النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
كتاب: الإيمان
كذلك الشرك، شركان، شرك ينقل عن الملة، وهو الشرك الأكبر، وشرك لا ينقل عن
الملة، وهو الشرك الأصغر، وهو شرك العمل، كالرياء، وقال تعالى في الشرك الأكبر: ﴿مَن
يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنَّهُ النَّارُ﴾ [المائدة، آية: ٧٢]، وقال: ﴿وَمَن يُثْرِْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا
خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الْرِيحُ فِ مَكَانٍ سَحِقٍ﴾ [الحج، آية: ٣١] وفي شرك الرياء:
﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُثْرِ بِعِبَادَةِ رَيٍِِّ أَحَدَا﴾ [الكهف، آية: ١١٠].
ومن هذا الشرك الأصغر قوله وَله: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) رواه أبو داود وغيره،
ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة، ولا يوجب له حكم الكفار. ومن هذا قوله اليه:
((الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل)).
فانظر كيف انقسم: الشرك، والكفر، والفسوق، والظلم، والجهل، إلى ما هو كفر ينقل
عن الملة، وإلى ما لا ينقل عنها .
وكذا النفاق نفاقان، نفاق اعتقاد، ونفاق عمل، فنفاق الاعتقاد: وهو الذي أنكره الله على
المنافقين في القرآن، وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار، ونفاق العمل كقوله صل# في الحديث
الصحيح: ((آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) وفي
الصحيح أيضاً: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة
من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد، غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا اؤتمن خان))
فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمل: فقد ينسلخ صاحبه عن
الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال،
فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقاً خالصاً.
وكلام الإمام أحمد تَُّ يدل على هذا فإن إسماعيل بن سعيد السالح قال: سألت أحمد بن
حنبل عن المصرّ على الكبائر يطلبها بجهده، إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصوم، هل يكون
مصراً من كانت هذه حاله؟ قال: هو مصرّ، مثل قوله: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن))
يخرج من الإيمان، ويقع في الإسلام، ونحو قوله: ((لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن،
ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن)). ونحو قول ابن عباس في قوله تعال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ
أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة، آية: ٤٤] قال إسماعيل: فقلت له: ما هذا الكفر؟ قال: كفر
لا ينقل عن الملة، مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر حتى يجئ من ذلك أمر لا
یختلف فيه)).
الإيمان قد يجتمع مع الكفر في شخص
وههنا أصل آخر وهو أن الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى

٦٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وفجور، ونفاق وإيمان، وهذا من أعظم أصول أهل السنة، وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع:
كالخوارج، والمعتزلة، والقدرية، ومسألة خروج أهل الكبائر من النار وتخليدهم فيها مبنية على
هذا الأصل، وقد دل عليه القرآن والسنة والفطرة وإجماع الصحابة، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ
﴾ [يوسف، آية: ١٠٦] فأثبت لهم إيماناً به سبحانه مع الشرك، وقال
١٠٦
أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُنَ
تعالى: ﴿﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيَمَنُ فِى قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتَّكُم مِّنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًاْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ [الحجرات، آية: ١٤] فأثبت لهم إسلاماً
وطاعة الله ورسوله مع نفي الإيمان عنهم، وهو الإيمان المطلق الذي يستحق اسمه بمطلقه:
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات، آية: ١٥]
وهؤلاء ليسوا منافقين في أصح القولين، بل هم مسلمون بما معهم من طاعة الله ورسوله، وليسوا
مؤمنين، وإن كان منعهم جزء من الإيمان أخرجهم من الكفر.
قال الإمام أحمد: من أتى هذه الأربعة أو مثلهن أو فوقهن - يريد الزنا، والسرقة، وشرب
الخمر، والانتهاب ــ فو مسلم ولا أسميه مؤمناً، ومن أتى دون ذلك - يريدون الكبائر - سميته
مؤمناً ناقص الإيمان، فقد دل على هذا قوله بَّه: ((فمن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة
من النفاق)) فدل على أنه يجتمع في الرجل نفاق وإسلام، وكذلك الرياء شرك، فإذا رأى الرجل
في شيء من عمله اجتمع فيه الشرك والإسلام، وإذا حكم بغير ما أنزل الله أو فعل ما سماه
رسول الله وَر: كفراً، وهو ملتزم للإسلام وشرائعه فقد قام به كفر وإسلام، وقد بينا أن المعاصي
كلها شعب من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها شعب من شعب الإيمان، فالعبد تقوم به
شعبة، أو أكثر من شعب الإيمان، وقد يسمى بتلك الشعبة مؤمناً، وقد لا يسمى، كما أنه قد
يسمى بشعب الكفر كافراً، قد لا يطلق عليه هذا الاسم.
فههنا أمران: أمر اسمي لفظي، وأمر معنوي حكمي، فالمعنوي: هل هذه الخصلة كفر أم
لا؟ واللفظي: هل يسمى من قامت به كافراً أم لا؟ فالأمر الأول: شرعي محض، والثاني:
لغوي وشرعي.
لا يلزم من حصول شعبة من الإيمان في شخص أن يسمى مؤمناً وكذلك الكفر
وههنا أصل آخر، وهو أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً،
وإن كان ما قام به إيماناً، ولا من قيام شعبة من شعب الكفر به أن يسمى كافراً، وإن كان ما قام
به كفراً، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به أن يسمى عالماً، ولا من معرفة بعض
مسائل الفقه والطب أن يسمى فقيهاً ولا طبيباً، ولا يمتنع ذلك أن تسمى شعبة الإيمان إيماناً،
وشعبة النفاق نفاقاً، وشعبة الكفر كفراً، وقد يطلق عليه الفعل، كقوله: ((فمن تركها فقد كفر،

٦٣
كتاب: الإيمان
ومن حلف بغير الله فقد كفر)) وقوله: ((من أتى كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر، ومن حلف بغير
الله فقد كفر)) رواه الحاكم في صحيحه بهذا اللفظ.
فمن صدر منه خلة من خلال الكفر فلا يستحق اسم كافر على الإطلاق، وكذا يقال لمن
ارتكب محرماً إنه فعل فسوقاً، وإنه فسق بذلك المحرم، ولا يلزمه اسم فاسق إلا بغلبة ذلك
عليه، وهكذا: الزاني، والسارق، والشارب، والمنتهب: لا يسمى مؤمناً وإن كان معه إيمان،
كما أنه لا يسمى كافراً وإن كان ما أتى به من خصال الكفر وشعبه، إذ المعاصي كلها من شعب
الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.
والمقصود أن سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر، وسلب
اسم الإسلام عنه أولى من سلبه من لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، فلا يسمى تارك الصلاة
مسلماً ولا مؤمناً، وإن كان معه شعبة من شعب الإسلام والإيمان.
نعم! يبقى أن يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار؟ فيقال: ينفعه
إن لم يكن المتروك شرطاً في صحة الباقي واعتباره، وإن كان المتروك شرطاً في اعتبار الباقي لم
ينفعه، ولهذا لم ينفع الإيمان بالله، ووحدانيته، وأنه لا إله إلا هو: من أنكر رسالة محمد وَالر،
ولا تنفع الصلاة من صلاها عمداً بغير وضوء.
فشعب الإيمان قد يتعلق بعضها ببعض تعلق المشروط بشرطه، وقد لا يكون كذلك، فيبقى
النظر في الصلاة: هل هي شرط لصحة الإيمان؟ هذا سر المسألة، والأدلة التي ذكرناها وغيرها
تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة، فهي مفتاح ديوانه، ورأس مال
ربحه، ومحال بقاء الربح بلا رأس مال، فإذا خسرها خسر أعماله كلها، وإن أتى بها صورة،
وقد أشار إلى هذا في قوله: ((وإن ضيعها فهو لما سواها أضيع)) وفي قوله: ((إن أول ما ينظر في
أعماله الصلاة، فإن جازت له نظر في سائر أعماله، وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من أعماله
بعد)) اهـ.
قلت: إلا أن حديث عبادة في المسند: ((قال: سمعت رسول الله وَ لل يقول: ((خمس
صلوات كتبهن الله على العباد، من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت
بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له))، وحديث عائشة في المسند أيضاً:
((قالت: قال رسول الله وَّ: ((الدواوين عند الله ثلاث: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا
يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفر الله: فأما الديوان الذي لا يغفره الله: فالشرك، قال الله
عز وجل: ﴿مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وأما
الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً: فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه: من صوم تركه، أو صلاة
تركها، فإن الله عزّ وجل يغفر ذلك ويتجاوز عنه، إن شاء. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه

٦٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٤٣ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنِ ابْنٍ
جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولُ اللّهِ وَّهِ يَقُولُ: ((بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ)).
(٣٦) - باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال
٢٤٤ - (١٣٥) وحدّثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ.
ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ (يَعْنِيَ ابْنَ سَعْدٍ) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ قَالَ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ: أَّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟
قَالَ: إِيمَانْ بِاللَّهِ قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟
شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً للقصاص لا محالة)) يدل على بقاء نفس الإيمان المانع من تخليد
النار، ولعل المراد من عدم قبول شيء من أعمال تارك الصلاة الأعمال القلبية التي تلتحق
الإيمان، لا العمل القلبي مع الإقرار اللساني الذي يسمى إيماناً، والله أعلم.
مناظرة جرت بين الشافعي وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى
حكي أن أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة، فقال له الشافعي تغَّقُ يا أحمد، أتقول:
إنه يكفر؟ قال: نعم، قال: إذا كان كافراً فبم يسلم؟ قال: يقول: لا إله إلا الله محمد رسول
الله، قال الشافعي: فالرجل مستديم لهذا القول، لم يتركه، قال: يسلم بأن يصلي، قال: صلاة
الكافر لا تصح، ولا يحكم بالإسلام بها فانقطع أحمد، وسكت، كذا في طبقات الشافعية.
(٣٦) - باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال
١٣٥ - (٨٣) - قوله: (إيمان بالله) إلخ: فيه تصريح بأن العمل يطلق على الإيمان، والمراد
به - والله أعلم - الإيمان الذي يدخل به في ملة الإسلام، وهو: التصديق بقلبه، والنطق
بالشهادتين. فالتصديق: عمل القلب، والنطق: عمل اللسان، ولا يدخل في الإيمان ههنا
الأعمال بسائر الجوارح: كالصوم، والصلاة، والحج، والجهاد وغيرها، لكونه جعل قسيماً
للجهاد والحج ولقوله ويقول: ((إيمان بالله ورسوله)) ولا يقال هذا في الأعمال.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب من قال: إن الإيمان
هو العمل، رقم (٢٦)، وفي كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، رقم (١٥١٩)، والنسائي في سننه، في
كتاب الحج، باب فضل الحج، رقم (٢٦٢٥). وفي كتاب الجهاد، باب ما يعدل الجهاد في سبيل الله عزّ
وجلّ، رقم (٣١٣٢). وفي كتاب الإيمان وشرائعه، باب ذكر أفضل الأعمال، رقم (٤٩٨٨). والترمذي في
جامعه، في كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء أي الأعمال أفضل، رقم (١٦٥٨).

٦٥
كتاب: الإيمان
قَالَ: حَجِّ مَبْرُورٌ)). وَفِي رِوَايَةٍ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ قَالَ: ((إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)) .
٢٤٥ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ ... مِثْلَهُ.
٢٤٦ - (١٣٦) حدّثني أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ
عُرْوَةَ. ح وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَام (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحِ اللَّيْنِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرِّ(١)؛ قَالَ: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أََّ الأَعْمَالِ
أَفْضَلُ؟ قَالَ: الإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْفَسُهَا
عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَمَناً قَالَ: قُلَّتُ:
قوله: (قال: حج مبرور) إلخ: أي: مقبول، ومنه: برّ حجك. وقيل: المبرور الذي لا
يخالطه إثم. وقيل: الذي لا رياء فيه.
وقد يستشكل المعنى الأول من حيث إنه لا اطلاع على القبول. وجوابه: أنه قد قيل: من
علامات القبول: أن يزداد بعده خيراً .
وقد تقدم منا ما يزيل الاستشكال باختلاف الأجوبة مع اتحاد الأسئلة، فلا حاجة إلى
إعادته، فتذكر.
١٣٦ - (٨٤) - قوله: (عن أبي مراوح الليثي) إلخ: بضم الميم، وبالراء المهملة، والواو
مكسورة .
قال ابن عبد البر: ((أجمعوا على أنه ثقة، وليس يوقف له على اسم، واسمه كنيته، قال:
إلا أن مسلم بن الحجاج ذكره في الطبقات، فقال: اسمه سعد. وذكره في الكنى، ولم يذكر
اسمه. ويقال في نسبه: الغفاري، ويقال: الليثي، قال أبو علي الغساني: هو الغفاري ثم
الليثي)».
قوله: (أي الرقاب أفضل؟) إلخ: أي: للعتق.
قوله: (قال: أنفسها عند أهلها) إلخ: أي: ما اغتباطهم بها أشد، فإن عتق مثل ذلك ما
يقع غالباً إلا خالصاً، وهو كقوله تعالى: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران، آية: ٩٢].
قوله: (وأكثرها ثمناً) إلخ: قال النووي: ((محله - والله أعلم - فيمن أراد أن يعتق رقبة
(١) قوله: ((عن أبي ذرّ)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العتق، باب أي الرقاب أفضل، رقم
(٢٥١٨). والنسائي في سننه، في كتاب الجهاد، باب ما يعدل الجهاد في سبيل الله عزّ وجلّ، رقم
(٣١٣١). وابن ماجه في سننه، في كتاب العتق، باب العتق، رقم (٢٥٢٣).

٦٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تُعِينُ صَانِعاً أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ
ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ)).
٢٤٧ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. (قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، قَالَ ابْنُ
رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ
عُرْوَةٌ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ،
واحدة، أما لو كان مع شخص ألف درهم - مثلاً - فأراد أن يشتري بها رقبة يعتقها، فوجد رقبة
نفيسة أو رقبتين مفضولتين، فالرقبتان أفضل. قال: وهذا بخلاف الأضحية، فإن الواحدة السمينة
فيها أفضل، لأن المطلوب هنا فك الرقبة، وهناك طيب اللحم)) اهـ.
والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرب شخص واحد إذا عتق انتفع
بالعتق، وانتفع به أضعاف ما يحصل من النفع بعتق أكثر عدداً منه، ورب محتاج إلى كثرة اللحم
لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع هو بطيب اللحم، فالضابط أن مهما كان
أكثر نفعاً كان أفضل، سواء قلّ أو كثر.
واحتج به لمالك في أن عتق الرقبة الكافرة - إذا كانت أغلى ثمناً من المسلمة - أفضل،
وخالفه أصبغ وغيره، وقالوا: المراد بقوله: ((أغلى ثمناً)) من المسلمين، كذا في الفتح.
قوله: (فإن لم أفعل) إلخ: أي: إن لم أقدر على ذلك، فأطلق الفعل، وأراد القدرة
وللدار قطني في الغرائب بلفظ: ((فإن لم أستطع)).
قوله: (تعين صانعاً) إلخ: وفي الرواية الأخرى: ((الضائع)) فروي بالصاد المهملة وبالنون
من الصنعة، وروي بالضاد المعجمة وبهمزة بدل النون، تكتب ياء من الضياع والصحيح عند
العلماء: رواية الصاد المهملة (لمقابلته بالأخرق) والأكثر في الرواية بالمعجمة.
قال ابن المنير: ((في الحديث إشارة إلى أن إعانة الصانع أفضل من إعانة غير الصانع، لأن
غير الصانع مظنة الإعانة، فكل أحد يعينه غالباً بخلاف الصانع، فإنه لشهرته بصنعته يُغْفُل عن
إعانته فهي من جنس الصدقة على المستور)).
قوله: (أو تصنع لأخرق) إلخ: الأخرق هو الذي ليس بصانع، يقال: رجل أخرق وامرأة
خرقاء: لمن لا صنعة له، فإن كان صانعاً حاذقاً قيل: رجل صنع بفتح النون، وامرأة صناع،
بفتح الصاد وزيادة ألف.
قوله: (تكف شرك عن الناس) إلخ: فيه دليل على أن الكف عن الشر داخل في فعل
الإنسان وكسبه حتى يؤجر عليه ويعاقب، غير أن الثواب لا يحصل مع الكف إلا مع النية
والقصد، لا مع الغفلة والذهول. قاله القرطبي.
(٠٠٠) - قوله: (وعن الزهري عن حبيب عن عروة بن الزبير عن أبي مراوح) إلخ: فيه من

٦٧
كتاب: الإيمان
عَنْ أَبِي ذَرِّ عَنِ النَّبِّ وَهُ. بِنَحْوِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَتُعِينُ الصَّانِعَ أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ)) .
٢٤٨ - (١٣٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّئْبَانِيِّ،
عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِيَاسٍ أَبِيِ عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ
مَسْعُودٍ(١)؛ قَالَ: ((سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا قَالَ: قُلْتُ:
ثُمَّ أَّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَِّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ). فَمَا تَرَكْتُ
لطائف الإسناد أنه اجتمع أربعة تابعيون: يروي بعضهم عن بعض، وهو: الزهري، وحبيب،
وعروة، وأبو مراوح
قوله: (فتعين الضائع) إلخ: معنى الضائع بالمعجمة: الفقير، لأنه ذو ضياع من فقر
وعيال.
١٣٧ - (٨٥) - قوله: (عن الشيباني) إلخ: هو أبو إسحاق سليمان بن فيروز الكوفي.
قوله في حديث عبد الله بن مسعود: (أي العمل أفضل) إلخ: قال ابن دقيق العيد:
((الأعمال في هذا الحديث محمولة على البدنية، وأراد بذلك الاحتراز عن الإيمان لأنه من
أعمال القلوب، فلا تعارض حينئذٍ بينه وبين حديث أبي هريرة: ((أفضل الأعمال إيمان بالله))
الحديث .
قوله: (بر الوالدين) إلخ: أي: الإحسان إليهما، وفعل الجميل معهما، وفعل ما يسرهما،
ويدخل فيه الإحسان إلى صديقهما، كما جاء في الصحيح: ((إن من أبرّ البرّ أن يصل الرجل أهل
ودّ أبيه)) وضد البر العقوق، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفسيره.
قوله: (الجهاد في سبيل الله) إلخ: قيل: المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين، لأنه
يتوقف على إذن الوالدين، فيكون برهما مقدماً عليه.
قال ابن بزيزة: ((الذي يقتضيه النظر تقديم الجهاد على جميع أعمال البدن، لأن فيه بذل
النفس، إلا أن الصبر على المحافظة على الصلوات، وأدائها في أوقاتها، والمحافظة على بر
الوالدين: أمر لازم متكرر دائم، لا يصبر على مراقبة أمر الله فيه إلا الصديقون، والله أعلم)).
(١) قوله: ((عن عبد الله بن مسعود)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب
فضل الصلاة لوقتها، رقم (٥٢٧). وفي كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير، رقم (٢٧٨٢).
وفي كتاب الأدب، باب البرّ والصلة. رقم (٥٩٧٠). وفي كتاب التوحيد، باب وسمّى النبي وَلّ عملاً،
رقم (٧٥٣٤). والنسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب فضل الصلاة لمواقيتها، رقم (٦١١)
و(٦١٢). والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الوقت الأوّل من الفضل، رقم (١٧٣).
وفي الباب الثاني من كتاب البرّ والصلة، بعد باب ما جاء في برّ الوالدين، رقم (١٨٩٨).

٦٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَسْتَزِيدُهُ إِلا إِرْعَاءً عَلَيْهِ .
٢٤٩ - ١٣٨ / حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو
يَعْفُورٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، عَنْ أَبِي عَمْرِو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:
((قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّ الأَعْمَالِ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: الصَّلاَةُ عَلَى مَوَاقِيَتِهَا قُلْتُ: وَمَاذَا
يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قُلْتُ: وَمَاذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
٢٥٠ - (١٣٩) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ
الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هُذِهِ الدَّارِ (وَأَشَارَ إِلَى
دَارِ عَبْدِ اللَّهِ(١)) قَالَ: ((سَأَلْتُ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَهِ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلاَةُ
عَلَى وَقْتِهَا قُلْتُ: ثُمَّ أَبِّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلٍ
اللَّهِ. قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي)).
٢٥١ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهذَا
الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَزَادَ: وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَا سَمَّاهُ لَنَا .
٢٥٢ - (١٤٠) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ،
قوله: (إرعاء عليه) إلخ: أي: شفقة عليه، لئلا يسأم.
قال النووي تخّفُ: ((في الحديث صبر المفتي والمعلم على من يفتيه أو يعلمه، واحتمال
كثرة مسائله وتقريراته، وفيه أيضاً رفق المتعلم بالمعلم، ومراعاة مصالحه والشفقة عليه.
١٣٨ - (٠٠٠) - قوله: (حدثنا أبو يعفور) إلخ: بالعين المهملة والفاء والراء، اسمه
عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس - بكسر النون وبالسين المهملة - غير منصرف.
(١) قوله: ((عن عبد الله)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة، باب
قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾، رقم (٤٤٧٧). وتفسير سورة الفرقان، باب ﴿والذين لا
يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاماً﴾ رقم
(٤٧٦١). وفي كتاب الأدب، باب قتل الولد خشية أن يأكل معه، رقم (٦٠٠١)، وفي كتاب الحدود، باب
إثم الزناة، رقم (٦٨١١). وفي كتاب الدّيات، باب قول الله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاءه
جهنم﴾ رقم (٦٨٦١). وفي كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾ رقم (٧٥٢٠).
وباب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك﴾ رقم (٧٥٣٢). والنسائي في سننه، في
كتاب المحاربة (تحريم الدم) باب ذكر أعظم الذنب، رقم (٤٠١٨ - ٤٠٢٠). وأبو داود في سننه، في كتاب
الطلاق، باب في تعظيم الزنا، رقم (٢٣١٠). والترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب ومن سورة
الفرقان رقم (٣١٨٢) و(٣١٨٣).

٦٩
كتاب: الإيمان
عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ (أَوِ الْعَمَلِ)
الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ)) .
(٣٧) - باب: كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده
٢٥٣ - (١٤١) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ إِسْحَاقُ:
أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ: أَيُّ الذَّتْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنَ
تَجْعَلَ لِلَّهِ نِذَا وَهُوَ خَلَقَكَ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ ذُلِكَ لَعَظِيمٌ. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ
تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ)) .
٢٥٤ - (١٤٢) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ جَرِيرٍ،
قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْيِيلَ، قَالَ: قَالَ
عَبْدُ اللَّهِ: ((قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدَّا وَهُوَ
خَلَقَكَ قَالَ: ثُمَّ أَّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةً أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قَالَ: ثُمَّ أَّ؟ قَالَ:
(٣٧) - باب: بيان كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده
١٤١ - (٨٦) - قوله: (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم) إلخ: هذا الإسناد
والذي يليه إسنادان متلاحقان، رواتهما جميعهم كوفيون.
قوله: (عن عبد الله) إلخ: أي: عبد الله بن مسعود رَظُبه. قال علي القاري: ((هو عندنا
أفقه الصحابة بعد الخلفاء الأربعة)).
قوله: (أي: الذنب أعظم) إلخ: الذنب ما يذم الآتي به شرعاً، وهو أربعة أقسام:
قسم لا يغفر بلا توبة: وهو الكفر، قال الله تعالى: ﴿فَأَعْتَفُواْ بِذَئِهِمْ فَسُحْفًا لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾
[الملك، آية: ١١].
وقسم يُرجى أن يغفر بالاستغفار وسائر الحسنات: وهو الصغائر.
وقسم يُغْفَرُ بالتوبة وبدونها تحت المشيئة: وهو الكبائر من حق الله تعالى
وقسم يحتاج إلى الترادّ، وهو حق الآدمي، والترادّ إما في الدنيا بالاستحلال، أو برد
العين أو بدله، وإما في الآخرة برد ثواب الظالم المظلوم، أو إيقاع سيئة المظلوم على الظالم،
أو أنه تعالى يرضيه بفضله وكرمه، كذا قال القاري كذُّ تعالى في المرقاة.
قوله: (ندا) إلخ: بكسر النون، وهو النظير، وقيل: هو المثل المناوىء.
قوله: (خشية أن يطعم معك) إلخ: أي: من جهة إيثار نفسه عليه عند عدم ما يكفي، أو

٧٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ)). فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا
(٦٨)
[الفرقان: ٦٨].
(٣٨) - باب: بيان الكبائر وأكبرها
٢٥٥ _ (١٤٣) حدّثني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ الْجُرَيْرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ (١)،
قَالَ: (كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ فَقَالَ: أَلا أَنَّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟
من جهة البخل مع الوجدان. قال الكرماني: ((وجه كونه أعظم: أنه جمع مع القتل ضعف
الاعتقاد في أن الله هو الرزاق، وفي القرآن العزيز ﴿وَلَا نَّقْئُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةً إِمْلَقٍ﴾ [الإسراء، آية: ٣١]
أي: فقر)).
قوله: (ثم أن تزاني) إلخ: أي: تزني برضاها، وذلك يتضمن الزنا، وإفسادها على
زوجها، واستمالة قلبها إلى الزاني وذلك أفحش، وهو مع امرأة الجار أشد قبحاً وأعظم جرماً،
لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه، وعن حريمه، ويأمن بوائقه، ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه
والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنا بامرأته، وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا
يتمكن غيره منه: كان في غاية من القبح.
قوله: (حليلة جارك) إلخ: بالمهملة بوزن عظيمة، والمراد الزوجة، وهي مأخوذة من الحل
لأنها تحل له، فهي فعلية بمعنى فاعلة. وقيل: من الحلول، لأنها تحل معه ويحل معها .
١٤٢ - (٠٠٠) - قوله: (فأنزل الله عزّ وجل تصديقها) إلخ: هكذا قال ابن مسعود رضي الله،
والقتل والزنى في الآية مطلقان، وفي الحديث مقيدان، أما القتل: فبالولد خشية الأكل معه،
وأما الزنى فبزوجة الجار، والاستدلال لذلك بالآية سائغ، لأنها وإن وردت في مطلق الزنى
والقتل، لكن قتل هذا والزنى بهذه أكبر وأفحش. وقد روى أحمد من حديث المقداد بن الأسود
قال: قال رسول الله وَليقول: ((ما تقولون في الزنى؟ قالوا: حرام، قال: لأن يزني الرجل بعشرة
نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره)).
قوله: (أثاما) إلخ: أي: عقوبة ونكالاً، ويقال: إنه واد في النار.
(٣٨) - باب: الكبائر وأكبرها
١٤٣ - (٨٧) - قوله: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر) إلخ: قال العلماء رحمهم الله تعالى: لا
(١) قوله: ((عن أبيه)) وهو أبو بكرة واسمه نفيع بن الحارث، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في =

٧١
كتاب: الإيمان
.
.
إنحصار للكبائر في عدد مخصوص، وقد جاء عن ابن عباس ◌ًا أنه سئل عن الكبائر، أسبع
هي؟ فقال: هي إلى سبعين، ويروى إلى سبعمائة أقرب.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في حد الكبيرة، وتمييزها من الصغيرة، فجاء عن ابن
عباس رضيًا: كل شيء نهى الله عنه فهو كبيرة، وبهذا قال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائيني الفقيه
الشافعي الإمام في الأصول والفقه.
وحكى القاضي عياض تثّثهُ هذا المذهب عن المحققين، واحتج القائلون بهذا: بأن كل
مخالفة فهي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة.
وذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى: صغائر
وكبائر، وهو مروي أيضاً عن ابن عباس رضيها. وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب، والسنة،
واستعمال سلف الأمة وخلفها .
قال الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه ((البسيط في المذهب)): إنكار الفرق بين الصغيرة
والكبيرة لا يليق بالفقه، وقد فهما من مدارك الشرع)). وهذا الذي قاله أبو حامد تَّتُ قد قاله غيره
بمعناه، ولا شك في كون المخالفة قبيحة جداً بالنسبة إلى جلال الله تعالى، ولكن بعضها أعظم
من بعض، وتنقسم باعتبار ذلك إلى ما تكفره الصلوات الخمس، أو صوم رمضان، أو الحج، أو
العمرة، أو الوضوء، أو صوم عرفة، أو صوم عاشوراء، أو فعل الحسنة، أو غير ذلك مما
جاءت به الأحاديث الصحيحة. وإلى ما لا يكفره ذلك، كما ثبت في الصحيح: ((ما لم يغش
كبيرة)) فسمى الشرع ما تكفره الصلاة ونحوها: صغائر، وما لا تكفره كبائر، ولا شك في حسن
هذا، ولا يخرجها هذا عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى، فإنها صغيرة بالنسبة إلى ما
فوقها، لكونها أقل قبحاً، ولكونها متيسرة التكفير، والله أعلم.
وإذا ثبت انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر: فقد اختلفوا في ضبطها اختلافاً كثيراً منتشراً
جداً، فروي عن ابن عباس ها، أنه قال: الكبائر: كل ذنب ختمه الله تعالى بنار، أو غضب،
أو لعنة، أو عذاب، ونحو هذا عن الحسن البصري.
كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، رقم (٢٦٥٤) وفي كتاب الأدب، با عقوق الوالدين من
الكبائر، رقم (٥٩٧٦) وفي كتاب الاستئذان، باب من اتكأ بين يدي أصحابه، رقم (٦٣٧٤) و(٦٢٧٤) وفي
كتاب استتابة المرتدين، با إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة، رقم (٦٩١٩)، والترمذي في
جامعه، في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في عقوق الوالدين، رقم (١٩٠١)، وفي كتاب الشهادات،
باب ما جاء في شهادة الزور، رقم (٢٣٠١) وفي كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة النساء، رقم (٣٠١٩)
وأحمد في مسنده (٣٦/٥ و٣٧ و٣٨).

٧٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقال آخرون: هي ما أوعد الله عليه بنار، أوحد في الدنيا .
وقال أبو حامد الغزالي تَّثُ في ((البسيط)) ((والضابط الشامل المعنوي في ضبط الكبيرة: أن
كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف وحذار ندم، كالتهاون بارتكابها، والمتجرئ
عليها اعتياداً، فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة، وما يحمل على فلتات النفس أو
اللسان، وفترة مراقبة التقوى، ولا ينفك، عن تندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية، فهذا لا
يمنع العدالة، وليس هو بكبيرة.
وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح كثّفُ في ((فتاويه الكبيرة)»: كل ذنب كبر وعظم
عظماً يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة، ووصف بكونه عظيماً على الإطلاق. قال: فهذا حد
الكبيرة، ثم لها أمارات:
منها : إيجاب الحد.
ومنها: الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو السنة.
ومنها : وصف فاعلها بالفسق نصاً .
ومنها: اللعن كلعن الله سبحان وتعالى من غيّر منار الأرض)).
قال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام في كتابه ((القواعد)) إذا أردت معرفة الفرق بين
الصغيرة والكبيرة فاعرض مفسدة الذنوب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن
أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو ربت عليه فهي من
الكبائر، فمن شتم الرب سبحانه وتعالى أو رسوله و08 أو استهان بالرسل، أو كذب واحداً
منهم، أو ضمخ الكعبة بالعذرة، أو ألقى المصحف في القاذورات، فهي من أكبر الكبائر، ولم
يصرح الشرع بأنه كبيرة، وكذلك لو أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو أمسك مسلماً لمن
يقتله، فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم، مع كونه من الكبائر، وكذلك
لو دل الكفار على عورات المسلمين، مع علمه أنهم يستأصلون بدلالته، ويسبون حرمهم
وأطفالهم، ويغنمون أموالهم، فإن نسبته إلى هذه المفاسد أعظم من توليه يوم الزحف بغير عذر،
مع كونه من الكبائر، وكذلك لو كذب على إنسان كذباً يعلم أنه يقتل بسببه، أما إذا كذب عليه
كذباً يؤخذ منه بسببه تمرة، فليس كذبه من الكبائر.
قال: وقد نص الشرع على أن شهادة الزور، وأكل مال اليتيم من الكبائر، فإن وقعا في
مال خطير: فهذا ظاهر وإن وقعا في مال حقير: فيجوز أن يجعلا من الكبائر فطاماً عن هذه
المفاسد، كما جعل شرب قطرة من الخمر من الكبائر، وإن لم تتحقق المفسدة، ويجوز أن
يضبط ذلك بنصاب السرقة .

٧٣
كتاب: الإيمان
قال: والحكم بغير الحق كبيرة، فإن شاهد الزور متسبب، والحاكم مباشر، فإذا جعل
السبب كبيرة فالمباشر أولى.
قال: وقد ضبط بعض العلماء الكبائر: كل ذنب قرن به وعيد، أو حد، أو لعن. فعلى هذا
كل ذنب علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به الوعيد أو الحد أو اللعن أو أكثر من مفسدته فهو
كبيرة .
ثم قال: والأولى أن تضبط الكبيرة بما يشعر بتهاون مرتكبها في دينه إشعار أصغر الكبائر
المنصوص عليها، والله أعلم. قال الحافظ تغذّثُ في الفتح: ((وهذا ضابط جيد)).
وقال بعض أصحابنا الحنفية رحمهم الله: إن الكبيرة كل ما يسمى: فاحشة، كاللواطة،
ونكاح منكوحة الأب، أو ثبت لها بنص قاطع عقوبة في الدنيا أو في الآخرة.
وقال شمس الأئمة الحلواني: ((كل ما كان شنيعاً بين المسلمين، وفيه هتك حرمة الله
والدين: فهي كبيرة)) اهـ كذا في شرح الإحياء.
قال العبد الضعيف - غفر الله له ذنوبه الكبائر والصغائر -: والذي تحصل من مجموع
الأقوال والأدلة عند هذا العبد الضعيف - والله أعلم - أن اسم الكبيرة والصغيرة يطلق تارة على
بعض الذنوب حقيقة، وتارة بالإضافة إلى ما سواها من الذنوب، ومقايسة بعضها ببعض،
فالأول: الكبائر والصغائر الحقيقية، والثاني: الكبائر والصغائر الإضافية النسبية.
قال الغزالي كثُّ في ((الإحياء)): ((وما من ذنب إلا وهو كبير بالإضافة إلى ما دونه، وصغير
بالإضافة إلى ما فوقه، فالمضاجعة مع الأجنبية كبيرة بالإضافة إلى النظر، صغيرة بالإضافة إلى
الزنى، وقطع يد المسلم كبيرة بالإضافة إلى ضربه، صغيرة بالإضافة إلى قتله)) اهـ.
ومن ههنا قال سفيان الثوري: ((الكبائر ما كان فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما
كان بينك وبين الله، لأن الله كريم يعفو)) واحتج بحديث يزيد بن هارون، عن حميد الطويل، عن
أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ولو: (ينادي مناد من قبل بطنان العرش يوم القيامة: يا أمة
محمد، إن الله عزّ وجل قد عفا عنكم جميعكم: المؤمنين والمؤمنات، فتواهبوا المظالم بينكم،
وادخلوا الجنة برحمتي)).
قلت: مراد سفيان أن الذنوب التي بين العبد وبين الله أسهل أمراً من مظالم العباد، فإنها
تزول بالاستغفار، والعفو، والشفاعة، وغيرها، وأما مظالم العباد فلا بد من استيفائها .
وفي المعجم للطبراني: ((الظلم عند الله يوم القيامة ثلاث دواوين: ديوان لا يغفر الله منه
شيئاً، وهو الشرك بالله، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء، آية: ٤٨ و١١٦] وديوان لا

٧٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يترك الله منه شيئاً، وهو مظالم العباد بعضهم بعضاً، وديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وهو ظلم العبد
نفسه بينه وبينه الله)).
ومعلوم أن هذا الديوان مشتمل على الكبائر والصغائر، لكن مستحقه أكرم الأكرمين، وما
يعفو عنه من حقه ويهبه أضعاف أضعاف ما يستوفيه، فأمره أسهل من الديوان الذي لا يترك منه
شيئاً لعدله، وإيصال كل حق إلى صاحبه.
وقال مالك بن مغول: ((الكبائر ذنوب أهل البدع، والسيئات ذنوب أهل السنة)).
قلت: يريد أن البدعة من الكبائر، وأنها أكبر من كبائر أهل السنة، فكبائر أهل السنة
صغائر بالنسبة إلى البدع، وهذا معنى قول بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية،
لأن البدعة لا يتاب منها، والمعصية يتاب منها .
ثم الكبائر والصغائر الحقيقية على ضربين: إما أن يكون صغرها وكبرها لأمر في حد
ذاتها، وسنخ نفسها، أو لأمر خارج عنها من أحوال فاعلها وعوارض تلحقها، ولا بأس بأن
تسمي الأول كبيرة وصغيرة بالذات، والثاني بالعرض، ويشبه هذا التقسيم ما قاله الشيخ ولي الله
الدهلوي ۔۔ قدس الله روحه ۔:
«اعلم أن الكبيرة والصغيرة تطلقان باعتبارين: أحدهما: بحسب حكمة البر والإثم،
وثانيهما : بحسب الشرائع والمناهج المختصة بعصر دون عصر. أما الكبيرة بحسب حكمة البر
والإثم فهي ذنب يوجب العذاب في القبر، وفي المحشر إيجاباً قوياً، ويفسد الارتفاقات الصالحة
إفساداً قوياً، ويكون من الفطرة على الطرف المخالف جداً، والصغيرة ما كان مظنة لبعض ذلك،
أو مفضياً إليه في الأكثر، أو يوجب بعض ذلك من وجه، ولا يوجبه من وجه، كمن ينفق في
سبيل الله وأهله جياع، فيدفع رذيلة البخل ويفسد تدبير المنزل.
وإما بحسب الشرائع الخاصة، فما نصت الشريعة على تحريمه أو أوعد الشارع عليه بنار،
أو شرع عليه حدا، أو سمي مرتكبه: كافراً خارجاً عن الملة، إبانة لقبحه، وتغليظاً لأمره: فهو
كبيرة، وربما يكون شيء صغيرة بحسب حكمة البر والإثم، كبيرة بحسب الشريعة، وذلك أن
الملة الجاهلية ربما ارتكبت شيئاً حتى فشا الرسم به فيهم، لا يخرج منهم إلا أن تتقطع قلوبهم،
ثم جاء الشرع ناهياً عنه، فحصل منهم لجاج ومكابرة، وحصل من الشرع تغليظ وتهديد بحسب
ذلك، حت صار ارتكابها كالمناوأة الشديدة للملة، ولا يتأتى الإقدام على مثله إلا من كل مارد
متمرد لا يستحيي من الله، لا من الناس، فكتب كبيرة عند ذلك)) اهـ.
أما تعريف الكبائر والصغائر الحقيقية بالذات مع قطع النظر عن الإضافة إلى غيرها،
والعوارض التي تلحقها من خارج: فقال السدّي المفسر كثّفُ في تفسيره: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا

٧٥
كتاب: الإيمان
ثُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء، آية: ٣١] الآية، إن الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب
الكبار، والسيئات مقدماتها، وتوابعها ما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة، واللمسة،
والقبلة، وأشباهها، واحتج بقول النبي ◌ّطيار: ((العينان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدق ذلك كله
الفرج أو یکذبه)).
ومراده - كما زعم الشيخ شمس الدين ابن القيم كثّفُ ـ: أن المنهي عنه قسمان: أحدهما ما
هو مشتمل على المفسدة بنفسه، فنفس فعله منشأ المفسدة، فهذا كبيرة كقتل النفس والسرقة
والقذف والزنى. والثاني: ما كان من مقدمات ذلك ومباديه، كالنظر واللمس والحديث والقبلة
الذي هو مقدمة الزنى، فهو من الصغائر، فالصغائر من جنس المقدمات، والكبائر من جنس
المقاصد والغايات، وهذا هو مختار شيخنا المحمود، وشيخه قاسم العلوم والخيرات رحمهما
الله تعالى. ولعل قول الحليمي تغذفه: ((إن الكبيرة كل محرم لعينه منهى عنه في نفسه)) إشارة إلى
هذا المعنى للكبيرة.
وأما قول النووي تَُّهُ: «قال العلماء رحمهم الله تعالى: إن الإصرار على الصغيرة يجعلها
كبيرة، وروي عن عمر وابن عباس، وغيرهما ربه: ((لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع
إصرار)) معناه: أن الكبيرة تمحى بالاستغفار، والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار.
قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام تغلّفُ في حد الإصرار: هو أن تتكرر منه الصغيرة
تكراراً يشعر بقلة مبالاته بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك، قال: وكذلك إذا اجتمعت صغائر
مختلفة الأنواع، بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر)) اهـ.
وكذلك قول ابن القيم تخلّفُ في ((المدارج)): ((إن العبد كلما صغرت ذنوبه عنده كبرت عند
الله تعالى وكلما كبرت عنده صغرت عند الله تعالى، والحديث يدل على هذا المعنى، فإن
الصحابة ريه - لعلو مرتبتهم عند الله وكمالهم - كانوا يعدون تلك الأعمال موبقات، ومن بعدهم
- لنقصان مرتبتهم عنهم وتفاوت ما بينهم - صارت تلك الأعمال في أعينهم أدق من الشعر، قال
الشاعر :
في السهو فيها للوضيع معاذر
لا يحقر الرجل الرفيع دقيقة
وصغائر الرجل الكبير كبائر
فكبائر الرجل الصغير صغائر
وأيضاً قوله تقذفه: ((إن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها: ما يلحقها
بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها : ما
يلحقها بالكبائر، بل يجعل في أعلم رتبها، وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد
على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه وغيره)) اهـ. فهذه الأقوال وأمثالها تتعلق

٧٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(ثَلاَثَاً) الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ. وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ.
بتعريف الكبائر والصغائر بالعرض التي يكون صغرها وكبرها لأمور خارجة عن حدود ذواتها)).
وأما قولهم: الكبيرة كل ذنب ختمه الله تعالى بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب، فهذا
وما شاكله ليس تحديداً للكبيرة في الحقيقة، بل تعريف بالأمارات التي توجب لك المعرفة ببعض
مصاديق الكبائر والصغائر، كما نبه عليه الشيخ أبو عمر بن الصلاح كثّثُ، وبالله التوفيق، ومنه
العصمة .
قوله: (ثلاثاً) إلخ: أي: قال لهم ذلك ثلاث مرات، وكرره تأكيداً ليتنبه السامع على
إحضار فهمه .
قوله: (الإشراك بالله تعالى) إلخ: يحتمل مطلق الكفر، ويكون تخصيصه بالذكر لغلبته في
الوجود، ولا سيما في بلاد العرب، فذكره تنبيهاً على غيره، ويحتمل أن يراد به خصوصيته، إلا
أنه يرد عليه أن بعض الكفر أعظم قبحاً من الإشراك، وهو التعطيل، لأنه نفي مطلق، والإشراك
إثبات مقيد، فيترجح الاحتمال الأول، كذا في الفتح.
قوله: (وعقوق الوالدين) إلخ: قد نظم كل من العقوق وشهادة الزور بالشرك في آيتين:
إحداهما قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ وَيَاَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاً﴾ [الإسراء، آية: ٢٣]، ثانيهما
قوله تعالى: ﴿فَاجْتَلِبُواْ الْرِّحْسَ مِنَ اُلْأَوْثَنِ وَأَحْتَنِبُواْ فَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج، آية: ٣٠] والعقوق
مأخوذ من العق، وهو القطع، يقال عق والده، إذا قطعه، ولم يصل رحمه .
قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام: «لم أقف في عقوق الوالدين وفيما يختصان به من
الحقوق على ضابط أعتمده)) اهـ.
وفي شرح الإحياء: ((نقل بعض أصحابنا ممن تأخر عصره في كتابه ((مرشد المتأمل)) ما
لفظه :
كل ما لا تأمن من الهلاك مع جهله، فطلب علمه فرض عين، لا يسوغ لك تركه، وإن
منعك أبواك عن طلبه، سواء كان من الأمور الاعتقادية كمعرفة الصانع، وصفاته، وما يجب له،
وما يستحيل عليه، وما يجوز، وأن محمداً عبده ورسوله الصادق في أفعاله، وأقواله، ومن
الطاعات التي تتعلق بالظاهر: كالطهارة، والصلاة، والصيام وغيرها، وما يتعلق بالباطن:
كالنية، والإخلاص، والتوكل، والصبر، والشكر، وغيرها، أو من المعاصي مما يتعلق باللسان:
كشرب الخمر، وأكل الحرام، والربا، وغير ذلك، أو بالفرج: كالزنى، أو باليد: كالسرقة، وما
يتعلق منها بالباطن: كالحسد، والكبر، والرياء، وسوء الظن، وغير ذلك، فإن معرفة هذه
الأشياء فرض عين، ويجب عليه طلبها، وإن لم يأذن له أبواه، وأما ما سوى ذلك من العلوم:
فقيل: لا يجوز له الخروج لطلبه إلا بإذنهما، وكذلك لا يجوز طلب قراءة القرآن إلا بإذنهما إلا

٧٧
كتاب: الإيمان
مقدار ما لا تجوز الصلاة بدونه. وقيل: لا بأس بالسفر على قصد التعلم إذا كان الطريق آمناً،
وإن كره الوالدان، أو أحدهما، لأن الغالب فيه السلامة، والحزن على الغيبة ينقطع بالطمع على
الرجوع، وعلى هذا سفر الحج والتجارة بخلاف الجهاد، فإنه تعريض النفس على الهلاك، وفيه
إلحاق المشقة بهما، فإذا خرج بغير إذنهما يكون عاقّاً، وبر الوالدين أحب من الجهاد وغيره))
اهـ.
ووجدت بخط قاضي القضاة تاج الدين السبكي ما نصه:
مسألة: والذي أراه في بر الوالدين وتحريم عقوقهما: أنه تجب طاعتهما في كل ما ليس
بمعصية، ويشتركان في هذا هما والإمام - أعني: الخليفة - وولي الأمر، لقوله وَلير: ((اسمع
وأطع ما لم تؤمر بمعصية)) ويزيد الوالدان على الإمام بشيء آخر وهو أنهما قد يتأذيان من فعل أو
قول يصدر من الولد، وإن لم ينهياه، فيحرم عليه ذلك، لأنه يحرم عليه كل ما يؤذيهما، بخلاف
الإمام، وكذلك إذا تأذيا بترك قول أو ترك فعل منه وجب عليه فعل أرضاهما، وإن لم يأمراه به،
وإذا أمراه بترك سنة أو مباح أو بفعل مكروه: فالذي أراه: التفصيل، وهو إنه إن أمراه بترك سنة
دائماً فلا يسمع منهما، لأن في ذلك تغيير الشرع، وتغيير الشرع حرام، وليس لهما فيه غرض
صحيح، فهما المؤذيان لأنفسهما بأمرهما بذلك، وأما إن أمراه بترك سنة في بعض الأوقات،
فإن كانت غير راتبة وجبت طاعتهما، وإن كانت راتبة، فإن كان لمصلحة لهما: وجبت طاعتهما،
وإن كانت شفقة عليه، ولم يحصل لهما أذى بفعلها فالأمر منهما في ذلك محمول على الندب،
لا على الإيجاب، فلا يجب طاعتهما، فإن علم من حالهما أنه أمر إيجاب وجبت طاعتهما. وما
في البخاري من: ((أن أمه إن نهته عن حضور العشاء في جماعة شفقة: لم يطعها))، إما أن يحمل
على عدم الإيجاب، لقوله: ((شفقة))، وإما أن يحمل: على أن المراد على الدوام، لما قلناه من
تغيير الشرع، وتغيير الشرع حرام، وإن كان ماله ومسكنه حلالاً صافياً عن الشبهة، وأمراه أن
يأكل أو يسكن معهما، وفيما يأكلانه أو يسكنانه شبهة وجبت طاعتهما - كما قاله الطرطوشي -
لأن مخالفتهما حرام، والورع ليس بواجب، وإن نهياه عن الصلاة في أول الوقت، فإن كان على
الدوام لم يسمع منهما، لأن فيه تغيير الشرع، وإن كان في وقت وجبت طاعتهما - كما قاله
الطرطوشي - وهو دون حضور الجماعة والسنن الراتبة، لأنه صفة لا مستقل.
وحاصله: أنه يجب امتثال أمرهما، والانتهاء عن نهيهما ما لم تكن معصية على الإطلاق،
وإنما تكون معصية إذا كان فيه مخالفة لأمر الله الواجب، أو لشرعه المقرر، وفي هذا هما
والإمام سواء، ويزيد فيهما تحريم ما يؤذيهما بأي شيء كان، وإن كان مباحاً، وبوجوب طاعتهما
وإن كان يأمران به لحظ أنفسهما، بخلاف الإمام، فإنه لا يأمر إلا بما فيه مصلحة المسلمين،
ولا تجب طاعته في حق نفسه، ولا يحرم أذاه بمباح، والوالدان يحرم أذاهما هيناً كان الأذى أو

٧٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَشَهَادَةُ الزُّورِ، (أَوْ قَوْلُ الزُّورِ) وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَيْهِ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى
قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ)).
٢٥٦ - (١٤٤) وحدّثني يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ (وَهُوَ: ابْنُ
الْحَارِثِ)، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ (١)، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّه فِي
ليس بهين، خلافاً لمن شرط في تحريم الأذى أن يكون ليس بالهين، فأقول: يحرم إيذاؤهما
مطلقاً، إلا أن يكون إيذاؤهما بما هو حق واجب لله، فحق الله أولى، فعلى ما قلته: لو أمراه
بطلاق امرأته ونحوه وجب عليه طاعتهما، هذا الذي أعتقده، وأرجو أنه حق إن شاء الله تعالى.
والله أعلم)). كذا في شرح الإحياء.
قوله: (وشهادة الزور) إلخ: قال الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ
الزُّورَ﴾ [الفرقان، آية: ٧٢] ((أصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل لمن سمعه
أنه بخلاف ما هو به. قال: وأولى الأقوال عندنا في الآية أن المراد به مدح من لا يشهد شيئاً
من الباطل)).
وقال القرطبي: ((شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصل بها إلى الباطل من إتلاف
نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام، أو تحريم حلال، فلا شيء من الكبائر أعظم ضرراً منها،
ولا أكثر فساداً بعد الشرك بالله. وزعم بعضهم أن المراد بشهادة الزور في هذا الحديث الكفر،
فإن الكافر شاهد بالزور، وهو ضعيف. وقيل: المراد من يستحل شهادة الزور، وهو بعيد، والله
أعلم)).
قوله: (وكان رسول الله وَ ﴿ متكئاً) إلخ: قال المهلب: ((يجوز للعالم والمفتي والإمام
الاتكاء في مجلسه بحضرة الناس لألم يجده في بعض أعضائه، أو لراحة يرتفق بذلك، ولا
یکون ذلك في عامة جلوسه)).
قوله: (حتى قلنا: ليته سكت) إلخ: أي: شفقة عليه، وكراهية لما يزعجه. وفيه: ما كانوا
عليه من كثرة الأدب معه وَ له، والمحبة له، والشفقة عليه.
(١) قوله: ((عن أنس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة
الزور، رقم (٢٦٥٣) وفي كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر، رقم (٥٩٧٧) وفي كتاب
الديات، باب قول الله تعالى: ﴿ومن أحياها ... ) رقم (٦٨٧١) والنسائي في سننه في كتاب المحاربة،
باب ذكر الكبائر، رقم (٤٠١٥) وفي كتاب القسامة والقود والديات، ما جاء في كتاب القصاص من
المجتبى مما ليس في السنن، رقم (٤٨٧١) والترمذي في جامعه، في كتاب البيوع، باب ما جاء في التغليظ
في الكذب والزور ونحوه، رقم (١٢٠٧).

٧٩
كتاب: الإيمان
الْكَبَائِرِ قَالَ: ((الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ)).
٢٥٧ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: ((ذَكَّرَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ الْكَبَائِرَ (أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ) فَقَّالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ
الْوَالِدَيْنِ وَقَالَ: أَلَا أَنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ (أَوْ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ)، قَالَ شُعْبَةُ :
وَأَكْبَرُ ◌َنِّي أَنَّهُ شَهَادَةُ الزُّورِ)) .
٢٥٨ - (١٤٥) حدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَّيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قال: حَدَّثَنِي
سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ ((أَنَّ
١٤٤ - (٨٨) - قوله: (الشرك بالله) إلخ: قال ابن القيم في ((مدارج السالكين)): ((أما الشرك
فهو نوعان: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندا،
يحبه كما يحب الله، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولهذا قالوا
لآلهتهم في النار: ﴿َاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴿٨ إِذْ تُسَوِّيِكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٣)﴾ [الشعراء، الآيتان:
٩٧، ٩٨]، مع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء، وربه، ومليكه، وأن آلهتهم لا تخلق، ولا
ترزق، ولا تحيي، ولا تميت، وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة، كما هو
حال أكثر مشركي العالم، بل كلهم يحبون معبوديهم ويعظمونها ويوالونها من دون الله، وكثير
منهم - بل أكثرهم - يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم
إذا ذكر الله وحده، ويغضبون لمنتقص معبوديهم وآلهتهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا
انتقص أحد رب العالمين، وإذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوديهم غضبوا غضب الليث
إذا حرم، وإذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها، بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئاً رضوا
عنه، ولم تتنكر له قلوبهم.
وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، كما ثبت عن
النبي والر أنه قال: ((من حلف بغير الله فقد أشرك))، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت،
وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿إن
الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ... ﴾ رقم (٢٧٦٦) وفي كتاب الطب، باب الشرك والسحر من
الموبقات، رقم (٧٥٦٤) وفي كتاب الحدود، باب رمي المحصنات، رقم (٦٨٥٧) والنسائي في سننه، في
كتاب الوصايا، باباجتناب أكل مال اليتيم، رقم (٣٧٠١) وأبو داود في سننه، في كتاب الوصايا، باب ما
جاء في التشديد في أكل اليتيم، رقم (٢٨٧٤).

٨٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشُرْكُ
بِاللَّهِ، وَالسِّخْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ
أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركاً أكبر بحسب حال قائله ومقصده، وصح عن
النبي وَ﴿ أنه قال لرجل قال له: ((ما شاء الله وشئت)) أجعلتني لله ندا! قل: ((ما شاء الله وحده)).
وهذا اللفظ أخف من غيره من الألفاظ)) .
١٤٥ - (٨٩) - قوله: (السبع الموبقات) إلخ: أي: المهلكات.
حقيقة السحر والفرق بينه وبين الكرامة والمعجزة
قوله: (والسحر) إلخ: اختلف في السحر، فقيل: هو تخييل فقط، ولا حقيقة له، وهذا
اختيار أبي جعفر الأستراباذي من الشافعية، وأبي بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم الظاهري،
وطائفة .
قال النووي: ((والصحيح أن له حقيقة وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه
الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة)) انتهى.
لكن محل النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا، فمن قال: إنه تخييل فقط، منع
ذلك، ومن قال: إن له حقيقة، اختلفوا هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج، فيكون نوعاً من
الأمراض، أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيواناً - مثلاً - وعكسه، فالذي عليه
الجمهور هو الأول، وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني، فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية: فمسلم،
وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف، فإن كثيراً ممن يدعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان
عليه .
ونقل الخطابي تخافُ أن قوماً أنكروا السحر مطلقاً، وكأنه عنى القائلين بأنه تخييل فقط،
وإلا فهي مكابرة.
قال المأزري: والفرق بين السحر والمعجزة والكرامة أن السحر: يكون بمعاناة أقوال
وأفعال، حتى يتم للساحر ما يريد. والكرامة: لا تحتاج إلى ذلك، بل إنما تقع غالباً اتفاقاً.
وأما المعجزة: فتمتاز عن الكرامة بالتحدي.
ونقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق، وأن الكرامة لا تظهر
على فاسق، ونقل النووي كثّفُ في زيادات ((الروضة)) عن المتولي نحو ذلك، وينبغي أن يعتبر
بحال من يقع الخارق منه، فإن كان متمسكاً بالشريعة متجنباً للموبقات فالذي يظهر على يده من
الخوارق: كرامة، وإلا فهو سحر، لأنه ينشأ عن أحد أنواعه كإعانة الشياطين.
وقال القرطبي كثّفُهُ: السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا
يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها