النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ كتاب: الطهارة سنين وما حولها. وأخرج أبو الشيخ من رواية الوليد بن مسلم عن جابر ((أن النبي ◌َّر ختن حسناً وحسيناً لسبعة أيام)) قال الوليد: فسألت مالكاً عنه فقال: لا أدري، ولكن الختان طهرة، فكلما قدمها كان أحب إليّ . قال أبو الفرج السرخسي كثُّهُ: ((في ختان الصبي وهو صغير مصلحة من جهة أن الجلد بعد التمييز يغلظ ويخشن، فمن ثم جوّز الأئمة الختان قبل ذلك، وأما ختان المرأة ففي الدر المختار أنه ليس بسنة، بل مكرمة للرجال، لأنه ألذّ في الجماع، وقيل سنة)) اهـ. وأفاد الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في المدخل: ((أنه اختلف في النساء هل يخفضن عموماً أو يفرق بين نساء المشرق فيخفضن، ونساء المغرب فلا يخفضن، لعدم الفضلة المشروع قطعها منهن، بخلاف نساء المشرق، قال: فمن قال: إن من ولد مختوناً استحب إمرار الموسى على الموضع امتثالاً للأمر: قال في حق المرأة كذلك، ومن لا فلا)) وقد نقل أيضاً في المدخل: ((أن السنة إظهار ختان الذكر وإخفاء ختان الأنثى)) والله أعلم. قال الغزالي: ((وينبغي أن لا يبالغ في خفض المرأة)) أي: ختانها، كما ورد في حديث ضعیف رواه أبو داود من حديث أم عطية رپا. قال الحافظ في الفتح: ((وقد ذهب إلى وجوب الختان دون باقي الخصال الخمس المذكورة في حديث الباب: الشافعي، وجمهور أصحابه)). واستدل ابن سريج على وجوبه بالإجماع على تحريم النظر إلى العورة، فلولا أن الختان فرض لما أبيح النظر إليها من المختون، وهو مشروع لمن بلغ أو شارف البلوغ. ونقض ابن عبد البر ما قاله ابن سريج بجواز نظر الطبيب، وليس الطب واجباً إجماعاً . واحتج الماوردي فقال: ((في الختان إدخال ألم عظيم على النفس، وهو لا يشرع إلا في إحدى ثلاث خصال: لمصلحة، أو عقوبة، أو وجوب، وقد انتفى الاثنان، فثبت الثالث». وتعقبه أبو شامة بأن في الختان عدة مصالح: كمزيد الطهارة، والنظافة، فإن القلفة من المستقذرات عند العرب، وكثر ذمهم للأقلف في أشعارهم، كذا في شرح الإحياء. تنبيه وقد اختلف في ختانه وَلي على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ولد مختوناً مسروراً، وروي في ذلك حديث لا يصح، ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في الموضوعات، وليس فيه حديث ثابت، وليس هذا من خواصه، فإن كثيراً من الناس يولد مختوناً، والناس يقولون لمن ولد كذلك: ختنة القمر، وهذا من خرافاتهم. ٥٠٢ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَالاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَار، القول الثاني: أنه ختن وّل* يوم شق قلبه الملائكة عند ظئره حليمة، (لكن قال الذهبي كثّهُ: إن هذا منكر، كذا في شرح الإحياء). والقول الثالث: أن جده عبد المطلب ختنه يوم سابعه وصنع له مأدبة، وسماه محمداً . قال أبو عمر بن عبد البر كَُّ: ((في هذا الباب حديث مسند غريب، وقد وقعت هذه المسألة بين رجلين فاضلين، صنف أحدهما مصنفاً في أنه ولد مختوناً، وأجلب فيه من الأحاديث التي لا خطام لها ولا زمام، وهو كمال الدين بن طلحة، فنقضه عليه كمال الدين بن العديم، وبين فيه أنه ختن على عادة العرب، وكان عموم هذه السنة للعرب قاطبة مغنياً عن نقل معين فيها، والله أعلم)). قوله: (والاستحداد) إلخ: هو حلق العانة، سمي استحداداً لاستعمال الحديدة، وهي موسى، وهو سنة، والمراد به نظافة ذلك الموضع، والأفضل فيه الحلق، ويجوز بالقص والنتف والنورة، والمراد بالعانة الشعر الذي فوق ذكر الرجل وحواليه، وكذلك الشعر الذي حوالي فرج المرأة. قال المناوي: ((وحكمة حلق العانة التنظف مما يكره عادة، والتحسن للزوجين، وهو للمرأة آكد» . وقال أبو بكر بن العربي: ((شعر العانة أولى الشعور بالإزالة، لأنه يكثف ويتلبد فيه الوسخ، بخلاف شعر الإبط)). وقال ابن دقيق العيد: ((الأولى في إزالة الشعر هنا الحلق اتباعاً، ويجوز النتف بخلاف الإبط، فإنه بالعكس، لأنه تحتبس تحته الأبخرة، بخلاف العانة، والشعر من الإبط بالنتف يضعف، وبالحلق يقوى، فجاء الحكم في كل من الموضعين بالمناسب)). وأما وقت حلقه فالمختار أنه يضبط بالحاجة وطوله، فإذا طال حلق، وكذلك الضبط في قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار. وأما حديث أنس المذكور في الكتاب: ((وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا يترك أكثر من أربعين ليلة)) فمعناه لا يترك تركاً يتجاوز به أربعين، لا أنهم وقت لهم الترك أربعين، والله أعلم، كذا في الشرح. قوله: (وتقليم الأظفار) إلخ: هو تفعيل من القلم، وهو القطع، والأظفار جمع ظفر بضم الظاء والفاء، وبسكونها - والمراد إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الإصبع من الظفر، لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة، وقد حكى أصحاب الشافعي كثُّ فيه وجهين: فقطع المتولي بأن الوضوء حينئذ لا ٥٠٣ كتاب: الطهارة يصح، وقطع الغزالي في الإحياء بأنه يعفى عن مثل ذلك. واحتج بأن غالب الأعراب لا يتعاهدون ذلك، ومع ذلك لم يرد في شيء من الآثار أمرهم بإعادة الصلاة، وهو ظاهر، لكن قد يعلق بالظفر إذا طال النجو لمن استنجى بالماء، ولم يمعن غسله، فيكون إذا صلى حاملاً للنجاسة . ويستحب الاستقصاء في إزالتها إلى حد لا يدخل منه الضرر على الإصبع، واستحب أحمد للمسافر أن يبقى شيئاً لحاجته إلى الاستعانة لذلك غالباً . والحنفية رحمهم الله قد استثنوا من حكم تقليم الأظفار قص الشارب المجاهد في دار الحرب، قالوا: ((فيستحب توفير شاربه وأظفاره)) ووجهه ابن عابدين تَقَّتُهُ. ولم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيء من الأحاديث، لكن جزم النووي في شرح مسلم بأنه يستحب البداءة بمسبحة اليمنى، ثم بالوسطى، ثم البنصر، ثم الخنصر، ثم الإبهام، وفي اليسرى بالبداءة بخنصرها، ثم بالبنصر إلى الإبهام. ويبدأ في الرجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام، وفي اليسرى بإبهامها إلى الخنصر، ولم يذكر للاستحباب مستنداً . وقال في شرح المهذب بعد أن نقل عن الغزالي وأن المازري اشتد إنكاره عليه فيه: ((لا بأس بما قاله الغزالي إلا في تأخير إبهام اليد اليمنى، فالأولى أن تقدم اليمنى بكمالها على اليسرى. قال: وأما الحديث الذي ذكره الغزالي فلا أصل له)) اهـ. وقال ابن دقيق العيد: ((يحتاج من ادعى استحباب تقديم اليد في القص على الرجل إلى دليل، فإن الإطلاق یأبى ذلك)). قلت: يمكن أن يؤخذ بالقياس على الوضوء، والجامع التنظيف، وتوجيه البداءة باليمنى لحديث عائشة الذي مرّ في الطهارة: ((كان يعجبه التيمن في طهوره وترجله وفي شانه كله)) والبداءة بالمسبحة منها لكونها أشرف الأصابع، لأنها آلة التشهد، وأما اتباعها بالوسطى فلأن غالب من يقلم أظفاره يقلمها من قبل ظهر الكف، فتكون الوسطى جهة يمينه فيستمر إلى أن يختم بالخنصر، ثم يكمل اليد بقصّ الإبهام، وأما في اليسرى فإذا بدأ بالخنصر لزم أن يستمر على جهة اليمين إلى الإبهام. قال شيخنا في شرح الترمذي: ((وكان ينبغي أن لو أخرّ إبهام اليمنى ليختم بها ويكون قد استمر على الانتقال إلى جهة اليمنى، ولعل الأول لحظ فضل كل يد على الأخرى)). وذكر الدمياطي تقذفه: ((أنه تلقى عن بعض المشايخ أن من قصّ أظفاره مخالفاً لم تصبه رمد، وأنه جرّب ذلك مدة طويلة)). وقد نصّ أحمد تقلُّ على استحباب قصها مخالفاً، وبين ذلك أبو عبد الله بن بطة من ٥٠٤ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ». أصحابهم، فقال: يبدأ بخنصره اليمنى، ثم الوسطى، ثم الإبهام، ثم البنصر، ثم السبابة ويبدأ بإيهام اليسرى على العكس من اليمنى، كذا في الفتح والله أعلم. وفي المواهب اللدنية: ((قال الحافظ ابن حجر: إنه يستحب (أي: تقليم الأظفار) كيفما احتاج إليه، ولم يثبت في كيفيته شيء، ولا في تعيين يوم له عن النبي ◌َّ، فإذا قلم أظفاره أو جزّ شعره يتبغي أن يدفنه، فإن رمى به فلا بأس، وإن ألقاه في الكنيف أو في المغتسل كره)) كذا في رد المحتار. قوله: (ونتف الإبط)) إلخ: بكسر الهمزة والموحدة، ويسكونها، والمستحب البداءة فيه بالمنى، ويتأدى أصل السنة بالحلق، ولا سيما من يؤلمه النتف. وقد أخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى قال: دخلت على الشافعي - ورجل يحلق إبطه - فقال: إني علمت أن السنة التف، ولكن لا أقوى على الوجع)). قال الغزالي: ((هو في الابتداء موجع، ولكن يسهل على من اعتاده. قال: والحلق كاف لأن المقصود النظافة». وتعقب بأن الحكمة في نتفه أنه محل للرائحة الكريهة، وإنما ينشأ ذلك من الوسخ الذي يجتمع بالعرق، فيه، فيتلبد ويهيج، فشرع فيه النتف الذي يضعفه فتخف الرائحة به، بخلاف الحلق فإنه يقوي الشعر ويهيجه، فتكثر الرائحة لذلك، ومورد النص إذا احتمل معنى مناسباً يحتمل أن يكون مقصوداً في الحكم لا يترك. والذي يقوم مقام النتف في ذلك التنور، لكنه يرق الجلد فقد يتأذى صاحبه به، ولا سيما إن كان جلده رقيقاً. وتستحب البداءة في إزالته باليد اليمنى، ويزيل ما في اليمنى بأصابع اليسرى، وكذا اليسرى إن أمكن وإلا فباليمنى. كذا في الفتح. قوله: (وقصّ الشارب) إلخ: هو الشعر النابت على الشفة العليا، وهو الواحد الذي فرق، وسمي كل جزء منه باسمه، فقالوا لكل جانب منه: شارياً، ثم جمع شوارب. وقد روى مالك ((أن عمر رضيبه كان إذا غضب فتل شاربه)) والذي يمكن فتله من شعر الشارب: السبال، وقد سماه: شارباً: والسبال بكسر المهملة وتخفيف الموحدة جمع سبلة بفتحتين، واختلف في جانبي الشارب، وهما السبالان، فقيل: هما من الشارب، ويشرع قصهما معه، وقيل: هما من جملة شعر اللحية. قال النووي: ((المختار في قص الشارب أنه يقصه حتى يبدو طرف الشفة، ولا يحفه من أصله، وأما رواية ((أحفوا الشوارب)) فمعناها: أزيلوا ما طال على الشفتين)). قال ابن دقيق العيد: ((ما أدري هل نقله من المذهب أو قاله اختياراً منه لمذهب مالك)). قال الحافظ: ((صرح في شرح المهذب بأن هذا مذهبنا. وقال الطحاوي: لم أر عن ٥٠٥ كتاب: الطهارة الشافعي في ذلك شيئاً منصوصاً، وأصحابه الذين رأيناهم كالمزني والربيع كانوا يحفون، وما أظنهم أخذوا ذلك إلا عنه . وكان أبو حنيفة وأصحابه يقولون: الإحفاء أفضل من التقصير. وقال ابن القاسم عن مالك: إحفاء الشارب عندي مثله. والمراد بالحديث المبالغة في أخذ الشارب حتى يبدو حرف الشفتين. وقال أشهب: سألت مالكاً عمن يحفي شاربه، فقال: أرى أن يوجع ضرباً: وقال لمن يحلق شاربه: هذه بدعة ظهرت في الناس)). وأغرب ابن العربي فنقل عن الشافعي تَُّ أنه يستحب حلق الشارب. وليس ذلك معروفاً عند أصحابه. قال الطحاوي تغذّثُ: ((الحلق هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله)) . وقال الأثرم: كان أحمد يحفي شاربه إحفاء شديداً، ونص على أنه أولى من القص. وقال القرطبي تَّفُ: ((وقص الشارب أن يأخذ ما طال على الشفة بحيث لا يؤذي الآكل ولا يجتمع فيه الوسخ. قال: والجزّ والإحفاء هو القص المذكور، وليس بالاستئصال عند مالك، قال: وذهب الكوفيون إلى أنه الاستئصال، وبعض العلماء إلى التخيير في ذلك)) كذا في فتح الباري. قلت: في القاموس: ((قص الشعر والظفر: قطع شيء منهما بالمقص أي: المقراص)). وهذا لا ينافي الإحفاء فإن القص إذا بولغ فيه ينتهي إلى الإحفاء، كما ذكره ابن الهمام في فتح القدير. والإحفاء الشديد قريب من الحلق، فيطلق عليه الحلق مبالغة كما ذكره الزبيدي في شرح الإحياء، وعلى هذا لا تتضاد الروايات، ويمكن أن يحمل حديث القص على أدنى ما تحصل به السنة، ومخالفة المجوس وغيرهم. وحديث الإحفاء على أفضل مراتب السنة وأكملها، ويراد بالحلق الوارد في رواية النسائي: الإحفاء الشديد. كما ذكرنا والله أعلم. وقال الحافظ تَُّهُ: ((إن الإحفاء محتمل لأن يراد استئصال جميع الشعر النابت على الشفة العليا، ومحتمل لأن يراد استئصال ما يلاقي حمرة الشفة من أعلاها، ويستوعب بقيتها نظراً إلى المعنى في مشروعية ذلك، وهو مخالفة المجوس، والأمن من التشويش على الأكل، وبقاء زهومة المأكول فيه، وكل ذلك يحصل بما ذكرنا، وهو الذي يجمع مفترق الأخبار الواردة في ذلك، وبذلك جزم الداؤدي، وهو مقتضى تصرف البخاري. وعن الشعبي كثّفُهُ: أنه كان يقص شاربه حتى يظهر حرف الشفة العليا وما قاربه من أعلاه، ويأخذ ما يزيد مما فوق ذلك، وينزع ما قارب الشفة من جانبي الفم، ولا يزيد على ذلك. وهذا أعدل ما وقفت عليه من الآثار، وقد أبدى ابن العربي لتخفيف شعر الشارب معنى ٥٠٦ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٥٩٧ - (٥٠) حدّثني أَبُو الظَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الإِخْتِتَانُ، وَالإِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ)). ٥٩٨ - (٥١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلاَهُمَا عَنْ جَعْفَرٍ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ أَنَسُّ(١): وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبْطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لاَ نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. لطيفاً، فقال: ((إن الماء النازل من الأنف يتلبد به الشعر لما فيه من اللزوجة، ويعسر تنقيته عند غسله، وهو بإزاء حاسة شريفة - وهي الشمّ - فشرع تخفيفه، ليتم الجمال والمنفعة به)). قلت: وذلك يحصل بتخفيفه، ولا يستلزم إحفاؤه وإن كان أبلغ. ويؤخذ مما أشار إليه ابن العربي مشروعية تنظيف داخل الأنف وأخذ شعره إذا طال، والله أعلم. ٥١ - (٢٥٨) - قوله: (أنا جعفر بن سليمان) إلخ: قال ابن عبد البر: ((لم يروه إلا جعفر بن سليمان، وليس بحجة، لسوء حفظه وكثرة غلطه، قال النووي كثّفُ: (قلت: وقد وثق كثير من الأئمة المتقدمين جعفر بن سليمان، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به، وقد تابعه غيره)). قوله: (وقت لنا) إلخ: بصيغة المجهول، وهذا في حكم المرفوع، وقد جاء في غير صحيح مسلم: ((وقت لنا رسول الله (َچت)). قوله: (أكثر من أربعين ليلة) إلخ: قال القرطبي تَُّ في المفهم: ((ذكر الأربعين تحديد لأكثر المدة، ولا يمنع تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، والضابطة في ذلك الاحتياج)). قال النووي في شرح المهذب: ((ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط الحاجة في جميع الخصال المذكورة)) . قلت: لكن لا يمنع من التفقد يوم الجمعة، فإن المبالغة في التنظيف مشروع، والله أعلم. وفي الدر المختار: ((والأفضل يوم الجمعة، وجاز في كل خمسة عشر، وكره تركه وراء الأربعين)). (١) قوله: ((قال أنس)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، ذكر الفطرة، باب التوقيت في ذلك (قص الشارب) رقم (١٤). وأبو داود في سننه، في كتاب الترجّل، باب في أخذ الشارب، رقم (٤٢٠٠). والترمذي في جامعه، في كتاب الأدب، باب في الوقيت في تقليم الأظفار وأخذ الشارب: رقم (٢٧٥٨) و(٢٧٥٩). وابن ماجه سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب الفطرة، رقم (٢٩٥). ٥٠٧ كتاب: الطهارة ٥٩٩ - (٥٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى، (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ). ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. جَمِيعاً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ؛ قَالَ: ((أَخْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللُّحَى)). ٥٢ - (٢٥٩) - قوله: (أحفوا الشوارب) إلخ: بالحاء المهملة والفاء، ثلاثياً ورباعياً، من الأحفاء أو الحفو، والمراد الإزالة. قال الحافظ: ((الإحفاء الاستقصاء، ومنه: ((حتى أحفوه بالمسألة)). وروي عن ابن عمر رضي: أنه كان يحفي شاربه حتى لا يترك منه شيئاً، وكان يأخذ من شاربه أعلاه وأسفله)). وهذا يردّ تأويل من تأول في أثر ابن عمر أن المراد به إزالة ما على طرف الشفة فقط)). قوله: (وأعفوا اللحى) إلخ: اللحى بكسر اللام، وحكي ضمها، وبالقصر، والمد، جمع لحية، بالكسر فقط. وهي اسم لمانبت على الخدين والذقن، والإعفاء الترك. قال ابن دقيق العيد: ((تفسير الإعفاء بالتكثير من إقامة السبب مقام المسبب، لأن حقيقة الإعفاء الترك، وترك الشعر من اللحية يستلزم تكثيرها)). وقال الحافظ: في أثر ابن عمر في قطع ما زاد على القبضة: ((والذي يظهر أنه كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه)). وقال الطبري: ((إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها: العرض نفسه لمن يسخر به، واستدل بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ((أن النبي وَ ل و كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها)) أخرجه الترمذي. وقال عياض: ((يكره حلق اللحية وقصها وتحذيقها، وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن، بل تكره الشهرة في تعظيمها، كما يكره في تقصيرها)). وفي الدر المختار: ((لا بأس بأخذ أطراف اللحية، والسنة فيها القبضة)). قال ابن عابدين: ((هو أن يقبض الرجل لحيته، فما زاد منها على قبضة قطعه، كذا ذكره محمد في كتاب الآثار عن الإمام، قال: وبه نأخذ) اهـ. وصرح في النهاية بوجوب قطع ما زاد على القبضة - بالضم - ومقتضاه الإثم بتركه إلا أن يحمل الوجوب على الثبوت، وأما الأخذ منها وهي دون ذلك - كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال - فلم يبحه أحد، وأخذ كلها فعل يهود الهند (لعله الهنود كما في المرقاة) ومجوس الأعاجم. قال علي القاري تقذفُ: ((وهو اليوم شعار كثير من المشركين كالإفرنج والهنود ومن لا خلاق له في الدين من الطائفة القلندرية)). . ٥٠٨ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٦٠٠ - (٥٣) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعِ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١)، عَنِ النَّبِّ وَّةِ؛ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ، وَإِعْفَاءِ اللَّحْيَةِ. ٦٠١ - (٥٤) حدّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ عَنْ عُمِرَ بْنِ مُحَمَّدٍ . حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ. أَخْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَوْقُوا اللُّحَى)) . ٦٠٢ - (٥٥) حدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلاَءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَعْقُوبَ، مَوْلَى الْحُرَقَّةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(٢)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللُّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ» . ٦٠٣ - (٥٦) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: قال الشيخ ولي الله الدهلوي تغذُّهُ: ((واللحية هي الفارقة بين الصغير والكبير، وهي جمال الفحول وتمام هيئتهم، فلا بد من إعفائها، وقصها سنة المجوس، وفيه تغيير خلق الله، ولحوق أهل السؤدد والكبرياء بالرعاع - بفتح الراء - أي: غوغاء الناس وسقاطهم وأخلاطهم)). لطيفة: نقل عن هشام بن الكلبي قال: حفظت ما لم يحفظه أحد، ونسيت ما لم ينسه أحد: حفظت القرآن في ثلاثة أيام، وأردت أن أقطع من لحيتي ما زاد على القبضة فقطعت من أعلاها . ٥٤ - (٠٠٠) - قوله: (وأوفوا اللحى) إلخ: أي: اتركوها وافية. ٥٥ - (٢٦٠) - قوله: (جزّوا الشوارب) إلخ: من الجز بالجيم والزاي الثقيلة، قص الشعر والصوف إلى أن يبلغ الجلد. قوله: (وأرخوا اللحى) إلخ: بالخاء المعجمة بلا همز، أي: أطيلوها، وقال بعضهم: أرجئوا بالجيم والهمزة، أي: أخروها . (١) قوله: ((عن ابن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب اللباس، باب تقليم الأظفار، رقم (٥٨٩٢). وباب إعفاء اللحى، رقم (٥٨٩٣). والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، ذكر الفطرة، باب إحفاء الشارب وإعفاء اللحى، رقم (١٥). وفي كتاب الزينة من السنن، باب إحفاء الشارب، رقم (٥٠٤٨) و(٥٠٤٩). وأبو داود في سننه، في كتاب الترجل، باب في أخذ الشارب، رقم (٤١٩٩) والترمذي في جامعه، في كتاب الأدب، باب ما جاء في إعفاء اللحية، رقم (٢٧٦٣) و(٢٧٦٤). (٢) قوله: ((عن أبي هريرة)) لم أجد أحداً أخرج هذا الحديث من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله. ٥٠٩ كتاب: الطهارة حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ(١)؛ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللَّخِيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ)) . ٥٦ - (٢٦١) - قوله: (عشر من الفطرة) إلخ: قال الحافظ: ((ويتعلق بهذه الخصال مصالح دينية ودنيوية، تدرك بالتتبع، منها: تحسين الهيئة وتنظيف البدن جملة وتفصيلاً، والاحتياط للطهارتين، والإحسان إلى المخالط والمقارن بالكف ما يتأذى به من رائحة كريهة، ومخالفة شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعبّاد الأوثان، وامتثال أمر الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر، آية: ٦٤] لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل: قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، أو حافظوا على ما يستمر به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة، وعلى التألف المطلوب، لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان أدعى لانبساط النفس إليه، فيقبل قوله، ويحمد رأيه، والعكس بالعكس)) كذا في الفتح. قوله: (غسل البراجم) إلخ: هو بالموحدة والجيم، جمع برجمة - بضمتين - وهي عقد الأصابع التي في ظهر الكف. قال الخطابي: («هي المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ، ولا سيما ممن لا يكون طريّ البدن)). وقال الغزالي: ((كانت العرب لا تغسل اليد عقب الطعام، فيجتمع في تلك الغضون وسخ، فأمر بغسلها)). قال النووي: ((وهي سنة مستقلة ليست مختصة بالوضوء)) يعني: أنها يحتاج إلى غسلها في الوضوء، والغسل، والتنظيف، وقد ألحق بها إزالة ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن، وقعر الصماخ، فإن في بقائه إضراراً بالسمع. قوله: (وانتقاص الماء) إلخ: بالقاف والصاد المهملة، وقد فسره وكيع في الكتاب بأنه الاستنجاء. (١) قوله: ((في عائشة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الزينة من السنن، باب الفطرة، رقم (٥٠٤٣) وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب السواك من الفطرة، رقم (٥٣). والترمذي في جامعه، في كتاب الأدب، باب ما جاء في تقليم الأظفار، رقم (٢٧٥٧). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب الفطرة، رقم (٢٩٣). ٥١٠ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ زَكَرِيَّاءُ: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ. إِلا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. زَادَ قُتَيْيَةُ: قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ، يَعْنِي الإِسْتِنْجَاءَ. ٦٠٤ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ شَيْبَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُوهُ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ. (١٧) - باب الاستطابة ٦٠٥ - (٥٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ(١)؛ قَالَ: وقال أبو عبيدة وغيره: ((معناه انتقاص البول بسبب استعمال الماء فى غسل مذاكيره)). وقيل: هو الانتضاح، وقد جاء في رواية: ((الانتضاح)) بدل (انتقاص الماء)). قال الجمهور: ((الانتضاح نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس)). أخرج البيهقي من طريق سعيد بن جبير ((أن رجلاً أتى ابن عباس، فقال: إني أجد بللاً إذا قمت أصلي، فقال له ابن عباس: انضح بماء، فإذا وجدت من ذلك شيئا فقل هو منه)). وقيل: الانتضاح هو الاستنجاء بالماء. قوله: (إلا أن تكون المضمضة) إلخ: قال ابن الملك «لأن المضمضة والاستنشاق يذكران معاً)). وقال القاضي: ((لعل الخصلة التي نسيها: ((الختان)) المذكور مع الخمس في الحديث الأول من أحاديث الباب)) وهو أولى. والله أعلم. (١٧) - باب: الاستطابة في مجمع البحار: ((الاستطابة والإطابة: كناية عن الاستنجاء، لأنه يطيب جسده بإزالة خبثه، أي: يطهره، يقال منه: أطاب واستطاب. قال بعضهم: الاستطابة الاستنجاء بغسل أو مسح بحجر. وقيل: بمسح فقط. ٥٧ - (٢٦٢) - قوله: (عن سلمان) إلخ: هو سلمان الفارسي يكنى أبا عبد الله، مولى (١) قوله: ((عن سلمان)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار، رقم (٤١). وباب النهي عن الاستنجاء باليمين، رقم (٤٩). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال عند قضار الحاجة، رقم (٧). والترمذي في جامعه، في = ٥١١ كتاب: الطهارة قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ بََّ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ. لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطِ أَوْ بَوْلٍ. أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ رسول الله ◌َر، وكان أصله من فارس، من رامهرمز، ويقال: بل كان أصله من أصفهان، من قرية يقال لها: جن، سافر يطلب الدين، فدان أولاً بدين النصرانية، وقرأ الكتب، وصبر في ذلك على مشقات متتالية، فأخذه قوم من العرب، فباعوه من اليهود، ثم إنه كوتب، فأعانه رسول الله وَ﴿ في كتابته، ويقال: إنه تداوله بضعة عشر سيداً حتى أفضى إلى النبي بَّر، وأسلم لما قدم النبي وَّ﴾ إلى المدينة، وقال: ((سلمان منا أهل البيت))، وهو أحد الذين اشتاقت إليهم الجنة، فكان من المعمرين، قيل: عاش مائتين وخمسين سنة. وقيل: ثلثمائة وخمسين سنة، والأول أصح، وكان يأكل من عمل يده ويتصدق بعطائه، مات بالمدائن سنة خمسة وثلاثين، روى عنه أنس وأبو هريرة وغيرهما. كذا في المرقاة. قوله: (قيل له) إلخ: أي: استهزاء. والقائلون هم المشركون. قوله: (حتى الخراءة) إلخ: أي: أدبها، والخراءة بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الراء وبالمد، وهي اسم لهيئة الحدث، وأما نفس الحدث، فبحذف التاء وبالمد مع فتح الخاء و کسرها . قوله: (فقال: أجل) إلخ: بتخفيف اللام، أي: نعم، ومراد سلمان رَّ به أنه علمنا كل ما نحتاج إليه في ديننا (من جليل أو دقيق) حتى الخراءة التي ذكرت أيها القائل، فإنه علمنا آدابها، فنهانا فيها عن كذا وكذا، فهذا دليل على أكملية ديننا وأجمعيته، وليس محل الطعن والتشنيع كما زعمتم . قال الطيبي: ((جواب سلمان من باب أسلوب الحكيم، لأن المشرك لما استهزأ كان من حقه أن يهدد أو يسكت عن جوابه، لكنه ربه ما التفت إلى ما قال وما فعل من الاستهزاء، وأخرج الجواب مخرج المرشد الذي يلقن السائل المجدّ، يعني: ليس هذا مكان الاستهزاء، بل هو جدّ وحق، فالواجب أن تترك العناد وتلزم الطريق المستقيم والمنهج القويم، يتطهر باطنك وظاهرك من الأرجاس والأنجاس)). قوله: (أو أن نستنجي) إلخ: قال في الفائق: ((الاستنجاء قطع النجاسة، من نجوت الشجرة، وأنجاها، واستنجاها: أي: قطعها من الأرض)). قوله: (باليمين) إلخ: أي: تكريماً لها، وصيانة عن الأقذار، وهذا من محاسن العادات. كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة، رقم (١٦). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب = الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة، رقم (٣١٦). ٥١٢ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ أَحْجَارٍ. أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ فقد روى أبو داود بسند صحيح من حديث عائشة رضيها قالت: ((كانت يد رسول الله وَ له اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى)). فإن قلت: النهي عن الاستنجاء باليمين تحريم أو تنزيه؟ قلت: للتنزيه عند الجمهور، لأن النهي فيه لمعنيين: أحدهما رفع قدر اليمين، والآخر أنه لو باشر النجاسة بها يتذكر عند تناوله الطعام ما باشرت يمينه من النجاسة، فينفر طبعه من ذلك، وحمله أهل الظاهر على التحريم وهو وجه عند الحنابلة وطائفة من الشافعية. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ((قد ورد النهي عن مس الذكر باليمين في الحديث المتفق عليه، وورد النهي عن الاستنجاء باليمين في هذا الحديث وغيره، فلا يجوز استعمال اليمين في أحد الأمرين، وإذا دعت الضرورة إلى الانتفاع بها في أحدهما استعملها قاضي الحاجة في أخف الأمرين في نظره)). قوله: (بأقل من ثلاثة أحجار) إلخ: اختلفوا في اشتراط العدد في الاستنجاء، فقال الشافعي وأحمد: يشترط، لحديث الباب، ولما روى أبو داود عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله وَ قال: ((إذا ذهب أحدكم لحاجته فليستطب بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه)). وقال أبو حنيفة ومالك وداود - وهو قول عمر ربه، حكاه العبدري - ليس بشرط، بدليل ما رواه البخاري من حديث ابن مسعود. قال: ((أتى النبي ◌َّلتر الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد الثالث، فأتيته بروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذا ركس)) فاستدل الطحاوي بقوله: ((وألقى الوثة)) على عدم اشتراط الثلاث، وعلل بأنه لو كان مشترطاً لطلب ثالثاً . وأجيب بأن في مسند أحمد في هذا الحديث بعد قوله ((هذا ركس)): ((إئتني بحجر)). قلت: وهذا الحديث الذي رواه أحمد من طريق أبي إسحاق عن علقمة، مع عدم دلالته على الإتيان بالثالث، وإن أمر به وَلتر ثالثاً: منقطع عند الطحاوي، فإنه قد ثبت عنده عدم سماع أبي إسحاق من علقمة، والمحدث لا يرى العمل به. وقال أبو الحسن بن القصار المالكي: ((روي أنه أتاه بثالث، لكن لا يصح، ولو صح فالاستدلال به لمن لا يشترط الثلاثة قائم لأنه اقتصر في الموضعين على ثلاثة، فحصل لكل منهما أقل من ثلاثة. كذا في عمدة القارى. وقد يجاب عن استدلال الطحاوي بأنه علَّل اكتفى بطرف أحد الحجرين عن الثالث، لأن المقصود بالثلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحات، وذلك حاصل، ولو بواحد له ثلاثة أحرف. قلت: المذكور في حديث الباب ونظائره تثليث الأحجار لا المسحات إلا أنهم أقاموا ٥١٣ كتاب: الطهارة بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ. المسحات الثلاثة، في حجر واحد له ثلاثة أحرف مقام الأحجار الثلاثة، وهذا خلاف الظاهر، وأيضاً لم يعتبروا خصوص المعدود كما اعتبروا العدد، فجوزوا الاستنجاء بالأحجار وغيرها من المدر والخشب والخرقة، وهذا أيضاً عدول عن ظاهر لفظ الحديث، وأيضاً لم يكتفوا بالثلاث إذا لم يحصل الإنقاء بها، بل قالوا بوجوب الزيادة عليها ما لم يحصل النقاء مع أن ظاهر حديث الباب الاكتفاء بها، بل حديث عائشة في سنن أبي داود صريح في الحكم بأنها تجزئ عنه، فالشارع يحكم بالإجزاء وهم يحكمون بعدمه لعدم حصول النقاء الذي هو المقصود، ويؤولون الأخبار المشعرة بخلافهم، ففي هذا كله ترك لما يدل عليه ظاهر أحاديث التحديد لما تقرر عند الجميع من كون الإنقاء هو المقصود من الاستنجاء، فأي: ذنب على الحنفية في حملهم النهي عما دون الثلاث على التنزيه، كما في المرقاة، والأمر بالتثليث على العادة أو الاستحباب لرعاية ذلك المقصود بعينه، كما في البحر، مع ما ورد صريحاً في حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره: ((ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج)) حسّن إسناده الحافظ ابن حجر، كما في نيل الأوطار، وحمله على ما زاد على الثلاث إذا لم يحصل الإنقاء بها - كما قاله البيهقي - ليس عليه قرينة، وهو أبعد عند الذوق السليم مما حملنا عليه أحاديث الباب، والله أعلم بالصواب. قال في البحر: ((وذكر الثلاث في بعض الأحاديث خرج مخرج العادة، لأن الغالب حصول الإنقاء بها، أو يحمل على الاستحباب)) اهـ. قلت: وهذا كما حمل الشافعية وغيرهم النتف في الإبط والحلق في العانة على العادة أو الأحبية، نظراً إلى المقصود منهما، والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (أحجار) إلخ: ليس لتخصيص الحكم، لأن غير الحجر مشارك للحجر في تحصيل مقصود الاستنجاء، ولعل ذكر الأحجار جرى لغلبتها والقدرة عليها في عامة الأماكن. قال صاحب المنتقى: ((ولولا أنه أراد الحجر وما كان نحوه في الإنقاء لم يكن لاستثناء العظم والروث معنى (أي: لو كان الحجر متعيناً لنهي عما سواه مطلقاً) ولا حسُن تعليل النهي عنهما بكونهما من طعام الجن، وقد صح عنه التعليل بذلك)). قوله: (برجيع) إلخ: فعيل بمعنى المفعول، والمراد الروث والعذرة، لأنه رجوع عن حالته الأولى بعد أن كان طعاماً أو علفاً. وقيل: رجع أي: ردّ من حال ــ هي الطهارة - إلى أخرى - وهي النجاسة - وكل مردود: رجيع. كذا في المرقاة. قوله: (بعظم) إلخ: وفي الدر المختار: ((وكره تحريماً بعظم وطعام وروث)) اهـ. قال في البحر: ((فإن استنجى بها أجزأه مع الكراهة لحصول المقصود، (أي: الإنقاء) ٥١٤ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٦٠٦ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ: إِنِّي أَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ. حَتَّى يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ. فَقَالَ: أَجَلْ. إِنَّهُ نَهَانَا أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ. أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ. وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالْعِظَامِ. وَقَالَ: ((لا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ)). والروث، وإن كان نجساً عندنا، لقوله ظنّلا فيها: ((ركس أو رجس)) لكن لما كان يابساً لا ينفصل عنه شيء صح الاستنجاء به، لأنه يجفف ما على البدن من النجاسة الرطبة، والرجيع العذرة اليابسة، وقيل: الحجر الذي قد استنجي به)). وفي البدائع: ((فإن فعل ذلك - يعني: الاستنجاء بالعظم - يعتد به عندنا، فيكون مقيماً سنة ومرتكباً كراهية)». قال العيني: ((ذكره ابن جرير الطبري أن عمر بن الخطاب له كان له عظم يستنجي به ثم يتوضأ ويصلي)). وقال ابن عابدين تَُّهُ: ((أما العظم والروث فالنهي ورد فيهما صريحاً في صحيح مسلم لما سأله الجن الزاد، فقال: ((لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم))، فقال النبي ◌َّقال: ((فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام زاد إخوانكم)) وعلل في الهداية للروث بالنجاسة، وإليه يشير قوله وَّر في حديث آخر: ((إنها ركس)) لكن الظاهر أن هذا لا يفيد التحريم، ومثله يقال في الاستنجاء بحجر استنجي به إلا أن يكون فيه نهي أيضاً. قال في الحلية: وإذا ثبت النهي في مطعوم الجن وعلف دوابهم ففي مطعوم الإنس وعلف دوابهم بالأولى، واستفيد من حديث مسلم السابق أنه لو كان عظم ميتة لا يكره الاستنجاء به تأمل)) كذا في رد المحتار، وقال صاحب المنتقى: ((في حديث مسلم تنبيه على النهي عن إطعام الدواب النجاسة)) اهـ، لأن تعليل النهي عن الاستجمار بالبعرة بكونها طعام دواب الجن يشعر بذلك. (٠٠٠) - قوله: (عن الروث) إلخ: الروث السرجين، وفي العباب: الروثة، واحدة الروث والأرواث، وقد راث الفرس يروث، وقال التيمي: قيل: الروثة إنما يكون للخيل والبغال والحمير، قيل: يلحق به كل نجس أو متنجس. قوله: (والعظام) إلخ: جمع عظم. قال الخطابي تقذفُ: ((لا يجوز الاستنجاء بعظم ميتة أو مذكاة، قيل: علة النهي ملامسة العظم فلا يزيل النجاسة. وقيل: علته أنه يمكن مصه أو مضغه عند الحاجة. وقيل: قوله عليه ٥١٥ كتاب: الطهارة ٦٠٧ - (٥٨) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً(١) يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنْ يُتَمَسَّحَ بِعَظْم أَوْ بِبَعَرٍ . ٦٠٨ - ٥٩ - وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: سَمِعْتَ الزُّهْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْنِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ(٢)؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: ((إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ الصلاة والسلام: ((إن العظم زاد إخوانكم من الجن)). يعني: وإنهم يجدون عليه من اللحم أوفر ما كان عليه، وقيل: لأن العظم ربما يجرح)). قال في شرح النقاية: ((وقد ضبط بعض العلماء ضبطاً جيداً، فقالوا: يجوز الاستنجاء بكل جامد، طاهر، منقٌ، قلاع للأثر، غير مؤذ، ليس بذي حرمة ولا شرف، ولا يتعلق به حق للغير)) . ٥٩ - (٢٦٤) - قوله: (فلا تستقبلوا القبلة) إلخ: أي: تعظيماً للقبلة، والأصل فيه أن الله سبحانه وتعالى جعل الكعبة بيتاً حراماً، وقال: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج، آية: ٣٠] وقال: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج، آية: ٣٢]. وينبهك على هذا التعليل إطلاق ما ورد في صحيحي ابن خزيمة وابن حبان من حديث حذيفة مرفوعاً: ((من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه))، وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر مرفوعاً ((يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه)) فظاهر أن (١) قوله: ((جابراً)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب ما ينهى عنه أن يستنجي به، رقم (٣٨). (٢) قوله: ((عن أبي أيوب)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء. جدار أو نحوه، رقم (١٤٤) وفي كتاب الصلاة، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق، رقم (٣٩٤). والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة، رقم (٢٠) وباب النهي عن استدبار القبلة عند الحاجة، رقم (٢١) وباب الأمر باستقبال المشرق أو المغرب عند الحاجة، رقم (٢٢). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، رقم (٩). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول، رقم (٨). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب النهي عن استقبال القبلة بالغائط والبول، رقم (٣١٨). والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول، رقم (٦٧١). ٥١٦ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم التغوط والتبول إلى القبلة أشد وأفحش من التنخم إليها، ولهذا ورد في مراسيل طاووس ((حق على كل مسلم أن يكرم قبلة الله أن يستقبلها بغائط أو بول)). وأما ما علل به الشعبي من: ((أن لله عباداً (في الصحراء) ملائكة وجنا يصلون، فلا يستقبلهم أحد ببول ولا غائط، ولا يستدبرهم، وأما كنفكم هذه، فإنما هي بيوت بنيت لا قبلة فيها)): فقد قال القاضي أبو بكر بن العربي كثّهُ في شرح الترمذي: ((اختلف في تعليل المنع في الصحراء، فقيل: ذلك لحرمة المصلين. وقيل: ذلك لحرمة القبلة. ولكن جاز في الحواضر للضرورة، والتعليل بحرمة القبلة أولى بخمسة أوجه : أحدها: أن الوجه الأول قاله الشعبي، فلا يلزم الرجوع إليه . الثاني: أنه إخبار عن مغيب، فلا يثبت إلا عن الشارع. الثالث: أنه لو كان لحرمة المصلين لما جاز التغريب والتشريق أيضاً، لأن العورة لا تخفى معه أيضاً عن المصلين، وهذا يعرف باختبار المعاينة (فيلزم أن لا يجوز قضاء الحاجة في الصحراء أصلاً). الرابع: أن النبي و ﴿ إنما علل بحرمة القبلة، فروي أنه قال: ((من جلس يبول قبالة القبلة، فذكر، فانحرف عنها إجلالاً لها: لم يقم من مجلسه حتى يغفر له)) أخرجه البزار. (وفي حديث سراقة مرفوعاً: ((إذا أتى أحدكم الغائط فليكرم قبلة الله، ولا يستقبلها)) أخرجه الدارمي وغيره بإسناد ضعيف كما في التلخيص) وروي عنه موقوفاً كما في كنز العمال من مصنف عبد الرزاق. الخامس: أن ظاهر الأحاديث يقتضي أن الحرمة إنما هي للقبلة، لقوله: ((فلا تستقبلوا القبلة)) فذكرها بلفظها، فأضاف الاحترام لها)) انتهى كلامه. ولم نقف على إسناد حديث البزار، نعم، رواه الطبري في تهذيب الآثار عن الحسن مرسلاً، وفيه كذاب، كما في كنز العمال. قال ابن العربي: ((والمختار - والله الموفق - أن لا يجوز الاستقبال ولا الاستدبار في الصحراء ولا في البنيان، لأنا إن نظرنا إلى المعاني فقد بيّنا أن الحرمة للقبلة، ولا يختلف في البادية ولا في الصحراء، وإن نظرنا إلى الآثار فإن حديث أبي أيوب عام في كل موضع معلل بحرمة القبلة)) اهـ. نعم! هيئة الاستقبال أشنع وأفحش من الاستدبار، وفي الصحراء أفحش منه في البنيان كما يحكم به الوجدان السليم والفطرة الصحيحة. قال الشيخ ولي الله الدهلوي: ((وفيه حكمة أخرى، وهي أنه لما كان توجه القلب إلى تعظيم الله أمراً خفياً لم يكن بد من إقامة مظنة ظاهرة مقامه، فكان الشرائع المتقدمة تجعل تلك المظنة الحلول بالصوامع المبنية لله تعالى، فصارت من شعائر الله ودينه، وجعلت شريعتنا المظنة ٥١٧ كتاب: الطهارة وَلا تَسْتَذْبِرُوهَا، بِبَوْلٍ وَلا غَائِطٍ. استقبال القبلة والتكبير، فلما جعل الله تعالى استقبال القبلة قائماً مقام توجه القلب إلى تعظيم الله وجمع الخاطر في ذكر الله، وكان سبب إقامته أن هذه الهيئة تذكر الله: استنبط النبي وَّر من هذا الحكم أنه يجب أن يجعل هيئة الاستقبال مختصة بالتعظيم، وذلك بأن لا يستعمل في الهيئة المبائنة للصلاة كل المباينة)) اهـ. قوله: (ولا تستدبروها) إلخ: اختلف العلماء فيه على أقوال: كراهة الاستقبال والاستدبار في الفضاء والبناء تحريماً، وهو مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد. وإباحتهما مطلقاً، وهو مذهب داود الظاهري. وتحريهما في الفضاء دون البناء، وهو مذهب الشافعي ومالك رحمهم الله. وأقوال أخر ذكرها الشوكاني في نيل الأوطار، وصاحب الكفاية من الحنفية، وأطال الشوكاني في استيعاب أدلة كل مقالة منها . قال الحافظ ابن القيم في الهدي: ((وأصح المذاهب في ذلك أنه لا فرق في ذلك بين الفضاء والبنيان، لبضعة عشر دليلاً قد ذكرت في غير هذا الموضع، وليس مع المفرق ما يقاومها البتة مع تناقضهم في مقدار الفضاء والبنيان)). ثم قال: ((وعامة هذه الأحاديث أي: أحاديث النهي صحيحة، وسائرها حسن، والمعارض لها إما معلول السند، وإما ضعيف الدلالة، فلا يردّ صريح نهيه المستفيض عنه بذلك: كحديث عراك عن عائشة (ذكر لرسول الله ﴿ أن أناساً يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم، فقال: أو قد فعلوها؟ حولوا مقعدتي قبل القبلة)) رواه الإمام أحمد. وقال: هو أحسن ما روي في الرخصة، وإن كان مرسلاً، ولكن هذا الحديث قد طعن فيه البخاري وغيره من أئمة الحديث، ولم يثبتوه ولا يقتضي كلام الإمام أحمد تثبيته ولا تحسينه. قال الترمذي في كتاب العلل الكبير له: ((سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث فيه اضطراب، والصحيح عندي عن عائشة قولها)) انتهى. وقال السندي في شرح ابن ماجه: ((رجاله ثقات معروفون، وأخطأ من قال خلاف ذلك، وقد علل البخاري الخبر بما ليس بقادح فيه، قال: ((وجاء عن عائشة أنهاكانت تنكر قولهم: لا تستقبلوا القبلة، وهذا أصح، فإن ثبوت ما قال لا يستلزم نفي هذا، فبعد صحة الإسناد يجب القول بصحته)). وسيأتي الكلام على الحديث بعد قليل. ثم قال ابن القيم تقذفُهُ: ((ومن ذلك - أي: مما يعارض حديث النهي - حديث جابر: ((نهى رسول الله ﴿ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها)) وهذا الحديث غربه الترمذي بعد تحسينه، وقال الترمذي في كتاب العلل: ((سألت محمداً - يعني: البخاري - عن هذا ٥١٨ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الحديث، فقال: ((هذا حديث صحيح، رواه غير واحد عن ابن إسحاق)) فإن كان مراد البخاري صحته عن ابن إسحاق: لم يدل على صحته في نفسه، وإن كان مراده صحته في نفسه: فهي واقعة عين، حكمها حكم حديث ابن عمر لما رأى رسول الله وَلل يقضي حاجته مستدبر الكعبة. وهذا يحتمل وجوهاً ستة: نسخ النهي به وعكسه، وتخصيصه به ێ، وتخصيصه بالبنيان، أو يكون لعذر اقتضاه المكان أو غيره، (كما قالوا في البول قائماً في حديث السباطة مع ورود النهي عنه، واعتياده وَّر خلاف ذلك) وأن يكون بياناً لأن النهي ليس على التحريم، ولا سبيل إلى الجزم بواحد من هذه الوجوه على التعيين، وإن كان حديث جابر لا يحتمل الوجه الثاني منها (إلا أنه يحتمل الاستقبال بالصدر دون الفرج، والمعتبر عندنا في النهي عكسه كما في رد المحتار) فلا سبيل إلى ترك أحاديث النهي الصحيحة الصريحة المستفيضة بهذا المحتمل. وقول ابن عمر رضيًّا: ((إنما نهي عن ذلك في الصحراء)) فهم منه لاختصاص النهي بها، وليس بحكاية لفظ النهي، وهو معارض بفهم أبي أيوب للعموم مع سلامة قول أصحاب العموم من التناقض الذي يلزم المفرقين بين الفضاء والبنيان، فإنه يقال لهم: ماحدّ الحاجز الذي يجوز ذلك معه في البنيان؟ ولا سبيل إلى ذكر حد فاصل، وإن جعلوا مطلق البنيان مجوزاً لذلك لزمهم جوازه في الفضاء الذي يحول بين البائل وبينه جبل قريب أو بعيد، كنظيره في البنيان، وأيضاً فإن النهي تكريم لجهة القبلة، وذلك لا يختلف بفضاء ولا بنيان، وليس مختصاً بنفس البيت، فكم من جبل وأكمة حائل بين البائل وبين البيت بمثل ما يحول جدران البنيان، وأعظم !! وأما جهة القبلة فلا حائل بين البائل وبينها، وعلى الجهة وقع النهي لا على البيت نفسه فتأمله)). قلت: وما ذكره ابن القيم تُّ احتمالاً من تخصيص ما في حديث ابن عمر وجابر بالنبي ◌ّهو: يؤيده ما قال الفقهاء في طهارة فضلاته وي لتر، كما في رد المحتار، وابتلاع الأرض ما يخرج من الأنبياء بإسناد ثابت عند الدار قطني، كما في الخصائص، وجواز مروره جنباً في المسجد كما في جامع الترمذي وغيره ذلك من المؤيدات. وفي بذل المجهود لمولانا الشيخ خليل أحمد قدس الله روحه: ((والأولى في الجواب عن حديث ابن عمر ما قال الشوكاني: إن فعله ◌َ ﴿ لا يعارض القول الخاص بنا كما تقرر في الأصول، ويمكن أن يؤيد هذا بأن هذا الفعل الذي وقع عنه وليه في الخلوة حيث أحب أن لا يطلع عليه أحد من أمته لا يكون تشريعاً للفعل، بل يكون مخصوصاً بذاته الشريف قطعاً، وأيضاً يمكن أن يكون ◌َ ل* منهياً عن استقبال عين الكعبة الشريفة واستدبارها، ويكون وَلّ منحرفاً عن عينها مستدبراً جهتها، وكانت الأمة ممنوعة عن استقبال الجهة واستدبارها، ففهم ابن عمر رظ ◌ُته أنه مستقبل بيت المقدس ومستدبر عن الكعبة)) اهـ. وقال الشيخ الأنور: ((أنت تعلم أن حديث أبي أيوب نص في الباب، وتشريع في المسألة، ٥١٩ كتاب: الطهارة وحكم على وصف معلوم منضبط، وهذه الأحاديث - أي: حديث ابن عمر وجابر - لم يعلم سببها بعد، فكيف يترك ما هو معلوم السبب بما جهل سببه؟ وكيف يهدر الناطق بالساكت؟ فاعتبر، وكن على ذكر، فإنه قضاء للمبهم على المفسر، والمجهول عى المعلوم)) اهـ. قال ابن عابدين تغذّهُ: ((ورجح الأول أي: حديث أبي أيوب بأنه قول كلي، وهذا - أي: حديث ابن عمر وغيره - فعل جزئي، والقول أولى، لأن الفعل يحتمل الخصوصية، والعذر وغير ذلك، وبأنه محرم، وهذا مبيح، والمحرم مقدم)). وقال القاضي أبو الوليد ابن رشد: ((ومن ذهب مذهب الترجيح رجح حديث أبي أيوب (أي: على حديث ابن عمر) لأنه إذا تعارض حديثان أحدهما فيه شرع موضوع، والآخر موافق للأصل الذي هو عدم الحكم، ولم يعلم المتقدم منهما من المتأخر: وجب أن يصار إلى الحديث المثبت للشرع، لأنه قد وجب العمل بنقله من طريق العدول، وتركه الذي ورد أيضاً من طريق العدول يمكن أن يكون ذلك قبل شرع ذلك الحكم، ويمكن أن يكون بعده، فإن الظنون التي تستند إليها الأحكام محدودة بالشرع، أعني التي توجب (رفعها أو إيجابها، وليست هي أيّ ظن اتفق، ولذلك ما يقولون: إن العمل لم يجب بالظن وإنما وجب بالأصل المقطوع به: يريدون بذلك الشرع المقطوع به الذي أوجب العمل بذلك النوع من الظن، وهذه الطريقة التي قلناها هي طريقة أبي محمد بن حزم الأندلسي، وهي طريقة جيدة مبنية على أصول أهل الكلام الفقهي، وهو راجع إلى أنه لا يرتفع بالشك ما ثبت بالدليل الشرعي. وأما من ذهب مذهب الرجوع إلى الأصل عند التعارض فهو مبني على أن الشك يسقط الحكم ويرفعه، وأنه كلا حكم، وهو مذهب داود الظاهري، لكن خالفه أبو محمد بن حزم في هذا الدليل مع أنه من أصحابه)) اهـ. قال الشيخ الأنور: «وأما حديث عراك عن عائشة فمع قول الذهبي في الميزان: «إنه حديث منكر)) ومع تصحيح البخاري وقفه: لم يعمل به عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه على ما يظهر من المصنف لعبد الرزاق، مع أنه حدث بمجلسه على ما عند الدار قطني. وقال بعض الفضلاء المصريين في تعليقه على المحلى: حديث عائشة رواه خالد الحذاء، واختلف الرواة عنه فيه، فرواه بعضهم عن خالد الحذاء عن عراك عن عائشة، ورواه بعضهم عن خالد الحذاء عن رجل عن عراك، ورواه حماد بن سلمة وعلي بن عاصم وعبد العزيز بن المغيرة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك. فرواية حماد بن سلمة في ابن ماجه (١: ١١٧ رقم: ٣٢٤) والدارقطني (١: ٥٩) وأشار إليها البيهقي في السنن الكبرى (١: ٩٣) ورواية علي بن عاصم في السنن للبيهقي، والدارقطني، ورواية عبد العزيز بن المغيرة في ابن ماجه. ومن بيّن وحفظ حجة على من أبهم ولم يحفظ . ٥٢٠ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وأوضح الروايات رواية علي بن عاصم، فرواها الدارقطني من طريق هارون بن عبد الله، والبيهقي من طريق يحيى بن أبي طالب، كلاهما عن علي بن عاصم، ثنا خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال: ((كنت عند عمر بن عبد العزيز في خلافته - وعنده عراك بن مالك - فقال عمر: ما استقبلت القبلة ولا استدبرتها ببول ولا غاط منذ كذا وكذا، فقال عراك: حدثتني عائشة أم المؤمنين عليّا ((أن رسول الله وي* لما بلغه قول الناس في ذلك أمر بمقعدته، فاستقبل بها القبلة)) قال الدارقطني: وهذا أضبط إسناد، وزاد فيه خالد بن أبي الصلت وهو الصواب. وقد ادعى ابن حزم أن خالد بن أبي الصلت مجهول، وتعقبه ابن مفوز فقال: هو مشهور بالرواية، معروف بحمل العلم، لكن حديثه معلول، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره أسلم بن سهل في تاريخ واسط، وحكى عن سفيان بن حسين قال: كنا نأتي خالد بن أبي الصلت، وكان عيناً لعمر بن عبد العزيز بواسط، وكانت له هيئة. والعلة التي فيه هي: ما نقله السندي - كما ذكرنا آنفاً - وقد نقل ذلك ابن حجر نظّفُ في التهذيب في ترجمته عن الترمذي في العلل الكبير عن البخاري أنه قال: ((فيه اضطراب، والصحيح عن عائشة قولها)) أي: إنه رجح أنه موقوف على عائشة، وهذا ترجيح لا دليل عليه، فإن رواية بعض الرواة إياه موقوفاً لا يمنع أن يكون مروياً مرفوعاً من طريق أخرى صحيحة، وقد صرح علي بن عاصم في روايته بسماع خالد بن أبي الصلت من عراك بن مالك، وسماع عراك من عائشة، وعليّ ثقة له أوهام وأغلاط، وقد تابعه على ذلك حماد بن سلمة، فارتفعت شبهة الغلط، فقد نقل ابن حجر في التهذيب (٣: ٩٧) عن تاريخ البخاري، قال: ((قال موسى ثنا حماد - وهو ابن سلمة - عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فقال عراك بن مالك: سمعت عائشة رضيّا قالت: قال النبي ◌ُّور: ((حولي مقعدتي إلى القبلة). وقد نقل الحازمي في الناسخ والمنسوخ (ص: ٣٧) أنه تابعه أيضاً عبد الله بن المبارك، فهذه الروايات تؤكد صحة الحديث بالسند الصحيح الثابت بالسماع. وقد أعله أحمد بن حنبل بأن عراكا لم يسمع من عائشة، فقد نقل ابن أبى حاتم فى المراسيل (ص: ١٦٢ و١٦٣، رقم: ٦٠٦) ذلك عن أحمد، ونقله ابن حجر عن اللأثرم عنه، وهذه علة غير صحيحة، لما رأيت من تصريحه بالسماع منها، ورواية عراك بعض الأحاديث عن عروة عن عائشة لا تنفي سماعه منها . قال ابن دقيق العيد في الإمام: ((ولعراك أحاديث عديدة عن عروة عن عائشة)). قال: ((ولكن لقائل أن يقول: إذا كان الراوي عنه (قوله: سمعت)) ثقة فهو مقدم، لاحتمال أنه لقي الشيخ بعد ذلك، فحدثه إذا كان ممن يمكن لقاءه، وقد ذكروا سماع عراك من أبي هريرة ولم