النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ كتاب: الإيمان ورد من النهي عن الخوض فيها، اللهم اهدنا صراطك المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين)). عبقة (٥): ((المشتق فعلاً كان أو اسماً: لا بد له من: مفهوم، ومشتق منه وذات، أما المفهوم فظاهر، وأما المشتق منه فهو المعنى المصدري، ولنسمه بالمبدأ، وأما الذات فهي ما ينسب إليه المفهوم إسناداً أو حملاً، ثم المبدأ انتزاعي أبداً باتفاقهم، وقد يكون منشأ انضمامي، ولفظ المصدر إنما وضع بإزاء الأمر الانتزاعي، وقد يطلق على المنشأ مجازاً، فالسواد بمعنى كون الشيء أسود مبدأ وبمعنى اللون المحسوس منشأ، وكذا العلم بمعنى الانكشاف مبدأ وبمعنى الكيفية القائمة للنفس منشأ)). عبقة (٦): ((صدق المشتق حقيقة على ذات يقتضي قيام المبدأ بها البتة، وأما المنشأ فقيامه بالتجلي كاف لصدق المتشق على الذات المتجلية حقيقة، ومن ادعى كونه مجازاً فليأت بنص من أئمة اللغة على أن إسناد تكلم إلى زيد مع قيام الصوت بلسانه، وإسناد غضب إليه مع قيام الكيفية الغضبية بقلبه، وإسناد سفر إليه إذا سافر على السفينة مع قيام الحركة بها، وإسناد تحرك إليه مع قيام الحركة ببدنه: مجاز، والعذر بأن أهل اللغة إنما لا يعدونه مجازاً لغفلتهم عن المغايرة بين النفس والبدن مردود، بأنهم يفرقون بين المتكلم واللسان البتة، أليس أنه إذا قطع لسان زيد أو يده لا يحكم أحد من أهل اللغة أنه انعدم المتكلم والضارب؟ ولذا يأخذونه بما تكلم، أو ضرب بعد أن قطع لسانه أو يده، ثم لو سلمنا أن إطلاق المشتق على المتجلي بقيام المنشأ بالتجلي؛ مجاز لغوي، لكنه لا شك أنه حقيقة عرفية لا يحتاج هذا الاطلاع إلى تأول أصلاً، وذلك كاف في كونه حقيقة، بل الحقيقة العرفية هي المستعملة في كلام الفصحاء، أليس أن قولك: سمعت شجاعة زيد، مع أن المسموع هو الكلام دون ماهو من الملكات القلبية، أو رأيت كلام زيد مع أن المرئي هو النقوش دون الكلمات، أو قد وصل إليّ أمر الملك هكذا، أو نهيه هكذا، مع أن الواصل هو القرطاس المكتوب فيه النقوش الدالة على الأمر أو النهي: لا يعده أحد من أهل اللسان من المجاز؟ ثم إن الأمر في أن اللفظ حقيقة أو مجاز: سهل لا يتعلق بفننا هذا مزيد تعلق، وإنما المقصود ههنا أن قيام المناشئ بنفس الذات من الآثار، فهي بعينها يترتب على قيامها بتجليها مثلاً ما يترتب على وصول نفس المعاني المجردة من الألفاظ إلى ذهن السامع من الآثار من حصول اطلاعه علينا، وتكمله بالعلم بها، وتنبيهه على رتبة سليقة المتكلم في التصرف في ٣٢٢ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم المعقولات، وكذا صيرورته مأموراً بشيء من قبل المتكلم أو منهياً عن شيء إلى غير ذلك من الآثار فهي بعينها يترتب على وصول الألفاظ إليه، فإذاً: التدقيق في وجود المغايرة بين اللفظ والمعنى، وحمل ما سار ودار على ألسنة أهل العرف: مما يدل على اتحادهما على المجاز، والتصدي بتأويله قليل الجدوى، بل لغو لا طائل تحته، بل موجب للحرمان عن الثمرات المترتبة على العقدة المتحققة بينهما التي بسببها ينفذ النظر من أحدهما إلى الآخر نفوذ الخط الشعاعي من المرآة إلى ما ورائها، ومثل من يلاحظ التجلي على وجه التغاير بينه وبين المتجلي كمثل الجاهل بوضع الألفاظ يستمعها ولا ينتقل ذهنه منها إلى المعاني. وبالجملة كما أن المأخوذ في اللغة ليست حقائق المعاني وماهياتها بل آثارها، فكذلك المأخوذ في المشتق ليس نحو تحقق المنشأ من قيامه بالذات أو بتجليها، بل ما يترتب عليه آثار تحققه، فتنبه ولا تكن من الغافلين)). عبقة (٧): ((المؤولون لكلام الأنبياء بل سائر الدعاة إلى التجليات المشتمل على إطلاق المشتقات وإسناد الأفعال إلى الرب تبارك وتعالى بناء على قيام مناشئها بالتجليات: على صنفين: صنف: قائلون بتحقق المناشئ في نفس الأمر إلا أنهم يحكمون بالتجوز في إطلاق المشتق وذلك لعدم اكتناههم اضمحلال التجلي في المتجلي، وكونه شرطاً لثبوت الأحكام وصدق المشتقات، لا مثبتاً له، ومصداقاً لها . وصنف آخر : - وهم الأكثرون - يجحدون بمعنى التجلي، فينكرون تحقق المناشئ في نفس الأمر، قائلين بأنه مجاز محض، وتصوير للمعقول بالمحسوس، ولا يخفى أنه تصوير بعيد مبني على علائق خفية ضعيفة لا يليق بناء المجاز عليها بأحد من أهل اللسان. والعجب أن أرباب الشرائع صلوات الله عليهم لم ينصبوا قرينة على صرف الكلام عن الظاهر، ولم يذكروا مدة عمرهم قط عند أحد (من أتباعهم المخلِصين والمخلَصين)(١)، لا في السر ولا في الإعلان أن ظاهر هذا الكلام ليس بمراد، بل لم يتكلموا بالحقيقة قط من أن الرب تبارك وتعالى منزّه عما نسند إليه، كيف! ولم يثبت حديث صحيح ولا ضعيف يطابق ما يدعيه هؤلاء من نفي أمثال تلك الأحكام عنه، فكأنهم ينسبون الإضلال إلى أرباب الشرائع - نعوذ بالله - بل ينجرّ هذا إلى الاعتراض عليه تبارك وتعالى بأنه اختار لهداية الناس رجالاً لم تكشفوا لهم قط عما هو العمدة من أبواب الهداية، وهو الإلهيات، بل علّموهم ما لا يطابق الواقع أصلاً سبحانك هذا بهتان عظيم. فأولئك قد خلعوا ربقة الشريعة من عنقهم، فليسوا من أهل السنة في شيء، وإن لم يسم (١) قوله: ((من أتباعهم المخلصين، والمخلصين)) الأول بكسر اللام والثاني بفتحها. ٣٢٣ كتاب: الإيمان الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّىَ بَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَتَّعُونَهُ. وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ. فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي . بعضهم نفسه به، بل أهل السنة في الحقيقة هم الصحابة وأتباعهم، فلسنا ننكص على أعقابنا بعد إذ سمعنا أن الرحمن على العرش استوى، وأنه ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا، وأنه يحول بين المرء نفسه، وأنه نادى من جانب الطور الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى، وأنه تجلى على الجبل فجعله دّا، وأنه رآه محمد ګ في منامه، فوضع يده بین کتفيه حتى وجد برد أنامله بين ثدييه، وقال: ((يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى))، وأن العرش يئظّ به أطيط الرحل بالراكب، وأنه يضحك ويتشبش، ويحب ويعادي، ويرضى ويسخط، ويتردد في قبض نفس عبده المؤمن، وأنه بين العبد وبين قبلته في الصلاة، وأنه إذا حفظه عبده وجده تجاهه، وأن العبد لا يزال يتقرب إليه بالنوافل حتى يصير سمعه وبصره ويده ورجله، وأنه سيتجلى غداً في المحشر، ويكلم العبد ليس بينه وبينه ترجمان، وأنه سيظهر في صورة لا يعرفه المؤمنون بها، ثم في أخرى يعرفونها، وأنه سيرونه عياناً رؤية القمر ليلة البدر، وسيصافح أو يعانق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وسيطلع عليهم في الجنة من فوق، فيقول: السلام عليكم، وأمثال ذلك كثيرة لا تعد ولا تحصى. ﴿رَبََّآَ ءَامَنَا بِمَا أَنزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ ﴾﴾ [آل عمران، آية: ٥٣]. وما ادعاه أولئك من سلب أمثال أمثال هذه الأحكام عنه فليس لهم عليه حجة إلا ما هو أوهن من نسج العنكبوت)). قوله: (فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون) إلخ: قيل: المراد بذلك الصفة والمعنى، فيتجلى الله لهم بالصفة التي يعلمونه بها، وإنما عرفوه بالصفة وإن لم تكن تقدمت لهم رؤيته، لأنهم يرون حينئذ شيئاً لا يشبه المخلوقين، وقد علموا أنه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، فيعلمون أنه ربهم، فيقولون: أنت ربنا، وعبر عن الصفة بالصورة لمجانسة الكلام لتقدم ذكر الصورة. قال الحافظ: ((ووقع في رواية هشام بن سعد: «ثم نرفع رؤوسنا، وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فنقول: نعم، أنت ربنا)) وهذا فيه إشعار بأنهم رأوه في أول ما حشروا، والعلم عند الله. وقيل: يحتمل أن يشير بذلك إلى ما عرفوه حين أخرج ذرية آدم من صلبه، ثم أنساهم ذلك في الدنيا، ثم يذكرهم بها في الآخرة)». قوله: (فيتبعونه) إلخ: قال عياض: ((أي: فيتبعون أمره، أو ملائكته الذين وكلوا بذلك)) ولا حاجة إلى ما قاله بعدما حققنا من القول بالتجليات. قوله: (ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم) إلخ: هو بفتح الظاء وسكون الهاء، ومعناه يمد الصراط عليها، أي: بين طرفيها، كما في المرقاة، وهو جسر على متن جهنم يمرّ عليه الناس كلهم. ٣٢٤ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّ الرُّسُلُ. وَدَغْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ، سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلاَلِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ. هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ. تنبيه: قال الحافظ: ((حذف من هذا السياق ما سيأتي من حديث أنس في ذكر الشفاعة لفصل القضاء، كما حذف من حديث أنس ما ثبت ههنا من الأمور التي تقع في الموقف فينتظم من الحديثين أنهم إذا حشروا وقع ما في حديث الباب من تساقط الكفار في النار، ويبقى من عداهم في كرب الموقف، فيتشفعون، فيقع الإذن بنصب الصراط، فيقع الامتحان بالسجود ليتميز المنافق من المؤمن، ثم يجوزون على الصراط)). قوله: (أول من يجيز) إلخ: بضم الياء وكسر الجيم، قال النووي: ((المعنى: أكون أنا وأمتي أول من يمضي الصراط ويقطعه، يقال: جاز الوادي، وأجازه: إذا قطعه وخلفه)). وقال القرطبي: ((يحتمل أن تكون الهمزة هنا للتعدية، لأنه لما كان هو وأمته أول من يجوز على الصراط لزم تأخير غيرهم عنهم، حتى يجوز، فإذا جاز هو وأمته فكأنه أجاز بقية الناس)) انتھی . ووقع في حديث عبد الله بن سلام عند الحاكم: ((ثم ينادي مناد: أين محمد وأمته؟ فيقوم، فتتبعه أمته برّها وفاجرها، فيأخذون الجسر، فيطمس الله أبصار أعدائه فيتهافتون من يمين وشمال، وينجو النبي والصالحون)). قوله: (ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل) إلخ: قال ابن الملك: ((أراد بقوله: ((يومئذ)) وقت جواز الصراط)). قوله: (ودعوى الرسل يومئذ) إلخ: وللترمذي من حديث المغيرة: ((شعار المؤمنين على الصراط (رب سلّم سلّم)) ولا يلزم من كون هذا الكلام شعار المؤمنين أن ينطقوا به، بل ينطق به الرسل يدعون للمؤمنين بالسلامة، فسمي ذلك شعاراً لم، فبهذا تجتمع الأخبار. قوله: (في جهنم كلاليب) إلخ: جمع كلاب بالضم، أو كُلّوب بالفتح وبتشديد اللام فيهما، وهي حديدة معوجة الرأس يخطف بها أو يعلق عليها اللحم ويرسل في التنور، أو عود في رأسه اعوجاج يجر به الجمر. قال القاضي أبو بكر بن العربي: ((هذه الكلاليب هي الشهوات المشار إليها في حديث: ((حفت النار بالشهوات)) قال: فالشهوات موضوعة على جوانبها، فمن اقتحم الشهوة سقط في النار، لأنها خطاطيفها . قوله: (مثل شوك السعدان) إلخ: بفتح فسكون، قال الحافظ: ((جمع سعدانة، وهو نبات ذو شوك يضرب به المثل في طيب مرعاه، قالوا: مرعى ولا كالسعدان)). قوله: (هل رأيتم السعدان) إلخ: استفهام تقرير لاستحضار الصورة المذكورة. ٣٢٥ كتاب: الإيمان قَالَ: فَإِنَّهَا مِثلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بَأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لا يُشْرِكُ بِاللّهِ شَيْئاً، مِمَّنْ أَرَاد اللَّهُ تَعَالَّى أَنْ يَرْحَمَهُ، قوله: (غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها) إلخ: عظمها بكسر ففتح، أي: عظمة تلك الكلاليب. والضمير في ((أنه)) ضمير الشأن. قال الزين بن المنير: ((تشبيه الكلاليب بشوك السعدان خاص بسرعة اختطافها وكسرة الانتشاب فيها مع التحرز والتصون، تمثيلاً لهم بما عرفوه في الدنيا وألفوه بالمباشرة، ثم استثنى إشارة إلى أن التشبيه لم يقع في مقدارهما)). قوله: (تخطف الناس بأعمالهم) إلخ: أي: تأخذ الكلاليب بسرعة، والطاء مفتوحة وروي بکسرها . قوله: (فمنهم الموبق - يعني: بعمله -) إلخ: بالباء الموحدة والقاف، من: وبق، أي: هلك، وأوبقه غيره، ففي النهاية: وبق يبق ويوبق فهو وبق: إذا هلك، وأوبقه غيره فهو موبق، أي: مهلك. قوله: (ومنهم المجازي) إلخ)): بضم الميم وتخفيف الجيم من الجزاء. قوله: (حتى إذا فرغ الله من القضاء) إلخ: قال ابن أبي جمرة: ((معناه: وصل الوقت الذي سبق في علم الله أنه يرحمهم)). قوله: (وأراد أن يخرج برحمته) إلخ: أي: تدريجاً بشفاعة الأنبياء والملائكة والمؤمنين، كما ثبت في حديث أنس وغيره، ووقع في رواية عمرو بن أبي عمر عن أنس عند النسائي ذكر سبب آخر لإخراج الموحدين من النار، ولفظه: ((وفرغ من حساب الناس، وأدخل من بقي من أمتي النار مع أهل النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله ولا تشركون به شيئاً؟ فيقول الجبار: فبعزتي لأعتقهم من النار، فيرسل إليهم فيخرجون))، وفي حديث أبي موسى عند ابن أبي عاصم والبزار، رفعه: ((إذا اجتمع أهل الناس في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، يقول لهم الكفار: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم، وقد صرتم معنا في النار؟ فقالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فيأمر الله من كان من أهل القبلة فأخرجوا، فقال الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين)) ففي الحديث أن جماعة من مذنبي هذه الأمة يعذبون بالنار ثم يخرجون بالشفاعة والرحمة، خلافاً لمن نفى ذلك عن هذه الأمة، وتأول ماورد بضروب متكلفة والنصوص الصريحة متظافرة متظاهرة بثبوت ذلك. قوله: (أمر الملائكة) إلخ: وفي حديث أنس في الشفاعة: ((فيحد لي حداً فأخرجهم» ويجمع بأن الملائكة يؤمرون على ألسنة الرسل بذلك، فالذين يباشرون الإخراج هم الملائكة. ٣٢٦ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مَمَّنْ يَقُولُ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ، يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ، تَأْكُلُ النَّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إِلا أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ. فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ قوله: (ممن يقول: لا إله إلا الله) إلخ: قال القرطبي: ((لم يذكر الرسالة، إما لأنهما لما تلازما في النطق غالباً وشرطاً اكتفى بذكر الأولى، أو لأن الكلام في حق جميع المؤمنين هذه الأمة وغيرها، ولو ذكرت الرسالة لكثر تعداد الرسل. قلت: الأول أولى، ويعكر على الثاني أنه يكتفي بلفظ جامع كأن يقول - مثلاً -: ونؤمن برسله، وقد تمسك بظاهره بعض المبتدعة ممن زعم أن من وحد الله من أهل الكتاب يخرج من النار ولو لم يؤمن بغير من أرسل إليه، وهو قول باطل، فإن من جحد الرسالة كذب الله، ومن كذب الله لم يوحده. كذا في الفتح. قوله: (يعرفونهم بأثر السجود) إلخ: قال الزين بن المنير: ((تعرف صفة هذا الأثر مما ورد في قوله سبحانه وتعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح، آية: ٢٩] لأن وجوههم لا تؤثر فيها النار، فتبقى صفتها باقية)). قوله: (حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود) إلخ: جواب عن سؤال مقدر تقديره: كيف يعرفون أثر السجود، مع قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم: ((فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن الله تعالى بالشفاعة)»، فإذا صاروا فحماً كيف يتميز محل السجود من غيره حتى يعرف أثره؟ وحاصل الجواب: أن تخصيص أعضاء السجود من عموم الأعضاء التي دل عليها من هذا الخبر، وأن الله منع النار أن تحرق أثر السجود من المؤمن، وهل المراد بأثر السجود نفس العضو الذي يسجد، أو المراد من سجد؟ فيه نظر والثاني أظهر. كذا في الفتح. قال النووي: ((ظاهر هذا أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة، وهي الجبهة، واليدان، والركبتان، والقدمان. وقال القاضي عياض تغّثُ: المراد بأثر السجود الجبهة خاصة، والمختار الأول)». قلت: ويؤيد الثاني ما سبق من القرآن، وما في رواية مسلم: ((إلا دارات وجوههم)) وهو المتبادر لما سيأتي: ((فتحرم صورهم على النار)) وما في بعض الروايات: ((أن منهم من غاب في النار إلى نصف ساقيه)) وفي بعضها: ((وإلى ركبتيه) وفي بعضها: ((وإلى حقوه)) ولا ملجئ إلى التأويل، فهو المعول. وقد استنبط ابن أبي جمرة من هذا أن من كان مسلماً ولكنه كان لا يصلي لا يخرج، إذ لا علامة له، لكن يحمل على أنه يخرج في القبضة لعموم قوله: ((لم يعملوا خيراً قط)) وهو مذكور في حديث أبي سعيد الآتي، وهل المراد بمن يسلم من الإحراق من كان يسجد أو أعم من أن ٣٢٧ كتاب: الإيمان وَقَدِ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَياةِ، فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ. ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلٍ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، فَقُولُ: أَيْ رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، يكون بالفعل أو بالقوة؟ الثاني أظهر، ليدخل فيه من أسلم - مثلاً - وأخلص فبغته الموت قبل أن یسجد . قوله: (قد امتحشوا) إلخ: بفتح المثناة والمهملة وضم المعجمة، أي: احترقوا، وزنه ومعناه، والمحش احتراق الجلد وظهور العظم. قوله: (فيصبّ عليهم ماء الحياة) إلخ: وفي تسمية ذلك الماء ((بماء الحياة)) إشارة إلى أنهم لا يحصل لهم الفناء بعد ذلك. قوله: (فينبتون منه) إلخ: أي: تعود أبدانهم إليهم. قوله: (كما تنبت الحبة في حميل السيل) إلخ: الحبة بكسر المهملة وتشديد الموحدة بزور الصحراء، والجمع حبب، بكسر المهملة وفتح الموحدة بعدها مثلها. وأما الحبة بفتح أوله - وهو ما يزرعه الناس - فجمعها : حبوب، بضمتين. قوله: (في حميل السيل) إلخ: بالحاء المهملة المفتوحة والميم المكسورة، أي: ما يحمله السيل، وفي بعض الروايات: ((إلى جانب السيل)) والمراد أن الغثاء الذي يجئ به السيل يكون فيه الحبة فيقع في جانب الوادي، فتصبح من يومها نابتة. قال ابن أبي جمرة: ((فيه إشارة إلى سرعة نباتهم، لأن الحبة أسرع في النبات من غيرها، وفي السيل أسرع لما يجتمع فيه من الطين الرخو الحادث مع الماء مع ما خالطه من حرارة الزبل المجذوب معه. قال: ويستفاد منه أنه لو كان عارفاً بجميع أمور الدنيا بتعليم الله تعالى له وإن لم یباشر ذلك)). قوله: (مقبل بوجهه على النار) إلخ: أي: متوجه. قوله: (وهو آخر أهل الجنة دخولاً الجنة) إلخ: وردت أحاديث في آخر أهل الجنة دخولاً فيها، وآخر أهل النار خروجاً منها، وفي سياقها نوع تفاوت كما ستطلع عليه، فأشار ابن أبي جمرة إلى المغايرة بين آخر من يخرج من النار بعد أن يدخلها حقيقة، وبين آخر من يخرج ممن يبقى ماراً على الصراط، فيكون التعبير ((بأنه خرج من النار)) بطريق المجاز، لأنه أصابه من حرها وكربها يشارك به بعض من دخلها . قوله: (أي: رب، اصرف وجهي) إلخ: وقد استشكل كون وجهه إلى جهة النار، والحال أنه ممن يمرّ على الصراط طالباً إلى الجنة فوجهه إلى الجنة، لكن وقع في حديث أبي أمامة المشار إليه قبل، أنه ينقلب على الصراط ظهراً لبطن، فكأنه في تلك الحالة انتهى إلى آخره ٣٢٨ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَدْعُو اللَّهَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَهُ. ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ. وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ. فصادف أن وجهه كان من قبل النار ولم يقدر على صرفه عنها باختياره، فسأل ربه في ذلك، كذا في الفتح، وهذا على تقدير إرادة الشق الثاني مما نقلنا عن ابن أبي جمرة في شرح القول المتقدم . قوله: (فإنه قد قشبني ريحها) إلخ: بقاف وشين معجمة مفتوحتين مخففاً، وحكي التشديد، ثم موحدة، قال الخطابي: ((قشبه الدخان إذا ملأ خياشيمه، وأخذ يكظمه، وأصل القشب خلط السم بالطعام، يقال: قشبه: إذا سمّه، ثم استعمل فيما إذا بلغ الدخان والرائحة الخبيثة منه غایته)) . قال النووي: ((معنى (قشبني)): سمني وآذاني وأهلكني)). قال ابن أبي جمرة: ((إذا فسرنا القشب بالنتن والمستقذر كانت طيه إشارة إلى طيب ريح الجنة، وهو من أعظم نعيمها، وعكسها النار في جميع ذلك)). قوله: (وأحرقني ذكائها) إلخ: بفتح المعجمة والمد، قال النووي: ((كذا وقع جميع روايات الحديث، أي: لهبها واشتعالها وشدة وهجها، والأشهر في اللغة مقصورة، وقيل: المد والقصر لغتان)). وقال ابن القطاع: ((يقال: ذكت النار تذكو ذكا بالقصر، وذكواً بالضم، وتشديد الواو، أي: كثر لهبها، واشتد اشتعالها ووهجها، وأما ذكا الغلام ذكاء بالمد، فمعناه: أسرعت فطنته)). قوله: (هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غيره) إلخ: قوله: ((أن تسأل)) خبر ((عسيت)) والجملة الشرطية معترضة بين اسم ((عسى)) وخبرها، والمعنى: هل يتوقع منك سؤال شيء غير ذلك، هو استفهام تقرير، لأن ذلك عادة بني آدم، والترجي راجع إلى المخاطب لا إلى الرب، وهو من باب إرخاء العنان إلى الخصم ليبعثه ذلك على التفكر في أمره، والإنصاف من نفسه. قال الكلاباذي: ((إمساكه أولاً عن السؤال حياء من ربه، والله يحب أن يسأل، لأنه يحب صوت عبده المؤمن فيباسطه بقوله أولاً: لعلك إن أعطيت هذا تسأل غيره، وهذه حالة المقصر، فكيف حالة المطيع»؟ قوله: (فإذا أقبل على الجنة) إلخ: سقط من حديث الباب ذكر الشجرات التي سيأتي ذكرها في حديث ابن مسعود عند المؤلف، كما سقط من حديث ابن مسعود ما ثبت في حديث الباب من طلب القرب من باب الجنة. ٣٢٩ كتاب: الإيمان فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ لا تَسْأَلُنِي غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ، وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَي رَبِّ، وَيَدْعُو اللَّهَ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلَكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لا، وَعِزَّتِكَ. فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَّنَةِ انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَغْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ، وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، لا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلاَ يَزَالُ يَدْعُو اللَّهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ. فَإِذَا ضَحِكَ اللَّهُ مِنْهُ، قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللَّهُ لَهُ: تَمَنَّهُ، فَيَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى، قبوله: (ويلك يا ابن آدم) إلخ: الويل: الهلاك. قوله: (ما أغدرك) إلخ: بالغين المعجمة والدال المهملة. و((ما)) فيه للتعجب، أي: يستحق أن يتعجب منك بكثرة غدرك في عهودك. قال الكلاباذي: ((وليس نقض هذا العبد عهده وتركه ما أقسم عليه جهلاً منه ولا قلة مبالاة، بل علماً منه بأن نقض هذا العهد أولى من الوفاء به، لأن سؤاله ربه أولى من ترك السؤال مراعاة للقسم، وقد قال النبي ◌َّر: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير)) فعمل هذا العبد على وفق هذا الخبر، والتكفير قد ارتفع عنه في الآخرة)). قوله: (فيقول: لا وعزتك) إلخ: قال ابن أبي جمرة: ((إنما بادر للحلف من غير استحلاف لما وقع له من قوة الفرح بقضاء حاجته، فوطن نفسه على أن لا يطلب مزيداً، وأكده بالحلف)). قوله: (انفهقت له الجنة) إلخ: بفتح الفاء والهاء والقاف، أي: انفتحت واتسعت. قوله: (أي: رب، لا أكونن أشقى خلقك) إلخ: لفظه لفظ الخبر، ومعناه الطلب، دل عليه قوله في رواية أخرى: ((لا تجعلني أشقى خلقك)) وجه كونه أشقى أن الذي يشاهد ما يشاهده ولا يصل إليه: يصير أشد حسرة ممن لا يشاهد. وقوله: ((خلقك)) مخصوص بمن ليس من أهل النار. قوله: (حتى يضحك الله عزّ وجل منه) إلخ: قال البيضاوي: ((نسبة الضحك إلى الله تعالى مجاز بمعنى الرضاء)). قوله: (فيسأل ربه ويتمنى) إلخ: في رواية أبي سعيد عند أحمد: ((فيسأل ويتمنى مقدار ثلاثة أيام من أيام الدنيا». ٣٣٠ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَتَّى إِنَّ اللَّهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ)) . قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُذْرِيُّ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئاً، حَتَّى إِذَا حَدَّث أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ، يَا أَبَا هُرَيْرَة. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إِلَا قَوْلَهُ: ((ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ)). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وََّ قَوْلَهُ: ((ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ. ٤٥١ - (٣٠٠) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْئِيُّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً أَخْبَرَهُمَا؛ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ وَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ... وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ . ٤٥٢ - (٣٠١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهِ؛ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ(٦) عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّ أَذْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَّهُ: تَمَنَّ. قوله: (حتى إن الله ليذكره من كذا وكذا) إلخ: أي: يلقنه الله ما لا علم له به، كما في حديث أبي سعيد. قوله: (ذلك لك وعشرة أمثاله) إلخ: وقع في حديث أبي سعيد الطويل المذكور في كتاب التوحيد من صحيح البخاري من طريق أخرى عنه بعد ذكر من يخرج من عصاة الموحدين، فقال في آخره: ((فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه)) فهذا موافق لحديث أبي هريرة في الاقتصار على المثل، ويمكن أن يجمع: أن يكون عشرة الأمثال إنما سمعه أبو سعيد في حق آخر أهل الجنة دخولاً، والمذكور هنا في حق جميع من يخرج بالقبضة، وجمع عياض بين حديثي أبي سعيد وأبي هريرة باحتمال أن يكون أبو هريرة سمع أولاً قوله: ((ومثله معه)) فحدث به، ثم حدث النبي ◌ّله بالزيادة، فسمعه أبو سعيد، وعلى هذا فيقال: سمعه أبو سعيد وأبو هريرة معاً أولاً، ثم سمع أبو سعيد الزيادة بعد. ٣٠١ - (٠٠٠) - قوله: (فذكر أحاديث، منها: وقال رسول الله (*) إلخ: قال النووي كثّفُ: (١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى مسلم رحمه الله، وقد أخرجه أحمد في مسنده (٣١٥/٢) وانظر السنن للدارمي كتاب الرقاق، باب في أدنى أهل الجنة منزلاً، رقم (٢٨٣٢). ٣٣١ كتاب: الإيمان فَيَتَمِّنَّى وَيَتَمَّنَّى. فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ)) . ٤٥٣ - (٣٠٢) وحدّثني سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قال: حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ(١)؛ ((أَنَّ نَاساً فِي زَمَنٍ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ ((إن الصحائف والأجزاء والكتب المشتملة على أحاديث بإسناد واحد إذا اقتصر عند سماعها على ذكر الإسناد في أولها ولم يجدد عند كل حديث منها، وأراد إنسان ممن سمع كذلك أن يفرد حديثاً منها غير الأول بالإسناد المذكور في أولها: فهل يجوز له ذلك؟. قال وكيع بن الجراح، ويحيى بن معين، وأبو بكر الإسماعيلي الشافعي الإمام في الحديث والفقه والأصول: يجوز ذلك، وهذا مذهب الأكثرين من العلماء، لأن الجميع معطوف على الأول، فالإسناد المذكور أولا في حكم المعاد في كل حديث. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني الفقيه الشافعي الإمام في علم الأصول والفقه وغير ذلك: لا يجوز ذلك، فعلى هذا من سمع هكذا فطريقه أن يبين ذلك كما فعله مسلم، فمسلم تثاثهُ .(( سلك هذا الطريق ورعاً واحتياطاً وتحرياً وإتقاناً، قوله: (فيتمنى ويتمنى) إلخ: الظاهر أن المراد بالتكرير هو التكثير. قال الطيبي: ((إن المعنى أن أدنى منزلة أحدكم في الجنة أن ينال أمانيه كلها، بحيث لا تبقى له أمنية، ونحوه قول الشاعر : تركتني أصحب الدنيا بلا أمل لم يُبق جودك لي شيئاً أؤمّله قوله: (فيقول له: هل تمنيت) إلخ: أي: جميع أمانيك. قوله: (فإن لك ما تمنيت) إلخ: أي: وعداً وعدلاً . قوله: (ومثله معه) إلخ: أي: زيادة وفضلاً . قوله: (في رؤية الشمس بالظهيرة) إلَخ: أي: وقت انتصاف النهار. (١) قوله: ((عن أبي سعيد الخدري)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، رقم (٢٢) وفي كتاب التفسير، تفسير سورة النساء، باب ((إن الله لا يظلم مثقال ذرة)) يعني زنة ذرة، رقم (٤٥٨١) وفي تفسير سورة ((نَ والقلم)) باب ((يوم يكشف عن ساق)) رقم (٤٩١٩) وفي كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم (٦٥٤٩) و(٦٥٦٠) وباب الصراط جسر جهنم، رقم (٦٥٧٤) وفي كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ رقم (٧٤٣٨) و(٧٤٣٩) وباب كلام الرب مع أهل الجنة، رقم (٧٥١٨). ٣٣٢ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم صَحْواً لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوَاً لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لا. يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّ كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةٍ أَحَدِهِمَا. إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَبَعْ كُلُّ ◌ُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلاَ يَبْقَى أَحَدٌ. كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ، إِلا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرِّ وَفَّاجِرٍ، وَغُبَّرٍ أَهْلٍ الْكِتَابِ، فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: قوله: (صحوا) إلخ: أي: حين لا سحاب ولا غبار، وفي القاموس: الصحو ذهاب الغيم، فقوله: ((ليس معها سحاب)) تأكید. قوله: (ليس فيها سحاب) إلخ: أي: في السماء بقرينة المقام، وإن لم يجر لها ذكر، أو في جهة رؤية القمر من المساء. قوله: (إلا كما تضارون في رؤية أحدهما) إلخ: فيه مبالغة وتعليق بالمحال، أي: لو كان في رؤية أحدهما مضارّة لكان في رؤيته مضارّة، فالمعنى لا تضارّون أصلاً كما لا تضارّون في رؤيتهما أصلاً . قوله: (أُذّن مؤذّن) إلخ: أي: نادى مناد. قوله: (ليتبع كل أمة) إلخ: أي: ليعقب. قوله: (من الأصنام والأنصاب) إلخ: جمع نصب بفتح النون وضمها، وسكون الصاد، ويضمان، وهي حجارة كانت تنصب وتعبد من دون الله تعالى، ويذبحون عليها تقرّبا إلى آلهتهم، وكل ما نصب واعتقد تعظيمه من الحجر والشجر فهو النصب. قوله: (وغبّر أهل الكتاب) إلخ: بضم الغين المعجمة وفتح الباء الموحدة المشددة، ومعناه: بقاياهم، جمع غابر، وهو الباقي. قال الحافظ: والمراد هنا من كان يوحد الله منهم، وكان اليهود وكذا النصارى ممن كان لا يعبد الصلبان لماكانوا يدّعون أنهم يعبدون الله تعالى تأخّروا مع المسلمين، فلما حققوا على عبادة من ذكر من الأنبياء ألحقوا بأصحاب الأوثان، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الآية [البينة، آية: ٦] فأما من كان متمسكاً بدينه الأصلي فخرج بمفهوم قوله: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ . قوله: (فيدعي اليهود) إلخ: قدموا بسبب تقدم ملتهم على ملة النصارى. قوله: (فيقال لهم) إلخ: لم أقف على تمسية قائل ذلك لهم، والظاهر أنه الملك الموكل بذلك. ٣٣٣ كتاب: الإيمان كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ. فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلاَ وَلَدٍ. فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا: عَطِشْنَا، يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ: أَلاَ تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضاً. فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى. فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلاَ وَلَدٍ. فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقُولُونَ: عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا، فَاسْقِنَا. قَالَ: فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ: أَلاَ تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَخْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضاً، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ بَرِّ وَفَاجِرٍ، أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا. قَالَ: فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَنْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، لاَ نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًاً) قوله: (كنا نعبد عزيرا ابن الله) إلخ: هذا فيه إشكال، لأن المتصف بذلك بعض اليهود، وأكثرهم ينكرون ذلك، ويمكن أن يجاب بأن خصوص هذا الخطاب لمن كان متصفاً بذلك، ومن عداهم يكون جوابهم ذكر من كفروا به، كما وقع في النصارى، فإن منهم من أجاب بأن المسيح ابن الله، مع أن فيهم من كان بزعمه يعبد الله وحده، وهم ((الاتحادية)) الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم. قوله: (فيقال: كذبتم) إلخ: فيه نفي اللازم، وهو كونه ابن الله، ليلزم نفي الملزوم: وهو عبادة ابن الله . قوله: (كأنها سراب) إلخ: هو الذي يتراءى للناس في الأرض القفر والقاع المستوي وسط النهار في الحر الشديد لامعاً مثل الماء ﴿يَحْسَبُهُ اُلَّمْشَانُ مَآءَ حَّةٍ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور، آية: ٣٩] فالكفار يأتون جهنم - أعاذنا الله الكريم وسائر المسلمين منها ومن كل مكروه - وهم عطاش فيحسبونها ماء، فيتساقطون فيها . قوله: (يحطم بعضها بعضاً) إلخ: أي: لشدة اتقادها وتلاطم أمواج لهبها، والحطم: الكسر والإهلاك، والحطمة: اسم من أسماء النار، لكونها تحطم ما يلقي فيها . قوله: (يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ماكنا) إلخ: قال النووي كَّفُهُ: ((معناه التضرع إلى الله في كشف الشدة عنهم، بأنهم لزموا طاعته، وفارقوا في الدنيا من زاغ عن طاعته من أقاربهم مع حاجتهم إليهم في معاشهم ومصالح دنياهم، كما جرى لمؤمني الصحابة حين قاطعوا من أقاربهم من حادّ الله ورسوله مع حاجتهم إليهم والارتفاق بهم، وهذا ظاهر في معنى الحديث لا شك في حسنه)). ٣٣٤ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ. فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلاَ يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلاَّ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلاَ يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتَّقَاءً وَرِيَاءً إِلَّ جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةٌ وَاحِدَةً. كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ قوله: (حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب) إلخ: قال النووي: ((ينقلب عن الصواب ويرجع عنه للامتحان الشديد الذي جری)). قال القرطبي: ((وهؤلاء طائفة لم يكن لهم رسوخ بين العلماء، ولعلهم الذين اعتقدوا الحق وحوموا عليه من غير بصيرة)). قوله: (فيقولون: نعم) إلخ: وفي رواية سعيد بن أبي هلال عند البخاري في التوحيد: ((فيقولون: الساق)) قال في الفتح ناقلاً عن ابن بطال: ((هذا يحتمل أن الله عرّفهم على ألسنة الرسل من الملائكة أنه جعل لهم علامة تجلية الساق)) فتأمل. قوله: (فيكشف عن ساق) إلخ: جاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم، آية: ٤٢]، قال: عن شدة من الأمر، والعرب تقول: قامت الحرب على ساق: إذا اشتدت، ومنه : وقامت الحرب بنا على ساق قد سن أصحابك ضرب الأعناق وجاء عن أبي موسى الأشعري في تفسيرها: ((عن نور عظيم)) قال ابن فورك: معناه ما يتجدد للمؤمنين من الفوائد والألطاف. وقال المهلب: كشف الساق للمؤمنين رحمة، ولغيرهم نقمة. وقال الخطابي: تهيّب كثير من الشيوخ الخوض في معنى الساق، ومعنى قول ابن عباس: أن الله يكشف عن قدرته التي تظهر بها الشدة. وأسند البيهقي الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كل منهما حسن. وقال الكلاباذي: معنى كشف الساق زوال الخوف والهول الذي غيّرهم حتى غابوا عن رأية عوراتهم. قوله: (يسجد لله من تلقاء نفسه) إلخ: أي: من نحوها وجهتها مخلصاً، لا لجهة اتقاء الخلق وتعلق الرجاء بهم. قوله: (إلا أذن الله له بالسجود) إلخ: أي: سهّل له وهوّن عليه. قوله: (من كان يسجد اتقاء) إلخ: أي: احتراساً من السيف أو خوفاً من الناس. قوله: (جعل الله ظهره طبقة واحدة) إلخ: بفتح الطاء والباء، قالوا: الطبق فقار الظهر، أي: صار فقارة واحدة كالصحيفة، فلا يقدر على السجود. قال ابن بطال: ((تمسك به من أجاز تكليف ما لا يطاق من الأشاعرة، قال: ومنع الفقهاء من ذلك، وتمسكوا بقوله تعالى ﴿لَا يُكَلِفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة، آية: ٢٨٦] وأجابوا عن السجود بأنهم يدعون إليه تبكيتاً إذا أدخلوا أنفسهم في المؤمنين الساجدين في الدنيا، فدُعوا مع المؤمنين إلى السجود، فتعذر عليهم، فأظهر ٣٣٥ كتاب: الإيمان خَرَّ عَلَى قَفَاهُ. ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبّنَا. ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ. وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ. وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ، سَلِّمْ سَلِّمْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: دَخْضٌ مَزَلَّةٌ. فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَاَلِبُ وَحَسٌَ، تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ، فَيَمُرُّ الْمُؤمِنُونَ كُطَرْفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقٍ وَكَالرِّبِحٍ وَكَالظَّيْرِ وَكَأَجَاوِيِدِ الْخَيْلِ الله بذلك نفاقهم وأخزاهم. قال: ومثله من التبكيت ما يقال لهم بعد ذلك: ﴿أَرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورً﴾ [الحديد، آية: ١٣] وليس في هذا تكليف ما لا يطاق بل إظهار خزيهم، ومثله كلف أن يعقد شعيرة فإنها للزيادة في التوبيخ والعقوبة)). انتهى. والمسألة طويلة الذيل ليس هذا موضع ذكرها. قوله: (خرّ على قفاه) إلخ: أي: سقط. قوله: (فيقولون: أنت ربنا) إلخ: قال النووي: ((قد أزال المانع لهم من رؤيته وتجلى لهم)) . قوله: (ثم يضرب الجسر على جهنم) إلخ: بفتح الجيم وكسرها، لغتان مشورتان، وفي القاموس: ((الجسر الذي يعبر عليه، وهو الصراط)). قذوله: (وتحل الشفاعة) إلخ: بكسر الحاء ويضم، أي: تقع ويؤذن فيها . قوله: (دحض مزلة) إلخ: بتنوين (دحض)) وداله مفتوحة والحاء ساكنة. قال الشارح: ((الدحض والمزلة بمعنى واحد، وهو الموضع الذي تزل فيه الأقدام ولا تستقر، ومنه: دحضت الشمس، أي: مالت. وحجة داحضة: لا ثبات لها)) اهـ. والمزلة: بفتح الميم وكسر الزاي، ويجوز فتحها وتشديد اللام، أي: موضع الزلل، ويقال بالكسر في المكان، وبالفتح في المقال)). قوله: (فيها خطاطيف) إلخ: جمع خطاف بضم الخاء في المفرد، والكلاليب بمعناه، وقد تقدم بيانه . قوله: (وحسك) إلخ: بفتح الحاء والسين المهملتين. قال صاحب التهذيب وغيره: ((الحسك نبات له ثمر خشن يتعلق بأصواف الغنم، وربما اتخذ مثله من حديد وهو من آلات الحرب)». قوله: (تكون بنجد فيها شويكة) إلخ: وفي رواية سعيد بن أبي هلال عند البخاري في التوحيد: ((وحسكة لها شوكة عقيفة تكون بنجد يقال لها السعدان)) الحديث. قوله: (كطرف العين) إلخ: يقال: طرف طرفاً: إذا أطبق أحد جفنيه على الآخر. قوله: (وكأجاويد الخيل) إلخ: جمع ((أجواد))، وهو جمع ((جواد)) وهو الفارس السابق ٣٣٦ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَالرِّكَابٍ، فَنَاج مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ، فِي اسْتِقْصَاءٍ الْحَقِّ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ. يَقُولُونَ: رَبَّنَا، كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُونَ. فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ. فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى الثَّارِ. فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ. فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِ جُوهُ. فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَداً مِمَّنْ الجيد، كذا في النهاية. فجواد نعت من جاد: إذا أسرع في السير، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف . قوله: (والركاب) إلخ: بكسر الراء عطف على الخيل، والمراد بها الإبل، ولا واحد له من لفظه . قوله: (فناج مسلّم) إلخ: الفاء للتفريع أو التفصيل، و((مسلَّم)) بتشديد اللام المفتوحة، أي: ينجو من العذاب ولا يناله مكروه من ذلك الباب. قوله: (ومخدوش مرسل) إلخ: أي: مجروح، فيخدش ثم يرسل ويخلص. قوله: (مكدوس في نار جهنم) إلخ: بالسين المهملة، وقيل: بالمعجمة، ومعناه بالمعجمة: السوق الشديد، وبالمهملة: الراكب بعضه على بعض. قال ابن أبي جمرة: ((يؤخذ أن المارين على الصراط ثلاثة أصناف: ناج بلا خدش، وهالك من أول وهلة، ومتوسط بينهما يصاب ثم ينجو، وكل قسم منها ينقسم أقساماً تعرف بقوله في بعض الروايات: ((بقدر أعمالهم)). قوله: (ما منكم من أحد بأشد مناشدة) إلخ: قال النووي: ((معناه ما منكم من أحد يناشد الله تعالى في الدنيا في استيفاء حقه واستقصائه وتحصيله من جهة خصمه والمعتدي عليه بأشد منكم مناشدة لله تعالى في الشفاعة لإخوانكم يوم القيامة)). قوله: (أخرجوا من عرفتم) إلخ: أي: بهذه الأوصاف التي ذكرتموها . قوله: (فتحرم صورهم) إلخ: بفتح الراء المشددة. قوله: (على النار) إلخ: أي: بأن تأكلها أو تسودها بحيث لا تعرف وجوههم. قوله: (ممن أمرتنا به) إلخ: أي: بإخراجه من أرباب الصيام معهم والصلاة والحج، وهم الذين كانوا معروفين عند شافعيهم في الدنيا بهذه الأوصاف، كما وقع عند أبي نعيم من رواية أحمد بن إبراهيم بن ملحان عن يحيى بن بكير: ((فيخرجون من عرفوا)). ٣٣٧ كتاب : الإيمان أَمَرْتَنَا. ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرِ فَأَخْرِ جُوهُ. فَيُخْرِ جُونَ خَلْقاً كَثِيراً. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَداً. ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِ جُوهُ. فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْراً)). وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةُ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ أَخْرًّا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] ((فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: شَفَعَتِ الْمَلائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْماً لَمْ يَعْمَلُوا خَيْراً قَطُ، قوله: (فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير) إلخ: في شرح السنة: ((قال القاضي عياض تغذّفُ: قيل: معنى الخير هنا: اليقين، قال: والصحيح أن معناه شيء زائد على مجرد الإيمان، لأن مجرد الإيمان الذي هو التصديق لا يتجزى، وإنما يكون هذا التجزي بشيء زائد عليه من عمل صالح، أو ذكر خفي، أو عمل من أعمال القلب من الشفقة على مسكين، أو خوف من الله تعالى، ونية صادقة)). قوله: (لم نذر فيها خيراً) إلخ: أي: لم نترك في جهنم أهل خير. قال الطيبي: أي: من كان فيه شيء من ثمرات الإيمان من ازدياد اليقين أو العمل الصالح. قوله: (لم يبق إلا أرحم الراحمين) إلخ: قال الشيخ الأكبر في فتوحاته: ((اعلم أن الشفاعة الأولى من محمد سي تكون في فتح باب الشفاعة للناس، فيشفع في كل شافع أن يشفع، فإذا شفع الشافعون قَبِلَ الحق تعالى من شفاعتهم ما شاء، ورَدّ منها ما شاء، قال: ويبسط الله تعالى الرحمة ذلك اليوم في قلوب الشفعاء، فمن ردّ الله تعالى شفاعته من الشافعين في ذلك اليوم لا يردها انتقاصاً له ولا عدم رحمة بالمشفوع فيه، وإنما أراد الله تعالى بذلك إظهار المنة الإلهية على بعض عبيده، فيتولى الله تعالى سعادتهم ويرفع الشقاء عنهم بإخراجهم من النار إلى الجنان بشفاعة الاسم: ((أرحم الراحمين)) عند الاسم ((المنتقم الجبار)) فهي - أي: شفاعة الحق - مراتب أسماء الإلهية لا شفاعة محققة، لأن الله تعالى يقول: ((سبقت رحمتي غضبي، شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، وبقي أرحم الراحمين)) فدل بالمفهوم أنه لم يشفع فيتولى بنفسه إخراج من شاء من عصاة الموحدين من النار إلى الجنة، ويملأ الله تعالى جهنم بغضبه وعقابه كما يملأ الله الجنة برضاه ورحمته))، كذا في اليواقيت للشعراني. قوله: (فيقبض قبضة من النار) إلخ: أي: من أهل النار، والقبضة ما يسع الكف. قوله: (لم يعملوا خيراً قط) إلخ: قال الزركشي: ((إن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين كما تدل عليه بقية الأحاديث)). ٣٣٨ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَدْ عَادُوا حُمَماً، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرِ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ. أَلاَ تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَرِ أَوْ إِلَى الشَّجَرِ. مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ. وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظُّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ. قَالَ: فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤُلُوِ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ. يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ. قال القاضي عياض: ((فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان، وهم الذين لم يؤذن في الشفاعة فيهم وإنما دلت الآثار على أنه أذن لمن عنده شيء زائد على مجرد الإيمان، وجعل للشافعين من الملائكة والنبيين - صلوات الله وسلامه عليهم - دليلاً عليه، وتفرد الله عزّ وجل بعلم ما تُكتّه القلوب والرحمة لمن ليس عنده إلا مجرد الإيمان وضرب بمثقال الذرة المثل لأقل الخير، فإنها أقل المقادير. قال القاضي: وقوله تعالى: ((من كان في قلبه ذرة))، وكذا دليل على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حضر له القلب، وصحبته نية. قوله: (قد عادوا حمماً) إلخ: عادوا معناه: صاروا، والحمم بضم ففتح، جمع حممة، وهي الفحم. قوله: (في نهر) إلخ: بفتح الهاء ویسکن. قوله: (في أفواه الجنة) إلخ: جمع فوهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة، وهو جمع سمع من العرب على غير قياس، وأفواه الأزقة والأنهار: أوائلها. قال صاحب المطالع: ((كأن المراد في الحديث مفتتح من مسالك قصور الجنة ومنازلها)). قوله: (ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر) إلخ: أما ((يكون)) في الموضعين الأولين: فتامة ليس لها خبر، معناها: ما يقع، و((أصيفر)) و((أخيضر)) مرفوعان. أما ((يكون أبيض)) ((فيكون)) فيه ناقصة، و((أبيض)) منصوب وهو خبرها . قال القرطبي: ((فيه تنبيه على أن ما يكون إلى الجهة التي تلي الجنة يسبق إليه البياض المستحسن، وما يكون منهم إلى جهة النار يتأخر النصوع عنه، فيبقى أصيفر وأخيضر إلى أن يتلاحق البياض ويستوي الحسن والنور ونضارة النعمة عليهم)) كذا في الفتح. قوله: (كأنك كنت ترعى بالبادية) إلخ: أي: هذه المعرفة التامة بكيفية نبات الحبب شأن الرعاة وأهل البوادي. والله أعلم. قوله: (فيخرجون كاللؤلؤ) إلخ: أي: في البياض والصفاء. قوله: (في رقابهم الخواتم) إلخ: جمع الخاتم، بفتح التاء وكسرها، والمراد هنا علامة تظهر في رقابهم ليكونوا متميزين من المغفورين بواسطة العمل الصالح، كذا قاله شارح. وقال صاحب التحرير: ((المراد بالخواتم هنا أشياء من ذهب أو غيره تعلق في أعناقهم يعرفون بها)). ٣٣٩ كتاب: الإيمان هَؤُلاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلاَ خَيْرٍ قَدَّمُوهُ. ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ. فَيَقُولُونَ: رَبِّنَا، أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ. فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُّ مِنْ هَذَا. فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَقُولُ: رِضَايَ. فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَداً)). ٤٥٤ _ (٠٠٠) قَالَ مُسْلِمٌ قَرَأْتُ عَلَى عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ زُغْبَةَ الْمِصْرِيِّ هَذَا الْحَدَيثَ فِي الشَّفَاعَةِ وَقُلْتُ لَهُ: أُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْكَ؛ أَنَّكَ سَمِعْتَ مِنَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ لِعِيسَى بْنِ حَمَّدٍ: أَخْبَرَكُمُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ، عَنْ زَيْدٍ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَّ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةٍ الشَّمْسِ إِذَا كَانَ يَوْمٌ صَحْوٌ؟ قُلْنَا: لا)) ... وَسُقْتُ الْحَدِيثَ حَتَّى انْقَضَى آخِرُهُ وَهُوَ نَحْوُ حَدِيثٍ حَفْصٍ بْنِ مَيْسَرَةَ. وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلاَ قَدَمٍ قَدَّمُوهُ: ((فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمُ مَا رَأَنْتُمَّ وَمِثَلُهُ مَعَهُ». قوله: (بغير عمل عملوه) إلخ: أي: عمل من أعمال الجوارح. قوله: (ولا خير قدموه) إلخ: أي : - عمل من أعمال القلوب - والله أعلم. قوله: (عيسى بن حماد زغبة المصري) إلخ: بضم الزاي وإسكان الغين المعجمة وبعدها باء موحدة، وهو لقب لحماد والد عيسى، ذكره أبو علي الغساني. قوله: (ولا قدم قدموه) إلخ: أي: هذه الرواية التي فيها الزيادة وقع فيها بدل قوله في الأولى: ((خير قدم)) ووقع فيها الزيادة، فأراد مسلم كثّفُ بيان الزيادة ولم يمكنه أن يقول: زاد بعد قوله: ((ولا خير قدموه)) إذ لم يجر له ذكر في هذه الرواية، فقال: زاد بعد قوله: ((ولا قدم قدموه)) أي: زاد بعد قوله في روايته: ((ولا قدم قدموه)). واعلم أيها المخاطب أن هذا لفظه في روايته، وأن زيادته بعد هذا والله أعلم. والقدم هنا بفتح القاف والدال، ومعناه الخير، كما في الرواية الأخرى والله أعلم كذا في الشرح. قوله: (لكم ما رأيتم ومثله معه) إلخ: هذا موافق لحديث أبي هريرة في الاقتصار على المثل، ويمكن أن يجمع أن يكون عشرة الأمثال إنما سمعه في حق آخر أهل الجنة دخولاً، والمذكور هنا في حق جميع من يخرج بالقبضة، وجمع عياض بين حديثي أبي سعيد وأبي هريرة باحتمال أن يكون أبو هريرة سمع أولاً قوله: ((ومثله معه» فحدث، ثم حدث النبي ◌َّ بالزيادة فسمعه أبو سعيد، وعلى هذا فيقال: سمعه أبو سعيد وأبو هريرة أولاً ثم سمع أبو سعيد الزيادة بعد . ٣٤٠ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجَسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعَرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ. قوله: (بلغني أن الجسر أدق من الشعرة) إلخ: ووقع في رواية ابن مندة من هذا الوجه، قال سعيد بن أبي هلال: بلغني، ووصله البيهقي عن أنس عن النبي ◌َّ- مجزوماً به، وفي سنده لين، وجاء عن الفضيل بن عياض، قال: ((بلغنا أن الصراط مسيرة خمس عشر ألف سنة، خمسة آلاف صعود، وخمسة آلاف هبوط، وخمسة آلاف مستوى، أدق من الشعرة، وأحدّ من السيف، على متن جهنم، لا يجوز عليه إلا ضامر مهزول من خشية الله)) أخرجه ابن عساكر في ترجمته، وهذا معضل لا يثبت. كذا في الفتح. وقال الشيخ كمال الدين ابن أبي شريف: ((إن أكثر المعتزلة قالوا: إن العبور على الصراط مع كونه أدق من الشعرة وأحدّ من السيف: ممتنع عادة، وقال لهم أهل السنة: لا امتناع، فإن الذي أقدر الطير على السير في الهواء قادر على أن يمشيء الإنسان على الصراط، قال»: وقد أجرى أهل السنة الحديث على ظاهره، وأوله بعضهم بتأويل ذكره)). وكان الشيخ أبو طاهر القزويني يقول: الصراط صراطان: أحدهما في الدنيا، وهو الإسلام، فهو علمي، لكن ينقلب في الآخرة جسراً حسياً، وهو المعنى بقوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ ﴾ [الفاتحة، آية: ٦] وهو فى الحقيقة جسر ممدود على متن الكفر والشرك والبدع المُستَقِيمُ والأهواء، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهٌ﴾ [الأنعام، آية: ١٥٣] وهذا الصراط كالخط الممتد بين العبد وبين الله في عين الاستقامة في الرتبة الوسطى بين التشبيه والتعطيل، والجبر والقدر، وبين السخاء والبخل، وبين الشجاعة والجبن، كالتواضع بين الكبر والخساسة، وكالعفة بين الشهوة والخمود، ولهذه الخصال وأمثالها طرفان مذمومان، والمحمود الوسط، فالمواظبة على هذا الوسط هي المعبر عنها بالدقة والحد، وإليها الإشارة بقوله: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود، آية: ١١٢] وأما الصراط الثاني فهو الأخروي الحسي، وهو في الحقيقة صورة الصراط الأول، وهو طريق المسلمين إلى الجنة، ثم لا يخفى أن كل من اعتاد المرور في الدنيا على صراط الإسلام هان عليه المرور على صراط الآخرة، ومن لم يتعود ذلك في الدنيا صعب عليه وزلت قدمه وطال ندمه، وهل هذا الصراط إلا مثال محسوس لذلك الصراط المعنوي؟ وبالجملة فسرعة مرور الناس على صراط الآخرة وبطئهم يكون على حسب سرعة مباردتهم إلى مرضاة الله تعالى وبطئهم عنها. قال: وما جاء من الكلاليب والخطاطيف فهو عبارة عن علائق الدنيا المتعلقات بالقلب، فكما تجذب صاحبها إلى الدنيا كذلك تجذبه إلى الهاوية، كما أن شوك السعدان والحسك يكون بمقدار ذنوب كل إنسان وخطاياه، فكما كانت تؤذيه في دينه بالعكوف عليها فكذلك تؤذيه يوم القيامة بالمرور عليها. وأما ما جاء في الحبو والزحف على الصراط إنما هو إشارة إلى تثاقل ظهور الناس بالمظالم والتبعات. وأما الزالّون والزالات فهم