النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
كتاب: الإيمان
وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ ((فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ وَمَا
بَعْدَهُ)). فَأَقَرَّ بِهِ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ.
٤٥٥ _ ٣٠٣ - وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا
هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، بِإِسْنَادِهِمَا ... نَحْوَ حَدِيثٍ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةً إِلَى
آخِرِهِ. وَقَدْ زَادَ وَنَقَصَ شَيْئاً.
(٨٢) - باب: إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار
٤٥٦ - (٣٠٤) وحدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِي
مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمْرٍوِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: «يَدْخِلُ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ
بِرَحْمَتِهِ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ
الناكبون في الدنيا عن الصراط المستقيم والدين القويم نسأل الله اللطف بنا أجمعين، كذا في
اليواقيت والجواهر.
قوله: (وما بعده) إلخ: معطوف على ((فيقولون ربنا)) أي: ليس فيه: ((فيقولون ربنا)) ولا ما
بعده .
قوله: (فأقرّ به عيسى بن حماد) إلخ: أي: أقر بقول له أولاً: ((أخبركم الليث بن سعد)) إلى
آخره.
٣٠٣ - (٠٠٠) - قوله: (بإسنادهما نحو حديث حفص بن ميسرة) إلخ: يعني: بإسناد
حفص بن ميسرة، وإسناد سعيد بن أبي هلال الراويين في الطريقتين المتقدمتين عن زيد بن
أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري نظُه، ومراد مسلم تغذفهُ أن زيد بن أسلم رواه
عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري، ورواه عن زيد بهذا الإسناد ثلاثة من أصحابه: حفص بن
ميسرة، وسعيد بن أبي هلال، وهشام بن سعد. فأما روايتا حفص وسعيد فتقدمتا مبينتين في
الكتاب، وأما رواية هشام فهي من حيث الإسناد بإسنادهما ومن حيث المتن نحو حديث حفص.
والله عزّ وجل أعلم.
(٨٢) - باب: إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار
٣٠٤ - (١٨٤) - قوله: (من وجدتم في قلبه) إلخ: استدل الغزالي بلفظة: ((في قلبه)) على
نجاة من أيقن بذلك، وحال بينه وبين النطق به الموت. وقال في حق من قدر على ذلك فأخر
(١) قوله: ((عن أبي سعيد الخدري)) انظر لمواضع هذا الحديث تخريج ما قدمناه من حديث رقم (٤٦٤).

٣٤٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِ جُوهُ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَماً قَدِ امْتَحَشُوا. فَيُلْقَوْنَ فِي
نَهْرِ الْحَيَاةِ أَوِ الْحَيَا فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُّ الْحِبَّةُ إِلَى جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ
صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً)).
٤٥٧ - (٣٠٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. ح
وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ ابْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، كِلاَهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ
يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالاَ: فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ يُقَالُ لَهُ الْحَيَاةُ. وَلَمْ يَشُكّا. وَفِي حَدِيثٍ
خَالِدٍ : ((كَمَا تَنْبُتُ الْغُثَاءَةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ)». وَفِي حَدِيثٍ وُهَيْبٍ: ((كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي
فمات: ((يحتمل أن يكون امتناعه عن النطق بمنزلة امتناعه عن الصلاة، فيكون غير مخلد في
النار، ويحتمل غير ذلك)). ورجح غيره الثاني فيحتاج إلى تأويل قوله: ((في قلبه)) فيقدر فيه
محذوف، تقديره: منضمًا إلى النطق به مع القدرة عليه، كذا في الفتح.
قوله: (مثقال حبة من خردل) إلخ: بفتح الحاء إشارة إلى مالا أقل منه، قال الخطابي:
((هو مثل ليكون عياراً في المعرفة، لا في الوزن، لأن ما يشكل في المعقول يردّ إلى المحسوس
لیفهم)) .
وقال إمام الحرمين: ((الوزن للصحف المشتملة على الأعمال، ويقع وزنها على قدر أجور
الأعمال)). وقال غيره: يجوز أن تجسد الأعراض فتوزن، وما ثبت من أمور الآخرة بالشرع لا
دخل للعقل فيه.
قوله: (فيخرجون منها) إلخ: بصيغة المجهول.
قوله: (قد امتحشوا) إلخ: على بناء الفاعل، أي: احترقوا .
قوله: (أو الحيا) إلخ: بالقصر، وهو المطر، وبه تحصل حياة النبات، فهو أليق بمعنى
الحياة من الحياء الممدود الذي وقع في بعض روايات البخاري، وهو بمعنى الخجل.
قوله: (كيف تخرج) إلخ: أي: أولاً .
قوله: (صفراء) إلخ: أي: خضراء، كذا في المرقاة.
قوله: (ملتوية) إلخ: ملفوفة مجتمعة، وقيل: منحنية.
٣٠٥ - (٠٠٠) - قوله: (ولم يشكا) إلخ: أي: وهيب وخالد لم يشكا كما شك مالك في
قوله: ((الحياة أو الحیا)).
قوله: (كما تنبت الغثاءة) إلخ: بضم الغين المعجمة بعدها مثلثة مفتوحة، وبعد الألف
همزة ثم هاء تأنيث، هو في الأصل كل ماحمله السيل من عيدان وورق ويزور وغيرها، والمراد
به هنا ما حمله من البزور خاصة.

٣٤٣
كتاب: الإيمان
حَمِئَةٍ أَوْ حَمِيلَةِ السَّيْلِ)) .
٤٥٨ - (٣٠٦) وحدّثني نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ
عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَيِ: ((أَمَّا أَهْلُ
النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لاَ يَمُوتُونَ فِيهَا وَلاَ يَخْيَوْنَ. وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ
(أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ) فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً، حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحَماً، أُذِنَ بِالشِّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ
ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ. ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ. فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ
تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ)) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَرْ قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ.
قوله: (في حمئة السيل) إلخ: بعد الميم همزة ثم هاء، وقد تشبع الميم فيصير بوزن
عظيمة، وهو ما تغير لونه من الطين، وخصّ بالذكر لأنه يقع فيه النبت غالباً .
٣٠٦ - (١٨٥) - قوله: (أما أهل النار الذي هم أهلها) أي: الذين وضعوا لها، ووضعت
هي لهم وهم المستحقون للخلود.
قوله: (ولكن ناس أصابتهم النار) إلخ: وهم المذنبون من المؤمنين وعصاة الموحدين.
قوله: (فأماتتهم الله) إلخ: وفي بعض النسخ: ((فأماتهم)) بتائين أي: أماتتهم النار، قال
النووي: ((هذه الإماتة إمامة حقيقية بعد أن يعذبوا المدة التي أرادها الله تعالى)).
وقال الحافظ في الفتح: ((إنهم يموتون فيكون عذابهم إحراقهم وحبسهم عن دخول الجنة
سريعاً كالمسجونين، بخلاف الكفار الذين لا يموتون أصلاً ليذوقوا العذاب، ولا يحيون حياة
يستريحون بها، على أن بعض أهل العلم أول ما وقع في حديث أبي سعيد من قوله: ((يموتون
فيها إماتة)) بأنه ليس المراد أنه يحصل لهم الموت حقيقة، وإنما هو كناية عن غيبة إحساسهم،
وذلك للرفق بهم، أو كنى عن النوم بالموت، وقد سمى الله النوم وفاة، ووقع في حديث أبي
هريرة: ((أنهم إذا دخلوا النار، فإذا أراد الله تعالى إخراجهم أمسّهم ألم العذاب تلك الساعة)) كذا
في الفتح.
قوله: (فجيء بهم ضبائر ضبائر) إلخ: مكرر مرتين، وهو منصوب على الحال، وهو بفتح
الضاد المعجمة جمع ضبارة بفتح الضاد وكسرها لغتان.
قال أهل اللغة: الضبائر جماعات في تفرقة، وروى ((ضبارات ضبارات)).
قوله: (فبثوا) إلخ: بالباء الموحدة المضمومة، بعدها ثاء مثلثة، معناه: فرقوا.
(١) قوله: ((عن أبي سعيد)) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، في كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة، رقم
(٤٣٠٩).

٣٤٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٥٩ - (٣٠٧) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ؛ قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، عَنِ
النَّبِّ ◌َِّ ... بِمِثْلِهِ. إِلَى قَوْلِهِ: ((فِي حَمِيلِ السَّيْلِ)». وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
(٨٣) - باب: آخر أهل النار خروجاً
٤٦٠ - (٣٠٨) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ؛ كِلاَهُمَا
عَنْ جَرِيرٍ. قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً
مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ. رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْواً. فَيَقُولُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلَأَى. فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا
مَلَأَى. فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ. قَالَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلَأَى.
فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلَأَى. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ
٣٠٧ - (٠٠٠) - قوله: (عن أبي مسلمة) إلخ: بفتح الميم وإسكان السين.
[(٨٣) - باب: آخر أهل النار خروجاً
٣٠٨ - (١٨٦) - قوله: (عن عبيدة) إلخ: بفتح العين، وهو عبيدة السلماني.
قوله: (آخر أهل النار خروجاً منها) إلخ: الظاهر الخروج من النار بعد الدخول فيها
حقيقة، ويحتمل أن يكون هنا بمعنى الورود، وهو الجواز على الصراط، ويقوي هذا الاحتمال
ما سيأتي في رواية أنس عن ابن مسعود، ولفظه: ((آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة
ويكبو مرة وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها التفت إليها فقال: تبارك الذي نجّاني منك)).
قوله: (حبواً) إلخ: وفي الرواية الأخرى: ((زحفاً)) قال أهل اللغة: الحبو المشي على
اليدين والرجلين، وربما قالوا: على اليدين والركبتين، وربما قالوا: على يديه ومقعدته، وأما
الزحف فقال ابن دريد وغيره: هو المشي على الإست مع إفراشه بصدره، فحصل من هذا أن
الحبو والزحف متماثلان أو متقاربان، ولو ثبت اختلافهما حمل على أنه في حال يزحف، وفي
حال يحبو، والله أعلم.
(١) قوله: ((عن عبد الله بن مسعود)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الرقاق، باب صفة الجنة
والنار، رقم (٦٥٧١). وفي كتاب التوحيد، باب كلام الرب عزّ وجلّ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، رقم
(٧٥١١). والترمذي في جامعه، في كتاب صفة جهنم، باب منه (بعد: ((باب ما جاء أن للنار نفسين)) .... )
رقم (٢٥٩٥) وابن ماجه في سننه، في كتاب الزهد، باب صفة الجنة، رقم (٤٣٣٩).

٣٤٥
كتاب: الإيمان
الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا. أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا. قَالَ فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي، أَوْ أَتَضْحَكُ
بِي، وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِِّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ)).
قَالَ فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةٌ.
٤٦١ - (٣٠٩) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرِيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبِ -
قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((إِنِّي لأَغْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجَاً مِنَ النَّارِ: رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفاً.
فَيُقَالُ لَهُ: انْطَلِقْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ. قَالَ: فَيَذْهَبُ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الْمَنَازِلَ
قوله: (أتسخر بي أو تضحك بي) إلخ: هذا شك من الراوي، فإن كان الواقع في نفس
الأمر أتضحك بي فمعناه: أتسخر بي، لأن الساخر في العادة يضحك ممن يسخر به، فوضع
الضحك موضع السخرية مجازاً، وأما ((معنى أتسخر بي)) ففيه أقوال:
أحدها قاله المأزري: «أنه خرج على المقابلة الموجودة في معنى الحديث دون لفظه، لأنه
عاهد الله مراراً لأن لا يسأله غير ما سأل، ثم غدر، فحل غدره محل الاستهزاء والسخرية، فقدر
الرجل أن قول الله تعالى له: ادخل الجنة، وتردده إليها، وتخييل كونها مملوءة: ضرب من
الإطماع له والسخرية به، جزاء لما تقدم من غدره وعقوبة له، فسمى الجزاء على السخرية
سخرية، فقال: أتسخر بي، أي: تعاقبني بالإطماع)).
والقول الثاني، قاله أبو بكر الصيرفي: ((أن معناه نفي السخرية التي لا تجوز على الله
تعالى، كأنه قال: أعلم أنك لا تهزأ بي، لأنك رب العالمين، وما أعطيتني من جزيل العطاء
وأضعاف مثل الدنيا: حق، ولكن العجيب أنك أعطيتني هذا وأنا غير أهل له، قال: والهمزة في
(أتسخر بي)) همزة نفي، قال: وهذا كلام منبسط متدلل)).
والقول الثالث قاله القاضي عياض: ((أن يكون هذا الكلام صدر من هذا الرجل وهو غير
ضابط لما قاله لما ناله عن السرور ببلوغ ما لم يخطر بباله، فلم يضبط لسانه دهشاً وفرحاً، فقاله
وهو لا يعتقد حقيقة معناه، وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق، وهذا كما قال
النبي ◌ّلي في الرجل الآخر أنه لم يضبط نفسه من الفرح، فقال: ((أنت عبدي، أنا ربك)) والله
أعلم .
قوله: (حتى بدت نواجذه) إلخ: بالجيم والذال المعجمة، جمع ناجذ، والمراد بها هنا :
الأنياب، وقيل: الضواحك، وقيل: الأضراس.
٣٠٩ - (٠٠٠) - قوله: (فيجد الناس قد أخذوا المنازل) إلخ: وفي بعض الروايات:
((فيخيل إليه أنها ملأى)، أي: ليس له فيها مكان.

٣٤٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَيُقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَالُ لَهُ: ثَمَنَّ. فَيَتَمَنَّى. فَيُقَالُ لَهُ:
لَكَ الَّذِي تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْيَا. قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟. قَالَ: فَلَقَدْ
رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ)) .
٤٦٢ - ٣١٠ - حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنَا حَمَّادُ
ابْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ ابْنٍ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((آخِرُ مَنْ
يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ. فَهُوَ يَمْشِي مَّرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةَ، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ
إِلَيْهَا. فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِيَ اللَّهُ شَيْئاً مَا أَعْطَاهُ أَحَداً مِنَ الأَوَّلِينَ
وَالآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَأَسْتَظِلَّ بِظِلْهَا
وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا. فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا ابْنَ آدَمَ، لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا.
فَيَقُولُ: لاَ. يَا رَبِّ. وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لاَ يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا. وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ،
فَيُدْنِيهِ مِنْهَا. فَيَسْتَظِلُّ بِظِلْهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَى،
فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدِنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا وَأَسْتَظِلَّ بِظِلْهَا، لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا.
فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِذْنِي أَنْ لاَ تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَّعَلِّي إِنْ أَدْنَيْئُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي
٣١٠ - (١٨٧) - قوله: (ويكبو مرة) إلخ: بضم الموحدة، أي: يقف أو يسقط بوجهه.
قوله: (وتسعفه النار مرة) إلخ: أي: تضرب وجهه وتسوده، وتؤثر فيه أثراً.
قوله: (فإذا ما جاوزها) إلخ: ما زائدة.
قوله: (تبارك الذي) إلخ: أي: تعظم وتعالى وتكاثر خيره.
قوله: (ما أعطاه أحداً من الأولين) إلخ: لعل وجهه أنه ما رأى أحداً مشاركاً له في
خروجه من النار، ولم يدر أن الأبرار في نعيم دار القرار.
قوله: (فترفع له شجرة) إلخ: أي: عندها عين ماء لما سيأتي.
قوله: (أدنني من هذه) إلخ: أي: قربني، من الإدناء.
قوله: (فلأستظل بظلها) إلخ: بكسر اللام الأولى ونصب الفعل، قال الطيبي: الفاء سببية
واللام مزيدة، أو بالعكس، يعني: الفاء مزيدة واللام للعلة.
قوله: (لعلي إن أعطيتكها) إلخ: أي: مسألتك وأمنيتك.
قوله: (وربه تعالى يعذره) إلخ: بفتح الياء ويضم، أي: يجعله معذوراً.
قوله: (يرى ما لا صبر له عليه) إلخ: ضمير ((عليه)) راجع إلى ((ما)) وفي بعض النسخ
((عليها)) فهو تأويل ((ما)) بنعمة و((على)) بمعنى ((عن)) كذا في الشرح.

٣٤٧
كتاب: الإيمان
غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لاَ يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا. وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ. لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ فَيُدْنِيهِ مِنْهَا.
فَيَسْتَظِلُّ بِظِلْهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا. ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَئِيْنِ.
فَيَقُولُ: أَنْ رَبِّ، أَذْنِنِي مِنْ هَذِهِ لأَسْتَظِلَّ بِظِلْهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا.
فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِذْنِي أَنْ لاَ تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى. يَا رَبِّ، هَذِهِ لاَ أَسْأَلُكَ
غَيْرَهَا. وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَيُذْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا، فَيَسْمَعُ
أَضْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَنْ رَبِّ، أَدْخِلْنِيهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟
أَيُرْضِيكَ أَنَ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِىءُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَلاَ تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا
ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِىءُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لاَ أَسْتَهْزِىءُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى
مَا أَشَاءُ قَادِرٌ)).
قوله: (فيسمع أصوات أهل الجنة) إلخ: أي: في مصاحبتهم مع أزواجهم، ومجاورتهم مع
أصحابهم، فأراد الاستئناس بهم، أو في غنائهم، فأراد التقرب ليتلذذ بأنغامهم، كذا قال علي
القاري.
قوله: (ما يصريني منك) إلخ: بفتح الياء وإسكان الصاد المهملة، من الصري، بفتح الصاد
وإسكان الراء، هو القطع، والمعنى: أي: شيء يرضيك ويقطع السؤال بيني وبينك؟ وفي بعض
الروايات: ((ما يصريك مني)) ومعناه يرجع إلى الأول، والله أعلم.
قوله: (فضحك ابن مسعود) إلخ: الظاهر أنه لاحظ المعنى الموجب للضحك، لا أنه
مجرد تقليد وحكاية لفعله وَّيقر، فإنه ليس أمراً اختيارياً، ولا يصدر من غير باعث من قول عجيب
أو فعل غريب.
قوله: (من ضحك رب العالمين) إلخ: قال البيضاوي: ((نسبة الضحك إلى الله تعالى مجاز
بمعنى لرضا، وضحك النبي ◌ّير على حقيقته، وضحك ابن مسعود على سبيل التأسي)) كذا في
الفتح، فتأمل.
قوله: (ولكني على ما أشاء قادر) إلخ: قال الطيبي: ((فإن قلت: مم استدركه؟ قلت: عن
مقدر، فإنه تعالى لما قال له: ((أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها)) فاستبعده العبد لما رأى
أنه ليس أهلاً لذلك، وقال: ((أتستهزئ بي)) قال سبحانه وتعالى: نعم، كنت لست أهلاً له، لكني
أجعلك أهلاً لها، وأعطيك ما استبعدته، لأني على ما أشاء قدير)).

٣٤٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٨٤) - باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها
٤٦٣ - (٣١١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا
زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُذْرِيِّ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((إِنَّ أَذْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةَ رَجُلٌ صَرَفَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ
النَّارِ قِبَلَ الْجَنَّةِ. وَمَثَّلَ لَهُ شَجَرَةَ ذَاتَ ظِلّ. فَقَالَ: أَنْ رَبِّ، قَدْمِنِي إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ أَكُونُ
فِي ظِلْهَا)) ... وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ ((فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَا
يَضْرِينِي مِنْكَ)) إِلَى آَخِرِ الْحَدِيثِ. وَزَادَ فِيهِ ((وَيُذَكِّرُهُ اللَّهُ سَلْ كَذَا وَكَذَا. فَإِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ
الأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ: هُوَ لَكَّ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ)) قَالَ: ((ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الْحُورِ
الْعِينِ. فَتَقُولاَنِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ. قَالَ: فَيَقُولُ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ
مَا أُغَطِيتُ)).
٤٦٤ - (٣١٢) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَشِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ
وَابْنِ أَبْجَرَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ؛ رِوَايَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ح وَحَدَّثَنَا
ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدٍ. سَمِعًا
الشَّعْبِيَّ يُخْبِرُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَرْفَعُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ. وَاللَّفْظُ لَهُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ وَابْنُ
[(٨٤) - باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها]
٣١١ - (١٨٨) - قوله: (ويذكره الله تعالى) إلخ: بالتشديد.
قوله: (فتدخل عليه زوجتاه) إلخ: بالتاء، تثنية زوجة بالهاء، وهي لغة صحيحة معروفة.
قوله: (أحياك لنا وأحينا لك) إلخ: أي: خلقك لنا وخلقنا لك ووضع ((أحيى)) موضع
((خلق)) إشعاراً بالخلود، وأنه تعالى جمع بينهما في هذه الدار التي لا موت فيها، وأنها دائمة
السرور والحياة، قال تعالى: ﴿وَإِنَ الذَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت، آية: ٦٤].
قوله: (ما أعطي أحد مثل ما أعطيت) إلخ: أي: لعدم اطلاعه على إعطاء غيره، والله
أعلم.
٣١٢ - (١٨٩) - قوله: (سعيد بن عمرو الأشعثي) إلخ: منسوب إلى جده الأشعث.
(١) قوله: ((عن أبي سعيد الخدري)) لم أجد أحداً أخرج هذا الحديث من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم
رحمه الله .

٣٤٩
كتاب: الإيمان
أَبْجَرَ، سَمِعَا الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةً (١) يُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ. قَالَ
سُفْيَانُ: رَفَعَهُ أَحَدُهُمَا - أُرَاهُ ابْنَ أَبْجَرَ - قَالَ ((سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟
قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَمَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: أَيْ
رَبِّ، كَيْفَ؟ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِم؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ
مُلْكِ مَلِكِ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ، رَبِّ. فَيَقُولُ: لَكَ ذُلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ
وَمِثْلُهُ. فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ، رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ
نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ. فَيَقُولُ: رَضِيتُ، رَبِّ، قَالَ: رَبِّ، فَأَعْلاَهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ
الَّذِينَ أَرَدْتُ
قوله: (وابن أبجر) إلخ: بفتح الهمزة وإسكان الباء وفتح الجيم، اسمه عبد الملك بن
سعيد بن حبان بن أبجر، وهو تابعي.
قوله: (رواية إن شاء الله) إلخ: اعلم أن قولهم: ((رواية)) أو ((يرفعه)) أو ((ينميه)) أو ((يبلغ به))
كلها ألفاظ موضوعة لإضافة الحديث إلى رسول الله وير، لا خلاف في ذلك بين أهل العلم،
فقوله: ((رواية)) معناه: قال: قال رسول الله وَلو، وقد بينه هنا في الرواية الثانية. وأما قوله:
(رواية إن شاء الله)) فلا يضره هذا الشك والاستثناء، لأنه جزم به في الروايات الباقية.
قوله: (رفعه أحدهما) إلخ: الضمير يعود على مطرف وابن أبجر شيخي سفيان، أي: ابن
أبجر جعل الحديث مرفوعاً، ومطرف جعله موقوفاً على المغيرة بن شعبة، وإذا اختلف الثقات
في الرفع والوقف، فالحكم للرفع.
قوله: (ما أدنى أهل الجنة) إلخ: أي: ما صفته وعلامته، أو ((ما)) بمعنى (من)).
قوله: (وأخذوا أخذاتهم) إلخ: هو بفتح الهمزة والخاء، قال القاضي: ((هو ما أخذوه من
كرامة مولاهم، وحصلوه، أو يكون معناه: قصدوا منازلهم)).
قوله: (هذا لك وعشرة أمثاله) إلخ: المراد بها أن أحد ملوك الدنيا لا ينتهي ملكه إلى
جميع الأرض، بل يملك بعضاً منها، ثم منهم من يكثر البعض الذي يملكه، ومنهم من يقل
بعضه، فيعطي هذا الرجل مثل أحد ملوك الدنيا خمس مرات، وذلك كله قدر الدنيا كلها، ثم
يقال له: لك عشرة أمثال هذا، فيعود معنى هذه الرواية إلى موافقة الروايات المتقدمة، ولله
الحمد، وهو أعلم، قاله النووي.
قوله: (أولئك الذي أردت) إلخ: بضم التاء، أي: اخترت واصطفيت.
(١) قوله: ((المغيرة بن شعبة)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب ((ومن سورة السجدة))
رقم (٣١٩٨).

٣٥٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنْ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبٍ
بَشَرٍ)) قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُ مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾
[السجدة: ١٧] الآية.
٤٦٥ - (٣١٣) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
أَبْجَرَ ؛ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: إِنَّ مُوسَى
عَلَيْهِ السَّلامُ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أَخَسِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْهَا حَظًّا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ.
٤٦٦ - (٣١٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَن
الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ(١)؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ
دُخُولاً الْجَنَّةَ. وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا. رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَّامَةِ. فَيُقَالُ: اغْرِضُوا عَلَيْهِ
صِغَارَ ذُنُوبِهِ وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا. فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ. فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا،
كَذَا وَكَذَا. وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا. فَيَقُولُ: نَعَمْ. لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ. وَهُوَ
قوله: (وغرست كرامتهم بيدي وختمت عليها) إلخ: معناه اصطفيتهم وتوليتم، فلا يتطرق
إلى كرامتهم تغيير .
قوله: (ولم يخطر على قلب بشر) إلخ: فيه حذف اختصر للعلم به، تقديره: ولم يخطر
على قلب بشر ما أکرمتهم به وأعددته لهم.
قوله: (ومصداقه في كتاب الله) إلخ: بكسر الميم، معناه: دليله وما يصدقه ..
٣١٣ - (٠٠٠) - قوله: (عن أخس أهل الجنة) إلخ: بالخاء المعجمة وبعدها السين
المشددة، معناه: أدناهم.
٣١٤ - (١٩٠) - قوله: (عن المعرور بن سويد) إلخ: بالعين المهملة والراء المكررة.
قوله: (اعرضوا عليه) إلخ: بكسر الهمزة والراء، أي: أظهروا .
قوله: (وارفعوا عنه كبارها) إلخ: أي: بمحوها أو بإخفائها .
قوله: (يوم كذا وكذا) إلخ: أي: الوقت الفلاني.
قوله: (كذا وكذا) إلخ: أي: من عمل السيئات.
قوله: (وهو مشفق) إلخ: خائف.
(١) قوله: ((عن أبي ذر)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب صفة جهنم، باب منه (بعد باب ما جاء
أن للنار نفسين ... ) رقم (٢٥٩٦).

٣٥١
كتاب: الإيمان
مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيْئَةٍ حَسَنَةٌ. فَيَقُولُ:
رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لاَ أَرَاهَا هُهُنَا.
فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ)) .
٤٦٧ - (٣١٥) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُوْ كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ؛ كِلاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٤٦٨ - (٣١٦) حدّثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحاقُ بْنُ مَنْصُورٍ؛ كِلاَهُمَا عَنْ رَوْحِ.
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛
أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ(١) يُسْأَلُ عَنِ الْوُرُودِ. فَقَالَ: نَجِيَّ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كَذَا
وَكَذَا أَنْظُرْ أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ. قَالَ: فَتُدْعَى الأُمَمُ بَأَوْثَانِهَا وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ، الأَوَّلُ
قوله: (قد عملت أشياء) إلخ: أي: من الكبائر.
قوله: (لا أراها ههنا) إلخ: أي: في الصحائف، أو في مقام التبديل.
٣١٦ - (١٩١) - قوله: (يسأل عن الورود) إلخ: أي: الورود الذي في قوله عزّ وجل:
﴿وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِكَ حَنْمًا مَّقْضِيًّا (٨)﴾ [مريم، آية: ٧١].
قوله: (عن كذا وكذا انظر، أي: ذلك فوق الناس) إلخ: هكذا وقع هذا اللفظ في جميع
الأصول من صحيح مسلم، واتفق المتقدمون والمتأخرون على أنه تصحيف وتغيير واختلاط في
اللفظ .
قال القاضي عياض: ((صوابه: ((تجيء يوم القيامة على كوم كذا)) رواه بعض أهل الحديث،
وفي كتاب ابن أبي خيثمة من طريق كعب بن مالك: ((يحشر الناس يوم القيامة على تلّ، وأمتي
على تل)) قال القاضي: وهذا يبين ما تغير من الحديث، وأنه كان أظلم هذا الحرف على
الراوي، أو امتحي فعبر عنه ((بكذا وكذا)) وفسره بقوله: ((أي: فوق الناس)) وكتب عليه ((انظر))
تنبيهاً فجمع النقلة: الكل، ونسقوه على أنه من متن الحديث، كما تراه والله أعلم.
ثم إن هذا الحديث جاء كله من كلام جابر موقوفاً عليه، وليس هذا من شرط مسلم إذ ليس
فيه ذكر النبي ◌َّ﴿، وإنما ذكره مسلم وأدخله في السند لأنه روي مسنداً من غير هذا الطريق،
فذكر ابن أبي خيثمة عن ابن جريج يرفعه بعد قوله: ((يضحك)): ((قال سمعت رسول الله وَل
يقول: فينطلق بهم)) وقد نبّه على هذا مسلم بعد هذا في حديث ابن أبي شيبة وغيره في الشفاعة
(١) قوله: ((جابر بن عبد الله لم أجد أحداً أخرج هذا الحديث من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله.

٣٥٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَالأَوَّلُ، ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: ((مَنْ تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا. فَيَقُولُ: أَنَا
رَبُّكُمْ. فَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ. فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ)). قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَشَّبِعُونَهُ.
وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ، نُوراً. ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ، وَعَلَى جِسْرٍ جَهَنَّمَ كَلَاَلِيبُ
وَحَسَكٌ، تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَطْفَأُ نُوَرُ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ، فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ
وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، سَبْعُونَ أَلْفاً لاَ يُحَاسَبُونَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَاءِ نَجْمٍ فِي
السَّمَاءِ، ثُمَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَّهُ إِلَّ
اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ، وَيَجْعَلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ
يَرُشُّونَ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّيْءِ فِي السَّيْلِ، وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ، ثُمَّ يَسْأَلُ حَتَّى
تُجْعَلَ لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا مَعَهَا .
٤٦٩ - (٣١٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو،
سَمِعَ جَابِراً (١) يَقُولُ: سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ وَلَ بِأُذُنِهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ نَاساً مِنَ النَّارِ
فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ».
٤٧٠ - (٣١٨) حدّثنا أَبُو الرَّبِيع، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ :
أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ(٢) يُحَدِّثُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ((إِنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ قَوْماً مِنَ النَّارِ
بِالشَّفَاعَةِ؟)) قَالَ: نَعَمْ.
وإخراج من يخرج من النار، وذكر إسناده وسماعه من النبي و ◌ّر بمعنى بعض ما في هذا
الحديث. والله أعلم.
قوله: (فيتجلى لهم يضحك) إلخ: أي: يظهر لهم وهو راض عنهم.
قوله: (ثم يطفأ) إلخ: روى بفتح الياء وضمها، وهما صحيحان، معناهما ظاهر.
قوله: (أول زمرة) إلخ: أي: جماعة.
قوله: (كأضواء نجم) إلخ: أي: شديد الإضاءة.
قوله: (ويذهب خراقه) إلخ: بضم الحاء المهملة وتخفيف الراء، أي: أثر النار، وضمير
((حراقه)) يعود على المخرج من النار، وعليه يعود الضمير في قوله: ((ثم يسأل)).
(١) قوله: ((جابراً)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم
(٦٥٥٨).
(٢) قوله: ((جابر بن عبد الله)) لم أجد هذا الحديث أخرجه أحد من أصحاب الأصول الستة سوى الإمام مسلم
رحمه الله .

٣٥٣
كتاب: الإيمان
٤٧١ - (٣١٩) حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ
سُلَيْمِ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: قَالَ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ: ((إِنَّ قَوْماً يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا، إِلَّ دَارَاتٍ وُجُوهِهِمْ، حَتَّى
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ)).
٤٧٢ - (٣٢٠) وحدّثنا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو
عَاصِم - يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي أَيُّوبَ - قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ، قَالَ: كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ
مِنْ رَأَىِ الْخَوَارِجِ. فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجّ. ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ.
٣١٩ - (٠٠٠) - قوله: (حدثني يزيد الفقير) إلخ: قيل له الفقير لأنه أصيب في فقار ظهره،
فكان يألم منه حتى ينحني له، وليس هو ضد الغني.
قوله: (إلا دارات وجوههم) إلخ: جمع دارة، وهو ما يحيط بالوجه من جوانبه، ومعناه:
أن النار لا تأكل دارة الوجه لكونها محل السجود.
٣٢٠ - (٠٠٠) - قوله: (قد شغفني رأي: من رأي الخوارج) إلخ: بالغين المعجمة، ومعناه
لصق بشغاف قلبي، وهو غلافه، والمراد برأيهم أنهم يرون أن أصحاب الكبائر يخلدون في
النار، ولا يخرج منها من دخلها .
قال ابن بطال: أنكرت المعتزلة والخوارج الشفاعة في إخراج من أدخل النار من المذنبين،
﴾ [المدثر، آية: ٤٨] وغير ذلك من الآيات
وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا نَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ
(المذكورة في حديث الباب) وأجاب أهل السنة بأنها في الكفار)).
قال السندي: ((المذكور في القرآن حال الفريقين فقط، وهما صالحوا المؤمنين والكفرة،
وأما الفسقة فذكرهم في القرآن قليل، ولذلك غالب ما يوجد في ذكر أهل النار هو الخلود فيها
والكفر، وإنما ذكر الفريق الثالث غالباً في الحديث فلا إشكال في الآيات)) اهـ.
وجاءت الأحاديث في إثبات الشفاعة المحمدية متواترة، ودلّ عليها قوله تعالى: ﴿عَسَّ أَنْ
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ [الإسراء، آية: ٧٩]، والجمهور على أن المراد به الشفاعة، وبالغ الواحدي
فنقل فيه الإجماع، ولكنه أشار إلى ما جاء عن مجاهد وزيّفه، وقال الطبري: قال أكثر أهل
التأويل: المقام المحمود هو الذي يقومه النبي ◌ُّر ليريحهم من كرب الموقف، ثم أخرج عدة
أحاديث في بعضها التصريح بذلك، وفي بعضها مطلق الشفاعة، والشفاعة التي وردت في
الأحاديث المذكورة في المقام المحمود نوعان: الأول العامة في فصل القضاء، والثاني الشفاعة
في إخراج المذنبين من النار، كذا في الفتح.
قوله: (فخرجنا في عصابة ذوي عدد) إلخ: أي: خرجنا من بلادنا ونحن جماعة كثيرة
· لنحج، ثم نخرج على الناس مظهرين مذهب الخوارج، وندعوا إليه ونحث عليه.

٣٥٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَالِسٌ إِلَى سَارِيَةٍ، عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِينَ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ،
مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ؟ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] وَ
﴿كُلَّمَا أَدُواْ أَن يَخْرُواْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠] فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟ قَالَ: فَقَالَ:
أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَّامٍ مُحَمَّدٍ عَلِيْهِ السَّلامُ - يَعْنِي الَّذِي يَبْعَثُهُ
اللَّهُ فِيهِ؟ - قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ وَّهِ اَلْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ.
قَالَ: ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطِ وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَأَخَافُ أَنْ لاَ أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ.
قَالَ: غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْماً يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا. قَالَ: يَعْنِي
فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِم. قَالَ: فَيَدْخُلُونَ نَهْراً مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ .
قوله: (فهل سمعت بمقام محمد) إلخ: أراد أن المراد بذلك هو مقام الشفاعة التي بها
يخرج أهل النار من النار، فصار مقتضى القرآن أيضاً: الإخراج من النار بعد الدخول.
قوله: (فإنه مقام محمد ﴿ المحمود الذي يخرج الله به) إلخ: اختلف في المقام المحمود
على أقوال كثيرة ذكرها الحافظ في الفتح، ثم قال: ((ويمكن ردّ الأقوال كلها إلى الشفاعة
العامة، فإن إعطاءه لواء الحمد، وثناءه على ربه وكلامه بين يديه، وجلوسه على كرسيه وقيامه
أقرب من جبريل، كل ذلك: صفات للمقام المحمود الذي يشفع فيه ليقضي بين الخلق، وأما
شفاعته في إخراج المذنبين من النار فمن توابع ذلك)). قال النووي تبعاً لعياض: ((الشفاعة
خمس: في الإراحة من هول الموقف، وفي إدخال قوم الجنة بغير حساب، وفي إدخال قوم
حوسبوا فاستحقوا العذاب أن لا يعذبوا، وفي إخراج من أدخل النار من العصاة، وفي رفع
الدرجات، وأشار عياض إلى استدراك شفاعة سادسة، وهي التخفيف عن أبي طالب في
العذاب، وزاد القرطبي أنه أول شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس)).
قال الحافظ: ((وظهر لي بالتتبع شفاعة أخرى، وهي الشفاعة فيمن استوت حسناته وسيئاته
أن يدخل الجنة، ومستندها ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: ((السابق يدخل الجنة بغير
حساب، والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبي وَير)).
وأرجح الأقوال في أصحاب الأعراف أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وشفاعة
أخرى وهي شفاعة فيمن قال: لا إله إلا الله، ولم يعمل خيراً قط، ومستندها رواية الحسن عن
أنس، ولا يمنع من عدها قول الله تعالى له: ليس ذلك إليك، لأن النفي يتعلق بمباشرة
الإخراج، وإلا فنفس الشفاعة منه قد صدرت، وقبولها قد وقع وترتب عليها أثرها ..
قوله: (غير أنه قد زعم أن قوماً) إلخ: زعم هنا بمعنى قال.
قوله: (كأنهم عيدان السماسم) إلخ: بالسينين المهملتين الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة،

٣٥٥
كتاب: الإيمان
فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ. فَرَجَعْنَا قُلْنَا: وَيْحَكُمْ، أَتْرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى
رَسُولِ اللّهِ وَ لَهَ؟ فَرَجَعْنَا. فَلاَ وَاللَّهِ، مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ. أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْم.
٤٧٣ - (٣٢١) حدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدِ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي
عِمْرَانَ وَثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَِّ قَالَ: ((يُخْرُجُ مِنَ النَّارِ أَرْبَعَةٌ
هو جمع سمسم، وهو هذا السمسم المعروف الذي يستخرج منه الشيرج.
قال الإمام أبو السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الأثير
رحمه الله تعالى: ((معناه - والله أعلم - أن السماسم جمع سمسم، وعيدانه تراها إذا قلعت
وتركت في الشمس ليؤخذ حبها رقاقاً سودا، كأنها محترقة، فشبه به هؤلاء))، وفي بعض النسخ
((كأنها عيدان السماسم)) بدل ((كأنهم)) فيكون الضمير عائداً على الصور، أي: كأن صورهم عيدان
السماسم .
وله: (ويحكم، أترون الشيخ يكذب) إلخ: يعني: بالشيخ جابر بن عبد الله بنظ له، وهو
استفهام إنكار وجحد، أي: لا يظن به الكذب بلا شك.
قوله: (فرجعنا فلا والله ما خرج منا) إلخ: معناه رجعنا من حجنا ولم نتعرض لرأي:
الخوارج، بل كففنا عنه وتبنا منه إلا رجل منا، فإنه لم يوافقنا في الانكفاف عنه.
قوله: (أو كما قال أبو نعيم) إلخ: أي: الفضل بن دكين - بضم الدال المهملة المذكورة
في أول الإسناد - وهو شيخ شيخ مسلم، وهذا الذي فعله أدب معروف من آداب الرواة، وهو أنه
ينبغي للراوي إذا روى بالمعنى أن يقول عقب روايته: ((أو كما قال)) احتياطاً وخوفاً من تغيير
حصل.
٣٢١ - (١٩٢) - قوله: (حدثنا هداب بن خالد) إلخ: بفتح الحاء وتشديد الدال المهملة
وآخره باء موحدة، ويقال فيه أيضاً: هدية، بضم الهاء وإسكان الدال، أحدهما اسم، والآخر
لقب .
قوله: (يخرج من النار أربعة) إلخ: لعل إخراجهم لشدة صياحهم في النار، كما وقع في
حديث أبي هريرة عند الترمذي بإسناد ضعيف: ((أن رجلين ممن دخلا النار اشتد صياحهما، فقال
الرب تبارك وتعالى: أخرجوهما، فلما أخرجا قال لهما: لأي شيء اشتد صياحكما؟ قالا : فعلنا
ذلك لترحمنا، قال: رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار، فينطلقان،
فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها برداً وسلاماً، ويقوم الآخر فلا يلقي نفسه، فيقول له الرب تبارك
وتعالى: ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقى صاحبك؟ فيقول: يا رب، إني لأرجو أن لا تعيدني
(١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) لم أجد هذا الحديث أخرجه من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله.

٣٥٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَيُعْرَضُونَ عَلَى اللَّهِ. فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: أَنْ رَبِّ، إِذْ أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا فَلاَ تُعِذْنِي فِيهَا.
فَيَنْجِيهِ اللَّهُ مِنْهَا)) .
٤٧٤ - (٣٢٢) حدّثنا أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ
الْغُبَرِيُّ (وَاللَّفْظُ لأَبِي كَامِلٍ) قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ(١)؛
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ ◌ّهِ: (يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهْتَمُونَ لِذَلِكَ (وَقَالَّ ابْنُ عُبَيْدٍ:
فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ) فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا. قَالَ: فَيَأْتُونَ
آدَمَ نَّهِ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو الْخَلْقِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ
فيها بعد ما أخرجتني، فيقول له الرب تبارك وتعالى: لك رجاءك، فيدخلان الجنة جميعاً برحمة
الله)).
قوله: (فيعرضون على الله تعالى) إلخ: وفي المشكوة من رواية المؤلف: ((فيعرضون على
الله تعالى، ثم يؤمر بهم إلى النار)) يعني: يقال لهم: انطلقوا، فألقوا أنفسكم حيث كنتم من
النار، والله أعلم.
٣٢٢ - (١٩٣) - قوله: (فيهتمون لذلك) إلخ: أي: يعتنون بسؤال الشفاعة وزوال الكرب
الذي هم فيه .
قوله: (فيلهمون لذلك) إلخ: أي: أن الله تعالى يلهمهم سؤال ذلك، والإلهام أن يلقي الله
تعالى في النفس أمراً يحمل على فعل الشيء أو تركه.
قوله: (لو استشفعنا على ربنا) إلخ: أي: ليت طلبنا أحداً ليشفع لنا .
قوله: (حتى يريحنا) إلخ: أي: يعطينا الراحة ويخلصنا، وفي حديث ابن مسعود عند ابن
حبان: ((أن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة، حتى يقول: يا رب، أرحني، ولو إلى النار)) وفي
رواية ثابت عن أنس: ((يطول يوم القيامة على الناس، فيقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى آدم
أبي البشر، فليشفع لنا إلى ربنا، فليقض بيننا)).
قوله: (خلقك الله بيده) إلخ: أي: بلا واسطة، أو بقدرته الكاملة، أو إرادته الشاملة. وفيه
(١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة،
باب قول الله تعالى ((وعلم آدم الأسماء كلها)) رقم (٤٤٧٦) وفي كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم
(٦٥٦٥) وفي كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ((لما خلقت بيدي، رقم (٧٤١٠) وباب كلام الرب عز
وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، رقم (٧٥٠٩) و(٧٥١٠) وباب ما جاء في قوله عز وجل: ((وكلم الله
موسى تكليماً)) رقم (٧٥١٦). وابن ماجه في سننه، في كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة، رقم (٤٣١٢).

٣٥٧
كتاب: الإيمان
فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ
خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ،
أن من طلب من كبير أمراً مُهماً أن يقدم بين يدي سؤاله وصف المسؤول بأحسن صفاته، وأشرف
مزاياه، ليكون ذلك أدعى لإجابته لسؤاله.
قوله: (لست هناكم) إلخ: قيل: هنا إذا لحق به كاف الخطاب يكون للبعد من المكان
المشار إليه، فالمعنى: أنا بعيد من مقام الشفاعة .
قال القاضي البيضاوي: ((أي: يقول آدم عليه لهم: لست في المكان والمنزل الذي
تحسبونني فيه، يريد به مقام الشفاعة)).
وقال القاضي عياض كثّهُ: ((هو كناية عن أن منزلته دون المنزلة المطلوبة، قاله تواضعاً
وإكباراً لما يسألونه، قال: وقد يكون فيه إشارة إلى أن هذا المقام ليس لي بل لغيري)).
قال الحافظ: ((وقد وقع في رواية معبد بن هلال: ((فيقول: لست لها)) وكذا في بقية
المواضع، وفي رواية حذيفة: ((لست بصاحب ذاك)) وهو يؤيد الإشارة المذكورة)).
قال الشيخ محي الدين تقذفه: ((والحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم ومن بعده -
صلوات الله تعالى وسلامه عليهم - في الابتداء ولم يلهموا سؤال نبينا وَ له: إظهاراً لفضيلة
نبينا ◌َّر، فإنهم لو سألوه ابتداء لكان يحتمل أن غيره يقدر على هذا، وأما إذا سألوا غيره من
رسل الله تعالى وأصفيائه فامتنعوا ثم سألوه فأجاب وحصل غرضهم فهو النهاية في ارتفاع المنزلة
وكمال القرب، وفيه تفضيله على جميع المخلوقين من الرسل الآدميين والملائكة المقربين، فإن
هذا الأمر العظيم - وهي الشفاعة العظمى - لا يقدر على الإقدام عليه غيره، صلوات الله وسلامه
عليه وعليهم أجمعين)) .
قوله: (فيذكر خطيئته التي أصاب) إلخ: والراجع إلى الموصول محذوف، أي: التي
أصابها، وهي أكل الشجرة.
قال القاضي عياض: ((استدل بهذا الحديث من جواز الخطايا على الأنبياء، كقول كل من
ذكر فيه ما ذكر، وأجاب عن أصل المسألة بأنه لا خلاف في عصمتهم من الكفر بعد النبوة،
وكذا قبلها على الصحيح، وكذا القول في الكبيرة على التفصيل المذكور، ويلتحق بها ما يزري
بفاعله من الصغائر، وكذا القول في كل ما يقدح في الإبلاغ من جهة القول، واختلفوا في
الفعل: فمنعه بعضهم حتى في النسيان، وأجاز الجمهور السهو، لكن لا يحصل التمادي.
واختلفوا فيما عدا ذلك كله من الصغائر، فذهب جماعة من أهل النظر إلى عصمتهم منها مطلقاً،
وأولوا الأحاديث والآيات الواردة في ذلك بضروب من التأويل، ومن جملة ذلك أن الصادر
عنهم إما أن يكون بتأويل من بعضهم، أو بسهو، أو بإذن لكن خشوا أن لا يكون ذلك موافقاً

٣٥٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلْكِنِ اثْتُوا نُوحاً، أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ. قَالَ: فَيَأْتُونَ نُوحاً وَهِ.
لمقامهم، فأشفقوا من المؤاخذة أو المعاتبة، قال: وهذا أرجح المقالات، وليس هو مذهب
المعتزلة، وإن قالوا بعصمتهم مطلقاً، لأن منزعهم في ذلك التكفير بالذنوب مطلقاً، ولا يجوز
على النبي الكفر، ومنزعنا أن أمة النبي مأمورة بالاقتداء به في أفعاله، فلو جاز منه وقوع
المعصية للزم الأمر بالشيء الواحد والنهي عنه في حالة واحدة، وهو باطل. ثم قال عياض:
وجميع ما ذكر في حديث الباب لا يخرج عما قلناه، لأن أكل آدم من الشجرة كان عن سهو،
وطلب نوح نجاة ولده كان عن تأويل، ومقالات إبراهيم كانت معاريض، وأراد بها الخير، وقتيل
موسی كان كافراً)) والله أعلم.
قوله: (فيستحيي ربه منها) إلخ: يدل على أن المانع من الشفاعة الاستحياء والخطيئة التي
ذكرها، وإن كان الرب سبحانه وتعالى قد عفا عنه، إلا أن عفو الخطيئة لا يمنع استحياء
الخاطىء من أن يقوم بشفاعة غيره وقت استحضارة الخطيئة، ومشاهدة غضب ربه الشديد، وهذا
أمر نشاهده في الدنيا بحيث لا يمكن أن يرتاب فيه.
قوله: (ولكن ائتوا نوحاً) إلخ: فيه أن المسؤول إذا لم يقدر على تحصيل ما سئل يعتذر بما
يقبل منه، ويدل على من يظن أنه يكمل في القيام بذلك، فالدال على الخير كفاعله، وأنه يثني
على المدلول عليه بأوصافه المقتضية لأهليته، فيكون أدعى لقبول عذره في الامتناع.
قوله: (أول رسول بعثه الله تعالى) إلخ: وفي رواية هشام: ((إلى أهل الأرض)) قلت: أي:
أول رسول كان قائماً بأعباء الرسالة في مفتح عمارة الأرض ثانياً بعد خرابها، كما كان آدم ◌َلَّلا
أول نبي في مبتدأ الخلق، ولهذا يقال لنوح علـ ا: الأب الثاني، ولأدم: الأب الأول، فالأولية
إضافية، والله أعلم.
قال الحافظ: ((وقد استشكلت هذه الأولية بأن آدم نبي مرسل، وكذا شيث وإدريس، وهم
قبل نوح. ومحصل الأجوبة عن هذا الإشكال أن الأولية مقيدة بقوله: ((أهل الأرض)) ويشكل
عليه حديث جابر وفيه: ((وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)) ويجاب بأن
العموم لم يكن في أصل بعثة نوح، وإنما اتفق باعتبار حصر الخلق في الموجودين، بعد هلاك
سائر الناس، فبعثه إلى أهل الأرض باعتبار الواقع، لصدق أنهم قومه، بخلاف عموم بعثة
نبينا * لقومه ولغير قومه، أو الأولية مقيدة بكونه أهلك قومه، أو أن الثلاثة كانوا أنبياء ولم
يكونوا رسلاً، وإلى هذا جنح ابن بطال في حق آدم، وتعقبه عياض بما صححه ابن حبان من
حديث أبي ذر، فإنه كالصريح في أنه كان مرسلاً، وفيه التصريح بإنزال الصحف على شيئ،
وهو من علامات الإرسال، وأما إدريس فذهبت طائفة إلى أنه كان من بني إسرائيل، وهو إلياس
كما تقدم، ومن الأجوبة أن رسالة آدم كانت إلى بنيه، وهم موحدون ليعلمهم شريعته، ونوح
كانت رسالته إلى قوم كفار يدعوهم إلى التوحيد.

٣٥٩
كتاب: الإيمان
فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْبِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلْكِنِ اثْتُوا
قوله: في نوح: (فيذكر خطيئته التي أصاب) إلخ: في رواية هشام: ((ويذكر سؤال ربه ما
ليس له به علم)) وفي رواية معبد بن هلال: ((وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي)) وفي
حديث أبي هريرة: ((إني دعوت بدعوة أغرقت أهل الأرض)) ويجمع بينه وبين الأول بأنه اعتذر
بأمرين: أحدهما: نهى الله تعالى له أن يسأل ما ليس له به علم، فخشي أن تكون شفاعته لأهل
الموقف من ذلك، ثانيهما: أن له دعوة واحدة محققة الإجابة، وقد استوفاها بدعائه على أهل
الأرض فخشي أن يطلب فلا يجاب.
وقال بعض الشراح: كان الله وعد نوحاً أن ينجيه وأهله، فلما غرق ابنه ذكر لربه ما وعده،
فقيل له: المراد ((من أهلك)): من آمن وعمل صالحاً، فخرج ابنك منهم، فلا تسأل ما ليس لك
به علم.
تنبيه:
ذكر أبو حامد الغزالي في كشف علوم الآخرة: ((أن بين إتيان أهل الموقف آدم وإتيانهم
نوحاً ألف سنة، وكذا بين كل نبي ونبي إلى نبينا وَّر، ولم أقف لذلك على أصل، ولقد أكثر في
هذا الكتاب من إيراد أحاديث لا أصول لها، فلا يغتر بشيء منها)) قاله الحافظ.
قوله في إبراهيم: (ويذكر خطيئته التي أصاب) إلخ: قال الحافظ: ((وفي رواية همام: ((إني
كنت كذبت ثلاث كذبات)) زاد شيبان في روايته قوله: ﴿إِنِّ سَقِيمٌ﴾ [الصافات، آية: ٨٩] وقوله:
﴿فَعَلَهُ كَبِيُهُمْ﴾ [الأنبياء، آية: ٦٣] وقوله لامرأته: ((أخبريه أني أخوك)).
قال البيضاوي: ((الحق أن الكلمات الثلاث إنما كانت من معاري الكلام، لكن لما كانت
صورتها صورة الكذب أشفق منها استصغاراً لنفسه عن الشفاعة مع وقوعها، لأن من كان أعرف
بالله وأقرب إليه منزلة: كان أعظم خوفاً)).
قال ابن الملك: ((الكامل قد يؤاخذ بما هو عبادة في حق غيره، كما قيل: حسنات الأبرار
سیئات المقربين)) .
قال الحافظ: (وأما إطلاق إبراهيم الكذب على الأمور الثلاثة فلكونه قال قولاً يعتقده
السامع كذباً، لكنه إذا حقق لم يكن كذباً، لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين، فليس
بكذب محض :
فقوله: ﴿إِنِ سَقِيمٌ﴾ [الصافات، آية: ٨٩] يحتمل أن يكون أراد أني سقيم، أي: سأسقم، واسم
الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيراً، ويحتمل أنه أراد أني سقيم بما قدر علي من الموت، أو
سقيم الحجة على الخروج معكم، وحكى النووي عن بعضهم أنه كان تأخذه الحمى في ذلك
الوقت، وهو بعيد، لأنه لو كان كذلك لم يكن كذباً لا تصريحاً ولا تعريضاً.

٣٦٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِبْرَاهِيمَ نَّهِ الَّذِي اَنَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلاً. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ وَِّ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ
خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا. وَلْكِنِ اثْتُوا مُوسَى ◌َّهِ، الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَعْطَاهُ
التَّوْرَاةَ. قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي
أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلكِنِ الْتُوا عِيسَى رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ. فَيَأْتُونَ عِيسَى رُوحَ اللهِ
وَكَلِمَتَهُ. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ.
وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيِرُهُمْ﴾ قال القرطبي: ((هذا قاله تمهيداً للاستدلال على أن الأصنام
ليست بآلهة، وقطعاً لقومه في قولهم: إنها تضر وتنفع، وهذا الاستدلال يتجوز فيه في الشرط
المتصل، ولهذا أردف قوله: ﴿بَلِّ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ﴾ بقوله: ﴿فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنَطِقُونَ﴾
[الأنبياء، آية: ٦٣] أو إنه أسند إليه ذلك لكونه السبب، وعن الكسائي أنه كان يقف عند قوله: ﴿بَلْ
فَعَلَهُ﴾ أي: فعله من فعله كائناً ما كان، ثم يبتدئ ((كبيرهم هذا))، وهذا خبر مستقل، ثم يقول:
﴿فَتَثَلُوهُمْ﴾ إلى آخره، ولا يخفى تكلفه.
وقوله: ((هذه أختي)) يعتذر عنه بأن مراده أنها أخته في الإسلام، كما سيأتي واضحاً.
قال ابن عقيل ((دلالة العقل تصرف ظاهر إطلاق الكذب على إبراهيم، وذلك أن العقل قطع
بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقاً به ليعلم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب
عليه، فكيف مع وجود الكذب منه؟ وإنما أطلق عليه ذلك لكونه بصورة الكذب عند السامع،
وعلى تقديره فلم يصدر ذلك من إبراهيم عليّلا - يعني: إطلاق الكذب على ذلك - إلا في حال
شدة الخوف لعلو مقامه، وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز، وقد يجب لتحمل
أخف الضررين دفعاً لأعظمهما، وأما تسميته إياها ((كذبات)) فلا يريد أنها تذم، فإن الكذب وإن
كان قبيحاً مخلاً لكنه قد يحسن في مواضع، وهذا منها)). كذا في الفتح.
قوله في موسى: (يذكر خطيئته التي أصاب) إلخ: في حديث أبي هريرة («إني قتلت نفساً لم
أومر بقتلها)) .
قوله (فيأتون عيسى روح الله) إلخ: أضافه إليه تشريفاً، ولأنه كان يحيي الموتى، أي: لغلبة
آثار الحياة عليه.
قوله: (وكلمته) إلخ: أي: خلق بأمر (كن)) أو كلمته في دعوته كانت مستجابة.
قوله في عيسى: (لست هناكم) إلخ: وفي حديث أبي هريرة: ((قال: ولم يذكر ذنباً)) لكن
وقع في رواية الترمذي من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد: ((إني عبدت من دون الله)) وفي رواية
أحمد والنسائي من حديث ابن عباس: ((إني اتخذت إلهاً من دون الله)) فاستحيا من افتراء
النصارى في حقه بأنه ابن الله، أو ثالث ثلاثة، ولعله صدر منه عليه الصلاة والسلام في بعض
الأحيان بعض أقوال أو أفعال أوهم بعنوانه وصورته بعض السفهاء القاصرين ابنيته، فتعلقوا به