النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
كتاب: الطهارة
٦٤٧ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنِ
الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَلَمْ يَقُلْ: فَلْيُرِقْهُ.
قال ابن عدي: ((قال لنا أحمد: ((الحسين الكرابيسي يسأل عنه وله كتب مصنفة، ذكر فيها
اختلاف الناس من المسائل، وذكر فيها أخباراً كثيرة، وكان حافظاً لها، ولم أجد له منكراً غير
هذا الحديث)) والذي حمل أحمد بن حنبل عليه، إنما هو من أجل اللفظ بالقرآن، فأما في
الحدیث فلم أر به بأساً) اهـ.
وكان من أصحاب الشافعي، وكان البخاري، وداود بن علي إمام الظاهرية من أصحابه،
وأخذ البخاري أكثر المسائل الكلامية منه، ومن ابن كلاب، وتشابهت أقوال الكرابيسي
والبخاري وداود في مسألة اللفظ بالقرآن، وقد حملوا على البخاري بمثل ما حمل أحمد بن
حنبل على الكرابيسي في تلك المسألة، وأمثال هذه الجروح لا تؤثر شيئاً في أمثال الكرابيسي
والله أعلم.
قال العلامة ابن أمير الحاج: ((قال شيخنا الحافظ (أي ابن حجر): الكرابيسي صدوق
فاضل)).
ومن المعلوم أن الحكم بالضعف والصحة إنما هو في الظاهر، أما في نفس الأمر فيجوز
صحة ما حكم بضعفه ظاهراً، وثبوت كون مذهب أبي هريرة ذلك كما تقدم بالسند الصحيح قرينة
تفيد أن هذا مما أجاده الراوي المضعّف، ويؤيده عموم ما عند الطحاوي عن ابن سيرين أن كل
حديث أبي هريرة عن النبيّ وَّ، وحينئذٍ يعارض حديث ((السبع)) ويقدم عليه، لأن مع حديث
((السبع)) دلالة التقدم للعلم بما كان من التشديد في أمر الكلاب أول الأمر، حتى أمر بقتلها،
والتشديد في سؤرها يناسب كونه إذ ذاك، وقد ثبت نسخ ذلك، فإذا عارض قرينه معارض كانت
التقدمة له، كذا قال صاحب البحر.
قلت: والأولى أن يقرر بأنه إن ثبت الأمران بالتسبيع والتثليث، ويحمل كل واحد منهما
على الوجوب، ويحتمل كل واحد منهما النسخ، ولا يعلم التاريخ، فأقرب الاحتمالين أن يكون
حديث التثليث ناسخاً لحديث التسبيع، ولو سلمنا الأمر بالتسبيع أيضاً بعد النهي عن قتل
الكلاب والترخيص في اقتنائها - كما يشير إليه ظاهر سياق عبد الله بن مغفل عند مسلم - فإن من
المعلوم بالضرورة أن الشارع عليه الصلاة والسلام قد تدرج في أمر الكلاب من التشديد إلى
التخفيف دون العكس، فإنه أمر في ابتداء الإسلام بقتلها مطلقاً لقلع عادة الناس في الإلف بها،
ثم بقتل الأسود البهيم خاصة، ثم قال: ((ما بالهم وبال الكلاب)) الحديث، وهذا كما أمر بكسر
الدنان، ونهى عن الانتباذ في ظروف الخمر حين حرمت الخمر، فلما تركوا العادة أزال ذلك،
فتقديم التسبيع على التثليث أولى وأجدر من العكس.
قال صاحب البحر: ((ولو طرحنا الحديث بالكلية كان في عمل أبي هريرة على خلاف

٤٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٤٨ - (٩٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
حديث السبع - وهو راويه - كفاية، لاستحالة أن يترك القطعي بالرأي منه، وهذا لأن ظنية خبر
الواحد إنما هو بالنسبة إلى غير راويه، فأما بالنسبة إلى راويه الذي سمعه من في النبيّ وَّه
فقطعي، حتى ينسخ به الكتاب إذا كان قطعي الدلالة في معناه، فلزم أنه لا يتركه إلا لقطعه
بالناسخ، إذ القطعي لا يترك إلا لقطعي، فبطل تجوزيهم تركه بناء على ثبوت ناسخ في اجتهاده
المحتمل للخطأ، وإذا علمت ذلك كان تركه بمنزلة روايته للناسخ بلا شبهة، فيكون الآخر
منسوخاً بالضرورة، كذا في فتح القدير)).
وردّه ابن القيم فقال: ((والذي ندين الله به ولا يسعنا غيره - وهو القصد في هذا الباب - أن
الحديث إذا صح عن رسول الله ( 8* ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه إن الفرض علينا وعلى
الأمة الأخذ بحديثه، وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائناً من كان، لا
راويه ولا غيره، إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث، أو لا يحضره وقت الفتيا، أو لا
يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأوّل فيه تأويلاً مرجوحاً، أو يقوم في ظنه ما بعارضه، ولا
يكون معارضاً في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما
خالفه لما هو أقوى منه، ولو قدر انتفاء ذلك كله - ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه - لم يكن
الراوي معصوماً، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته، حتى تغلب سيئاته حسناته،
وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك)) انتهى.
قلت: هذا الكلام من اتباع السنة والعمل بالحديث بمكان، إلا أنه في مسألة ورد فيها
رواية واحدة، وقد تقدم أن أبا هريرة ربه روى في ولوغ الكلب التسبيع، وروى التثليث، وإسناد
التثليث أيضاً مستقيم، ومن أطلق عليه المنكر أراد به الشاذ، والشذوذ لا ينافي الصحة مطلقاً،
كما حققناه في مقدمة هذا الشرح. وكون مذهب أبي هريرة التثليث - وهو القياس على سائر
النجاسات - يقويه ويضعف نكارته، وأما فتواه بالتسبيع فلا يبعد حمله على الاستحباب للتوفيق
بين قوليه، والله أعلم.
وقد سبق منا في مقدمة هذا الشرح تحقيق ما ادعاه الحنفية من أن عمل الراوي بخلاف ما
رواه دال على نسخ ما رواه، فليراجع.
قال الطحاوي: ((ولو وجب العمل برواية السبع ولا يجعل منسوخاً لكان ما رواه عبد الله بن
مغفل في ذلك عن النبيّ ◌َّر أولى مما روى أبو هريرة، لأنه زاد عليه ((وعفروا الثامنة بالتراب))
والزائد أولى من الناقص، فكان ينبغي للمخالف أن يعمل بهذه الزيادة، فإن تركها لزمه ما لزم
خصمه في ترك السبع، ومالك لم يأخذ بالتعفير الثابت في الصحيح مطلقاً، فثبت أنه
منسوخ)) اهـ.
حديث عبد الله بن المغفل مجمع على صحته، ورواه مسلم، وأبو داود، فكان الأخذ

٤٣
كتاب: الطهارة
الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ قَالَ: (إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ
فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ)) .
بروايته أحوط. أو يحمل ما زاد على الثلاث في المرفوع والموقوف على أبي هريرة كليهما: على
الاستحباب، لورود التثليث في المرفوع والموقوف عنه، ويحمل الطهور في حديث ابن مغفل
على الطهور الكامل. وهذا أحسن وأصوب عندي، وعن الإمام مالك أيضاً رواية أن الأمر
بالتسبيع للندب، قاله في الفتح.
قال في تحرير الأصول وشرحه: ((والطهارة قبله أي: طهارة الإناء الذي ولغ فيه الكلب لا
تتوقف على السبع، بل تثبت قبل السبع بالثلاث، على ما ذكره الحاكم في إشاراته، وهو أيضاً
مقتضى نقل بعضهم عن أبي حنيفة وجوبها، واستحباب الأربعة بعدها)) اهـ.
ولعل هذا الاستحباب لتفاوت مراتب النجاسة، فيجوز أن يكون بعض النجاسات أغلظ من
بعض أو بسبب طبّ ذكره ابن رشد في البداية ناقلاً عن جده تَُّ، حيث قال: ((إن هذا الحديث
معلل معقول المعنى ليس من سبب النجاسة، بل من سبب ما يتوقع أن يكون الكلب الذي ولغ
في الإناء كَلِباً، فيخاف من ذلك السم، قال: ولذلك جاء هذا العدد الذي هو السبع في غسله،
فإن هذا العدد قد استعمل في الشرع في مواضع كثيرة في العلاج والمداواة من الأمراض، وهذا
الذي قاله تكَّثُ هو وجه حسن على طريقة المالكية، فإنا إذا قلنا: إن ذلك الماء غير نجس
فالأولى أن يعطى علة في غسله من أن يقول: إنه غير معلل، وهذا طاهر بنفسه، وقد اعترض
عليه فيما بلغني بعض الناس بأن قال: إن الكلب الكَلِب لا يقرب الماء حين كلَبه، وهذا الذي
قالوه هو عند استحكام هذه العلة بالكلاب لا في مباديها، وفي أول حدوثها، فلا معنى
لاعتراضهم، وأيضاً فإنه ليس في الحديث ذكر الماء، وإنما فيه ذكر الإناء، ولعل في سؤره
خاصية من هذا الوجه ضارة، أعني قبل أن يستحكم به الكلب، ولا يستنكر ورود مثل هذا في
الشرع، فيكون هذا من باب ما ورد في الذباب إذا وقع في الطعام أن يغمس، وتعليل ذلك بأن
في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء)) اهـ.
وقد حقق بعض الأطباء الألمانيين من النصارى من عصرنا: أن التتريب أيضاً مفيد لدفع
السم الذي يكون في لعاب الكلب، لبعض الخواص الموجودة في التراب، والله أعلم.
ويمكن أن يكون الأمر بالتسبيع وجوباً عند الجمهور، وندباً عند أبي حنيفة بسبب معنوي
روحاني.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله سره: ((ألحق النبيّ ◌َلغير سؤر الكلب بالنجاسات،
وجعله من أشدها، لأن الكلب حيوان ملعون تنفر منه الملائكة، ويُنقّص اقتناءه والمخالطة معه
بلا عذر من الأجر كل يوم قيراطاً، والسرّ في ذلك أنه يشبه الشيطان بجبلّته، لأن ديدنه لعب
وغضب، وإطراح في النجاسات، وإيذاء للناس، ويقبل الإلهام من الشياطين، فرأى منهم صدوداً

٤٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٤٩ - (٩١) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ
حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَلَ: ((طَهُورُ إِنَاءِ
أَحَدِكُمْ، إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَّلْبُ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولاهُنَّ بِالتّرَابِ)) .
وتهاوناً، ولم يكن سبيل إلى النهي بالكلية لضرورة الزرع والماشية والحراسة والصيد، فعالج
ذلك باشتراط أتم الطهارات وأوكدها، وما فيها بعض الحرج ليكون بمنزلة الكفارة في الردع
والمنع، واستشعر بعض حملة الملة بأن ذلك ليس بتشريع بل نوع تأكيد، واختار بعضهم رعاية
ظاهر الحديث، والاحتياط أفضل)) اهـ.
قال العلامة الشعراني كثّفُ: ((وقد أجمع أهل الكشف على أن الأكل والشرب من سؤر
الكلب يورث القساوة في القلب، حتى لا يصير العبد يحنّ إلى موعظة، ولا فعل شيء من
الخيرات، وقد جرّب ذلك شخص من أصحابنا المالكية، فشرب من لبن شرب منه كلب، فمكث
تسعة أشهر وهو مقبوض القلب من كل خير، حتى كاد أن يهلك، ولما كان سؤر الكلب يورث
في القلب الذي عليه مدار الجسد موتاً أو ضعفاً يمنعه من قبول المواعظ التي تدخله الجنة: بالغ
الشارع ◌َّر في الغسل من أثره سبعاً، إحداها: بتراب، دفعاً لذلك الأثر بالكلية، فإنه جمع فيه
بين الماء والتراب الذين إذا اجتمعا أنبتا الزرع))، كذا في الميزان.
قلت: ومن لطائف اعتبار عدد السبع في التطهير من سور الكلب: أن الكلب الذي هو من
أخس الحيوانات وأنجسها قد ألحق ذكراً بزمرة الطاهرين المتبتّلين المعتكفين في جوار الله - كما
قاله في روح المعاني - بمصاحبة أصحاب الكهف الذين كانوا على التحقيق سبعة، كما أشير إليه
في القرآن العزيز، قال الحافظ عماد الدين بن كثير كثُّهُ: ((وشملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما
أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر
وشأن)) ولنعم ما قال السعدي الشيرازي تَّثُ بالفارسية.
به نيكان كرفت و مردم شد
سك أصحاب كهف روزه چند
فكما أن مجاورة السبعة قد أثرت في نحو من تطهير الكلب، كذلك يرجى تأثير هذا العدد
من المياه في تطهير ما ولغ فيه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٩١ - ( ... ) - قوله: (أولاهن بالتراب) إلخ: قال الحافظ: ((لم يقع في رواية مالك
التتريب، ولم يثبت في شيء من الروايات إلا عن ابن سيرين كثّفُ على أن بعض أصحابه لم
يذكره، وروي أيضاً عن الحسن وأبي رافع عند الدارقطني، وعبد الرحمن والد السدي عند
البزار، واختلفت الرواة عن ابن سيرين في محل غسلة التتريب، فلمسلم وغيره من طريق هشام بن
حسان عنه ((أولاهن)) وهي رواية الأكثر عن ابن سيرين، وكذا في رواية أبي رافع المذكورة،
واختلف عن قتادة عن ابن سيرين، فقال سعيد بن بشير عنه: ((أولاهن)) أيضاً أخرجه الدار قطني،
وقال أبان عن قتادة: ((السابعة)) أخرجه أبو داود، وللشافعي عن سفيان عن أيوب عن ابن

٤٥
كتاب: الطهارة
٦٥٠ - (٩٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ
مُنِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مِّحَمَّدٍ رَسُولِ اللّهِ بِهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا. وَّقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعِ مَرَّاتٍ» .
٦٥١ - (٩٣) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي
الَّيَّاحِ. سَمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ الْمُغَفَّلِ (١)؛ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
سيرين: ((أولاهن أو إحداهنّ)) وفي رواية السدي عن البزار: ((إحداهن)) وكذا في رواية هشام بن
عروة عن أبي الزناد عنه، فطريق الجمع بين هذه الروايات أن يقال: إحداهن مبهمة، وأولاهن
والسابعة معينة، و((أو)) إن كانت في نفس الخبر فهي للتخيير، فمقتضى حمل المطلق على المقيّد
أن يحمل على أحدهما، لأن فيه زيادة على الرواية المعينة، وهو الذي نص عليه الشافعي في
الأم، والبويطي، وصرح به المرعشي وغيره من الأصحاب، وذكره ابن دقيق العيد والسبكي
بحثاً، وهو منصوص كما ذكرنا. وإن كانت ((أو)) شكاً من الراوي، فرواية من عيّن ولم يشك
أولى من رواية من أبهم أو شكّ، فيبقى النظر في الترجيح بين رواية ((أولاهن)) ورواية ((السابعة))
ورواية ((أولاهنّ)) أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضاً لأن تتريب
الأخيرة يقتضي الاحتياط إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نصّ الشافعي في حرملة على أن الأولى
أولى والله أعلم.
وأما المالكية فلم يقولوا بالتتريب أصلاً مع إيجابهم التسبيع على المشهور عندهم، لأن
التتريب لم يقع في رواية مالك، قال القرافي منهم: قد صحت فيه الأحاديث، فالعجب منهم
كيف لم يقولوا بها؟ كذا في الفتح.
قال الزرقاني: ((هذا القول مدفوع بأن أحاديث التتريب شاذة وإن صحت، كما أفاده
الحافظ بما تقدم)) اهـ.
واعتذر بعضهم بأنها مضطربة، لأنها ذكرت بلفظ ((أولاهن)) و((أخراهن)) و((إحداهن)) وفي
رواية ((السابعة)) وفي رواية ((الثامنة)) والاضطراب يوجب الإطراح، كذا في نيل الأوطار.
٩٣ - (٢٨٠) - قوله: (عن أبي التياح) إلخ: بفتح المثناة فوق، وبعدها مثناة تحت،
مشددة، وآخره حاء مهملة، واسمه يزيد بن حميد الضبعي البصري العبد الصالح. قال شعبة: كنا
نكنيه بأبي حماد، قال: وبلغني أنه كان يكنى بأبي التياح، وهو غلام.
قوله: (عن ابن المغفل) إلخ: بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء، وهو عبد الله بن
المغفل المزني .
(١) قوله: ((عن ابن المغفل)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب تعفير الإناء الذي ولغ =

٤٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِقَتْلِ الْكِلاَبِ. ثُمَّ قَالَ: (مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلاَبِ؟)) ثُمَّ رَخْصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ .
وَقَالَ: ((إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ. وَعَفْرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ)).
٦٥٢ - (٠٠٠) وحدّثنِيهِ يَخْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ
الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ
يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: وَرَّخَّصَ فِي كَلْبِ الْغَنَمِ وَالصَّيْدِ وَالزَّرْعِ. وَلَيْسَ ذَكَرَ الزَّرْعَ فِي
الرِّوَايَةِ غَيْرُ يَخْبَى.
قوله: (بقتل الكلاب) إلخ: قال النووي: ((قال أصحابنا: إن كان الكلب عقوراً قتل، وإن
لم يكن عقوراً لم يجز قتله)). قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين: ((والأمر بقتل الكلاب
منسوخ، قال: وقد صح أن رسول الله وَّلهو أمر بقتل الكلاب مرة، ثم صح أنه نهى عن قتلها،
قال: واستقرّ الشرع عليه، على التفصيل الذي ذكرنا، قال: وأمر بقتل الأسود البهيم، وكان هذا
في الابتداء، وهو الآن منسوخ)) هذا كلام إمام الحرمين ولا مزيد على تحقيقه، والله أعلم، كذا
في الشرح.
قوله: (ثم رخّص في كلب الصيد) إلخ: قال النووي نظّفُ: ((ورد هذا الحديث بالترخيص
لأحد ثلاثة أشياء، وهي: الزرع، والماشية، والصيد، وهذا جائز بلا خلاف، وسيأتي مزيد
التفصيل في موضعه إن شاء الله تعالى)).
قوله: (وعفّروه الثامنة في التراب) إلخ: قال الحافظ: ((وجمع بعضهم بين الحديثين - أي:
حديث التسبيع وهذا الحديث - بضرب من المجاز، فقال: لما كان التراب جنساً غير الماء جعل
اجتماعهما في المرة الواحدة معدوداً باثنتين. وتعقبه ابن دقيق العيد بأن قوله: ((وعفّروه الثامنة
بالتراب)) ظاهر في كونها غسلة مستقلة، لكن لو وقع التعفير في أوله قبل ورود الغسلات السبع
كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على التتريب مجازاً))، كذا في الفتح.
قلت: وبمثل هذا التجوز قد قيل في قوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [سورة الكهف، آية: ٢٢]))
ونظائره، والله أعلم.
( ... ) - قوله: (وليس ذكر الزرع في الرواية غير يحيى) إلخ: أي: يحيى بن سعيد
القطان، و((ذكر)) بفتح الذال والكاف، والزرع منصوب، وغير مرفوع، معناه: لم يذكر هذه
فيه الكلب بالتراب رقم (٦٧). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب الوضوء بسؤر الكلب، رقم
(٧٤). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب غسل الإناء من ولوغ الكلب، رقم (٣٦٥)
والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب في ولوغ الكلب، رقم (٧٤٣).

٤٧
كتاب: الطهارة
(٢٨) - باب: النهي عن البول في الماء الراكد
٦٥٣ - (٩٤) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. قَالاَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (١)، عِّنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ؛ أَنَّهُ نَهَى
أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ.
الرواية إلا يحيى، كذا في الشرح. وهذه الرواية شاهدة لحديث أبي هريرة الآتي عند مسلم،
وفيها أيضاً ذكر الزرع.
(٢٨) - باب: النهي عن البول في الماء الراكد
٩٤ - (٢٨١) - قوله: (أن يبال في الماء الراكد) إلخ: أي: الواقف الساكن. قال الحافظ:
((ولا فرق في الماء الذي لا يجري في الحكم المذكور بين بول الآدمي وغيره خلافاً لبعض
الحنابلة، ولا بين أن يبول في الماء أو يبول في إناء ثم يصبه فيه خلافاً للظاهرية، وهذا كله
محمول على الماء القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حد القليل. وقد تقدم من لا يعتبر إلا
التغير وعدمه، ونقل عن مالك كثّفُ أنه حمل النهي على التنزيه فيما لا يتغير، وهو قول الباقين
في الكثير .
وقال القرطبي: يمكن حمله على التحريم مطلقاً على قاعدة سدّ الذريعة، لأنه يفضي إلى
تنجيس الماء». كذا في الفتح.
قلت: الظاهر أن وصفه# الماء بالركود والدوام وعدم الجريان مع قوله وَّيقول: (ثم يغتسل
منه)) - كما سيأتي - تنبيه على أن هذه الأوصاف هي مناط النهي في الحالة الراهنة، لا تغير
أوصاف الماء، ولا كونه أقلّ من قلّتين، لأن سكونه وعدم جريانه يقتضي استقرار النجاسة أو
الخبث فيه، وعدم انتقاله منه، فلا يخلو استعمال الماء الذي بال فيه عن استعمال بعض أجزائها
وهو محرم بنص القرآن أي قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾ [سورة الأعراف، آية: ١٥٧] وكون
الماء متروكاً ومهجوراً إلى ما يظن وجود أجزاء النجاسة فيه في القليل والكثير هو مذهب
أصحابنا الحنفية كما قدمنا شيئاً منه في كلام صاحب البحر عن الشيخ أبي بكر الرازي وغيره،
فلا نقيد الحديث بالقليل والكثير، لأن الحكم دائر على التعليل المذكور، وهو استقرار الخبث
في الماء وعدم انتقاله عنه، ومن قيده منا بالقليل فكأنه أظهر مفاد التعليل ونتيجته، أي: الكثير لا
يفسد سائر أطرافه لعدم وصول الخبث إليه، وإن كان النهي يشمل البول في الماء الكثير أيضاً،
فإن فيه إفساد بعض أطرافه، كما صرح به بعض فقهائنا رحمهم الله، والله أعلم.
(١) قوله: ((عن جابر)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء
الراكد، رقم (٣٥). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب النهي عن البول في الماء الراكد،
رقم (٣٤٣).

٤٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٥٤ - (٩٥) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)، عَنِ النَّبِّ وَِّ؛ قَالَ: ((لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ)).
٦٥٥ - ٩٦ - وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَذَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ؛ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَّةً عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ
مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((لا تَبُّلْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ تَغْتَسِلُ مِنْهُ» .
٩٥ - (٢٨٢) - قوله: (في الماء الدائم) إلخ: أي: الباقي الماكث، والمراد به الساكن
الذي لا يجري.
قوله: (ثم يغتسل منه) إلخ: بضم اللام على المشهور. قال القرطبي: ((فيه تنبيه على مآل
الحال، والمعنى أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه فيمتنع عليه استعماله، ومثّله بقوله: ﴿سلام: ((لا
يضربن أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها))، فإنه لم يروه أحد بالجزم، لأن المراد النهي
عن الضرب لأنه يحتاج في مآل حاله إلى مضاجعتها، فتمتنع لإساءته إليها، فلا يحصل له
مقصوده، وتقدير اللفظ ((ثم هو يضاجعها)) وفي حديث الباب ((ثم هو يغتسل منه)) اهـ.
ورواية همام بن منبه الآتية بلفظ ((لا تبل في الماء الدائم الذي لا يجري ثم تغتسل منه))
واضحة في هذا المعنى الذي ذكره القرطبي كذّفُ .
٩٦ - ( ... ) - قوله: (الذي لا يجري) إلخ: قيل: هو تفسير للدائم، وإيضاح لمعناه،
وقيل: احترز به عن راكد يجري بعضه، كالبرك، وقال ابن الأنباري: الدائم من حروف
الأضداد، يقال للساكن والدائر، ومنه: أصاب الرأس دوام أي: دوار. وعلى هذا فقوله: ((الذي
لا يجري)» صفة مخصصة لأحد معنى المشترك، وقيل: الدائم والراكد مقابلان للجاري، لكن
الدائم هو الذي له نبع، والراكد الذي لا نبع له، كذا في الفتح.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صححيه في كتاب الوضوء، كتاب البول في الماء
الدائم، رقم (٢٣٩) والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب الماء الدائم، رقم (٥٧) و(٥٨). وذكر ما
يوجب الغسل وما لا يوجبه، باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، رقم (٢٢١) وباب النهي عن
البول في الماء الراكد والاغتسال منه، رقم (٢٢٢) وفي كتاب المياه من المجتبى، باب النهي عن اغتسال
الجنب في الماء الدائم، رقم (٣٣٢) وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب البول في الماء الراكد،
رقم (٦٩) و(٧٠) والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في كراهية البول في الماء الراكد،
رقم (٦٨). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب النهي عن البول في الماء الراكد، رقم
(٣٤٤). والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب الوضوء من الماء الراكد، رقم (٧٣٦).

٤٩
كتاب: الطهارة
(٢٩) - باب: النهي عن الاغتسال في الماء الراكد
٦٥٦ - (٩٧) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَأَبُو الطَّاهِرِ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى.
جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ. قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ
بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ؛ أَنَّ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَىْ هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((لا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ)) فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا
هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلاً .
(٢٩) - باب: النهي عن الاغتسال في الماء الراكد
٩٧ - (٢٨٣) - قوله: (لا يغتسل) إلخ: بالجزم وقيل: بالرفع.
قوله: (وهو جنب) إلخ: قال القاضي: ((تقييد النهي بالحال يدل على أن المستعمل في
غسل الجنابة إذا كان راكداً لا يبقى على ما كان، وإلا لم يكن للنهي المقيّد فائدة، وذلك: إما
بزوال الطهارة كما قال أبو حنيفة، (أي: في رواية رجحها صاحب البحر من حيث الدليل) أو
بزوال الطهورية فقط، كما قال الشافعي)) اهـ.
وأبو حنيفة في رواية أخرى وهو قول محمد وعليه الفتوى.
قال الحافظ: ((وهذا الحديث من أقوى الأدلة على أن المستعمل غير طهور)).
قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((أما الماء المستعمل فما كان أحد من
طوائف الناس يستعمله في الطهارة، وكان كالمهجور المطرود، فأبقاه النبيّ ◌َّ على ما كان
عندهم، ولا شك أنه طاهر)) اهـ، ولكن يكره شربه والعجن به تنزيهاً للاستقذار، وعلى رواية
نجاسته تحريماً .
فرع:
الماء إذا وقعت فيه نجاسة فإن تغير وصفه لم يجز الانتفاع به بحال، وإلا جاز، كبلّ الطين
وسقي الدواب، قاله بعض فقهائنا .
قوله: (يتناوله تناولاً) إلخ: أي: يأخذه اغترافاً، ويغتسل خارجاً. قال في شرح السنة:
«فيه دليل على أن الجنب إن أدخل يده فيه ليتناول الماء لم يتغير حكمه، وإن أدخل يده فيه
ليغسلها من الجنابة تغير حكمه)). وكذا حكمه عندنا، والله أعلم.

٥٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٣٠) - باب: وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت
في المسجد، وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها
٦٥٧ - (٩٨) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ
أَنَسِ (١)؛ أَنَّ أَغْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ،
(٣٠) - باب: وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت
في المسجد، وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها
٩٨ - (٢٨٤) - قوله: (أن أعرابياً) إلخ: الأعرابي واحد الأعراب، وهم من سكن البادية
عرباً كانوا أو عجماً، والأعرابي المذكور قيل: هو ذو الخويصرة اليماني، ذكره أبو موسى
المديني، وقيل: الأقرع بن حابس التميمي، حكاه التاريخي عن عبد الله بن نافع المدني، وقيل:
هو عيينة بن حصن، قاله أبو الحصين بن فارس. كذا في نيل الأوطار، قال الزرقاني: ((وتوقف
الحافظ ولي الدين في أنه ذو الخويصرة اليماني، فقال: «كيف يستقيم ذلك؟ وذو الخويصرة
منافق، وهذا مسلم حسن الإسلام، لرواية ابن ماجه وابن حبان وأبي هريرة، ففيها: ((فقال
الأعرابي بعد أن فقه في الإسلام: فقام إليّ رسول الله بَّه، بأبي وأمي، فلم يؤنبني ولم يسبّني))
وهو يدل على سلامة صدره وعدم إحاطته بهذا الحكم حين صدر منه ما صدر لا على نفاقه،
وكذا يدل عليه رواية الدارقطني عن ابن مسعود: ((جاء أعرابي إلى النبيّ ◌َّ شيخ كبير، فقال:
يا محمد، متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ قال: لا والذي بعثك بالحق، ما أعددت لها من
كبير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله، فقال: إنك مع من أحببت، قال: فذهب
الشيخ، فأخذه البول في المسجد، فمرّ عليه الناس، فأقاموه، فقال ◌َّ: ((دعوه، عسى أن يكون
من أهل الجنة، فصبوا على بوله الماء)) قال ابن العربي فبيّن أن البائل في المسجد هو السائل عن
الساعة المشهود له بالجنة)) اهـ.
وفي إسناد الدارقطني: المعلى، وهو مجهول، والله أعلم.
قوله: (بال في المسجد) إلخ: زاد ابن عيينة عند الترمذي وغيره في أوله: ثم قال: ((اللهم
(١) قوله: ((عن أنس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب ترك النبي وَّر والناس
الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد، رقم (٢١٩). وباب صب الماء على البول في المسجد، رقم
(٢٢١). وفي كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، رقم (٦٠٢٥). والنسائي في سننه، في كتاب
الطهارة، باب ترك التوقيت في الماء، رقم (٥٣) وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب
الأرض يصيبها البول، كيف تغسل، رقم (٥٢٨). والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب
البول في المسجد، رقم (٧٤٦).

٥١
كتاب: الطهارة
فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((دَعُوهُ وَلا تُزْرِمُوهُ) قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوِ
مِنْ مَاءِ، فَصَبَّهُ عَلَيْهِ .
ارحمني ومحمداً ولا ترحم معناه أحداً)، فقال له وَلير: ((لقد تحجرت واسعاً)) فلم يلبث أن بال
في المسجد.
قوله: (فقام إليه) إلخ: أي ليمنعوه كما يظهر قوله ◌َّل: ((دعوه)).
قوله: (دعوه) إلخ: كان هذا الأمر بالترك عقب زجر الناس كما سيأتي، قال في المرقاة:
(«دعوه) أي: اتركوه، فإنه معذور، لأنه لم يعلم عدم جواز البول في المسجد لقربه بالإسلام
وبعده عنه عليه الصلاة والسلام.
قوله: (ولا تزرموه) إلخ: بضم التاء وسكون الزاي وكسر الراء، أي: لا تقطعوا عليه بوله.
قال الطيبي: «زرم البول بالكسر، إذا انقطع، وأزرمه غيره)).
قال الحافظ كََّفُ: ((وإنما تركوه يبول في المسجد لأنه كان شرع في المفسدة فلو منع
لزادت إذا حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منع لدار بين أمرين: إما أن يقطعه فيتضرر، وإما
أن لا يقطعه فلا يأمن تنجيس بدنه أو ثوبه أو مواضع أخرى من المسجد، ففيه دفع أعظم
المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما)».
قوله: (بدلو من ماء) إلخ: أي: بدلو عظيم ضخيم ممتلىء من ماء، كما يدل عليه لفظ
((السجل)) و((الذنوب)) في روايات أخر.
قوله: (فصبه عليه) إلخ: في شرح السنة: ((فيه دلالة على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة لا
تطهر بالجفاف، ولا يجب حفر الأرض ولا نقل التراب إذا صبّ عليه الماء)) نقله الطيبي.
قال ابن الهمام: ((ليس فيه دلالة على أن الأرض لا تطهر بالجفاف، وقد صح عن ابن
عمر عنه أنه قال: ((كنت عزباً أبيت في المسجد، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في
المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك، فلولا اعتبارها أنها تطهر بالجفاف كان ذلك تبقية
لها بوصف النجاسة مع العلم بأنهم يقومون عليها في الصلاة البتة، إذ لا بد منه مع صغر المسجد
وعدم من يتخلف في بيته، وكون ذلك يكون في بقع كثيرة، حيث تقبل وتدبر تبول، فإن هذا
التركيب في الاستعمال يفيد تكرار الكائن منها، أو لأن تبقيتها نجسة ينافي الأمر بتطهيره، فوجب
كونها تطهر بالجفاف، بخلاف أمره عليه الصلاة والسلام بإهراق ذنوب من ماء، لأنه كان نهاراً،
وقد لا يجف قبل وقت الصلاة، فأمر بتطهيرها بالماء، بخلاف مدة الليل، أو لأن الوقت كان إذ
ذاك قد آن أو أريد إذ ذاك أكمل الطهارتين المتيسر في ذلك الوقت، وقد صرح الغزالي في
المنخول بأن استدلال الشافعية بهذا الخبر غير صحيح، لأن الغرض قطعاً من تخصيص الماء ما
اختص به الماء من عموم الموجود، والمقصود من الحديث الابتدار إلى تطهير المسجد لا بيان
ما تزال به النجاسة)). كذا في المرقاة.

٥٢
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٥٨ _ (٩٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ يَحْيَى
وقال ابن الملك في شرح المشارق: ((يجوز أن يكون الصب لتسكين الرائحة تلك الحالة،
لا للتطهير، بل التطهير يحصل باليبس كما نقل عن بعض السلف: ((أن زكاة الأرض ببسها)).
وقال الشيخ بدر الدين العيني: ((قال أصحابنا: إذا أصابت الأرض نجاسة رطبة فإن كانت
الأرض رخوة صبّ عليها الماء حتى يتسفل فيها، وإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة
وتسفل الماء يحكم بطهارتها، ولا يعتبر فيه العدد، وإنما هو على اجتهاده، وما هو في غالب
ظنه أنها طهرت، ويقوم التسفل في الأرض مقام العصر فيما لا يحتمل العصر، وعلى قياس
ظاهر الرواية يصب عليها الماء ثلاث مرات، ويتسفل في كل مرة، وإن كانت الأرض صلبة فإن
كانت صعوداً يحفر في أسفلها حفيرة ويصب عليها الماء ثلاث مرات، ويتسفل إلى الحفيرة ثم
تكبس الحفيرة، وإن كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء لا يغسل لعدم الفائدة في الغسل،
بل تحفر)).
قلت: وقد ورد الأمر بالحفر أيضاً من حديث أنس بإسناد رجاله ثقات، قال الدار قطني:
(ثنا بن صاعد، ثنا عبد الجبار بن العلاء، ثنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس أن أعرابياً
بال في المسجد، فقال النبيّ ◌َّر: احفروا مكانه، ثم صبّوا عليه ذنوباً من ماء)) وأعله الدارقطني
بأن عبد الجبار تفرد به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ، وأنه دخل عليه حديث في حديث، وأنه
عند ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاووس مرسلاً، وفيه ((احفروا مكانه)) وعن يحيى بن سعيد
عن أنس موصولاً وليست فيه الزيادة، وهذا تحقيق بالغ إلا أن هذه الطريق المرسلة مع صحة
إسنادها إذا ضمت إلى أحاديث الباب أخذت قوة، وقد أخرجها الطحاوي تَُّ مفردة من طريق
ابن عيينة عن عمرو، عن طاووس، وكذا رواه سعيد بن منصور عن ابن عيينة، فمن شواهد هذا
المرسل مرسل آخر رواه أبو داود والدارقطني من حديث عبد الله بن معقل عن مقرن المزني،
وهو تابعي، قال: ((قام أعرابي إلى زاوية من زوايا المسجد، فبال فيها، فقال النبيّ وَّر: خذوا
ما بال عليه من التراب، فألقوه وأهرقوا على مكانه ماء)) قال أبو داود: ((وروي مرفوعاً - يعني:
موصولاً - ولا يصح)) قلت: وله إسنادان موصولان:
أحدهما: عن ابن مسعود، رواه الدارمي، والدارقطني، ولفظه: ((فأمر بمكانه، فاحتفر
وصبّ عليه دلو من ماء)) وفيه سمعان بن مالك، وليس بالقوي، قاله أبو زرعة، وقال ابن أبي
حاتم في العلل: عن أبي زرعة هو حديث منكر، وكذا قال أحمد، وقال أبو حاتم: لا أصل له.
ثانيهما: عن واثلة بن الأسقع، رواه أحمد والطبراني، وفيه عبيد الله بن أبي حميد الهذلي،
وهو منكر الحديث، قال البخاري وأبو حاتم، كذا في تلخيص الحبير.
وقد حكي عن الشيخ الإمام القدوة مولانا رشيد أحمد الجنجوهي روّح الله روحه أنه قال
في واقعة بول الأعرابي بالجمع بين طريقي التطهير، كما هو مقتضى الجمع بين الأحاديث التي

٥٣
كتاب: الطهارة
ابْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. جَمِيعاً عَنِ الدَّرَاوَزْدِيِّ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ الْمَدَنِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَذْكُرُ؛ أَنَّ أَغْرَابِيًّا قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَبَالَ فِيهَا، فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: (دَعُوهُ)) فَلَمَّا فَرَغَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ بِذَنُوبِ فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ .
٦٥٩ - (١٠٠) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ. حَدَّثَنَا
عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طُلْحَةَ. حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، (وَهُوَ عَمُّ
إِسْحَاقَ)، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِ لهَ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٍّ، فَقَامَ يَبُولُ فِي
الْمَسْجِدِ. فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهِ: مَهْ مَهْ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه: ((لا تُزْرِمُوهُ.
دَعُوهُ)) فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ. ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ:
ذكرناها، ولعل الغرض من الجمع إكمال التطهير والتنظيف واستئصال الروائح الكريهة وقلع
مادتها، والله أعلم.
٩٩ - ( ... ) - قوله: (فصاح به الناس) إلخ: يظهر منه ومن الرواية الآتية أن ما في البخاري
((فتناوله الناس)) كان بالألسنة لا بالأيدي، وفي هذا الحديث من الفوائد أن الاحتراز من النجاسة
كان مقرراً في نفوس الصحابة، ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته عليه الصلاة والسلام قبل
استئذانه، ولما تقرر عندهم أيضاً من طلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كذا في الفتح.
قوله: (بذنوب) إلخ: قال الخليل: الدلو ملأى ماءً. وقال ابن فارس: الدلو العظيمة،
وقال ابن السكيت: فيها ماء قريب من الملأ، ولا يقال لها وهي فارغة: ذنوب.
١٠٠ - (٢٨٥) - قوله: (وهو عمّ إسحاق) إلخ: أي: أنس بن مالك عم إسحاق بن أبي
طلحة .
قوله: (مه مه) إلخ: بفتح الميم وسكون الهاء، اسم فعل، معناه: اكفف، والتكرير
للتأکید، وزيادة التهدید.
قيل: أصله: ((ما هذا)) ثم حذف تخفيفاً، وتقال مكررة مه مه، وتقال: مه، ومثله: ((بَه به))
وقال يعقوب: هي لتعظيم الأمر كبخ بخ، كذا في الشرح.
قوله: (أن رسول الله وَ ل* دعاه) إلخ: أي: طلب ذلك الأعرابي ليعلمه بما يجب للمساجد
على أبلغ وجه وألطفه.
قوله: (فقال له) إلخ: فيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن منه
ذلك عناداً، ولا سيما إن كان ممن يحتاج إلى استئلافه، وفيه رأفة النبيّ وَّر وحسن خلقه. قال

٥٤
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلا الْقَذَرِ. إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ،
وَالصَّلاَةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ))، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِّ. قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلاً مِنَ الْقَوْمِ، فَجَاءَ
بِدَلْوِ مِنْ مَاءٍ، فَشَنَّهُ عَلَيْهِ.
ابن ماجه وابن حبان في حديث أبي هريرة: «فقال الأعرابي بعد أن فقه في الإسلام: فقام إلى
النبيّ ◌َّهِ، بأبي وأمي فلم يؤنب ولم يَسبّ)).
قوله: (إن هذه المساجد) إلخ: الإشارة للتعظيم، وإنما جمع لئلا يتوهم تخصيص الحكم
بمسجده عليه الصلاة والسلام.
قوله: (لا تصلح) إلخ: أي: لا تليق، وقد ورد الأمر بتنظيف المساجد من حديث سمرة بن
جندب عند أحمد والترمذي، وقال: صحيح، كذا في الترغيب والترهيب للمنذري.
قوله: (من هذا البول) إلخ: الإشارة للتحقير.
قوله: (ولا القذرة) إلخ: هو بفتح الذال المعجمة، ما يتنفر منه الطبع كالنجاسات والأشياء
المنتنة، فذكره بعد البول يكون تعميماً بعد تخصيص، قاله ابن الملك. وفي نسخة بكسر الذال،
كذا في المرقاة.
قوله: (إنما هي) إلخ: ظاهره الحصر، لكن الإجماع على أن مفهوم الحصر منه غير
معمول به، قاله الحافظ في الفتح.
وقال الشيخ بدر الدين العيني: ((إن لفظ الذكر عام يتناول قراءة القرآن وقراءة العلم ووعظ
الناس، والصلاة أيضاً عام فيتناول المكتوبة والنافلة، ولكن النافلة في المنزل أفضل، ثم غير هذه
الأشياء ككلام الدنيا والضحك واللبث فيه بغير نية الاعتكاف مشتغلاً بأمر من أمور الدنيا ينبغي
أن لا يباح، وهو قول بعض الشافعية، والصحيح أن الجلوس فيه لعبادة أو قراءة علم أو درس أو
سماع موعظة أو انتظار صلاة أو نحو ذلك مستحب، ويثاب على ذلك، وإن لم يكن لشيء من
ذلك كان مباحاً، وتركه أولی)).
قوله: (فشنّه عليه) إلخ: يروى بالشين المعجمة وبالمهملة، وهو في أكثر الأصول
والروايات بالمعجمة، ومعناه صبّه، وفرق بعض العلماء بينهما فقال: هو بالمهملة الصب في
سهولة، وبالمعجمة التفريق في صبه، والله أعلم، كذا في الشرح.

٥٥
كتاب: الطهارة
(٣١) - باب: حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله
٦٦٠ - (١٠١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ(١) زَوْجِ النَّبِّ وَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِ كَانَ يُؤْتَى
بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنَّكُهُمْ، فَأَتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ. فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ
(٣١) - باب: حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله
١٠١ - (٢٨٦) - قوله: (يؤتى بالصبيان) إلخ: بكسر الصاد، جمع صبي، وهو الغلام. قاله
الجوهري، والجمع صبية وصبيان. وقال بعضهم: الصبيان بكسر الصّاد، ويجوز ضمها، جمع
صبي، قلت: في الضم لا يقال إلا صبوان، وقد وهم هذا القائل حيث لم يعلم الفرق بين المادة
الواوية والمادة اليائية، وأصل صبيان بالكسر صبوان، لأن المادة واوية، فقلبت الواو ياء
الانكسار ما قبلها، كذا في عمدة القاري. ونظر فيه القسطلاني، ونقل عن صاحب القاموس أنه
صرح بجواز الضم في صبيان وصبوان كليهما .
قوله: (فيبرك عليهم) إلخ: أي: يدعو لهم، ويمسح عليهم، وأصل البركة ثبوت الخير
و کثرته .
قوله: (ويحتكهم) إلخ: التحنيك أن يمضغ التمر أو نحوه، ثم يدلك به حنك الصغير.
قوله: (فأتي بصبي) إلخ: قال العيني: «ذكره الدارقطني من حديث الحجاج بن أرطاة أن
هذا الصبي هو عبد الله بن الزبير ◌ًا. وقيل: هو ابن أم قيس المذكور في الحديث الآتي.
وقيل: إنه الحسن. وقيل: إنه الحسين، طًُّا، والله سبحانه وتعالى أعلم)).
قوله: (فبال عليه) إلخ: وفي رواية مالك عند البخاري: ((فبال على ثوبه)).
قوله: (فأتبعه بوله) إلخ: بإسكان المثناة، أي: أتبع رسول الله وَ الر البول الذي على الثوب
الماء بصبه عليه .
قال محمد: ((وبهذا نأخذ، تتبعه إياه غسلاً حتى تنقيه وهو قول أبي حنيفة كَُّ)).
وقال محمد: ((قد جاءت رخصة في بول الغلام إذا كان لم يأكل الطعام، وأمر بغسل بول
الجارية، وغسلهما جميعاً أحب إلينا وهو قول أبي حنيفة)).
(١) قوله: (عن عائشة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب بول الصبيان، رقم
(٢٢٢) وفي كتاب العقيقة، باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه، رقم (٥٤٦٨) وفي
كتاب الأدب، باب وضع الصبي في الحجر، رقم (٦٠٠٢) وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء للصبيان
بالبركة ومسح رؤوسهم، رقم (٦٣٥٥) والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب بول الصبي الذي لم
يأكل الطعام، رقم (٣٠٤). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في بول الصبي
الذي لم يطعم، رقم (٥٢٣).

٥٦
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
٦٦١ - (١٠٢) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ: أَتِيَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِصَبِيِّ يَرْضَعُ، فَبَالَ فِي حِجْرِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((وقد أخذ بالحديث (الفارق بين بول الغلام
وبول الجارية) أهل المدينة، وإبراهيم النخعي، وأضجع فيه القول محمد، فلا تغتر بالمشهور بين
الناس)).
قوله: (ولم يغسله) إلخ: قال الحافظ: ((اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب - هي
أوجه للشافعية - :
أصحها: الاكتفاء بالنضح في بول الصبي لا الجارية، وهو قول علي، وعطاء، والحسن،
والزهري، وأحمد، وإسحاق، وابن وهب وغيرهم، ورواه الوليد بن مسلم عن مالك، وقال
أصحابه: هي رواية شاذة.
والثاني: يكفي النضح فيهما، وهو مذهب الأوزاعي، وحكي عن مالك، والشافعي،
وخصص ابن العربي النقل في هذا بما إذا كانا لم يدخل أجوافهما شيء أصلاً .
والثالث: هما سواء في وجوب الغسل، وبه قال الحنفية والمالكية)).
قال ابن دقيق العيد: ((اتبعوا في ذلك القياس، وقالوا: المراد بقولها: ((ولم يغسله)) أي:
غسلاً مبالغاً فيه، وهو خلاف الظاهر، ويبعده ما ورد في الأحاديث الأخر - يعني: التي قدمناها
من التفرقة بين بول الصبي والصبية - فإنهم لا يفرقون بينهما. قال: وقد ذكر في التفرقة بينهما
أوجه: منها ما هو ركيك، وأقوى ذلك ما قيل: إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث، يعني:
فحصلت الرخصة في الذكور لكثرة المشقة)).
قال القسطلاني: ((وقد روى ابن خزيمة والحاكم وصححاه: ((يغسل من بول الجارية ويرش
من بول الغلام)) وفرق بينهما بأن الائتلاف بحمل الصبي أكثر فخفف في بوله، وبأنه أرقّ من
بولها، فلا يلصق بالمحل كلصوق بولها، ولأن بولها بسبب استيلاء الرطوبة والبرودة على مزاجها
أغلظ وأنتن)).
وقال الطحاوي: ((لا يكفي الصب في بول الجارية، لأن بول الغلام يكون في موضع واحد
لضيق مخرجه، وبول الجارية يتفرق في مواضع لسعة مخرجها)).
١٠٢ - ( ... ) - قوله: (بصبي يرضع) إلخ: بفتح الياء أي: رضيع، وهو الذي لم يفطم.
قوله: (فبال في حجره) إلخ: بفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان.
قوله: (فصبه عليه) إلخ: وبهذا اللفظ ورد حديث أم سلمة عند الطبراني في الأوسط بإسناد

٥٧
كتاب: الطهارة
٦٦٢ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عِيسَى. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ .
٦٦٣ - (١٠٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاجِرِ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنِ(١)؛ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ فَلْ بِابْنِ
لَهَا لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ. فَوَضَعَتْهُ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ. قَالَ: فَلَّمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ.
٦٦٤ - (٠٠٠) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ
وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: فَدَعَا بِمَاءٍ
فَرَشَّهُ.
حسن في قصة بول الحسن أو الحسين على بطن رسول الله وَلتر، كما في الفتح.
١٠٣ - (٢٨٧) - قوله: (بنت محصن) إلخ: بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة، وفتح
الصاد، بعدها نون.
قوله: (لم يأكل الطعام) إلخ: أي: قصداً، أو استقلالاً، أو تقوياً، لعدم قدرته على مضغه
ودفعه لمعدته .
( ... ) - قوله: (فرشّه) إلخ: قال العلامة أبو الطيب في شرح الترمذي: ((ظاهره إصابة
الماء القليل باليد بلا إسالة، ومن لم يقل بالظاهر يحمله على أنه غسل غسلاً خفيفاً، فعبر عنه
بالرش، ويؤيده ما في صحيح مسلم عن عائشة رضيؤها قالت: ((أتي رسول الله وَّل بصبي يرضع فبال
في حجره فدعا بماء فصبه عليه)) وفي رواية: ((فدعا بماء فأتبعه بوله، ولم يغسله)) وفي رواية في
البخاري: ((فنضحه ولم يغسله)) فرواية صبه ظاهرة في كثرة إصابة الماء)).
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار: ((أمر رسول الله ◌َ و بغسل النجاسات من
الثياب، فمرة قال لأسماء في دم الحيض: ((أقرصيه وأعركيه بالماء)) ومرة أمر في بول الغلام بأن
يصب عليه الماء، وأن يتبع البول الماء دون عرك، فدل هذا كله على أن الغسل في لسان العرب
(١) قوله: ((عن أم قيس بنت محصن)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب بول
الصبيان، رقم (٢٢٣) وفي كتاب الطب، باب السعوط بالقسط الهندي والبحري، رقم (٥٦٩٣). والنسائي
في سننه، في كتاب الطهارة، باب بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، رقم (٣٠٣)، في كتاب الطهارة، باب
بول الصبي يصيب الثوب، رقم (٣٧٤). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في نضح
بول الغلام قبل أن يطعم، رقم (٧١) وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في بول
الصبي الذي لم يطعم، رقم (٥٢٤). والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب بول الغلام الذي
لم يطعم، رقم (٧٤٧).

٥٨
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٦٥ - (١٠٤) وحدّثنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ
يكون مرة بالعرك، ومرة بالإفاضة والصب، وكل ذلك يسمى غسلاً باللغة العربية)) كذا في
السعاية .
قال العيني تغّثُهُ: ((والعرب تقول: غسلني السماء، وإنما يقولون ذلك عند انصباب المطر
عليهم، وكذلك يقال: غسلني التراب إذا انصب عليه)) كذا في عمدة القاري.
وقال الزرقاني: ((المراد بالنضح والرش في حديث الباب: الغسل، وذلك معروف في
لسان العرب، ومنه الحديث: ((إني لأعرف قرية ينضح البحر بناحيتها)). وقال ◌ّ في المذي:
((فلينضح فرجه)) رواه أبو داود وغيره. والمراد الغسل، كما في مسلم، والقصة واحدة كالراوي.
وحديث أسماء في غسل الدم ((وانضحيه)) وقد جاء الرش وأريد به الغسل كما في الصحيح عن
ابن عباس لما حكى الوضوء النبوي قال: ((أخذ غرفة من ماء ورشّ على رجله اليمنى حتى
غسلها)) وأراد بالرش هنا الصب قليلاً قليلاً)).
قال العيني كثّفُ: ((ومما يدل على أن النضح والرش يذكران ويراد بهما الغسل: قوله عليه
الصلاة والسلام في حديث أسماء رؤيتنا: ((تحتّه ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه))
معناه: تغسله، هذا في رواية الصحيحين. وفي رواية الترمذي: ((حتيه، ثم اقرصيه، ثم رشيه،
وصلي فیه» أراد: اغسليه، قاله البغوي)).
فلما ثبت أن النضح والرش يذكران ويراد بهما الغسل وجب حمل ما جاء في حديث الباب
من النضح والرش على الغسل الخفيف، الخالي من العرك والدلك، لحديث ((الصب)»
و((الإتباع)).
والفرق بين بول الغلام والجارية في بعض الأحاديث إنما هو من حسن التعبير الدال على
تفاوت مراتب الغسل، فعبر الغسل الخفيف بالنضح، والشديد بلفظ الغسل، كما قالوا في حديث
اسباب المسلم فسوق وقتاله كفر)).
قال الزرقاني: ((وتأولوا قوله: ((ولم يغسله)) أي: غسلاً مبالغاً فيه كغيره، ويؤيده رواية
مسلم من طريق يونس بن يزيد: ((ولم يغسله غسلاً)) فدل بالمصدر المنون على نفي الكثير البليغ
مع وجود أصل الغسل)).
قلت: وسياق حديث لبابة بنت الحارث فيها عند أحمد وأبي داود وغيرهما - كما في
المشكاة - يشير إلى أنها اهتمت بالغسل من بول الحسين بن علي كغسلها من سائر النجاسات،
فقالت للنبي وَّر: ((البس ثوباً، وأعطني إزارك حتى أغسله))، فأنكر عليها النبيلظلّل هذه المبالغة
في الغسل التي تحتاج إلى نزع الثوب ودلكه وعصره، فقال: ((إنما يغسل - أي: الغسل المعروف -
من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر)) والله أعلم.

٥٩
كتاب: الطهارة
يَزِيدَ؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ
أَمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنِ، (وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ اللَّتِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللّهِ وَلِ، وَهِيَ
أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ. أَحَدُ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ)، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي؛ أَنَّهَا أَتَتْ
رَسُولَ اللَّهِ وَهَ بِابْنِ لَهَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَتْنِي؛ أَنَّ ابْنَهَا ذَاكَ بَالَ
فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ بِ ﴿ه، فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ وَهَ بِمَاءٍ فَتَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلاً .
(٣٢) - باب: حكم المني
٦٦٦ - (١٠٥) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ
أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ؛ أَنَّ رَجُلاً نَزَلَ بِعَائِشَةَ. فَأَصْبَحَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ.
١٠٤ - ( ... ) - قوله: (أن أم قيس) إلخ: قال ابن عبد البر: ((اسمها جذامة يعني بالجيم
المعجمة)). وقال السهيلي: ((اسمها آمنة، ومات ابنها في عهدالنبيّ وَّر، وهو صغير، كما رواه
النسائي، ولم أقف على تسميته)).
قوله: (فنضحه على ثوبه) إلخ: قد مرّ توجيهه من الحنفية والمالكية، قال الخطابي: ((ليس
تجويز من جوز النضح من أجل أن بول الصبي غير نجس، ولكنه لتخفيف نجاسته)) انتهى. وأثبت
الطحاوي الخلاف، فقال: ((قال قوم بطهارة بول الصبي قبل الطعام)) وكذا جزم به ابن عبد البر
وابن بطال ومن تبعهما عن الشافعي وأحمد وغيرهما، ولم يعرف ذلك الشافعية ولا الحنابلة.
وقال النووي: ((هذه حكاية باطلة)) انتهى. وكأنهم أخذوا ذلك من طريق اللازم، وأصحاب
صاحب المذهب أعلم بمراده من غيرهم، والله أعلم كذا في الفتح.
قلت: رش الماء، على النجاسة بحيث لا يتقاطر شيء منه - كما صرح بإجزائه النووي - لا
يزيل النجاسة ولا يقللها، بل يثيرها وينشرها، ولا يعقل كونها مستهلكة مستحيلة على الفور بهذا
القدر من الماء في الثوب، فهذا يلزمه أن يعتبر بول الصبي طاهراً، أو معفواً عنه عندهم، وقد
صرح القسطلاني في شرح البخاري بكونه طاهراً عند أحمد وإسحاق وأبي ثور، وقال: ((وحكي
عن مالك والأوزاعي)) والله أعلم.
قوله: (لم يغسله غسلاً) إلخ: أي: غسلاً مبالغاً فيه.
(٣٢) - باب: حكم المني
١٠٥ - (٢٨٨) - قوله: (أنا خالد بن عبد الله) إلخ: هو الواسطي الطحان.
قوله: (عن خالد) إلخ: هو الحذاء، وهو خالد بن مهران أبو المنازل - بضم الميم -
البصري.
قوله: (عن أبي معشر) إلخ: اسمه زياد بن كليب التميمي الكوفي الحنظلي.

٦٠
الجزء الثالث من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقَالَتْ عَائِشَةُ(١): إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُكَ، إِنْ رَأَيْتَهُ، أَنْ تَغْسِلَ مَكَانَهُ. فَإِنْ لَمْ تَرَ، نَضَحْتَ
حَوْلَهُ. وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ فَرْكاً. فَيُصَلِّي فِيهِ.
قوله: (إنما كان يجزئك) إلخ: بضم الياء والهمزة.
قوله: (أن تغسل مكانه) إلخ: أي: الموضع الذي أصابه المني لا الثوب كله.
قوله: (نضحت حوله) إلخ: أي: للشك في النجاسة، كما زعمت المالكية أو لقطع
الوساوس ودفع الخواطر، كما زعمت الحنفية. وهذا كما قيل في الانتضاح بعد الوضوء. وأما
الشافعية والحنابلة القائلون بطهارة المني فلا أدري بما يعللون هذا النضح إذا لم ير على الثوب
شيء.
قوله: (أفركه من الثوب) إلخ: بضم الراء وتكسر، أي: غسل موضع النجاسة أيضاً ليس
بواجب فضلاً عن غسل الثوب كله، فإن الفرك يكفي، والفرك الدلك، حتى يذهب الأثر من
الثوب، واستدل به الشافعي على طهارة المني، قالوا: لو كان هو نجساً لم يكتف بفركه، وهذا
الاستدلال غير تام، فإن الغسل ليس بمتعين للتطهير، بل المطهرات قد بلغت عندنا إلى أزيد من
الثلاثين، كما في الدر المختار.
قال العلامة القاضي أبو الوليد المالكي في البداية: ((اختلفوا في المني هل هو نجس أم
لا؟ فذهبت طائفة - منهم مالك وأبو حنيفة - إلى أنه نجس، وذهبت طائفة إلى أنه طاهر))، وبهذا
قال الشافعي وأحمد، وداود.
وسبب اختلافهم فيه شيئان:
أحدهما: اضطراب الرواية في حديث عائشة، وذلك في أن في بعضها: ((كنت أغسل ثوب
رسول الله وَ﴿ من المني، فيخرج إلى الصلاة وإن فيه لبقع الماء)) وفي بعضها: ((كنت أفركه من
ثوب رسول الله وَّر)) وفي بعضها: ((فيصلي فيه)) خرّج هذه الزيادة مسلم.
والسبب الثاني: تردد المني بين أن يشبه بالأحداث الخارجة من البدن، وبين أن يشبه
(١) قوله: ((فقالت عائشة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب غسل المني وفركه،
وغسل ما يصيب من المرأة، رقم (٢٢٩) و(٢٣٠) وباب إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره، رقم
(٢٣١) و(٢٣٢) والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب غسل المني من الثوب، رقم (٢٩٦) وباب فرك
المني من الثوب، من رقم (٢٩٧) إلى رقم (٣٠٢). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب المني
يصيب الثوب، رقم (٣٧١) و(٣٧٢) و(٣٧٣). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في
المني يصيب الثوب، رقم (١١٦) وباب غسل المني من الثوب، رقم (١١٧). وابن ماجه في سننه، في
كتاب الطهارة وسننها، باب المني يصيب الثوب، رقم (٥٣٦) وباب في فرك المني من الثوب، رقم (٥٣٧)
و(٥٣٨) و(٥٣٩).