النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
كتاب: الحيض
وروى الدارقطني والحاكم من طريق عثمان بن محمد الأنماطي، عن عزرة بن ثابت، عن
أبي الزبير عن جابر عن النبيّ وَّر قال: ((التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين))
ضعفه ابن الجوزي بعثمان بن محمد، وقال: ((إنه متكلم فيه)) وأخطأ في ذلك. قال ابن دقيق
العيد: ((لم يتكلم فيه أحد)) نعم! روايته شاذة، لأن أبا نعيم رواه عن عزرة موقوفاً أخرجه الحاكم
والدارقطني أيضاً، وصوّب وقفه، كذا قال الحافظ في التلخيص، وقال في الدراية: ((أخرجه
الدارقطني والحاكم من حديث جابر بإسناد حسن، وقال الحاكم بعدما أخرجه صحيح الإسناد
ولم يخرجاه)).
قال العيني: ((وأخرجه البيهقي أيضاً، والحاكم أيضاً، من حديث إسحاق الحربي، وقال:
هذا إسناد صحيح، وقال الذهبي أيضاً: إسناده صحيح، ولا يلتفت إلى قول من يمنع صحته)) اهـ.
قال النيموي كثّفُ: ((وفي كون تلك الرواية شاذة (كما ادّعاه الحافظ في التلخيص) نظر،
لأن الرفع زيادة، وهي مقبولة، وهي لا تخالف رواية أبي نعيم، لأن بين مفهوم الحديث المرفوع
وبين الموقوف بوناً بائناً لا يتحد معناهما، وإن سلم أن المفهوم واحد لكن عثمان بن محمد
الأنماطي لم يخالفه أحد من أصحاب عزرة غير أبي نعيم، وكلاهما ثقتان، فكيف تكون الرواية
شاذة؟ وبذلك ظهر أن ما قاله الدارقطني من أن الصواب موقوف ليس بصواب)) اهـ.
قلت: وفي الباب حديث آخر أخرجه البزار في مسنده، قال الحافظ في الدراية: بإسناد
حسن، من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن
عباس، عن عمار، قال: ((كنت في القوم حين نزلت الرخصة في المسح بالتراب إذا لم نجد
الماء، فأمرنا، فضربنا واحدة للوجه، ثم ضربة أخرى لليدين إلى المرفقين)) اهـ.
قال البزار: ((وقد روى هذا الحديث جماعة عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس،
عن عمار، فتابعوا ابن إسحاق، ورواه غير واحد عن الزهري، عن عبيد الله، عن عمار، ولم
يقل: ((عن ابن عباس عن عمار)) كذا في نصب الراية. وروى بعض أصحاب الزهري عنه عن
عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار، ذكر هذا الاختلاف في الإسناد أبو داود في سننه)).
فمجموع هذه الأحاديث مع الآثار الآخر، واعتضاده بالقياس، وظاهر كتاب الله يدل على
أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين.
ومَن حده إلى الآباط - كما نقل عن الزهري - استدل بما رواه الطحاوي من طرق عن
عمار بن ياسر، قال: ((كنت مع رسول الله وَ الر حين نزلت آية التيمم، فضربنا ضربة واحدة
للوجه، ثم ضربنا ضربة لليدين إلى المنكبين ظهراً وبطناً)) وفي رواية: ((تيممنا مع رسول الله وَلـ
في سفر، فهلك عِقد لعائشة، فطلبوه حتى أصبحوا، وليس مع القوم ماء، فنزلت الرخصة في

١٨٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
التيمم بالصعيد، فقام المسلمون فضربوا بأيديهم إلى الأرض، فمسحوا بها وجوههم وظاهر
أيديهم إلى المناكب وباطنها إلى الآباط، قلنا: هو بدل عن الوضوء)) فالتنصيص على الغاية فيه
تنصيص عليها في التيمم، مع ما في الأحاديث القولية من التنصيص عليها، ويحمل الحديث على
فعل بعضهم أخذاً من إطلاق اليدين بدون ذكر الغاية، وليس في الحديث ما يدل على أنه وَّر اطلع
على فعلهم هذا، وقررهم مع احتمال النسخ، والله سبحانه أعلم. كذا في شرح النقاية.
وفي حاشية أبي داود ناقلاً عن مولانا الشاه إسحاق الدهلوي قدس سره: ((إن هذا (أي:
التيمم إلى المناكب والآباط) قياس الصحابة (أي: بعضهم في أول الأمر قبل بيان النبيّ وَليّ)،
فلما بينه ﴿ علموا أن التيمم أيضاً مثل الوضوء إلى المرافق)) اهـ. كما يشير إليه لفظ: ((أمرنا))
في حديث البزار الذي ذكرنا .
قال الشيخ أبو بكر الرازي: ((ومن الجائز المحتمل أن يكون عمار (وغيره) ذهب في ذلك
مذهب أبي هريرة في غسله ذراعيه في الوضوء إلى إبطيه على وجه المبالغة فيه وإطالة الغرة
والتحجيل)) اهـ. ويناسبه ما ورد في رواية ابن الليث: ((إلى ما فوق المرفقين)) ذكره أبو داود
تعليقاً .
وأما الحديث الآخر لعمار ظله - وهو حديث الباب الذي فيه قصة تمعكه في التراب،
وقوله وقوله: ((إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه إلى الأرض، فنفض يديه فمسح
وجهه وكفيه)) - فهو مع قطع النظر عن الاضطراب الكثير في متنه وردّ عمر بن الخطاب ظُبه شريك
القصة إياه لقادح خفي رآه فيه، كما قاله الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه في حجة الله
البالغة: محمول على صورة التعليم والإشارة إلى ما كان معهوداً عندهم من تيمم الوضوء وإطراح
الزيادة عليه في الجنابة، كما زاد عمار، وهذا كما قال النبيّ وَّ في حديث جبير بن معطم حين
تماروا في الغسل: ((أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثاً)) وقالت عائشة رضيثنا: ((وما أزيد على أن أفرغ
على رأسي ثلاث إفراغات)) فليس المراد الاكتفاء بالإفراغات الثلاثة على الرأس من دون الإفاضة
على سائر الجسد، بل الغرض نفي التعمق الذي كان بلغها من عبد الله بن عمرو رائه .
وأما قوله ﴿ في الرواية الأخرى من حديث عمار عند مسلم: ((إنما كان يكفيك أن تضرب
بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك))، فإن لم يكن تصرفاً من الرواة بحكاية
الفعل بالقول فهو محمول على أن المراد بالكفين: الذراعان إطلاقاً لاسم الجزء على الكل، أو
المراد ظاهرهما مع الباقي كما في: ﴿كَبَسِطِ كَفَّتِهِ إِلَى الْمَآءِ﴾ [سورة الرعد، آية: ١٤] والنكتة في هذا
التعبير المبالغة في نفي التمرغ الذي فعله عمار قياساً على الغسل، أو كون أكثر عمل الأمة على
حديث المرفقين يرجحه على حديث عمار هذا، فإن تلقي الأمة الحديث بالقبول يرجحه على ما
أعرضت عنه لا سيما في المسائل التي تعم به البلوى وتكثر، ويتكرر وقوعها .

١٨٣
كتاب: الحيض
أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا)) ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةٌ. ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ،
وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ، وَوَجْهَهُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَوَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟.
٨١٧ - ٤/١١١ - وحدّثنا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ
عَنْ شَقِيقٍ. قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثٍ أَبِي
مُعَاوِيَةَ. غَيْرَ أَنْهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا)) وَضَرَبَ
بِيَدَيْهِ إِلَى الأَرْضِ. فَنَفَضَ يَدَيْهِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفِّيْهِ.
قال الشيخ الأجلّ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((أما صفة التيمم فهو أحد ما اختلف
فيه طريق التلقي عن النبيّ وَّ ر، فإن أكثر الفقهاء من التابعين وغيرهم قبل أن تمهد طريقة
المحدثين على أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين))، وأما الأحاديث
فأصحّها حديث عمار: ((إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح
بهما وجهك وکفیك» وروي من حديث ابن عمر: ((التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين
إلى المرفقين)) وقد روي عمل النبيّ ◌َّر والصحابة على الوجهين، ووجه الجمع ظاهر يرشد إليه
لفظ ((إنما يكفيك)) فالأول: أدنى التيمم، والثاني: هو السنة، وعلى ذلك يمكن أن يحمل
اختلافهم في التيمم، ولا يبعد أن يكون تأويل فعله وَّ ر أنه علّم عماراً أن المشروع في التيمم
إيصال ما لصق باليدين بسبب الضربة - دون التمرغ - ولم يرد بيان قدر الممسوح من أعضاء
التيمم، ولا عدد الضربة، ولا يبعد أن يكون قوله لعمار أيضاً محمولاً على هذا المعنى، وإنما
معناه الحصر بالنسبة إلى التمرغ، وفي مثل هذه المسألة لا ينبغي أن يأخذ الإنسان إلا بما يخرج
به من العهدة يقيناً، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (أن تقول بيديك) إلخ: أي تفعل.
قوله: (ظاهر كفيه) إلخ: مسح ظاهر الكفين فقط لا يكفي عند من يتمسك بظاهر حديث
عمار، فالحديث مؤول عنده أيضاً.
١١١ - ( ... ) - قوله: (فنفض يديه) إلخ: وفي الرواية الآتية بعدها: ((ثم تنفخ ثم تمسح)).
قال علي القاري: ((أي: ليقلّ التراب الذي حصل في كفيه، لأن المقصود إنما هو التطهير لا
التغيير الموجب للتنفير)).
قال النووي: ((وقد احتج بهذا اللفظ من جوز التيمم بالحجارة وما لا غبار عليه)).
قال الشيخ أبو بكر الرازي: ((فعلمنا أن المقصد فيه وضع اليد على ما كان من الأرض، لا
على أن يحصل في يده أو وجهه شيء منه، ولو كان المقصد أن يحصل في يده منه شيء: لأمر
بحمل التراب على يده ومسح الوجه به كما أمر بأخذ الماء للغسل أو للمسح حتى يحصل في
وجهه، فلما لم يأمر بأخذ التراب ونفض النبيّ 9َّ يديه ونفخهما علمنا أنه ليس المقصد حصول
التراب في وجهه)».

١٨٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٨١٨ - (١١٢) حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِم الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ
الْقَطَّانَ) عَنْ شُعْبَةَ. قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ عَنْ ذَرُّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبْزَى،
عَنْ أَبِيهِ (١)؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءَ. فَقَالَ: لا تُصَلِّ. فَقَالَ
عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا. فَلَمْ نَجِدْ مَاءٌ. فَأَمَّا أَنْتَ
فَلَمْ تُصَلِّ. وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ. فَقَّالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ
تَضْرِبَ بِيَدَنْكَ الأَرْضَ. ثُمَّ تَنْفُخَ. ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ) فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ.
يَا عَمَّارُ. قَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أَحَدُثْ بِهِ.
قَالَ الحَكُمُ: وَحَدَّثَنِيهِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ، مِثْلِ حَدِيثٍ ذَرٍّ. قَالَ:
وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ عَنْ ذَرٍّ، فِي هُذَا الإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَ الْحَكَمُ. فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِيَكَ مَا تَوَلَّيْتَ.
٨١٩ - (١١٣) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ،
عَنِ الْحَكَمِ. قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبْزَى. قَالَ: قَالَ الْحَكَمُ: وَقَدْ
سَمِعْتُهُ مِنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَّى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ
١١٢ - ( ... ) - قوله: (عبد الرحمن بن أبزى) إلخ: أبزي: بفتح الهمزة، وإسكان الباء
الموحدة، وبعدها زاي، ثم ياء (تقرأ ألفاً) وعبد الرحمن هذا صحابي.
قوله: (فقال: لا تصل) إلخ: يعلم منه أن فاقد الطهورين لا يصلي عنده رَظ ◌ُه .
قوله: (اتق الله يا عمار) إلخ: أي: في ذكر أحكامه وما ترويه عن رسول الله وَّل، فلا
تذكر إلا عن تحفظ، فلعلك نسيت أو اشتبه الأمر عليك. كذا قال السندي وغيره.
قوله: (إن شئت لم أحدث به) إلخ: كأنه رأى أن أصل التبليغ قد حصل منه، وزيادة التبليغ
غير واجب عليه، فيجوز له تركه إن رأى عمر فيه مصلحة. قاله السندي في حاشية النسائي.
قوله: (نوليك ما توليت) إلخ: كأنه ما قطع بخطأه، وإنما لم يذكره، فجوز عليه الوهم،
وعلى نفسه النسيان. والله أعلم. قاله السندي.
(١) قوله: ((عن أبيه)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التيمم، باب المتيمم هل ينفخ فيهما، رقم
(٣٣٨) وباب التيمم للوجه والكفين، رقم (٣٣٩) و(٣٤٠) و(٣٤١) و(٣٤٢) و(٣٤٣). والنسائي في سننه،
في كتاب الطهارة، التيمم في الحضر، رقم (٣١٣) وباب نوع آخر من التيمم والنفخ في اليدين، رقم (٣١٧)
وباب نوع آخر من التيمم، رقم (٣١٨) وباب نوع آخر من التيمم، رقم (٣١٩) وباب نوع آخر، رقم
(٣٢٠). وأبو دؤاد في سننه، في كتاب الطهارة، باب التيمم، رقم (٣٢٢). وابن ماجه في سننه، في كتاب
الطهارة وسننها، باب ما جاء في التيمم ضربة واحدة.

١٨٥
كتاب: الحيض
أَجِدْ مَاءً. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَزَادَ فِيهِ: قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ شِئْتَ، لِمَا جَعَلٌ
اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ حَقِّكَ، لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً وَلَمْ يَذْكُرْ: حَدَّثَنِي سَلَمَةُ، عَنْ ذَرٍّ.
٨٢٠ - (١١٤) قَالَ مُسْلِمٌ: وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَقْبَلْتُ أَنَا
وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلَى مَيْمُونَةً، زَوْجِ النَّبِيِّ بَّهِ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الْجَهْمِ بْنِ
الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ. فَقَالَ أَبُو الْجَهَم (١): أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
١١٣ - ( ... ) - قوله: (لما جعل الله عليّ من حقك) إلخ: أي: عمر ◌َُّه كان أميراً،
وإطاعته واجبة في غير معصية. والله أعلم.
١١٤ - (٣٦٩) - قوله: (قال مسلم: وروى الليث) إلخ: هكذا وقع في صحيح مسلم من
جميع الروايات منقطعاً بين مسلم والليث، وهذا النوع يسمى تعليقاً. وذكر النووي أن في صحيح
مسلم أربعة عشر أو اثني عشر حديثاً منقطعة هكذا، وتقدم تفصيله في مقدمة هذا الشرح.
وقد وصل البخاري في صحيحه هذا التعليق من طريق يحيى بن بكير عن الليث في باب
التيمم في الحضر.
قوله: (أنا وعبد الرحمن بن يسار) إلخ: خطأ صريح، وصوابه عبد الله بن يسار، وهكذا
رواه البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم على الصواب، فقالوا: عبد الله بن يسار.
قال القاضي عياض: ((ووقع في روايتنا صحيح مسلم من طريق السمرقندي عن الفارسي
عن الجلودي عن عبد الله بن يسار على الصواب، وهم أربعة إخوة: عبد الله، وعبد الرحمن،
وعبد الملك، وعطاء مولى ميمونة)). والله أعلم. كذا في الشرح.
قوله: (على أبي الجهم بن الحارث) إلخ: قيل: اسمه عبد الله، وأبو الجهم بفتح الجيم،
وبعدها هاء ساكنة، هكذا وقع في صحيح مسلم، وهو خطأ، والصواب أنه بالتصغير: أبو
الجهيم، وفي الصحابة شخص آخر يقال له: أبو الجهم، وهو صاحب الأنبجانية، وهو غير
هذا، لأنه قرشي، وهذا أنصاري، ويقال: بحذف الألف واللام في كل منهما، وبإثباتهما .
قوله: (ابن الصمة الأنصاري) إلخ: بكسر المهملة وتشديد الميم، وهو: ابن عمرو بن
عتيك الخزرجي.
(١) قوله: ((أبو الجهل)) (والطواب أبو الجهيم - بالتصغير - كما نبّه عليه المؤلف رحمه الله تعالى) الحديث
أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التيمم، باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت
الصلاة، رقم (٣٣٧). والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب التيمم في الحضر، رقم (٣١٢) وأبو
داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب التيمم في الحضر، رقم (٣٢٩).

١٨٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مِنْ نَحْوِ بِثْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ وَّه عَلَيْهِ، حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى
الْجِدَارِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ.
قوله: (من نحو بئر جمل) إلخ: أي: من جهة الموضع الذي يعرف بذاك، وهو معروف
بالمدينة، وهو بفتح الجيم والميم، وفي النسائي: ((بئر الجمل)) وهو من العقيق. قاله الحافظ.
قوله: (فلقيه رجل) إلخ: هو أبو الجهيم الراوي، بينه الشافعي في روايته لهذا الحديث من
طريق أبي الحويرث، عن الأعرج.
قوله: (حتى أقبل على الجدار) إلخ: استدل به بعض أصحابنا على جواز التيمم على
الحجر، وذلك لأن حيطان المدينة مبنية بحجارة سود.
وقال ابن بطال: ((في نيمم النبيّ ◌َّليه بالجدار ردّ على الشافعي في اشتراط التراب، لأنه
معلوم أنه لم يعلق به التراب، إذ لا تراب على الجدار)).
قال العيني: ((وأما ما رواه الشافعي من طريق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى: من حتّ
الجدار بالعصا، في هذه القصة: فهو حديث ضعيف، كما سبق، وزيادة حتّ الجدار لم يأت بها
أحد غير إبراهيم) اهـ.
قوله: (فمسح وجهه ويديه) إلخ: قرر في البحر أن التيمم عند وجود الماء يجوز لكل عبادة
تحل بدون الطهارة، ولكل عبادة تفوت لا إلى خلف، وبين القاعدتين عموم وجهي يجتمعان في
ردّ السلام - مثلاً - فإنه يحل بدون الطهارة ويفوت لا إلى خلف، وتنفرد الأولى في مثل دخول
المسجد للمحدث، فإنه يحل بدون الطهارة من الحدث الأصغر، ولا يصدق عليه أنه يفوت لا
إلى خلف، وتنفرد الثانية في مثل صلاة الجنازة، فإنها تفوت لا إلى خلف ولا تحل بدون
الطهارة .
قال ابن عابدين: (لكن القاعدة الأولى محل بحث)) ثم قال بعد كلام نقله عن شرح المنية
من ((أن التيمم إنما يجوز ويعتبر في الشرع عند عدم الماء حقيقة أو حكماً، ولم يوجد واحد
منهما (أي: في القاعدة الأولى) فلا يجوز)) اهـ.
فيفيد أن التيمم لما لم تشترط له الطهارة غير معتبر أصلاً مع وجود الماء، إلا إذا كان مما
يخاف فوته لا إلى بدل، فلو تيمم المحدث للنوم أو لدخول المسجد مع قدرته على الماء فهو
لغو، بخلاف تيممه لرد السلام - مثلاً - لأنه يخاف فوته لأنه على الفور، ولذا فعله وَ له قال:
وهذا الذي ينبغي التعويل عليه.
قال الحافظ: ((وقيل: يحتمل أنه لم يرد له بذلك التيمم رفع الحدث، ولا استباحة
محظور، وإنما أراد التشبه بالمتطهرين، كما يشرع الإمساك في رمضان لمن يباح له الفطر، أو
أراد تخفيف الحدث بالتيمم، كما يشرع تخفيف حدث الجنب بالوضوء. ومقتضى صنيع البخاري

١٨٧
كتاب: الحيض
٨٢١ - (١١٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ
الضَّخَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١)؛ أَنَّ رَجُلاً مَرَّ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يَبُولُ،
فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ.
أن حديث الباب محمول على أنه و لو كان عادماً للماء حال التيمم، والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب» اهـ.
١١٥ - (٣٧٠) - قوله: (أن رجلاً مرّ) إلخ: قيل: هو المهاجر بن قنفذ، كما رواه أبو داود
وغيره من حديث المهاجر نفسه .
قوله: (ورسول الله له يبول) إلخ: كذا وقع نحوه في حديث المهاجر بن قنفذ عند أبي
داود، وفي حديث ابن عمر عند أبي داود من طريق محمد بن ثابت العبدي، عن نافع، فلقي
رسول الله وَّر، وقد خرج من غائط أو بول، أي: فرغ، لأن الخروج بعد الفراغ. كذا في
المرقاة.
قوله: (فسلّم) إلخ: الظاهر أنه سلم في حالة البول. وقال ابن حجر: ((بعد الفراغ إذ
المروءة قاضية بأن من يقضي حاجته لا يكلم فضلاً عن أن يسلم عليه)).
قال النووي: ((قال أصحابنا: ويكره أن يسلم على المشتغل بقضاء حاجة البول أو الغائط،
فإن سلّم علیه کره له ردّ السلام)) اهـ.
وفي الفيض: ((لو سلم على المؤذن، أو المصلي، أو القاريء، أو الخطيب: فعن أبي
حنيفة لا يلزمه الردّ بعد الفراغ، بل يردّ في نفسه، وعن محمد: يردّ بعده، وعن أبي يوسف: لا
يرد مطلقاً، هو الصحيح، وأجمعوا أن المتغوط لا يلزمه مطلقاً) كذا في ردّ المحتار.
قوله: (فلم يردّ عليه) إلخ: زاد في رواية محمد بن ثابت ((وقال: إنه لم يمنعني أن أردّ
عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر)) ونحوه في حديث المهاجر بن قنفذ.
قال بعض الشراح: هذا الحديث يدل على استحباب ذكر الله بالوضوء أو التيمم، لأن
السلام من أسماء الله تعالى، أي: في الأصل، فإن المراد هنا السلامة.
قال ابن الملك: ((والتوفيق بين هذا وحديث علي: ((أنه كان يخرج من الخلاء فيقرئنا
(١) قوله: ((عن ابن عمر)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب السلام على من يبول، رقم
(٣٧) وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب أيرد السلام وهو يبول؟ رقم (١٦) وباب التيمم في
الحضر، رقم (٣٣٠) و(٣٣١) والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب في كراهة ردّ السلام غير
متوضىء، رقم (٩٠) وفي كتاب الاستئذان، باب ما جاء في كراهية السلام على من يبول، رقم (٢٧٢٠).
وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب الرجل يسلم عليه وهو يبول، رقم (٣٥٣).

١٨٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٢٩) - باب: الدليل على أن المسلم لا ينجس
٨٢٢ - (٠٠٠) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى، (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ)، قَالَ: حُمَيْدٌ
حَدَّثَنَا. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةً عَنْ حُمَيْدٍ
الطَّوِيلِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ أَنَّهُ لَقِيَهُ النَّبِيُّ ◌َّهَ فِي طَرِيقٍ مِنْ ظُرُقِ الْمَدِينَةِ
وَهُوَ جُنُبٌ. فَانْسَلَّ فَذَّهَبَ فَاغْتَسَلَ. فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ وَهِ. فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ ((أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا
القرآن)): أنه أخذ في ذلك تيسيراً على الأمة، وفي هذا بالعزيمة، أي: تعليماً لهم بالأفضل)).
وقال المظهر: ((فيه دليل على أنّ من قصّر في ردّ جواب السلام بعذر يستحب أن يعتذر
عنه، حتى لا ينسب إلى الكبر، أو العداوة، وعلى وجوب ردّ السلام لأن تأخيره للعذر يؤذن
بوجوبه)». كذا في المرقاة.
(٢٩) - باب: الدليل على أن المسلم لا ينجس
(٣٧١) - قوله: (قال حميد حدثنا) إلخ: أي قال يحيى: حدثنا حميد، فالقائل يحيى، لا
حميد، كما يتوهم من ظاهر السياق.
قوله: (عن حميد الطويل عن أبي رافع) إلخ: قال المأزري: هذا الإسناد منقطع، إنما
يرويه حميد عن بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع، هكذا أخرجه البخاري وأبو بكر بن أبي
شيبة في مسنده، وأصحاب السنن الأربعة، ولا يقدح هذا في أصل متن الحديث، فإن المتن
ثابت على كل حال من رواية أبي هريرة ومن رواية حذيفة. والله أعلم.
قوله: (فانسل) إلخ: أي: مضى وخرج بتأنٍّ وتدرج. وقيل: معناه خرج وذهب بخفية
استحياءً منه وأدباً معه.
قوله: (فاغتسل) إلخ: فيه استحباب الطهارة عند ملابسة الأمور المعظمة، واستحباب
احترام أهل الفضل وتوقيرهم، ومصاحبتهم على أكمل الهيئات.
قوله: (أين كنت) إلخ: فيه: استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه بقوله:
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الغسل، باب عرق الجنب، وأن
المسلم لا ينجس، رقم (٢٨٣). وباب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره، رقم (٢٨٥) والنسائي في
سننه، في كتاب الطهارة، باب مماسة الجنب ومجالسته، رقم (٢٧٠). وأبو داود في سننه، في كتاب
الطهارة، باب في الجنب يصافح، رقم (٢٣١). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في
مصافحة الجنب، رقم (١٢١) وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب مصافحة الجنب، رقم
(٥٣٤).

١٨٩
كتاب: الحيض
هُرَيْرَةَ؟)) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ)).
٨٢٣ - (١١٦) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ
مِسْعَرٍ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةً(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ لَقِيَهُ وَهُوَ جُنُبٌّ،
فَحَادَ عَنْهُ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: كُنْتُ جُنُباً. قَالَ: ((إِنَّ الْمُسْلِمَ لا يَنْجُسُ)).
((أين كنت)) فأشار إلى أنه كان ينبغي له أن لا يفارقه حتى يعلمه. وفيه: استحباب تنبيه المتبوع
لتابعه على الصواب وإن لم يسأله.
قوله: (فكرهت أن أجالسك) إلخ: زاد البخاري: ((وأنا على غير طهارة)).
قوله: (سبحان الله) إلخ: تعجب من اعتقاد أبي هريرة التنجس بالجنابة، أي: كيف يخفى
عليه هذا الظاهر.
قوله: (إن المؤمن لا ينجس) إلخ: قال السندي: ((أي: لا ينجس بسبب الحدث نجاسة
تمنعه عن المصاحبة، وتوجبه التبعيد عن المجالسة، فكأنه بيّن أن الحدث ليس بنجاسة، وإنما
هو أمر تعبدي والله أعلم)).
قال الحافظ: ((تمسك بمفهومه بعض أهل الظاهر، فقال: إن الكافر نجس العين وقوّاه
بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ﴾ [سورة التوبة، آية: ٢٨] وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد
أن المؤمن طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن النجاسة.
وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، فلا ينبغي أن يقربوا أطهر مكان
وأقدسه في الأرض، أي: المسجد الحرام، لما أراد الله تعالى تطهير تلك البقعة الكريمة وما
حولها من جزيرة العرب من أرجاس المشركين واليهود والنصارى. وحجتهم أن الله تعالى أباح
نكاح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك فلم يجب
عليه من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليه من غسل المسلمة، فدل على أن الآدمي الحي ليس
بنجس العين، إذ لا فرق بين النساء والرجال)). كذا في الفتح.
١١٦ - (٣٧٢) - قوله: (فحاد عنه) إلخ: أي: مال وعدل.
(١) قوله: ((عن حذيفة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب مماسة الجنب ومجالسته،
رقم (٢٦٨) و(٢٦٩). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب في الجنب يصافح، رقم (٢٣٠). وابن
ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب مصافحة الجنب، رقم (٥٣٥).

١٩٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٣٠) - باب: ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها
٨٢٤ - (١١٧) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى. قَالا: حَدَّثَنَا
ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الْبَهِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ(١)؛
قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَخْيَانِهِ.
(٣١) - باب: جواز أكل المحدث الطعام
وأنه لا كراهة في ذلك، وأن الوضوء ليس على الفور
٨٢٥ - (١١٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ يَحْيَى:
أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرِوَ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
(٣٠) - باب: ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها
١١٧٠. (٣٧٣) - قوله: (عن البهي، عن عروة) إلخ: بفتح الباء الموحدة وكسر الهاء وتشديد
الياء، وهو لقب له، واسمه عبد الله بن بشار، وهو معدود في الطبقة الأولى من الكوفيين، وكنيته
أبو محمد، وهو مولى مصعب بن الزبير. كذا في الشرح.
قوله: (على كل أحيانه) إلخ: هذا الحديث أصل في جواز ذكر الله تعالى بالتسبيح،
والتهليل، والتكبير، والتحميد، وشبهها من الأذكار، وهذا جائز بإجماع المسلمين، وإنما
اختلف العلماء في جواز قراءة القرآن للجنب والحائض، فالجمهور على تحريم القراءة عليهما،
وفي الجنب حديث عن علي كرم الله وجهه، وفيه: ((لا يحجزه من القرآن شيء ليس الجنابة))
أخرجه أصحاب السنن.
قال النووي: ((واعلم أنه يكره الذكر في حالة الجلوس على البول والغائط، وفي حال
الجماع على قول الجمهور، فيكون الحديث مخصوصاً بما سوى هذه الأحوال، ويكون معظم
المقصود أنه * * كان يذكر الله تعالى متطهراً، ومحدثاً، وقائماً، وقاعداً ومضطجعاً، وماشياً،
والله أعلم».
(٣١) - باب: جواز أكل المحدث الطعام
وأنه لا كراهة في ذلك وأن الوضوء ليس على الفور
(١) قوله: ((عن عائشة)) إلخ: الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب في الرجل يذكر الله
تعالى على غير طهر، رقم (١٨١). والترمذي في جامعه، في كتاب الدعوات، باب ما جاء في أن دعوة
المسلم مستجابة، رقم (٣٣٨٤). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ذكر الله عزّ وجلّ
على الخلاء والخاتم في الخلاء، رقم (٣٠٢).

١٩١
كتاب: الحيض
الْحُوَيْرِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ خَرَجَ مِنَ الْخَلاَءِ، فَأَتِيَ بِطَعَامٍ، فَذَكَرُوا لَهُ
الْوُضُوءَ فَقَالَ: ((أُرِيدُ أَنْ أُصِّلِّيَ فَأَتَوَضَأَ؟)).
٨٢٦ - (١١٩) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ. سَمِعْتُ ابْنَ عَبَاسٍ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ بَ. فَجَاءَ مِنَ الْغَائِطِ،
وَأَتِيَ بِطَعَامِ، فَقِيلَ لَهُ: أَلا تَوَضَّأُ؟ فَقَالَ: ((لِمَ؟ أَأُصَلِّي فَأَتَوَضَّأَ؟» .
٨٢٧ - (١٢٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِم الطَّائِفِيُّ عَنْ
عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، مَوْلَى آلِ السَّائِبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ
قَالَ: ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ إِلَى الْغَائِطِ، فَلَمَّا جَاءَ قُدِّمَ لَهُ طَعَامٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا
تَوَضَّأُ؟ قَالَ: ((لِمَ، أَلِلصَّلاَةِ؟)).
٨٢٨ - (١٢١) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّدِ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ، عَنِ
ابْنِ جُرَيْجٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حُوَيْرِثٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَضَى
حَاجَتَهُ مِنَّ الْخَلاَءِ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَأَكَلَّ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً. قَالَ: وَزَادَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَهَ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأُ؟ قَالَ (مَا أَرَدْتُ صَلاَةً فَأَتَوَضَّأَ))
وَزَعَمَ عَمْرٌو؛ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعِيدٍ بْنِ الْحُوَيْرِثِ.
١١٨ - (٣٧٤) - قوله: (أريد أن أصلي) إلخ: استفهام إنكار، ومعناه الوضوء يكون لمن
أراد الصلاة، وأنا لا أريد أن أصلي الآن.
قال النووي: ((العلماء مجمعون على أن للمحدث أن يأكل، ويشرب، ويذكر الله سبحانه
وتعالى، ويقرأ القرآن، ويجامع، ولا كراهة في شيء من ذلك، وقد تظاهرت على هذا كله دلائل
السنة الصحيحة المشهورة، مع إجماع الأمة) اهـ.
١١٩ - ( ... ) - قوله: (لِمَ أصلي فأتوضأ) إلخ: لم بكسر اللام وفتح الميم، ((وأصلي))
بإثبات الياء في آخره، استفهام إنكار، والظاهر أن المراد بالوضوء الوضوء الشرعي.
(١) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب الوضوء لكل صلاة، رقم
(١٣٢). وأبو داود في سننه، في كتاب الأطعمة، باب في غسل اليدين عند الطعام، رقم (٣٧٦٠).
والترمذي في جامعه، في كتاب الأطعمة، باب في ترك الوضوء قبل الطعام، رقم (١٨٤٧). والدارمي في
سنته، في كتاب الصلاة والطهارة، باب الرجل يخرج من الخلاء فيأكل، رقم (٧٧٣). وفي كتاب الأطعمة،
باب في الأكل والشرب على غير وضوء، رقم (٢٠٨٢) و(٢٠٨٣).

١٩٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٣٢) - باب: ما يقول إذا أراد دخول الخلاء
٨٢٩ - (١٢٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ يَحْيَى أَيْضاً:
أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. كِلاَهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ (١). (فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ: كَانَ
رَسُولُ اللّهِ وَ يْهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ. وَفِي حَدِيثٍ هُشَيْمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿وَ كَانَ إِذَا دَخَلَ
الْكَنِيفَ).
(٣٢) - باب: ما يقول إذا أراد دخول الخلاء
١٢٢ - (٣٧٥) - قوله: (إذا دخل الخلاء) إلخ: ووقع عند البخاري في الصحيح تعليقاً،
وفي الأدب المفرد موصولاً: ((إذا أراد أن يدخل)) وأفادت هذه الرواية تبيين المراد من قوله: ((إذا
دخل الخلاء)) أي: كان يقول هذا الذكر عند إرادة الدخول، لا بعده، والله أعلم. وهذا في
الأمكنة المعدة لذلك بقرينة الدخول، ولهذا قال ابن بطال: ((رواية: ((إذا أتى)) (كما في البخاري)
أعم لشمولھا)) اهـ.
قال الحافظ: ((والكلام هنا في مقامين:
أحدهما: هل يختص هذا الذكر بالأمكنة المعدة لذلك لكونها تحضرها الشياطين، كما
ورد في حديث زيد بن أرقم في السنن؟ أو يشمل حتى لو بال في إناء - مثلاً - في جانب البيت؟
الأصح الثاني: ما لم يشرع في قضاء الحاجة. المقام الثاني: متى يقول ذلك؟ فمن يكره ذكر الله
في تلك الحالة يفصل، أما في الأمكنة المعدة لذلك فيقوله قبيل دخولها، وأما في غيرها فيقوله
في أول الشروع، كتشمير ثيابه مثلاً. وهذا مذهب الجمهور، وقالوا فيمن نسي: يستعيذ بقلبه لا
بلسانه، ومن يجيز مطلقاً - كما نقل عن مالك - لا يحتاج إلى تفصيل)) اهـ.
ويدل على تنحية المستنجي اسم الله واسم رسوله والقرآن: ما أخرجه أبو داود، والنسائي،
والترمذي عن أنس قال: ((كان النبيّ ◌َ﴿ إذا دخل الخلاء نزع خاتمه))، قال الترمذي: هذا حديث
حسن صحيح غريب، أفاده الطيبي.
قوله: (إذا دخل الكنيف) إلخ: قال النووي: (الخلاء - بفتح الخاء والمد - والكنيف - بفتح
(١) قوله: ((عن أنس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب ما يقول عند الخلاء، رقم
(١٤٢). وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الخلاء، رقم (٦٣٢٢). والنسائي في سننه، في كتاب
الطهارة، باب القول عند دخول الخلاء، رقم (١٩). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب ما يقول
الرجل إذا دخل الخلاء، رقم (٤) و(٥). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما يقول إذا دخل
الخلاء، رقم (٥) و(٦). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ما يقول الرجل إذا دخل
الخلاء، رقم (٢٩٨). والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب ما يقول إذا دخل المخرج،
رقم (٦٧٥).

١٩٣
كتاب: الحيض
قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ)).
٨٣٠ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ، (وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ)، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ
وَالْخَبَائِثِ» .
الكاف وكسر النون ـ والمرحاض: كلها موضع قضاء الحاجة)).
قوله: (من الخبث والخبائث) إلخ: بضم المعجمة والموحدة، كذا في الرواية. وقال
الخطابي: «إنه لا يجوز غيره)) وتعقب بأنه يجوز إسكان الموحدة، كما في نظائره مما جاء على
هذا الوجه، کگُتُب، وكُتب.
قال النووي: ((وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة، منهم: أبو عبيدة،
إلا أن يقال: إن ترك التخفيف أولى لئلا يشتبه بالمصدر)).
والخبث: جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم. قاله
الخطابي وابن حبان وغيرهما. ووقع في نسخة ابن عساكر: ((قال أبو عبد الله - يعني البخاري -:
ويقال: الخبث)) أي: بإسكان الموحدة، فإن كانت مخففة عن المحركة فقد تقدم توجيهه، وإن
كانت بمعنى المفرد فمعناه - كما قال ابن الأعرابي - المكروه، قال: فإن كان من الكلام فهو
الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب
فهو الضارّ، وعلى هذا فالمراد بالخبائث المعاصي أو مطلق الأفعال المذمومة ليحصل التناسب،
ولهذا وقع في رواية الترمذي وغيره ((أعوذ بالله من الخبث والخبيث أو الخبث والخبائث)) هكذا
على الشك، الأول: بالإسكان مع الإفراد، والثاني: بالتحريك مع الجمع، أي: من الشيء
المكروه، ومن الشيء المذموم، أو من ذكران الشياطين وإناثهم وكان ◌َلل * يستعيذ إظهاراً
للعبودية، ويجهر بها للتعليم، وقد روى العمري هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار
عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر، قال: ((إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله أعوذ بالله من
الخبث والخبائث)) وإسناده على شرط مسلم، وفيه زيادة التسمية ولم أرها في غير هذه الرواية،
كذا قال الحافظ في الفتح.
وقيل: الخبث الشياطين، والخبائث البول والغائط أن يناله منهما أذى، فكان يستعيذ وقت
الدخول مما كان يحمد على إذهابه عنه وقت الخروج، فقد ورد في سنن ابن ماجه أنه كان يقول
حين يخرج: ((الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)). والله أعلم.

١٩٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٣٣) - باب: الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء
٨٣١ - (١٢٣) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةً. ح وَحَدَّثَنَا
شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، كِلاَهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ (١)، قَالَ: أُقِيمَتِ
الصَّلاَةُ وَرَسُولُ اللَّهِ وَهَ نَجِيٍّ لِرَجُلٍ - (وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: وَنَبِيُّ اللّهِ بِهِ يُنَاجِي
الرَّجُلَ) - فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ.
٨٣٢ - (١٢٤) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِيٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ
عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ؛ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَالنَّبِيُّ وَّهِ يُنَاجِي
رَجُلاً. فَلَمْ يَزَلْ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ. ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِهِمْ.
٨٣٣ - (١٢٥) وحدّثني يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ، (وَهُوَ ابْنُ
(٣٣) - باب: الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء
١٢٣ - ( ... ) - قوله: (نجي لرجل): معناه مسارّ له، والمناجاة التحديث سراً. قال
تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَهُ نَجِيًّا﴾ [سورة مريم، آية: ٥٢] ففيه: جواز مناجاة الرجل بحضرة الجماعة، وإنما نهي
عن ذلك بحضرة الواحد: وفيه: جواز الكلام بعد إقامة الصلاة لا سيما في الأمور المهمة،
ولكنه مكروه في غير المهم. وفيه تقديم الأهم فالأهم من أمور عند ازدحامها، فإنه وَّو إنما
ناجاه بعد الإقامة في أمر مهمّ من أمور الدين مصلحته راجحة على تقديم الصلاة، كذا في
الشرح .
قوله: (فما قام إلى الصلاة حتى) إلخ: ولم يذكر في الحديث أن الإقامة أعيدت مع أنه قد
طال الأمر حتى نام أصحابه، ولعله لم يطل الأمر، والمنصوص (أي في المذهب) أنه إن بعُد
تأخير الصلاة أعيدت. قاله الأبي.
وفي الدر المختار: ((وينبغي - إن طال الفصل أو وجد ما يعدّ قاطعاً كأكل - أن تعاد)).
وقال ابن عابدين ناقلاً عن شرح المنية: ((أقام المؤذن ولم يصل الإمام ركعتي الفجر
يصليهما ولا تعاد الإقامة، لأن تكرارها غير مشروع إذا لم يقطعها قاطع من كلام كثير أو عمل
كثير مما يقطع المجلس في سجدة التلاوة)).
قوله: (حتى نام القوم) إلخ: وقع عند إسحاق بن راهويه وابن حبان: ((حتى نعس بعض
القوم)) وهو يدل على أن النوم المذكور لم يكن مستغرقاً قاله الحافظ.
(١) قوله: ((عن أنس)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب الوضوء من النوم، رقم
(٢٠٠) و(٢٠١). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من النوم، رقم (٧٨).

١٩٥
كتاب: الحيض
الْحَارِثِ)، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَهُ
يَنَامُونَ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلا يَتَوَضَّؤُونَ.
١٢٥ - (٠٠٠) .... قوله: (ولا يتوضؤون) إلخ: فيه: أن بعض النوم لا ينقض الوضوء.
واختلف العلماء في ذلك على ثمانية أقوال ذكرها صاحب سبل السلام وغيره. والمختار منها
عند الحنفية أن الوضوء ينقضه نوم يزيل مسكة الرجل، أي: قوته الماسكة، بحيث تزول مقعدته
من الأرض، وهو النوم على أحد جنبيه أو وركيه، أو قفاه، أو وجهه، والنعاس أي: النوم
القليل الذي لا يشتبه على صاحبه أكثر ما يقال، لا ينقض الوضوء عندنا .
واستدل أصحابنا بحديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله وَله: ((وكاء السه
العينان، فمن نام فليتوضأ)) أخرجه أبو داود وحسنه المنذري وابن الصلاح والنووي كما في
التلخيص .
وبحديث ابن عباس به أن النبي ◌َّر قال: ((ليس على من نام ساجداً وضوء حتى
يضطجع، فإذا اضطجع استرخت مفاصله)) رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجاله موثوقون، كما في
مجمع الزوائد.
وأما حديث الباب فأخرجه أبو داود وصححه الدارقطني بلفظ ((قال: كان أصحاب
رسول الله (3 على عهده ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون))
وأخرجه الترمذي: ((وفيه يوقظون للصلاة)) وفيه: ((حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطاً، ثم يقومون
فيصلون ولا يتوضؤون)) وحمله جماعة من العلماء على نوم الجالس، ودفع هذا التأويل بأن في
رواية عن أنس (يضعون جنوبهم)) رواها يحيى القطان. قال ابن دقيق العيد: ((يحمل على النوم
الخفيف)) وردّ بأنه لا يناسبه ذكر الغطيط والإيقاظ، فإنهما لا يكونان إلا في نوم مستغرق. وإذا
عرفت هذا فالأحاديث قد اشتملت على ((خفقة الرأس)) وعلى ((الغطيط)) وعلى ((الإيقاظ)) وعلى
((وضع الجنوب)) وكلها وصفت بأنهم كانوا لا يتوضؤون من ذلك، فاختلفت أنظار العلماء.
قال العلامة الحافظ محمد بن إسماعيل الأمير اليماني في شرح بلوغ المرام: ((والأقرب
القول بأن النوم ناقض، لحديث صفوان بن عسال ه الذي جاء في المسح على الخفين،
وفيه: ((من بول أو غائط أو نوم)) صححه ابن خزيمة، والترمذي، والخطابي، ولكن لفظ النوم في
حديثه مطلق، ودلالة الاقتران ضعيفة، فلا يقال: قد قرن بالبول والغائط وهما ناقضان على كل
حال، ولما كان مطلق ورود حديث أنس بنوم الصحابة وأنهم كانوا لا يتوضؤون ولو غطوا
غطيطاً، وبأنهم كانوا يضعون جنوبهم، وبأنهم كانوا يوقظون، والأصل جلالة قدرهم، وأنهم لا
يجهلون ما ينقض الوضوء، سيما وقد حكاه أنس عن الصحابة مطلقاً، ومعلوم أن فيهم العلماء
العارفين بأمور الدين خصوصاً الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام وسيما الذين كانوا منهم
ينتظرون الصلاة معه ونقر، فإنهم أعيان الصحابة، وإذا كانوا كذلك فيقيد مطلق حديث صفوان

١٩٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: قُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ!
٨٣٤ - (١٢٦) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا حَبَّانُ. حَدَّثَنَا
حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أُقِيمَتْ صَلَهُ الْعِشَّاءِ. فَقَالَ رَجُلٌ: لِي حَاجَةٌ، فَقَامَ
النَّبِيُّ وَهِ يُنَاجِيهِ، حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ، (أَوْ بَعْضُ الْقَوْمِ)، ثُمَّ صَلَّوْا.
بالنوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك (معتد به)، ويؤول ما ذكره أنس من الغطيط، ووضع
الجنوب والإيقاظ بعدم الاستغراق، فقد يغطّ من هو في مبادىء نومه قبل استغراقه، ووضع
الجنب لا يستلزم الاستغراق، فقد كان ◌ّيو يضع جنبه بعد ركعتي الفجر، ولا ينام، فإنه كان يقوم
لصلاة الفجر بعد وضع جنبه، وإن كان قد قيل: إنه من خصائصه ويظهر أنه لا ينقض نومه وضوءه،
فعدم ملازمة النوم لوضع الجنب معلومة، والإيقاظ قد يكون لمن هو في مبادىء النوم، فينبه لئلا
يستغرقه النوم، هذا) اهـ.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: حديث الباب بمجموع طرقه وألفاظه يدل على أن
أصحاب رسول الله وَ ر كانوا على نوعين، قد جمع أنس بيانهما في حديث واحد، فمنهم من
كان ينام جالساً، فإن خفقة الرأس لا تكون إلا للجالس، كما قاله الزيلعي المخرج، ومنهم من
كان يضع جنبه على الأرض كما صرح به في حديث البزار، ولعل الغطيط والإيقاظ - إن كانا من
لوازم النوم المستغرق - وجدا في النوم الأول دون الثاني. كما يشير إليه قول أنس: ((حتى إني
لأسمع لأحدهم غطيطاً)) ولعل الواضعون جنوبهم ما كانوا ينامون نوماً مستغرقاً، كما يشير إليه
لفظة ((حتى نعس بعض القوم)) عند إسحاق بن راهويه، وابن حبان. وقليل النوم غير ناقض
عندنا، وكان من استغرق منهم يتوضأ، وعلى هذا يحمل التقسيم الوارد فيما رواه البزار عن أنس
((أن أصحاب رسول الله وَ﴿ كانوا يضعون جنوبهم، فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ) ورواه
أبو يعلى عن أنس ((وعن أناس (لعله ((أن ناساً))) من أصحاب النبيّ وَّه يضعون جنوبهم فينامون،
فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ)) قال الهيثمي تَفُ في كليهما: (رجاله رجال الصحيح)) والله
سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة وبه التوفيق والعصمة.
وهذا آخر كتاب الطهارة، ويليه الجزء الثاني من كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى، حسب
وضع المؤلف كثُ تعالى.

١٩٧
كتاب: الصلاة
٤ - كتاب: الصلاة
[٤] - كتاب الصلاة
تحقيق معنى الصلاة وبيان اشتقاقه واستعماله فى المعانى الشرعية حقيقة أو مجاز.
قال صاحب إكمال إكمال المعلم: ((الصلاة عرفا: قيل: هي مشتقة من الصلاة بمعنى
الدعاء. وقيل: من الصلاة بمعنى الرحمة. وقيل: من الصلة، لأنها صلة بين العبد وربّه، وقيل:
من صليت العود على النار، إذا قومته، لأنها تقوم العبد على الطاعة، كما قال تعالى: ﴿إِنك
الضَلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [سورة العنكبوت، آية: ٤٥] الآية وقيل: من المصلي، وهو
تالي السابق في الحلبة، لأنها تالية الشهادتين، أو لأن المصلي تال وتابع فعل النبيّ وَّر، ولعل
هذا في أصل مشروعية الصلاة، لأنهم كانوا يأتمون به وَّار، ويضعف هذا بالنسبة إلى صلاته في
نفسه، لأنه سابق غير تابع، وقيل: من الصلوين، وهما عرقان في الردف، وقيل: عظمان ينحيان
في الركوع والسجود، ومنه سمي المصلي من الخيل، لأنه يأتي وأنفه لاحق بصلو السابق،
قالوا: ومنه كتبت بالواو، وقيل: أصلها الإقبال على الشيء تقرباً إلى الشيء، وفي الصلاة هذا
المعنى. وقيل: معناها اللزوم، فكأن المصلي لزم هذه العبادة، أو أنها لزمته.
قلت: لا يصح اشتقاقها من الصلة، لأن الصلة معتلة الفاء، لأنها مصدر ((وصل)) والصلوة
معتلة اللام، ولا من ((صليت العود)) لأن ((صليت)) من ذوات الياء، وهي من ذوات الواو، ولا
من ((المصلي))، لأنه اشتقاق من الفروع، لأن المصلي من الصلوين(١)، لأنه اشتقاق من
الجوامد، إلا أن يجعل اشتقاقها من شيء من ذلك اشتقاقاً أكبر)) اهـ.
وقد اختلف في لفظ ((الصلاة)) ونحوها من الألفاظ الشرعية، هل هي مجاز - أي:
استعملت في هذه المعاني لعلاقة بينها وبين المعاني اللغوية أو هي منقولة - أي: مستعملة في
هذه المعاني لا لعلاقة - أو هي باقية على معانيها اللغوية لم يعرض لها تغيير، لا بنقل ولا
باستعارة؟ - وما أضيف إليها فغير داخل في مسماها، وإنما الزيادات شروط، وهذا الثالث هو
مذهب القاضي، والأول مذهب الجمهور، والثاني اختاره ابن الحاجب في أصوله.
واختار القاضي عياض أن استعمالها في هذه المعاني الشرعية حقيقة لغة، واحتج عليه في
(١) كذا في الأصل، ولعله: ((ولا من الصلوين ... )) من المؤلف رحمه الله تعالى.

١٩٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١) باب بدء الأذان
٨٣٥ - (١) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا
الإكمال: ((بأن استقراء سير العرب قبل الشرع يدل على أنها كانت تستعمل هذه الألفاظ في
معانيها الشرعية من أقوال وأفعال، فعرفوا الصلاة، والركوع، والسجود، والزكاة، والصوم،
والاعتكاف، والحج، والعمرة، وتقربوا بجميع ذلك، ففي إسلام أبي ذر: ((أنه صلى قبل البعثة
ثلاث سنين))، وفي الحديث: ((أن عاشوراء يوم كانت تصومه الجاهلية)) وعن عمر أنه قال:
(نذرت أن أعتكف يوماً بالمسجد الحرام)) وحجّوا كل عام واعتمروا، وقد تهوّد وتنصر منهم
كثير، وجاوروا أهل الديانات من أهل الكتاب، ووفدت أشرافهم على ملوكهم، وكانت لقريش
رحلة الشتاء والصيف إلى بلادهم، فما جاء الشرع وخاطبهم بهذه الألفاظ إلا والمراد بها معلوم
عندهم، والصلاة معلومة، والصوم إمساك مخصوص عن أفعال مخصوصة بالنهار دون الليل،
والاعتكاف لزوم العبادة بمحل مخصوص، والحج قصد مخصوص إلى بيت الله الحرام يشتمل
على طواف ووقوف، وإن لم يعرفوا الزكاة فقد عرفوا الصدقة بأنها بذل المال، وحضوا عليها،
وإنما سميت الزكاة لنمو المال بها، وعلى هذا فلا مجال للخلاف، لكن لا يبعد أن يكون
استعمالهم لها في الجاهلية على ما يقوله القاضي من أنها باقية على حقائقها لغة، والزيادة غير
داخلة، أو أنها داخلة واللفظ استعارة على ما يقوله غيره)) اهـ.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((وكانت الصلاة مسلمة في اليهود والنصارى
والمجوس وبقايا الملة الإسماعيلية، إلا أن الشارع سجّل على ترك ما حرفوه، وجعل سنة
المسلمين غير سنة هؤلاء، وميز ملة المسلمين من سائر الملل المحرفة غاية التمييز، فله الحمد
والمنة)).
(١) - باب: بدء الأذان تحقيق معنى
الأذان لغة وشرعاً وبيان اشتقاقه
الأذان: لغة الإعلام، قال تعالى: ﴿وَأَذَنُ قِنَ اللَّهِ وَرَسُولِ=﴾ [سورة التوبة، آية: ٣] واشتقاقه من
((الأذن)) بفتحتين، وهو الاستماع. وشرعاً: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((لما علمت الصحابة أن الجماعة مؤكدة،
ولا يتيسر الاجتماع في زمان واحد ومكان واحد بدون إعلام وتنبيه: تكلموا فيما يحصل به
الإعلام، فذكروا النار، فردها رسول الله ◌َ و المشابهة المجوس، وذكروا القرن، فرده لمشابهة
اليهود، وذكروا الناقوس، فرده لمشابهة النصارى، فرجعوا من غير تعيين، فأري عبد الله بن زيد
الأذان والإقامة في منامه، فذكر ذلك للنبيّ وَّ ر، فقال: ((رؤيا حق)) وهذه القصة دليل واضح على
أن الأحكام إنما شرعت لأجل المصالح، وأن للاجتهاد فيها مدخلاً، وأن التيسير أصل أصيل،

١٩٩
كتاب: الصلاة
مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي
نَافِعُ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (١)؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا
الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ. فَيَتَحَيِّئُونَ الصَّلَوَاتِ. وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ. فَتَكَلَّمُوا يَوْماً فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اتَّخِذُوا نَاقُوساً مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرْناً مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلا تَبْعَثُونَ رَجُلاً يُنَادِي بِالصَّلاَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ :
وأن مخالفة أقوام تمادوا في ضلالتهم فيما يكون من شعائر الدين: مطلوب، وأن غير النبيّ وَل
قد يطلع بالمنام، أو النفث في الروع على مراد الحق، لكن لا يكلف به الناس، ولا تنقطع
الشبهة حتى يقرره النبيّ وَظاهر، واقتضت الحكمة الإلهية أن لا يكون الأذان صرف إعلام وتنبيه،
بل يضم مع ذلك أن يكون من شعائر الدين، بحيث يكون النداء به على رؤوس الخامل والنبيه،
تنويهاً بالدين، ويكون قبوله من القوم آية انقيادهم لدين الله، فوجب أن يكون مركباً من ذكر الله
ومن الشهادتين والدعوة إلى الصلاة، ليكون مصرحاً بما أريد به)) اهـ. وإلى الفلاح، وهو البقاء
الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، فاشتمل على قلة ألفاظه على مسائل العقيدة، كما قال
القرطبي خلفه .
١ - (٣٧٧) - قوله: (فيتحينون الصلوات) إلخ: بحاء مهملة بعدها مثناة تحتانية ثم نون،
أي: يقدرون أحيانها، ليأتوا إليها، والحين: الوقت والزمان.
قوله: (فتكلموا يوماً في ذلك) إلخ: فيه التشاور في الأمور، لا سيما المهمة، وأنه ينبغي
للمتشاورين أن يقول كل منهم ما عنده، ثم صاحب الأمر يفعل ما ظهرت له مصلحة، والله
أعلم.
قوله: (اتخذوا ناقوساً) إلخ: اتخذوا بصيغة الأمر، والناقوس خشبة طويلة يضربها
النصارى بأخرى أقصر منها الإعلام وقت الصلاة. قاله القاري في المرقاة.
قوله: (قرنا) إلخ: والمراد أنه ينفخ فيه فيجتمعون عند سماع صوته، وهو من شعار اليهود،
ويسمى أيضاً ((البوق)) بضم الباء، و((الشبور)) بالشين المعجمة المفتوحة والموحدة المضمومة
الثقيلة.
قوله: (أولا تبعثون رجلاً) إلخ: الواو عطف على مقدر، أي: تقولون بموافقة اليهود
(١) قوله: ((عن عبد الله بن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأذان، باب بدء الأذان، رقم
(٦٠٤). والنسائي في سننه، في كتاب الأذان، باب بدء الأذان، رقم (٦٢٧) والترمذي في جامعه، في
أبواب الصلاة، باب ما جاء في بدء الأذان، رقم (١٩٠).

٢٠٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(يَا بِلاَلُ، ثُمْ فَتَادِ بِالصَّلاَةِ» .
(٢) - باب: الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة
٨٣٦ - (٢) حدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
يَحْيَى. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ. جَمِيعاً غُّنْ خَالِدِ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ(١)؛
قَالَ: أُمِرَ بِلاَلٌ
والنصارى، ولا تبعثون؟ والهمزة لإنكار الجملة الأولى، ومقررة للثانية، حثاً وبعثاً، أي: أرسلوا
رجلاً .
قوله: (قم فناد بالصلاة) إلخ: في رواية الإسماعيلي: ((فأذن بالصلاة)).
قال عياض: المراد الإعلام المحض بحضور وقتها لا خصوص الأذان المشروع، وكان
اللفظ الذي ينادي به بلال للصلاة قوله: ((الصلاة جامعة)) أخرجه ابن سعد في الطبقات من
مراسيل سعيد بن المسيب.
قال الحافظ تخلفه: ((والظاهر من مجموع الأحاديث أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي
بالصلاة كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك. والله
أعلم)) قال: وحديث الباب ظاهر في أن الأذان إنما شرع بعد الهجرة، فإنه نفى النداء بالصلاة
قبل ذلك مطلقاً، وقد وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة.
قال الحافظ: ((والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر
بأنه * كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع
التشاور في ذلك، على ما في حديث عبد الله بن عمر، ثم حديث عبد الله بن زيد)) اهـ.
وقد حاول السهيلي الجمع بين أحاديث الباب والأحاديث الضعيفة التي أشرنا إليها،
فتكلف وتعسف، والأخذ بما صح أولى.
(٢) - باب: الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة
٢ - (٣٧٨) - قوله: (أمر بلال) إلخ: على البناء للمفعول. وقد اختلف أهل الحديث وأهل
(١) قوله: ((عن أنس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب بدء الأذان، رقم (٦٠٣)
وباب الأذان مثنى مثنى، رقم (٦٠٥) و(٦٠٦) وباب الإقامة واحدة إلا قوله: ((قد قامت الصلاة)) رقم
(٦٠٧). وفي كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم (٣٤٥٧). والنسائي في سننه، في
كتاب الأذان، باب تثنية الأذان، رقم (٦٢٨). وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في الإقامة، رقم
(٥٠٨) و(٥٠٩). والترمذي في جامعه، في أبواب الصلاة، باب ما جاء في إفراد الإقامة، رقم (١٩٣) . =