النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ كتاب: الطهارة ٥٦٤ - (٢٤) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَاَبِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ(١) يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((إِذَا اسْتَجَّمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُوتِز)) . (٩) - باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما ٥٦٥ - (٢٥) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَأَبُو الطَّاهِرِ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. قَالُوا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى شَدَّادٍ. قَالَ: أحد المنافذ إلى القلب، وليس عليه ولا على الأذنين غلق، وفي الحديث: ((إن الشيطان لا يفتح الغلق)) وجاء الأمر بكظم الفم في التثاؤب من أجل دخول الشيطان في الفم، ويحتمل أن تكون على الاستعارة، فإنه إنما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذر يوافق الشياطين)) كذا نقله الطيبي . وقال الشيخ ولي الله الدهلوي تكثَالُ: ((إن اجتماع المخاط والمواد الغليظة في الخيشوم سبب لتبلد الذهن وفساد الفكر، فيكون أمكن لتأثير الشيطان بالوسوسة وصده عن تدبره الأذكار)). (٩) - باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما ٢٥ - (٢٤٠) - قوله: (عن سالم مولى شداد) إلخ: وفي الرواية الأخرى ((أن أبا عبد الله مولى شداد بن الهاد)) وفي الثالثة ((سالم مولى المهري)) هذه كلها صفات له، وهو شخص واحد، يقال: سالم مولى شداد بن الهاد، وسالم مولى المهري، وسالم بادوس، وسالم مولى مالك بن أوس بن الحدثان النصري - بالنون والصاد المهملة - وسالم سبنان (٢) - بفتح السين المهملة والباء الموحدة - وسالم البراد، وسالم مولى البصريين، وسالم أبو عبد اللّه المديني، وسالم بن عبد اللّه، وأبو عبيد اللّه مولى شداد بن الهاد، فهذه كلها تقال فيه. قال أبو حاتم: كان سالم من خيار المسلمين. وقال عطاء بن السائب: حدثني سالم البراد وكان أوثق عندي من نفسي. وأما قوله: ((حدثني سلمة بن شيب، حدثنا الحسن بن أعين، حدثنا فليح، حدثني نعيم بن عبد الله، عن سالم مولى ابن شداد)) فكذا وقع في الأصول مولى ابن شداد، قيل: إنه خطأ، (١) قوله: ((عن جابر بن عبد الله)) لم أجد أحداً أخرج هذا الحديث من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله تعالی. (٢) كذا وقع لهُهنا وفي التقريب للحافظ (١/ ٢٨٠): سبلان، باللام بدل النون، وكذلك في المغني (ص ١٢٥). ٤٦٢ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ(١) زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهِ يَوْمَ تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. فَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَتَوَضَّأُ عِنْدَهَا. فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ الرَّحْمُنِ، أَسْبِغِ الْوُضُوءَ. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((وَيِلٌ لِلأَغْقَابِ مِنَ النَّارِ)) . والصواب حذف لفظة (ابن)) كما تقدم، والظاهر أنه صحيح، فإن مولى شداد مولى لابنه، وإذا أمكن تأويل ما صحت به الرواية لم يجز إبطالها، لا سيما في هذا الذي قد قيل فيه هذه الأقوال، والله أعلم. قوله: (أسبغ الوضوء) إلخ: أي: أكمل، وكأنها رأت منه تقصيراً وخشيت عليه. قوله: (ويل) إلخ: قال الشارح: ((معنى ويل لهم: هلكة وخيبة)). وقال الحافظ: ((اختلف في معناه على أقوال: أظهرها ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((ويل واد في جهنم)). قوله: (للأعقاب) إلخ: جمع عقب، وهو مؤخر القدم. قال البغوي: ((معناه ويل لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها)). وقيل: أراد أن العقب مختص بالعقاب إذا قصر في غسله، ويلتحق به ما في معناه من جميع الأعضاء التي قد يحصل التساهل في إسباغها، وفي مستدرك الحاكم وغيره من حديث عبد الله بن الحارث: ((ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار)) قال في مجمع الزوائد: ((إن رجاله ثقات)). قوله: (من النار) إلخ: قال ابن خزيمة: (لو كان الماسح مؤدياً للفرض لما توعد بالنار)) وأشار بذلك إلى ما في كتب الخلاف عن الشيعة أن الواجب المسح أخذاً بظاهر قراءة ((وأرجلكم)) بالخفض، وقد تواترت الأخبار عن النبي ◌َّ في صفة وضوئه أنه غسل رجليه، وهو المبين لأمر الله، وقد قال في حديث عمرو بن عبسة الذي رواه ابن خزيمة وغيره مطولاً في فضل الوضوء: ((ثم يغسل قدميه كما أمره الله)) ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي وابن عباس وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك. قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: ((أجمع أصحاب رسول الله وَّر على غسل القدمين)) رواه سعيد بن منصور. وادعى الطحاوي وابن حزم أن المسح منسوخ، والله أعلم. كذا في الفتح. قال الشيخ ولي الله الدهلوي: «ولا عبرة بقوم تجارت بهم الأهواء، فأنكروا غسل الرجلين متمسكين بظاهر الآية، فإنه لا فرق عندي بين من قال بهذا القول وبين من أنكر غزوة بدر أو أحد مما هو كالشمس في رابعة النهار. (١) قوله: ((عائشة زوج النبي (ّليو)) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها باب غسل العراقیب، رقم (٤٥١) و(٤٥٢). ٤٦٣ كتاب: الطهارة ٥٦٦ - (٠٠٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي وقال الحافظ ابن تيمية: ((الذين نقلوا الوضوء عن النبي وسل* قولاً وفعلاً، والذين تعلموا الوضوء منه وتوضؤوا على عهده، وهو يراهم ويقرهم عليه، ونقلوه إلى من بعدهم: أكثر من الذين نقلوا لفظ هذه الآية، فإن جميع المسلمين كانوا يتوضؤون على عهده، ولم يتعلموا الوضوء إلا منه ◌َّل، فإن هذا العمل لم يكن معهوداً عندهم في الجاهلية، وهم قد رأوه يتوضأ ما لا يحصى عدده إلا الله تعالى، ونقلوا عنه ذكر غسل الرجلين فيما شاء الله من الحديث، حتى نقلوا عنه من غير وجه في الصحاح وغيرها أنه قال: ((ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار)) مع أن الفرض إذا كان مسح ظهر القدم كان غسل الجميع كلفة لا تدعو إليها الطبائع. فإن جاز أن يقال: إنهم كذبوا وأخطؤوا فيما نقلوه عنه من ذلك: كان الكذب والخطأ فيما نقلوا من لفظ الآية أقرب إلى الجواز. وإن قيل: بل لفظ الآية أثبت بالتواتر الذي لا يمكن الخطأ فيه: فثبوت التواتر في لفظ الوضوء عنه أولى وأكمل. ولفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة. فإن المسح جنس تحته نوعان: الإسالة وغير الإسالة، كما تقول العرب تمسحت للصلاة (منهاج السنة) أي: توضأت لها، فتسمي الوضوء كله مسحاً. قاله أبو زيد الأنصاري، وغيره. فما كان بالإسالة فهو الغسل، وإذا خص أحد النوعين باسم الغسل فقد يخص النوع الآخر باسم المسح، فالمسح يقال على المسح العام الذي يندرج فيه الغسل، ويقال على الخاص الذي لا يندرج فيه الغسل. ولهذا نظائر كثيرة: مثل لفظ: ((ذوي الأرحام)) فإنه يعم العصبة كلهم وأهل الفروض وغيرهم، ثم لما كان للعصبة وأصحاب الفروض اسم يخصهما بقي لفظ ذوي الأرحام مختصاً في العرف بمن لا يرث بفرض ولا تعصيب، وكذلك لفظ ((الجائز)) و((المباح)) يعم ما ليس بحرام، ثم قد يختص بأحد الأقسام الخمسة، وكذلك لفظ ((الممكن)) فيقال على ما ليس بممتنع، ثم يختص بما ليس بواجب ولا ممتنع، فيفرق بين الجائز والواجب والممكن العام والخاص، وكذلك لفظ ((الحيوان)) ونحوه يتناول الإنسان وغيره، ثم قد يختص بغير الإنسان، ومثل هذا كثير إذا كان لأحد النوعين اسم يخصه بقي الاسم العام مختصاً بالنوع الآخر. ولفظ ((المسح)) من هذا الباب وفي القرآن ما يدل على أنه لم يرد بمسح الرجلين المسح الذي هو قسيم الغسل، بل المسح الذي الغسل قسم منه، فإنه قال: ((إلى الكعبين)) ولم يقل: إلى الكعاب، كما قال: ((إلى المرافق)) فدل على أنه ليس في الرجل كعب واحد، كما في كل يد مرفق واحد، بل في كل رجل كعبان، فيكون تعالى قد أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هو الغسل، فإن من يمسح المسح الخاص يجعل المسح لظهور القدمين، وفي ذكره الغسل في العضوين الأولين والمسح في الآخرين: التنبيه على أن هذين العضوين يجب فيهما المسح العام، فتارة يجزئ المسح الخاص كما في مسح الرأس والعمامة (أي: عند بعض الأئمة) والمسح على الخفين، وتارة لا بد من المسح الكامل الذي هو الغسل، كما في الرجلين المكشوفين، وقد ٤٦٤ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ. فَذَكَرَ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ رََّ بِمِثْلِهِ . تواترت السنة عن النبي ◌ُّ بالمسح على الخفين وغسل الرجلين: وما تقوله الإمامية: إن الفرض مسح الرجلين إلى الكعبين الذي(١) هما مجمع الساق والقدم عند معقد الشراك: أمر لا يدل عليه القرآن بوجه من الوجوه، ولا فيه عن النبي و لر حديث يعرف، ولا هو معروف عن سلف الأمة، بل هم مخالفون للقرآن والسنة المتواترة، ولإجماع السابقين الأولين، والتابعين لهم بإحسان. وأما قراءة النصب فالعطف إنما يكون على المحل إذا كان المعنى واحداً كقول الشاعر: فلسنا بالجبال ولا الحديدا فلو كان معنى قوله: ((مسحت برأسي ورجلي)) هو: معنى مسحت رأسي ورجلي، لأمكن كون العطف على المحل، لكن المعنى مختلف، وذلك أن قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وقوله : ﴿يُوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة، آية: ٦] (أي: في التيمم) يقتضي إلصاق الممسوح، لأن الباء للإلصاق، وهذا يقتضي إيصال الماء والصعيد إلى أعضاء الطهارة، وإذا قيل: امسح رأسك ورجلك، لم يقتض إيصال الماء إلى العضو، وهذا يبين أن الباء حرف جاء لمعنى لا زائدة، كما يظنه بعض الناس، وهذا خلاف قول الشاعر المذكور، فإن الباء ههنا مؤكدة، فلو حذفت لم يختل المعنى، والباء في آية الطهارة إذا حذفت اختل المعنى، فلم يجز أن يكون العطف على محل المجرور بها، بل على لفظ المجرور بها أو ما قبله)) اهـ. وفي تحرير الأصول وشرحه: ((ومنه - أي: التعارض صورة في الكتاب - التعارض الذي بين قراءتي آية الوضوء من الجر والنصب في (أرجلكم)) المقتضيتين مسحهما، أي: الرجلين، كما هو ظاهر قراءة الجر، وغسلهما كما هو ظاهر قراءة النصب، فيتخلص من هذا التعارض بأنه تجوّز بمسحهما المفاد بـ ((وامسحوا)) المقدر، الدال عليه الواو، عن الغسل مشاكلة، كما في قول الشاعر : قلت: الطبخوا لي جُبة وقميصا قالوا: اقترح شيئا نجد لك طبخه والعطف في القراءتين على ((رؤوسكم)) ولعل فائدته التحذير من الإسراف المنهي عنه، إذ غسلهما مظنة له لكونه يصب الماء عليهما، فعطفت على الممسوح لا للتمسح بل للتنبيه على وجوب الاقتصاد، فكأنه قال: اغسلوا أرجلكم غسلاً خفيفاً شبيهاً بالمسح، وإنما قلنا: تجوّز بمسحهما عن غسلهما، لاتفاق الجم الغفير الذي يمنع العقل تواطؤهم على الكذب من الصحابة، على نقل غسلهما عنه ◌َطهر، ثم اتفاق الجم الغفير الذين هم بهذه المثابة من التابعين (١) قوله: ((الذي)) ولعل الصواب ((الذين)) بلفظ التثنية. ٤٦٥ كتاب: الطهارة ٥٦٧ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَأَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَىَ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي، أَوْ حَدَّثَنَا، أَبُو على نقل ذلك عن الصحابة، وهلم جرّا، حتى إلينا، وليس معنى التواتر إلا هذا، فلا يحتاج إلى أن ينقل فيه نص معين. وانفصال ابن الحاجب عن المجاورة أي: عن جرّ الأرجل بالمجاورة بقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ إذ ليس جر الجوار فصيحاً بتقارب الفعلين، أي: امسحوا واغسلوا، وفي مثله تحذف العرب الفعل الثاني، وتعطف متعلقه على متعلق الفعل الأول كأنه - أي: متعلق الفعل الأول - متعلقه أي: الفعل الثاني، كقولهم: ((متقلداً سيفاً ورمحاً)) و((علفتها تبناً وماء باردًا)) إذ الأصل: ((ومعتقلاً رمحاً)) و(سقيتها ماء بارداً)) فحذفا، وعطف متعلقهما على متعلق ما قبلهما، والآية من هذا القبيل، أي: امسحوا رؤوسكم، واغسلوا أرجلكم، فحذف ((اغسلوا)) وعطف متعلقه هو ((أرجلكم)) على متعلق الأول. وهو ((رؤوسكم)) فبعد الإغضاء عن المناقشة في أنه لم يأت في كلام فصيح لوقوعه في نحو قوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِمٍ﴾ [هود، آية: ٢٦] ﴿وَحُ عِينٌ ٢٢ [الواقعة، آية: ٢٢] في قراءة حمزة والكسائي إلى غير ذلك، وفي أنه لا حذف في النظيرين المذكورين بل ضمن ((متقلداً)) معنى ((حاملاً)) و((علفتها)) معنى ((أثلتها)»: غلط (١) منه إذ لا تفيد قاعدة تقارب الفعلين إلا إذا كان إعراب المتعلقين المتعاطفين من نوع واحد، كما ذكر في ((علفتها)) و((سقيتها)) وليست الآية من هذا القبيل، لأنه على ما ذكر تكون ((الأرجل)) منصوبة لأنها معمول ((اغسلوا)) المحذوف، فحين ترك إلى الجرّ الذي هو المشاكل لإعراب ((الرؤوس)) فلا يخرج جرها عن الجوار بجر ((رؤوسكم)) فما هرب منه وقع فيه)) اهـ. وقد أطال العلامة السيد الآلوسي البغدادي تغلُّ الكلام في هذه المسألة، وذكر حجج الفريقين، وأدحض الباطل منها، بحيث لم يترك لأحد أنصف من نفسه مجالاً في إنكار وجوب الغسل، والتعلق بما يظهر من قراءة الخفض في بادئ الرأي بل أثبت من نصوص أئمة الشيعة وكتبهم المعتبرة أن المفروض في الأرجل هو الغسل فقط، من أراد الاطلاع فليراجع تفسير المائدة من روح المعاني، ففيه كفاية ومقنع إن شاء الله تعالى. وأما الأحاديث الشاذة الدالة على مسح الرجلين: فمع غض البصر عن الاختلاف الشديد في صحتها تحمل على ما حملنا قراءة الجر عليه، هذا كله من طريق الرواية. وأما من طريق المعنى فقال ابن رشد في البداية: ((إن الغسل أشد مناسبة للقدمين من المسح، كما أن المسح أشد مناسبة للرؤوس من الغسل، إذ كانت القدمان لا ينقي دنسهما غالباً (١) قوله: ((انفصال ابن الحاجب)) مبتدأ، وقوله ((بتقارب الفعلين)) متعلق بالانفصال، وقوله: ((غلط منه)) خبر للمبتدأ، من المؤلف رحمه الله تعالى. ٤٦٦ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ. حَدَّثَنِي سَالِمٌ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ. قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي جَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. فَمَرَرْنَا عَلَى بَابِ حُجْرَةٍ عَائِشَةَ. فَذَكَرَ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ .. مِثْلَهُ. ٥٦٨ - (٠٠٠) حدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ. حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَالِم مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ؛ قَالَ: كُنْتُ أَنَا مَعَ عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها. فَذَكَرَ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َُّ. بِمِثْلِهِ. ٥٦٩ - (٢٦) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلاَلِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (١)؛ قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَ لَه مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ. تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ. فَتَوَضَّؤُوا، وَهُمْ عِجَالٌ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ إلا بالغسل، وينقي دنس الرأس بالمسح، وذلك أيضاً غالب، والمصالح المعقولة لا يمتنع أن تكون أسباباً للعبادات المفروضة حتى يكون الشرع لاحظ فيهما معيين: معنى مصلحياً، ومعنى عباديا، أعني بالمصلحي: ما رجع إلى الأمور المحسوسة، وبالعبادي: ما رجع إلى زكاة النفس)) اهـ والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ٢٦ - (٢٤١) - قوله: (عن هلال بن يساف) إلخ: أما يساف ففيه ثلاث لغات: فتح الياء، وكسرها، وإساف، بكسر الهمزة. قوله: (من مكة إلى المدينة) إلخ: ولم يقع ذلك لعبد اللّه محققاً إلا في حجة الوداع، أما غزوة الفتح. فقد كان فيها، لكن ما رجع النبي وَّ فيها إلى المدينة من مكة، بل من الجعرانة، ويحتمل أن تكون عمرة القضية، فإن هجرة عبد الله بن عمر، وكانت في ذلك الوقت أو قريباً منه، كذا في الفتح. قوله: (وهم عجال) إلخ: بكسر العين جمع عجلان، وهو المستعمل، كغضبان وغضاب، (١) قوله: ((عن عبد الله بن عمرو)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العلم، باب من رفع صوته بالعلم رقم (٦٠). وباب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه، رقم (٩٦). وفي كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين، رقم (١٦٣). والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة باب إيجاب غسل الرجلين، رقم (١١١). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب في إسباغ الوضوء رقم (٩٧). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب غسل العراقيب، رقم (٤٥٠). ووقع في نسخة الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي ((عبد الله بن عمر)) بدل ((عبد الله بن عمرو)) وجاء في نسخة ((أصح المطابع)) ونسخة الشيخ محمد مصطفى الأعظمي موافقاً لما في الأصول، فتنبه، والدارمي في سننه في كتاب الصلاة والطهارة، باب ويل للأعقاب من النار، رقم (٧١٢). ٤٦٧ كتاب: الطهارة لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((وَيْلٌ للأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ)). ٥٧٠ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. كِلاَهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ ((أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ)) وَفِي حَدِيثِهِ، عَنْ أَبِي يَخْيَى الأَعْرَجِ. ٥٧١ - (٢٧) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. جَمِيعاً عَنْ أَبِي عَوَانَةَ. قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي سَفَرِ سَافَرْنَاهُ. فَأَدْرَكَنَا وَقَّدْ حَضَرَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ . فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا. فَنَادَى: (وَيِلْ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)) . ٥٧٢ - (٢٨) حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ سَلاَّم الْجُمَّحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، يَعْنِي ابْنَ مُسْلِم، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ أَنَّ النَّبِيََِّهْ رَأَى رَجُلاً لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَّهِ فَقَالَ: ((وَيْلٌ للأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)». أي: لعجلتهم لم يسبغوا الوضوء، فأدركهم على ذلك فأنكر عليهم. قوله: (لم يمسها الماء) إلخ: أي: ماء الغسل جمعاً بين الروايات. ٢٧ - (٠٠٠) - قوله: (عن يوسف بن ماهك) إلخ: ماهك بفتح الهاء غير مصروف، لأنه اسم عجمي علم. قوله: (فأدركنا) إلخ: بفتح الكاف. قوله: (وقد حضرت الصلاة العصر) إلخ: أي: جاء وقت فعلها . قوله: (نمسح على أرجلنا) إلخ: انتزع منه البخاري تغذُ أن الإنكار عليهم كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على غسل بعض الأرجل، والذي يظهر - والله أعلم - أن المسح هنا بمعنى التخفيف في الغسل وعدم الإكمال والإسباغ. قوله: (لم يغسل عقبه) إلخ: هذا صريح في أن الإنكار والتوعد بالنار إنما كان على ترك بعض الغسل، والله أعلم. (١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب غسل الأعقاب، رقم (١٦٥)، والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب إيجاب غسل الرجلين، رقم (١١٠). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء ويل للأعقاب من النار، رقم (٤١). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب غسل العراقيب، رقم (٤٥٣). والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب ويل الأعقاب من النار، رقم (٧١٣). ٤٦٨ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٥٧٣ - (٢٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ رَأَى قَوْماً يَتَوَضَّؤُونَ مِنَ الْمِطْهَرَةِ. فَقَالَ: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ.، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ وَ يَقُولُ: ((وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ)) . ٥٧٤ - (٣٠) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ: ((وَفِلْ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)). (١٠) - باب: وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة ٥٧٥ - (٣١) حدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَغْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. أَخْبَرَنِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ(١)؛ أَنَّ رَجَلاَ تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ. فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ◌َ فَقَالَ: ((ارْجِعْ فَأَخْسِنْ وُضُوءََ)) فَرَجَعَ ثُمَّ صَلَّى. ٢٩ - (٠٠٠) - قوله: (من المطهرة) إلخ: بكسر الميم، هي الإناء المعد للتطهر منه . قوله: (ويل للعراقيب) إلخ: جمع عرقوب بضم العين في المفرد، وفتحها في الجمع، وهو العصبة التي فوق العقب. (١٠) - باب: وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة ٣١ - (٢٤٣) - قوله: (موضع ظفر) إلخ: فيه لغتان: أجودهما بضم الظاء والفاء، وبه جاء القرآن العزيز(١) ويجوز إسكان الفاء، وجمعه: أظفار، وجمع الجمع أظافير. قوله: (فأحسن وضوءك) إلخ: فيه أن من ترك جزءاً يسيراً مما يجب تطهيره لا تصح طهارته . وقد استدل به جماعة على أن الواجب في الرجلين الغسل دون المسح، واستدل القاضي عياض كثّفُ وغيره بهذا الحديث على وجوب الموالاة في الوضوء، لقوله وَالر: ((أحسن وضوءك)) ولم يقل: اغسل الموضع الذي تركته . (١) قوله: ((عمر بن الخطاب)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الطهارة باب تفريق الوضوء، رقم (١٧٣). اعلم أن أبا داود إنما أخرج تحت الرقم المذكور، حديث أنس بن مالك بمعنى حديث عمر، ثم قال: ((وهذا الحديث ليس بمعروف عن (جرير بن حازم) ولم يروه إلا ابن وهب، وقد روى عن معقل بن عبيد الله الجزري، عن أبي الزبير، عن جابر عن عمر، عن النبي وَّ ر نحوه قال ((ارجع فأحسن وضوءك)). انظر (١/ ٤٤). (٢) قال الله تعالى: ((وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)) الأنعام: ١٤٧. ٤٦٩ كتاب: الطهارة قال النووي كََّفُهُ: ((وهذا الاستدلال ضعيف أو باطل، فإن قوله وَ له: ((أحسن وضوءك)) محتمل للتتميم والاستيناف، وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر)). قلت: حمله على الاستيناف أولى بل متعين لحديث خالد بن معدان، عن بعض أزواج النبي و 18 رأى رجلاً يصلي، في ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله وَله أن يعيد الوضوء. رواه أحمد وأبو داود ووزاد: ((والصلاة))(١) قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا إسناده جيد؟ قال: جيد. وفي حديث الباب عند أحمد بعد قوله: ((فأحسن وضوءك)): ((قال: فرجع فتوضأ، ثم صلى)) فزيادة ((فتوضأ)) تدل على أنه أعاد الوضوء كما أمر النبي ◌َّر في حديث خالد بن معدان بإعادته، فالظاهر ما قالته المالكية أنه محمول على وجوب الموالاة. ونفاة الوجوب لعلهم يحملون الأمر بالإعادة على الاستحباب، لوقوع التردد في إسباغ سائر أعضاء الوضوء أيضاً، والمبالغة في التنبيه على تفويت الواجب، والزجر البليغ عن التساهل في باب الطهارة، وترك الاحتياط فيه. والله أعلم. قال القاضي ابن رشد: ((اختلفوا في الموالاة في أفعال الوضوء، فذهب مالك إلى أن الموالاة فرض مع الذكر ومع القدرة، ساقطة مع النسيان ومع الذكر عند العذر ما لم يتفاحش التفاوت. وذهب الشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله إلى أن الموالاة ليست من واجبات الوضوء. قال: وقد احتج لسقوط الموالاة بما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يتوضأ في أول طهوره (أي: من الجنابة كما في الصحيحين) ويؤخر غسل رجليه إلى آخر الطهر)). قلت: وهذا الاحتجاج ليس بنافذ على أصول الحنفية كما لا يخفى، نعم! استدل في المعراج على عدم فرضية الولاء «بأن ابن عمر رضيّها توضأ في السوق، فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه، ثم دعي إلى جنازة فدخل المسجد، ثم مسح على خفيه)). قال النووي في شرح المهذب: ((وهو أثر صحيح رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، والاستدلال به حسن، فإن ابن عمر رضيُله فعله بحضرة حاضري الجنازة ولم ينكر عليه))، كذا في البحر الرائق. قال الشافعي في الأم بعد نقل هذا الأثر: ((وهذا غير متابعة للوضوء، ولعله قد جف وضوءه، وقد يجف فيما أقل مما بين السوق والمسجد، وأجده حين ترك موضع وضوئه وصار إلى المسجد آخذاً في عمل غير الوضوء وقاطعاً له)). (١) انظر المسند لأحمد (٤٢٤/٣) والسنن لأبي داود (٤٥/١) كتاب الطهارة، باب تفريق الوضوء، رقم (١٧٥). إلا أنهما روياه ((عن بعض أصحاب النبي وسر مكان عن بعض أزواج النبي ◌َلتر. ٤٧٠ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وقد روى ابن دقيق العيد في كتاب الإمام عن عبد الرحمن بن عوف قال: ((قلت يا رسول الله، إن أهلي تغار عليّ إذا أنا وطئت جواري، قال: وبم يعلمن ذلك؟ قلت: من قبل الغسل، قال: فإذا كان ذلك منك فاغسل رأسك عند أهلك، فإذا حضرت الصلاة فاغسل سائر جسدك)) فهذا يفيد عدم اشتراط الولاء في الغسل، ففي الوضوء كذلك، قاله علي القاري في شرح النقاية . هذا وههنا أنبهك على فائدة جليلة تنفعك في كثير من المواضع، وهي أن الحافظ شمس الدين ابن القيم قال في مدارج السالكين: ((إن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارّة، والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات، ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي، وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحاً موجباً للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل، فالسجودُ للشيطان والأوثان، والكذب، والزنى، والظلم، والفواحش، كلها قبيحة في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشرع، فالنفاة يقولون: ليست في ذاتها قبيحة، وقبحها والعقاب عليها ثابتان بالعقل، وكثير من الفقهاء من الطوائف الأربعة يقولون: قبحها ثابت بالعقل، والعقاب متوقف على ورود الشرع، وهو الذي ذكره سعد بن علي الزنجاني من الشافعية، وأبو الخطاب من الحنابلة، وذكره الحنفية، حكوه عن أبي حنيفة نصاً، لكن المعتزلة منهم يصرحون بأن العقاب ثابت بالعقل، وقد دل القرآن أنه لا تلازم بين الأمرين، وأنه لا يعاقب إلا بإرسال الرسل، وأن الفعل في نفسه حسن وقبيح، ونحن نبين دلالته على الأمرين : أما الأول: ففي قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء، آية: ١٥] وفي قوله: ﴿ُّسُلَّا مُّبَشِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء، آية: ١٦٥] وفي قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْفِىَ فِيَهَا فَوْجٌ سَأَُمْ خَُهَا أَلَمْ يَأْتِّكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَ قَدْ جَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اَللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ [الملك، الآيتان: ٨، ٩]، فلم يسألوهم عن مخالفتهم للعقل بل للنذر وبذلك دخلوا النار وقال تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ أَلْجِنّ وَالْإِنِسِ أَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْهِكُمْ ءَايَِ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَّا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَ أَنْفُسِنَّ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَّةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ (®)﴾ [الأنعام، آية: ١٣٠] وفي الزمر ﴿أَلَمَّ يَأْيِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَيْكُمْ وَيُنْذِرُونَّكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر، آية: ٧١] ثم قال في الأنعام بعدها: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنَ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى يُظَلٍِّ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام، آية: ١٣١] وعلى أحد القولين: وهو أن يكون المعنى: لم يهلكهم بظلمهم قبل إرسال الرسل، فتكون الآية دالة على الأصلين أن أفعالهم وشركهم ظلم قبيح قبل البعثة، وأنه لا يعاقبهم عليه إلا بعد الإرسال، وتكون هذه الآية في دلالتها على الأمرين نظير الآية التي في ٤٧١ كتاب: الطهارة القصص: ﴿وَلَوْلَآَ أَنْ تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا فَدَمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلَآ أَزْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَّيِّعَ ﴾ [القصص، آية: ٤٧] فهذا يدل على أن ما قدمت أيديهم سبب ٤٧ ءَايَئِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ النزول المصيبة بهم، ولولا قبحه لم يكن سبباً، لكن امتنع إصابة المصيبة لانتفاء شرطها، وهو عدم مجيء الرسول إليهم، فمذ جاء الرسول انعقد السبب، ووجد الشرط، فأصابهم سيئات ما عملوا، وعوقبوا بالأول والآخر. وأما الأصل الثاني - وهو دلالته على أن الفعل في نفسه حسن وقبيح -: فكثير جداً، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَاَ ءَابَنَا وَاللَّهُ أَمَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبِّ بِالْفِسْطِ﴾ إلى قوله ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِىَ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِنْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِلَّهِ مَا لَ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى الَّهِ مَا لَ نَعْلَمُونَ ٣٣ [الأعراف، الآيات: ٢٨ - ٣٣] فأخبر سبحانه أن فعلهم فاحشة قبل نهيه عنه وأمره باجتنابه بأخذ الزينة، والفاحشة ههنا هو طوافهم بالبيت عراة، الرجال والنساء غير قريش، ثم قال تعالى: ﴿لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ أي: لا يأمر بما هو فاحشة في العقول والفطر، ولو كان إنما علم كونه فاحشة بالنهي وأنه لا معنى لكونه فاحشة إلا تعلق النهي به: لصار معنى الكلام إن الله لا يأمر بما ينهى عنه وهذا يصان عن التكلم به آحاد العقلاء فضلاً عن كلام العزيز الحكيم، وأي: فائدة في قوله: ((إن الله لا يأمر بما ينهي عنه)) فإنه ليس معنى كونه فاحشة عندهم إلا أنه منهي عنه، لا أن العقول تستفحشه . ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَقٍ بِالْقِسْطِ﴾ والقسط عندهم هو المأمور به لا أنه قسط في نفسه، فحقيقة الكلام: قل: أمر ربي بما أمر به. ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّىِّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَاَلَّيِّبَتِ مِنَ الْرِزْقِ﴾ دل على أنه طيب قبل التحريم، وأن وصف الطيب فيه مانع عن تحريمه، فتحريمه مناف للحكمة. ثم قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رََِ اُلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف، آية: ٣٣] ولو كان كونها فواحش إنما هو لتعلق التحريم بها، وليست فواحش قبل ذلك: لكان حاصل الكلام: قل إنما حرم ربي ما حرم، وكذلك تحريم الإثم والبغي، فكون ذلك فاحشة وإثماً وبغياً بمنزلة كون الشرك شركاً، فهو شرك في نفسه قبل النهي وبعده، فمن قال: إن الفاحشة والقبائح والإثم إنما صارت كذلك بعد النهي فهو بمنزلة قائل يقول: الشرك إنما صار شركاً بعد النهي، وليس شركاً قبل ذلك، ومعلوم أن هذا وهذا مكابرة صريحة للعقل والفطرة، فالظلم ظلم في نفسه قبل النهي وبعده، والقبيح قبيح في نفسه قبل النهي وبعده، والفاحشة كذلك، وكذلك الشرك لا أن هذه الحقائق صارت بالشرع كذلك، نعم! الشارع كساها بنهيه عنها قبحاً إلى قبحها، فكان قبحها من ذاتها، وازدادت قبحاً عند العقل بنهي الرب تعالى عنها، وذمه لها، وإخباره ببغضها، وبغض ٤٧٢ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فاعلها، كما أن العدل والصدق والتوحيد ومقابلة نعم المنعم بالثناء والشكر حسن في نفسه، وازداد حسناً إلى حسنه بأمر الرب به وثنائه على فاعله، وإخباره بمحبته ذلك ومحبة فاعليه، بل من أعلام نبوة محمد رَّهِ أنه: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنْهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾ [الأعراف، آية: ١٥٧] فلو كان كونه معروفاً ومنكراً وخبيثاً وطيباً إنما هو لتعلق الأمر والنهي، والحل والتحريم به: لكان بمنزلة أن يقال: ((يأمرهم بما يأمرهم به، وينهاهم عما ينهاهم عنه، ويحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم)) وأي: فائدة في هذا؟ وأي: علم يبقى فيه لنبوته؟ وكلام الله يصان عن ذلك، وأن يظن به ذلك، وإنما المدح والثناء والعلم الدال على نبوته أن ما يأمر به تشهد العقول الصحيحة حسنه، وكونه معروفاً، وما ينهى عنه تشهد قبحه وكونه منكراً، وما يحله تشهد كونه طيباً، وما يحرمه تشهد كونه خبيثاً، وهذه دعوة الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وهي بخلاف دعوة المتغلبين المبطلين والكذابين والسحرة، فإنهم يدعون إلى ما يوافق أهواءهم وأغراضهم من كل قبيح ومنكر وبغي وظلم، ولهذا قيل لبعض الأعراب - وقد أسلم لما عرف دعوته وَلـ: عن أي: شيء أسلمت؟ وما رأيت منه مما دلّك على أنه رسول الله؟ قال: ((ما أمر بشيء فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته أمر به، ولا أحل شيئاً فقال العقل: ليته حرمه، ولا حرم شيئاً فقال العقل: ليته أباحه)) فانظر إلى هذا الأعرابي وصحة عقله وفطرته، وقوة إيمانه، واستدلاله على صحة دعوته بمطابقة أمره لكل ما هو حسن في العقل، ومطابقة نهيه لما هو قبيح في العقل، وكذلك مطابقة تحليله وتحريمه، ولو كان جهة الحسن والقبح والطيب والخبث مجرد تعلق الأمر والنهي والإباحة والتحريم به: لم يحسن منه هذا الجواب، ولكان بمنزلة أن يقول: وجدته يأمر وينهى ویبیح ويحرم، وأي: دليل في هذا)) اهـ. قلت: وكذلك قوله ( 18 في التراويح: ((خشيت أن يكتب عليكم)) وانتظار عمر رضُّبه، وسؤاله تحريم الخمر، وقوله فيه: ((اللهم بين لنا بياناً شافياً)) بعد نزول: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمًا﴾ [البقرة، آية: ٢١٩] وقوله تعالى: ﴿تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ ◌ُكَرَى حَتَّى﴾ [النساء، آية: ٤٣] حتى نزل ﴿فَهَلْ أَنْثُم مُّنَهُونَ﴾ [المائدة، آية: ٩١] فقال عمر ربه انتهينا انتهينا، وقوله تعظُله: ((وافقت ربي في ثلاث))، ومداومة بلال رَُّه على تحية الوضوء قبل أمر الشارع، وقصة أصحاب قبا في ملازمة التطهير، الذي أثنى عليه القرآن العزيز (١)، وقوله تعالى لنبيه وَلّ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ﴾ [البقرة، آية؛ ١٤٤] الآية كلها دالة على ثبوت الحسن والقبح الذاتيين بالمعنى الذي ذكره ابن القيم تظلّثهُ. (١) فقال تعالى: ﴿فِيْهِ رِجَالٌ يُحِبُّوْنَ أَنْ يَتَطَهَّرُوْا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِيْنَ﴾ التوبة: ١٠٨. ٤٧٣ كتاب: الطهارة ثم لاخفاء في تفاوت مدارج الحسن والقبيح واختلاف مراتبهما، ففي بعض الأعمال المأمور بها درجة من الحسن والمعروفية ما تقتضي افتراضه وتحتمه، وفي البعض الآخر من الحسن ما يقتضي وجوبه أو تأكده النازل عن الوجوب، أو ندبه وأولويته، وهكذا في المنهيات: في بعضها مرتبة من القبح والنكر ما توجب كونه محرماً شديداً، وفي البعض الآخر قبح يوجب الكراهة التحريمية أو التنزيهية أو الإساءة أو عدم الأولوية، وإدراك هذه المراتب والحكم على الأعمال بما تصلح له من درجات الحسن والقبح هو: منصب الاجتهاد، فالمجتهد هو الذي يدرك أن العمل الفلاني فيه من الحسن أو القبح ما يقتضي كونه صالحاً لأن يحكم عليه بالوجوب أو الندب أو الحرمة أو الكراهة، فليس المجتهد لما معه من الفهم الموهوب، ونفوذ البصيرة، ونور التقوى، واشتغاله بالعلم، وممارسته فيه، ومعرفته بحقائق الأعمال، ومراتب حسنها وقبحها: محصوراً في دائرة الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، ومتقيداً بمحض قطعية الثبوت والدلالة وظنيتهما، بل ربما جاء إليه الأمر القطعي بشيء وهو يعلم قطعاً أنه ليس نفس هذا المأمور به مع قطع اللحظ عن القرائن الخارجية: صالحاً لكونه واجباً متحتماً . ألا ترى أن رسول الله وَ أمر أبا بكر ظله حين أم بالناس أن يثبت مكانه بعد مجيئه أوَّل، فلم يثبت، وقال: ((ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله (وَلا). وأمر النبي ◌ّ في مرضه الذي توفي فيه بأن يأتوا بقرطاس يكتب لهم كتاباً، فلم يأت به أحد، وقال عمر بنظله: ((حسبنا كتاب الله). وأمر وَلجر علياً عَظ ◌ُه في الحديبية بمحو لفظة (رسول الله)) من الكتاب، فما محاه عليّ بيده. فهذه الوقائع ونظائرها تدل على أن أرباب الاجتهاد ينظرون في نفس المأمور به والمنهي عنه، هل هو صالح للوجوب المتحتم أو التحريم الشديد أم لا؟ فربما يصرفون الأوامر الشفاهية التي هي مقطوع بها كالقرآن في حق من سمعها من النبي ◌َّ من الوجوب إلى غيره، وقد نقلت فيما قبل عن الإمام الشافعي تَغَفُ أنه قال: ((لا أعلم مخالفاً في أن تارك الاستنشاق لا يعيد الوضوء مع صحة الأمر به ومواظبة النبي (وَلقر عليه))، فكأن الأمة أجمعت على أن الاستنشاق ليس فيه من الحسن ما يوجب حمل الأمر فيه على الوجوب، وكذلك التيامن في الوضوء قد اتفق العلماء كافة على عدم وجوبه مع ثبوت الأمر به في السنن. والغرض الذي نحن بصدده أن الأمر الوارد في حديث الباب: أي: ((ارجع فأحسن وضوءك)) إن كان معناه الإعادة فغير معمول عند الجمهور في وجوب الولاء في الوضوء، فكأنهم لما نظروا لم يجدوا فيه من الحسن ما يقتضي كونه واجباً مفترضاً، كالتيامن وغيره، ومالك كَذَفيه أوجبه، فلاختلاف الأنظار في مثل هذه الأمور مساغ وليس الجمود على محض كون الأمر للوجوب أو الاستحباب من ديدن المجتهدين، والله أعلم. ٤٧٤ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٠٠ ومما ينبغي أن يتحفظ أن الماء الذي أنزله الله طهورا مخلوق للتطهير، ومجبول عليه، كما قال تعالى: ﴿وَيُزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لَيُطَهِّرَّكُمْ بِهِ﴾(١) [الأنفال، آية: ١١] وهذا التطهير من صفاته اللازمة الطبيعية التي اتفقت عليها كافة الأمم وطوائف الناس قديماً وحديثاً، ولهذا لم يصرح الله سبحانه وتعالى في آية الوضوء بشيء يقع به التطهير غسلاً أو مسحاً، مع أن المقصود من شرعية الوضوء والغسل وما ناب منابه ليس إلا التطهير، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِرَكُمْ﴾ [المائدة، آية: ٦] فكأن الماء هو المتعين للتطهير طبعاً على الإطلاق، فنقول: إذا وقع استعمال المطهر الطبيعي في محال الطهارة فلا تبقى حالة منتظرة في حصول طهارة المحل، وهو المطلوب من الوضوء ومفتاح الصلاة بإخبار النبي ◌ّطاهر، ولا ينبغي أن يتوقف تأثير الماء الطبعي الخلقي على مزيد تكسب وصنع من العباد، كالنية والتسمية في مبدأه، والترتيب بين محال الطهارة، والولاء بينها، وغير ذلك. نعم! لا يستبعد أن تعد هذه الأفعال من محسنات هيئة التظهير أو مكملات روحه، ويسمى الطهور مع مراعاة هذه الآداب الشرعية وضوء، ومع عزل اللحظ عنها طهوراً على صرافة اللغة، فإن الطهارة ليست عبارة إلا عن إزالة النجاسة فقط، وأصل الوضوء من الوضاءة، وفيه معن الحسن والنظافة والبهاء، فالشارع لما اعتبر في الطهور المعاني المفيدة لحسن التطهير وإكماله الزائدة على نفس إزالة الأحداث: أطلق عليه لفظ الوضوء، وهذا الوضوء لا شك أنه مطلوب الشارع، ومحبوب عنده، إلا أنه جعل مفتاح الصلاة الساذج فقط، وهو الذي اكتفى بذكره في القرآن. ومن لههنا يظهر لك الفرق بين قوله وَلاير: ((مفتاح الصلاة الطهور)) وقوله ٹطھر - إن صح -: ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)) وقوله في حديث الباب: ((ارجع فأحسن وضوءك)) فالتسمية والولاء وأمثالهما شرط في الوضوء دون الطهور. وهذا الفرق اللطيف قد سمعت شيخنا المحمود قدس الله روحه يقول: إن شيخه قاسم العلوم والخيرات قدس الله سره قال به. نعم! قد يتوسع في إطلاق أحد اللفظين - أي: الوضوء والطهور - في موضع الآخر عند بعض رواة الأخبار بالمعنى، فإنهم قلما يبالون بأمثال هذه الفروق المعنوية الدقيقة، وليس فيه كبير ضيق، ونطاق التعبير واسع، وأصل ما أردنا ليس موقوفاً على تسليم هذا الفرق. هذا الذي ذكرنا كله كان في الطهارة بالماء، وأما الصعيد الطيب في التيمم فإنه ليس مخلوقاً من الأصل للتطهير، بل جعل لنا - أي: الأمة المحمدية - مسجداً وطهوراً، تفضلاً من الله سبحانه وتعالى، وإكراماً منه، وكان هذا من خصائص هذه الأمة، فالتطهير ليس من خواص (١) ليس هكذا نظم وإنما هو: ﴿وَيُنَزِّلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَاءٌ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ انظر: الأنفال: ١١. ٤٧٥ كتاب: الطهارة (١١) - باب: خروج الخطايا مع ماء الوضوء ٥٧٦ - (٣٢) حدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. حَ وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ . وَاللَّفْظُ لَهُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ اَلَّمُسْلِمُ، أَوِ الْمُّؤْمِنُ، فَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ التراب الطبيعية، فيمكن في استعماله اشتراط النية من المؤمن وغيرها إن دل عليه دليل، وهذا ظاهر جداً، والله سبحانه وتعالى أعلم. (١١) - باب: خروج الخطايا مع ماء الوضوء ٣٢ - (٢٤٤) - قوله: (أو المؤمن) إلخ: شك من الراوي، وكذا قوله: ((مع الماء أو مع آخر قطر الماء)». قوله: (خرج من وجهه كل خطيئة) إلخ: المراد بخروجها مع الماء المجاز والاستعارة في غفرانها، لأنها ليست بأجسام فتخرج حقيقة، كذا قال النووي. وقال ابن العربي في شرح الترمذي: ((قوله: ((خرجت الخطايا)) يعني: غفرت، لأن الخطايا هي أفعال وأعراض لا تبقى فكيف توصف بدخول أو بخروج، ولكن الباري تعالى لما أوقف المغفرة على الطهارة الكاملة في العضو ضرب لذلك مثلا بالخروج)) اهـ. قال السيوطي تَُّ في قوت المغتذي: ((بل ظاهر حمله على الحقيقة، وذلك أن الخطايا تورث في الظاهر والباطن سواداً يطلع عليه أرباب الأحوال والمكاشفات، والطهارة تزيله، وشاهد ذلك ما أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((إن العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت، حتى تعلو قلبه، وذلك الران الذي ذكره الله تعالى في القرآن ﴿كَلَّا بَلَّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا [المطففين، آية: ١٤] وأخرج أحمد، وابن خزيمة، عن ابن عباس قال: قال كَانُوا يَكْسِبُونَ رسول الله صلى: ((الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من الجنة، وكان أشد بياضاً من الثلج، وإنما سودته خطايا المشركين)). قال السيوطي: ((فإذا أثرت الخطايا في الحجر، ففي جسد فاعلها أولى، فإما أن يقدر خرج من وجهه أثر خطيئته، أو السواد الذي أحدثته، وإما أن يقال: إن الخطيئة نفسها تتعلق (١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة باب ما جاء في فضل الطهور، رقم (٢). والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة والطهارة، باب فضل الوضوء، رقم (٧٢٤). ٤٧٦ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بالبدن، على أنها جسم لا عرض، بناء على إثبات عالم المثال، وإن كل ما هو في هذا العالم عرض له صورة في عالم المثال)) اهـ. قلت: أما عالم المثال فقد برهن على وجوده الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه في أوائل حجة الله البالغة بأدلة سمعية كثيرة، وأما نحن فقد شاهدنا اليوم تحفظ الأصوات التي هي أعراض بوسيلة آلات فونوغرافية وغيرها، فكما أن الهواء يحمل أصواتنا ويحفظها: يمكن أن تحمل أعضاءنا أعمالنا الصادرة منها وتحفظها، بحمل الماء الذي جعله الله ذريعة إلى تطهير المؤمن شيئاً منها أو من آثارها بقدرة الملك القادر التي لا يحجزها شيء. قال الشيخ الشعراني كثّفُ في الميزان: إن هذا الحديث هو مأخذ من منع الطهارة بالماء المستعمل في فرض الطهارة، لكون الخطايا خرت فيه، كما ورد في الصحيح. وقال: سمعت سيدي عليا الخوّاص تظلَلُ تعالى يقول: ((اعلم يا أخي؛ إن الطهارة ما شرعت بالأصالة إلا لتزيد أعضاء العبد نظافة وحسناً، وتقديساً، ظاهراً وباطناً، والماء الذي خرت فيه الخطايا حساً وكشفاً، أو تقديراً وإيماناً لا يزيد الأعضاء إلا تقذيراً وقبحاً، تبعاً لقبح تلك الخطايا التي خرت في الماء، فلو كشف للعبد لرأى الماء الذي يتطهر منه الناس في المطاهر في غاية القذارة والنتن، فكانت نفسه لا تطيب باستعماله كما لا تطيب باستعمال الماء القليل الذي مات فيه كلب أو هرة أو فأرة أو نحو ذلك، كالبعوض والصيبان، على اختلاف تلك الخطايا التي خرت من كبائر وصغائر ومكروهات وخلاف الأولى)). فقلت له: فإذن كان الإمام أبو حنيفة وأبو يوسف من أهل الكشف، حيث قالا بنجاسة الماء المستعمل. فقال: ((نعم، كان أبو حنيفة وصاحبه من أعظم أهل الكشف، فكان إذا رأى الماء الذي يتوضأ منه الناس يعرف أعيان تلك الخطايا التي خرت في الماء، ويميز غسالة الكبائر عن الصغائر، والصغائر عن المكروهات، والمكروهات عن خلاف الأولى، كالأمور المجسدة حساً على حد سواء)). قال: ((وقد بلغنا أنه دخل مطهرة جامع الكوفة، فرأى شاباً يتوضأ، فنظر في الماء المتقاطر منه، فقال: يا ولدي تب عن عقوق الوالدين، فقال: تبت إلى الله عن ذلك. ورأى غسالة شخص آخر، فقال له: يا أخي، تب من الزنى، فقال: تبت من ذلك، ورأى غسالة شخص آخر، فقال له: يا أخي، تب من شرب الخمر وسماع آلات اللهو، فقال: تبت منهما، فكانت هذه الأمور كالمحسوسة عنده على حد سواء من حيث العلم بها، ثم بلغنا أنه سأل الله تعالى أن يحجبه عن هذا الكشف لما فيه من الاطلاع عى سوآت الناس، فأجابه الله إلى ذلك)). ٤٧٧ كتاب: الطهارة نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ، (أَوْ مَعَ آخِرٍ قَظْرِ الْمَاءِ)، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجٌ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ، (أَوْ مَعَ آخِرٍ فَظْرِ الْمَاءِ)، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاَهُ مَعَ الْمَاءِ، (أَوْ مَعَ آخِرِ قَظْرِ الْمَاءِ)، حَتَّى يَخْرُجَ نَفِيّاً مِنَ الذَّنُوبِ)). ٥٧٧ - (٣٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيِّ الْقَيْسِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، (وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ)، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنٌّ فعلم أن الإمام حال كشفه كان قوله في الماء المستعمل تابعاً لما يراه قد خرّ من الخطايا من صغائر وكبائر ومكروهات وخلاف الأولى، لا أنه كان يعم بالقول بنجاسة كل ماء خرّ من المتطهرين على حد سواء، كما قد يتوهمه بعض مقلديه)) فتأمل، فإن كلمات فقهائنا رحمهم الله تعالى في البحر وغيره لا تكاد تلائم ما ذكره الشيخ تقذفُ، مع إمكان مساغه، والله سبحانه وتعالى أعلم . قوله: (نظر إليها) إلخ: أي: إلى الخطيئة، يعني: إلى سببها إطلاقاً لاسم المسبب على السبب مبالغة. قوله: (بعينه) إلخ: قال الطيبي: ((فإن قيل: ذكر لكل عضو ما يخص به من الذنوب وما يزيلها عن ذلك، والوجه مشتمل على العين والأنف والأذن فلم خصت العين بالذكر؟ أجيب بأن العين طليعة القلب ورائده، فإذا ذكرت أغنت عن سائرها)). ويمكن أن يقال: إن الأنف واللسان بالمضمضة والاستنشاق، والأذن بالمسح، فيتعين العين، وهذا مصرح في حديث عبد الله الصنابحي عند مالك والنسائي، كما في المشكاة، وحديث عمرو بن عبسة عند مسلم وأحمد، كما في المنتقى. أو يقال: خصت العين لئلا يتوهم عدم خروج ذنوبها لعدم غسل داخلها، والله أعلم. قوله: (مع آخر قطر الماء) إلخ: القطر إجراء الماء وإنزال قطره. قوله: (بطشتها يداه) إلخ: أي: اكتسبتها . قوله: (مشتها رجلاه) إلخ: الضمير للخطيئة، ونصبت بنزع الخافض، أي: مشت بها إلى الخطيئة . قوله: (يخرج نقياً) إلخ: الظاهر من صدر الحديث أن التكفير يختص بأعضاء الوضوء، لكن قوله في الآخر: ((حتى يخرج نقياً)) ظاهره العموم، ويحتمل أن يخصص بما ذكرنا، ويكون العموم لقرائن من الخشوع والإخلاص، كما قال الأبي. قوله: (من الذنوب) إلخ: أي: الصغائر، لحديث ما لم تؤت الكبائر، كما مرّ تفصيله. ٣٣ - (٢٤٥) - قوله: (أبو هشام المخزومي) إلخ: اسمه المغيرة بن سلمة، وكان من الأخيار المتعبدين المتواضعين . ٤٧٨ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الْمُنْكَدِرٍ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ. حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ)). (١٢) - باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء : ٥٧٨ - (٣٤) حدّثني أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ. حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةً الأَنْصَارِيُّ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرٍ؛ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ(٢) يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ. ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ. ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَتَوَضَّأُ. وَقَالَ: قَالَ قوله: (من جسده) إلخ: أي: جميع بدنه أو أعضاء وضوئه. قوله: (من تحت أظفاره) إلخ: أي: مثلاً . (١٢) - باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء. ٣٤ - (٢٤٦) - قوله: (عن نعيم بن عبد الله بن المجمر) إلخ: بضم النون، وفتح العين، والمجمر: بضم الميم الأولى، وكسر الثانية، وإسكان الجيم، من الإجمار على الأشهر، وهو صفة لنعيم ولأبيه كليهما حقيقة، فإنهما كانا يجمران مسجد رسول الله صل#، أي: يبخرانه، كذا في الفتح وغيره. وقال السيوطي: ((كان عبد الله يجمر المسجد إذا قعد عمر على المنبر، وقيل: كان من الذين يجمرون الكعبة)) زاد غيره. وقيل: كان عبد الله يجمر المسجد النبوي في رمضان وغيره. ولا مانع من الجمع، كذا في شرح الموطأ للزرقاني. قوله: (حتى أشرع في العضد) إلخ: أي: أدخل الغسل فيه، وكذا قوله: ((أشرع في الساق)). (١) قوله: ((عن عثمان بن عفان)) لم أجد أحداً أخرج هذا الحديث من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله. (٢) قوله: ((أبا هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب فضل الوضوء والغرّ المحجّلون من آثار الوضوء، رقم (١٣٦). وابن ماجه في سننه، في كتاب الزهد، باب صفة أمة محمد دَله. رقم (٤٢٨٢). ٤٧٩ كتاب: الطهارة رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ. فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ)) . قوله: (أنتم الغر المحجلون) إلخ: قال أهل اللغة: الغرة بياض في جبهة الفرس، والتحجيل بياض في يديها ورجليها . قال العلماء: سُمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلاً: تشبيهاً بغرة الفرس وتحجيله. والله أعلم. قوله: (من إسباغ الوضوء) إلخ: الظاهر أنه بضم الواو، ووقع عند الترمذي من حديث عبد الله بن بسر وصححه: ((أمتي يوم القيامة غرّ من السجود، محجلة من الوضوء)) قال في المصابيح: ((وهو معارض بظاهر ما في البخاري)) (أي: حديث الباب). قلت: لعل نور الجبهة وبياضها يكون أزيد مما في الأطراف لاجتماع السببين: أي: الوضوء والسجود. والله أعلم. قوله: (فمن استطاع منكم) إلخ: ظاهره أنه بقية الحديث، لكن رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم، وفي آخره: ((قال نعيم: لا أدري قوله: ((من استطاع)) إلخ من قول النبي ◌َّل أو من قول أبي هريرة)) ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة - وهم عشرة - ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه، والله أعلم، قاله الحافظ. وقال المنذري: ((قوله: ((فمن استطاع)) إلخ: مدرج من كلام أبي هريرة، موقوف عليه، ذكره غير واحد من الحفاظ)» كذا في المرقاة. قوله: (فليطل غرته وتحجيله) إلخ: أما إطالة غرته فبأن يغسل شيئاً من مقدم رأسه وما يجاوز وجهه زائداً على القدر الذي يجب غسله، لاستيعاب كمال الوجه . وفي الحلية: ((والتحجيل يكون في اليدين والرجلين، وهل له حد؟ لم أقف فيه على شيء لأصحابنا. ونقل النووي اختلاف الشافعية فيه على ثلاثة أقوال: الأول: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين بلا توقيت. الثاني: إلى نصف العضد والساق. الثالث: إلى المناكب والركبتين. قال: والأحاديث تقتضي ذلك كله)) اهـ. ونقل الثاني عن شرح الشرعة مقتصراً عليه. كذا في رد المحتار. قال الحافظ: في الفتح: ((وقال ابن بطال، وطائفة من المالكية: لا تستحب الزيادة على الكعب والمرفق، لقوله وَس18: ((من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم)) وكلامهم معترض من وجوه، ورواية مسلم صريحة في الاستحباب، فلا تعارض بالاحتمال. ٤٨٠ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٥٧٩ - (٣٥) وحدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ. فَغَسَلَ وأما دعواهم اتفاق العلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك: فهي مردودة بما نقلناه عن ابن عمر، وقد صرح باستحبابه جماعة من السلف وأكثر الشافعية والحنفية. وأما تأويلهم الإطالة المطلوبة بالمداومة على الوضوء فمعترض بأن الراوي أدرى بمعنى ما روى، كيف؟ وقد صرح برفعه إلى الشارع مَلآ)). وقال الحافظ ابن القيم في الهدي: ((إن النبي ◌ّله لم يتجاوز الثلاث في الوضوء قط، وكذلك لم يثبت عنه أنه تجاوز المرفقين والكعبين، ولكن أبو هريرة كان يفعل ذلك، ويتأول حديث إطالة الغرة . وأما حديث أبي هريرة (أي: المرفوع عند مسلم، وهو حديث الباب) في صفة وضوء النبي ◌ّو أنه غسل يديه حتى أشرع في العضدين، ورجليه حتى أشرع في الساقين، فهو إنما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة)) اهـ. أي: لأنه لا بد لغسل المرفقين والكعبين من غسل شيء يسير من العضدين والساقين عادة. فالإشراع المذكور في الحديث ليس لقصد الإطالة، بل لتحقق غسل ما فرضه الله تعالى بيقين من غير شك وتردد. قلت: والزيادة على الحدود التي نصبها الشارع عظّ مبادئ أو غايات لعمل من الأعمال كالمرفقين والكعبين هنا بمجرد الاجتهاد: قد يفتح باب الغلو والتعمق في الدين، ويفضي إلى التباس غير المفروض بالمفروض. قال الشيخ ولي الله الدهلوي كثّفُ: ((من المقاصد الجليلة في التشريع أن يسد باب التعمق في الدين لئلا يعضوا عليها بنواجذهم، فيأتي من بعدهم قوم فيظنونها من الطاعات السماوية المفروضة عليهم، ثم تأتي طبقة أخرى فيصير الظن عندهم يقيناً، والمحتمل مطمئناً به، فيظل الدين محرفاً به، وهو قاله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَةُ أَبْتَدَعُوهَا مَا كَثَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد، آية: ٢٧]. وقال في موضع آخر: ((اعلم أن من المقاصد المهمة في باب الصوم سد ذرائع التعمق، ورد ما أحدثه فيه المتعمقون، فإن هذه الطاعة كانت شائعة في اليهود والنصارى ومتحنثي العرب، ولما رأوا أن أصل الصوم هو قهر النفس تعمقوا وابتدعوا أشياء فيها زيادة القهر، وفي ذلك تحريف دين الله، وهو إما بزيادة الكم أو الكيف. فمن الكم: قوله وَلثر: ((لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم يوماً فليصم ذلك اليوم)) ونهيه عن صوم يوم الفطر ويوم الشك. وذلك لأنه ليس بين هذه وبين رمضان فصل، فلعله إن أخذ ذلك المتعمقون سنة فيدركه منهم الطبقة الأخرى، وهلمّ جرّا، يكون تحريفاً، وأصل التعمق أن يؤخذ موضع الاحتياط لازماً، ومنه يوم الشك.