النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
كتاب: الإيمان
٢٢٩ - (١٢٦) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادِ الْعَامِرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ. قَالَ الْمُرَادِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، وَقَالَ الآخَرَانِ:
أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قال: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةً؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ(١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَ: «أَمْ تَرَوْا إِلَى مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟
قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ، يَقُولُونَ: الْكَوَاكِبُ
وَبِالْكَوَاكِبٍ)).
٢٣٠ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ
عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ. حِ وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا
كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللَّهُ الْغَيْثَ فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا))، وَفِي حَدِيثِ الْمُرَادِيِّ ((بِكَوْكَبٍ
كَذَا وَكَذَا».
مخلوق لا يملك لنفسه ولغيره شيئاً، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، على معنى مطرنا في وقت كذا
فلا يكون كفراً، وغيره من الكلام أحب إليّ منه، يعني: حسماً للمادة، وعلى ذلك يحمل إطلاق
الحدیث)).
وحكى ابن قتيبة في كتاب الأنواء: أن العرب كانت في ذلك على مذهبين، على نحو ما
ذكره الشافعي فأبطل الشرع قولهم، وجعله كفراً، فإن اعتقد قائل ذلك أن للنوء صنعاً في ذلك
فكفره كفر تشريك، وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة، فليس بشرك، لكن يجوز إطلاق الكفر
عليه، وإرادة كفر النعمة، لأنه لم يقع في شيء من طرق الحديث بين الكفر والشرك واسطة،
فيحمل الكفر فيه على المعنيين لتناول الأمرين، والله أعلم، ولا يرد الساكت لأن المعتقد قد
يشكر بقلبه أو يكفر، وعلى هذا فالقول في قوله: ((فأما من قال)) لما هو أعم من النطق
والاعتقاد، كما أن الكفر فيه لما هو أعم من كفر الشرك وكفر النعمة. والله أعلم بالصواب. كذا
في الفتح.
١٢٦ - (٧٢) - قوله: (وعمرو بن سوّاد العامري) إلخ: سواد بتشديد الواو.
(٠٠٠) - قوله: (الكوكب كذا وكذا) إلخ: اعلم أن علم النجوم علم بأحكام يستدل بها إلى
معرفة الحوادث الكائنة في عالم الكون من الصلاح والفساد، بالتشكلات الفلكية، وهي أوضاع
(١) قوله: ((أبا هريرة)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الاستسقاء، باب كراهية الاستمطار
بالکوکب، رقم (١٥٢٥).

٤٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الأفلاك، والكواكب، كالمقارنة، والمقابلة، والتثليث، والتربيع، إلى غير ذلك. وهو عند
الإطلاق ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم حسابي: وقد نطق القرآن بأن سير الكواكب محسوب، إذ قال الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ
وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾﴾ [الرحمن، آية: ٥] وقال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُونِ الْقَدِيمِ
﴾ [يَس، آية: ٣٩].
(٣٩)
وقسم طبيعي: كالاستدلال بانتقال الشمس في البروج الفلكية على تغير الفصول بالحر
والبرد والاعتدال، وهذا ليس بمردود شرعاً أيضاً.
وقسم وهمي: ويسمى علم أحكام النجوم، وحاصله يرجع إلى الاستدلال على الحوادث
الكونية بالأسباب من اتصال الكواكب بطريق العموم والخصوص، وهذا لا استناد له إلى أصل
شرعي، وهو مردود شرعاً، وهو يضاهي استدلال الطبيب بالنبض على ما سيحدث من المرض،
وهو معرفة بمجاري سنة الله تعالى وعادته في خلقه، لكنه مذموم في الشرع.
قال المولى أبو الخير: ((واعلم أن كثيراً من العلماء على تحريم علم النجوم مطلقاً،
وبعضهم على تحريم اعتقاد أن الكواكب مؤثرة بالذات، وقد ذكر عن الإمام الشافعي ◌ُته قال:
إن اعتقد المنجم أن المؤثر الحقيقي هو الله تعالى، لكن عادته تعالى جارية على وقوع الأحوال
بحركاتها وأوضاعها المعهودة: ففي ذلك لا بأس عندي، وحديث الذم ينبغي ن يحمل على من
يعتقد تأثير النجوم، كذا ذكره ابن السبكي في طبقاته الكبرى)) اهـ.
وعلى هذا يكون إسناد ذلك إلى النجم مذموماً، فقد قال العلماء: إن اعتقاد التأثير لها في
شيء ما حرام إذا أُوّل، وإذا لم يُؤوّل فهو كفر، والعياذ بالله تعالى)) اهـ.
وذكر صاحب مفتاح السعادة: ((أن ابن القيم الجوزي أطنب في الطعن على مرتكبه، بل
ذهب إلی تکفیرہ)) اهـ.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون بعض الأجرام السماوية أسباباً للحوادث السفلية، فيستدل
المنجم العاقل من كيفية حركات النجوم باختلاف مناظرها وانتقالاتها من برج إلى برج على
بعض الحوادث الكائنة قبل وقوعها، كما يستدل الطبيب الحاذق بكيفية حركة النبض على حدوث
العلة قبل وقوعها؟
يقال: يمكن هذا على طريق إجراء العادة أن يكون بعض الحوادث سبباً لبعضها، لكن لا
دليل فيه على كون الكواكب أسباباً وعملاً للسعادة والنحوسة وغيرهما، لا حساً ولا عقلاً ولا
سماعاً، أما حساً: فظاهر، وأما عقلاً: فسيأتي بيانه قريباً في الوجه الثاني من الأوجه الثلاثة في
الزجر عنه .

٤٣
كتاب: الإيمان
وأما سماعاً: فقد قال رسول الله وَالر: ((إذا ذكر أصحابي فأمسكو، وإذا ذكر النجوم
فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا)) أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد حسن في
معجمه الكبير، وأخرج أبو يعلى في مسنده، وابن عدي في الكامل. والخطيب في كتاب النجوم
عن أنس بسند حسن: ((أخاف على أمتي بعدي خصلتين: تكذيباً بالقدر، وتصديقاً بالنجوم))،
وأخرج مسلم في أبواب الجنائز عن أبي مالك الأشعري: ((أن النبي وَّ قال: أربع في أمتي من
أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم،
والنياحة)).
قال ابن رجب: ((فالمأذون في تعلمه علم التسيير، لا علم التأثير، فإنه باطل محرم قليله
وكثيره، وفيه ورد الخبر: ((من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من الكفر)) وأما علم
التسيير فتعلم ما يحتاج إليه منه للاهتداء، ومعرفة القبلة، وما زاد عليه لا حاجة إليه، لشغله عما
هو أهم منه، وربما أدى بتدقيق النظر فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين، كما وقع من أهل
هذا العلم قديماً وحديثاً، وذلك مفض إلى اعتقاد خطأ السلف في صلواتهم وهو باطل)) اهـ.
وقال الزمخشري: ((كان علماء بني إسرائيل يكتمون علمين من أولادهم: النجوم والطب،
لئلا يكون سبباً لصحبة الملوك فيضمحل دينهم» اهـ.
وفي صحيح البخاري قال قتادة: ((هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجوماً
للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم
به)» ولنعم ما قيل:
وطلاب شيء لا ينال ضلال
علم النجوم على العقول وبال
من دونه الخضراء ليس ينال
ماذا طلابك علم شيء غيبت
يدري متى الأرزاق والآجال
هيهات ما أحد بغامض فطنة
فلوجهه الإكرام والإجلال
إلا الذي من فوق عرش ربنا
وإنما زجر عنه أي: عن تعلم علم النجوم من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مضر بأكثر الخلق، فإنه إذا ألقي إليهم أن هذه الآثار من الحوادث والحركات
تحدث عقيب سير الكواكب: وقع في نفوسهم أن الكواكب هي المؤثرة بأنفسها لتلك الحوادث،
وأنها الآلة المؤثرة في الكون، كما وقع ذلك لكثير من جهلاء اليهود والنصارى والفلاسفة، لأنها
جواهر شريفة سماوية، فلا يبعد الظن عن نسبة التأثير والتدبير إليها، ويعظم وقعها في القلوب،
فيبقى القلب ملتفتاً باستمالة الشيطان، ويتمكن ذلك في اعتقاده، ويرى الشر والخير محذوراً
ومرجواً من جهتها، وحينئذ يتنحى ذكر الله تعالى عن القلب، فإنه ليس له إلا وجهة واحدة، فإن

٤٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ضعيف الإيمان والاعتقاد يقصر نظره على الوسائط، والراسخ في العلم هو الذي يطلع على أن
الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره تعالى، ومثل نظر الضعيف إلى حصول ضوء الشمس
عقيب طلوع الشمس مثل النملة، لو خلق لها عقل، وكانت في سطح في قرطاس، وهي تنظر إلى
سواد الخط ينحدر فتعتقد أنه فعل القلم، ولا يترقى نظرها إلى مشاهدة الأصابع التي تملك
القلم، ثم منها إلى اليد التي تركبت فيها تلك الأصابع، ثم منها إلى الإرادة المحركة لليد، ثم
منها إلى الكاتب القادر المريد، ثم منه إلى خالق اليد والقدرة والإرادة، فأكثر نظر الخلق مقصور
على الأسباب القريبة السافلة، مقطوع عن الترقي إلى مسبب الأسباب، وهذا أحد أسباب النهي
عن تعلم علم النجوم.
وثانيها: أن أحكام النجوم غالبها تخمين محض، ليس يدرك في حق آحاد الأشخاص، لا
يقيناً ولا ظناً، والحكم به حكم بجهل، لأن أكثر القواعد التي قرروها تقديرية عقلية، فما تفرع
منها من الأحكام في الحوادث الكونية أحرى أن تكون كذلك، فيكون ذمه الوارد في الحديث من
حيث أنه جهعل لا من حيث أنه علم، وقد ورد في حديث بريدة الأسلمي رضيُه: ((إن من العلم
جهلاً، ولقد كان ذلك، أي: علم النجوم معجزة لإدريس - صلوات الله على نبينا وعليه - فيما
يحكى، وقد اندرس ذلك العلم وانمحق وانمحى، وما يتفق من إصابة أمر المنجم على ندور:
فهو اتفاق ومصادفة، لأنه قد يطلع على بعض الأسباب ولا يحصل المسبب عقيبها إلا بعد
شروط كثيرة ليس في قدرة البشر الإطلاع عليها، فإن اتفق أن قدر الله بقية الأسباب مع توفيته
الشروط وقعت الإصابة، وإن لم يقدر أخطأ، ويكون ذلك كتخمين الإنسان في أن السماء تمطر
اليوم مهما رأى الغيم يجتمع وينبعث من الجبال فيتراكم بعضه على بعض، فيتحرك ظنه لذلك،
وربما يحمي النهار بالشمس وتأتي رياح مخالفة ويتبدد الغيم، وربما يكون بخلافه أي: تمطر
ناحية، والشمس مضيئة، ومجرد الغيم ليس كافياً في المطر، وبقية الأسباب لا تدري، وكذلك
تخمين الملاح أن السفينة تسلم اعتماداً على ما ألفه من العادة في الرياح، ولتلك الرياح أسباب
خفية، وهو لا يطلع عليها، فتارة يصيب في تخمينه، وتارة يخطئ، وبهذه العلة يمنع القوى في
إيمانه واعتقاده من النظر في النجوم أيضاً .
وثالثها: أنه لا فائدة فيه، فأقل أحواله أنه خوض في فضول لا يغني شيئاً، وتضييع للعمر
الذي هو أنفس بضاعة الإنسان بغير فائدة شرعية تترتب عليها المصالح، غايته الخسران، فإن
الوقت سيف إن لم تقطعه في خير قطعك، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، واشتغاله بما
يعنيه، قال رسول الله وَله: ((إنما العلم آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة)) رواه أبو داود
وابن ماجه .
فإذا الخوض في النجوم والتوغل فيه، وفي ما يشبهه: اقتحام خطر، وخوض في بحر

٤٥
كتاب: الإيمان
جهالة من غير فائدة، فإن ما قدره تعالى كائن لا محالة، ولا يدفع دافع، والاحتراز عنه غير
ممكن، بخلاف علم الطب فإن الحاجة إليه ماسة، وأكثر أدلته مما يطلع عليها، وبخلاف علم
التعبير للرؤيا - وإن كان تخميناً وعدساً - لأنه مما يطلع عليه، وهو جزء من ستة وأربعين جزءاً
من النبوة، ولا خطر فيه، كذا في الإحياء وشرحه.
وقريب منه ما قال الشيخ الأجل ولي الله الدهلوي قدس سره في حجة الله البالغة، حيث
قال: ((أما الأنواء والنجوم فلا يبعد أن يكون لهما حقيقة ما، فإن الشرع إنما أتى بالنهي عن
الاشتغال به لا نفي الحقيقة البتة، وإنما توارث السلف الصالح ترك الاشتغال به، وذم المشتغلين
وعدم القبول بتلك التأثيرات لا القول بالعدم أصلاً، وإن منها ما يلحق البديهيات الأولية،
كاختلاف الفصول باختلاف أحوال الشمس والقمر ونحو ذلك، ومنها ما يدل عليه الحدس
والتجربة والرصد، كمثل ما تدل هذه على حرارة الزنجبيل وبرودة الكافور.
ولا يبعد أن يكون تأثيرها على وجهين: وجه يشبه الطبائع، فكما أن لكل نوع طبائع
مختصة به من الحر والبرد واليبوسة والرطوبة، بها يتمسك في دفع الأمراض، فكذلك للأفلاك
والكواكب طبائع وخواص، كحر الشمس ورطوبة القمر، فإذا جاء ذلك الكوكب في محله ظهرت
قوته في الأرض، ألا تعلم أن المرأة إنما اختصت بعادات النساء وأخلاقهن لشيء يرجع إلى
طبيعتها، وإن خفي إدراكها؟! والرجل إنما اختص بالجراءة والجهورية ونحوهما لمعنى في
مزاجه، فلا ننكر أن يكون لحلول قوى الزهرة والمريخ بالأرض أثر كأثر هذه الطبائع الخفية.
وثانيهما: وجه يشبه قوة روحانية متركبة مع الطبيعة، وذلك مثل قوة نفسانية في الجنين من
قبل أمه وأبيه، والمواليد بالنسبة إلى السماوات والأرضين كالجنين بالنسبة إلى أبيه وأمه، فتلك
القوة تهيئ العالم لفيضان صورة حيوانية ثم إنسانية، ولحلول تلك القوى بحسب الاتصالات
الفلكية أنواع، ولكل نوع خواص، فأمعن قوم في هذا العلم فحصل لهم علم النجوم، يتعرفون به
الوقائع الآتية، غير أن القضاء إذا انعقد على خلافه جعل قوة الكوكب متصورة بصورة أخرى
قريبة من تلك الصورة، وأتم الله قضاءه من غير أن ينخرم نظام الكواكب في خواصها، ويعبر عن
هذه النكتة بأن الكواكب خواصها بجري عادة الله لا باللزوم العقلي، ويشبه بالإمارات
والعلامات، ولكن الناس جميعاً توغلوا في هذا العلم توغلاً شديداً، حتى صار مظنة لكفر الله
وعدم الإيمان، فعسى أن لا يقول صاحب توغل هذا العلم: مطرنا بفضل الله ورحمته من صميم
قلبه، بل يقول: مطرنا بنوء كذا وكذا، فيكون ذلك صادا عن تحققه بالإيمان الذي هو الأصل في
النجاة .
وأما علم النجوم فإنه لا يضر جهله، إذ الله مدبر للعالم على حسب حكمته، علم أحد أو
لم يعلم، فلذلك وجب في الملة أن يخمل ذكره، وينهي ن تعلمه، ويجهر بأن ((من اقتبس علماً

٤٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٣١ - (١٢٧) وحدّثني عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ (وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ) حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ، قالَ: حدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ(١). قَالَ: ((مُطِرَ
النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنَهُمْ كَافِرٌ. قَالُوا:
هذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا)) قَالَ: فَنَزَلَتْ هُذِهِ الآيَةُ:
فَلَآّ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾ حَتَّى بَلَغَ:
من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد)) ومثل ذلك مثل التوراة والإنجيل، شدد النبي وَثّر
على من أراد أن ينظر فيهما، لكونهما محرفين، ومظنة لعدم الانقياد للقرآن العظيم، ولذلك نهوا
عنه .
هذا ما أدى إليه رأينا وتفحصنا، فإن ثبت من السنة ما يدل على خلاف ذلك فالأمر على ما
في السنة)) .
وفي حديث أبي سفيان في قصة هرقل: ((قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء (أي: كاهناً)
ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد
ظهر)).
قال الحافظ ابن حجر: «فإن قيل كيف ساغ للبخاري إيراد هذا الخبر المشعر بتقوية أمر
المنجمين والاعتماد على ما تدل عليه أحكامهم؟
فالجواب أنه لم يقصد ذلك، بل قصد أن يبين أن الإشارات بالنبي وَلو جاءت من كل
طريق، وعلى لسان كل فريق من كاهن أو منجم، محق أو مبطل، إنسي أو جني، وهذا من أبدع
ما يشير إليه عالم أو يحتج إليه محتج)) .
١٢٧ - (٧٣) - قوله: (حدثنا أبو زميل) إلخ: بضم الزاي وفتح الميم، واسمه سماك بن
الوليد الحنفي اليمامي.
قوله: (فنزلت هذه الآية) إلخ: ليس مراده أن جميع هذا نزل في قولهم في الأنواء، فإن
الأمر في ذلك وتفسيره يأبى ذلك، وإنما النازل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
· [الواقعة، آية: ٨٢]، والباقي نزل في غير ذلك، ولكن اجتمعا في وقت النزول، فذكر الجميع
من أجل ذلك.
قال الشيخ أبو عمرو كثّفُ: ((ومما يدل على هذا أن في بعض الروايات عن ابن عباس
في ذلك الاقتصار على هذا القدر اليسير فحسب)).
قوله: (فلا أقسم بمواقع النجوم) إلخ: قال الأكثرون: المراد نجوم السماء ومواقعها
(١) قوله: ((ابن عباس)) لم أجد أحداً أخرج هذا الحديث من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله.

٤٧
کتاب: الإيمان
﴿وَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
[الواقعة: ٧٥ - ٨٢].
(٣٣) - باب الدليل على أن حب الأنصار وعليّ رضي الله عنهم من الإيمان
وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق
٢٣٢ - (١٢٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبٍْ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً (١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (آيَةٌ
الْمُنَافِقِ
ومغاربها، وقيل: مطالعها، وقيل: انكدارها، وقيل: انتشارها يوم القيامة، وقيل: النجوم نجوم
القرآن، وهي أوقات نزوله.
وقال مجاهد: مواقع النجوم محكم القرآن. والله أعلم.
قوله: (وتجعلون رزقكم) إلخ: أي: شكركم، وقيل: أي: شكر رزقكم، وقيل: حظكم.
(٣٣) - باب: الدليل على أن حب الأنصار وعلي
من الإيمان وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق
١٢٨ - (٧٤) - قوله: (عن عبد الله بن عبد الله بن جبر) إلخ: بفتح الجيم وإسكان الباء،
ويقال فيه أيضاً: جابر.
قوله: (آية المنافق) إلخ: فإن قيل: هل يكون من أبغضهم منافقاً وإن صدق وأقرّ؟
فالجواب أن ظاهر اللفظ يقتضيه، لكنه غير مراد، فيحمل على تقييد البغض بالجهة، فمن
أبغضهم من جهة هذه الصفة - وهي كونهم نصروا رسول الله وَّير - أثر ذلك في تصديقه، فيصح
أنه منافق، ويقرب هذا الحمل زيادة أبي نعيم في المستخرج في حديث البراء بن عازب رظ ◌ُله :
((من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم)) ويأتي مثل هذا في
الحب.
ويحتمل أن يقال: إن اللفظ خرج على معنى التحذير، فلا يراد ظاهره، ومن ثم لم يقابل
الإيمان بالكفر الذي هو ضده، بل قابله بالنفاق إشارة إلى أن الترغيب والترهيب إنما خوطب به
من يظهر الإيمان، وأما من يظهر الكفر: فلا، لأنه مرتكب ما هو أشد من ذلك.
وقال ابن التين: مراد الحديث حبّ جميعهم، وبغض جميعهم، لأن ذلك إنما يكون
(١) قوله: ((أنساً)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار،
رقم (١٧). وفي كتاب مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من الإيمان، رقم (٣٧٨٤). والنسائي في كتاب
الإيمان وشرائعه، باب علامة الإيمان، رقم (٥٠٢٢).
.

٤٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بُغْضُ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ الْمُؤْمِنِ حُبُّ الأَنْصَارِ)).
٢٣٣ - (٠٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ)
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّ أَنَّهُ قَالَ: ((حُبُّ الأَنْصَارِ
آيَةُ الإِيمَانِ، وَبُغْضُهُمْ آيَةُ النِّفَاقِ)».
٢٣٤ - (١٢٩) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ. ح وَحَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ (وَاللَّغْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ
الْبَرَاءَ (١) يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِّ وَّرَ أَنَّهُ قَالَ، فِي الأَنْصَارِ: ((لا يُحِبُّهُمْ إِلا مُؤْمِنٌ وَلا يُبْغِضُهُمْ إِلا
مُنَافِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ)) .
للدين، ومن بغض بعضهم لمعنى يسوغ البغض له، فليس داخلاً في ذلك، وهو تقرير حسن، قاله
الحافظ تَخْذَتْهُ .
قوله: (بغض الأنصار) إلخ: جمع ناصر، كأصحاب وصاحب، أو جمع نصير، كأشراف
وشريف، واللام فيه للعهد، أي: أنصار رسول الله وَلقر، والمراد: الأوس والخزرج، وكانوا قبل
ذلك يعرفون ببني قيلة - بقاف مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة - وهي الأم التي تجمع القبيلتين،
فسماهم رسول الله * الأنصار، فصار ذلك علماً عليهم، وأطلق أيضاً على أولادهم،
وحلفائهم، ومواليهم، وخصوا بهذه المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل، من
إيواء النبي ◌َّ ومن معه، والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم في كثير
من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجباً لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين من عرب
وعجم، والعداوة تجرّ البغض، ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجباً للحسد، والحسد يجرّ
البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم، والترغيب في حبهم، حتى جعل ذلك آية الإيمان
والنفاق تنويهاً بعظيم فضلهم، وتنبيهاً على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم في معنى ذلك
مشاركاً لهم في الفضل المذكور كل بقسطه .
قوله: (آية النفاق) إلخ: قيل: المطابقة تقتضي أن يقابل الإيمان بالكفر، بأن يقال: آية
الكفر كذا، فلم عدل عنه؟ وأجيب بأن البحث في الذين ظاهرهم الإيمان، وهذا لبيان ما يتميز به
المؤمن الظاهري عن المؤمن الحقيقي، فلو قيل: آية الكفر بغضهم، لا يصح، إذ هو ليس بكافر
ظاهراً .
(١) قوله: ((البراء)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من
الإيمان رقم (٣٧٨٣). والترمذي في جامعه، في كتاب المناقب، باب في فضل الأنصار وقريش، رقم
(٣٩٠٠). وابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب فضل الأنصار، رقم (١٦٣).

٤٩
كتاب: الإيمان
قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لِعَدِيٌّ: سَمِعْتَهُ مِنَ الْبَرَاءِ؟ قَالَ: إِيَّايَ حَدَّثَ.
٢٣٥ _ (١٣٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ
الْقَارِيَّ) عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلْ قَالَ: ((لا يُبْغِضُ
الأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)).
٢٣٦ - (٠٠٠) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، ح وَحَدَّثَنَا
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ (٢)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ)).
٢٣٧ - (١٣١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ
الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ) أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زِرِّ، قَالَ: قَالَ عَلِيٍّ(٣): ((وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ
الأَمِّيِّ نَّهِ إِلَيَّ: أَنْ لا يُحِبَّنِي إِلا مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضَنِي إِلا مُنَافِقٌ)).
١٣٠ - (٧٦) - قوله: (يعني: ابن عبد الرحمن القاريّ) إلخ: بتشديد الياء منسوب إلى
القارة، قبيلة معروفة .
١٣١ - (٧٨) - قوله: (عن زرّ) إلخ: بكسر الزاي وتشديد الراء، وهو زرّ بن جحش، من
المعمرين، أدرك الجاهلية، وهو أسدي كوفي.
قوله: (فلق الحبة) إلخ: أي: شقها بالنبات.
قوله: (وبرأ النَّسَمة) إلخ: هو بالهمزة، أي: خلق النسمة، وهي - بفتح النون والسين -
الإنسان، وقيل: النفس، وحكى الأزهري أن النسمة هي النفس، وأن كل دابة في جوفها روح
فهي نسمة. والله أعلم.
قوله: (لا يحبني إلا مؤمن) إلخ: لقربه من النبي ◌َّر، وحب النبي ◌ُّ له، وما كان منه في
نصرة الإسلام وسوابقه فيه.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) لم أجد أحداً أخرج هذا الحديث من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله.
(٢) قوله: ((عن أبي سعيد)) لم أجد أحداً أخرج هذا الحديث من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله.
(٣) قوله: ((قال علي)) الحديث أخرجه النسائي في كتاب الإيمان وشرائعه، باب علامة المنافق، رقم (٥٠٢٥).
والترمذي في جامعه، في كتاب المناقب، باب ٢١ (بلا ترجمة، بعد باب مناقب علي بن أبي طالب رضي
الله عنه) رقم (٣٧٣٦). وابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب في فضائل أصحاب رسول الله وَّر، فضل
علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رقم (١١٤).

٥٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٣٤) - باب: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات وبيان إطلاق
لفظ الكفر على غير الكفر بالله، ككفر النعمة والحقوق
٢٣٨ - (١٣٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَن
ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (١)، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَهِ؛ ((أَنََّ
قَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقُنَ وَأَكْثِرْنَ الاسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ
قال الحافظ: ((وهذا جار باطراد في أعيان الصحابة لتحقق مشترك الإكرام، لما لهم من
حسن العناء في الدين)).
قال صاحب المفهم: ((وأما الحروب الواقعة بينهم فإن وقع من بعضهم بعض لبعض فذاك
من غير هذه الجهة، بل للأمر الطارئ الذي اقتضى المخالفة، ولذلك لم يحكم بعضهم على
بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام: للمصيب أجران
وللمخطئ أجر واحد، والله أعلم)).
(٣٤) - باب: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق
لفظ الكفر على غير الكفر بالله، ككفر النعمة والحقوق
١٣٢ - (٧٩) - قوله: (عن ابن الهاد) إلخ: اسمه يزيد بن عبد الله بن أسامة، وأسامة هو
الهاد، لأنه كان يوقد ناراً ليهتدي إليها الأضياف، ومن سلك الطريق، وهكذا يقوله المحدثون:
الهاد، وهو صحيح على لغة، والمختار في العربية: الهادي - بالياء - وقد قدمنا ذكر هذا في
مقدمة الكتاب وغيرها، والله أعلم، كذا في الشرح.
قوله: (يا معشر النساء) إلخ: المعشر كل جماعة أمرهم واحد، ونقل عن ثعلب: أنه
مخصوص بالرجال، وهذا الحديث يرد عليه، إلا إن كان مراده بالتخصيص: حالة إطلاق المعشر
لا تقییده، كما في الحديث.
قوله: (فإني رأيتكنّ) إلخ: أي: ليلة الإسراء.
نعم، يستفاد من حديث ابن عباس عند البخاري في صلاة الكسوف أن الرؤية وقعت في
حال صلاة الكسوف، والله أعلم.
قال الحافظ: ((ووقع في حديث جابر ما يدل على أن المرئي في النار من النساء من اتصف
بصفات ذميمة ذكرت، ولفظه: ((وأكثر من رأيت فيها من النساء اللاتي إن ائتمنّ أفشينْ، وإن
سُئِلِن بَخِلنَ، وإن سَألن ألحفن، وإن أُعطِينَ لم يشكرن. الحديث)).
(١) قوله: ((عن عبد الله بن عمر)) الحديث أخرجه أبو داود في سنه، في كتاب السنة، باب الدليل على زيادة
الإيمان ونقصائنه، رقم (٤٦٧٩). وابن ماجه في سننه، في كتاب الفتن، باب فتنة النساء، رقم (٤٠٠٣).
٠

٥١
كتاب: الإيمان
أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ، جَزْلَةٌ: وَمَالَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ:
تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ. وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ،
قوله: (أكثر أهل النار) إلخ: أي: أكثر دخولاً في النار من الرجال، فأمرهن بالتصدق لأن
الصدقة تقي منها، ((كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضي بين الناس))، ((اتقوا النار ولو بشق
تمرة))، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود، آية: ١١٤].
قوله: (جزلة) إلخ: بفتح الجيم وإسكان الزاي، أي: ذات عقل ورأي، قال ابن دريد :
الجزالة العقل والوقار.
ومن جزالة هذه الصحابية ظنّا هذا السؤال، ومن ثم مدحهن ◌ّ ر بقوله: ((نعم النساء نساء
الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)) نبه عليه القاري في شرح المشكاة، فليتأمل.
قوله: (تكثرن اللعن) إلخ: ((قلت: كأن إكثار اللعن خرج في معرض التعليل، لقوله {وَّر في
هذا الحديث: ((وأكثرن الاستغفار)) فصدور نفس اللعن المحرم يقتضي نفس الاستغفار من
اللاعن، وإكثارُه: إكثارَه، فلا حاجة في هذا الحديث إلى ما قال علي القاري في شرح حديث
أبي سعيد الخدري رضيُبه من أن وجه التقييد بالإكثار أن اللعن يجري على ألسنتهن لاعتيادهن من
غير قصد لمعناه، فخفف الشارع عنهن، ولم يتوعدهن بذلك إلا عند إكثاره)) اهـ.
قوله: (وتكفرن العشير) أي: تجحدن حق الخليط، وهو الزوج، أو أعم من ذلك.
قال الشيخ بدر الدين العيني رحمه الله تعالى: ((في هذا الحديث دلالة على عظم حق
الزوج، والدليل عليه قوله ◌َّلي: «لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد
لزوجها»؛ ولأجل هذا المعنى خُص كفران العشير من بين أنواع الذنوب، وقرن فيه حق الزوج
على الزوجة بحق الله، فإذا كفرت المرأة حق زوجها - وقد بلغ في حقه عليها هذه الغاية - كان
ذلك دليلاً على تهاونها بحق الله، فلذلك أطلق عليها الكفر، لكنه كفر لا يخرج عن الملة،
فالكفر المطلق هو: الكفر بالله، وما دون ذلك يقرب منه.
وتحقيق ذلك ما قاله الأزهري: «الكفر بالله أنواع: إنكار وجحود، وعناد، ونفاق، وهذه
الأربعة من لقى الله تعالى بواحد منها: لم يغفر له.
فالأول أن يكفر بقلبه ولسانه، ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة، آية: ٦] أي: الذين كفروا بالتوحيد، وأنكروا معرفته.
والثاني أن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه، وهذا ككفر إبليس، وبلعام، وأمية بن أبي الصلت.
والثالث أن يعرف بقلبه ويقرّ بلسانه ويأبى أن يقبل الإيمان بالتوحيد والإنقياد له، ككفر أبي
طالب .
والرابع أن يقرّ بلسانه ويكفر بقلبه، ككفر المنافقين.

٥٢
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ
قال الأزهري: ويكون الكفر بمعنى البراءة، كقوله تعالى حكاية عن الشيطان: ﴿إِنِّ
كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُونِ مِن قَبْلٌ﴾ [إبراهيم، آية: ٢٢] أي: تبرأت. قال: وأما الكفر الذي هو دون ما
ذكرنا: فالرجل يقر بالوحدانية والنبوة بلسانه، ويعتقد ذلك بقلبه، لكنه يرتكب الكبائر: من
القتل، والسعي في الأرض بالفساد، ومنازعة الأمر أهله، وشق عصا المسلمين، ونحو ذلك))
انتھی .
وقد أطلق الشارع الكفر على ما سوى الأربعة، وهو: كفران الحقوق والنعم، كهذا
الحديث ونحوه، وهذا مراد البخاري تَغْلَهُ من قوله: ((كفر دون كفر)). كذا في عمدة القاري.
قوله: (ما رأيت من ناقصات عقل) إلخ: فيه معنى التعجب بأنهن مع اتصافهن بهذه الحالة
يفعلن بالرجل اللبيب الحازم كذا وكذا .
وقال الحافظ: ((قال الطيبي: ((في قوله: ما رأيت من ناقصات عقل)) إلى آخره زيادة على
الجواب، تسمى الاستتباع». كذا قال، وفيه نظر، ويظهر لي أن ذلك من جملة أسباب كونهن
أكثر أهل النار، لأنهن إذا كن سبباً لإذهاب عقل الرجل الحازم حتى يفعل أو يقول ما لا ينبغي :
فقد شارکنه في الإثم وزدن علیه)).
فإن قلت: عموم هذا القول فيهن أي: قوله وَله: ((ناقصات عقل ودين)) يعارضه قوله وَليقات :
((كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم)) وفي
رواية: ((أربع)) وهو ما رواه الترمذي وأحمد من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال
النبي ◌َّيقول: ((حسبك من نساء العالمين بأربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة
بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد وَلا)).
قلت: أجاب بعضهم بأن بعض الأفراد خرج عن ذلك، لأنه نادر قليل.
والجواب السديد في ذلك هو: أن الحكم على الكل بشيء لا يستلزم الحكم على كل فرد
من أفراده بذلك الشيء. قاله العيني.
والعقل في اللغة: ضد الحمق، واختلف في تفسيره، وجمعُه: عقول. ومحله عند قوم:
الدماغ، وعند الآخرين: القلب، الأول قول أبي حنيفة تَغَفُهُ، والثاني قول الشافعي كثّتُهُ، وقيل:
مسكنه الدماغ، وتدبيره في القلب. قلت: وعن هذا قالوا: العقل جوهر خلقه الله في الدماغ،
وجعل نوره في القلب، تدرك به المغيبات بالوسائط، والمحسوسات بالمشاهدة.
وعند المتكلمين: العقل العلم، وقيل: بعض العلوم هي الضرورية. وقيل: قوة يميز بها
حقائق المعلومات. وأما الحكماء فقد فرقوا بينه وبين العلم، وقالوا: العقل النظري، والعملي،
وبالفعل، والمستفاد، والفعال. وتحقيقه في كتبهم. كذا في عمدة القاري.

٥٣
كتاب: الإيمان
لِذِي لُبِّ مِنْكُنَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ
قوله: (لذي لبّ منكن) إلخ: اللبّ: العقل الخالص من شوب الهوى.
قوله: (قالت: وما نقصان العقل والدين) إلخ: كأنه خفي عليهن ذلك حتى سألن عنه،
ونفس هذا السؤال دالّ على النقصان، لأنهن سلّمن ما نسب إليهن من الأمور الثلاثة: الإكثار،
والكفران، والإذهاب، ثم استشكلن كونهن ناقصات. وما ألطف ما أجابهن به وَل من غير
تعنيف ولا لوم، بل خاطبهن على قدر عقولهن، قاله الحافظ في الفتح، وهو ضدّ ما نقلناه عن
شرح المشكاة في شرح قوله: ((جزلة)) والله أعلم.
قوله: (أما نقصان العقل فشهادة امرأتين) إلخ: أشار ◌َّه إلى قوله تعالى: ﴿وَأَمْرَأَتَانِ مِمَن
تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأَخْرَى﴾ [البقرة، آية: ٢٨٢] لأن الاستظهار
بأخرى مؤذن بقلة ضبطها، وهو مشعر بنقص عقلها .
قوله: (فهذا نقصان الدين) إلخ: يعني: في الجملة، لأنها حرمت من ثواب الصلاة، فإنها
لا تقضي، ومن كمال ثواب الصوم حيث لم يقع في وقت الفضيلة مع مشاركة المؤمنين في
الطاعة. قاله القاري كثّفُ في المرقاة.
تنبيه
في هذا الحديث من الفوائد: أن جحد النعم حرام، وكذا كثرة استعمال الكلام القبيح:
كاللعن، والشتم. واستدل النووي تكّثُ على أنهما من الكبائر بالتوعد عليهما بالنار، وفيه ذم
اللعن، وهو الدعاء بالإبعاد من رحمة الله تعالى، وهو محمول على ما إذا كان في معين، وفيه
إطلاق الكفر على الذنوب التي لا تخرج عن الملة تغليظاً على فاعلها، لقوله وَّر في بعض طرق
أبي سعيد الخدري عند البخاري: ((بكفرهن)) وهو كإطلاق نفي الإيمان، وفيه الإغلاظ في النصح
بما يكون سبباً لإزالة الصفة التي تعاب، وأن لا يواجه بذلك الشخص المعين، لأن في التعميم
تسهيلاً على السامع، وفيه أن الصدقة تدفع العذاب، وأنها قد تكفر الذنوب التي بين المخلوقين،
وأن العقل يقبل الزيادة والنقصان، وكذلك الإيمان كما تقدم، وليس المقصود بذكر النقص في
النساء لومهن على ذلك، لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذيراً من الافتتان بهن،
ولهذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النقص، وليس نقص الدين منحصراً
فيما يحصل به الإثم، بل في أعم من ذلك. قاله النووي.
قال الحافظ: ((لأنه أمر نسبي، فالكامل - مثلاً - ناقص عن الأكمل، ومن ذلك الحائض لا
تأثم بترك الصلاة زمن الحيض، لكنها ناقصة عن المصلي، وهل تثاب على هذا الترك لكونها
مكلفة به، كما يثاب المريض على النوافل التي كان يعملها في صحته، وشغل بالمرض عنها؟
قال النووي كاته: الظاهر أنها لا تثاب. والفرق بينها وبين المريض أنه كان يفعلها بنية الدوام

٥٤
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ، فَهُذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ
فِي رَمَضَانَ، فَهْذَا نُقْصَانُ الدِّينِ)).
وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الظَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، بِهِذَا
الإِسْنَادِ ... مِثْلَهُ.
٢٣٩ - (٠٠٠) وحدّثني الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالا:
حَذَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ
عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ(١)، عَنِ النَّبِّ ◌َلَهُ .. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ
وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (وَهُوَ: ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ عَمْرو بْنٍ أَبِي عَمرو،
عن المقبريِّ، عن أبي هُرَيّرَةَ(٢)، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ، بِمِثْلٍ مَعَنى حَدِيثِ ابْنٍ عُمَرَ عَنٍ
النَِّيِّ ◌َ.
عليها مع أهليته، والحائض ليست كذلك. وعندي في كون هذا الفرق مستلزماً لكونها لا تثاب:
وقفة)) اهـ.
قال العيني تثاثه: ((ينبغي أن تثاب على ترك الحرام، فإن الصلاة حرام عليها في زمن
الحيض)) فليتأمل .
وفي الحديث أيضاً مراجعة المتعلم لمعلمه، والتابع لمتبوعه فيما لا يظهر له معناه. وفيه ما
كان عليه وَلّ من الخلق العظيم، والصفح الجميل، والرفق والرأفة، زاده الله تشريفاً وتكريماً
وتعظيماً.
(٨٠) - قوله: (حدثنا ابن أبي مريم) إلخ: هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم
الجمحي، أبو محمد المصري، الفقيه الجليل.
قوله: (عن المقبري) إلخ: قد اختلف في المراد بالمقبري هنا: هل هو أبو سعيد المقبري
أو ابنه سعيد؟ فإن كل واحد منهما يقال له: المقبري، وإن كان المقبري في الأصل هو أبو
(١) قوله: ((عن أبي سعيد الخدري)) الحديث البخاري في صحيحه، في كتاب الحيض، باب ترك الحائض
الصوم، رقم (٣٠٤). وفي كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب، رقم (١٤٦٢) وفي كتاب الصوم، باب
الحائض تترك الصوم والصلاة، رقم (١٩٥١). وفي كتاب الشهادات، باب شهادة النساء، رقم (٢٦٥٨).
والنسائي في سننه (باختصار) في كتاب صلاة العيدين. باب استقبال الإمام الناس بوجهه في الخطبة، رقم
(١٥٧٧). وباب حث الإمام على الصدقة في الخطبة، رقم (١٥٨٠). وابن ماجه في سننه (باختصار أيضاً)
في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الخطبة في العيدين، رقم (١٢٨٨).
(٢) قوله: ((عن أبي هريرة)) لم أجد أحداً أخرج هذا الحديث من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله.

٥٥
كتاب: الإيمان
(٣٥) - باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة
٢٤٠ _ (١٣٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ قَالَ: قَالَ رَّسُولُ اللَّهِ وََّ: ((إِذَا قَرَّأَ ابْنُ
آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَّلَ الشَّيْطَانِ يَبْكِي. يَقُولُ:
سعيد: فقال الحافظ أبو علي الغساني الجياني عن أبي مسعود الدمشقي: هو أبو سعيد، قال أبو
علي: وهذا إنما هو في رواية إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، وقال الدار قطني :
خالفه سليمان بن بلال، فرواه عن عمرو عن سعيد المقبري. قال الدارقطني: وقول سليمان بن
بلال أصح.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح تغلَثُ: ((رواه أبو نعيم الأصفهاني في كتابه المخرج على
صحيح مسلم من وجوه مرضية عن إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن
أبي سعيد المقبري، هكذا مبينًّا، لكن رويناه في مسند أبي عوانة المخرج على صحيح مسلم من
طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سعيد، ومن طريق سليمان بن بلال، عن سعيد، كما سبق عن
الدارقطني، فالاعتماد عليه إذن)). هذا كلام الشيخ تَّتُهُ.
ويقال: المقبري، بضم الباء وفتحها، وجهان مشهوران فيه، وهي نسبة إلى المقبرة، وفيها
ثلاث لغات: ضم الباء، وفتحها، وكسرها، والثالثة غريبة.
قال إبراهيم الحربي وغيره: كان أبو سعيد ينزل المقابر، فقيل له: المقبري. وقيل: كان
منزله عند المقابر. وقيل: إن عمر بن الخطاب رضيُه جعله على حفر القبور، فقيل له: المقبري،
وجعل نعيماً على إجمار المسجد، فقيل له: نعيم المجمر. اسم أبي سعيد كيسان الليثي،
المدني. والله أعلم.
(٣٥) - باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة
٣٣ - (٨١) - قوله: (إذا قرأ ابن آدم السجدة) إلخ: معناه آية السجدة، كذا قال الشارح.
وجاء في القرآن العزيز: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَئِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْ بِهَا خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدٍ
رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [
(١٥)﴾ [السجدة، آية: ١٥].
قال الحافظ شمس الدين بن القيم تغذّثُ في رسالته: ((كتاب الصلاة وأحكام تاركها)): ((إنه
سبحانه وتعالى نفى الإيمان عمن إذا ذكروا بآيات الله لم يخروا سجداً مسبحين بحمد ربهم، ومن
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب سجود
القرآن، رقم (١٠٥٢).

٥٦
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَا وَيْلَهُ. (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ: يَا وَيِي). أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ
بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ)).
٢٤١ - (٠٠٠) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، بِهُذَا
الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَعَصَيْتُ فَلِيَ النَّارُ)).
٢٤٢ - (١٣٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلاَهُمَا عَنْ
جَرِيرٍ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِراً (١)
أعظم التذكير بآيات الله: التذكير بآيات الصلاة، فمن ذكر بها ولم يتذكر، ولم يصل: لم يؤمن
بها، لأنه سبحانه خص المؤمنين بها بأنهم أهل السجود)) اهـ.
قلت: لعل نفي الإيمان عمن يأبى السجود استكباراً، كما يشعر به قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة، آية: ١٥] وهذا هو صنيع إبليس اللعين، وسبب كفره، كما يدل عليه قوله
تعالى: ﴿أَبَ وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾ [البقرة، آية: ٣٤] والكلام هنا في ترك السجود أو الصلاة
تهاوناً وتکاسلاً .
قوله: (يا ويله) إلخ: هو من آداب الكلام، وهو أنه إذ عرض في الحكاية عن الغير ما فيه
سوء، واقتضت الحكاية رجوع الضمير إلى المتكلم صرف الحاكي الضمير عن نفسه تصاوناً عن
صورة إضافة السوء إلى نفسه .
قوله: (يا ويلي) إلخ: يجوز فيه فتح اللام وكسرها .
قوله: (فأبيت فلي النار) إلخ: مقصود مسلم كثّفُ بذكر هذا الحديث والذي يليه: أن من
الأفعال ما يوجب تركه الكفر حقيقة أو تسمية.
فأما كفر إبليس بسبب السجود: فمأخوذ من قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَّدَمَ
﴾ [البقرة، آية: ٣٤] قال الجمهور: معناه: وكان
٣٤
فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ
في علم الله تعالى من الكافرين، وقال بعضهم: وصار من الكافرين، كقوله تعالى: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا
اُلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود، آية: ٤٣].
وأما تارك الصلاة: فإن كان منكراً لوجوبها فو كافر بإجماع المسلمين، خارج من ملة
الإسلام، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، ولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة
(١) قوله: ((جابراً)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة، رقم
(٤٦٥)، وأبو داود في سننه، في كتاب السنة، باب في رد الإرجاء، رقم (٤٦٧٨). والترمذي في جامعه،
في كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة، رقم (٢٦١٨ - ٢٦٢٠). وابن ماجه في سننه، في كتاب
إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فيمن ترك الصلاة، رقم (١٠٧٨).

٥٧
كتاب: الإيمان
يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِي وََّ، يَقُولُ: ((إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاَةِ)).
عليه، وإن كان تركه تكاسلاً مع اعتقاده وجوبها - كما هو حال كثير من الناس - فقد اختلف
العلماء فيه .
١٣٤ - (٨٢) - قوله: (إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) إلخ: هكذا هو في
جميع الأصول من صحيح مسلم ((الشرك والكفر)) بالواو، وفي مخرج أبي عوانة الإسفرائيني،
وأبي نعيم الأصبهاني: ((أو الكفر)) بأو، ولكل واحد منهما وجه، ومعنى: ((بينه وبين الشرك ترك
الصلاة)) أن الذي يمنع من كفره كونه لم يترك الصلاة، فإذا تركها لم يبق بينه وبين الشرك حائل،
بل دخل فيه، فصار ترك الصلاة وصلة بين الرجل وبين الكفر، وهذا كما يقال: بينك وبين مرادك
الاجتهاد، أي: بينك وبين بلوغك المراد أن تجتهد، فإذا اجتهدت بلغت، قاله السندي تغذّثُ .
وبعضهم تأولوا الخبر بأن المراد ترك الصلاة جحوداً، كما أخبر سبحانه وتعالى عن
يوسف ظلَّلا أنه قال: ﴿إِنِ تَرَّكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾ [يوسف، آية:
٣٧]. إذ لم يك تلبس بكفر فارقه، ولكن ترك جاحداً .
الإيمان ذو شعب كثيرة متفاوتة وكذلك الكفر
وقد قدمنا في الأبواب السابقة اختلاف الأئمة رحمهم الله تعالى في تكفير تارك الصلاة
وعدمه، وههنا نذكر تلخيص ما حققه شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى، فقال في كتاب
الصلاة وأحكام تاركها :
((معرفة الصواب في هذه المسألة مبني على معرفة حقيقة الإيمان والكفر، ثم يصح النفي
والإثبات بعد ذلك، فالكفر والإيمان متقابلان، إذا زال أحدهما خلفه الآخر، ولما كان الإيمان
أصلاً له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى إيماناً، فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة،
والحج، والصيام، والأعمال الباطنة: كالحياء، والتوكل، والخشية من الله، والإنابة إليه، حتى
تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، فإنه شعبة من شعب الإيمان، وهذه الشعب منها
ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها: كترك إماطة الأذى عن
الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً: منها ما يلحق بشعبة الشهادة، ويكون إليها أقرب.
ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى، ويكون إليها أقرب.
وكذلك الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان: فشعب الكفر كفر، والحياء
شعبة من الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، والصدق شعبة من شعب الإيمان،
والكذب شعبة من شعب الكفر، والصلاة والزكاة والحج والصيام: من شعب الإيمان، وتركها
من شعب الكفر، والحكم بما أنزل الله: من الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر،
والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.

٥٨
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وشعب الإيمان قسمان: قولية، وفعلية، وكذلك شعب الكفر نوعان: قولية وفعلية، ومن
· شعب الإيمان القولية: شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب
زوالها زوال الإيمان، وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية، فكما يكفر بإتيان كلمة الكفر
اختياراً، وهي شعبة من شعب الكفر، فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه: كالسجود للصنم،
والاستهانة بالمصحف، فهذا أصل.
وههنا أصل آخر، وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول
القلب - وهو الاعتقاد - وقول اللسان - وهو التكلم بكلمة الإسلام - والعمل قسمان: عمل القلب
- وهو نيته وإخلاصه - وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا زال
تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وإذا
زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع معركة بين المرجئة وأهل السنة، فأهل السنة
مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب - وهو محبته وانقياده -
كما لم ينفع إبليس وفرعون، وقومه، واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل
ويقرون به سراً وجهراً، ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به، وإذا كان الإيمان
يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح، ولا سيما إذا كان
ملزوماً لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم، كما تقدم تقريره، فإنه
يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح
وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المسلتزم للطاعة، وهو حقيقة الإيمان،
فإن الإيمان ليس مجرد التصديق - كما تقدم بيانه - وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد،
وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبيُّنه، بل هو معرفته المسلتزم لاتباعه، والعمل
بموجبه، وإن سمي الأول هدى، فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن اعتقاد
التصديق وإن سمي تصديقاً: فليس هو التصديق المستلزم للإيمان، فعليك بمراجعة هذا الأصل
ومراعاته .
أنواع الكفر، كفر عمل وكفر جحود
وههنا أصل آخر: وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد. فكفر الجحود:
أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحوداً وعناداً من أسماء الرب، وصفاته،
وأفعاله، وأحكامه. هذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه. وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد
الإيمان وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه: يضادّ
الإيمان. وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة: فهو من الكفر العملي قطعاً، ولا يمكن
أن ينفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه، فالحاكم بغير ما أنزل الله: كافر، وتارك

٥٩
كتاب: الإيمان
الصلاة كافر بنص رسول الله وَّة، ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد، ومن الممتنع أن يسمي اللَّهُ
سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله: كافراً، ويسمي رسول الله وَ ل * تارك الصلاة: كافراً، ولا يطلق
عليهما اسم الكفر، وقد نفى رسول الله ◌َ﴿ الإيمان عن الزاني، والسارق، وشارب الخمر،
وعمن لا يأمن جاره بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كفر
الجحود والاعتقاد، وكذلك قوله: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) فهذا كفر
عمل، وكذلك قوله: ((من أتى كاهناً فصدقه، أو امرأة في دبرها: فقد كفر بما أنزل على محمد))
وقوله: ((إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما)) وقد سمى الله سبحانه من عمل
ببعض كتابه وترك العمل ببعضه: مؤمناً بما عمل به وكافراً بما ترك العمل به، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ
أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٥) ثُمَّ
أَنْتُمْ هَؤُلَاءَ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظْهَرُونَ عَلَيْهِم بِلْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن
يَأْتُوَكُمْ أُسَرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ تُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمَّ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضَِّ
فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِىٌ فِىِ الْحَيَوِ الذُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابٍ وَمَا
﴾ [البقرة، الآيتان: ٨٤، ٨٥]. فأخبر سبحانه أنهم أقروا بميثاقه الذي
(٨٥)
اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (
أمرهم به والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم به أنهم لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم
بعضاً من ديارهم، ثم أخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقاً، وأخرجوهم من ديارهم،
فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب، ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق، وهذا
إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب، فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما
ترکوه منه .
فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي، وقد
أعلن النبي وَّ بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) ففرق
بين قتاله وسبابه، وجعل أحدهما فسوقاً لا يكفر به، والآخر كفراً، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر
العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لم يخرج
الزاني والسارق والشارب من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان.
وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام، والكفر
ولوازمها، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم، فانقسموا
فريقين: فريقاً أخرجوا من الملة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقاً
جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان، فهؤلاء غلوا، وهؤلاء جفوا، وهدى الله أهل السنة للطريقة
المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل، فههنا كفر دون كفر، ونفاق
دون نفاق، وشرك دون شرك، وفسوق دون فسوق، وظلم دون ظلم.

٦٠
الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قال سفيان بن عيينة، عن هشام بن جحير، عن طاووس، عن ابن عباس ظُه في قوله
تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة، آية: ٤٤] ليس هو بالكفر الذي
يذهبون إليه .
وقال عبد الرزاق: ((أخبرنا معمر، عن ابن طاؤس، عن أبيه، قال: سئل ابن عباس عن
قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اُلْكَفِرُونَ﴾ [المائدة، آية: ٤٤]، قال: هو بهم كفر،
وليس كمن كفر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله)). وقال في رواية أخرى عنه: ((كفر لا ينقل عن
الملة».
وقال طاووس: ((ليس بكفر ينقل عن الملة)).
وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: ((كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق
دون فسق)).
وهذا الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه، فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزله
كافراً، ويسمي جاحد ما أنزله على رسوله كافراً، وليس الكافران على حد سواء، ويسمى
الكافر: ظالماً، كما في قوله تعالى: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ﴾ [البقرة، آية: ٢٥٤] وسمي متعدي
حدوده في النكاح، والطلاق، والرجعة، والخلع: ظالماً، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَذَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ
نَفْسَهُ﴾ [الطلاق، آية: ١] وقال يونس نبيه: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِ ككُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
[الأنبياء، آية: ٨٧]. وقال صفيه آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف، آية: ٢٣] وقال كليمه موسى: ﴿رَبِّ
إِنِىِ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِ﴾ [القصص، آية: ١٦] وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم، ويسمى الكافر:
فاسقاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ: إِلَّا الْفَسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيشَقِهِ،﴾
[البقرة، الآيتان: ٢٦، <٢] وقوله: ﴿وَلَقَّدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍّ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّ الْفَسِقُونَ
٩٩
[البقرة، آية: ٩٩]. وهذا كثير في القرآن، ويسمى المؤمن العاصي: فاسقاً، كما في قوله تعالى:
يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَّبَلٍ فَتَبَيَنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ
[الحجرات، آية: ٦] نزلت في الحكم بن أبي العاص، وليس الفاسق كالفاسق، وقال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ
يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
[النور، آية: ٤]، وقال عن إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِِّهُ﴾ [الكهف، آية: ٥٠] وقال: ﴿حَوَةٌ يَأُوْلِى
الْأَلْبَبٍ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة، آية: ١٩٧] وليس الفسوق كالفسوق، والكفر: كفران، والظلم:
ظلمان، والفسق: فسقان.
وكذا الجهل جهلان: جهل كفر، كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ
الْجَهِلِينَ (9)﴾ [الأعراف، آية: ١٩٩] وجهل غير كفر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ
يَعْمَلُونَ السُّوَّةَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء، آية: ١٧].