النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب: الإيمان
فتعوض المؤمنون بالرؤيا، وأما في زمن قوة نور النبوة ففي ظهور نورها وقوته ما يغني عن
الرؤيا، ونظير هذا: الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة ولم تظهر عليهم لاستغنائهم عنها
بقوة إيمانهم، واحتياج من بعدهم إليها لضعف إيمانهم، وقد نص أحمد على هذا المعنى.
وقال عبادة بن الصامت: ((رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام)) وقد قال
النبي وَّل: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قيل: وما المبشرات، يا رسول الله؟ قال: الرؤيا
الصالحة يراها المؤمن أو ترى له)). وإذا تواطأت رؤيا المسلمين لم تكذب، وقال النبي وَله
لأصحابه لما أرُوا ليلة القدر في العشر الأواخر قال: ((أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر
الأواخر، فمن كان منكم متحريها فليتحرها في العشر الأواخر من رمضان)).
والرؤيا كالكشف، منها: رحماني، ومنها: نفساني، ومنها: شيطاني، وقال النبي ◌َّ:
((الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه في
اليقظة، فيراه في المنام)) والذي هو من أسباب الهداية هو الرؤيا التي من الله خاصة، ورؤيا
الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأمة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح
إسماعيل ثلّة بالرؤيا، وأما رؤيا غيرهم فتعرض على الوحي الصريح، فإن وافقته وإلا لم يعمل
بها)) اهـ.
والشيخ ولي الله الدهلوي - قدس الله روحه - قسم الرؤيا على خمسة أقسام: بشرى من
الله، وتمثل نوراني للحمائد والرذائل المندرجة في النفس على وجه ملكي، وتخويف من
الشيطان، وحديث نفس من قبل العادة التي اعتادتها النفس في اليقظة، تحفظها المتخيلة، ويظهر
في الحس المشترك ما اختزن فيها، وخيالات طبيعية لغلبة الأخلاط وتنبه النفس بأذاها في
البدن .
أما البشرى من الله فحقيقتها أن النفس الناطقة إذا انتهزت فرصة عن غواشي البدن بأسباب
خفية لا يكاد يتفطن إلا بعد تأمل واف: استعدت لأن يفيض عليها من منبع الخير والجود كمال
علمي فأفيض عليه شيء على حسب استعداده ومادته العلوم المخزونة عنده، وهذه الرؤيا تعليم
إلهي كالمعراج المنامي الذي رأى النبي ◌ّ ر فيه ربه في أحسن صورة، فعلمه الكفارات،
والدرجات، وكالمعراج المنامي الذي انكشف فيه عليه وسل# أحوال الموتى بعد انفكاكهم عن
الحياة الدنيا، كما رواه جابر بن سمرة رظه، وكعلم ما سيكون من الوقائع الآتية في الدنيا .
وأما الرؤيا الملكية فحقيقتها أن في الإنسان ملكات حسنة وملكات قبيحة، ولكن لا يعرف
حسنها وقبحها إلا المتجرد إلى الصورة الملكية، فمن تجرد إليها تظهر له حسناته وسيآته في
صورة مثالية، فصاحب هذا يرى الله تعالى، وأصله الانقياد للباري، ويرى الرسول وَله، وأصله
الانقياد للرسول المركوز في صدره، ويرى الأنوار، وأصلها الطاعات المكتسبة في صدره

٢٢٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فِي الَّوْمِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبُّبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ،
.......
وجوارحه تظهر في صورة الأنوار والطيبات كالعسل، والسمن، واللبن، فمن رأى الله أو الرسول
أو الملائكة في صورة قبيحة أو في صورة الغضب فليعرف أن في اعتقاده خللاً وضعفاً، وأن
نفسه لم تتكمل، وكذلك الأنوار التي حصلت بسبب الطهارة تظهر في صورة الشمس والقمر.
وأما التخويف من الشيطان فوحشة وخوف من الحيوانات الملعونة، كالقرد والفيل،
والكلاب، والسودان من الناس، فإذا رأى ذلك فليتعوذ بالله، وليتفل ثلاثاً عن يساره، وليتحول
عن جنبه الذي کان عليه.
وأما البشرى فلها تعبير، والعمدة فيه معرفة الخيال: أيّ شيء مظنة لأي معنى؟ فقد ينتقل
الذهن من المسمى إلى الاسم، كرؤية النبي ◌ّر أنه كان في دار عقبة بن رافع، فأتي برطب ابن
طاب، قال عليه الصلاة والسلام: ((فأولت أن الرفعة لنا في الدنيا، والعافية في الآخرة، وأن
ديننا قد طاب)) وقد ينتقل الذهن من الملابس إلى ما يلابسه: كالسيف للقتال، وقد ينتقل الذهن
من الوصف إلى جوهر هو مناسب له: كمن غلب عليه حب المال رآه النبي وَّر في صورة سوار
من ذهب. وبالجملة فللانتقال من شيء إلى شيء صور شتى، وهذه الرؤيا شعبة من النبوة لأنها
ضرب من إضافة غيبية، وتدلٍ من الحق إلى الخلق، وهو أصل النبوة. وأما سائر أنواع الرؤيا فلا
تعبير لها)) اهـ (١).
قوله: (في النوم) إلخ: لزيادة الإيضاح، أو ليخرج رؤيا العين في اليقظة، لجواز إطلاقها
مجازاً .
قوله: (مثل فلق الصبح) إلخ: قال أهل اللغة: فلق الصبح، وفرق الصبح - بفتح الفاء
واللام والراء - هو ضياؤه، وإنما يقال هذا في الشيء الواضح البيّن.
قال ابن أبي حمزة: ((إنما شبهها بفلق الصبح دون غيره لأن شمس النبوة كانت الرؤيا
مبادئ أنوارها، فما زال ذلك النور يتسع حتى أشرقت الشمس، فمن كان باطنه نورياً كان في
التصديق بكريا، كأبي بكر، ومن كان باطنه مظلماً كان في التكذيب خفاشاً، كأبي جهل، وبقية
الناس بين هاتين المنزلتين، كل منهم بقدر ما أعطي من النور)).
قوله: (ثم حبب إليه الخلاء) إلخ: لم يسم فاعله لعدم تحقق الباعث على ذلك، وإن كان
من عند الله، أو لينبه على أنه لم يكن ن باعث البشر، أو يكون ذلك من وحي الإلهام.
والخلاء بالمد: المكان الخالي، ويطلق على الخلوة، وهو المراد هنا .
والسر فيه أن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه له، قال السنوسي: ((وإنما قصد ◌َلّ بالعبادة
(١) حجة الله البالغة ١٩٥/٢ و١٩٦ مبحث في اللباس والزينة والأواني.

٢٢٣
كتاب: الإيمان
فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ (وَهُوَ التَّعْبُّدُ)
الخلوة لأنها أجمع للفكر، وأبعد من التشويش بما يرى من الموجودات، أو يسمع من
الأصوات، ولا يمكن توجه القلب إلى المطلوب على الكمال مع المزاحمات، ولذلك لم
يكتف ﴿ الخلو في الفضاء الخالي لاحتمال أن يرى من يمر به يوماً ويكلمه، فيتشوش، بل حتى
أضاف إلى خلوة الفضاء خلاء غاره، فانزوى إلى خلاء الخلاء، حتى لا يَرى ولا يُرى، ولا
يسمع ولا يُسمع)).
قوله: (فكان يخلو بغار حراء) إلخ: حراء: بالمد وكسر أوله، كذا في الرواية، وهو
صحيح، وفي رواية الأصيلي: بالفتح والقصر، وقد حكي أيضاً، وحكى فيه غير ذلك جوازاً لا
رواية .
وحراء: جبل معروف بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال عن يسار الذاهب من مكة إلى منى،
والغار نقب في الجبل، وجمعه غيران.
قال الحافظ: ((وكان هذا التخلي مما بقي عندهم من أمور الشرع على سنن الاعتكاف،
وإن قريشاً كانت تفعله كما كانت تصوم عاشوراء، ويزاد هنا أنهم لم ينازعوا النبي ◌َّ في غار
حراء مع مزيد الفضل فيه على غيره لأن جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش،
وكانوا يعظمونه لجلاله، وكبر سنه، فتبعه على ذلك من كان يتأله، فكان النبي وَلا يخلو بمكان
جده، وسلم له ذلك أعمامه لكرامته علیھم)).
قوله: (يتحنث فيه) إلخ: هي بمعنى يتحنف، أي: يتبع الحنيفية، وهي دين إبراهيم ◌َلَّلاَ،
والفاء تبدل ثاء في كثير من كلامهم، وقد وقع في رواية ابن هشام في السيرة: ((يتحنف)) بالفاء،
والتحنث: إلقاء الحنث وهو الإثم، كما قيل في ((يتأثم)) و((يتحرج)) ونحوهما، كذا في الفتح.
قال السنوسي: ((يؤخذ من تحنث النبي * بغار حراء طلب الخلوة للعبادة، والعزلة عن
الناس للاستعانة بها على حضور القلب، والأمن من الرياء والسمعة. وفيها السلامة من أكثر
أنواع الشر، وقد ينتهي إلى حد الوجوب بحسب الأزمنة والأحوال، وقد بين النبي وَّ زمان
العزلة، ونعت أهله، وأمر فيه بالتفرد».
قوله: (وهو التعبد) إلخ: وفي رواية عبد الله بن المبارك عن يونس عند البخاري قال:
((والتحنث: التعبد)) قال الحافظ: ((هذا ظاهر في الإدراج إذ لو كان من بقية كلام عائشة لجاء
فیه: «قالت» وهو یحتمل أن یکون من كلام عروة، أو من دونه.
ولم يأت التصريح بصفة تعبده، لكن في رواية عبيد الله بن عمير عند ابن إسحاق: ((فيطعم
من يرد عليه من المساكين)) وجاء عن بعض المشايخ أنه كان يتعبد بالتفكر، ويحتمل أن تكون
عائشة أطلقت على الخلوة بمجردها تعبداً، فإن الانعزال عن الناس - ولا سيما من كان على

٢٢٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
اللَّيَالِيَ أُولاتِ الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزِوَّدُ لِذَلْكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزْوَّدُ
لِمِثْلِھا ،
باطل - من جملة العبادة، كما وقع للخليل ظلّلا حيث قال: ﴿إِنِّ ذَاهِبٌ إِلَى رَبِ﴾ [الصافات، آية:
٩٩].
وهذا يلتفت إلى مسألة أصولية، وهو أنه ◌ّ ل# هل كان قبل أن يوحى إليه متعبداً بشريعة نبي
قبله؟ قال الجمهور: لا، لأنه لو كان تابعاً لاستبعد أن يكون متبوعاً، ولأنه لو كان لنقل من كان
ينسب إليه. وقيل: نعم، واختاره ابن الحاجب، واختلفوا في تعيينه على ثمانية أقوال: أحدها :
آدم، حكاه ابن برهان. الثاني: نوح، حكاه الآمدي. الثالث: إبراهيم، ذهب إليه جماعة.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل، آية: ١٢٣]، الرابع: موسى، الخامس:
عيسى، السادس: بكل شيء بلغه عن شرع نبي من الأنبياء، وحجته: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام، آية: ٩٠] السابع: الوقف، واختاره الآمدي، ولا يخفى قوة الثالث، ولا
سيما مع ما نقل من ملازمته للحج والطواف، ونحو ذلك مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم،
والله أعلم)).
قوله: (الليالي أولات العدد) إلخ: وفي رواية ((ذوات العدد)) يتعلق بقوله: ((يتحنث))
والليالي منصوبة على الظرف، وذوات منصوبة أيضاً، وعلامة النصب فيه كسر التاء، وإبهام
العدد لاختلافه، كذا قيل، وهو بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله، وإلا فأصل
الخلوة قد عرفت مدتها، وهي شهر، وذلك الشهر كان رمضان رواه ابن إسحاق .
قوله: (قبل أن يرجع إلى أهله) إلخ: يعني: خديجة وأولاده منها، ويحتمل أن يريد
أقاربه، أو أعم.
قوله: (ويتزود لذلك) إلخ: التزود استصحاب الزاد، و(يتزود)) معطوف على ((يتحنث)).
قوله: (ثم يرجع إلى خديجة) إلخ: خص خديجة بالذكر بعد أن عبر بالأهل: إما تفسيراً
بعد إبهام، وإما إشارة إلى اختصاص التزود بكونه من عندها دون غيرها .
قوله: (فيتزود لمثلها) إلخ: الضمير لليالي، أو للخولة، أو للعبادة، أو للمرّات، أي:
السابقة. ثم يحتمل أن يكون المراد أنه يتزود ويخلو أياماً، ثم يرجع ويتزود ويخلو أياماً إلى أن
ينقضي الشهر، ويحتمل أن يكون المراد أن يتزود لمثلها إذا حال الحول، وجاء ذلك الشهر الذي
جرت عادته أن يخلو فيه، وهذا عندي أظهر.
ويؤخذ منه إعداد الزاد للمختلى إذا كان بحيث يتعذر عليه تحصيله لبعد مكان اختلائه من
البلد مثلاً، وأن ذلك لا يقدح في التوكل، وذلك لوقوعه من النبي ◌ّيقول بعد حصول النبوة له
بالرؤيا الصالحة، وإن كان الوحي في اليقظة قد تراخى عن ذلك، كذا قال الحافظ في التفسير،

٢٢٥
كتاب: الإيمان
حَتَّى فَجِتَهُ الْحَقُّ وَهُوْ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ
ثم قال في التعبير: ((ثم ظهر لي بعد ذلك أن مدة الخلوة كانت شهراً، كان يتزود لبعض ليالي
الشهر، فإذا نفذ ذلك الزاد رجع إلى أهله فتزود قدر ذلك من جهة أنهم لم يكونوا في سعة بالغة
من العيش، وكان غالب زادهم: اللبن واللحم، وذلك لا يدخر منه كفاية الشهور لئلا يسرع إليه
الفساد، ولا سيما وقد وصف بأنه كان يطعم من يرد عليه)).
قوله: (حتى فجئه الحق) إلخ: بكسر الجيم، أي: جاءه الأمر الحق بغتة، وإن ثبت من
مرسل عبيد بن عمير ((أنه أوحى إليه بذلك في المنام أولاً قبل اليقظة)): أمكن أن يكون مجيء
الملك في اليقظة أعقب ما تقدم في المنام.
قوله: (حتى فجئه الحق) إلخ: بكسر الجيم، أي: جاءه الأمر الحق بغتة، وإن ثبت من
مرسل عبيد بن عمير: ((أنه أوحي إليه بذلك في المنام أولاً قبل اليقظة»: أمكن أن يكون مجيء
الملك في اليقظة أعقب ما تقدم في المنام.
وسمي حقاً لأنه وحي من الله تعالى، وقد وقع في رواية أبي الأسود عن عروة عن عائشة
قالت: ((إن النبي وسير كان أول شأنه يرى في المنام، وكان أول ما رأى جبريل بأجياد، صرخ
جبرئيل: يا محمد، فنظر يميناً وشمالاً فلم ير شيئاً، فرفع بصره، فإذا هو على أفق السماء،
فقال: يا محمد، جبريل، جبريل، فهرب فدخل في الناس فلم ير شيئاً، ثم خرج عنهم، فناداه
فهرب، ثم استعلن له جبريل من قبل حراء، فذكر قصة إقرائه اقرأ باسم ربك، ورأى حينئذ
جبريل: له جناحان من ياقوت، يختطفان البصر)). وهذا من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود،
وابن لهيعة ضعيف.
وقد ثبت في صحيح مسلم من وجه آخر عن عائشة مرفوعاً: ((لم أره - يعني: جبريل - على
صورته التي خلق عليها إلا مرتين)) وبيَّن أحمد في حديث ابن مسعود أن الأولى كانت عند سؤاله
إياه أن يريه صورته التي خلق عليها، والثانية: عند المعراج.
وللترمذي من طريق مسروق عن عائشة: ((لم ير محمد جبريل في صورته إلا مرتين: مرة
عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد)) وهذا يقوي رواية ابن لهيعة، وتكون هذه المرة غير المرتين
المذكورتين، وإنما لم يضمها إليهما لاحتمال أن لا يكون رآه فيها على تمام صورته، والعلم عند
الله تعالی .
ووقع في السيرة التي جمعها سليمان التيمي فرواها محمد بن عبد الأعلى، عن ولده
معتمر بن سليمان، عن أبيه: ((أن جبرئيل أتى النبي وَلّ في حراء، وأقرأه ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق،
آية: ١] ثم انصرف، فبقي متردداً، فأتاه من أمامه في صورته، فرأى أمراً عظيماً)).
قوله: (فجاءه الملك) إلخ: هذه الفاء تسمى التفسيرية، وليست التعقيبية، لأن مجيء الملك

٢٢٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ مَا أَنَا بِقَارِىءٍ. قَالَ:
...
ليس بعد مجيء الوحي، حتى تعقب به، بل هو نفسه، ولا يلزم من هذا التقرير أن يكون من باب
تفسير الشيء بنفسه بل التفسير عين المفسر به من جهة الإجمال، وغيره من جهة التفصيل.
تنبيه:
إذا علم أنه كان يجاور في غار حراء في شهر رمضان، وأن ابتداء الوحي جاءه وهو في
الغار المذكور، اقتضى ذلك أنه نبئ في شهر رمضان، ويعكر على قول ابن إسحاق: إنه بعث
على رأس الأربعين مع قوله: إنه في شهر رمضان ولد، ويمكن أن يكون المجيء في الغار كان
أولاً في شهر رمضان، وحينئذ نبئ، وأُنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِأَسِّ رَيِّكَ الَّذِى خَ ﴾﴾ [العلق، آية: ١]، ثم
كان المجيء الثاني في شهر ربيع الأول بالإنذار، وأنزلت عليه ﴿يَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾ قُرْ فَأَنْذِرْ
[المدثر، الآيتان: ١، ٢] فيحمل قول ابن إسحاق ((على رأس الأربعين)) أي: عند المجيء بالرسالة،
والله أعلم.
قوله؛ (فقال: اقرأ) إلخ: يحتمل أن يكون هذا الأمر لمجرد التنبيه والتيقظ لما سيلقى إليه،
ويحتمل أن يكون على بابه من الطلب، فيستدل به على تكليف ما لا يطاق في الحال، وإن قدر
عليه بعد ذلك، ويحتمل أن تكون صيغة الأمر محذوفة، أي: قل اقرأ، وإن كان الجواب ((ما أنا
بقارئ) فعلى ما فهم من ظاهر اللفظ، وكان السر في حذفها لئلا يتوهم أن لفظ ((قل)) من القرآن.
كذا في الفتح.
قوله: (ما أنا بقارئ) إلخ: ثلاثاً، ((ما)) نافية إذ لو كانت استفهامية لم يصلح دخول الباء،
وإن حكي عن الأخفش جوازه؛ فهو شاذ، والباء زائدة لتأكيد النفي، أي: ما أحسن القراءة،
فلما قال ذلك ثلاثاً قيل له: ((اقرأ باسم ربك)) أي: لا تقرؤه بقوتك ولا بمعرفتك، لكن بحول
ربك وإعانته، فهو يعلمك كما خلقك، وكما نزع عنك علق الدم ومضمر الشيطان في الصغر،
وعلّم أمتك حتى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت أمية، ذكره السهيلي.
وقال غيره: إن مثل هذا التركيب - وهو قوله: ((ما أنا بقارئ)) - يفيد الاختصاص، ورده
الطيبي بأنه إنما يفيد التقوي والتأكيد، والتقدير: (لست بقارئ البتة)).
فإن قيل: لم كرر ذلك ثلاثاً؟ أجاب أبو شامة: بأن يحمل قوله أولاً: ((ما أنا بقارئ)) على
الامتناع، وثانياً: عن الإخبار بالنفي المحض، وثالثاً: على الاستفهام. ويؤيده أن في رواية أبي
الأسود في مغازيه عن عروة أنه قال: ((كيف أقرأ)) وفي رواية عبيد بن عمير عند ابن إسحاق:
((ماذا أقرأ)) وفي مرسل الزهري في دلائل البيهقي: ((كيف أقرأ)) وكل ذلك يؤيد أنها استفهامية،
والله أعلم.

٢٢٧
كتاب: الإيمان
فَأَخَذَنِي فَفَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي. فَقَالَ: أَقْرَأْ. قَالَ: قُلْتُ: مَا أَنَا
ووقع عند ابن إسحاق في مرسل عبيد بن عمير ((أن النبي وَّر قال: أتاني جبريل بنمط من
ديباج، فيه كتاب، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ)). قال السهيلي: ((قال بعض المفسرين: إن
قوله: ﴿الَّمَ ﴿ ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِهِ﴾ [البقرة، الآيتان، ١، ٢] إشارة إلى الكتاب الذي جاء به
جبريل، حيث قال له: ((اقرأ)).
قوله: (فأخذني فغطني) إلخ: أي: عصرني وضمني والحكمة في الغط شغله من الالتفات،
والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقوله له، وكرره ثلاثاً مبالغة في التنبيه، ففيه أنه ينبغي للمعلم
أن يحتاط في تنبيه المتعلم، وأمره بإحضار قلبه، والله أعلم.
قال الحافظ: ((وذكر بعض من لقيناه أن هذا من خصائص النبي ◌َلهو إذ لم ينقل عن أحد من
الأنبياء أنه جرى له عند ابتداء الوحي مثل ذلك)) اهـ.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويمكن أن يكون لِغَطّ الملك وعصره الشديد مدخل في
تخفيف ما ثقل، وتسهيل ما صعب عليه لي حمله بتأثير معنوي لا نعلم كنهه، وقد اتفق لي في
المستشفى الكبير في حيدر آباد دكن أن مدير الكهربائية قد أدخل في بدني قدراً كبيراً من
الكهرباء، وأمر لرفيقي أن يمس شيئاً من بدني بيده بلين ورفق، فمدّ رفیقی یدہ إلی یدي، ومس
إصبعي بإصبعه، فإذا نحن قد رأينا كأن لهابا خرج من أصبعي إلى إصبعه، وأحس كل منا ألمه
كالحرقة، فقبض رفيقي يده، ثم أمره المدير أن يبطش يدي دفعة بشدة وضغط، ففعل فلم أجد أنا
ولا هو شيئاً من أثر الكهرباء وألمه، وقال المدير: إن بعض الكهرباء قد دخل حينئذ من بدنك
إلى بدنه، ثم أمر شخصاً آخر أن يمس يد رفيقي بيده بلين ورفق، ورفيقي آخذ بيدي بقوة وشدة،
فحصل بينه وبين رفيقي من الكيفية التي كنا قد وجدناها بيني وبينه، ثم أمره أن يأخذ أخذاً عنيفاً؛
فزالت تلك الكيفية، فعجبنا وعجب الناظرون، ولكني قد تنبهت إذ ذاك لهذه المسألة التي دار
الكلام فيها الآن، أي: غط جبريل النبي وَلِّ مراراً، وبلوغ الجهد منه وَّر، فإنه لا يستبعد أن
يكون لهذا الغط والضغط الشديد أيضاً دخل في تسهيل ما شقّ عليه وَّ من تحمله الوحي
القرآني، وتلقي القول الثقيل من الملك، وتيسير ما كان يمتنع منه من قراءة ما أمر بقراءته، والله
سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
قوله: (حتى بلغ مني الجهد) إلخ: أما الجهد فيجوز فتح الجيم وضمها لغتان، وهو الغاية
والمشقة، ويجوز نصب الدال ورفعها، فعلى النصب: بلغ جبريل مني الجهد، وعلى الرفع: بلغ
الجهد مني مبلغه وغايته، وممن ذكر الوجهين في نصب الدال ورفعها صاحب التحرير وغيره.
وقال الحافظ: ((قال شيخنا: وكأن الذي حصل له عند تلقي الوحي من الجهد مقدمة لما
صار يحصل له من الكرب عند نزول القرآن، كما في حديث ابن عباس: ((كان يعالج من التنزيل

٢٢٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِقَارِىءٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطِّي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّ الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَال: اقْرَأْ.
فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِىءٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ:
٢
خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ
﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ أَلَّذِى خَلَقَ
شدة)) وكذا في حديث عائشة، وعمر، ويعلى بن أمية وغيرهم، وهي حالة يؤخذ فيها عن حال
الدنيا من غير موت، فهو مقام برزخي يحصل له عند تلقي الوحي، ولما كان البرزخ العام
يتكشف فيه للميت كثير من الأحوال خص الله نبيه ببرزخ في الحياة يلقي إليه فيه وحيه المشتمل
على كثير من الأسرار، وقد يقع لكثير من الصلحاء عند الغيبة بالنوم أو غيره اطلاع على كثير من
الأسرار، وذلك مستمد من المقام النبوي، ويشهد له حديث: ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين
جزءاً من النبوة)) كذا في الفتح.
قوله: (فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق) إلخ: هذا القدر من هذه السورة هو الذي نزل
أولاً بخلاف بقية السورة، فإنما نزل بعد ذلك بزمان، والحكمة في هذه الأولية أن هذه الآيات
الخمس اشتملت على مقاصد القرآن، ففيها براعة الاستهلال، وهي جديرة أن تسمى عنوان
القرآن، لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله، وبيان كونها اشتملت على
مقاصد القرآن أنها تنحصر في علوم التوحيد، والأحكام، والأخبار، وقد اشتملت على الأمر
بالقراءة والبداءة فيها ببسم الله، وفي هذه الإشارة إلى الأحكام، وفيها ما يتعلق بتوحيد الربّ،
وإثبات ذاته وصفاته من صفة ذات وصفة فعل، وفي هذا إشارة إلى أصول الدين، وفيها ما يتعلق
بالأخبار من قوله: ﴿عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَمْ ﴾﴾ [اعلق، آية: ٥].
قوله: (باسم ربك الذي خلق) إلخ: التعرض بعنوان الربوبية - المنبئة عن التربية والتبليغ
إلى الكمال اللائق شيئاً فشيئاً مع الإضافة إلى ضميره ولو - للإشعار بتبليغه عليه الصلاة والسلام
إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية بإنزال الوحي المتواترة، ووصف الرب بقوله: ﴿الَّذِى
خَلَقَ﴾ لتذكيره عليه الصلاة والسلام أول النعماء الفائقة عليه بَّ منه سبحانه وتعالى، مع ما في
ذلك من التنبيه على قدرته تعالى على تعليم القراءة بألطف وجه، كذا في روح المعاني.
قوله: (خلق الإنسان من علق) إلخ: قلت: أي: مع كونه جماداً لا يعقل ولا يشعر أفاض
الله عليه الصورة الإنسانية، ونفخ فيه من روحه، فصار عالماً، قادراً، سميعاً، بصيراً، متكلماً،
فالذي يقدر على أن يجعل العلق إنساناً حكيماً: يقدر البتة على أن يجعل الإنسان العاقل نبياً
مرسلاً، والأمي عالماً عارفاً، ولعل غط جبريل روح القدس، وشق الصدر عند المبعث ونحوه
من التصرفات الملكية في مبدأ النبوة بمنزلة نفخ الروح في الجسد في مبدأ الإنسانية، ومدة فترة
الوحي بمثابة أوان الطفولية والصبا في الآدمي بعد كونه حياً، لعدم استجماع القوى المدركة
والعاملة والتمكن التام من استعمالها حتى يبلغ أشده، والله أعلم.

٢٢٩
كتاب: الإيمان
[العلق: ١ - ٥] فَرَجَعَ بِهَا
٥
عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعلَمَ
الَّذِى عَلََّ بِالْقَلَمِ
آقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
رَسُولُ اللّهِ وَلِ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةٍ فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِلُونِي فَزَّمَّلُوهُ
قوله: (اقرأ وربك الأكرم) إلخ: أي: افعل ما أمرت به تأكيداً للإيجاب، وتمهيداً لما يعقبه
من قوله تعالى: ((وربك الأكرم)) فإنه كلام مستأنف وارد لإزاحة ما بينه و * من العذر بقوله عليه
الصلاة والسلام لجبرئيل فالا - حين قال له: ((اقرأ)) - ((ما أنا بقارئ)) يريد أن القراءة شأن من
يكتب ويقرأ، وأنا أمي، فقيل: وربك الذي أمرك بالقراءة هو أكرم الكرماء، وحقيقة الكرم إعطاء
ما ينبغي لا لغرض، فكيف يتصور أن يمنع كرمه مانع من أن يعطي المعرفة والعلم الصحيح لمن
جاء إليه طالباً معرفته وهداه، منقطعاً من الدنيا ومتبتلاً إليه وحده لا شريك له.
قوله: (الذي علم بالقلم) إلخ: قلت: أي: كما أن الله تعالى جعل القلم فيما نشاهده
واسطة وذريعة إلى تعليم العلوم والمعارف، والدلالة على ما يتكلم به الإنسان كذلك لا استبعاد
في جعله سبحانه وتعالى جبريل واسطة وذريعة إلى إفاضة العلوم الإلهامية، والمعارف الإلهية،
وإنزال كلامه البسيط القديم على قلب عبد من عباده آتاه رحمة من عنده، وعلمه من لدنه علماً.
قوله: (علم الإنسان ما لم يعلم) إلخ: بدل اشتمال من ((علم بالقلم))، أي: علمه به وبدونه
من الأمور الكلية والجزئية والجلية والخفية، ما لم يخطر بباله، وفي حذف المفعول أولاً وإيراده
بعنوان عدم المعلومية ثانياً: من الدلالة على كمال قدرته تعالى، وكمال كرمه عزّ وجل والإشعار
بأنه تعالى يعلمه عليه الصلاة والسلام من العلوم ما لا يحيط به العقول ما لا يخفى، قال
عزّ وجل: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء، آية: ١١٣].
قوله: (فرجع بها رسول الله (وَل﴾) إلخ: أي: بالآيات أو بالقصة.
قوله: (ترجف بوادره) إلخ: معنى ترجف: ترعد وتضطرب، وأصله شدة الحركة، قال أبو
عبيد وسائر أهل اللغة والغريب: وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق، تضطرب عند فزع
الإنسان .
قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: «فزع النبي و للر بطبيعته، بأن تشوشت
البهيمية من سننها لغلبة الملكية)).
قوله: (فقال: زملوني زملوني) إلخ: التزميل: التلفيف. وقال ذلك لشدة ما لحقه من هول
الأمر، وجرت العادة بسكون الرعدة بالتلفيف.
قوله: (فزملوه) إلخ: فإن قلت: فما الحكمة في كونه وَلَو يلحقه البرد إذا نزل عليه الوحي
حتى يسجى بالكساء؟ فالجواب: الحكمة في ذلك أن الرسول إذا نزل عليه الوحي عرق من
شدته، للانضغاط الذي يحصل من التقاء روح الملك وروح الرسول، ثم إن الهواء الخارج من

٢٣٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ. ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: أَيْ خَدِيجَةُ، مَالِي وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرِ. قَالَ:
.
الرطوبات من البدن يغمر المسام بقوته، فلا يتخلل الهواء البارد من خارج ثم إذا سرى عن ذلك
النبي ◌َ لله وانصرف الملك عنه سكن المزاج وانتعشت الحرارة الغريزية.
وإيضاح ذلك أن الملك إذا ورد على رسول الله وَ له بأمر يتعلق بعلم خبري أو حكم يتلقى
ذلك منه الروح الإنساني، ويتلاقيان: هذا بالإصغاء، وذلك بالإلقاء، وكل منهما نور فيحتدّ عند
ذلك المزاج، ويشتعل، وتتحرك الحرارة الغريزية المزاجية حتى يتغير وجه الرسول من شدتها،
وهو المعبر عنه بالحال، وهو من أشد ما يكون، ثم إن تلك الرطوبات البدنية تصعد بخارات إلى
سطح كرة البدن لاستيلاء الحرارة، ومنه يكون العرق الذي يطرأ على صاحب الحال، ثم إذا
انتعشت تلك الحرارة وانفتحت المسام قبل الجسم الهواء البارد من خارج فتخلل الجسم وحصل
البرد في المزاج، فيطلب الغطاء وزيادة الثياب ليسخن، وذلك لاستيلاء البرد والقشعريرة على
الحرارة الغريزية وضعفها، ولا يخفى أن هذا كله خاص بما إذا كان التنزل على القلب بالصفة
الروحانية، والله أعلم. كذا في اليواقيت للشعراني كثُّهُ.
قوله: (حتى ذهب عنه الروع) إلخ: بفتح الراء: الفزع. وأما الذي بضم الراء فهو موضع
الفزع من القلب.
قوله: (أي: خديجة، ما لي؟ وأخبرها الخبر) إلخ: قال السنوسي: ((قوله: ((ما لي))
استعظام وخوف ألا يطيق ما حمل من النبوة، لا شك)).
وقال الإسماعيلي: ((موّه بعض الطاعنين على المحدثين، فقال: كيف يجوز للنبي أن
يرتاب في نبوته حتى يرجع إلى ورقة ويشكو لخديجة ما يخشاه، وحتى يوفي بذروة جبل ليلقي
منها نفسه على ما جاء في رواية معمر؟ قال: ولئن جاز أن يرتاب مع معاينة النازل عليه من ربه
فكيف ينكر على من ارتاب فيما جاءه به مع عدم المعاينة؟
قال: والجواب أن عادة الله جرت بأن الأمر الجليل إذا قضي بإيصاله إلى الخلق أن
يقدمه ترشيح وتأسيس، فكان ما يراه النبي غير من الرؤيا الصادقة، ومحبة الخلوة والتعبد: من
ذلك، فلما فجئة الملك فجئه أمر خالف العادة والمألوف، فنفر طبعه البشري منه، وهاله
ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحال، لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلا
يتعجب أن يجزع مما لم يألفه وينفر طبعه منه، حتى إذا تدرج عليه وألفه استمر عليه، فلذلك
رجع إلى أهله التي ألف تأنيسها له، فأعلمها بما وقع له، فهونت عليه خشيته بما عرفته من
أخلاقه الكريمة وطريقته الحسنة، فأرادت الاستظهار بمسيرها به إلى ورقة لمعرفتها بصدقه،
ومعرفته، وقراءته الكتب القديمة، فلما سمع كلامه أيقن بالحق واعترف به. ثم كان من
مقدمات تأسيس النبوة فترة الوحي، ليتدرج فيه ويمرن عليه، فشقّ عليه فتوره إذا لم يكن

٢٣١
كتاب: الإيمان
٠٠
خوطب عن الله بعد أنك (١) رسول من الله، ومبعوث إلى عباده، فأشفق أن يكون ذلك أمر بدئ
به، ثم لم يرد استفهامه(٢) فحزن لذلك حتى تدرج على احتمال أعباء النبوة، والصبر على ثقل
ما يرد عليه، فتح الله له من أمره بما فتح، قال: ومثال ما وقع له في أول ما خوطب ولم
يتحقق الحال على حليتها مثل رجل سمع آخر يقول: ((الحمد لله)) فلم يتحقق أنه يقرأ، حتى إذا
وصلها بما بعدها من الآيات تحقق أنه يقرأ، وكذا لو سمع قائلاً يقول: ((خلت الديار)) لم
يتحقق أنه ينشد شعراً حتى يقول: ((محلها فمقامها)) انتهى ملخصاً.
ثم أشار إلى أن الحكمة في ذكره ◌َلهو ما اتفق له في هذه القصة أن يكون سبباً في انتشار
خبره في بطانته ومن يستمع لقوله ويصغي إليه، وطريقاً في معرفتهم مباينة من سواه في أحواله
لينبهوا على محله، قال: ((وأما إرادته إلقاء نفسه من رؤوس الجبال بعدما نبئ فلضعف قوته عن
تحمل ما حمله من أعباء النبوة، وخوفاً مما يحصل له من القيام بها من مباينة الخلق جميعاً، كما
يطلب الرجل الراحة من غم يناله في العاجل بما يكون فيه زواله عنه ولو أفضى إلى إهلاك نفسه
عاجلاً حتى إذا تفكر فيما في صبره على ذلك من العقبى المحمودة صبر واستقرت نفسه)).
قلت: أما الإرادة المذكورة في الزيادة الأولى ففي صريح الخبر أنها كانت حزناً على ما
فاته من الأمر الذي بشره به ورقة، وأما الإرادة الثانية بعد أن تبدى له جبريل، وقال له: إنك
رسول الله حقاً، فيحتمل ما قاله، والذي يظهر لي أنه بمعنى الذي قبله، كذا قال الحافظ في
الفتح.
قلت: لم يثبت في رواية ما يدل على وجود الارتياب من النبي ◌َّ في حقية ما جاء به
الملك، نعم! الفزع والروع والخشية على نفسه الكريمة تسبب من مصادمة القوة الملكية مع
الطبيعة البشرية فجاءً، واشتد عليه وَالر تصور استمرار هذه الصعوبة التي كادت أن تنقض ظهره أو
تكرارها، ولذا رجع إلى خديجة وقال: ((زملوني زملوني)) وزملوه وأجرى الله سبحانه وتعالى على
لسان خديجة كلمات من الحكمة التي سكن بها قلبه، وسهل عليه الخطب، وذهبت به بغير إيماء
منه ◌َّه إلى ورقة المعروف بعلم أهل الكتاب السماوي، ليزول الاستيحاش بالكلية، ويطمئن قلبه
بأن هذه الحالة الطارئة لا تكون موجبة لهلاكه وضياع نفسه بل الله تعالى يسهل على رسوله
الصادق هذا الأمر الجليل، ويمكنه من تحمل هذا القول الثقيل، حتى يظهر دينه ويتم نوره، والله
متم نوره ولو كره الكافرون، وأما قصد التردي من الجبل فإنما كان لشدة حزنه على ما فاته من
(١) قوله: ((بعد إنك)) لعله: ((بعدما قيل: إنك ... )). من المؤلف.
(٢) كذا في الأصل، ولعله ((استتمامه)) من المؤلف.

٢٣٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي
لقاء الملك، ولذة مناجاة الملك ومكالمته، فليس هذا الاشتياق والاضطراب من الارتياب
والتردد في شيء، بل هو أدل دليل على التيقن والتحقق بما جاءه من عند ربه، وعلى كون هذا
الالتذاذ والابتهاج في أول الوهلة مستوراً تحت الفزع والخوف والطبيعي، والله أعلم بالصواب.
ثم بعد كتابة هذه السطور رأيت في حاشية السندي تقّهُ توجيهاً بديعاً حيث قال: ((لا يخفى
أنه بعد أن أوحي إليه، وتحقيق بلوغ الوحي إليه: صار نبياً، ولا يمكن أن يكون نبياً ويكون شاكاً
في نبوته، بل لا بد أن يكون عالماً بنبوته ضرورة، وأن الذي جاءه ملك من عند الله تعالى، وأن
الذي بلغه وحي من الله فحينئذ قوله وَطاهر: ((لقد خشيت على نفسي)) مشكل وحمله على أنه خشي
على تحمل أعباء النبوة وغيره - مما لا يوافق الكلام السابق ولا اللاحق - بعيد.
والوجه عندي أنه ور لعله خشي عند أول ما واجهه الملك قبل أن يتحقق عنده أنه ملك،
وقبل أن تشرف بالنبوة. والحاصل أنه خشي قبل تبليغ الملك الوحي إليه، فإن وقوع الخشية
حينئذ لا يضر، ثم تحقق بعد ذلك عنده نبوته مقارناً بتمام ما أوحي إليه، ثم أراد أن يعرف حال
خديجة فذكر معها حاله السابق على وجه الإبهام، وما ذكر معها ما تحقق عنده من أمر النبوة
ليظهر له حال خديجة، وأنها تصلح لذكر النبوة معها أولاً، إذ ربما لو بدأها بذكر النبوة لربما
يخاف عليها أنها تبدأ بالإنكار، وتواجه بالتكذيب، فيشكل إرجاعها بعد ذلك إلى الحق، لأن
العادة أن المنكر يصعب رجوعه إلى ما أنكره فصار هذا الكلام كأنه من معاريض الكلام،
وكان رَّ يتكلم بمثله للأغراض الصحيحة، وهذا الغرض من جملة تلك الأغراض، هذا ما خطر
بالبال والله تعالى أعلم بحقيقة الحال)).
قوله: (لقد خشيت على نفسي) إلخ: بكسر الشين، أي: أن تذهب لثقل الوحي ورؤية
الملك، لا أنه خشي أن يكون ذلك من الشيطان، وقيل: إنما خشي من قومه أن يقتلوه، وهو
بعيد .
قال السنوسي: ((قوله ◌َّير: ((لقد خشيت على نفسي)) يدل على أن من نزلت به ملمة أن له
أن يشارك فيها من يثق بنصحه ورأيه، ولا ينافي ذلك التوكلّ، ويستحب لمن ذكر له ذلك تيسير
الأمر وتهوينه على صاحب القضية كما فعلت خديجة رضيها، ومعنى قوله وَّيقول: ((لقد خشيت على
نفسي)) أي: أن تهلك أو تقارب من شدة ما تلقاه من المشاق عند تلقيها الوحي وما يعتريها من
الكرب عند ذلك، ويحتمل أن يكون المعنى: خفت أن لا أقوم بأعباء ما كلفته من الرسالة
والتبليغ لما عليّ في تلقيه من المشقة، وفي إلقائه للناس أيضاً، فأقصر فأعاقب، وهذا خوف من
الله جل وعلا، وهو محمود، وكان هذا القول منه - صلوات الله وسلامه عليه - في ابتداء الأمر
وقبل أن يعلم أن أمره يتم ويكمل به وله الدين ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِاَلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
(٣٣)﴾ [التوبة، آية: ٣٣] وقد علمت مشقة ابتداء الأمور
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ، وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُشْرِكُونَ

٢٣٣
كتاب: الإيمان
قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلاَّ. أَبْشِرْ، فَواللَّهِ، لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَداً. وَاللَّهِ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ،
وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ،
لا سيما هذا الأمر العظيم الذي كلف به النبي 18َّ من تعليم العلوم وإيصالها دقيقة كانت أو
جليلة، لكل عاقل عربي كان أو عجمي، غبي كان أو فطن، متواضع أو متكبر، قريب كان أو
بعيد، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، جن أو إنس، على وجه لا يؤثر في ذلك أحداً على أحد، ولا
يضجر لجفاء أجلافهم وسوء آداب جهالهم، ثم لم يكتف منه بذلك حتى طلب منه أن يحمل
الناس كلهم على الخروج عن المألوف، وما هو أعظم عندهم من أنفسهم، من أديانهم
واعتقاداتهم الفاسدة التي رُبّوا عليها خلفاً عن سلف، ولو بأن يباشر بنفسه الكريمة وبمن معه من
المؤمنين: قتالهم الذي ربما يؤدي إلى أن تصل بعض الإذايات إلى ذاته المرفعة، ويفجع بقتل
بعض ناصريه من أقاربه ومن معه، فانظر هذا الأمر العظيم الذي لا يحوم حوله إلا من اعتنى
بتأييده الرب الرؤوف الرحيم، لو عرض على أهل السماوات والأرضين على ما هي عليه من
القوة لما استطاعت أن تثبت له، وأنى لها الثبات؟ وقد أشفقت مما دون ذلك بكثير ﴿إِنَّا عَرَضْنَا
اُلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلْجِبَالِ﴾ [الأحزاب، آية: ٧٢] الآية ثم أزال الله خشيته، ورزقه الأيد،
والقوة، والثبات، والعظمة. وقد قيل: إن خشيته كانت من قومه أن يقتلوه، ولا غرو فإنه بشر
يخشى من القتل والأذاية ما يخشاه البشر، ثم يهون عليه الصبر في ذات الله كل خشية، ويجلب
إلى قلبه كل شجاعة وقوة، وقد قيل في معنى الخشية أقوال غير هذه، رغبت عن التطويل
بذکرها)» انتھی.
قوله: (قالت له خديجة: كلا أبشر) إلخ: ومعنى ((كلا)) النفي والإبعاد، وفى مرسل عبيد بن
عمير: ((فقالت: أبشر يا ابن عم، وأثبت، فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه
الأمة)).
قوله: (فوالله لا يخزيك الله أبداً) إلخ: قال الحافظ «الخزي: الوقوع في بلية وشهرة
بذلة)» .
قال النووي: ((الفضيحة والهوان، أي: لا يفضحك الله بل يثبتك ويقويك لحمل أعباء
النبوة التي خشيت الضعف فيها)).
قوله: (والله إنك لتصل الرحم) إلخ: استدلت على ما أقسمت عليه من نفي الخزي أبداً
بأمر استقرائي، ووصفته بأصول مكارم الأخلاق، لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى
الأجانب، وإما بالبدن أو بالمال، وإما على من يستقل بأمره أو من لا يستقل، وذلك كله مجموع
ما وصفته به .
قوله: (وتحمل الكل) إلخ: الكل - بفتح الكاف - هو من لا يستقل بأمره، كما قال الله

٢٣٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ،
تعالى: ﴿وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَئُهُ﴾ [النحل، آية: ٧٦] وأصله الثقل، ويدخل في حمل الكل الإنفاق
على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك، وهو من الكلال، وهو: الإعياء.
قوله: (وتكسب المعدوم) إلخ: هو بفتح التاء، هذا هو الصحيح المشهور، ونقله القاضي
عياض عن رواية الأكثرين قال: ورواه بعضهم بضمها، قال أبو العباس ثعلب، وأبو سليمان
الخطابي، وجماعات من أهل اللغة: يقال: كسبت الرجل مالاً، وأكسبته مالاً لغتان: أفصحهما
باتفاقهم ((كسبته)) بحذف الألف، وأما معنى ((تكسب المعدوم)) فمن رواه بالضم فمعناه: تكسب
غيرك المال المعدوم، أي: تعطيه إياه تبرعاً، فحذف أحد المفعولين، وقيل: معناه تعطي الناس
ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق. وأما رواية الفتح فقيل: معناها
كمعنى الضم، وقيل: معناها تكسب المال المعدوم وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله،
وكانت تتمادح بكسب المال المعدوم لا سيما قريش، وكان النبي ◌َّ محظوظاً في تجارته، وهذا
القول حكاه القاضي عن ثابت صاحب الدلائل، وهو ضعيف أو غلط، وأي: معنى لهذا القول
في هذا الموطن؟ إلا أنه يمكن تصحيحه بأن يضم إليه زيادة، فيكون معناه: تكسب المال العظيم
الذي يعجز عنه غيرك، ثم تجود به في وجوه الخير وأبواب المكارم، كما ذكرت من حمل
الكل، وصلة الرحم، وقَرْى الضيف، والإعانة على نوائب الحق، فهذا هو الصواب في هذا
الحرف .
وأما صاحب التحرير فجعل ((المعدوم)) عبارة عن الرجل المحتاج المعدم العاجز عن
الكسب، وسماه معدوماً لكونه كالمعدوم الميت، حيث لم يتصرف في المعيشة كتصرف غيره
قال: ((وذكر الخطابي أن صوابه ((المعدم)) بحذف الواو، قال: وليس كما قال الخطابي، بل ما
رواه الرواة صواب، قال: وقيل معنى: ((تكسب المعدوم)) أي: تسعى في طلب عاجز تنعشه،
والكسب هو الاستفادة، وهذا الذي قاله صاحب التحرير وإن كان له بعض الاتجاه كما حررت
لفظه، فالصحيح المختار ما قدمته، والله أعلم كذا في الشرح.
وقال السنوسي: ((قولها: ((تكسب المعدوم)) أي: تقدر على كسب الشيء الذي يكون
معدوماً، وتحتاج إلى تحصيله لمعرفتك بطرق الاكتساب، فمدحته بما يستلزم كمال العقل الذي
هو أشرف شيء منّ به سبحانه وتعالى، والنشاط الذي يكتسب به الإنسان المصالح الدنيوية
والأخروية لنفسه ولغيره ضد ما عليه العاجز من الرجال الذي لا ينفع نفسه ولا غيره، ولا شك
أنه إذا اجتمع في الرجل كمال العقل المميز بين الحسن والقبيح ومطاوعة الأعضاء لإشارات
العقل لنشاطها وعدم العجز فيها والكسل: كان بأعلى المراتب، وأرفع الرجل أكمل الرجال مهيّاً
النيل الأشراف من أحوال الدنيا والآخرة، والاتصاف بأعلى المراتب وأرفع الخلال، كأنها صَّا
تقول: ما شرفت به من النبوة وقصدت من الرسالة أنت أهله ومهيّ له بما أودع سبحانه فيك من

٢٣٥
كتاب: الإيمان
وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ
تَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ، أَخِي أَبِيهَا. وَكَانَ امْرَءًا تَنَصَّرَ فِي
الْجَاهِليَّةِ،
الخلال الكريمة اللائقة لذلك، ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام، آية: ١٢٤] فهون عليك
ولا تخف ولا تجزع ألاَّ تقوم بواجب الحق في ذلك، وإنما يخاف النقص والإخلال من لم
يؤهل لما ظهر فيه من وجوه الكمال، فيخشى من طرد الأصلي فيه لما عرض له بحسب الحال،
وأما من أيده سبحانه وتعالى أولاً بالصفات الجميلة، وأكمل عليه بعد ذلك ما يناسب كل واحد
منها، ويسلك سبيله فكيف يخاف النقض؟ وقد تعاضدت وتكاثرت منه محاسن الصفات)).
قوله: (وتقري الضيف) إلخ: بفتح التاء، قال أهل اللغة: يقال: قريت الضيف أقريه قِرى -
بكسر القاف، مقصور - وقراءَ بفتح القاف والمد - ويقال للطعام الذي يضيفه به ((قرى)) بكسر
القاف مقصور، ويقال لفاعله: قار، مثل ((قضى)) فهو: ((قاض)).
قوله: (وتعين على نوائب الحق) إلخ: النوائب جمع نائبة، وهي الحادثة، وإنما قالت:
نوائب الحق، لأن النائبة قد تكون في الخير، وقد تكون في الشر قال لبيد:
نوائب من خير وشر كلاهما
فلا الخير ممدود ولا الشر لازب
قال الحافظ: ((قول خديجة رضيُها: ((وتعين على نوائب الحق)) كلمة جامعة لأفراد ما تقدم،
ولما لم يتقدم، قال العلماء رحمهم الله: في قول خديجة هذا دلالة على أن مكارم الأخلاق
وخصال الخير سبب السلامة من مصارع السوء، وفيه مدح الإنسان في وجهه في بعض الأحوال
لمصلحة نظرا (١) وفيه تأنيس من حصلت له مخافة من أمر وتبشيره، وذكر أسباب السلامة له،
وفيه أعظم دليل وأبلغ حجة على كمال خديجة ◌ّا، وجزالة رأيها وقوة نفسها وثبات قلبها
وعظم فقهها، والله أعلم كذا في الشرح.
قوله: (فانطلقت به خديجة) إلخ: أي: مضت معه، فالباء للمصاحبة، وفي رواية مرسلة
عند البيهقي في الدلائل: ((أنها ذهبت إلى عداس، وكان نصرانياً، فذكرت له خبر جبريل، فقال:
هو أمين الله بينه وبين النبيين، ثم ذهبت إلى ورقة)).
قوله: (حتى أتت به ورقة بن نوفل) إلخ: ورقة بفتح الراء، وفي مرسل عبيد بن عمير ((أنها
أمرت أبا بكر أن يتوجه معه))، فيحتمل أن يكون عند توجيهها، أو مرة أخرى.
قوله: (وكان امرأ تنصر في الجاهلية) إلخ: أي: صار نصرانياً، وكان قد خرج مع زيد بن
عمرو بن نفيل لما كرها عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها، يسألون عن الدين فأعجب ورقة دين
(١) قوله: ((نظراً)) كذا في الأصل، ولعله ((تطرأ)). من المؤلف.

٢٣٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخاً
كَبِيراً قَدْ عَمِيَ. فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ، اَسْمَعْ مِن ابنٍ أَخِيكَ. قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ:
يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ خَبَرَ مَا رَآهُ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ
الَّذِي أُنَزِلَ عَلَى مُوسَى،
النصرانية، فتنصر، وكان لقي من بقي الرهبان على دين عيسى ولم يبدل، ولهذا أخبر بشأن
النبي ◌َّير، والبشارة به إلى غير ذلك مما أفسده أهل التبديل.
قوله: (وكان يكتب الكتاب العربي) إلخ: ووقع في أول صحيح البخاري: ((يكتب كتاب
العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية)» والجميع صحيح، لأن ورقة تعلم اللسان العبراني،
والكتابة العبرانية، فكان يكتب الكتاب العبراني كما كان يكتب الكتاب العربي لتمكنه من
الكتابين باللسانين، ووقع لبعض الشراح هنا خبط فلا يعرج عليه، وإنما وصفته بكتابة الإنجيل
دون حفظه لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن متيسراً كتيسر حفظ القرآن الذي خصت به هذه
الأمة، فلهذا جاء في صفتها: ((أناجيلها صدورها)).
قوله: (فقالت له خديجة: أي: عم) إلخ: وفي الرواية الأخرى ((أي: ابن عم)) قال
الحافظ: ((النداء الثاني على حقيقته، والأول وهم لأنه وإن كان صحيحاً لجواز إرادة التوقير،
لكن القصة لم تتعدد ومخرجها متحد، فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين، فتعين الحمل على
الحقيقة، وإنما جوزنا ذلك فيما مضى في العبراني والعربي لأنه من كلام الراوي في وصف
ورقة، واختلفت المخارج فأمكن التعدد، وهذا الحكم يطرد في جميع ما أشبهه)).
قوله: (اسمع من ابن أخيك) إلخ: أي: الذي يقول، وقالت في حق النبي وَّر ((اسمع من
ابن أخيك)) لأن والده عبد الله بن عبد المطلب، وورقة في عدد النسب إلى قصي بن كلاب الذي
يجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحيثية في درجة إخوته، أو قالته على سبيل التوقير لسنه، وفيه
إرشاد إلى أن صاحب الحاجة يقدم بين يديه من يعرف بقدره مما يكون أقرب منه إلى المسؤول،
وذلك مستفاد من قول خديجة لورقة: ((اسمع من ابن أخيك)) أرادت بذلك أن يتأهب لسماع كلام
النبي ◌َّ، وذلك أبلغ في التعليم.
قوله: (يا ابن أخي ماذا ترى) إلخ: فيه حذف يدل عليه سياق الكلام، وقد صرح به في
دلائل النبوة لأبي نعيم بسند حسن إلى عبد اللّه بن شداد في هذه القصة قال: ((فأتت به ورقة ابنَ
عمها، فأخبرته بالذي رأى)).
قوله: (فأخبره رسول الله ﴿ خبر ما رأى) إلخ: في رواية ابن مندة في الصحابة: من
طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس عن ورقة بن نوفل قال: ((قلت: يا محمد، أخبرني عن هذا
الذي يأتيك، قال: يأتيني من السماء جناحاه لؤلؤ، وباطن قدميه أخضر)).
قوله: (هذا الناموس الذي أنزل على موسى) إلخ: أشار بقوله: ((هذا)) إلى الملك الذي

٢٣٧
كتاب: الإيمان
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعاً، بَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيّاً
ذكره النبي ◌َّ في خبره، ونزل منزلة القريب لقرب ذكره.
والناموس صاحب السر، كما جزم به البخاري في أحاديث الأنبياء، وزعم ابن ظفر أن
الناموس صاحب سر الخير، وجاسوس صاحب سر الشر، والأول الصحيح الذي عليه
الجمهور، وقد سوى بينهما رؤبة بن العجاج أحد فصحاء العرب.
والمراد بالناموس هنا جبريل ظلّلا وقوله: ((على موسى)) ولم يقل: على عيسى مع كونه
نصرانياً لأن كتاب موسى ظلَّا مشتمل على أكثر الأحكام، بخلاف عيسى، وكذلك النبي بَّ، أو
لأن موسى بعث على النقمة على فرعون ومن معه، بخلاف عيسى، وكذلك وقعت النقمة على يد
النبي ◌َّل بفرعون هذه الأمة، وهو أبو جهل بن هشام ومن معه ببدر، أو قاله تحقيقاً للرسالة لأن
نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتابين، بخلاف عيسى، فإن كثيراً من اليهود
ینکرون نبوته.
وأما ما تمحل له السهيلي من أن ورقة كان على اعتقاد النصارى في عدم نبوة عيسى،
ودعواهم أنه أحد الأقانيم: فهو محال لا يعرج عليه في حق ورقة وأشباهه ممن لم يدخل في
التبديل، ولم يأخذ عمن بدّل، على أنه قد ورد عند الزبير بن بكار من طريق عبد الله بن معاذ عن
الزهري في هذه القصة أن ورقة قال: ((ناموس عيسى)) والأصح ما تقدم، وعبد الله بن معاذ
ضعيف، نعم، في دلائل النبوة لأبي نعيم بإسناد حسن إلى هشام بن عروة عن أبيه في هذه القصة
((أن خديجة أولاً أتت ابن عمها ورقة، فأخبرته الخبر، فقال: لئن كنت صدقتني أنه ليأتيه ناموس
عيسى الذي لا يعلمه بنو إسرائيل أبناءهم» فعلى هذا فكان ورقة يقول تارة: ناموس عيسى،
وتارة: ناموس موسى، فعند إخبار خديجة له بالقصة قال لها: ناموس عيسى، بحسب ما هو فيه
من النصرانية، وعند إخبار النبي ◌َّلو قال له: ناموس موسى للمناسبة التي قدمناها، وكل
صحيح، والله سبحانه وتعالى أعلم، كذا في الفتح.
ووقع في مرسل أبي ميسرة: ((أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، وأنك على
مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك ستؤمر بالجهاد)) وهذا أصرح ما جاء في إسلام
ورقة، أخرجه ابن إسحاق. وأخرج الترمذي عن عائشة أن خديجة قالت للنبي ◌ّ لما سئل عن
ورقة ((كان ورقة صدقك، ولكنه مات قبل أن تظهر)) فقال: رأيته في المنام، وعليه ثياب بيض،
ولو كان من أهل النار لكان لباسه غير ذلك)) وعند البزار والحاكم عن عائشة مرفوعاً: ((لا تسبوا
ورقة، فإني رأيت له جنة أو جنتين)) وقد استوعبت ما ورد في ترجمته من كتابي في الصحابة.
قاله الحافظ .
قوله: (يا ليتني فيها جذعاً) إلخ: في أيام الدعوة، والجذع بفتح الجيم والذال المعجمة،
وهو الصغير من البهائم، كأنه تمنى أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الإسلام شاباً ليكون أمكن

٢٣٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ وَرَقَّةُ: نَعَمْ. لَمْ يَأْتِ
رَجُلٌ قَطْ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً)).
٤٠٢ - (٢٥٣) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. قَالَ:
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَاً قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِىءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَلَه مِنَ
الْوَحْي. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَوَاللَّهِ لاَ يُحْزِئُكَ اللَّهُ أَبَداً .
وَقَالَ: قَالَتْ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ.
٤٠٣ - (٢٥٤) وحدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، قال: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ
لنصره، وبهذا يتبين سر وصفه بكونه: ((كان كبيراً أعمى)).
قوله: (حين يخرجك قومك) إلخ: أي: من مكة، كما وقع في حديث عبد الله بن عدي في
السنن: ((ولولا أني أخرجوني منكِ ما خرجت)» يخاطب مكة.
قوله: (أو مخرجيّ هم) إلخ: بفتح الواو وتشديد الياء وفتحها، جمع مخرج، فـ ((هم))
مبتدأ مؤخر و((مخرجي)) خبر مقدم، قاله ابن مالك، واستبعد النبي ◌َّ أن يخرجوه لأنه لم يكن
فيه سبب يقتضي الإخراج، لما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق التي تقدم من خديجة وصفها،
وقد استدل ابن الدغنة بمثل تلك الأوصاف على أن أبا بكر لا يخرج.
قوله: (إلا عودي) إلخ: وفي بعض الروايات: ((إلا أوذي)) فذكر ورقة أن العلة في ذلك
مجيئه لهم بالانتقال إلى مألوفهم، ولأنه علم من الكتب أنهم لا يجيبونه إلى ذلك، وأنه يلزمه
لذلك منابذتهم ومعاندتهم فتنشأ العداوة من ثم.
قوله: (إن يدركني يومك) إلخ: ((إن)) شرطية، والذي بعدها مجزوم، زاد البخاري في رواية
يونس في التفسير ((حيّا)) ولابن إسحاق: ((إن أدركت ذلك اليوم)) يعني: يوم الإخراج.
قوله: (نصراً مؤزراً) إلخ: بهمزة، أي: قوياً، مأخوذ من الأزر، وهو القوة، وأنكر القزاز
أن يكون في اللغة مؤزر من الأزر، وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون من الإزار، أشار بذلك إلى
تشميره في نصرته. قال الأخطل :
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم. البيت
٢٥٣ - (٠٠٠) - قوله: (قال الزهري: وأخبرني عروة) إلخ: في هذه الواو فائدة لطيفة،
قدمناها في مواضع، وهي أن معمراً سمع من الزهري أحاديث، قال الزهري فيها أخبرني عروة
بكذا، وأخبرني عروة بكذا إلى آخرها، فإذا أراد معمر رواية غير الأول قال: ((قال الزهري:
وأخبرني عروة)) فأتى بالواو ليكون راوياً كما سمع، وهذا من الاحتياط، والتحقيق، والمحافظة
على الألفاظ، والتحري فيها، والله أعلم.

٢٣٩
كتاب: الإيمان
جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ:
قَالَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ بَّهِ: فَرَجَعَ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ
حَدِيثِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِمَا. مِنْ قَوْلِهِ: أَوَّلُ مَا بُدِىءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَه
مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ. وَتَابَعَ يُونُسَ عَلَى قَوْلِهِ: فَوَاللَّهِ، لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَداً. وَذَكَرَ
قَوْلَ خَدِيجَّةَ: أَىِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ.
٤٠٤ - (٢٥٥) وحدّثني أَبُو الظَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قال: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ
ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ(١)
(وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَ ﴿) كَانَ يُحَدِّثُ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ
عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْي (قَالَ فِي حَدِيثِهِ) ((فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي،
٢٥٤ - (٠٠٠) - قوله: (يرجف فؤاده) إلخ: أي: قلبه، أما علم خديجة برجفان فؤاده وَّه
فالظاهر أنها رأته حقيقة، ويجوز أنها لم تره وعلمته بقرائن، وصورة الحال، والله أعلم.
٢٥٥ - (١٦١) - قوله: (وهو يحدث عن فترة الوحي) إلخ: يعني: احتباسه وعدم تتابعه
وتواليه في النزول.
قال الحافظ: وكان ذلك ليذهب ما كان ◌َّير وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى
العود)).
وقال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((السر في فتور الوحي أن الإنسان يجمع
جهتين: جهة البشرية، وجهة الملكية، فيكون عند الخروج من الظلمات إلى النور مزاحمات
ومصادمات، حتى يتم أمر الله)).
ووقع في رواية معمر عند البخاري في التعبير: ((وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي بَّ في
ما بلغنا حزناً عداً منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي
يلقي منه نفسه تبدّى له جبريل، فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً، فيسكن لذلك جأشه، وتقر
(١) قوله: ((جابر بن عبد الله الأنصاري)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدأ الوحي، باب كيف
كان بدء الوحي إلى رسول الله وَلّ، رقم (٤). وفي كتاب بدى الخلق، باب إذا قال أحدكم: ((آمين))
والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، رقم (٣٢٣٨). وفي كتاب التفسير
تفسير سورة المدثر، باب (بلا ترجمة) رقم (٤٩٢٢). وباب ((قم فأنذر)) رقم (٤٩٢٣) وباب ((وربك فكبر)).
رقم (٤٩٢٤). باب ((وثيابك فطهر)) رقم (٤٩٢٥) وباب ((والرجز فاهجر)) رقم (٤٩٢٦). وتفسير سورة
العلق، باب (بلا ترجمة) رقم (٤٩٥٤). وفي كتاب الأدب، باب رفع البصر إلى السماء، رقم (٦٢١٤).
والترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب ومن سورة المدثر، رقم (٣٣٢٥).

٢٤٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءِ جَالِساً عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ)) قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بَلَهَ: (فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقاً، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: ((زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي)) فَدَثَّرُونِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ
) قُرْ فَأَذِرْ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ
وَالرُّجْزَ فَأَهْجُرْ
٤
وَثِيَكَ فَطَهِرْ
وَرَبَّكَ فَكَتِرْ
٢
[المدثر: ١ - ٥] وَهِيَ الأَوْثَانُ قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ.
٥
٤٠٥ - (٢٥٦) وحدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
نفسه، فيرجع إذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل
فقال له مثل ذلك)).
فائدة
وقع في تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبي أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث سنين، وبه جزم
ابن إسحاق، وحكى البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر.
قوله: (فجئثت منه فرقاً) إلخ: بضم الجيم وكسر الهمزة، وفي بعض الروايات: الثاء
المثلثة المكسورة بعد الجيم، كما فصله النووي، والروايتان بمعنى واحد، يعني: وفزعت
ورعبت .
قال الحافظ: ((دل على بَقِيَةٍ بَقِيَتْ معه من الفزع الأول، ثم زالت بالتدريج)).
قوله: (يأيها المدثر) إلخ: أي: حذّر من العذاب من لم يؤمن بك.
قوله: (وربك فكبر) إلخ: أي: عظّم.
قوله: (وثيابك فطهر) إلخ: أي: من النجاسة. وقيل: الثياب: النفس، وتطهيرها: اجتناب
النقائص .
قوله: (والرجز فاهجر) إلخ: أي: دُم على هجرانه .
قوله: (وهي الأوثان) إلخ: هذا من تفسير أبي سلمة، كما صرح به مسلم في الطريق
الآتي، وفي صحيح البخاري: ((قال أبو سلمة: وهي الأوثان التي كان أهل الجاهلية يعبدون)).
قال النووي: ((والرجز: بكسر الراء في قراءة الأكثرين، وقرأ حفص بضمها، وفسره في
الكتاب بالأوثان، وكذا قاله جماعات من المفسرين، والرجز في اللغة: العذاب، وسمى الشرك
وعبادة الأوثان رجزاً لأنه سبب العذاب. وقيل: المراد بالرجز في الآية الشرك، وقيل: الذنب.
وقيل: الظلم. والله أعلم)).
وفي الفتح: «قال أبو عبيدة: الرجز بالكسر والضم بمعنى واحد، ويروى عن مجاهد
والحسن بالضم اسم الصنم، وبالكسر اسم العذاب)).