - والله أعلم - .
قوله: (صلى الله عليه عشراً) إلخ: وعن أبي بردة بن نيار عند النسائي: ((من صلى عليّ من
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب الفضل في الصلاة على
النبي ◌َ﴾، رقم (١٢٩٧) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في الاستغفار، رقم (١٥٣٠)
والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي وَّر، رقم (٤٨٥)
والدارمي في سننه، في كتاب الرقاق، باب في فضل الصلاة على النبي ◌َّر، رقم (٢٧٧٥) وأحمد في
مسنده (٣٧٢/٢ و٤٨٥).

كتاب: الصلاة
٣٣٣
(١٨) - باب: التسميع والتحميد والتأمين
٩١٢ - (٧١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي
صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ لهِ قَالَ: (إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ.
فَقُولُوًّا: اللَّهُمَّ رَبَّا لَكَ الْحَمْدُ. فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلائِكَةِ. غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
٩١٣ - (٠٠٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ)، عَنْ
سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُمَيٍّ.
٩١٤ - (٧٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(٢)؛ أَن
رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ
أمتي صلاة مخلصاً من قلبه: صلى الله عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر درجات، وكتب
له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات)).
قال الحليمي: ((المقصود بالصلاة على النبي ◌َّليل التقرب إلى الله بامتثال أمره وقضاء حق
النبي ◌َّ﴿ علينا)). وتبعه ابن عبد السلام، فقال: ((ليست صلاتنا على النبي وَلهو شفاعة له، فإن
مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء،
فأرشدنا الله لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه)).
وقال ابن العربي: ((فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يصلي عليه لدلالة ذلك على نصوع
العقيدة وخلوص النية وإظهار المحبة والمداومة على الطاعة والاحترام للواسطة الكريمة وَلقر)).
(١٨) - باب: التسميع والتحميد والتأمين
٧٢ - (٤١٠) - قوله: (إذا أمّن الإمام) إلخ: استدل به الإمام البخاري وغيره على الجهر
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب فضل ((اللهم ربنا لك
الحمد) رقم (٧٩٦) وفي كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم ((آمين)) والملائكة في السماء، فوافقت
إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، رقم (٣٢٢٨). والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب قوله
ربنا ولك الحمد، رقم (١٠٦٤) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من
الركوع، رقم (٨٤٨) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب منه آخر (بعد باب ما يقول الرجل إذا
رفع رأسه من الركوع) رقم (٢٦٧) وأحمد في مسنده (٤٥٩/٢).
(٢) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين،
رقم (٧٨٠) وفي كتاب الدعوات، باب التأمين، رقم (٦٤٠٢) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب
جهر الإمام بآمين، رقم (٩٢٦ - ٩٢٩) وباب الأمر بالتأمين خلف الإمام، رقم (٩٣٠) وباب فضل =
٠

٣٣٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَأَمِّنُوا.
بالتأمين للإمام، لأنه علق تأمين المأمومين بتأمينه، وأنهم لا يعلمون تأمينه إلا أن يسمعوا تأمينه.
ويجاب بأن الجمهور حملوا قوله: ((إذا أمن)) على المجاز للجمع بينه وبين قوله وَلقر: ((إذا
قال الإمام: ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين)) قالوا: بأن المراد إذا أراد التأمين، وهذا كما قال
الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الضَّلَوَةِ﴾ [سورة المائدة، آية: ٦] أي إذا أردتم إقامة الصلاة.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: ((قالوا: فالجمع بين الروايتين يقتضي حمل قوله: ((إذا
أمّن)) على المجاز)).
وقال السيوطي في تنوير الحوالك: ((والجمهور على القول الأخير، لكن أوّلوا قوله: ((إذا
أمّن)) على أن المراد إذا أراد التأمين، ليقع تأمين الإمام والمأموم معاً، فإنه يستحب فيه
المقارنة)). انتهى.
قلت: فإذا كان معناه: إذا أراد التأمين لا يستفاد منه الجهر بالتأمين للإمام.
فإن قلت: فحينئذ لا يدري وقت تأمين الإمام؟ قلت: موضعه معلوم قد يعلم ذلك في
الجهر بالسكوت عند قوله: ﴿ولا الضالين﴾ وإلا لكان إحالته ◌َّ ر تحيّن المقتدي على قول
الإمام: ((ولا الضالين)) عبئاً (معاذ الله).
قال العلامة ابن دقيق العيد المالكي الشافعي في شرح العمدة: ((وأما دلالة الحديث على
الجهر بالتأمين فأضعف من دلالته على نفس التأمين قليلاً، لأنه قد يدل دليل على تأمين الإمام
من غیر جهر)) انتهى كلامه.
الأمر بالتأمين هل هو للوجوب أو الندب، وأقوال الأئمة في أن المقتدي
يقول آمين جهراً أم سراً والترجيح لما اختاره الحنفية رحمهم الله
قوله: (فأمنوا) إلخ: هذا الأمر عند الجمهور للندب، وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل
العلم وجوبه على المأموم عملاً بظاهر الأمر، قال: وأوجبه الظاهرية على كل مصلٍّ. وقال
مالك: يؤمن المقتدي فقط سراً، وهكذا مروي عن أبي حنيفة في موطأ محمد، والرواية الثانية
عن أبي حنيفة - وهو مختار صاحبيه - أن يأتي به الإمام والمقتدي سراً، والقول القديم للشافعي
أن يجهر الإمام ويسر القوم، وفي الجديد جهرهما به، وبه قال أحمد بن حنبل، ولم أجد تصريح
الجهر عن الموالك بل صرح في المدونة بالإخفاء. وأما السلف الصالحون فإلى الطرفين،
التأمين، رقم (٩٣١). وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب التأمين وراء الإمام، رقم (٩٣٤)
=
و(٩٣٥) و(٩٣٦) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل التأمين، رقم (٢٥٠) وابن
ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الجهر بآمين، رقم (٨٥١) و(٨٥٢). والدارمي في
سنته، في كتاب الصلاة، باب في فضل التأمين، رقم (١٢٤٨) و(١٢٤٩) وأحمد في مسنده (٤٥٩/٢).

٣٣٥
كتاب: الصلاة
والأكثر هو الإخفاء عند السلف، ذكره في الجوهر النقي عن ابن جرير الطبري: ((فكان هو
السنة، والجهر جائزاً غير سنة)). قيل: المراد بمد الصوت في الحديث مدّ الألف، لا رفع
الصوت، والحال أن رفع الصوت مصرح في الصحاح. كذا في العرف الشذي.
قال الشيخ الأنور أطال الله بقاءه: ((وإني أرى أن حديث ((وإذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾، فقولوا: آمين)) وحديث ((إذا أمن الإمام فأمنوا)) حديثان، ودل الاعتبار في
الطرق والألفاظ أن قوله: ((وإذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قطعة من حديث ((إنما جعل
الإمام ليؤتم به)) اهـ. وبناءه على ترك القراءة من المقتدي، وأما قوله: ((إذا أمّن الإمام)) إلخ: فلم
يقع قطعة من حديث الائتمام، وإنما جاء مستقلاً برأسه، ويبتنى عليه أن ((إذا)) في الأول ظرفية،
وفي الثاني شرطية، إلا إذا أخذناه على ما في الدر المختار من أنه تعليق بمعلوم الوجود، وأن
بناء الأول على إخفاء ((آمين)) بخلاف الثاني، ولم أر في ألفاظ أحاديث الائتمام مع كثرتها التعبير
إلا بقوله: ((وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين)) لا بقوله: ((إذا أمن الإمام
فأمنوا)).
وفي معالم السنن: ((قال الشيخ: قد احتج به من ذهب إلى أنه لا يجهر بآمين، وقال: ألا
ترى أنه جعل وقت فراغ الإمام من قوله: ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وقتاً لتأمين القوم، فلو كان الإمام
يقوله جهراً لاستغنى بسماع قوله عن التحين له بمراعات وقته)) اهـ.
ثم قال: واعلم أن حديث: ((إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾،
فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين)) جملة من حديث ((إنما جعل
الإمام ليؤتم به)) جاء لبيان مسألة التأمين وموضعه، وأما بيان فضيلته فاستطراد، ولم يرد ((إذا قال
وأمّن)) تقديراً في العبارة وإلا لغا الجملة الأولى ولكفى الثانية، وقال: فإن الإمام يقول: آمين،
لأنه لا ينوه (أي قوله: ((أمن)) أولاً، وهذا إذن لا يدل على الجهر، بل يشعر ببناءه على الإخفاء،
وهذا الحديث أمسّ ببيان متعلقات المسألة، فينبغي أن تبتنى المسألة عليه، وأما حديث ((إذا أمن
الإمام فأمنوا)) فهو حديث مستقل برأسه في الحث عليه، وبيان الفضيلة قصداً لا بيان الموضع،
فلذا لم يذكره، فلم يكن بد من أن يعبر بقوله: ((إذا أمن)) لأنه لم يذكر الموضع ولم يسقه له،
فهذا هو وجه التعبير به، لا لأنه بني على الجهر.
هذا وفي تفسير الفاتحة والبقرة لصاحب الطريقة المحمدية من محققي المتأخرين من
الحنفية: ((وما روي عن النبي ◌َّ﴿ أنه رفع صوته به بعد ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فمحمول على
التعليم)) اهـ. وهو كما ذكره صاحب الهداية في الجهر بالبسملة.
وقال في الهدي من بحث القنوت: «فإذا جهر به الإمام أحياناً ليعلم المأمومين فلا بأس
بذلك، فقد جهر عمر بالافتتاح، ليعلم المأمومين، وجهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة

٣٣٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الجنازة، ليعلمهم أنها سنة، ومن هذا جهر الإمام بالتأمين، وهذا من الاختلاف المباح الذي لا
یعنف فيه من فعله، ولا من تركه، وهذا کرفع اليدين في الصلاة وتركه)) اهـ.
فقوله في الحديث: ((وإن الإمام يقول: آمين)) لا يدل على الجهر، بل ربما يشعر بالإخفاء،
وكلمة ((إن)) لما خفي وعز كما في دلائل الإعجاز.
وقال ابن عبد البر: ((فيه - أي في حديث ((إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا
الضَّآلّينَ﴾، فقولوا: آمين)) - دليل على أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام إذا جهر، لا بأم القرآن
ولا غيرها، لأن القراءة بها لو كانت عليهم لأمرهم إذا فرغوا من الفاتحة أن يؤمن كل واحد بعد
فراغه من قراءته، لأن السنة فيمن قرأ بأم القرآن أنه يؤمن عند فراغه منها، ومعلوم أن المأمومين
إذا اشتغلوا بالقراءة خلف الإمام لم يسمعوا فراغه من قراءة الفاتحة، فكيف يؤمرون بالتأمين عند
قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ويؤمرون بالاشتغال عن سماع ذلك؟ هذا لا يصح، وقد أجمع العلماء
على أنه لا يقرأ مع الإمام فيما جهر فيه بغير الفاتحة، والقياس أن الفاتحة وغيرها سواء، لأن
عليهم إذا فرغ إمامهم منها أن يؤمنوا، فوجب أن لا يشتغلوا بغير الاستماع)) اهـ من شرح الموطأ
الزرقاني. فقاسم النبي ◌َّه بينه - أي المقتدي - وبين الإمام في الوظيفة، فلا يخالفه، وإنه جعل
موضع الالتقاء مع الملائكة والإمام في التأمين، فلينتظره، وإنه سمى الإمام قارئاً، ولقبه به في
حديث ((إذا أمن القارىء)) و ((إذا قال القارىء: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾، فلا يتلقب
به، وإنه جعله - أي المقتدي - مجيباً، فلا ينصب نفسه داعياً ومبلغاً، فجهر الإمام بالقراءة بديهي
في أنها ليست على المقتدي، وإنما جاءت الشركة من جانب الإمام في التأمين والتحميدِ في
بعض الأحاديث، وهو رواية عن أصحابنا، لأنه قد علم الموضع بقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
وَلَ اُلْضَآلِينَ﴾ جهراً، ثم بالسكوت بعده، وبقوله: ((سمع الله لمن حمده)) ثم بالسكوت بعده،
وبعد أن بلّغ وأعلم بالموضع: له أن يأتي بهما، وينتقل إلى مقام أنه أمير نفسه من حيث أنه
مصل، لا من حيث أنه إمام. هذا.
وقد ورد في باب التأمين حديث عن وائل بن حجر عند النسائي والترمذي وغيرهما، لعله
لم يخرجه الشيخان للتأثر من اختلاف الشيخين: شعبة وسفيان، ورجح المحدثون حديث
سفيان، وقالوا: إنه أخطأ شعبة في مواضع:
منها: أنه قال: أبو العنبس، وإنما هو: ابن العنبس. فقال الأحناف: قد قال سفيان أيضاً:
أبو العنبس في أبي داود، وهكذا أخرج الدارقطني من طريق وكيع والمحاربي عن سفيان، فقالا
فيه: حجر أبي العنبس، فلعل العنبس اسم الجد والحفيد.
وأما ما قيل من ذكر أبي السكن فلعله أبو السكن، وأبو العنبس، كما جزم به ابن حبان في
الثقات، حيث قال: حجر بن العنبس أبو السكن الكوفي، وهو الذي يقال له: حجر أبو العنبس.

٣٣٧
كتاب: الصلاة
وأما ما قيل من ذكر علقمة، ففي مسند أبي داود الطيالسي وغيره: ((قال شعبة: أخبرني
سلمة بن كهيل، قال سمعت حجراً أبا العنبس، قال سمعت علقمة بن وائل، يحدث عن وائل،
فقد سمعته من وائل - أي بلا واسطة علقمة - قال الحافظ في التلخيص: ((فبهذا تنتفي وجوه
الاضطراب، وما بقي إلا التعارض الواقع بين شعبة وسفيان فيه في الرفع والخفض)) اهـ.
وأعل حديث سفيان: ابن القطان المغربي، ذكره الزيلعي في التخريج، والشوكاني في
النيل، ولكن الجمهور يصححون حديث سفيان ويضعفون حديث شعبة، وقد صححهما القاضي
عياض، وقد نقل العيني تصحيح بعض أئمة الحديث، ولكنه لم يسمهم، وقال ابن جرير
الطبري: ((إن الحديثين صحيحان، وأختار الإخفاء، فإن جمهور السلف إلى الإخفاء)»، كذا في
العرف الشذي.
وفي كلام الترمذي إشارة أن قلة القائلين بالجهر، حيث قال: ((وبه يقول غير واحد من أهل
العلم من أصحاب النبي ◌َّهر والتابعين ومن بعدهم، يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين ولا
يخفیھا)) اهـ.
وأما ما قالوا ترجيحاً لحديث الرفع على حديث الخفض: من أن الثوري أحفظ من شعبة،
فهذا القول ليس بمجمع عليه، بل في ترجيح أحدهما على الآخر أقوال، فكان شعبة يقول:
سفيان أحفظ مني، وكان سفيان يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث. وقال لسلم بن قتيبة: ما
فعل أستاذنا شعبة. وقال يحيى بن سعيد القطان: ليس أحد أحب إليّ من شعبة، وإذا خالفه
سفيان أخذت بقول سفيان. وقال يحيى بن معين: ليس أحد يخالف سفيان الثوري إلا كان القول
قول سفيان. وقيل: شعبة أيضاً إن خالفه؟ قال: نعم.
وقال الترمذي في العلل: ((قال علي: قلت ليحيى: أيهما كان أحفظ لأحاديث الطوال:
سفيان أو شعبة؟ قال: كان شعبة أمرّ فيها)).
وقال يحيى بن سعيد: وكان شعبة أعلم بالرجال: فلان عن فلان، وكان سفيان صاحب
الأبواب. وقال حماد بن زيد: ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة، فإذا خالفني في شيء
تركته. وقال أبو داود لما مات شعبة: مات الحديث. قيل لأبي داود: هو أحسن حديثاً من
سفيان؟ قال: ليس في الدنيا أحسن حديثاً من شعبة ومالك على قلته، والزهري أحسن الناس
حديثاً، وشعبة يخطىء في ما لا يضره ولا يعاب عليه - يعني في الأسماء - .
وقال العجلي في شعبة: كان يخطىء في أسماء الرجال قليلاً.
وقال الدارقطني: كان شعبة يخطىء في أسماء الرجال كثيراً لتشاغله بحفظ المتون. وقال
الحاكم: شعبة إمام الأئمة في معرفته الحديث بالبصرة. وقال محمد بن العباس النسائي: سألت
أبا عبد الله (أحمد بن حنبل): من أثبت: شعبة أو سفيان؟ فقال: كان سفيان رجلاً حافظاً، وكان

٣٣٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رجلاً صالحاً، وكان شعبة أثبت منه وأتقى رجلاً. وقال أبو طالب عن أحمد: شعبة أحسن حديثاً
من الثوري، لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثاً منه قسم له حظ. وقال
أحمد: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن - يعني في الرجال - وبصره بالحديث، وتثبته، وتنقيته
للرجال. وقال شعبة: ما رويت عن رجل حديثاً إلا أتيته أكثر من مرة، والذي رويت عنه عشرة
أتيته أكثر من عشر مرار.
قلت: وبالتأمل في هذه الأقوال يظهر أن شعبة كان كثير التشاغل بحفظ المتون، شديد
الاعتناء بعلم الرجال، والإتقان في الأسانيد، واتصالها، أهرب من التدليس، أمرّ في الأحاديث
الطوال، أحفظ لما يرويه، وأحسن سوقاً له، عظيم الاحتياط لما يأخذه عن شيوخه، حتى إن
كثيراً من الأئمة رجحه على سفيان من هذه الجهة، وإن كان سفيان أفضل منه في العلم بالأبواب
أي استنباط الفقهيات، واستجماع موارد الاجتهاد، وحفظ أسماء الرواة، وتصحيحها، والتباعد
عن التصحيف والتحريف فيها، والإكثار من عدد محفوظاته، فإذا وقع الاختلاف بينهما في
حديث التأمين إسناداً ومتناً فالأقرب الأعدل تسليم خطأ شعبة فيما يتعلق بأسماء الرواة
وأنسابهم، وترجيح روايات سفيان المعروفة في تسمية حجر بن العنبس، وهذا القدر لا يضر،
كما قال أبو داود: إن شعبة يخطىء فيما لا يضره ولا يعاب عليه، يعني: في الأسماء. ولكن
لما جاء الكلام في ما يتعلق بفلان عن فلان أي سلمة عن علقمة، ثم عن وائل، أو بمتن
الحديث من الخفض والرفع، فلا يظهر وجه لإسقاط شعبة، وترجيح سفيان.
سلمنا أن لسفيان ههنا متابعاً هو العلاء بن صالح (وهو الذي وهم فيه أبو داود فسماه
علي بن صالح كما صرح به الحافظ في تهذيب التهذيب) ولكن شعبة - كما قال أحمد - هو أمة
وحده في بصره بالحديث وتثبته وتنقيته الرجال، فلا يوزن مع أحد من أقرانه في هذا الشأن إلا
رجح، فلا أكثر من أن يكون سفيان مع من تبعه مساوياً لشعبة في حفظ المتن، وحينئذ فإما أن
يتساقط الخفض والرفع كلاهما، أو يلتزم صحتهما بحملهما على الحالتين، فيتعين المصير إلى
أدلة أخرى لترجيح الخفض على الرفع، أو العكس، ولا شك عندنا، ولا شبهة في ثبوت
الأمرين كليهما من صاحب الشريعة، ولو لم يوجد الإسناد الرسمي في أحد من الجانبين فإن
التوارث جار من السلف إلى الخلف في كل من الجهر والإخفاء البتة، والتواتر العملي في هذا
الباب فوق الإسناد الآحادي، لا ينكره إلا من ألغى البداهة وكابر الحس، ومع ذلك فالترجيح
عندنا للإخفاء لما تقدم ولما سيأتي.
قال النيموي تقذفُ: ((وعندي وجه حسن لترجيح رواية شعبة على ما رواه الثوري، وهو أن
شعبة لم يكن يدلس لا عن الضعفاء، ولا عن الثقات. قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: ((قال أبو
زيد الهاروني: سمعت شعبة يقول: لأن أقع من السماء فأنقطع: أحب إليّ من أن أدلس)) انتهى.

٣٣٩
كتاب: الصلاة
قلت: ومع أنه لا يدلس قد صرح فيه بالإخبار، وقال: أخبرني سلمة بن كهيل، كما هو
عند أبي داود الطيالسي، وأما الثوري فكان ربما يدلس، وقد عنعنه. قال الذهبي في الميزان:
((سفيان بن سعيد الحجة الثبت متفق عليه، مع أنه كان يدلس عن الضعفاء، ولكن له نقد وذوق،
ولا عبرة بقول من قال: يدلس ويكتب عن الكذابين)) . انتهى.
قال الحافظ ابن حجر كفّفُ في التقريب: ((وكان ربما دلسٍ)) انتهى.
قلت: فبهذا يرجح ما رواه شعبة من حديث الخفض على ما رواه الثوري من حديث
الرفع، لشبهة التدليس فيه)) انتهى كلام النيموي كَذّتُهُ.
وليس غرضه من هذا الكلام، إبطال حديث الثوري وإسقاطه، فإن تدليسه محتمل عند أئمة
الحديث، بل الغرض تقديم رواية شعبة على روايته بنوع من الترجيح، - والله أعلم - .
وأما ما قال ابن القيم في إعلام الموقعين ترجيحاً لرواية الرفع: ((وترجيح ثان وهو متابعة
العلاء بن صالح، ومحمد بن سلمة بن كهيل له))، فقوله في العلاء بن صالح مسلّم، وأما
محمد بن سلمة فقال الذهبي: ((قال الجوزجاني: ذاهب واهي الحديث)) فمثل هذا ليس ممن
يستشهد ويعتبر به، كما صرح العراقي وغيره، وغاية ما في الباب أن كل واحد من الحديثين
یرجح على الآخر بوجه.
فإن قال قائل: رواه أبو داود عن مخلد بن خالد الشعيري، عن ابن نمير، عن علي بن
صالح، عن سلمة بن كهيل، فعلي بن صالح متابع ثالث لسفيان.
قلت: لعله وهم، فقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن نمير عن العلاء بن صالح.
والترمذي عن محمد بن أبان، عن ابن نمير، عن العلاء بن صالح، عن سلمة بن كهيل، فاختلف
القول في ((علي)) و((العلاء)) وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن أبان أحفظ من الشعيري، والحفاظ
- كالبيهقي - وغيرهم لم يذكروا في متابعة الثوري إلا العلاء بن صالح، لا علي بن صالح، فلو
كان ما يوجد في النسخ المتداولة من سنن أبي داود من ذكر علي بن صالح صواباً لذكروه في
متابعة الثوري، لأنه أثبت من العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة، كذا قال النيموي كثُّهُ . ثم
رأيت في ترجمة العلاء من التهذيب أن الحافظ كثّفُ قد صرح بكون علي بن صالح في رواية أبي
داود وهماً .
وأما ما رواه أبو الوليد الطيالسي عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس،
عن وائل نحو رواية الثوري عند البيهقي فهي رواية شاذة تفرد بها أبو الوليد من بين أصحاب
شعبة، وإبراهيم بن مرزوق البصري الراوي عن أبي الوليد عمي قبل موته، وكان يخطىء ولا
يرجع، كما في التقريب وغيره. كذا قال النيموي تَّهُ .

٣٤٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وظني - والله أعلم - أن حجراً كان عنده حديثان عن وائل: حديث الرفع سمعه من وائل بلا
واسطة، وحديث الخفض بلغه بواسطة علقمة بن وائل. ثم سمعه من وائل نفسه، فكان إذا روى
الرفع يقول: عن وائل، ولم يذكر علقمة كما هو عند البيهقي من رواية أبي الوليد، وإذا روى
الخفض ذكر علقمة، ثم قد يجعل السند عالياً فيقول: وقد سمعته من وائل، - والله أعلم - .
وأما إعلال حديث شعبة بالانقطاع فسخيف جداً، فإن سماع علقمة من أبيه ثابت بوجوه
ذكرها النيموي كتُّ في التعليق والله ولي التوفيق.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ومن المنصوص المعلوم عند الكل أن الخشوع مطلوب
﴾ [سورة المؤمنون، آية: ١ و٢]
في الصلاة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ الَِّيْنَ هُمْ فِى صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ
وقد نبه الله سبحانه وتعالى في البقرة على ما يورث الخشوع فيها، فقال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى
اَْشِعِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَكُونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ (4)﴾ [سورة البقرة، آية: ٤٥ و٤٦] أي فكأن
الخشوع ينشأ من ظن العبد بأنه يلاقي ربه ويرجع إليه.
قال الغزالي كثّفُ: «فإذا قمت إلى الصلاة فليكن على ذكرك ههنا خطر القيام بين يدي
الله عز وجل فهو المطلع عند العرض للسؤال، واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله عز وجل
وهو مطلع عليك، فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه
جلاله، بل قدّر في دوام قيامك في صلاتك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالئة من رجل صالح من
أهلك، أو ممن ترغب في أن يعرفك بالصلاح، فإنه تهدأ عند ذلك أطرافك، وتخشع جوارحك،
وتسكن جميع أجزائك خيفة أن ينسبك ذلك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع، وإذا أحسست من
نفسك بالتماسك عند ملاحظة عبد مسكين فعاتب نفسك، وقل لها: إنك تدعين معرفة الله وحبه
أفلا تستحيين من استجرائك عليه مع توقيرك عبداً من عباده؟ أو تخشين الناس ولا تخشينه وهو
أحق أن يخشى؟ فعظم في نفسك قدر مناجاته، وانظر من تناجي، وكيف تناجي، وبماذا تناجى،
عند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل، وترتعد فرائصك من الهيبة، ويصفرّ وجهك من
الخوف)) اهـ.
فهذا ينشىء فيك الخشوع، والخشوع يكون صفة للقلوب كما قال تعالى: ﴿أَلَمّ يَأْنِ لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَنْ تَّخْشَحَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللَّهِ﴾ [سورة الحديد، آية: ١٦] ويكون صفة للجوارح، كما قال: ﴿خُشَّعًا
أَبْصَرُهُمْ﴾ [سورة القمر، آية: ٧] ﴿خَشِعَةً أَبْصَُ﴾ [سورة القلم، آية: ٤٣ وسورة المعارج، آية: ٤٤] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ
(٣)﴾ [سورة الإسراء، آية:
خَاشِعَةُ (®﴾ [سورة الغاشية، آية: ٢] ﴿وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾
١٠٩] وأخبرنا الله سبحانه وتعالى بخشوع الأصوات في المحشر لمهابة الرحمن وجلاله، كما
أخبر بخشوع الأبصار والوجوه فقال: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّ هَمْسًا﴾ [سورة طه، آية:
١٠٨] والهمس الصوت الخفي، كما قال الراغب، فدل على أن خفض الأصوات بين يدي