النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ كتاب: الطهارة بِغَيْرِ ظُهُورٍ، على فعل واحد، فإنه لما جوزنا أن يكون الشيء عبادة ومشروعاً بذاته، ويكون منهياً وغير مشروع بوصفه، فإذا أتى المكلف بهذا الفعل استحق لأن يعطي أجر نفس الفعل، ويعاقب على إتيانه بوصف غير مشروع، وأن لا يوجب هذا الفعل نيل الدرجات العظيمة لاشتماله على وصف غير مشروع، فليس ببعيد أن يقال: إن ملازمة الارتكاب بالمنهى عنه أبطل أجر الحسنة، لكنه سقط ذمته المشغولة بها بوجودها، فالسقوط عن الذمة بفعلها هو نحو من الثواب، وإذا عرف الحال في العبادات ففي المعاملات بالطريق الأولى)). قال الشارح كثّهُ: ((حديث الباب نص في وجوب الطهارة للصلاة، وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة)) اهـ. أما تكفير المصلي بغير الطهارة تعمداً فقال في سير الوهبانية: وفي كفر من صلى بغير طهارة مع العمد خلاف في الروايات يسطر. قال في الدر المختار: ((إن تعمد الصلاة بلا طهر غير مكفر، كصلاته لغير القبلة، أو مع ثوب نجس، وهو ظاهر المذهب، كما في الخانية. قال في الحلية: إن الموجب للإكفار في هذه المسائل هو الاستهانة، فحيث ثبتت الاستهانة في الكل تساوى الكل في الإكفار، وحيث انتفت منها تساوت في عدمه، وذلك لأنه ليس حكم الفرض لزوم الكفر بتركه، وإلا كان كل تارك لفرض كافراً، وإنما حكمه لزوم الكفر بجحده بلا شبهة دارئة)) اهـ ملخصاً. أي: والاستخفاف في حكم الجحود، قال ابن عابدين كثّفُ: ((وهو بمعنى الاستهزاء والسخرية به، أما لو كان بمعنى عد ذلك الفعل خفيفاً وهيّنا من غير استهزاء ولا سخرية، بل لمجرد الكسل أو الجهل، فينبغي أن لا يكون كفراً عند الكل، تأمل)»، كذا في رد المحتار. قوله: (بغير طهور) إلخ: بضم الطاء المهملة، والمراد به ما هو أعم من الوضوء والغسل والتيمم، ولهذا الحديث أمر أبو حنيفة تعَّقُ بتأخير الصلاة لمن لم يجد الطهورين، وقد أخرها عمر بن الخطاب رُبه في سرية كان معه عمار بن ياسر رَظُبه حين فقد الماء، ولم يقف على تيمم الجنب، فما صلى بغير طهارة، وقد ثبت ((أن رسول الله ﴿ بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك)) وظاهر سياق آية النساء أيضاً يدل على النهي عن قربان الصلاة للجنب قبل الاغتسال في جميع الأحوال، وما استثني منه إلا عابر سبيل، ثم فصل حكم هذا المستثنى ومن في حكمه من المرضى بأنهما إذا لم يجدا الماء يتيممان، فكان المستثنى هو المتيمم فقط، وكل من سواه داخل في أصل عموم النهي، ولا بد لأخراج فاقد الطهورين منه من دليل مستقل، وإلا فعموم نهي القرآن وحديث الباب كاف للرد عل من يصلي بغير طهارة سواء كان واجداً للطهورين أو فاقداً لهما. والله أعلم. ٤٢٢ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَلا صَدَقَةٌ قال في الدر المختار وشرحه: ((والمحصور فاقد الماء والتراب، بأن حبس في مكان نجس، ولا يمكنه إخراج تراب مطهر، وكذا العاجر عنهما لمرض: يؤخرها (أي: الصلاة) عنده (أي: الإمام أبي حنيفة) وقالا (أي: أبو يوسف ومحمد رحمهما الله) يتشبه بالمصلين كالحائض إذا طهرت في رمضان، فإنها تمسك تشبهاً بالصائم لحرمة الشهر، ثم تقضي، وكذا المسافر إذا أفطر فأقام، وبه يفتى، وإليه صح رجوع الإمام أبي حنيفة كَثُ، كما في الفيض)) اهـ. ولهذا التشبه نظائر في الأخبار والآثار، فقد روى أبو داود في سننه: ((أن رسول الله وَليه قال لأسلم: صمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا، قال: فأتموا بقية يومكم، واقضوه)) قال أبو داود: يعني: صوم عاشوراء. وفي فتح القدير: ((قال ابن عمر لمن جامع امرأته محرماً: بطل حجة، قال له السائل: فيقعد، قال: لا، بل يخرج مع الناس ويصنع ما يصنعون، فإذا أدركه من قابل حج وأهدى، ووافقه على هذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص # وصحح البيهقي إسناده عنهم، وفي موطأ مالك من بلاغاته عن علي وعمر وأبي هريرة ﴿ه نحوه، إلا أن علياً عَظ ◌ُبه قال: يفترقان حتى يقضيا حجهما)). اهـ. فهذا مأخذ التشبه عند الحنفية. وأما وجوب القضاء عندهم بعد وجدان أحد الطهورين: فلقوله ◌َ: ((دين الله أحق أن یقضی)». هذا، وفي مسألة فاقد الطهورين أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: أحدها: أنه يجب عليه أن يصلي، فالمنصوص عن الشافعي تقذفُ وجوبها، وصححه أكثر أصحابه، واحتجوا بأنه عذر نادر، فلم يسقط الإعادة. والمشهور عن أحمد - وبه قال المزني، وسحنون، وابن المنذر - لا تجب، وقالوا: لا بد من دليل على وجوب الإعادة. وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله في المشهور عنهما: لا يصلي، لكن قال أبو حنيفة وأصحابه: يجب عليه القضاء، وبه قال الثوري والأوزاعي رحمهما الله . وقال مالك فيما حكاه عنه المدنيون: لا يجب عليه القضاء. وهذه الأقوال الأربعة هي المشهورة في المسألة، وحكى النووي تقّفُ في شرح المهذب عن القديم: تستحب الصلاة، وتجب الإعادة، وبهذا تصير الأقوال خمسة. والله أعلم، كذا في الفتح. قوله: (ولا صدقة) إلخ: ناسب ذكر العبادة المالية بعد ذكر البدنية، والطهارة المعنوية بعد ذكر الطهارة الحسية، فإن الصدقة طهارة النفس من رذيلة البخل وقلة الرحمة، قال الله عزّ وجل: ﴿خُذّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا﴾ [التوبة، آية: ١٠٣]. ٤٢٣ كتاب: الطهارة مِنْ غُلُولٍ)) وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ. ٥٣٥ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَوَكِيعٌ: عَنْ إِسْرَائِيلَ. قوله: (من غلول) إلخ: بضم الغين أي: مال حرام. قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِفَاخِذِيِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهٍّ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَسِدُ (ََّّـ ﴾ [البقرة، آية: ٢٦٧] فالله سبحانه وتعالى طيّب، لا يقبل إلا طيباً، ﴿وَالطَّيِّبَتُ لِلَّيِينَ وَاَلَِّبُونَ لِلَّيِّبَنِ﴾ [النور، آية: ٢٦]. وأصل الغلول الخيانة في الغنيمة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران، آية: ١٦١]، والمراد هنا من تصدق بماخان، بأن تصدق من مال حرام، فلا يثاب على التصدق، بل يعاقب إن علم أنه حرام، وثوابه لمالكه، ومحل هذا إذا كان يعرف مالكه أو وارثه، وإلا فهو مأمور بالتصدق به، ولا يتصور أنه يؤمر بالتصدق به ولا يقبل منه، كذا في شرح المشكاة. قال الشيخ الأنور: ((وقد صرح الحافظ ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد: أنه يثاب على التصدق إذا كان التصدق واجباً)). وقال الأبي تَقَّفُهُ: ((نعم، الصدقة بالمال الحرام أرجح لصرفه عن النفس، والله أعلم)). قوله: (كنت على البصرة) إلخ: معناه: أنك لست بسالم من الغلول، فقد كنت والياً على البصرة، وتعلقت بك تبعات من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، ولا يقبل الدعاء لمن هذه صفته، كما لا تقبل الصلاة والصدقة إلا من متصون. والظاهر - والله أعلم - أن ابن عمر قصد زجر ابن عامر، وحثه على التوبة وتحريضه على الإقلاع عن المخالفات، ولم يرد القطع حقيقة بأن الدعاء للفساق لا ينفع، فلم يزل النبي ◌َلل والسلف والخلف يدعون للكفار، وأصحاب المعاصي بالهداية والتوبة، والله أعلم. (٠٠٠) - قوله: (قال أبو بكر ووكيع: حدثنا) إلخ: معناه: أن أبا بكر بن أبي شيبة رواه عن حسين بن علي عن زئادة، ورواه أبو بكر أيضاً عن وكيع عن إسرائيل، فقال أبو بكر ووكيع: حدثنا، وهو بمعنى قوله: ((حدثنا وكيع)) . وسقط في بعض الأصول لفظ ((حدثنا)) وبقي قوله: ((أبو بكر ووكيع عن إسرائيل)) وهو صحيح أيضاً، ويكون معطوفاً على قول أبي بكر أولاً: ((حدثنا حسين)) أي: وحدثنا وكيع عن إسرائيل. ووقع في بعض الأصول هكذا: ((قال أبو بكر: وحدثنا وكيع) وكله صحيح. والله أعلم. كذا في الشرح. ٤٢٤ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم كُلُّهُمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ، بِمِثْلِهِ . ٥٣٦ - (٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّام، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ، أَخِي وَهْبٍ بْنِ مُنَبِّهِ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَّا أَبُو هُرَيْرَةَ(١) عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيَثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((لا تُقْبَلُ صَلاةُ أَحَدِكُمْ، إِذَا أَحْدَثَ، قوله: (كلهم عن سماك بن حرب) إلخ: يعني: به شعبة وزائدة، وإسرائيل. ٢ - (٢٢٥) - قوله: (إذا أحدث) إلخ: أي: صار ذا حدث قبل الصلاة أو في أثنائها، والمراد بالصلاة المضافة: صورتها، أو باعتبار ماكانت، كذا فى المرقاة. قال بعض الشارحين: هذا الحديث رد على من يقول: إذا سبقه الحدث يتوضأ ويبني على صلاته . قلت: هذا قول أبي حنيفة تغّفُهُ. وحكي عن مالك، وهو قول الشافعي في القديم، وهو ليس برد عليهم أصلاً، لأن من سبقه الحدث إذا ذهب وتوضأ وبنى على صلاته يصدق عليه أنه توضأ وصلى بالوضوء، وإن كان القياس يقتضي بطلان صلاته، على أنه ورد الأثر فيه. كذا في عمدة القاري. قال النووي تغذّلهُ: ((واختلفوا في أن الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة أم على المحدث خاصة؟ فذهب ذاهبون من السلف إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض، بدليل قوله تعالى: ﴿قُمْتُمْ إِلَى الضَّلَوَةِ فَاغْسِلُواْ﴾ [المائدة، آية: ٦] وذهب قوم إلى أن ذلك قد كان، ثم نسخ، وقيل: الأمر به لكل صلاة على الندب. وقيل: بل لم يشرع إلا لمن أحدث، ولكن تجديده لكل صلاة مستحب، وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك، ولم يبق بينهم خلاف، ومعنى الآية عندهم: إذا قمتم محدثين. وقيل: إذا قمتم من المنام. قلت: دل حديث الباب على أن الأمر الوجوبي بالتوضأ عند القيام إلى الصلاة إنما يتوجه إلى المحدث خاصة، وقد نبه الله سبحانه وتعالى في خاتمة آية الوضوء على أن المقصود من فرضية الوضوء والغسل أو التيمم ليس إلا أن يحضر العبد بين يدي ربه سبحانه وتعالى طاهراً مطهراً، فإنه قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ (١) قوله: ((حدثنا أبو هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، رقم (١٣٥) وفي كتاب الحيل، باب في الصلاة، رقم (٦٩٥٤). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء، رقم (٦٠). والترمذي في جامعه، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من الريح، رقم (٧٦). ٤٢٥ كتاب: الطهارة عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ﴾ [المائدة، آية: ٦] فمن كان هذا المقصود أي: التطهر من الأحداث والأخباث حاصلاً له من قبل: فالأمر لوجوبي لا يكون متوجهاً إليه، بل لا يبعد أن يكون إيجاب الطهارة على الطهارة مع حصول المطلوب الضروري من قبل: إيقاعاً للناس في نوع من الضيق والحرج الذي نفى الله إرادته، وعبر عنه رسول الله وَّله بالمشقة فيما رواه أحمد مرفوعاً: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء)) وإسناده حسن عند المنذري وصحيح عند ابن تيمية صاحب المنتقى والله أعلم. قال صاحب الكشف من أصحابنا: ((قال القاضي الإمام تغلّهُ: الحدث شرط زيد في الآية لا بالرأي، ولكن بدلالة النصٍ، فإنه قال: ﴿يُرِيدُ لِطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ﴾ [المائدة، آية: ٦] وقال في الاغتسال: ﴿كُنْتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ وَإِن﴾ [المائدة، آية: ٦] وقال في بدل الوضوء: ﴿جََّ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ اٌلْغَائِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا﴾ [المائدة، آية: ٦]. وإنما يتعلق وجوب التيمم الذي هو بدل بما يجب به الأصل، فتعين أن المراد بصدر الآية: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، ولكن سقط ذكر الحدث اختصاراً لما في الآية ما يدل عليه)). وقال بعض الأئمة المحققين: اختير هذا النظم - وهو أن الحدث لم يذكر في الوضوء الذي هو الأصل، وذكر في البدل وهو التيمم ـ لأن الوضوء مطهر بنفسه وحقيقته، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة، آية: ٦] فدل كونه مطهراً على قيام النجاسة، لأن المطهر ما يثبت الطهارة، ويقتضي ذلك ثبوت النجاسة، ليصح إثبات الطهارة، فإن إثبات الثابت مستحيل، فاستغنى عن ذكر الحدث، بخلاف التيمم لأنه ليس بمطهر بنفسه، بل هو تلويث حقيقة، فلم يدل ذكره على قيام نجاسة، فلو لم يذكر الحدث فيه صريحاً لتوهم أن الحدث ليس بشرط فيه، بل يجب التيمم لكل صلاة عند عدم الماء تعبداً، ويلزم على هذا التقرير أن الحدث قد ذكر في الغسل بقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة، آية: ٦] مع أنه تطهير حقيقة كالوضوء، ويجاب بأن الوضوء متعلق بالصلاة أي: شرعه لأجل الصلاة، وسبب وجوبه إرادة الصلاة، والحدث شرط وجوبه، فلم يذكر الحدث في الوضوء صريحاً ليعلم بظاهر النص أن الوضوء مشروع لكل صلاة، إما بطريق الفرض، أو الندب، فإذا كان محدثاً كان الأمر في حقه للإيجاب، فيكون الوضوء فرضاً، وإذا لم يكن محدثاً كان الأمر في حقه للندب، فيكون الوضوء سنة عند إرادة الصلاة، فأما الغسل فليس بمسنون لكل صلاة، بل هو فرض خالص، أي: الغسل الذي تعلق به الصلاة نوع واحد، وهو الفرض، فلم يشرع إلا مقروناً بالحديث بقوله عزّ وجل: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة، آية: ٦] ولا يلزم عليه غسل الجمعة والعيدين، لأن المدعي أن الغسل لكل صلاة ليس بمسنون، وبشرعية الغسل للجمعة والعيدين لا يثبت كون الغسل سنة لكل صلاة، على أن كلامنا فيما ثبت بالكتاب وبإشارته، وذلك ثبت بالسنة. ٤٢٦ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَتَّى بَتَوَضَّأَ)). (٣) - باب: صفة الوضوء وكماله ٥٣٧ - (٣) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْئِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ (١) رضي اللَّهُ عنه دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَر، قوله: (حتى يتوضأ) إلخ: أي: بالماء أو ما يقوم مقامه، وقد روى النسائي بإسناد قوي عن أبي ذر مرفوعاً: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم)) فأطلق الشارع على التيمم أنه وضوء، لكونه قام مقامه، كذا في الفتح. (٣) - باب: صفة الوضوء وكماله ٣ - (٢٢٦) - قوله: (أن حمران) إلخ: بضم الحاء، هو وعطاء بن يزيد وابن شهاب كلهم تابعيون يروي بعضهم عن بعض. قوله: (دعا بوضوء) إلخ: بفتح الواو اسم للماء المعد للوضوء بالضم الذي هو الفعل، وفيه الاستعانة على إحضار ما يتوضأ به. قوله: (فغسل كفيه) إلخ: فيه دليل على أن غسلهما في أول الوضوء سنة، وهو كذلك باتفاق العلماء. قوله: (ثم مضمض) إلخ: أي: ردّد الماء في فمه. قال الحافظ تَغْلَهُ: ((لم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييد ذلك بعدد، نعم! ذكره ابن المنذر من طرق يونس عن الزهري، وكذا ذكره أبو داود من وجهين آخرين عن عثمان، واتفقت الروايات على تقديم المضمضة)). قوله: (واستنثر) إلخ: قال النووي: ((الجمهور على أن الاستنثار هو إخراج الماء من (١) قوله: ((عثمان بن عفان)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، رقم (١٥٩) و(١٦٠). وباب المضمضة في الضوء، رقم (١٦٤). وفي كتاب الصيام، باب سواك الرطب واليابس للصائم، رقم (١٩٣٤). وفي كتاب الرقاق، باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا﴾ رقم (٦٤٣٣). والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، صفة الوضوء، باب المضمضة والاستنشاق، رقم (٨٤). وباب بأي اليدين يتمضمض، رقم (٨٥). وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ◌َّلتر، رقم (١٠٦ - ١١٠). ٤٢٧ كتاب: الطهارة ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى الأنف بعد الاستنشاق، وهو جذب الماء بالنفس إلى الأقصى، ويدل عليه الرواية الأخرى (استنشق واستنثر))، فجمع بينهما، وهو مأخوذ من ((النثرة)) طرف الأنف. قوله: (ثم غسل وجهه) إلخ: فيه تأخيره عن المضمضة والاستنشاق، وقد ذكروا أن حكمة ذلك اعتبار أوصاف الماء، لأن اللون يدرك بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف، فقدمت المضمضة والاستنشاق - وهما مسنونان - قبل الوجه - وهو مفروض - احتياطاً للعبادة، كذا في الفتح. قوله: (ثلاث مرات) إلخ: أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة، وعلى أن الثلاث سنة. قوله: (إلى المرفق) إلخ: بكسر الميم وفتح الفاء، وفيه العكس، اسم لملتقى العظمين: عظم العضد وعظم الذراع، وغسل المرفقين وكذا الكعبين فرض عند الجمهور، خلافاً لزفر وداود الظاهري رحمهما الله، فمن قال بالوجوب جعل ((إلى)) في الآية بمعنى ((مع)) ومن لم يقل به جعلها لانتهاء الغاية . قال في البحر بعد ذكر الأدلة: ((والحق أن شيئا مما ذكروه لا يدل على الافتراض، فالأولى الاستدلال بالإجماع على فرضيتهما، قال الإمام الشافعي وظ ه في الأم: ((لا نعلم مخالفاً في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء)) وهذا منه حكاية للإجماع. قال في فتح الباري بعد نقله عنه: ((فعلى هذا فزفر كَثُ محجوج بالإجماع قبله، وكذا من قال ذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحاً، وإنما حكى عنه أشهب كلاماً محتملاً، وحکم الکعبین کالمرفقين)) اهـ. وفعل النبي و # أيضاً يدل على دخول المرفقين في الأيدي، والكعبين في الأرجل، فإنه روى مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: ((حتى أشرع في العضد، وحتى أشرع في الساق)). قال صاحب المنتقى: ((ويتوجه منه وجوب غسل المرفقين، لأن نص الكتاب يحتمله، وهو مجمل فيه، وفعله وَالر بيان لمجمل الكتاب، ومجاوزته للمرفق ليس في محل الإجمال ليجب بذلك)» اهـ. قوله: (ثم مسح برأسه) إلخ: وفي بعض الروايات بحذف الباء. قال ابن رشد في بداية المجتهد: ((اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض الوضوء، واختلفوا في القدر المجزئ منه، فذهب مالك إلى أن الواجب مسحه كله. وذهب الشافعي، وبعض أصحاب مالك، وأبو حنيفة إلى أن مسح بعضه هو الفرض، ومن أصحاب مالك من حد ٤٢٨ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم هذا البعض بالثلث، ومنهم من حده بالثلثين، وأما أبو حنيفة فحده بالربع، وحده مع هذا القدر من اليد الذي يكون به المسح، فقال: إن مسحه بأقل من ثلاثة أصابع لم يجزئه، وأما الشافعي ◌َّثُ فلم يحد في الماسح ولا في الممسوح حداً. وأصل الاختلاف في هذا الاشتراك الذي في الباء في كلام العرب، وذلك أنها مرة تكون زائدة، مثل قوله تعالى ﴿تَنَّبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون، آية: ٢٠] على قراءة من قرأ ((تنبت)) بضم التاء وكسر الباء، من أنبت، ومرة تدل على التبعيض مثل قول القائل: ((أخذت بثوبه وبعضده)) ولا معنى لإنكار هذا في كلام العرب، أعني كون الباء مبعضة، وهو قول الكوفيين من النحويين، فمن رآها زائدة أوجب مسح الرأس كله، ومعنى الزائدة ههنا كونها مؤكدة، ومن رآها مبعضة أوجب مسح بعضہ)) اهـ. وفي شرح المختار: ((الآية مجملة في مسح الرأس، لأنه يحتمل إرادة الجميع، وإرادة ما يطلق عليه اسم المسح، وإرادة بعضه، وقد صح عن النبي ◌ُّر: أنه حسر عن عمامته ومسح على ناصيته، فصار بياناً للآية، وحجة على المخالف، والمختار مقدار الناصية، هو ربع الرأس، لكونه إحدى جوانبه الأربع، أي: الناصية، والقذال، والفودان. فإن قيل: لم قلت: إنه مجمل في حق المقدار، والمجمل ما لا يمكن العمل به قبل البيان، وقد أمكن العمل به قبل البيان ههنا، لأنه لما كان المراد به مطلق البعض يخرج عن العهدة بأدنى ما يطلق عليه اسم البعض، كما قلنا في الركوع والسجود؟ قلنا: مطلق البعض غير مراد بالإجماع، إذ ذاك يحصل بغسل الوجه، فلا حاجة إلى إيجاب على حدة، فعلم أن المراد به بعض مقدر: كالثلث، أو الربع، كما قرره المحققون. فإن قلت: المدعي ربع غير معين، والدليل يدل على ربع معين - وهو الناصية - لم يوافق الدليل المدلول، والموافقة شرط بينهما، كما بين الشهادة والدعوى. قلت: الحديث يحتمل معنيين: التعين، وبيان المقدار، وقد عرف أن خبر الواحد يصلح مبيّناً لمجمل الكتاب، والبيان إنما يكون في موضع الإجمال، ولا إجمال في المحل، لأنه معلوم - وهو الرأس - وإن الإجمال في المقدار، لأنه الثلث أو الربع، فقوله عليه السلام يصير بياناً له. كذا في شرح إحياء العلوم. بقي الكلام على أن مسح الربع فرض عملي لا اعتقادي، لأن خبر الآحاد ظني في نفسه مع قطع النظر عن صحة دلالته، وقد يطلق الفرض على ما يفوت الجواز بفوته: كغسل الفم والأنف في الغسل، ويسمى ذلك فرضاً ظنياً، قاله القاري في شرح النقاية. وقال العيني بعد تسليم أن الفرض لا يثبت إلا بدليل قطعي: ((الأصل في هذا أن خبر ٤٢٩ كتاب: الطهارة الواحد إذا لحق بياناً لمجمل كان الحكم بعده مضافاً إلى المجمل دون البيان، والمجمل هنا من الكتاب، والكتاب دليل قطعي)). وقال الشيخ ابن الهمام تغذفه: «فيرجع البحث إلى دلالة الآية، ونقول فيه: إن الباء للإلصاق، وهو المعنى المجمع عليه لها، بخلاف التبعيض، فإن المحققين من أئمة العربية ينفون كونه معنى مستقلاً للباء بخلاف ما إذا جاء في ضمن الإلصاق فلم يستوعب خرج عن العهدة بذلك البعض، لا لأنه هو المفاد بالباء، وتمام تحقيقه فيما كتبناه على البديع في الأصول، وحينئذٍ يتعين الربع، لأن اليد إنما تستوعب قدره غالباً فلزم» اهـ. وفي الغنية شرح المنية: ((لما كان معنى الباء للإلصاق، ومعنى المسح إمرار شيء على شيء بطريق المماسة، ولا شك أن المراد بالشيء الأول ههنا هو اليد، لأنها آلة التطهير، واليد تقارب ربع الرأس في المقدار، فإذا أمرّت أدنى إمرار بحيث يسمى مسحاً حصل الربع، فكان مسح الربع أدنى ما ينطلق عليه المسح المراد من الآية)) اهـ. وقال الشيخ الأنور - أطال الله بقاءه - بعد نقل عبارة بدائع الفوائد لابن القيم الدالة على الفرق بين قولهم: ((قرأت سورة كذا)) وقولهم: ((قرأت بسورة كذا)): ((أن المراد بالأول: أنه قرأ هذا الشيء، والمراد بالثاني أنه أوقع القراءة المعروفة المعهودة التي اشتهرت بهذا الاسم بين الناس، وعهدت أنها أي: جنس بالإتيان بهذه السورة، ووجهه أن ((قرأ)) في متعارف اللغة متعد بنفسه، فإذا نقلته الشريعة إلى عرفها ولقبت به قراءة الصلاة صار لازماً، كأن معنى ((قرأ)) على هذا فعَل فعل القراءة، وهذا لا يحتاج إلى مفعول به، فلما أريد تعلقه بسورة عدّي بالباء، ومثل هذا في قوله تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة، آية: ٦] بالباء وقولك: مسحت رأس اليتيم، الأول على عرف الشريعة، وهو إمرار اليد المبتلة على الشيء، فاقتضى البلة، بخلاف الثاني، فإنه على صرافة اللغة)) اهـ. قلت: وعلى هذا فمعنى آية المسح ((أوقعوا فعل المسح المعهود المعروف في الشرع بالرؤوس، وهذا مجمل باعتبار معناه الشرعي المنقول إليه، وتعيين مراد المتكلم، وقد عرف من السنة المستفيضة أن المسح بالرأس المعهود الذي واظب عليه صاحب الشرع ليس أقل من إمرار اليد المبتلة على الناصية، فصار فعله معالنّ بياناً لمجمل الكتاب، إذ البيان يكون بالقول تارة، وبالفعل أخرى، كفعله في هيئة الصلاة وعدد ركعاتها، وفعله في مناسك الحج، وقوله في مقادير الزكاة والعشر وغير ذلك، فكان المراد من المسح بالرأس مقدار الناصية ببيان النبي ◌ّ ر كما نبه عليه صاحب البدائع. وقال القرطبي كثّفُ: ((الباء للتعدية، فيجوز حذفها وإثباتها، لذلك يقال: مستحت رأس اليتيم، ومسحت برأسه . ٤٣٠ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وقيل: إنما دخلت الباء لتفيد معنى بديعاً، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولاً به، والمسح لا يقتضي ممسوحاً به، فلو قيل: رؤوسكم، لأجزأ المسح باليد إمراراً من غير شيء على الرأس، فدخلت الباب لتفيد ممسوحاً به، وهو الماء، فكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم الماء. كذا في شرح الموطأ للزرقاني كثُّ . وقال الشوكاني: ((والحقيقة لا تتوقف على مباشرة آلة الفعل بجميع أجزاء المفعول، كما لا تتوقف في قولك: ضربت عمراً، على مباشرة الضرب لجميع أجزائه، فمسح رأسه يوجد المعنى الحقيقي بوجود مجرد المسح للكل أو البعض، وليس النزاع في مسمى الرأس، فيقال: هو حقيقة في جميعه، بل النزاع في إيقاع المسح على الرأس، والمعنى الحقيقي للإيقاع يوجد بوجود المباشرة، ولو كانت المباشرة الحقيقية لا توجد إلا بمباشرة الحال لجميع المحل: لقلّ وجود الحقائق في هذا الباب، بل يكاد يلحق بالعدم، فإنه يستلزم أن نحو ((ضربت زيداً)) و ((أبصرت عمراً)) من المجاز، لعدم عموم الضرب والرؤية)) اهـ. قلت: وكذلك وله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُّهُ إِلَيْهٍ﴾ [الأعراف، آية: ١٥٠] الظاهر المتبادر منه عند كل أحد بحسب العادة أن الأخذ ما وقع إلا ببعض رأسه، وهو المقدم منه، كما يفهم من قوله: ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف، آية: ١٥٠] ومن جمعه: الرأس مع اللحية في الأخذ، لقول هارون ع ◌َّهُ: ﴿بِحْتِى وَلَا بِرَأْسِ﴾ [طه، آية: ٩٤] وهذا أي: الأخذ والجرّ بمقدم الرأس الذي يقال له: الناصية في اللغة، كان هو المعتاد عندهم في أخذ المجرم والأسير قهراً، والتمكن منه. ولذا قال سبحانه وتعالى: ﴿مَّا مِنْ دَآبَةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذُ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود، آية: ٥٦] وقال: ﴿لَنَشْفَمَا بِالنَّصِيَةِ نَصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةِ (®)﴾ [العلق، الآيتان: ١٥، ١٦] وقال: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصِى وَالْأَفْدَاعِ﴾ [الرحمن، آية: ٤١] فعلم أن الأخذ بالرأس في قصّة موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام إنما أطلق على الأخذ بالناصية التي هي مقدم الرأس. وكذلك لا استبعاد في إطلاق المسح بالرأس على المسح بالناصية. وقال شيخنا المحمود قدس الله روحه: ((هب أن المراد في الآية مسح جميع الرأس - وهو المفروض، كما قاله مالك كثّثُ - إلا أن السنة قد تقيم الجزء مقام الكل في إسقاط الذمة. قال ابن القيم كثّفُ: في أعلام الموقعين(١): ألا ترى أن السنة قد جاءت فيمن نذر الصدقة بجميع ماله (١) قوله: ((أعلام الموقعين)) قال شيخنا العلامة المحدث المحقق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة - أطال الله بقاءه)) في تعليقاته على ((قواعد في علوم الحديث)) (ص ٩٧ - ٩٩): ((اضطربت ألسنة العلماء في ضبط اسم هذا الكتاب، فمنهم من يقوله: (إعلام الموقعين) بكسر الهمزة ... وبعضهم بقوله: (أعلام الموقعين) بفتح الهمزة)). وذكر دلائل الطرفين ثم سوغ كلا الضبطين. = ٤٣١ كتاب: الطهارة أنه يجزئه الثلث - مع قوله تعالى ﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ [الحج، آية: ٢٩]-؟ فأقام الثلث في النذر مقام الجميع رحمة بالناذر وتخفيفاً عنه، كما أقيم مقامه في الوصية رحمة بالوارث ونظراً له - مع قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء، آية: ١٢] -. وقد روى رزين عن أبي لبابة أنه قال للنبي ◌ّله: ((إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة، قال: يجزئ عنك الثلث)). كذلك نقول: إن المفروض في الأصل مسح كل الرأس إلا أنه يتأدى بمسح مقدمه الذي يقال له: الناصية، وذلك هو الربع وأحد جوانبه الأربعة، فإن الرأس: ناصية، وقذال، وفودان. قاله السرخسي تقُّ وإلى ما قال شيخنا نور الله مرقده أشار صاحب الهداية في أبواب المحرم والله أعلم. وبعد هذا فلا شك في أولوية استيعاب المسح بجميع الرأس وصحة أحاديثه، ولكن دون الجزم بالوجوب مفاوز. بقي الكلام في توحيد مسح الرأس وتثليثه، فليس في شيء من طرق حديث الباب في الصحيحين ذكر عدد للمسح، وبه قال أكثر العلماء. قال الحافظ ابن تيمية: ((مسح الرأس مرة مرة يكفي بالاتفاق، كما يكفي تطهير سائر الأعضاء مرة مرة، وتنازعوا في مسحه ثلاثاً: هل يستحب؟ فمذهب الجمور: أنه لا يستحب كمالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، وقال الشافعي وأحمد في رواية عنه: يستحب، لما في الصحيح: ((أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً)) وهذا عام، وفي سنن أبي داؤد ((أنه مسح برأسه ثلاثاً)) ولأنه عضو من أعضاء الوضوء، فسن فيه الثلاث كسائر الأعضاء، والأول أصح، فإن الأحاديث الصحيحة عن النبي و لو تبين أنه كان يمسح رأسه مرة واحدة، ولهذا قال أبو داود السجستاني: قال: ((ومما يتصل بالمقام أن اسم الكتاب ((إعلام الموقعين عن رب العالمين)) كما هو معروف مستفيض. = وأغرب قلم شيخ شيوخنا: الإمام الكشميري رحمه الله تعالى، فقال في كتابه العظيم ((فيض الباري بشرح صحيح البخاري)) ٢ / ٦٢٧، - وقد نقل فيه عن كتاب ابن القيم هذا -: ما صورته: ((ومرّ عليه ابن القيم في ((أعلام الموقعين))، والصحيح ((أعلام الموفقين)). انتهى. وأثبته بفتح الهمزة وبلفظ ((الموفقين)) بالفاء ثم القاف من التوفيق، وهو شيء غريب يعد من سبق القلم، وتغيير الاسم العَلَم وهو ليس بجائز إلا بنص عن صاحبه . وقد تابعه على هذه التسمية الغريبة للكتاب تلميذه شيخنا العلامة الجليل الشيخ محمد بدر عالم الميرتهي رحمه الله تعالى، في تعليقاته على ((فيض الباري)) وهي من إملاءات الإمام الكشميري أيضاً، وذلك في مواضع منها: ٢٥٩/٢ و٢٤١/٣، فأثبته ((أعلام الموفقين)). وقد علمت ما فيه، فلا تهم فيه)). انتهى. ٤٣٢ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ. ((أحاديث عثمان الصحاح تدل على أنه مسح مرة واحدة)) وبهذا يبطل ما رواه من مسحه ثلاثاً، فإنه يبين أن الصحيح أنه مسح رأسه مرة، وهذا المفصل يقضي على المجمل، وهو قوله: ((توضأ ثلاثاً ثلاثاً)) كما أنه لما قال: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول)) كان هذا مجملاً، وفسره حديث عمر أنه يقول عند الحيعلة: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) فإن الخاص المفسر يقضي على العام المجمل، وأيضاً فإن هذامسح، والمسح لا يسن فيه التكرار، كمسح الخف، والمسح في التيمم، ومسح الجبيرة، وإلحاق المسح بالمسح أولى من إلحاقه بالغسل، لأن المسح إذا كرر کان کالغسل)) اهـ. قال في البحر: ((وإذا كان التثليث غير مسنون، فهل يكره؟ فالمذكور في المحيط والبدائع: أنه يكره، وفي الخلاصة: أنه بدعة، وقيل: لا بأس به، وفي فتاوي قاضيخان: ((وعندنا لو مسح ثلاث مرات بثلاث مياه لا يكره، ولكن لا يكون سنة ولا أدباً))، وهو الأولى كما لا يخفى إذ لا دليل على الكراهة)) ورجح شارح المنية الكراهة، وأيده ابن عابدين في تعليقه على البحر، واستدل بحديث: ((من زاد على هذا فقد أساء وظلم)). قال البيهقي: ((وقد روي من أوجه غريبة عن عثمان رَبُّه تكرار المسح، إلا أنه مع خلاف الحفاظ ليس بحجة عند أهل العلم)) اهـ. قال في الهداية: ((والذي يروي من التثليث محمول عليه بماء واحد، وهو مشروع على ما روی الحسن عن أبي حنيفة». وقال الحافظ في الفتح: ((ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح - إن صحت - على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلة لجميع الرأس جمعاً بين الأدلة)). قال الزيلعي: ((وتكلموا في كيفية المسح، والأظهر أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم رأسه، ويمدهما إلى القفا على وجه يستوعب جميع الرأس، ثم يمسح أذنيه بإصبعيه)) اهـ. وما قيل من أنه: يجافي المسبحتين والإبهامين ليمسح بهما الأذنين، والكفين ليمسح بهما جانبي الرأس خشية الاستعمال، فقال في الفتح: ((لا أصل له في السنة، لأن الاستعمال لا يثبت قبل الانفصال، والأذنان من الرأس)). كذا في رد المحتار. قوله: (إلى الكعبين) إلخ: هما العظمان الناشزان من جانبي القدم، أي: المرتفعان. كذا في المغرب، وصححه في الهداية وغيرها . وروى هشام عن محمد: أنه في ظهر القدم عند معقد الشراك، قالوا: هو سهو من هشام، لأن محمداً إنما قال ذلك في المحرم إذا لم يجد النعلين، حيث يقطع خفيه أسفل من الكعبين، وأشار محمد بيده إلى موضع القطع، فنقله هشام إلى الطهارة، ويدل على ما قلنا من معنى ٤٣٣ كتاب: الطهارة ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ اَلَّ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ الكعبين ما رواه أبو داود: ((فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه)) كذا في البحر الرائق. قوله: (ثم قال: رأيت رسول الله (وَ (18) إلخ: في الحديث: التعليم بالفعل، لكونه أبلغ وأضبط للمتعلم. قوله: (فركع ركعتين) إلخ: فيه استحباب صلاة ركعتين عقب الوضوء. وفي الدر المختار: (وندب ركعتان بعد الوضوء، يعنى: قبل الجفاف)) اهـ. وهذه الصلاة تسمى بسنة الوضوء، وتحيته، وعبر عنها في شرح لباب المناسك - كما في رد المحتار - والحافظ ابن تيمية في ضمن مسئلة من فتاواه: بشكر الوضوء. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: كأن هذه الصلاة وضعت لعلم الشكر على التطهير الحسي والمعنوي، وقد ندب الله سبحانه وتعالى إلى هذا الشكر في خاتمة آية الوضوء من سورة المائدة، بقوله: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة، آية: ٦] والشكر لله تعالى موجب لمزيد الإنعام، وسبب للنجاة من المهالك، قال تعالى: ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم، آية: ٧] وقال في آل لوط. ظلّ: ﴿أََّّنَهُم بِسَحَرٍ ﴿٨َ نِعْمَةُ مِّنْ عِندِنَاْ كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ ﴾ [القمر، الآيتان: ٣٤، ٣٥]، فجزى الله تعالى من شكره على الوضوء والتطهير بمغفرة الذنوب ٣٥ المتقدمة، ولله الحمد. قال في المرقاة: ((ولو صلى فريضة حصلت له هذه الفضيلة (أي: فضيلة تحية الوضوء) كما تحصل تحية المسجد بذلك)). قوله: (لا يحدث فيهما نفسه) إلخ: أي: بشيء من الدنيا، كما رواه الحكيم الترمذي في كتاب الصلاة له، وحينئذ فلا يؤثر حديث نفسه في أمور الآخرة أو بتفكر في معاني ما يتلوه من القرآن، وقد كان عمر بن الخطاب رُبه يجهز جيشه في صلاته. لكن قال البرماوي في شرح العمدة: ((ينبغي تأويله أي: لكونه لا تعلق له بالصلاة، إذ السائغ إنما هو ما يتعلق بها من فهم المتلو فيها أو غيره، كما قرره الشيخ عز الدين بن عبد السلام)). وقال في الفتح: ((المراد ما تسترسل النفس معه، ويمكن المرء قطعه، لأن قوله: ((يحدث)) يقتضي تكسبًا منه، فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس، ويتعذر دفعه: فذلك معفو عنه)) وهو بلا ريب دون من سلم الكل، لأنه عليه الصلاة والسلام إنما ضمن الغفران لمن راعى ذلك بمجاهدة نفسه من خطرات الشياطين ونفيها عنه وتفرغ قلبه، ولا ريب أن المتجردين عن شواغل الدنيا الذين غلب ذكر الله على قلوبهم يحصل لهم ذلك. ٤٣٤ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وروي عن سعد ظُبه أنه قال: ((ما قمت في صلاة فحدثت نفسي فيها بغيرها)). قال الزهري كثّفه: ((رحم الله سعداً، إن كان لمأموناً على هذا، ما ظننت أن يكون هذا إلا في نبي)) كذا في إرشاد الساري. من قوله: ((إني لأجهز ◌ُّه قال الحافظ ابن تيمية: ((وأما ما يروى عن عمر بن الخطاب جيشي وأنا في الصلاة)) فذاك لأن عمر كان مأموراً بالجهاد، وهو أمير المؤمنين، فهو أمير الجهاد، فصار بذلك من بعض الوجوه بمنزلة المصلي الذي يصلي صلاة الخوف حال معاينة العدو، إما حال القتال وإما غير حال القتال، فهو مأمور بالصلاة ومأمور بالجهاد، فعليه أن يؤدي الواجبين بحسب الإمكان، وقد قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَثْبُتُواْ [الأنفال، آية: ٤٥] ومعلوم أن طمأنينة القلب حال الجهاد ٤٥ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لا تكون كطمأنينته حال الأمن، فإذا قدر أنه نقص من الصلاة شيء لأجل الجهاد لم يقدح هذا في كمال إيمان العبد وطاعته، ولهذا تخفف صلاة الخوف عن صلاة الأمن، ولما ذكر سبحانه وتعالى صلاة الخوف قال: ﴿فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةٌ إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ فالإقامة المأمور بها حال الطمأنينة لا يؤمر بها حال الخوف، ومع هذا فالناس متفاوتون في ذلك، فإذا قوي إيمان العبد كان حاضر القلب في الصلاة مع تدبره للأمور بها، وعمر قد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، وهو المحدّث المكلّم الملهّم، فلا ينكر لمثله أن يكون له مع تدبره جيشه في الصلاة من الحضور ما ليس لغيره، لكن لا ريب أن حضوره مع عدم ذلك يكون أقوى، ولا ريب أن صلاة رسول الله وسل# حال أمنه كانت أكمل من صلاته حال الخوف في الأفعال الظاهرة، فإذا كان الله قد عفا حال الخوف عن بعض الواجبات الظاهرة فكيف بالباطنة؟! وبالجملة فتفكر المصلي في الصلاة في أمر يجب عليه قد يضيق وقته ليس كتفكره فيما ليس بواجب، أو فيما لم يتضيق وقته، وقد يكون عمر رضيله لم يمكنه التفكر في تدبر الجيش إلا في تلك الحال، وهو إمام الأمة والواردات عليه كثيرة)) اهـ. وسيأتي المزيد في هذا البحث تحت قوله: ((فيحسن وضوءها وخشوعها)). قوله: (ما تقدم من ذنبه) إلخ: زاد ابن أبي شيبة: ((وما تأخر)). قال الحافظ تخلّفُ: ((ظاهره يعم الكبائر والصغائر، لكن العلماء خصوه بالصغائر لوروده مقيداً باستثناء الكبائر في غير هذه الرواية، وهو في حق من له كبائر وصغائر، فمن ليس له إلا صغائر كفرت عنه ومن ليس له إلا كبائر خفف عنه منها بمقدار ما لصاحب الصغائر، ومن ليس له صغائر ولا كبائر یزاد في حسناته بنظير ذلك)) اهـ. ٤٣٥ كتاب: الطهارة وقال السفاريني الحنبلي: ((اختلف الناس هل تكفر الأعمال الصالحة الكبائر والصغائر أم لا تكفر سوى الصغائر؟ فروي عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء: أنه يكفر الصغائر، وقال سلمان الفارسي رضيته: ((الوضوء يكفر الجراحات الصغائر، والمشي إلى المسجد يكفر أكبر من ذلك، والصلاة تكفر أكبر من ذلك)) أخرجه محمد بن نصر المروزي. وأما الكبائر فلا بد لها من التوبة، لأن الله أمر العباد بها، وجعل من لم يتب: ظالماً، فقال: ﴿لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ [الحجرات، آية: ١١]. وأما النصوص المتضمنة مغفرة الذنوب وتكفير السيئات للمتقين: فإنه سبحانه لم يبين في (تلك) الآيات خصال التقوى، ولا العمل الصالح، فإن من جملة ذلك التوبة النصوح، وأما من لم يتب فهو ظالم غير متق، واتفقت الأمة على أن التقوى فرض، والفرض لا تؤدى إلا بنية وقصد، ولو وقعت الكبائر مكفرة بالوضوء والصلاة أو أداء بقية أركان الإسلام: لم يحتج إلى التوبة، وهذا باطل بالإجماع، وأيضاً فلو كفرت الكبائر بفعل الفرائض لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى بالفرائض)). قال الحافظ ابن رجب: وهذا يشبه قول المرجئة وهو باطل كما ذكر ابن عبد البر في التمهيد، وحكى إجماع المسلمين على ذلك، واستدل عليه بأحاديث: منها قوله وَّ ر: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر)) متفق عليه من حديث أبي هريرة بنظ ◌ُه. وقد حكى ابن عطية في تفسيره قولين في معنى هذا الحديث: أحدهما عن جمهور أهل السنة أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر فإن لم يجتنب لم تكفر هذه الفرائض شيئاً بالكلية . والثاني أنها تكفر الصغائر مطلقاً، ولا تكفر الكبائر وإن وجدت، لكن بشرط عدم الإصرار عليها، مراده أنه إذا أصرت عليها صارت كبيرة، فلم تكفرها الأعمال. وفي صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان نظريته عن النبي وَلّ قال: ((ما من أمرئ مسلم يحضر صلاة مكتوب فيحسن وضوءها وخشوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله)) وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة. قال الحافظ ابن رجب: ((وقد ذهب قوم من أهل الحديث إلى هذه الأعمال تكفر الكبائر، منهم الإمام أبو محمد علي بن حزم الظاهري، وإياه عنى الإمام ابن عبد البر في كتاب التمهيد بالرد عليه، وقال: قد كنت أرغب نفسي عن الكلام في هذا الباب لولا قول ذلك القائل، وخشيت أن يغتر به جاهل فينهمك في الموبقات اتكالاً على أنها تكفرها الفرائض من الصلوات ونحوها دون الندم والاستغفار والتوبة، والله نسأله العصمة والتوفيق)). ٤٣٦ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ عُلَمَا ؤُنَا يَقُولُونَ: هَذَا الْوُضُوءُ أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ لِلصَّلاَةِ. قال الحافظ ابن رجب: ((الأظهر - والله أعلم - في هذه المسألة - يعني: مسألة تكفير الكبائر بالأعمال - أنه إن أريد أن الكبائر تمحي بمجرد الإتيان بالفرائض وتقع مكفرة بذلك كالصغائر باجتاب الكبائر: فهذا باطل، وإن أريد أنه قد يوازن يوم القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال فتمحي الكبير بما يقابلها من العمل ويسقط العمل، فلا يبقى له ثواب: فهذا قد يقع. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر رضيّه: ((أنه ضرب عبداً له، فأعتقه، وقال: ليس له فيه من الأجر مثل هذا، وأخذ عوداً من الأرض، إني سمعت رسول الله وسلم يقول: من لطم مملوكه أو ضربه فإن كفارته أن يعتقه)) فجعل ابن عمر رضيبه أن عتقه كفارة لذنبه وليس له فيه من الأجر شيء، حيث كان كفارة لذنبه، ولم يكن ذنبه من الكبائر، فكيف بما كان من الأعمال مكفراً للكبائر؟ وقد أخرج البزار في مسنده والحاكم في مستدركه من حديث ابن عباس شيئًا عن النبي وليته : (يؤتى بحسنات العبد وسيئاته يوم القيامة فيقص - أو يقضى - بعضها من بعض، فإن بقيت له حسنة وسع له بها في الجنة)) اهـ. قوله: (أسبغُ ما يتوضأ به أحد للصلاة) إلخ: الإسباغ في اللغة الإتمام، ومنه درع سابغ. قال النووي: ((معناه: هذا أتم الوضوء، وقد أجمع العلماء على كراهة الزيادة على الثلاث)). قال: ((وإنما تكون الرابعة بدعة ومكروهة)): إذا تعمد كونها رابعة، والله أعلم)). ومن تشديدات ابن عمر ثًا ما روى ابن المنذر بإسناد صحيح: ((أنه كان يغسل رجليه في الوضوء سبع مرات)). قال الحافظ: ((وكأنه بالغ فيهما دون غيرهما، لأنهما محل الأوساخ غالباً لاعتيادهم المشي حفاة والله أعلم)). قال الشيخ الأنور: ((ولعله - ربه - أخذ التسبيع في الطهارة من حديثه الذي رواه أبو داود في سننه: ((كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل البول من الثوب سبع مرات، فلم يزل رسول الله وَلل يسأل حتى جعلت الصلاة خمساً، والغسل من الجنابة مرة، وغسل البول من الثوب مرة) اهـ. وفي الدر المختار: ((لو زاد على الثلاث لطمأنينة القلب لا بأس به)) اهـ. لأنه أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه. وينبغي أن يقيد هذا بغير الموسوس، أما هو فيلزمه قطع مادة الوسواس عنه وعدم التفاته إلى التشكيك، لأنه فعل الشيطان. قال العلامة ابن عابدين: ((وفي التتارخانية عن الناطفي: لو زاد على الثلاث فهو بدعة، وهذا إذا لم يفرغ من الوضوء، أما إذا فرغ ثم استأنف الوضوء فلا يكره بالاتفاق)) اهـ. ومثله في ٤٣٧ كتاب: الطهارة ٥٣٨ - (٤) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ؛ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِإِنَاءٍ. فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ. فَغَسَلَهُمَا. ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنْاءِ. فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرفَقَيْنِ ثَلاَث مَرَّاتٍ. ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثَمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) . الخلاصة، وعارض في البحر دعوى الاتفاق بما في السراج: من أنه مكروه في مجلس واحد، وأجاب في النهر بأن ما مرّ فيما إذا أعاده مرة واحدة، وما في السراج فيما إذا كرره مراراً، ولفظه في السراج: ((لو تكرر الوضوء في مجلس واحد مراراً لم يستحب، بل يكره لما فيه من الإسراف فتدبر) اهـ. قلت: لكن يرد ما في شرح المنية الكبير حيث قال: ((وفيه إشكال لإطباقهم على أن الوضوء عبادة غير مقصودة لذاتها، فإذا لم يؤد به عمل مما هو المقصود من شرعيته: كالصلاة، وسجدة التلاوة، ومس المصحف: ينبغي أن لا يشرع تكراره قربة لكونه غير مقصود لذاته، فيكون إسرافاً محضاً، وقد قالوا في السجدة: لما لم كن مقصودة لم يشرع التقرب بها مستقلة، وكانت مكروهة، وهذا أولى)) اهـ. أقول: ويؤيده ما قاله ابن العماد في هديته: ((قال في شرح المصابيح: وإنما يستحب الوضوء إذا صلى بالوضوء الأول صلاة كذا في الشرعة والقنية)) اهـ. وكذا ما قاله المناوي في شرح الجامع الصغير للسيوطي تغذّقُ عند حديث ((من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات)) من: ((أن المراد بالطهر الوضوء الذي صلى به فرضاً أو نفلاً، كما بينه فعل راوي الخبر - وهو ابن عمر رضي ◌ُبه - فمن لم يصل به شيئاً لا يسن له تجديده)) اهـ. ومقتضى هذا كراهته وإن تبدل المجلس ما لم يؤد به صلاة أو نحوها، لكن ذكر سيدي عبد الغني النابلسي أن المفهوم من إطلاق الحديث مشروعيته، ولو بلا فصل بصلاة أو مجلس آخر، ولا إسراف فيما هو مشروع أما لو كرره ثالثاً أو رابعاً: فيشترط لمشروعيته الفصل بما ذكر. وإلا كان إسرافاً محضاً)) اهـ. فتأمل كذا في رد المحتار. ٤ - (٠٠٠) - قوله: (ثم أدخل يمينه في الإناء) إلخ: فيه أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يأخذ الماء لهما بيمينه. ٤٣٨ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٤) - باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه ٥٣٩ - (٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْئَةَ، وَإِسْحَاقُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُمْرَانَ، مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ(١) وَهُوَ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَجَاءَهُ الْمُوءَذِّنُ عِنْدَ الْعَصْرِ. فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ، لِأَحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثاً، لَوْلا آيَّةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ. فَيُصَلِّي صَلاةَ، إِلا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاَةِ الَّتِي تَلِيهَا)) . (٤) - باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه ٥ - (٢٢٧) - قوله: (وهو بفناء المسجد) إلخ: بكسر الفاء وبالمد، أي: بين يدي المسجد وفي جواره. قوله: (والله لأحدثنكم حديثاً) إلخ: فيه جواز الحلف من غير ضرورة الاستحلاف. قوله: (لولا آية في كتاب الله) إلخ: مراد عثمان به أن هذه الآية تحرض على التبليغ، وهي وإن نزلت في أهل الكتاب، لكن العبرة بعموم اللفظ، وإنما كان عثمان يرى ترك تبليغهم ذلك لولا الآية المذكورة خشية عليهم من الاغترار، والله أعلم. قوله: (فيحسن الوضوء) إلخ: أي: يأتي به تاماً بكمال صفته وآدابه، وفي هذا الحديث الحث على الاعتناء بتعلم آداب الوضوء وشروطه، والعمل بذلك، والاحتياط فيه، والحرص على أن يتوضأ على وجه يصح عند جميع العلماء، ولا يترخص بالاختلاف. قوله: (وبين الصلاة التي تليها) إلخ: أي: الصلاة المتأخرة، فهذه مغفرة للذنوب قبل أن يرتكبها، ومعناها تقدير أنه لا يؤاخذ بما يفعل، والله أعلم، كذا قال السندي كثُّهُ. وقد جاء في الموطأ: ((التي تليها حتى يصليها)). قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: ((حتى يصليها أي: يفرغ منها، ليشمل غفران صغيرة وقعت فيها كنظرة محرمة، وتفسير شيخنا له بالشروع فيها مخالف لظاهر اللفظ)) اهـ. (١) قوله: ((عثمان بن عفان)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثاً، رقم (١٦٠) وانظر أيضاً ما ذكرناه في التعليقة السابقة من تخريج حديثه، والنسائي في سننه، في كتاب الطهارة، باب ثواب من توضأ كما أمر، رقم (١٤٦)، وأبو داود في سننه في كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ◌َّر، رقم (١٠٦) و(١٠٩). وابن ماجه في سننه، في كتاب الطهارة وسننها، باب ثواب الطهور، رقم (٢٨٥). ٤٣٩ كتاب: الطهارة ٥٤٠ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. جَمِيعاً عَنْ مِشَامِ، بِهِذَّا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ: ((فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ)). ٥٤١ - (٦) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَكِنْ عُزْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ؛ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: وَاللَّهِ، لأَحَدْثَنَّكُمْ حَدِيثاً. وَاللَّهِ، لَوْلا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِنِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((لا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلاةَ. إِلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاَةِ الَّتِي تَلِيهَا)) . قَالَ عُرْوَةُ: الآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْهُدَى﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿اَلَّمِنُونَ﴾ [البقرة : ! ٥٤٢ - (٧) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ. فَدَعَا بِطَهُورٍ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ بَّه يَقُولُ: ((مَا مِن امْرِىءٍ مُسْلِم تَخْضُرُهُ صَلاَةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا، إِلاَّ ٦ - (٠٠٠) - قوله: (قال ابن شهاب: ولكن عروة يحدث عن حمران) إلخ: هذا إسناد اجتمع فيه أربعة تابعيون مدنيون، يروي بعضهم عن بعض. قال الحافظ: ((معنى قوله: ولكن عروة تَّهُ يحدث أن شيخي ابن شهاب - عطاء وعروة - اختلفا في روايتها له عن حمران عن عثمان، فحدثه به عن عطاء على صفة، وعروة على صفة، وليس ذلك اختلافاً، وإنما هما حديثان متغايران، وقد رواهما معاذ بن عبد الرحمن)). قوله: (قال عروة: الآية إن الذين يكتمون) إلخ: وقد روى مالك هذا الحديث في الموطأ عن هشام بن عروة: ولم يقع فيه تعيين الآية، فقال من قبل نفسه: ((أراه يريد: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود، آية: ١١٤] انتهى. وما ذكره عروة راوي الحديث بالجزم أولى، والله أعلم. والآية وإن نزلت في أهل الكتاب: ففيها تنبيه وتحذير لمن فعل فعلهم وسلك سبيلهم، مع أن النبي ◌ُّه قد عمم في الحديث المشهور ((من كتم علماً ألجمه الله بلجام من النار)). ٧ - (٢٢٨) - قوله: (فيحسن وضوءها وخشوعها) إلخ: قال الحافظ في الفتح: ((الخشوع تارة يكون من فعل القلب، كالخشية، وتارة من فعل البدن، كالسكون. وقيل: لا بد من ٤٤٠ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم اعتبارهما، حكاه الفخر الرازي في تفسيره. وقال غيره: هو معنى يقوم بالنفس يظهر عنه سكون في الأطراف، يلائم مقصود العبادة، ويدل على أنه من عمل القلب حديث علي ((الخشوع في القلب)) أخرجه الحاكم. وأما حديث ((لو خشع هذا خشعت جوارجه)) ففيه إشارة إلى أن الظاهر عنوان الباطن. روى البيهقي بإسناد صحيح عن مجاهد قال: ((كان ابن الزبير أنه إذا قام في الصلاة كأنه عود، وحدث أن أبا بكر الصديق ظته كان كذلك، قال: وكان يقال: ذاك الخشوع في الصلاة)). وقد حكى النووي كثّفُ الإجماع عى أن الخشوع ليس بواجب. قال ابن بطال: ((فإن قال قائل: فإن الخشوع فرض في الصلاة، قيل له: بحسب الإنسان أن يقبل على صلاته بقلبه ونيته، ويريد بذلك وجه الله عزّ وجل ولا طاقة له بما اعترضه من الخواطر)). وحاصل كلامه: أن القدر المذكور هو الذي يجب من الخشوع، وما زاد على ذلك فلا . وأنكر ابن المنير إطلاق الفرضية، وقال: ((الصواب أن عدم الخشوع تابع لما يظهر عنه من الآثار، وهو أمر متفاوت، فإن أثّر نقصاً في الواجبات كان حراماً، وكان الخشوع واجباً، وإلا فلا)) . وفي شرح المقدمة الكيدانية للقهستاني: ((يجب حضور القلب عند التحريمة، فلو اشتغل قلبه بتفكر مسألة - مثلاً - في أثناء الأركان فلا تستحب الإعادة. وقال البقالي: لم ينقص أجره إلا إذا قصر. وقيل: يلزم في كل ركن، ولا يؤاخذ بالسهو، لأنه معفو عنه، لكنه لم يستحق ثواباً» كذا في رد المحتار. وقال الإمام الهمام أبو حامد الغزالي تغلُّ بعد ما أشبع في اشتراط الخشوع وإيجابه في الصلاة، وجلب بكل رجل وخيل: ((ومع هذا فلا مطمع في مخالفة الفقهاء في ما أفتوا به من الصحة، أي: صحة الصلاة، مع الغفلة، فإن ذلك ضرورة المفتي. والحاصل أن حضور القلب هو روح الصلاة وحياتها، وإن أقل ما يبقى فيه رمق الروح الحضور عند التكبير بالقلب، فالنقصان عنه هلاك، وبقدر الزيادة عليه تنبسط الروح في أجزاء الصلاة، وكم من حي لا حراك به قريب من ميت، فصلاة الغافل في جميعها أي: جميع أجزاءها إلا عند التكبير كحي لا حراك به، نسأل الله حسن العون)) اهـ. قال في الدر المختار: ((المعتمد أن العبادة ذات الأفعال تنسحب نيتها على كلها، فإن افتتح خالصاً ثم خالطه الرياء اعتبر السابق)). وقال في موضع آخر: «وشرط في أدائها (أي: