النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كتاب: الإيمان
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ(١)؛ ((أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ ثَلاَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ
◌ِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِىِ فَإِنَّهُ مِنِّى﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية. وقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ:
﴾ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ
(١١٨)
﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وَقَالَ: اللَّهُمَّ، أُمَّتِي أُمَّتِي. وَبَكَى. فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ
قوله: (رب إنهن أضللن كثيراً) إلخ: أي: الأصنام صرن سبب ضلال.
قوله: (﴿فَمَنْ تَّبِعَنِى فَإِنَُّ مِنِّ﴾ [إبراهيم، آية: ٣٦]) إلخ: أي: من تبعني في التوحيد والإخلاص
والتوكل: فإنه من أتباعي وأشياعي.
قوله: (وقال عيسى علَّا) إلخ: قال عياض: ((قال بعضهم: قوله: ((قال عيسى)) هو اسم
للقول لا فعل، يقال: قال قولا وقالا وقيلا، كأنه قال: وتلا قول عيسى ظلّلا.
قوله: (﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة، آية: ١١٨]) إلخ: قال الحافظ ابن القيم: ((قول
المسيح هنا ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَبِزُ الْحَكِيمُ﴾ أحسن من أن يقول: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ﴾
أي: إن غفرت لهم كان مصدر مغفرتك عن عزة، وهي كمال القدرة، وعن حكمة، وهي كمال
العلم، فمن غفر عن عجز وجهل بجرم الجاني: فأنت لا تغفر إلا عن قدرة تامة وعلم تام وحكمة
تضع بها الأشياء مواضعها، فهذا أحسن من ذكر الغفور الرحيم في هذا الموضع الدال ذكره على
التعريض بطلب المغفرة في غير حينها وقد فاتت، فإنه لو قال: ((وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور
الرحيم)) كان في هذا من الاستعطاف والتعريض بطلب المغفرة لمن لا يستحقها ما نزّه عنه منصب
المسيح، لا سيما والموقف موقف عظمة وجلالة، وموقف انتقام ممن جعل الله ولداً، أو اتخذه
إلهاً من دونه، فذكر العزة والحكمة فيه أليق من ذكر الرحمة والمغفرة، وهذا بخلاف قول
الخليل فتُلِّ: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرً مِّنَ النَّاسِِ فَمَن تَبِعَنِىِ فَإِنَُّ مِنِى وَمَنْ
عَصَانِىِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم، الآيتان: ٣٥، ٣٦] ولم يقل: ((فإنك عزيز حكيم)) لأن المقام مقام
استعطاف وتعريض بالدعاء، أي: أن تغفر له وترحمه، بأن توفقه للرجوع من الشرك إلى التوحيد،
ومن المعصية إلى الطاعة، كما في الحديث: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)).
وفي هذا أظهر الدلالة على أن أسماء الرب تعالى مشتقة من أوصاف ومعان قامت به، وأن
كل اسم يناسب ما ذكر معه، واقترن به من فعله وأمره، والله الموفق للصواب.
قوله: (فرفع یدیه) إلخ: فيه استحباب رفع اليدين في الدعاء.
قوله: (اللهم أمتي أمتي) إلخ: فيه كمال شفقة النبي وَّ عى أمته، واعتنائه بمصالحهم،
واهتمامه بأمرهم.
(١) قوله: ((عن عبد الله بن عمرو بن العاص)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب، باب تبل
الرحم بيلالها، رقم (٥٩٩٠).
٠

٣٨٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فَسَأَلَهُ. فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ بِمَا
قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ آللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلاَ
نَسُوءُكَ)).
(٨٨) - باب: بيان أن من مات على الكفر فهو في النار
ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين
٤٩٩ - (٣٤٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةً
عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ(١)؛ ((أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّارِ فَلَمَّا قَفَّى
دَعَاهُ فَقَالَ: إِنَّ أَبِى وَأَبَاكَ فِي الَّارِ)) .
قال السندي كافه: ((كان بكاؤه ودعاؤه لأمته عند تذكره هاتين الآيتين من ذكر شفقة هذين
النبيين الكريمين على أمتيهما، فعند ذلك أخذه ويل﴿ كمال الشفقة على أمته فدعا لهم وبكى)).
قوله: (يا جبريل اذهب إلى محمد) إلخ: فيه إظهار شرف النبي ◌َّر، وأنه بالمحل الأعلى،
﴾ [الضحى، آية: ٥].
فيسترضى ويكرم بما يرضيه، قال الله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ
قوله: (وربك أعلم) إلخ: جملة معترضة حالية دفعا لما يوهمه قوله: ((فاسأله)).
قوله: (إنا سنرضيك) إلخ: أي: سنجعلك راضياً في حق أمتك.
قوله: (ولا نسوءك) إلخ: أي: ولا نحزنك في حق الجميع، بل ننجيهم، ولأجل رضاك
نرضيهم، وهو في المعنى تأكيد إذ ربما يتوهم من ((سنرضيك)) نرضيك في حق البعض، ولذا قال
بعضهم: ما يرضى محمد وأحد من أمته في النار، كذا في المرقاة.
(٨٨) - باب: بيان أن من مات على الكفر فهو في النار
ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين
٣٤٧ - (٢٠٣) - قوله: (فلما قفا) إلخ: أي: ولى قفاه منصرفاً.
قوله: (إن أبي وأباك في النار) إلخ: هو من حسن العشرة للتسلية بالاشتراك في المصيبة.
قال النووي: ((فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه:
أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا
مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله
تعالی وسلامه عليهم أجمعين)).
(١) قوله: ((عن أنس)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب السنة، باب في ذراري المشركين، رقم
(٤٧١٨).

٣٨٣
كتاب: الإيمان
قال العلامة ابن حجر في الزواجر: ((إن نبينا ◌َ﴾ قد أكرمه الله تعالى بحياة أبويه له حتى
آمنا به، كما في حديث صححه القرطبي وابن ناصر الدين حافظ الشام وغيرهما: ((فانتفعا
بالإيمان بعد الموت على خلاف القاعدة إكراماً لنبيه وَ ل98)) كذا في رد المحتار.
قال ابن عابدين: ((وهذا لا ينافي ما قاله الإمام في الفقه الأكبر من أن والديه وَ ليل ماتا على
الكفر ولا ما في صحيح مسلم: ((استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي))، وما فيه أيضاً:
((أن رجلاً قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفا دعاه، فقال: إن أبي وأباك في
النار)) لإمكان أن يكون الإحياء بعد ذلك. وأما الاستدلال على نجاتهما بأنهما ماتا في زمن
الفترة فهو مبني على أصول الأشاعرة أن من مات ولم تبلغه الدعوى يموت ناجياً. أما
الماتريدية: فإن مات قبل مضي مدة يمكنه فيها التأمل ولم يعتقد إيماناً ولا كفراً فلا عقاب عليه،
بخلاف ما إذا اعتقد كفراً، أو مات بعد المدة غير معتقد شيئاً. نعم! البخاريون من الماتريدية
وافقوا الأشاعرة وحملوا قول الإمام: ((لا عذر لأحد في الجهل بخالقه)) على ما بعد البعثة،
واختاره المحقق ابن الهمام في التحرير، لكن هذا في غير من مات معتقداً للكفر، فقد صرح
النووي والفخر الرازي بأن من مات قبل البعثة مشركاً فهو في النار، وعليه حمل بعض المالكية
ما صح من الأحاديث في تعذيب أهل الفترة بخلاف من لم يشرك منهم، ولم يوحد، بل بقي
عمره في غفلة من هذا كله، ففيهم الخلاف، وبخلاف من اهتدى منهم بعقله كقس بن ساعدة
وزيد بن عمرو بن نفيل، فلا خلاف في نجاتهم، وعلى هذا فالظن في كرم الله تعالى أن يكون
أبواه السل من أحد هذين القسمين، بل قيل: إن آباءه وَّ كلهم موحدون لقوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّكَ فِ
السََّجِدِينَ ﴿َ﴾ [الشعراء، آية: ٢١٩] لكن رده أبو حيان في تفسيره بأنه قول الرافضة، ومعنى الآية:
وترددك في تصفح أحوال المتهجدين، فافهم. وبالجملة كما قال بعض المحققين: أنه لا ينبغي
ذكر هذه المسألة إلا مع مزيد الأدب، وليست من المسائل التي يضر جهلها، أو يسأل عنها في
القبر، أو في الموقف، فحفظ اللسان عن التكلم فيها إلا بخير أولى وأسلم)).
تنبيه:
قال بعض المحدثين: إن الصحيح في أصحاب الفترة أنهم يمتحنون يوم القيامة، فلا يحكم
مطلقاً بأنهم أصحاب الجنة، أو أصحاب النار)) قال الحافظ في الفتح: ((وقد صحت مسألة
الامتحان في حق المجنون، ومن مات في الفترة: من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في كتاب
الاعتقاد أنه المذهب الصحيح، وتعقب بأن الآخرة ليست دار تكليف فلا عمل فيها ولا ابتلاء،
وأجيب بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة أو النار، وأما في عرصات القيامة فلا مانع من
[القلم، آية: ٤٢]
ذلك، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَّكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى الشُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ
وفي الصحيحين: ((أن الناس يؤمرون بالسجود فيصير ظهر المنافق طبقاً فلا يستطيع أن يسجد)).

٣٨٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٨٩) - باب: في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ﴾
٥٠٠ _ (٣٤٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنٍ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ قَالَ: ((لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيَتَكَ اُلْأَفْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] دَعَا رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ قُرَيْشاً، فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ وَخَصَّ.
فَقَالَ: يَا بَنِي كَعْبٍ بْنِ لُؤَيٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي مُرَّة بْنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ
النَّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ.
[(٨٩) - باب: في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلْأَقْرَبِينَ﴾]
٣٤٨ - (٢٠٤) - قوله: (عن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية) إلخ: قال الحافظ في
أبواب التفسير من الفتح: ((هذا من مراسيل الصحابة، وبذلك جزم الإسماعيلي، لأن أبا هريرة
إنما أسلم بالمدينة وهذه القصة وقعت بمكة، وابن عباس كان حينئذٍ إما لم يولد وإما طفلاً،
ويؤيد الثاني نداء فاطمة، فإنه يشعر بأنها كانت حينئذ بحيث تخاطب الأحكام، وقد قدمت في
باب من انتسب إلى آبائه في أوائل السيرة النبوية احتمال أن تكون هذه القصة وقعت مرتين، لكن
الأصل عدم تكرار النزول، وقد صرح في هذه الرواية بأن ذلك وقع حين نزلت، نعم! وقع عند
الطبراني من حديث أبي أمامة قال: ((لمانزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾ [الشعراء، آية: ٢١٤] جمع
رسول الله وَل بني هاشم ونساءه وأهله، فقال: يا بني هاشم، اشتروا أنفسكم من النار، واسعوا
في فكاك رقابكم، يا عائشة بنت أبي بكر، يا حفصة بنت عمر، يا أم سلمة)) فذكر حديثاً طويلاً،
فهذا إن ثبت دل على تعدد القصة، لأن القصة الأولى وقعت بمكة لتصريحه في حديث الباب أنه
صعد الصفا، ولم تكن عائشة وحفصة وأم سلمة عنده ومن أزواجه إلا بالمدينة فيجوز أن يكون
متأخرة عن الأولى، فيمكن أن يحضرها أبو هريرة وابن عباس أيضاً، ويحمل قوله: (لمانزلت
جمع) أي: بعد ذلك، لا أن الجمع وقع على الفور، ولعله كان نزل أولاً ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيَتَكَ
(٢٤)
فجمع قريشاً فعم ثم خص، كما سيأتي، ثم نزل ثانياً (ورهطك منهم المخلصين)
اُلْأَقْرَيِّينَ
فخص بذلك بني هاشم ونساءه، والله أعلم)) كذا في الفتح.
قوله: (أنقذوا أنفسكم من النار) إلخ: أي: بإحداث الإيمان إن لم يكن مؤمناً، وبإبقائه إن
كان مؤمناً. والله أعلم.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء
والولد في الأقارب، رقم (٢٧٥٣) وفي كتاب المناقب، باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية،
رقم (٣٥٢٧). وفي كتاب التفسير، تفسير سورة الشعراء، باب ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ رقم (٤٧٧١).
والنسائي في سننه، في كتاب الوصايا، باب إذا أوصى لعشيرته الأقربين، رقم (٣٦٧٤) و (٣٦٧٦)
و(٣٦٧٧). والترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب ومن سورة الشعراء، رقم (٣١٨٥).

٣٨٥
كتاب: الإيمان
يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا فَاطِمَةُ،
أَنْقِذِي نَفْسَكَ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً. غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِماً سَأَبُّهَا بِبَلَاَلِهَا)).
٥٠١ - (٣٤٩) ٤٢٢ - وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيريُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ. بِهِذَا الإِسْنَادِ، وَحَدِيثُ جَرِيرٍ أَتَمُّ وَأَشْبَعُ.
٥٠٢ - (٣٥٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ وَيُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ،
قَالا: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ(١)؛ قَالَّتْ: ((لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
اُلْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَامَ رَسُولُ اللّهِ نِ ﴿ عَلَى الصَّفَا فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ،
قوله: (فإني لا أملك لكم من الله) إلخ: أي: بدون الإيمان.
قوله: (غير أن لكم رحما سأبلها بيلالها) إلخ: قال النووي: ((ضبطنا قوله ((ببلالها)) بفتح
الموحدة وبكسرها، وهما وجهان مشهوران)). وقال عياض: ((رويناه بالكسر، ورأيته للخطابي
بالفتح، وقال ابن التين: هو بالفتح للأكثر، ولبعضهم بالكسر. قلت: وبالكسر أوجه، فإنه من
البلال جمع بلل، مثل جمل وجمال، ومن قاله بالفتح بناه على الكسر مثل: قطام، وجذام،
والبلال بمعنى البلل، وهو النداوة، وأطلق ذلك على الصلة كما أطلق اليبس على القطيعة، لأن
النداوة من شأنها تجميع ما يحصل فيها، وتأليفه بخلاف الييس، فمن شأنه التفريق)).
وقال الخطابي وغيره: ((بللت الرحم بلا وبلالا، أي: ندّيتها بالصلة، وقد أطلقوا على
الإعطاء: الندي، وقالوا في البخيل: ما تندي كفه بخير، فشبهت قطيعة الرحم بالحرارة،
ووصلها بالماء الذي يطفئ ببرده الحرارة، ومنه الحديث: ((بُلوا أرحامكم ولو بالسلام)) وقال
الطيبي وغيره: شبه الرحم بالأرض التي إذا وقع عليها الماء وسقاها حق سقيها أزهرت ورؤيت
فيها النضارة، فأثمرت المحبة والصفاء، وإذا تركت بغير سقي يبست وبطلت منفعتها فلا تثمر إلا
البغضاء والجفاء، ومنه قولهم: سنة جماد، أي: لا مطر فيها، وناقة جماد أي: لا لبن فيها)).
وقال الطيبي: في قوله ((ببلالها)) مبالغة بديعة، وهي مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ
زِلْزَلَا ﴾ [الزلزلة، آية: ١] أي: زلزالها الشديد الذي لا شيء فوقه، فالمعنى أبلها بما اشتهر
وشاع، بحيث لا أترك منه شيئاً. كذا في الفتح.
٣٥٠ - (٢٠٥) - قوله: (يا فاطمة بنت محمد) إلخ: يجوز نصب فاطمة، وكذا صفية،
وعباس، وضمهم، والنصب أفصح وأشهر، وأما ((بنت)) و((ابن)) فمنصوب لا غير. كذا في
الشرح .
(١) قوله: ((عن عائشة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الوصايا، باب إذا أوصى لعشيرته الأقربين،
رقم (٣٦٧٨). والترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب ومن سورة الشعراء. رقم (٣١٨٤).

٣٨٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً. سَلُونِي مِنْ
مَالِي مَا شِئْتُمْ)).
٥٠٣ - (٣٥١) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ(١)
قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً. يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ،
لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً. يَا عَبَّسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً.
يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً. يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، سَلِينِي
بِمَا شِئْتٍ. لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)).
٥٠٤ - (٣٥٢) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ، نَحْوَ هَذَا.
٥٠٥ _ (٣٥٣) حدّثنا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ
عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِّقِ، وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو(٢)؛ قَالاَ: لَّمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ
عَشِيرَتَكَ الْأَقْبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ: انْطَلَقَ نَبِيُّ اللَّه ◌ِهِ إِلَّى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ. فَعَلاَ أَعْلاَهَا
قوله: (يا صفية بنت عبد المطلب) إلخ: هي أم الزبير بن العوام، وأفرد ◌َّ لشدة قرابتهم.
٣٥١ - (٢٠٦) - قوله: (اشتروا أنفسكم) إلخ: أي: باعتبار تخليصها من النار، كأنه قال:
أسلموا تسلموا من العذاب، فكان ذلك كالشراء، كأنهم جعلوا الطاعة ثمن النجاة، وأما قوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ [التوبة، آية: ١١١] فهناك المؤمن بائع باعتبار تحصيل
الثواب، والثمن: الجنة، وفيه إشارة إلى أن النفوس كلها ملك الله تعالى، وأن من أطاعه حق
طاعته في امتثال أوامره واجتناب نواهيه وفي ما عليه من الثمن، وبالله التوفيق.
٣٥٣ - (٢٠٧) - قوله: (عن قبيصة بن المخارق) إلخ: بضم الميم وبالخاء المعجمة.
قوله: (إلى رضمة من جبل) إلخ: الرضمة واحدة الرضم والرضام، وهي صخور عظام
بعضها فوق بعض، وهي بفتح الراء وإسكان الضاد المعجمة وبفتحها لغتان.
(١) قوله: ((أبا هريرة)) انظر لتخريجه ما خرّجناه قبل من حديث رقم (٥١١).
(٢) قوله: ((عن قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو)) لم أجد هذا الحديث عند أحد من أصحاب الأصول الستة
سوی مسلم رحمه الله.

٣٨٧
كتاب: الإيمان
حَجَراً. ثُمَّ نَادَى ((يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافَاهُ، إِنِّي نَذِيرٌ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ
فَانْطَلَقَ يَرْبَأَ أَهْلَهُ. فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ فَجَعَلَ يَهْتِفُ: يَا صَبَاحَاه)).
٥٠٦ _ (٣٥٤) وَحَدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَىُ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو
عُثْمَانَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو وَقَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، عَنِ النَّبِّ وَّرَ. بِنَحْوِهِ.
٥٠٧ _ ٣٥٥ / وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْروِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيد بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)؛ قَالَ: ((لَمَّا نَزَلَثَ
﴾ [الشعراء: ٢١٤] وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. خَرَجَ
(٢١٤)
هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لِّ حَتَى صَعِدَ الصَّفَا. فَهَتَفَ يَا صَبَاحَاهْ! فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا:
مُحَمَّدٌ. فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا بَنِي فُلاَنٍ، يَا بَنِي فُلاَنٍ، يَا بَنِي فُلاَنٍ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ،
قوله: (يربأ أهله) إلخ: بفتح الياء وإسكان الراء بعدها باء موحدة، ثم همزة على وزن
((يقرأ)) ومعناه: يحفظهم ويتطلع لهم، ويقال لفاعل ذلك: ربئة، وهو: العين، والطليعة الذي
ينظر للقوم لئلا يدهمهم العدو، ولا يكون في الغالب إلا على جبل أو شرف أو شيء مرتفع لينظر
إلى بعد.
قوله: (فخشي أن يسبقوه) إلخ: أي: يسبقه العدو.
قوله: (فجعل يهتف) إلخ: بفتح الياء وكسر التاء، أي: يصيح ويصرخ.
قوله: (يا صباحاه) إلخ: كلمة يعتادونها عند وقوع أمر عظيم، فيقولون ليجتمعوا ويتأهبوا
له، والله أعلم.
٣٥٥ - (٢٠٨) - قوله: (ورهطك منهم المخلصين) إلخ: بفتح اللام، وهذه الزيادة وصلها
الطبري من وجه آخر عن عمرو بن مرة أنه كان يقرأها كذلك. قال القرطبي: ((لعل هذه الزيادة
كانت قرآنا فنسخت تلاوتها)) ثم استشكل ذلك بأن المراد إنذار الكفار، والمخلص صفة المؤمن.
(١) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجنائز، باب ذكر شرار الموتى،
رقم (١٣٩٤)، وفي كتاب المناقب، باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام، رقم (٣٥٢٥) و(٣٥٢٦)، وفي
كتاب التفسير، تفسير سورة الشعراء، باب: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ رقم (٤٧٧٠)، وفي تفسير سورة
سبأ، باب: ﴿إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ رقم (٤٨٠١)، وفي تفسير سورة اللهب، باب
(بلا ترجمة) رقم (٤٩٧١)، وباب ((وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب)) رقم (٤٩٧٢)، وباب قوله:
((سيصلى ناراً ذات لهب)) رقم (٤٩٧٣). والترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب ((ومن سورة تبت
یدا)) رقم (٣٣٦٣).

٣٨٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاَ تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا
الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِباً. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ
شدید».
قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبِ: تَبَّ لَكَ، أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّ لِهِذَا؟ ثُمَّ قَامَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وقد تَّبَّ﴾ [السد: ١].
كَذَا قَرَأَ الأَعْمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
والجواب عن ذلك أنه لا يمتنع عطف الخاص على العام، فقوله: ﴿وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾ عام فيمن
آمن منهم ومن لم يؤمن، ثم عطف عليه الرهط المخلصين تنويهاً بهم وتأكيداً.
قوله: (أرأيتكم لو أخبرتكم) إلخ: أراد بذلك تقريرهم بأنهم يعلمون صدقه إذا أخبر عن
الأمر الغائب، ووقع في حديث علي: ((ما أعلم شابًّا من العرب جاء قومه بأفضل ما جئتكم به
بخير الدنيا والآخرة)) .
قوله: (بسفح هذا الجبل) إلخ: بفتح السين هو أسفله وعرضه.
قوله: (أکنتم مصدقي) إلخ: بتشديد الدال والياء.
قوله: (تَبًّا لك) إلخ: التباب: الخسار، وتبّ: خسر.
قوله: (فنزلت هذه السورة: ((تبت يدا أبي لهب))) إلخ: وفي سيرة ابن هشام: ((وقال ابن
إسحاق: وحدثت أنه (أي: أبا لهب) كان يقول في بعض ما يقول: يعدني محمد أشياء لا أراها
يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يدي بعد ذلك، ثم ينفخ في يديه، ويقول: تبا لكما
ما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ [المسد،
آية: ١] اهـ.
قال القاضي عياض: ((واستدل بهذه السورة على جواز تكنية الكافر، وفيه خلاف بين
العلماء، كذا قيل. وفي إطلاقه نظر لأن الذي منع من ذلك إنما منع منه حيث يكون السياق يشعر
بتعظيمه، بخلاف ما إذا كان لشهرته بها دون غيرها كما في هذا، أو للإشارة إلى ما يؤول أمره
إليه من لهب جهنم، ويحتمل أن يكون ترك ذكره باسمه لقبح اسمه، لأن اسمه، كان عبد العزی،
ويمكن جواب آخر وهو أن التكنية لا تدل بمجردها على التعظيم، بل قد يكون الاسم أشرف من
الكنية، ولهذا ذكر الله الأنبياء بأسمائهم دون كناهم».
قوله: (كذا قرأ الأعمش) إلخ: يعني: أن الأعمش زاد لفظة: ((قد)) بخلاف القراءة
المشهورة .
قوله: (إلى آخر السورة) إلخ: يعني: أتم القراءة إلى آخر السورة، كما يقرأها الناس.

٣٨٩
كتاب: الإيمان
٥٠٨ _ (٣٥٦) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً
عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: ((صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ وَلْهِ ذَاتَ يَوْمِ الصَّفَا فَقَالَ:
يَا صَبَاحَاه!)). بِنَحوِ حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ. وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الْآيَةِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِيِنَ
(٢١٤
٠
(٩٠) - باب: شفاعة النبي 4* لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه
٥٠٩ - (٣٥٧) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ
الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ. قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُوَ عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
عُمَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (١)؛ أَنَّهُ قَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ.
هُوَ فِي ضَخْضَاحِ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلاَ أَنَا
٣٥٦ - (٠٠٠) - قوله: (ولم يذكر نزول الآية: وأنذر عشيرتك) إلخ: والسر في الأمر
بإنذار الأقربين أولاً أن الحجة إذا قامت عليهم تعدّت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علة للأبعدين في
الامتناع، وأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة فيحابيهم في الدعوة
والتخويف، فلذلك نص له على إنذارهم
(٩٠) - باب: شفاعة النبي ◌ٍَّ﴾ لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه
٣٥٧ - (٢٠٩) - قوله: (يحوطك) إلخ: بضم الحاء المهملة من الحياطة، وهي المراعاة،
وفيه تلميح إلى ما ذكره ابن إسحاق قال: ((ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحدة قبل
الهجرة بثلاث سنين، وكانت خديجة له وزيرة صدق على الإسلام، يسكن إليها، وكان أبو طالب
له عضدا وناصرا على قومه، فلماهلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صل﴿ من الأذى ما لم
تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه تراباً، فحدثني
هشام بن عروة عن أبيه، قال: دخل رسول الله وَله يقول: ((ما نالتني قريش شيئاً أكرهه حتى مات
أبو طالب)).
قوله: (ويغضب لك) إلخ: يشير إلى ما كان يردُّ به عنه من قول وفعل.
قوله: (نعم هو في ضحضاح من نار) إلخ: بضادين معجمتين مفتوحتين، والضحضاح ما
(١) قوله: ((عن العباس بن عبد المطلب)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مناقب الأنصار، باب
قصة أبي طالب، رقم (٣٨٨٣)، وفي كتاب الأدب، باب كنية المشرك، رقم (٦٢٠٨)، وفي كتاب الرقاق،
باب صفة الجنة والنار، رقم (٦٥٧٢).

٣٩٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)».
٥١٠ - (٣٥٨) حدّثنا ابْنُ أَبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا طَالِبٍ
كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ، فَهَلْ نَفَعُهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ. وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ فَأَخْرَجْتُّهُ
إِلَى ضَخْضَاحٍ)).
٥١١ - (٣٥٩) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ. قَالَ: أَخْبَرَنِي
الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، بِهِذَا
الإِسْنَادِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َََّّ. بِنَحْوِ حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَةً.
٥١٢ - (٣٦٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
خَبَّابِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهَ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ. فَقَالَ:
((لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
رقّ من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين واستعير في النار.
قوله: (لكان في الدرك الأسفل) إلخ: الدرك بفتح الراء وإسكانها، لغتان فصيحتان
مشهورتان، والفتح أكثر في الاستعمال قاله الزجاج.
وقال أبو حاتم: ((جمع الدرّك - بالفتح - أدراك، كجمل وأجمال، وفرس وأفراس، وجمع
الدرك - بالإسكان - أدرُك، كفلس وأفلس، والدرك الأسفل: قعر جهنم، وأقصى أسفلها،
ولجهنم أدراك، فكل طبقة من أطباقها تسمى دركاً. والله أعلم)).
٣٥٨ - (٠٠٠) - قوله: (وجدته في غمرات من النار) إلخ: بفتح الغين والميم، واحدتها
غمرة بإسكان الميم، وهي المعظم من الشيء.
قال السندي: ((الظاهر أن المراد وجدته وهو مستحق لذلك مقضي عليه به يوم القيامة،
لولا ما فعله بي وشفاعتي له، وقوله: ((فأخرجته)) أي: فشفعت له حتى صار ممن يقضي عليه يوم
القيامة الضحضاح)).
٣٦٠ - (٢١٠) - قوله: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة) إلخ: ظهر من حديث عباس
المتقدم قريباً وقوع هذا الترجي.
(١) قوله: ((عن أبي سعيد الخدري)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مناقب الأنصار، باب قصة
أبي طالب، رقم (٣٨٨٥)، وفي كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم (٦٥٦٤).

٣٩١
كتاب: الإيمان
قال السندي: ((أما كلمة (لعل)) فلعله من قبيل الوعد، فلا يقتضي الشك. والله أعلم)).
[المدثر،
واستشكل قوله وَله: ((تنفعه شفاعتي)) بقوله تعالى: ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفْعِينَ (60])
آية: ٤٨].
وأجيب بأنه خص، ولذلك عدوه في خصائص النبي ◌ّطهر. وقيل: معنى المنفعة في الآية
تخالف معنى المنفعة في الحديث، والمراد بها في الآية: الإخراج من النار. وفي الحديث:
المنفعة بالتخفيف، وبهذا الجواب جزم القرطبي. وحمله بعض أهل النظر على أن جزاء الكافر
من العذاب يقع على كفره، وعلى معاصيه، فيجوز أن الله يضع عن بعض الكفار بعض جزاء
معاصيه تطبيباً لقلب الشافع لا ثواباً للكافر، لأن حسناته في الدنيا صارت بموته على الكفر
هباء. وأخرج مسلم عن أنس: ((وأما الكافر فيعطي حسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة
لم تکن له حسنة)).
وقال القرطبي في المفهم: ((اختلف في هذه الشفاعة، هل هي بلسان قولي أو بلسان
حالي؟ والأول يشكل الآية، وجوابه جواز التخصيص، والثاني يكون معناه أن أبا طالب لما بالغ
في إكرام النبي ◌َّ والذب عنه جوزي على ذلك بالتخفيف، فأطلق على ذلك شفاعة لكونها
بسببه، قال: ويجاب عنه أيضاف أن المخفف عنه لما لم يجد أثر التخفيف فكأنه لم ينتفع
بذلك، ويؤيد ذلك ما ما تقدم أنه يعتقد أن ليس في النار أشد عذاباً منه، وذلك أن القليل من
عذاب جهنم لا تطيقه الجبال، فالمعذب لاشتغاله بما هو فيه يصدق عليه أنه لم يحصل له انتفاع
بالتخفيف)).
قال الحافظ: ((وقد يساعد ما سبق ما وقع في كتاب النكاح من صحيح البخاري: ((قال
عروة: إن أبا لهب رؤي في المنام، فقال: لم أر بعدكم خيراً، غير أني سقيت في هذه بعتاقتي
ثويبة)) إلا أن الخبر مرسل أرسله عروة، وعلى تقدير أن يكون موصولاً فالذي في الخبر رؤيا
منام، فلا حجة فيه، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد، فلا يحتج به. وجوّز القرطبي
في التذكرة أن الكافر إذا عرض على النيران ورجحت كفة سيئاته بالكفر اضمحلّت حسناته،
فدخل النار لكنهم يتفاوتون في ذلك، فمن كانت له منهم حسنات من عتق ومواساة مسلم ليس
كمن ليس له شيء من ذلك، فيحتمل أن يجازى بتخفيف العذاب عنه بمقدار ما عمل، لقوله
تعالى: ﴿وَتَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَ نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا﴾ [الأنبياء، آية: ٤٧]، قلت: لكن هذا
البحث النظري معارض بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر، آية: ٣٦] وحديث أنس
الذي أشرت إليه)) اهـ.
قلت: ولعل المراد بالتخفيف الذي نفاه في الآية التخفيف المعتد به، وكذا المراد بالحسنة
في حديث أنس: ((لم تكن له حسنة)) الحسنة المعتدة بها، والله أعلم.

٣٩٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحِ مِنْ نَارٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ)).
(٩١) - باب: أهون أهل النار عذاباً
٥١٣ - (٣٦١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا
زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُذْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((إِنَّ أَذْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً،َ يَنْتَعِلُ بِتَعْلَّيْنِ مِنْ نَارٍ، يَغْلِي
دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ».
٥١٤ _ (٣٦٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،
حَدَّثَنَا ثَابِتْ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ شَهِ قَالَ: ((أَهْوَنُ أَهْلِ
النَّارِ عَذَاباً أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِتَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)).
٥١٥ - (٣٦٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَار (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى) قَالا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحاقَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ
بَشِيرٍ(٢) يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً يَوْمَ
قال الحافظ: ((وقال ابن المنير: هنا قضيتان: إحداهما محال، وهي اعتبار طاعة الكافر
مع كفره، لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح، وهذا مفقود من الكافر. الثانية: إثابة الكافر
على بعض الأعمال تفضلاً من الله تعالى، وهذا لا يحيله العقل، فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبي
لهب لثويبة قربة معتبرة، ويجوز أن يتفضل الله تعالى عليه بما شاء كما تفضل على أبي طالب،
والمتبع في ذلك: التوقف نفياً وإثباتاً .
قلت: وتتمة هذا أن يقع التفضل المذكور إكراماً لمن وقع من الكافر البر له ونحو ذلك،
والله أعلم)».
قوله: (يغلي منه دماغه) إلخ: زاد في رواية ابن إسحاق ((حتى يسيل على قدمه)) والغليان
معروف، وهو شدة اضطراب الماء ونحوه على النار لشدة اتقادها، يقال: غلت القدر تغلي غلياً
وغلياناً، وأغليتها أنا .
[(٩١) - باب: أهون أهل النار عذاباً]
(١) قوله: ((عن ابن عباس)) لم أجد هذا الحديث عند أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله.
(٢) قوله: ((النعمان بن بشير)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار،
رقم (٦٥٦١) و(٦٥٦٢). والترمذي في جامعه، في كتاب صفة جهنم، باب (بلا ترجمة) قبل باب من آخر
الكتاب، رقم (٢٦٠٤).

٣٩٣
كتاب: الإيمان
الْقِيَامَةِ، لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصٍ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانٍ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)) .
٥١٦ - (٣٦٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً
مَنْ لَهُ نَعْلاَنٍ وَشِرَاكَانٍ مِنْ نَارٍ. يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ. كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ مَا يَرَى أَنَّ أَحَداً أَشَدُّ
مِنْهُ عَذَاباً. وَإِنَّهُ لأَهْوَتُهُمْ عَذَاباً» .
(٩٢) - باب: الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل
٥١٧ - (٣٦٥) حدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ عَنْ دَاوُدَ،
عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ(١) قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ جُدْعَانَ، كَانَ
فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ. وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: ((لاَ يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ
يَوْماً: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)).
٣٦٣ - (٢١٣) - قوله: (في أخمص قدميه) إلخ: بخاء معجمة وصاد مهملة، وزن أحمر،
ما لا يصل إلى الأرض من باطن القدم عند المشي.
٣٦٤ - (٠٠٠) - قوله: (كما يغلي المرجل) إلخ: بكسر الميم وفتح الجيم، هو قدر
معروف، وقيل: هو قدر من النحاس خاصة.
قوله: (وإنه لأهونهم عذاباً) إلخ: فيه تصريح بتفاوت عذاب أهل النار، كما أن نعيم أهل
الجنة متفاوت، والله أعلم.
(٩٢) - باب: الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل
٣٦٥ - (٢١٤) - قوله: (ابن جدعان كان) إلخ: بضم الجيم وإسكان الدال المهملة وبالعين
المهملة، كان من بني تميم بن مرة، أقرباء عائشة رضيها، وكان من رؤساء قريش، واسمه عبد الله،
وكان كثير الإطعام، وكان اتخذ للضيفان جفنة يرقى إليها بسلم.
قوله: (كان في الجاهلية) إلخ: الجاهلية ما كان قبل النبوة، سموا بذلك لكثرة جهالاتهم.
قوله: (يصل الرحم) إلخ: صلة الرحم هي الإحسان إلى الأقارب.
قوله: (إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي) إلخ: أي: لم يكن مصدقاً بالبعث، ومن لم يصدق
به كافر ولا ينفعه عمل.
(١) قوله: ((عن عائشة)) الحديث لم أجده في الأصول الستة إلا عند مسلم رحمه الله تعالى.

٣٩٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٩٣) - باب: موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراءة منهم
٥١٨ - (٣٦٦) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ(١)؛ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَه، جِهَاراً غَيْرَ سِرٍّ، يَقُولُ: ((أَلاَ إِنَّ آلَ أَبِي (يَعْنِي فُلاَنَاً) لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا
(٩٣) - باب: موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراءة منهم
٣٦٦ - (٢١٥) - قوله: (جهاراً غير سر) إلخ: يحتمل أن يتعلق بالمفعول، أي: كان
المسموع في حالة الجهر، ويحتمل أن يتعلق بالفاعل، أي: أقول ذلك جهاراً، وقوله: (غير سر)
تأكيد لذلك، لدفع توهم أنه جهر به مرة وأخفاه أخرى، والمراد أنه لم يقل ذلك خفية بل جهر به
وأشاعه.
قوله: (يعني: فلاناً) إلخ: قال ابن التين: ((حذفت التسمية لئلا يتأذى المسلمون بذلك من
أبنائهم)) .
وقال النووي: ((هذه الكناية من بعض الرواة خشي أن يصرح بالاسم فيترتب عليه مفسدة،
إما في حق نفسه، وإما في حق غيره، وإما معاً)).
وقال عياض: إن المكنى عنه هنا هو الحكم بن أبي العاص ورده ابن دقيق العيد، وجزم
الدمياطي بأنه آل أبي العاص بن أمية، وإليه جنح الحافظ في الفتح، بل هو كالمتعين عنده.
وقال الحافظ: ((وأما عمرو بن العاص وإن كان بينه وبين علي ما كان: فحاشاه أن يتهم،
وللحديث محمل صحيح لا يستلزم نقصاً في مؤمني آل أبي طالب، وهو أن المراد بالنفي
المجموع (كما سيأتي لا الجميع) ويحتمل أن يكون المراد بآل أبي طالب: أبو طالب نفسه، وهو
إطلاق سائغ، كقوله في أبي موسى: (إنه أوتي مزمارا من مزامير آل داود) وقوله وَله: «آل أبي
أوفى)) وخصه بالذكر مبالغة في الانتفاء ممن لم يسلم، لكونه عمه وشقيق أبيه، وكان القيم بأمره
ونصره وحمايته، ومع ذلك فلما لم يتابعه على دينه انتفى من موالاته)).
قوله: (ليسوا لي بأولياء) إلخ: قال الداودي: ((إن المراد بهذا النفي من لم يسلم منهم،
أي: فهو من إطلاق الكل وإرادة البعض، والمنفي على هذا: المجموع، لا الجميع، ورجحه
ابن التين، وهو الراجح، فإن من جملة آل أبي طالب علياً وجعفراً، وهما من أخص الناس
بالنبي ◌َّ﴾ لما لهما من السابقة والقدم في الإسلام ونصر الدين)).
(١) قوله: ((عن عمرو بن العاص) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأدب، باب تبل الرحم
ببلائها ، رقم (٥٩٩٠).

٣٩٥
كتاب: الإيمان
وَلِّيَ اللَّهُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ)).
(٩٤) - باب: الدليل على دخول طوائف
من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب
٥١٩ - (٣٦٧) حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ سَلاَّم بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِعُ،
يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَّيْرَةَ(١)؛ أَنَّ النَّبِيّ ◌َّ قَالَ: ((يَدْخُلُ مِنْ
أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ
قوله: (وصالح المؤمنين) إلخ: كذا للأكثر بالإفراد، وإرادة الجملة، ووقع في رواية
البرقاني: ((وصالحوا المؤمنين)) بصيغة الجمع، وقد أجاز بعض المفسرين أن الآية التي في
التحريم كانت في الأصل ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم، آية: ٤] لكن حذفت
الواو من الخط على وفق النطق، وهو مثل قوله: ﴿سَنَّدْعُ الزَّبَانِيَةَ (٣)﴾ [العلق، آية: ١٨] وقوله: ﴿يَوْمَ
يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر، آية: ٦] وقوله: ﴿وَيَمْعُ اللَّهُ الْبَطِلَ﴾ [الشورى، آية: ٢٤].
وفي شرح المشكوة: ((المعنى أني لا أوالي أحدا بالقرابة، وإنما أحب الله تعالى لما له من
الحق الواجب على العباد، وأحب صالح المؤمنين لوجه الله تعالى، وأوالي من أوالي بالإيمان
والصلاح، سواء كان من ذوي رحم أو لا، ولكن أرعى لذوي الرحم حقهم بصلة الرحم)) انتهى،
وهو كلام منقح.
(٩٤) - باب: الدليل على دخول طوائف
من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب
٣٦٧ - (٢١٦) - قوله: (سبعون ألفاً بغير حساب) إلخ: أي: دخولاً مستقلاً من غير
ملاحظة أتباعهم ولا حقيهم، فلا ينافي ما وقع في حديث أبي هريرة، عند أحمد والبيهقي في
البعث من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ قال: ((سألت ربي
فوعدني أن يدخل الجنة من أمتي)) فذكر الحديث، وزاد: ((فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف
سبعين ألفاً)) وسنده جيد، وجاء في أحاديث أكثر من ذلك، فأخرج الترمذي وحسنه من حديث
أبي أمامة رفعه: ((وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً، مع كل ألف سبعين ألفاً لا
حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي)) وفي صحيح ابن حبان أيضاً،
والطبراني بسند جيد من حديث عتبة بن عبد، نحوه، وفيه: ((ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه)).
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب اللباس، باب البرود والحبر
والشملة، رقم (٥٨١١) وفي كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، رقم (٦٥٤٢).

٣٩٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ
آخَرُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)).
٥٢٠ _ (٣٦٨) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
يَقُولُ ... بِمِثْلِ حَدِيثِ الرَّبِيعِ.
٥٢١ - (٣٦٩) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِّ نَّهِ يَقُولُ: ((يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي
قوله: (فقال رجل: يا رسول الله) إلخ: هو عكاشة بن محصن الأسدي
قوله: (اللهم اجعله منهم) إلخ: وفي بعض الروايات: ((قال: أنا منهم يا رسول الله؟ قال:
نعم)) ويجمع بأنه سأل الدعاء أولاً، فدعا له، ثم استفهم، قيل: أجبت.
قوله: (ثم قام آخر) إلخ: هو من الأنصار، كما سيجيء في الكتاب.
قوله: (سبقك بها عكاشة) إلخ: قال ابن بطال: ((معنى قوله: ((سبقك)) أي: إلى إحراز هذه
الصفات، وهي: التوكل، وعدم التطير، وما ذكر معه، وعدل عن قوله: ((لست منهم)) أو ((لست
على أخلاقهم)) تلطفاً بإصحابه وَليزر وحسن أدبه معهم)) .
وقال ابن الجوزي: ((يظهر لي أن الأول سأل عن صدق قلب، فأجيب، وأما الثاني
فيحتمل أن يكون أريد به حسم المادة، فلو قال للثاني: نعم، لأوشك أن يقوم ثالث ورابع إلى
ما لا نهاية له، وليس كل الناس يصلح لذلك)).
وقال القرطبي: ((لم يكن عند الثاني من تلك الأحوال ما كان عند عكاشة، فلذلك لم
يجب، إذ لو أجابه لجاز أن يطلب ذلك كل من كان حاضراً، فيتسلسل، فسدّ الباب بقوله ذلك)).
وصحح النووي أن النبي وسير علم بالوحي أنه يجاب في عكاشة، ولم يقع ذلك في حق
الآخر.
وقال السهيلي: ((الذي عندي في هذا أنها كانت ساعة إجابة علمها بَّر، واتفق أن الرجل
قال بعدما انقضت، ويبينه ما وقع في حديث أبي سعيد: ((ثم جلسوا ساعة يتحدثون)) وفي رواية
ابن إسحاق بعد قوله: ((سبقك بها عكاشة)): ((وبردت الدعوة)) أي: انقضى وقتها)). كذا في
الفتح.
٣٦٩ - (٠٠٠) - قوله: (يدخل [الجنة] من أمتي) إلخ: في التقييد بقوله: ((أمتي)) إخراج غير
الأمة المحمدية من العدد المذكور، وليس فيه نفي دخول أحد من غير هذه الأمة على الصفة

٣٩٧
كتاب : الإيمان
زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفاً. تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ)).
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنِ الأَسَدِيُّ، يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ. فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ
رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّ:
سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)).
٥٢٢ - (٣٧٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَذَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةٌ
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ قَالَ: ((يَدْخُلُّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي
سَبْعُونَ أَلْفاً، زُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُمْ، عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ)).
المذكورة من شبه القمر، ومن الأولية وغير ذلك، كالأنبياء ومن شاء الله من الشهداء والصديقين
والصالحين.
قوله: (زمرة) إلخ: بضم الزاي وسكون الميم، هي الجماعة إذا كان بعضهم إثر بعض.
٣٧١ - (٢١٨) - قوله: (فقام عكاشة بن محصن الأسدي) إلخ: بضم المهملة وتشديد
الكاف، ويجوز تخفيفيها، يقال: عكش الشعر ويعكش: إذا التوى، حكاه القرطبي، وحكى
السهيلي أنه من عكش القوم: إذا حمل عليهم، وقيل: العكاشة بالتخفيف: العنكبوت، ويقال
أيضاً لبيت النمل.
ومحصن بكسر الميم وسكون الهاء وفتح الصاد المهملتين ثم نون آخره، هو ابن حرثان -
بضم المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة - من بني أسد بن خزيمة، ومن حلفاء بني أمية، كان
عكاشة من السابقين إلى الإسلام، وكان من أجمل الرجال، وكنيته أبو محصن، وهاجر، وشهد
بدراً، وقاتل فيها .
قال ابن إسحاق: ((بلغني أن النبي ◌َّ قال: خير فارس في العرب عكاشة)) وقال أيضاً:
((قاتل يوم بدر قتالاً شديداً حتى انقطع سيفه في يده، فأعطاه رسول الله وَلقول جزلاً من حطب،
فقال: قاتل بهذا، فقاتل به، فصار في يده سيفاً طويلاً شديد المتن أبيض، فقاتل به حتى فتح
الله، فكان ذلك السيف عنده حتى استشهد في قتال الردة مع خالد بن الوليد سنة اثنتي عشرة)) كذا
في الفتح.
قوله: (يرفع نمرة عليه) إلخ: بفتح النون وكسر الميم، هي كساء من صوف كالشملة،
مخططة بسواد وبياض يلبسها الأعراب.
٣٧٠ - (٢١٧) - قوله: (على صورة القمر) إلخ: قال القرطبي: ((المراد بالصورة الصفة،
يعني: أنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه، وهي ليلة أربعة عشر، ويؤخذ منه أن

٣٩٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٢٣ - (٣٧١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ خَلَفِ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ
حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ - قَالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ(١) قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ أَلِ:
(يَذْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفاً بَغَيْرِ حِسَابٍ قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هُمُ
الَّذِينَ لاَ يَكَتَوُونَ وَلاَ يَسْتَرْقُونَ.
أنوار أهل الجنة تتفاوت بحسب درجاتهم. قلت: وكذا صفاتهم في الجمال ونحوه.
٣٧١ - (٢١٨) - قوله: (هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون) إلخ: وفي الرواية الآتية
الزيادة: ((ولا يتطيرون)).
قال الشيخ الأجلّ ولي الله الدهلوي قدس سره: ((إنما وصفهم النبي ◌َّ بهذا إعلاماً بأن
أثر التوكل ترك الأسباب التي نهى الشرع عنها، لا ترك الأسباب التي سنها الله تعالى لعباده،
والنهي عن الكي موجود في حديث عمران عند الترمذي وأبي داود، وعن الرقى في حديث جابر
عند مسلم، وحديث: ((لا عدوى ولا طيرة)) معروف في الصحيحين وغيرهما، بل أخرج الترمذي
عن ابن مسعود وصححه: ((الطيرة شرك)) فمراد الحديث ترك الأسباب التي نهى عنها الشارع،
وإن ثبت في تعاطي بعضها نوع إباحة في بعض الأحيان والمواضع.
وقال الكرماني: ((قوله: ((لا يكتوون)) معناه: إلا عند الضرورة، مع اعتقاد أن الشفاء من
الله، لا من مجرد الكي، (أي: استحضار هذا الاعتقاد) وقوله: ((لا يسترقون)) معناه: بالرقى التي
ليست في القرآن والحديث الصحيح، كرقى الجاهلية، وما لا يؤمن أن يكون فيه شرك، وقوله:
((ولا يتطيرون)) أي: لا يتشائمون بشيء، فكأن المراد هم الذين يتركون أعمال الجاهلية في
عقائدهم، قال: فإن قيل: إن المتصف بهذا أكثر من العدد المذكور، فما وجه الحصر فيه؟
وأجاب باحتمال أن يكون المراد به التكثير لا خصوص العدد، قلت: الظاهر أن العدد المذكور
على ظاهره كما لا يخفى على من تتبع روايات الباب)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذه الصفات أي: ترك الكي، والرقى، والتطير، مقرونة
بقوله عليه الصلاة والسلام: ((وعلى ربهم يتوكلون)) والظاهر أن المراد به التوكل في سائر أمورهم
على الله تعالى، فحاصل ما أراده وّ ر بمجموع ما أخبر به: ترك الأسباب المنهي عنها رأساً،
والتوكل مع تعاطي الأسباب المشروعة بالمعنى الذي سيجيء، وهذا ليس مقام كل وارد وصادر،
حتى يزيد العدد على ما ذكر في الحديث، فإن المتوكلين هم الأقلون النادرون، بخلاف
المتعطلين البطالين، والله أعلم.
قال الحليمي: ((ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن
(١) قوله: ((عمران)) لم أجد هذا الحديث أخرجه أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله.

٣٩٩
كتاب: الإيمان
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّلُونَ فَقَامَ عُكَّاشَةُ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: أَنْتَ مِنْهُمْ قَالَ:
أحوال الدنيا وما فيها من الأسباب المعدة لدفع العوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا
الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله والرضا بقضائه، فهم غافلون
عن طلب الأطباء، ورقي الرقاة، ولا يحسنون من ذلك شيئاً، والله أعلم)).
وقال بعضهم: المراد بترك الرقى والكي: الاعتماد على الله في دفع الداء، والرضاء
بقدره، لا القدح في جواز ذلك، لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة، وعن السلف الصالح،
لكن مقام الرضاء والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وإلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه.
قال ابن الأثير: ((هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها وهؤلاء هم
خواص الأولياء، ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبي ◌َّير فعلاً وأمراً، لأنه كان في أعلى
مقامات العرفان، ودرجات التوكل، فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص
ذلك من توكله لأنه كان كامل التوكل يقيناً، فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئاً بخلاف غيره، ولو
كان كثير التوكل، لكن من ترك الأسباب وفوض وأخلص في ذلك كان أرفع مقاماً)).
قال الطبري: ((قيل: لا يستحق التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف من شيء البتة، حتى
السبع الضاري، والعدو العادي، ولا من يسعى في طلب رزق، ولا في مداواة ألم، والحق أن
من وثق بالله وأيقن أن قضائه عليه ماض: لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعاً لسنته وسنة
رسوله، فقد ظاهر ◌َّ﴿ في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم
الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو وتعاطى
أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق
الخلق أن يحصل له ذلك، وقال للذي سأله: ((أعقل ناقتي أو أدعها))؟ قال: ((اعقلها وتوكل))
فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل))، والله أعلم كذا في الفتح.
قوله: (وعلى ربهم يتوكلون) إلخ: قال الشيخ ولي الله الدهلوي: ((التوكل أن يغلب عليه
اليقين حتى يفتر سعيه في جلب المنافع ودفع المضار من قبل الأسباب، ولكن يمشي على ما سنّه
الله تعالى في عباده من الأكساب من غير اعتماد عليها)) اهـ.
قال الحافظ تَغْذَهُ في الفتح: ((وليس المراد به ترك التسبب والاعتماد على ما يأتي من
المخلوقين، لأن ذلك قد يجرّ إلى ضد ما يراه من التوكل، وقد سئل أحمد عن رجل جلس في
بيته أو في المسجد، وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي، فقال: ((هذا رجل جهل العلم، فقد
قال النبي ◌ّل: ((إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي)) وقال: ((لو توكلتم على الله حق توكله
لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطانا)» فذكر أنها تغدو وتروح في طلب الرزق،
قال: وكان الصحابة يتجرون ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم)) انتهى.

٤٠٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)).
٥٢٤ - (٣٧٢) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا
حَاجِبُ بْنُ عُمَرَ أَبُو خُشَيْنَةَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ الأَعْرَجَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ قَالُوا: مَنْ هُمْ؟
ومن الأدلة على مشروعية الاكتساب حديث أبي هريرة رفعه: ((أفضل ما أكل الرجل من
كسبه، وكان داود يأكل من كسبه، فقد قال تعالى: ﴿وَعَلََّنَهُ صَنْعَةَ لَبُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِّنْ
بَأْسِكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿حِذْرَكُمْ فَأَنِفِرُواْ﴾ [النساء، آية: ٧١].
قال جمهور الصوفية: يحصل التوكل بأن يثق بوعد الله ويوقن بأن قضائه واقع، ولا يترك
اتباع السنة في ابتغاء الرزق مما لا بد له منه من مطعم ومشرب، وتحرز من عدو بإعداد السلاح،
وإغلاق الباب ونحو ذلك، ومع ذلك فلا يطمئن إلى الأسباب بقلبه، بل يعتقد أنها لا تجلب
بذاتها نفعاً ولا تدفع ضرراً، بل السبب والمسبب فعل الله تعالى: والكل بمشيته، فإذا وقع من
المرء ركون إلى السبب قدح في توكله، وهم مع ذلك فيه على قسمين: واصل، وسالك، فالأول
صفة الواصل، وهو الذي لا يلتفت إلى الأسباب ولو تعاطاها، وأما السالك فيقع له الالتفات
إلى السبب أحياناً إلا أنه يدفع ذلك عن نفسه بالطرق العلمية، والأذواق الحالية إلى أن يرتقي إلى
مقام الواصل.
وقال أبو القاسم القشيري: ((التوكل محله القلب، وأما الحركة الظاهرة فلا تنافيه إذا تحقق
العبد أن الكل من قبل الله، فإن تيسر شيء فبتيسيره، وإن تعسر فبتقديره)).
قال ابن القيم: ((وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل، فإن العبد متى التفت إلى
غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبة من شعب قلبه، فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك
الشعبة، ومن ههنا ظن من ظن أن التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب، وهذا حق، لكن رفضها
عن القلب لا عن الجوارح، فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب وتعلق الجوارح بها،
فيكون منقطعاً منها متصلاً بها، والله سبحانه أعلم)).
نعم، قد تعرض للصادق أحياناً قوة ثقة بالله، وحال من الله: تحمله على ترك كل سبب
غير مفروض عليه، كما تحمل على إلقاء نفسه في مواضع الهلكة، ويكون ذلك الوقت بالله لا
به، فيأتيه مدد من الله على مقتضى حاله، ولكن لا تدوم له هذه الحال، وليست في مقتضى
الطبيعة، فإنها كانت هجمة هجمت عليه بلا استدعاء، فحمل عليها، فإذا استدعى مثلها وتكلفها
لم يجب إلى ذلك، وفي تلك الحال إذا ترك السبب يكون معذوراً لقوة الوارد، وعجزه عن
الاشتغال بالسبب، فيكون في وارده عون له، ويكون حاملاً له، فإذا أراد تعاطي تلك الحال
بدون ذلك الوارد وقع في المحال.