النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب: الصلاة
وأما ما حكي عن ابن معين أنه قال: حديث أبي بكر عن حصين إنما هو توهم منه، لا
أصل له: فهذا استبعاد منه لما اشتهر عن ابن عمر من خلافه، ومع ذلك ما أقام على توهيمه
دليلاً، - والله أعلم - .
وروى الطحاوي وابن أبي شيبة (بسند صحيح كما في الجوهر النقي) عن إبراهيم قال: كان
عبد الله بن مسعود لا يرفع يديه في شيء من الصلاة إلا في الافتتاح، وإسناده مرسل جيد، فإن
رواته كلهم ثقات، لكن إبراهيم النخعي لم يدرك عبد الله بن مسعود، قال الدارقطني في باب
الديات بعد ما أخرج أثراً عن إبراهيم عن عبد الله: فهذه الرواية وإن كان فيها إرسال فإبراهيم
النخعي هو أعلم الناس بعبد الله، وبرأيه، وبفتياه، قد أخذ ذلك عن أخواله: علقمة، والأسود،
وعبد الرحمن: ابني يزيد، وغيرهم من كبراء أصحاب عبد الله، وهو القائل: ((إذا قلت لكم: قال
عبد الله بن مسعود، فهو عن جماعة من أصحابه عنه، وإذا سمعته من رجل واحد سمّيته لكم)).
وروى أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن أبي إسحاق قال: ((كان أصحاب عبد الله
وأصحاب عليّ لا يرفعون أيديهم إلا في افتتاح الصلاة))، قال وكيع: ((ثم لا يعودون)).
قال العلامة المارديني الشهير بابن التركماني في الجوهر النقي: ((وهذا أيضاً سند صحيح
جليل، في اتفاق أصحابهما على ذلك ما يدل على أن مذهبهما كان كذلك)).
قال الحافظ ابن القيم: ((وهؤلاء أصحاب علي وابن مسعود وأكابر التابعين كانوا يفتون في
الدين، ويستفتيهم الناس، وأكابر الصحابة يجوّزون لهم ذلك)).
وروى الطحاوي عن أبي بكر بن عياش قال: ((ما رأيت فقيهاً قط يرفع يديه في غير تكبير
التحریمة)).
قال شيخنا المحمود قدس الله روحه: ((إن الروايات الحديثية في الباب مختلفة، ومن
المعلوم المحقق أن صاحب الشرع قد يتدرج في بعض الأحكام من التضييق إلى التوسيع، كما
وقع في شأن الكلاب، وكسر أواني الخمر، والتحرز عنها، وقد يكون عكس ذلك، أي يتوسع
الأمر أولاً في بعض الأشياء ثم يتضيق، كما وقع في الأفعال والحركات التي أبيحت في
الصلاة، ثم نهي عنها، والأظهر الأقرب - والله أعلم - أن الأمر في مسألة الباب من القسم الثاني
دون الأول، يعني: كان الرفع في الابتداء في كل رفع وخفض، كما في رواية أخرجها الطحاوي
في مشكل الآثار (قال الحافظ: هي رواية شاذة) ثم ترك في بعض المواضع، ثم في بعض آخر،
حتى بقي في المواطن الثلاثة، ثم ترك في غير تكبيرة الإحرام، وصار مقصوراً على مفتح
الصلاة، وفي مذاهب العلماء والأئمة الأربعة تنبيه للمتفطن على أنه كلما ازدادت درجة الاجتهاد
والتفقه ازداد التضييق في المسألة، فأوسع المسالك فيها مسلك من قال: إنه يرفع يديه عند كل

٢٤٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تكبيرة، كما نقله العراقي عن ابن حزم الظاهري، ثم مسلك ابن المنذر وغيره من العلماء النازلين
عن درجة الأئمة الأربعة، ثم مسلك أحمد والشافعي، ثم أضيقها مسلك من قال فيه الشافعي:
الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، وقد وافق فيه من الصحابة عمر، وعلي، وعبد الله بن
مسعود رضيه وهم كما لا يخفى رؤوس المجتهدين، وسادة فقهاء الصحابة وقادتهم.
قال مسلم عن مسروق: ((شاممت أصحاب محمد 18، فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة:
إلى عليّ، وعبد الله، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأبي بن كعب، ثم شاممت الستة،
فوجدت علمهم انتهى إلى علي وعبد الله.
وقال الشعبي: إذا اختلف الناس في شيء فخذوا بما قال عمر.
وقال سعيد المسيب: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن (أي عليّ رظُه).
وقال ابن مسعود روايته: ((إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم)).
وقال علي ربه في عبد الله بن مسعود: قرأ القرآن وعلم السنة، ثم انتهى وكفاه بذلك.
وقال زيد بن وهب: كنت جالساً عند عمر، فأقبل عبد الله، فدنا منه، فأكبّ عليه وكلمه بشيء ثم
انصرف، فقال عمر: كنيف مليء علماً .
وقال عقبة بن عمر: وما أرى أحداً أعلم بما أنزل على محمد وَله من عبد الله، فقال أبو
موسى: إن تقل ذلك: فإنه كان يسمع حين لا نسمع، ويدخل حين لا ندخل.
وقال الأعمش عن إبراهيم: إنه لا يعدل بقول عمر وعبد الله إذا اجتمعا، فإذا اختلفا كان
قول عبد الله أعجب إليه، لأنه كان ألطف)).
قال الشيخ ابن الهمام: ((وعبد الله عالم بشرائع الإسلام وحدوده، متفقد لأحوال النبيّ وَيَر ،
ملازم له في إقامته وأسفاره، وقد صلى مع النبيّ وَ# ما لا يحصى، فيكون الأخذ به عند
التعارض أولى من أفراد مقابله، ومن القول بسنيّة كل من الأمرين، - والله سبحانه وتعالى أعلم ..
تذييل بيان الحكمة في رفع اليدين
قال النووي تَُّ : ((واختلفت عبارات العلماء في الحكمة في رفع اليدين (عند التحريمة
وغيرها) فقال الشافعي تَُّ: فعلته إعظاماً لله تعالى واتباعاً لرسول الله وَالر، وقال غيره: هو
استكانة واستسلام وانقياد، وكان الأسير إذا غلب مد يديه علامة للاستسلام. وقيل: هو إشارة.
إلى استعظام ما دخل فيه. وقيل: إشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بكليته على الصلاة
ومناجاة ربه سبحانه وتعالى. كما تضمن ذلك قوله: الله أكبر، فيطابق فعله قوله: وقيل: إشارة
إلى دخوله في الصلاة، وهذا الأخير مختص بالرفع لتكبيرة الإحرام. وقيل غير ذلك، وفي
أكثرها نظر، - والله أعلم - .

٢٤٣
كتاب: الصلاة
وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَلا يَرْفَعُهُمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
وقال في البدائع: المقصود من رفع اليدين إعلام الأصم الذي خلفه، وإنما يحتاج إلى
الإعلام بالرفع في التكبيرات التي يؤتى بها في حالة الاستواء، كتكبيرات الزوائد في العيدين،
وتكبير القنوت، فأما في ما يؤتى به في حالة الانتقال فلا حاجة إليه، لأن الأصم يرى الانتقال،
فلا حاجة إلى رفع اليدين . - والله أعلم - .
قوله: (وإذا رفع من الركوع) إلخ: أي: إذا أراد أن يرفع، كما في بعض روايات أبي
داود، وما ورد في بعض الروايات: ((وبعد ما يرفع رأسه من الركوع)) فمعناه: بعد ما يشرع،
لتتفق الروايات.
قوله: (ولا يرفعهما بين السجدتين) إلخ: وقد روى يحيى القطان عن مالك عن نافع عن
ابن عمر مرفوعاً هذا الحديث، وفيه: ((ولا يرفع بعد ذلك)) أخرجه الدارقطني في الغرائب بإسناد
حسن، وظاهره يشمل النفي عما عدا المواطن الثلاثة مع أنه ثبت في حديث ابن عمر عند القيام
من الركعتين أيضاً عند البخاري.
وروى النسائي بإسناد صحيح عن مالك بن الحويرث: ((أنه رأى النبيّ وَ ◌ّ رفع يديه في
صلاته وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، حتى
يحاذي بهما فروع أذنیه».
وعن أنس: ((أن النبيّ وَّر كان يرفع يديه في الركوع والسجود)) رواه أبو يعلى، وإسناده
صحیح .
وعن ابن عمر: ((أن النبيّ ◌َلتر كان يرفع يديه عند التكبير للركوع، وعند التكبير حين يهوي
ساجداً)) رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: إسناده صحيح.
وقد وقع في بعض الأحاديث عند الدارقطني رفع اليدين في كل خفض ورفع، وهو مذهب
بعض أهل الظاهر.
قال العراقي في شرح التقريب: ((وأخذ آخرون بالأحاديث التي فيها الرفع في كل خفض
ورفع، وصححوها، وبه قال ابن حزم الظاهري، قال: وهذا يقتضيه ما ذكرنا في القاعدة، وهو
القول بإثبات الزيادة وتقديمها على من نفاها، أو سكت عنها، والذين تركوا الرفع من السجود
سلكوا مسلك الترجيح لرواية ابن عمر في ترك الرفع من السجود، والترجيح إنما يكون عند
التعارض، ولا تعارض يقتضي الترجيح العادل بين رواية من أثبت الزيادة وبين من نفاها، أو
سكت عنها، إلا أن يكون النفي والإثبات منحصرين في جهة واحدة، فإن ادعى ذلك في حديث
ابن عمر للحديث الآخر، وثبت اتحاد الوقتين: فذاك. كذا في دراسات اللبيب.
قال شيخنا المحمود قدس الله روحه: ((فالرأي القوي إما إثبات الرفع في كل رفع وخفض

٢٤٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٨٦٠ - (٢٢) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج.
حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهَ إِذَا قَّامَ
لِلصَّلاَةِ، رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ. ثُمَّ كَبَّرَ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَ ذُلِكَ، وَلا يَفْعَلُهُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ.
٨٦١ - (٢٣) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ، (وَهُوَ ابْنُ الْمُثَنَّى)، حَدَّثَنَا
اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ. حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
أَخْبَرَنَا يُونُسُ. كِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ بِهِ إِذَا قَامَ لِلصَّلاَةِ، رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ. ثُمَّ كَبَّرَ.
٨٦٢ - (٢٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ؛ عَنْ أَبِي
قِلاَبَةَ؛ أَنَّهُ رَأَى مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ، إِذَا صَلَّى كَبَّرَ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ
يَدَيْهِ. وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ. وَحَدَّثَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِ كَانَ يَفْعَلُ هَكَذَا.
٨٦٣ - (٢٥) حدّثني أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ
عَاصِم، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ (١)؛َ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ﴿ كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ
بِهِمَا أُذُنَيْهِ. وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ. وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ:
((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، فَعَلَ مِثْلَ ذُلِكَ.
بقبول زيادة الثقات، وإما تركه رأساً فيما عدا التحريمة، لكونه أقرب إلى ما هو الأصل في
الصلاة من الخشوع والسكون، كما هو مذهب أبي حنيفة كثّفُ تعالى، والعمل بالبعض مع ترك
البعض تحكم)) والله الموفق للصواب.
٢٢ - ( ... ) - قوله: (بحذو منكبيه) إلخ: بفتح المهملة وإسكان الذال المعجمة، أي
مقابلهما، والمنكب مجمع عظم العضد والكتف.
٢٤ - (٣٩١) - قوله: (وحدث أن رسول الله) إلخ: أي: مالك بن الحويرث لا أبو قلابة.
(١) قوله: ((مالك بن الحويرث)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب رفع اليدين إذا
كبر وإذا ركع وإذا رفع، رقم (٧٣٧) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب رفع اليدين حيال الأذنين،
رقم (٨٨١) و(٨٨٢). وباب رفع اليدين للركوع حذاء فروع الأذنين، رقم (١٠٢٥) وباب رفع اليدين حذو
فروع الأذنين عند الرفع من الركوع، رقم (١٠٥٧) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب بلا ترجمة
(بعد باب افتتاح الصلاة)، رقم (٧٤٥) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، رقم
(٨٥٩) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب في رفع اليدين في الركوع والسجود، رقم (١٢٥٤)
وأحمد في مسنده (٥/ ٥٣).

٢٤٥
كتاب: الصلاة
٨٦٤ - (٢٦) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ
قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ؛ أَنَّهُ رَأَى نَبِيَّ اللّهِ نَّهِ. وَقَالَ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ.
(١٠) - باب: إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة،
إلا رفعه من الركوع فيقول فيه: سمع الله لمن حمده
٨٦٥ - (٢٧) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً(١) كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ.
(١٠) - باب: إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة،
إلا رفعه من الركوع فيقول فيه: سمع الله لمن حمده
٢٧ - (٣٩٢) - قوله: (كلما خفض ورفع) إلخ: فيه إثبات التكبير في كل خفض ورفع إلا
رفعه من الركوع، فإنه يقول: سمع الله لمن حمده، وهذا مجمع عليه اليوم، ومن الأعصار
المتقدمة، وقد كان فيه خلاف في زمن أبي هريرة، وكان بعضهم لا يرى التكبير إلا الإحرام،
وبعضهم يزيد عليه بعض ما جاء في حديث أبي هريرة، وكان هؤلاء لم يبلغهم فعل رسول الله وَّر ،
ولهذا كان أبو هريرة به يقول: ((إني لأشبهكم صلاة برسول الله وَّير)) واستقر العمل على ما في
حديث أبي هريرة. كذا في الشرح.
قال البغوي في شرح السنة: ((اتفقت الأمة على هذه التكبيرات، وقد حكى الترمذي
مشروعيتها عن الخلفاء الأربعة وغيرهم ومن بعدهم من التابعين، قال: وعليه عامة الفقهاء
والعلماء، واستدل من قال بعدم مشروعية التكبير كذلك بما أخرجه أحمد وأبو داود عن ابن
أبزى عن أبيه ((أنه ( *، فكان لا يتم التكبير)) وفي لفظ لأحمد: ((إذا خفض ورفع)) وفي رواية:
((فكان لا يكبر إذا خفض)) - يعني بين السجدتين - وفي إسناده الحسن بن عمران، قال أبو زرعة:
(١) قوله: (أبا هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب إتمام التكبير في الركوع،
رقم (٧٨٥) وباب التكبير إذا قام من السجود، رقم (٧٨٩) وباب ما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من
الركوع، رقم (٧٩٥) وباب يهوى بالتكبير حين يسجد، رقم (٨٠٣). والنسائي في سننه، في كتاب
الافتتاح، باب رفع اليديه مداً، رقم (٨٨٤) وباب التكبير للركوع، رقم (١٠٢٤) وباب التكبير للنهوض.
رقم (١١٥٧) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب بلا ترجمة (بعد باب افتتاح الصلاة) رقم (٧٤٦)
وباب من لم يذكر الرفع عند الركوع، رقم (٧٥٣) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في
نشر الأصابع عند التكبير، رقم (٢٣٩) و(٢٤٠) وباب منه آخر (بعد باب ما جاء في التكبير عنه الركوع
والسجود)، رقم (٢٥٤). وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب رفع اليدين إذا ركع
وإذا رفع رأسه من الركوع، رقم (٨٦٠) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب التكبير عند كل خفض
ورفع، رقم (١٢٥١) وأحمد في مسنده (٣٧٥/٢ و٤٥٤ و٥٠٠).

٢٤٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: وَاللَّهِ! إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلاَةً بِرَسُولِ اللَّهِ وَِ.
٨٦٦ - (٢٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج.
أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا قَّامَ إِلَى الصَّلاَةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ. ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ. ثُمَّ يَقُولُ: ((سَمِعَ
شيخ، ووثقه ابن حبان، وحكي عن أبي داود الطيالسي أنه قال: هذا عندي باطل)) كذا في نيل
الأوطار.
وقال الطبري والبزار: تفرد به الحسن بن عمران، وهو مجهول، وأجيب على تقدير صحته
بأنه فعل ذلك لبيان الجواز، أو المراد لم يتم الجهر به، أو لم يمده. قاله الحافظ.
قال الشوكاني: ((وحديث عبد الرحمن بن أبزى هذا لا يقوى على معارضة أحاديث الباب،
لكثرتها وصحتها وكونها مثبتة ومشتملة على الزيادة، والأحاديث الواردة في هذا الباب أقل
أحوالها الدلالة على سنية التكبير في كل خفض ورفع، وقد روى أحمد عن عمران بن حصين
((أن أول من ترك التكبير عثمان حين كبر وضعف صوته)) وهذا يحتمل أنه ترك الجهر، وروى
الطبري عن أبي هريرة ((أن أول من ترك التكبير معاوية)) وروى أبو عبيد ((أن أول من تركه زياد))
وهذه الروايات غير متنافية، لأن زياداً تركه بترك معاوية، وكان معاوية تركه بترك عثمان، وقد
حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء.
وحكى الطحاوي ((أن بني أمية كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، وما هذه بأول
سنة تركوها)) اهـ.
وفرق بعض السلف بين المنفرد وغيره، ووجهه بأن التكبير شرع للإيذان بحركة الإمام، فلا
يحتاج إليه المنفرد، لكن استقر الأمر على مشروعية التكبير في الخفض والرفع لكل مصل،
فالجمهور على ندبية ما عدا تكبيرة الإحرام. وعن أحمد وبعض أهل العلم بالظاهر: يجب كله.
قال ناصر الدين ابن المنير: «الحكمة في مشروعية التكبير في الخفض والرفع أن المكلف
أمر بالنية أول الصلاة مقرونة بالتكبير، وكان من حقه أن يستصحب النية إلى آخر الصلاة، فأمر
أن يجدد العهد في أثنائها بالتكبير الذي هو شعار النية)). كذا في الفتح.
قوله: (یکبر حین یقوم) إلخ: أي: بعد رفع اليدين، كما رجحه في الهداية وغيرها، وقيل:
قبله، وقيل: معه، والكل مروي عنه عليه الصلاة والسلام.
٢٨ - ( ... ) - قوله: (ثم يكبر حين يركع) إلخ: وكذا قوله: «ثم يكبر حین یھوي ساجداً،
ثم يكبر حين يرفع رأسه)) فيه دليل على مقارنة التكبير لهذه الحركات. كذا في الشرح.
قوله: (ثم يقول سمع الله) إلخ: معناه: أجاب الله دعاء من حمده.

٢٤٧
كتاب: الصلاة
اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ. ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ:
قوله: (ثم يقول وهو قائم) إلخ: فيه أن التسميع ذكر النهوض، وأن التحميد ذكر
الاعتدال .
قال الحافظ: ((وفيه دليل على أن الإمام يجمع بينهما، لأن صلاة النبيّ وَّر الموصوفة
محمولة على حال الإمامة، لكون ذلك هو الأكثر الأغلب من أحواله)).
وإلى هذا (أي جمع الإمام بين التسميع والتحميد) ذهب الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد،
وهو رواية عن أبي حنيفة وأحمد رحمهم الله تعالى، فتمسكوا بحديث الباب، وقالوا: إن الإمام
حرض غيره بالتسميع، فلا ينسى نفسه.
وذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله - في أشهر الروايات عنه - وأحمد في رواية إلى أن
الإمام يكتفي بالتسميع، والمأموم بالتحميد، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا قال الإمام:
سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد)) وهذه قسمة، وإنها تنافي الشركة، ولأنه
يقع تحميده بعد تحميد المقتدي، وهو خلاف موضوع الإمامة، وحديث الباب محمول عندهم
على حال الانفراد، والإمام بالدلالة على التحميد آت به معنى. كذا في الهداية وغيرها .
قال الحافظ في الفتح: ((وهذا الموضع (أي حديث ((إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده،
فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد) يقرب من موضع التأمين، فلا يلزم من قوله: ((إذا قال: ولا
الضالين، فقولوا: آمين)) أن الإمام لا يؤمن بعد قوله: ((ولا الضالين)) وليس فيه أن الإمام يؤمن،
كما أنه ليس في هذا أنه يقول: ((ربنا لك الحمد)) لكنهما مستفادان من أدلة أخرى صحيحة
صريحة .
وأما ما احتجوا به من حيث المعنى من أن معنى ((سمع الله لمن حمده)» طلب التحمید،
فيناسب حال الإمام، وأما المأموم فتناسبه الإجابة بقوله: ((ربنا لك الحمد)) ويقويه حديث أبي
موسى الأشعري عند مسلم وغيره، ففيه وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا ربنا ولك الحمد
يسمع الله لكم فجوابه أن يقال: لا يدل ما ذكرتم على أن الإمام لا يقول ربنا ولك الحمد، إذ لا
يمتنع أن يكون طالباً ومجيباً، وهو نظير ما تقدم في مسألة التأمين من أنه لا يلزم من كون الإمام
داعياً، والمأموم مؤمناً أن لا يكون الإمام مؤمناً)) اهـ.
وقضية ذلك أن الإمام يجمعهما، وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد رحمهم
الله تعالى، ورواية عن الإمام أبي حنيفة، وإليه مال الفضلي والطحاوي من أصحابنا، وجماعة
من المتأخرين، واختاره في الحاوي القدسي، ومشى عليه في نور الإيضاح، كذا في رد
المحتار.
وزاد الشافعي تقلُّ أن المأموم يجمع بينهما أيضاً (وهو مذكور في شرح الأقطع عن أبي
حنيفة كما في فتح القدير) ولكن لم يصح في ذلك شيء، قاله الحافظ.

٢٤٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِداً. ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ. ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ
يَسْجُدُ. ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ. ثُمَّ يَفْعَلُ مِثْلَ ذُلِكَ فِي الصَّلاَةِ كُلُّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا. وَيُكَبِّرُ
حِينَ يَقُومُ مِنَ الْمَثْنَى بَعْدَ الْجُلُوسِ.
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنِّي لِأَشْبَهُكُمْ صَلاَةً بِرَسُولِ اللَّهِ وَلِ.
٨٦٧ - (٢٩) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمِنِ بْنِ الْحَارِثِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ بِلهَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ مُرَيْجٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ
أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنِّي أَشْبَهُكُمْ صَلاَةً بِرَسُولِ اللَّهِ وِّ.
٨٦٨ - (٣٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنٍ
شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ، حِينَ يَسْتَخْلِفُهُ مَرْوَانُ عَلَى
الْمَدِينَةِ، إِذَا قَامَ لِلصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنٍ جُرَيْجٍ. وَفِي حَدِيثِهِ: فَإِذَا
وما رواه الدارقطني عن أبي هريرة قال: ((كنا إذا صلينا خلف رسول الله وصله، فقال:
سمع الله لمن حمده، قال من وراءه: سمع الله لمن حمده)) ذكره في نيل الأوطار من غير تكلم
فيه، فأشار الدارقطني إلى أنه ليس بمحفوظ، إنما المحفوظ أن النبيّ وَّر قال: ((إذا قال الإمام:
سمع الله لمن حمده، فليقل من وراءه: اللهم ربنا ولك الحمد)) - والله سبحانه وتعالى أعلم - .
قوله: (ربنا ولك الحمد) إلخ: الواو ثابتة في أكثر الروايات، وهي زيادة مقبولة، فيكون
الأخذ بها أرجح، وهي عاطفة على مقدر بعد قوله: ((ربنا)) وهو استجب كما قال ابن دقيق
العيد، أو حمدناك كما قال النووي، أو الواو زائدة كما قال أبو عمرو بن العلاء، أو للحال كما
قال غيره.
وروي عن أحمد بن حنبل أنه إذا قال: ربنا، قال: ولك الحمد، وإذا قال: اللهم ربنا،
قال: لك الحمد.
قال ابن القيم: لم يأت في حديث صحيح الجمع بين لفظ ((اللهم)) وبين ((الواو)).
وقال الشوكاني: ((قد ثبت الجمع بينهما في صحيح البخاري في باب صلاة القاعد من
حديث أنس بلفظ: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد)) وقد
تطابقت على هذا اللفظ النسخ الصحيحة من صحيح البخاري)) اهـ.
قلت: وهذا الجمع بين ((اللهم)) و ((الواو)) موجود أيضاً في باب ما يقوله الإمام ومن خلفه
إذا رفع رأسه من الركوع من صحيح البخاري، فراجعه.
قوله: (حین یھوي ساجداً) إلخ: بفتح أوله، أي يسقط.

٢٤٩
كتاب: الصلاة
قَضَاهَا وَسَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلاَةً
بِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ.
٨٦٩ _ (٣١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم. حَدَّثَنَا
الأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصُّلاَةِ كُلَّمَا
رَفَعَ وَوَضَعَ. فَقُلْنَا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا التَّكْبِيرُ؟ قَالَ: إِنَّهَا لَصَلاَةُ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ.
٨٧٠ - (٣٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ)، عَنْ
سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ. وَيُحَدِّثُ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللّهِ وَ لِ كَانَ يَفْعَلُ ذُلِكَ.
٨٧١ - (٣٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَخَلَفُ بْنُ هِشَام، جَمِيعاً عَنْ حَمَّادٍ. قَالَ
يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلاَنَ، عَنْ مُطَرِّفٍ (١). قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ
حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ. وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ. وَإِذَا نَهَضَ
مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الصَّلاَةِ قَالَ: أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا
هَذَا صَلاَةً مُحَمَّدٍ وَِّهِ، أَوْ قَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاَةَ مُحَمَّدٍ وَهِ.
٣٣ - (٣٩٣) - قوله: (قد ذكّرني هذا) إلخ: بتشديد الكاف وفتح الراء، وفيه إشارة إلى أن
التكبير الذي ذكره كان قد ترك.
قال ابن بطال: ((ترك النكير على من ترك التكبير يدل على أن السلف لم يتلقوه على أنه
ركن من الصلاة)) .
(١) قوله: ((عن مطرّف)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب إتمام التكبير في الركوع،
رقم (٧٨٤) وباب إتمام التكبير في السجود، رقم (٧٨٦) وباب يكبّر وهو ينهض من السجدتين، رقم
(٨٢٦). والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب التكبير إذا قام من الركعتين، رقم (١١٨١) وأبو داود
في سننه في كتاب الصلاة، باب تمام التكبير، رقم (٨٣٥).

٢٥٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١١) - باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وأنه إذا لم يحسن
الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها
٨٧٢ - (٣٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ.
جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ
الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ (١). يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َّ: ((لا صَلاَةَ
(١١) - باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وأنه إذا لم يحسن
الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها
مسألة ركنية قراءة الفاتحة في الصلاة:
٣٤ - (٣٩٤) - قوله: (لا صلاة) إلخ: اعلم أن ههنا مسألتين: الأولى: هل قراءة الفاتحة
مع قطع النظر عن خصوصيات المصلين ركن من الصلاة أم لا؟ فقال أبو عمر في التمهيد: ((لم
يختلف قول مالك أنه من نسيها - أي الفاتحة - في ركعة من صلاة ذات ركعتين أن صلاته تبطل
أصلاً، ولا تجزيه، واختلف قوله فيمن تركها ناسياً في ركعة من الصلاة الرباعية أو الثلاثية،
فقال مرة: يعيد الصلاة ولا يجزيه، وهو قول ابن القاسم وروايته واختياره من قول مالك، وقال
مرة أخرى: يسجد سجدتي السهو ويجزيه، وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عنه، قال: وقد
قيل: إنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام.
قال: قال الشافعي وأحمد: ((لا يجزيه حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة)).
وفي المغني: ((وروي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص وخوات بن جبير أنهم
قالوا: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، وعن أحمد أنها لا تتعين، وتجزيه قراءة آية من القرآن
من أي موضع كان)) (وهو في المغني ١ : ٥٢٠).
وقال ابن حزم في المحلى: ((وقراءة أم القرآن فرض في كل ركعة من كل صلاة، إماماً كان
(١) قوله: ((عن عبادة بن الصامت)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان باب وجوب القراءة
للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت، رقم (٧٥٦). والنسائي
في سننه، في كتاب الافتتاح، باب إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة، رقم (٩١١) و(٩١٢) وأبو داود
في سننه، في كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، رقم (٨٢٢) والترمذي في
جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، رقم (٢٤٧) وابن ماجه في سننه،
في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب القراءة خلف الإمام، رقم (٨٣٧) والدارمي في سننه، في كتاب
الصلاة، باب لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، رقم (١٢٤٥) وأحمد في مسنده (٣١٤/٥ و٣١٦ و ٣٢١
و ٣٢٢).

٢٥١
كتاب: الصلاة
أو مأموماً، والفرض والتطوع سواء، والرجال والنساء سواء)». كذا في عمدة القاري.
وذهبت الحنفية وطائفة قليلة إلى أنها لا تجب، بل الواجب آية من القرآن، هكذا قال
النووي .
والصواب ما قال الحافظ: ((إن الحنفية يقولون بوجوب قراءة الفاتحة، لكن بنوا على
قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطاً في صحة الصلاة، لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة، والذي
لا تتم (أي لا تصح) الصلاة إلا به فرض، والفرض لا يثبت عندهم بما يزيد على القرآن، وقال
تعالى: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [سورة المزمل، آية: ٢٠] فالفرض قراءة ما تيسر، وتعين الفاتحة
إنما يثبت بالحديث، فيكون واجباً يأثم من يتركه، وتجزى الصلاة بدونه)) اهـ.
قال الشيخ بدر الدين العيني: ((أمر الله تعالى بقراءة ما تيسر من القرآن مطلقاً، وتقييده
بالفاتحة زيادة على مطلق النص، وهذا لا يجوز عندنا، لأنه نسخ، فيكون أدنى ما ينطلق عليه
فرضاً لكونه مأموراً به، وإن القراءة خارج الصلاة ليست بفرض، فتعين أن يكون في الصلاة.
فإن قلت: هذه الآية في صلاة الليل وقد نسخت فرضيتها، وكيف يصح التمسك بها؟
قلت: ما شرع ركناً لم يصر منسوخاً، إنما نسخ وجوب قيام الليل دون فروض الصلاة وشرائطها
وسائر أحكامها، ويدل عليه أنه أمر بالقراءة بعد النسخ بقوله: ﴿فَقْرَهُ واْ مَا تَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾
والصلاة بعد النسخ بقيت نفلاً، وكل من شرط الفاتحة في الفرض شرطها في النفل، ومن لا
فلا، والآية تنفي اشتراطها في النفل، فلا تكون ركناً في الفرض لعدم القائل بالفصل.
فإن قلت: كلمة ((ما)) مجملة والحديث معين ومبين، فالمعين يقضي على المبهم.
قلت: كل من قال بهذا يدل على عدم معرفته بأصول الفقه، لأن كلمة ((ما)) من ألفاظ
العموم، يجب العمل بعمومها من غير توقف، ولو كانت مجملة لما جاز العمل بها قبل البيان
كسائر مجملات القرآن والحديث، ومعناه: أي شيء تيسر، ولا يسوغ ذلك فيما ذكروه، فيلزم
الترك بالقرآن والحديث، والعام عندنا لا يحمل على الخاص مع ما في الخاص من
الاحتمالات.
فإن قلت: هذا الحديث مشهور، فإن العلماء تلقته بالقبول، فيجوز الزيادة بمثله.
قلت: لا نسلم أنه مشهور، لأن المشهور ما تلقاه التابعون بالقبول، وقد اختلف التابعون
في هذه المسألة)). كذا في عمدة القاري.
قال الشيخ ابن الهمام: ((اعلم أن الشافعية يثبتون ركنية الفاتحة على معنى الوجوب عندنا،
فإنهم لا يقولون بوجوبها قطعاً، بل ظناً، غير أنهم لا يخصون الفرضية والركنية بالقطعي، فلهم
أن يقولوا: نقول بموجب الوجه المذكور، وإن جوزنا الزيادة بخبر الواحد لكنها ليست بلازمة

٢٥٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
هنا، فإنا إنما قلنا بركنيتها وافتراضها بالمعنى الذي سميتموه وجوباً، فلا زيادة، وإنما محل
الخلاف في التحقيق أن ما تركه مفسد - وهو الركن - لا يكون إلا بقاطع أولاً، فقالوا: لا، لأن
الصلاة مجمل مشكل، فكل خبر بين فيها أمراً، ولم يقم دليل على أن مقتضاه ليس من نفس
الحقيقة يوجب الركنية.
وقلنا: بل يلزم في كل ما أصله قطعي، وذلك لأن العبادة ليست سوى جملة الأركان، فإذا
كانت قطعية يلزم في كل الأركان قطعيتها، لأنها ليست إلا إياها مع الآخر، بخلاف ما أصله
ظني، فإن ثبوت أركانه التي هي هو يكون بظني بلا إشكال، ولأن الوجوب لما لم يقطع به
فالفساد بتركه مظنون، والصحة القائمة بالشروع الصحيح قطعية، فلا يزول اليقين إلا بمثله، وإلا
أبطل الظني القطعي)) اهـ.
وإن قيل: لقد تواتر العمل بقراءة الفاتحة، فتكون فرضاً لثبوتها بالقطع.
نقول: إن التواتر عملاً في الإتيان بها لا على كونها ركناً، كما ثبت التواتر عملاً في بعض
المستحبات، فيكون أدنى ما يطلق عليه القرآن - وهو الآية التامة - فرضاً لثبوته بالكتاب،
وخصوص الفاتحة وضم السورة إليها واجباً للأخبار والأحاديث، فيكون ذلك عملاً بالدليلين، لا
إهمالاً لأحدهما إعمالاً للآخر، كما ارتكبه الخصوم، خصوصاً إهمال الكتاب وإعمال السنة.
قال الشيخ الشعراني الشافعي: ((فرحم الله الإمام أبا حنيفة حيث غاير بين لفظ الفرض
والواجب وبين معناهما، فجعل ما فرضه الله تعالى أعلى مما فرضه رسول الله وَ له - وإن كان لا
ينطق عن الهوى - أدباً مع الله تعالى، ونفس رسول الله وتسلي يمدح الإمام أبا حنيفة على مثل ذلك،
لأنه ◌َ* يحب رفع رتبة تشريع ربه على تشريعه هو، ولو كان ذلك بإذنه تعالى، ولم ينظر إلى
ذلك من جعل الفرض والواجب مترادفين، وقال: الخلف لفظي، والحق أنهما عند الإمام أبي
حنيفة متفاضلان، والخلف معنوي كما هو لفظي)). كذا في الميزان.
وأما الفرق بين حقيقتي الفرض والواجب - كما حققه شيخ شيخنا نور الله مرقده -
فسنوضحه إن شاء الله تعالى في أبواب الوتر.
الدليل على عدم ركنية قراءة الفاتحة
قد استدل بعض علمائنا على عدم ركنية الفاتحة بما أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما من
حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام))، فإن
الخداج بمعنى الناقص، يدل عليه اللغة والعرف، ومقابلته بالتمام على ما يشهد وينادى عليه لفظ
الحديث، لا بمعنى الفاسد، والنقصان يتعلق بالصفات لا بالذات، والفساد والبطلان بالذات
فيتطرق النقصان إلى الصلاة بترك واجب من الواجبات، لا بترك فرض من فروضها. وأما فهم

٢٥٣
كتاب: الصلاة
الراوي كأبي هريرة فليس بدليل ينتهض علينا، فإن احتجاجنا بالحديث لا بما فهمه الراوي، فلا
يكون الصلاة الخالية عن الفاتحة تامة كاملة أي فرداً كاملاً من الصلاة، بل فرداً ناقصاً منها لترك
الواجب، فيتحقق أصل الصلاة، ويتقرر به نفس حقيقته وإن كانت في ضمن فرد ناقص.
ويؤيد نفي ركنية الفاتحة ما رواه أبو داود من طريق أبي عثمان النهدي، حدثني أبو هريرة
قال: قال لي رسول الله ◌َّير: اخرج فناد في المدينة أنه لا صلاة، إلا بقرآن، ولو بفاتحة
الكتاب فما زاد)) فإن لفظة ((ولو)) المتصلة تشير إلى عدم تخصيص الفاتحة، ويومىء إلى تعميم
القراءة لها ولغيرها .
وفيه جعفر بن ميمون البصري، قال النسائي: ليس بثقة. وقال أحمد: ليس بقوي في
الحديث. وقال ابن عدي: يكتب حديثه في الضعفاء، وقال مرة: صالح الحديث. وقال
الدارقطني: يعتبر به. وقال ابن عدي: لم أر أحاديثه منكرة. كذا في الميزان.
وقال الحاكم: ((جعفر بن ميمون العبدي من الثقات البصريين، وقد تابعه عبد الكريم عند
البيهقي في جزء القراءة بدون لفظة: ((فما زاد)).
والعجب أن الشافعية ومن نحا نحوهم كيف يقولون بفرضية الفاتحة ولا يوجبون ضم
السورة إليها، مع أن حديث الباب قد صح فيه زيادة ((فصاعداً)) عند مسلم، والنسائي، وأبي
داود، وغيرهم بدون شذوذ وعلة، وتابع معمراً فيه سفيان بن عيينة عند أبي داود، وعبد الرحمن بن
إسحاق عند البخاري في جزئه، وهو المدني من رجال مسلم، لا الواسطي الضعيف،
والأوزاعي، وشعيب بن أبي حمزة عند البيهقي في كتابه من طريق أحمد بن هارون المستملي،
وقد ذكره ابن حبان في الثقات، كما في اللسان.
قال الشيخ الأنور في ((فصل الخطاب)): ((إن هذا اللفظ (أي فصاعداً) في اللغة لانسحاب
حكم ما قبله على ما بعده، إن وجوباً فوجوباً، وإن غيره فغيره، ولا بد من أن ينسحب الحكم
المصدر إيجاباً كان أو استحباباً أو إباحة وتخييراً بحسب المقام على كلا الجزئين، ولما كان
حكم ما قبله ههنا الوجوب فلا بد أن ينسحب على ما بعده لا محالة)) ثم حققه وفصله تفصيلاً
شافياً، وأجاب عما تكلم به البخاري في جزئه .
وشاهد هذه الزيادة (فصاعداً) ما عن أبي سعيد قال: ((أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما
تيسر)) رواه أبو داود وأحمد وأبو يعلى وابن حبان، وإسناده صحيح. قاله ابن سيد الناس
والحافظ في التلخيص.
وأخرج أحمد، والبخاري في جزئه، وأبو داود، وابن الجارود عن أبي هريرة أن
النبيّ ◌َ له أمره أن يخرج فينادي: ((لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وما زاد)» رجاله ثقات إلا

٢٥٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
جعفر بن ميمون، فقد تقدم الكلام فيه آنفاً. وبالجملة لا ينزل عن درجة الحسن إن شاء الله.
وروى الطحاوي والبيهقي في جزئه عن جابر، قال: ((وكنا نتحدث أنه لا صلاة إلا بقراءة
فاتحة الكتاب فما فوق ذلك، أو فما أكثر من ذلك)).
وفي حديث رفاعة بن رافع في قصة المسيء صلاته عند أحمد (كما في آثار السنن) ((ثم
اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت)).
وفي بعض الروايات لأبي داود: ((ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله)).
فهذه الأحاديث كلها تدل على إيجاب ما زاد على الفاتحة، كما تدل على إيجابها، ولهذا
أوجب الحنفية قراءة الفاتحة وضم السورة إليها .
قال في البحر: ((وما واجبتان للمواظبة، لكن الفاتحة أوجب، حتى يؤمر بالإعادة بتركها
دون السورة، كذا ذكره الشارح، وقد تبع فيه الفقيه، وفيه نظر ظاهر، لأن كلا منهما واجب
اتفاقاً، وبترك الواجب تثبت كراهة التحريم، وقد قالوا: كل صلاة أديت مع كراهة التحريم يجب
إعادتها، فتعين القول بوجوب الإعادة عند ترك السورة وما يقوم مقامها، كترك الفاتحة، نعم،
الفاتحة آكد في الواجب من السورة، للاختلاف في ركنيتها دون السورة، والآكدية لا تظهر فيما
ذكره، لأن وجوب الإعادة حكم ترك الواجب مطلقاً لا الواجب المتأكد، وإنما يظهر في الإثم،
لأنه مقول بالتشكيك، - والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب - )).
المسألة الثانية: قراءة الفاتحة واجبة على المأموم أم لا وأقوال الأئمة في ذلك:
قراءة الفاتحة هل هي واجبة على المأموم كما تجب على الإمام والمنفرد أم لا؟
قال الشعراني: ((ومن ذلك - أي من خلافيات الصلاة - قول الإمام أبي حنيفة تَّقُ تعالى
بعدم وجوب القراءة على المأموم، سواء جهر أو أسرّ، بل لا تسن له القراءة خلف الإمام بحال،
وكذلك قال مالك وأحمد: إنه لا تجب القراءة على المأموم بحال، بل كره مالك للمأموم أن
يقرأ فيما يجهر به الإمام، سواء سمع قراءة الإمام أو لم يسمع، واستحب أحمد القراءة فيما
خافت فيه الإمام، مع قول الشافعي تجب على المأموم القراءة فيما يسرّ به الإمام جزماً، وفي
الجهرية في أرجح القولين))، اهـ.
وما ذكره الشعراني من مذهب أبي حنيفة هو قول صاحبيه أبي يوسف ومحمد رحمهما الله
تعالى، وما نسب لمحمد من أصحابنا من استحباب قراءة الفاتحة في السرية احتياطاً فهو
ضعيف، قال الشيخ ابن الهمام: ((والحق أن قول محمد كقولهما، فإن عباراته في كتبه مصرحة
بالتجافي عن خلافه، فإنه في كتاب الآثار في باب القراءة خلف الإمام بعد ما أسند إلى علقمة بن
قيس («أنه ما قرأ قط فيما يجهر فيه ولا فيما لا يجهر فيه، قال: وبه نأخذ، لا نرى القراءة خلف

٢٥٥
كتاب: الصلاة
٠٠
الإمام في شيء من الصلاة يجهر فيه أو لا يجهر)) ثم استمر في إسناد آثار أخر، ثم قال: ((قال
محمد: لا ينبغي أن يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات)). وفي موطأه بعد أن روي في منع
القراءة في الصلاة ما روي، قال: ((قال محمد: لا قراءة خلف الإمام فيما جهر وفيما لم يجهر.
فيه، بذلك جاءت عامة الأخبار، وهو قول أبي حنيفة)).
وقال السرخسي: ((تفسد صلاته في قول عدة من الصحابة، ثم لا يخفى أن الاحتياط في
عدم القراءة خلف الإمام، لأن الاحتياط هو العمل بأقوى الدليلين، وليس مقتضى أقواهما
القراءة، بل المنح)) اهـ.
واستدل أصحابنا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة
الأعراف، آية: ٢٠٤].
قال الحافظ في الفتح: ((وقد وقع التفريق بين الإنصات والاستماع في قوله تعالى:
﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ ومعناهما مختلف، فالإنصات هو السكوت، وهو يحصل ممن يستمع
وممن لا يستمع، كأن يكون مفكراً في أمر آخر، وكذلك الاستماع قد يكون مع السكوت، وقد
يكون النطق بكلام آخر لا يشتغل الناطق به عن فهم ما يقول الذي يستمع منه)).
وقال في أبواب التفسير: ((لا شك أن الاستماع أخص من الإنصات، لأن الاستماع:
الإصغاء، والإنصات: السكوت، ولا يلزم من السكوت الإصغاء)). فظهر بهذا أن الإنصات لا
يلزمه الاستماع، وكذا لا يلزمه السماع، كما يدل عليه ما في كنز العمال مما رواه عبد الرزاق
عن زيد بن أسلم مرسلاً، وعن عثمان بن عفان موقوفاً: ((أقيموا الصفوف وحاذوا بالمناكب
وأنصتوا، فإن أجر المنصت الذي لا يسمع كأجر المنصت الذي يسمع)) ويظهر مما قاله الشيخ
مجد الدين الفيروز آبادى في القاموس الفرق بين الإنصات لازماً ومتعدياً، فإنه قال: ((نصت
ينصت، وأنصت وانتصت: سكت، وأنصته وله: استمع لحديثه)).
قال الزبيدي في شرح القاموس: ((هكذا فسره غير واحد، وقد قيد الراغب والفيومي
الإنصات اللازم أيضاً بالاستماع، قالوا: أنصت ينصت إنصاتاً إذا سكت سكوت مستمع. ولعل
مرادهم أن مجرد السكوت البسيط ومحض كف اللسان عن النطق مطلقاً لا يسمى إنصاتاً، بل
الإنصات هو السكوت والانكفاف عن التكلم لرعاية متكلم آخر، كسكوت المستمع الذي يسكت
لاستماع كلام غيره، - والله أعلم - )».
وبالجملة فحاصل الاحتجاج بالآية أن المطلق يجرى على إطلاقه، والمقيد على تقييده،
كما تقرر في الأصول، فالقراءة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ﴾ مطلقة عن الجهرية
والسرية، فتجري على إطلاقها، وكذا الإنصات غير مختص بالجهرية فتجري على إطلاقه، نعم،

٢٥٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الاستماع مختص بالجهرية فيجري على خصوصه، فكان تقدير الكلام: ((إذا قرىء القرآن جهراً أو
سراً فاستمعوا له عند الجهر وأنصتوا له مطلقاً)) ولما كان نزوله في الصلاة خلف الإمام كان
مهتماً بالشأن في هذا الباب فكره تحريماً، لا سيما في الجهر، وأما خارج الصلاة فإما أن
يساويه فيمنع تحريماً كذلك، أو تنزيهاً، ولا دليل على تخصيص الآية بالجهرية، لأن القران
بالتعاطف لا يدل على القران في المورد والمحل للحكم، كما قال أهل الأصول في قوله تعالى:
﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ في الوجوه الفاسدة: إنه لا يدل على عدم وجوب الزكاة في مال
الصبي، فاستماع والإنصات حكمان على حدة على حيالهما، ليس مجموعهما حكماً واحداً
برأسه حتى يخص بالجهرية، ولو سلم ورود الآية في الجهرية فلا تخصيص أيضاً بالجهرية، لأن
العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص المورد.
وما يقال: إن الآية تعارض قوله تعالى: ﴿فَقْرَهُواْ مَا نَيَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [سورة المزّمّل، آية: ٢٠]
فإنه بعمومه يوجب القراءة على كل من الإمام والمأموم والفذ، فله جوابان: أحدهما: بحديث
(فإن قراءة الإمام له قراءة)) فالمؤتم جعل قارئاً حكماً بقراءة الإمام، فلم يكن مخالفاً للآية.
والآخر : أن المدرك في الركوع مخصوص منه إجماعاً ونصاً، فإذا صار ظنياً جاز الزيادة
عليه والتخصيص منه، ذكرهما العيني كثّفُ .
وهذا كله بناء على أن ورود الآية في القراءة في الصلاة، ويكفي لربط الآية بما قبلها عموم
ألفاظ القرآن وإن كان نزولها في الصلاة خاصة، فإنه لما أخبر سبحانه وتعالى أن هذا القرآن
بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون: نبه على أن كونه بصائر وهدى في حق المؤمنين
يقتضي الاستماع والإنصات (لا سيما في حالة الصلاة التي هي أخص أوقات التوجه إلى الله
سبحانه وتعالى)) فإذا فعلوا ذلك يرجى لهم الرحمة والفلاح، فقوله تعالى: ﴿إذا قرىء القرآن﴾
الآية إرشاد إلى طريق الفوز بما أشير إليه من المنافع الجليلة التي ينطوي عليها القرآن، والعطف
للاهتمام بأمر القرآن، - والله أعلم - .
قال الحافظ ابن تيمية كثَّهُ : ((وقد استفاض عن السلف أنها نزلت في القراءة في الصلاة،
وقال بعضهم: في الخطبة، وذكر أحمد بن حنبل الإجماع على أنها نزلت في ذلك (أي في
الصلاة، كما في المغني) وذكر الإجماع على أنه لا تجب القراءة على المأموم حال الجهر)).
قال ابن قدامة في المغني: ((قال أحمد: ما سمعنا أحداً من أهل الإسلام يقول: إن الإمام
إذا جهر بالقراءة لا تجزىء صلاة من خلفه إذا لم يقرأ، وقال: هذا النبيّ ◌َ﴿ وأصحابه
والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل
الشام، وهذا الليث في أهل مصر ما قالوا لرجل صلى خلف الإمام قرأ إمامه ولم يقرأ هو:
صلاته باطلة)) (المغني لابن قدامة: ١: ٦٠٢).

٢٥٧
كتاب: الصلاة
قال الشيخ الحافظ ابن تيمية كثّفُهُ: ((ثم نقول: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾
لفظ عام، فإما أن يختص في القراءة في الصلاة، أو في القراءة في غير الصلاة، أو يعمهما،
والثاني: باطل قطعاً، لأنه لم يقل أحد من المسلمين أنه يجب الاستماع خارج الصلاة ولا
يجب في الصلاة، لأن استماع المستمع إلى قراءة الإمام الذي يأتم به، ويجب عليه متابعته:
أولى من استماعه إلى قراءة من يقرأ خارج الصلاة داخلة في الآية: إما على سبيل الخصوص،
وإما على سبيل العموم، وعلى التقديرين فالآية دالة على أمر المأموم بالإنصات لقراءة الإمام،
وسواء كان أمر إيجاب أو استحباب فالمقصود حاصل، فإن المراد أن الاستماع أولى من
القراءة، وهذا صريح دلالة الآية على كل تقدير، والمنازع يسلم أن الاستماع مأمور به دون
القراءة فيما زاد على الفاتحة، والآية أمرت بالإنصات إذا قرىء القرآن، والفاتحة أم القرآن،
وهي التي لا بد من قراءتها في كل صلاة، والفاتحة أفضل سور القرآن، وهي التي لم ينزل في
التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، فيمتنع أن يكون المراد بالآية
الاستماع إلى غيرها دونها، مع إطلاق لفظ الآية وعمومها، مع أن قراءتها أكثر وأشهر، وهي
أفضل من غيرها، فإن قوله تعالى: ﴿إذا قرىء القرآن﴾ يتناولها، ولا يتناول غيرها، أظهر لفظاً
ومعنى، والعادل عن استماعها إلى قراءتها إنما يعدل لكون قراءتها عنده أفضل من الاستماع،
وهذا غلط مخالف للنص والإجماع، فإن الكتاب والسنة أمرت المؤتم بالاستماع دون القراءة،
والأمة متفقون على أن استماعه لما زاد على الفاتحة أفضل من قراءة ما زاد عليها، فلو كانت
القراءة لما يقرؤه الإمام أفضل من الاستماع لقراءته لكان قراءة الإمام أفضل من قراءته لما زاد
على الفاتحة(١)، وهذا لم يقله أحد، وإنما نازع من نازع في الفاتحة لظنه أنها واجبة على
المأموم مع الجهر أو مستحبة له حينئذ. وجوابه أن المصلحة الحاصلة له بالقراءة يحصل
بالاستماع ما هو أفضل منها، بدليل استماعه لما زاد على الفاتحة، فلولا أنه يحصل له
بالاستماع ما هو أفضل من القراءة لكان الأولى أن يفعل أفضل الأمرين، وهو القراءة، فلما دل
الكتاب والسنة والإجماع على أن الاستماع أفضل من القراءة على أن المستمع يحصل له أفضل
مما يحصل للقارىء، وهذا المعنى موجود في الفاتحة وغيرها، فالمستمع لقراءة الإمام يحصل له
أفضل مما يحصل بالقراءة، وحينئذ فلا يجوز أن يؤمر بالأدنى وينهى عن الأعلى))، كذا قال ابن
تيمية تكلَلهُ في فتاواه.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن الآية ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ وإن
كان نزولها في قراءة الإمام خاصة كما ذكره الإمام أحمد وغيره، لكن النظم أعم وأشمل، فإنه
(١) هكذا في الأصل، ولعلّ في العبارة سقطاً وخللاً. من المؤلف رحمه الله.

٢٥٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قد علق أمر الإنصات على نفس قراءة القرآن مع عزل اللحظ عن خصوصية قارىء دون قارىء
فالإنصات لمجرد قراءة القرآن مع قطع النظر عن كون القارىء إماماً أو منفرداً في الصلاة أو في
غيرها يتعين أن يكون لمراعاة استماع القرآن لا يتصور فيه غيره، وأما إذا أدير حكم الإنصات
على مسألة الائتمام وقراءة الإمام خاصة كما في حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم،
وحديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره من قوله بي ليه: ((وإذا قرأ (أي الإمام) فأنصتوا)) ولم يقل:
فاستمعوا له وأنصتوا: فلا يجب أن يكون الإنصات فيه لرعاية الاستماع فقط، بل يوجد فيه
ملحظ سوى ملحظ الاستماع، وهو كون الإمام ترجمان القوم الذي يقدم ملتمسهم بين يدي
الملك ويتلقى الجواب عنه، وهذا كما في حديث أنس عند الدارمي: ((وأنا خطيبهم إذا أنصتوا))
أي المتكلم عنهم، إذا سكتوا عن الاعتذار متحيرين فأعتذر عنهم عند ربهم، فيكون لي قدرة على
الكلام في ذلك المقام دون سائر الأنام، فالفاتحة المشتملة على سؤال الهداية بعد ثناء الملك
وتحميده، وإظهار عبودية العباد واستكانتهم لربه، وافتقارهم إليه هي عريضة القوم، ولهذا سميت
الفاتحة تعليم المسألة، والتأمين بمنزلة الإمضاء، والإمام ترجمانهم وزعيمهم وقائدهم إذا وفدوا
على الله، وخطيبهم إذا أنصتوا، ولعل السورة المضمومة إلى الفاتحة إجابة من الله لملتمسهم،
وجواب عن مسألتهم، فالله تعالى أيضاً يجيبهم على لسان الإمام، كما أن القوم سألوه على
لسانه، والسؤال في الفاتحة إنما كان للهداية بقوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾﴾ الآية،
﴾ [سورة البقرة،
وسائر الكتاب هداية، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ لَا رَيْبَ فِهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ
آية: ٢] وقال تعالى: ﴿أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيْنَتٍ مِّنَ الْهُدَى وَاَلْفُرْقَانِ﴾ [سورة البقرة،
آية: ١٨٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [سورة الإسراء، آية: ٩] فكأنه قيل
للقوم: إن كنتم طالبين للهداية إلى الصراط المستقيم فاقرأوا القرآن ما تيسر منه، فإن القرآن قليله
و كثيره هداية.
هذا، ومن الفطريات المعلومة عند كل حاضر وباد أن جماعة إذا وفدوا على العظماء
والملوك فلا يليق بشأنهم الشغب، وأن يتكلم كل واحد منهم، بل يكلون الكلام إلى من هو
أعلمهم بآداب السلاطين، ونواميس سياستهم، وأقدر على بيان مراد القوم، والإفصاح عن
مطالبهم، فهكذا حال الجماعة القادمين على باب أحكم الحاكمين وملك الملوك، يقدمون رجلاً
يكون أقرأهم لكتاب الله، وأعلمهم بالسنة، فيترجم بينهم وبين ربهم عز شأنه، وهم كلهم
منصتون صامتون خاشعون، فهذا الإنصات ليس للاستماع فقط، بل لأنهم يكفيهم الإمام ويتحمل
عنهم، وقراءته هي قراءتهم، ومناجاته هي مناجاتهم، فالإمام هو الضامن كما ورد في حديث
الترمذي، والتكلم بلا ضرورة بحضرة الملك على الإطلاق يستحق أن يكون ممنوعاً عنه، تأدباً
مع عظيم مهابته وجلاله وكمال عزته وسلطانه.

٢٥٩
كتاب: الصلاة
قال الشيخ الأكبر في الفتوحات: ((وإن الله لما اصطفى منهم واحداً سماه إماماً ليناجيه عن
الجماعة بما يحب أن يهبه للجماعة، وجعله كالترجمان بين يديه وبين أيديهم، مقبلاً على ربهم،
فيجب على الجماعة السكوت والإنصات، والانتظار لما يرد عليهم من سيدهم بوساطة ذلك
الإمام، ولهذا جاء في حديث جابر أن قراءة الإمام كافية عن الجماعة، فإنه الذي قدمه الحق
للمناجاة، فلما كان الإمام هو المقصود في النيابة عن الجماعة، وأمر الشرع أن يأتموا به في كل
ما يفعله مما شرع له فعله: وجب عليهم الإنصات والاقتداء بكل ما يفعله الإمام في صلاته)).
وقال في موضع آخر: ((والصفوف إنما شرعت في الصلاة ليتذكر الإنسان بها وقوفه بين
يدي الله يوم القيامة في ذلك الموطن المهول، والشفعاء من الأنبياء والمؤمنين والملائكة بمنزلة
الأئمة في الصلاة يتقدمون الصفوف، وصفوفهم في الصلاة كصفوف الملائكة عند الله، كما قال
تعالى: ﴿وَأَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [سورة الفجر، آية: ٢٢] وقال: ﴿ وَالْمَلَتِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِينَ لَهُ
الرَّحْمَنُ﴾ [سورة النبأ، آية: ٣٨] (فيتكلم بعضهم) وهو الإمام النائب عن الجماعة، وأمرنا الحق أن
نصفّ في الصلاة كما تصف الملائكة)) اهـ.
وهذه الدقيقة التي نبه عليها الشيخ تغُّ في تحقيق منصب الإمام ووظيفة المأموم قد فصله
وحرره شيخ شيخنا قاسم العلوم والخيرات في رسالته الهندية المسماة ((بالدليل المحكم)) أتم
تحرير وتفصيل، فعليك بمراجعتها .
والغرض هنا أن الإنصات في القرآن وإن سلم اختصاصه بجهر القراءة لكن الإنصات في
حديثي أبي موسى وأبي هريرة لا يلزم أن يكون مقصوراً على الجهر، - والله أعلم - .
وحديث ((وإذا قرأ فأنصتوا)) من مسند أبي موسى قد صححه أحمد بن حنبل، كما في
التمهيد لابن عبد البر، وصاحبه أبو بكر بن أثرم، ثم مسلم، ثم النسائي من حيث إخراجه إياه
في مجتباه، ثم ابن جرير في تفسيره، ثم أبو عمرو بن حزم الأندلسي، ثم زكي الدين المنذري،
ثم ابن تيمية، وابن كثير في تفسيره، ثم الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح. وقد أخرجه
مسلم في صحيحه عن أبي موسى من طريق سليمان التيمي، وقال لأبي بكر بن أخت أبي النضر
الطاعن فيه: ((تريد أحفظ من سليمان)) وأشار إلى أنه مما أجمع عليه. وقد رد العلامة
النيموي كثّثُ في ((آثار السنن)) وجوه الطعن فيه، وأظهر صحته، من شاء فليراجعه.
ثم صحح مسلم كثّفُ حديث أبي هريرة أيضاً - يعني: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) - وإن لم يخرجه
في جامعه .
قال الشيخ الأنور في فصل الخطاب: ((وحديث أبي هريرة عند النسائي وغيره، وأوفى
سياق له عند ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: قال رسول الله وَليقول: ((إنما جعل الإمام
ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضآلين،

٢٦٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك
الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين)) اهـ مع ألفاظ أخر فيه
عند آخرين، تابع أبا خالد الأحمر فيه عن ابن عجلان محمد بن سعد الأنصاري عنه عند النسائي
أيضاً، وحسان بن إبراهيم الكرماني ذكره في كتاب القراءة (ص ٩٠) وهو من رجال الصحيحين.
فأما الحديث الأول - وهو حديث أبي موسى - فحدث به هو في واقعة جماعة فيهم
حطان بن عبد الله الرقاشي، وهو بصري، وحمله عنه يونس بن حبير أبو غلاب، وهو بصري
أيضاً، وعنه قتادة وهو بصري، فكان الحديث من طريق أهل البصرة، وقتادة مخرجه، فحمله عنه
أربعة من الأقوياء، وهذا كاف.
وأما الحديث الثاني فهو من طريق محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، فمحمد بن عجلان ثقة مأمون، فراجع الميزان وكتاب العلل الصغير للترمذي.
وفي الميزان من ترجمة عبد الله بن ذكوان وابن عجلان صدوق من علماء المدينة وأجلائهم
ومفتيهم، وغيره أحفظ منه، وليس هذا من أحاديثه عن سعيد المقبري التي قيل: إنها اختلطت
عليه ومع هذا اعتذر عنه ابن حبان، كما في تهذيب التهذيب، وأراد بذلك أن ما صنع ابن
عجلان في أحاديث سعيد لا يقدح فيه على الإطلاق، نعم، تبقى أحاديثه عن سعيد خاصة على
النقد إن أراد أحد تحقيق إسنادها على ما في نفس الأمر، ولا وجه لإعلال حديث أبي خالد
هذا، فإنه لم يخالف أحداً عن ابن عجلان، ولا هو عن زيد بن أسلم، نعم الآخرون عن أبي
صالح لم يذكروه، ولا يضر هذا، فإنه طريقة مستقلة عن زيد عن أبي صالح، غير طريقته - أي
ابن عجلان - عن مصعب بن محمد والقعقاع وزيد بن أسلم، عن أبي صالح، وقد روى عاصم بن
بهدلة عن أبي صالح هذا عن أبي هريرة ترك القراءة في الجهرية من فتواه عند البيهقي في سننه،
وكتاب القراءة، وفتواه هذه لهذا الحديث، ولعل مرسل زيد في الكنز (٤: ٢٥٣) قال: ((نهى
رسول الله ◌َ﴿ر عن القراءة خلف الإمام)) حكاية عنه أي هذا المرسل أيضاً لعله مأخوذ من حديثه
في الإنصات، وشاهده عن أبي هريرة أيضاً حديث ابن أكيمة الليثي عنه)) (فصل الخطاب ص ٢٧)
انتهى كلامه .
قلت: ولو فرضنا عدم صحة هذه الزيادة (أي وإذا قرأ فأنصتوا) فلا كلام في صحة صدر
الحديث، (أي إنما جعل الإمام ليؤتم به) ومعنى ليؤتم به ليتبع به، كما في الفتح. ثم نظرنا في
نصوص الشارع فوجدنا صورة الاتباع في التكبير أن يكبر، وفي الركوع أن يركع، وفي السجود
أن يسجد، وفي صلاته جالساً أن يجلس، وفي قوله: سمع الله لمن حمده، أن يقول: ربنا ولك
الحمد، ثم تتبعنا هل في شيء من نصوص الكتاب أو السنة ما يدل على تعيين صورة الاتباع في
قراءة القرآن هل هو القراءة أو الإنصات؟ فإذا نحن وجدنا عن ابن عباس في كيفية تلقي وحي