النص المفهرس
صفحات 1-20
وَوسُق عة ، ٨ بِشْرَكَ صَّمِيعُ الْإِمَامْ مُتْلِم ◌َالحَجَعِ الْقُشَرِمَُّ تأليف الشَّخ ◌ِشَبِيرُ أحْمَ العِثْمَانِيُ م. محمدالتر تَعَلَيْقَاتٌ العُلّمَةَ المُفْتِ ◌َمَّدٌ مَفيَّعُ العُثْمَانِى التّخْرِيح وَالتّقيم نُورُ البَشَرَيْ نُورُالحَقْ مُراجَعَة وتَقيقه وتكمَكَة يَحْمُودُ ستحَاكِرٌ تتمة كتاب الإيمان - كتاب الطهارة الجزء الثاني دَارُ ابِيَاء التراث العَربي بَيروت - لبْنان جميع الحقوق محفوظة للناشر جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزءاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على إسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. Copyright @ All rights reserved All rights of this publication are reserved exclusively to DAR EHIA AL -TOURATH AL-ARABI Beirut - Lebanon. No part of this publication may be translated, reproduced, photocopied, pho- tagraphed, taped on audio cassettes, or stored in a data base or saved on a retrievable system distributed in any form or by any means, without the prior written permission of the publisher. الطبعة الأولى 1426 هـ - 2006 م دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان بيروت - لبنان - بناية كليوبترا - شارع دكاش ص.ب: 11/7957 الرمز البريدي: 2250 1107 هاتف: 540000 - 544440 فاكس: 850717 Beirut - Liban - Imm Kileopatra - Rue Dakkache P.O.Box 11\7957 Postal Code 1107 2250 Tel.Off: 544440 - 540000 Fax: 850717 كتاب: الإيمان بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ [تتمة كتاب: الإيمان] (٢١) - باب: تفاضل أهل الإيمان فيه، ورجحان أهل اليمن فيه ١٧٩ - (٨١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْساً يَرْوِي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ (١)، قَالَ: أَشَارَ النَّبِيُّ نَهُ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: ((أَلاَ إِنَّ الإِيمَانَ هُهُنَا، وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ، [تتمة كتاب الإيمان] (٢١) - باب: تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه ٨١ - (٥١) قوله: (وإن القسوة وغلظ القلوب) إلخ: قال الخطابي: ((إنما ذمّ هؤلاء الاشتغالهم بمعالجة ما هم فيه عن أمور دينهم، وذلك يفضي إلى قساوة القلب». قال السهيلي تغذّفُ: ((إنهما - أي: القسوة وغلظ القلوب - لمسمى واحد، كقوله: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَنِّي وَحُزْنِ إِلَى اَللَّهِ﴾ [يوسف، آية: ٨٦]))، البثّ: هو الحزن)). قال القرطبي تغذفه: ((القسوة يراد بها أن تلك القلوب لا تلين ولا تخشع لموعظة، وغلظها : عدم فهمها)) . قوله: (في الفدادين) إلخ: قال عياض تغذَهُ: ((رواه الشيباني بالتخفيف، جمع فدّاد - بالتشديد - وفسرها ببقر الحرث، وهم أهل الجفاء لبعدهم عن الحاضرة، فعلى هذا يكون على حذف مضاف، أي: أصحابها)) وردّه أبو عبيدة بأن العرب لم تكن تعرف الحرث، وإنما هو في (١) قوله: ((عن أبي مسعود)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم (غنم يتبع بها شعف الجبال) رقم (٣٣٠٢) وفي كتاب المناقب باب قولا الله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا﴾، رقم (٣٤٩٨) وفي كتاب المغازي، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن، رقم (٤٣٨٧) وفي كتاب الطلاق، باب اللعان. رقم (٥٣٠٣). ٦ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عِنْدَ أُصُولٍ أَذْتَابِ الإِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ. الروم بالشام، وهي إنما فتحت بعد وفاته و 9. قال: وإنما هو بالتشديد جمع فداد بالتشديد أيضاً، وفسره بالمكثر من كسب الإبل يكسب من المائتين إلى الألف، من الفديد، وهي الإبل الكثيرة . وقال الأصمعي: هو الذي يرتفع صوته في حرثه وماشيته، فدّ الرجل فديدا: إذا اشتد صوته. وقال ابن دريد، هو الرجل شديد الوطء، لمرح أو سرعة. والصواب أنه المكثر لا بقيد من الإبل لأن الإكثار موجب للخيلاء واحتقار الناس، ومنه ما جاء: تقول الأرض للرجل: ربما مشيت عليّ فدّاداً، أي: ذا مال كثير، وقيل: ذا وطء شديد. وإنما خص الإبل لأنها أكثر مال العرب، وأهلها أهل جفاء، ولا يبعد قول الأصمعي والشيباني، لأن في كل من تلك الأصناف قسوة بسبب اشتغالهم بأموالهم مثل أهل الخيل والإبل، وقد يكون الجفاء، والقسوة من طبع هؤلاء، ويكون وصفهم بأنهم أهل إبل كالتعريف لهم . وقال ثعلب: الفدادون: الجمالون، والبقارون، والحمارون، والرعيان. قوله: (عند أصول أذناب الإبل) إلخ: معناه الذين لهم جلبة وصياح عند سوقهم لها . قلت: فائدة ذكر هذا الظرف تصوير هذه الحالة المستهجنة، والإشارة إلى منافاتها لارتياض النفس بحسن أدلة الشريعة، وفهم أسرارها الحامل على لين القلب واتعاظه لوقوف هذه الأمور على ملازمة مجالس الفقه والحكمة، ومخالطة أرباب الصدور والعلماء العاملين واكتساب محاسن أخلاقهم بملازمة صحبتهم، وترك أضدادهم وما يوجب البعد من مجالستهم من الأشغال الدنيوية والحرف المشغلة عن كل خير، وأين هذا ممن عكف نفسه على صحبة حيوان بهيمي! ورضي لنفسه أن تكون ملازمة لذنبها! مضافـا لأرباب الصدور تصدرا عليك بأرباب الصدور فمن غدا وإياك أن ترضى بصحبة ساقط فتنحظّ قدرا من علاك وتحقرا وبهذا تعرف أنه يدخل في معنى الحديث من لازم الجلوس مع أذناب الناس والجهلة منهم، أو عكف نفسه على صحبة البهائم، للتجارات، أو الحراثة، أو رضي لنفسه بملازمة الأسواق ومحالّ الصخب، وكثرة الصياح، والتخليط، لمجرد أمور الدنيا، والله تعالى أعلم. قوله: (حيث يطلع قرنا الشيطان) إلخ: يعني: المشرق، والقرنان: جانبا الرأس. قيل: هما هنا حقيقة لما جاء أنه ينتصب قائماً عند طلوعها لتطلع بين قرنيه ليوهم أن له يسجد المصلون، وقيل جماعتاه من الكفار، وأضافهما إليه لاتباعهما له. قال النووي: ((والمراد بذلك اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان ومن الكفر)). ٧ كتاب: الإيمان فِي رَبِيعَةً وَمُضَرَ)). ١٨٠ - (٨٢) حدّثنا أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ، أَنْبَأَنَا حَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، الإِيمَانُ يَمَانٍ (٢)، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ)) . قوله: (في ربيعة ومضر) إلخ: أي: في الفدادين منهم، كذا في الفتح. وقال الأبي: ((بدل من الفدادين، أي: القسوة وغلظ القلوب في ربيعة ومضر الكائنين بالمشرق، والله أعلم)). ٨٢ - (٥٢) - قوله: (محمد عن أبي هريرة) إلخ: أي: محمد بن سيرين عن أبي هريرة، والله أعلم. قوله: (هم أرقّ أفئدة) إلخ: أي: أن غشاء قلب أحدهم رقيق، وإذا رقّ الغشاء أسرع نفوذ الشيء إلى ما وراءه. قوله: (الإيمان يمان) إلخ: فإن قلت ((الإيمان يمان)) مبتدأ وخبر، فكيف يصح حمل اليمان عليه؟ قلت: أصله: اليماني، بياء النسبة، فحذفوا الياء للتخفيف، كما قالوا: تهامون، وأشعرون، وسعدون. وأما قوله ◌َّير: ((الإيمان يمان)) فسيجيء شرحه إن شاء الله تعالى. قوله: (والفقه يمان) إلخ: الفقه هنا عبارة عن الفهم في الدين، واصطلح بعد ذلك الفقهاء وأصحاب الأصول على تخصيص الفقه: بإدراك الأحكام الشرعية العملية بالاستدلال على أعيانها . قوله: (والحكمة يمانية) إلخ: فيها أقوال كثيرة مضطربة، قد اقتصر كل من قائليها على (١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق، باب خيرمال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال: رقم (٣٣٠١) وفي كتاب المناقب، باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾، رقم (٣٤٩٩). وفي كتاب المغازي، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن، رقم (٤٣٨٨) و(٤٣٨٩) و(٤٣٩٠)، والترمذي في جامعه، في كتاب الفتن، باب ما جاء في الدجال لا يدخل المدينة، رقم (٢٢٤٣). وفي كتاب المناقب، باب في فضل اليمن، رقم (٣٩٣٥). (٢) ذكر في النبراس شرح شرح العقائد النسفية الشيخ عبد العزيز الفرهاوي في ترجمة الشيخ أبي الحسن الأشعري ما نصّه: وهو علي بن إسماعيل بن إسحاق بن إسحاق بن عبد الله بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله (چ كان أبو موسى من بني أشعر - وهم قوم من اليمن - قدم مهاجراً إلى رسول الله وَّ فآمن، ثم هاجر إلى الحبشة مع الصحابة، ثم صار معهم في السفينة حتى قدم المدينة يوم فتح خيبر، وله مناقب كثيرة. وأبو الحسن هو رئيس المتكلمين من أهل السنّة، وهم يسمون الأشاعرة لذلك. وعن بعض المكاشفين أنه سأل رسول الله # في منامه عن الأشعري، فقال: أنا قلت - وقولي حق -: ((الإيمان يمان والحكمة يمانية)). نبراس شرح شرح العقائد ص ٢٠ (رف). ٨ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٨١ - (٨٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ ... بِمِثْلِهِ. ١٨٢ - (٨٤) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، قَالاَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ)، حَذَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَضْعِّفُ قُلُّوباً وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْفِقْهُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِیةٌ». بعض صفات الحكمة، وقد صفا لنا منها أن الحكمة: عبارة عن العلم المتصف بالأحكام، المشتمل على المعرفة بالله تبارك وتعالى، المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به، والصدّ عن اتباع الهوى والباطل. والحكيم: من له ذلك. وقال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك، أو زجرتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو تهتك عن قبيح: فهي حكمة وحكم، ومنه قول النبي ◌َّر: ((إن من الشعر حكمة)) وفي بعض الروايات «حكما)). ٨٤ - (٠٠٠) - قوله: (أتاكم أهل اليمن) إلخ: هذه الرواية ترد قول من قال: إن المراد بقوله: ((الإيمان يمان)) الأنصار، وغير ذلك، وقد ذكر ابن الصلاح قول أبي عبيدة وغيره: إن معنى قوله: ((الإيمان يمان)) أن مبدأ الإيمان من مكة، لأن مكة من تهامة، وتهامة من اليمن. وقيل: المراد: مكة والمدينة، لأن هذا الكلام صدر وهو رَله بتبوك، فتكون المدينة حينئذ بالنسبة إلى المحل الذي هو فيه يمانية. والثالث - واختاره أبو عبيدة - أن المراد بذلك الأنصار، لأنهم يمانيون في الأصل، فنسب الإيمان إليهم، لكونهم أنصاراً . وقال ابن الصلاح: ((ولو تأملوا ألفاظ الحديث لما احتاجوا إلى هذا التأويل، لأن قوله: ((أتاكم أهل اليمن)) خطاب للناس، ومنهم الأنصار، فيتعين أن الذين جاؤوا غيرهم)). قال: ((ومعنى الحديث وصف الذين جاؤوا بقوة الإيمان وكماله، ولا مفهوم له، قال: ثم المراد الموجودون حينئذ منهم، لا كل أهل اليمن في كل زمان))، انتهى. ولا مانع أن يكون المراد بقوله: ((الإيمان يمان)) ما هو أعمّ مما ذكره أبو عبيد، وما ذكره ابن الصلاح. وحاصله أن قوله: ((يمان)) يشتمل من ينسب إلى اليمن بالسكنى وبالقبيلة، لكن كون المراد به من ينسب بالسكنى أظهر، بل هو المشاهد في كل عصر من أحوال سكان جهة اليمن وجهة ٩ كتاب: الإيمان ١٨٣ - (٨٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الشمال، فغالب من يوجد من جهة اليمن رقاق القلوب والأبدان، وغالب من يوجد من جهة الشمال غلاظ القلوب والأبدان، وقد قسم في حديث أبي مسعود أهل الجهات الثلاثة: اليمن، والشام، والمشرق، ولم يتعرض للمغرب في هذا الحديث، وقد ذكره في حديث آخر، فلعله كان فيه ولم يذكره الراوي، إما لنسيان أو غيره، والله أعلم. وأورد البخاري تغلّفُ هذه الأحاديث في الأشعرين لأنهم من أهل اليمن قطعاً، وكأنه أشار إلى حديث ابن عباس رضيُه: ((بينا رسول الله ◌َل* بالمدينة إذ قال: الله أكبر، إذا جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن نقية قلوبهم، حسنة طاعتهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة یمان)) أخرجه البزار. وعن جبير بن مطعم عن النبي وَّر قال: ((يطلع عليكم أهل اليمن، كأنهم السحاب، هم خير أهل الأرض)) الحديث أخرجه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني. وفي الطبراني من حديث عمرو بن عنبسة أن النبي ◌َّر قال لعيينة ابن حصن: ((أيُّ الرجال خير؟ قال: رجال أهل نجد، قال: كذبت، بل هم أهل اليمن، الإيمان يمان)) الحديث. وأخرجه أيضاً من حديث معاذ بن جبل. قال الخطابي: ((قوله: ((هم أرقّ أفئدة وألين قلوباً)) أي: لأن الفؤاد غشاء القلب، فإذا رقّ نفذ القول، وخلص إلى ما وراءه، وإذا غلظ بعد وصوله إلى داخل، وإذا كان القلب ليناً علق كل ما يصادفه)). كذا في الفتح. وفي بعض الأحاديث المرفوعة: ((يقدم قوم هم أرقّ منكم قلوباً، فقدم الأشعريون فجعلوا يرتجزون : محمداً وحزيه غداً نلقى الأحبة وروينا عن يزيد بن هارون، أنبأنا ابن أبي ذويب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبر بن مطعم، عن أبيه، قال: «كنا مع رسول الله وَّر في سفر، فقال: أتاكم أهل اليمن، كأنهم السّحاب، هم خيار من في الأرض، فقال رجل من الأنصار: ألا نحن يا رسول الله؟ فسكت، ثم قال: ألا نحن يا رسول الله؟ فسكت، ثم قال: ألا أنتم، كلمة ضعيفة)). وفي صحيح البخاري: ((أن نفراً من بني تميم جاؤوا إلى رسول الله وَّر، وجاء نفر من أهل اليمن، فقال: أبشروا يا بني تميم، فقالوا: بشرتنا فأعطنا، فتغير وجه رسول الله وَّر، وجاء نفر من أهل اليمن، فقالوا: اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قد قبلنا، ثم قالوا: يا رسول الله، جئنا لنفقه في الدين، ونسألك عنه أول الأمر، فقال: كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء)». كذا في زاد المعاد. ١٠ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ قَالَ: ((رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ، الْفَدَّادِينَ، أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ)). ١٨٤ - (٨٦) وحدّثني يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قال: أَخْبَرَنِي الْعَلاَءُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ قَالَ: ((الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْكُفْرُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْوَبَرِ)). قلت: للإيمان ألوان كثيرة، كلها محمود مع تفاوت الدرجات، فلون الرحمة بالأمة - مثلاً - قد غلب على الصديق ظه، ولون الشدة في أمر الله على الفاروق ربه، ولون الحياء الصادق على ذي النورين ته، ولون القضاء بين الناس في معضلات الأمور على عليّ المرتضى نظافته، ولون الأمانة على أبي عبيدة ربه، ولون صدق اللهجة والزهد على أبي ذرّ ظله، وهكذا ينبغي أن يفهم أن النبي ◌َّ قد أثنى على أهل اليمن لكونهم متصفين بلون خاص من الإيمان من حيث المجموع، وهو: لين القلب، ورقة الفؤاد، وسرعة القبول، ولهذا كانوا بكّائين حين سمعوا القرآن، وقابل هؤلاء بالفدّادين من أهل المشرق في قسوتهم وغلظ قلوبهم، وجائز أن يكون أهل الحجاز وأصحاب النواحي الأخر موصوفين بلون آخر من الإيمان يفوق على لون أهل اليمن، فلا يستلزم هذا الحديث كون المهاجرين من أهل مكة وأنصار المدينة مفضولين من أهل اليمن، فإنهم مفروغون عن بيان مناقبهم الشهيرة وفضائلهم الواضحة المسلّمة عند كل أحد من المسلمين، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٨٥ - (٠٠٠) - قوله: (رأس الكفر نحو المشرق) إلخ: فيه إشارة إلى شدة كفر المجوس، لأن مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة الشرق بالنسبة إلى المدينة، وكانوا في غاية القوة والكثرة والتجبّر، حتى إن ملكهم مزّق كتاب رسول الله وَلّ، والدجال أيضاً يأتي من المشرق من قرية تسمى ((رستاباذ)) فيما ذكره الطبري تغّفُ، ومن شدة أكثر أهل الشرق كفراً وطغياناً أنهم كانوا يعبدون النار، وأن نارهم ما انطفأت ألف سنة، وكان الذين يخدمونها - وهم السدنة - خمسة وعشرين ألف رجل)) اهـ كذا في عمدة القاري. وقال عياض: ((قيل: يعني بالمشرق: فارس، لأنها حينئذ دار معظمة)) وردّ بقوله في بقية الحديث: ((أهل الوبر)) وفارس ليسوا بأهل الوبر، وقيل: يعني نجدا، مسكن ربيعة ومضر، وهي مشرق على ما تقدم، لقوله في حديث ابن عمر تظله حين قال ◌َّر: ((اللهم بارك لنا في يمننا وشأمنا، قالوا: وفي نجدنا يا رسول الله، قال: هنالك الزلازل والطاعون، وبها يطلع قرن الشيطان)» وفي الآخر حين قال: ((اللهم اشدد وطأتك على مضر)) قال في الحديث: ((وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له)) ولدعائه على مضر في غير موطن، ولقول حذيفة: ((لا تدع ١١ كتاب: الإيمان ١٨٥ - (٨٧) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِّبَهِ يَقُولُ: ((الْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِي الْفَذَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَم)» . ١٨٦ - (٨٨) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. وَزَادَ ((الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ)). مضر عبداً لله إلا فتنوه أو قتلوه)) وكذا قال لهم حديفة حين دخلوا على عثمان وملؤوا الحجرة: ((والبيت لا تبرح ظلمة مضر لكل عبد الله مؤمن تفتنه أو تقتله)) وقيل: يعني: ما وقع بالعراق في الصدر الأول من الفتن الشديدة كيوم الجمل، وصفين، وحروراء، وفتن بني أمية، وخروج دعاة بني العباس، وارتجاج الأرض فتنة، وكل ذلك كان بمشرق ونجد، والعراق، وجاء في حديث الخوارج: ((يخرج قوم من المشرق))، والكفر على هذا كفر نعمة. وقيل: يعني: الكفر حقيقة، ورأسه الدجال، لأنه يخرج من المشرق. قال النووي: ((كان المشرق في زمنه يسير دار كفر، وكذا يكون في زمن الدجال، وهو فيما بين ذلك منشأ الفتن ومثار الترك الأمة الغاشمة العاتية)). قوله: (والفخر والخيلاء) إلخ: ((الفخر - بالخاء المعجمة - معروف، ومنه الإعجاب بالنفس، والخيلاء - بضم المعجمة، وفتح التحتانية والمد - الكبر واحتقار الغير. قوله: (أهل الوبر) إلخ: ليسوا من أهل المدر، لأن العرب تعبر عن أهل الحضر بأهل المدر، وعن أهل البادية بأهل الوبر، واستشكل بعضهم ذكر الوبر بعد ذكر الخيل، وقال: إن الخيل لا وبر لها، ولا إشكال فيه، لأن المراد ما بينته. قوله: (والسكينة في أهل الغنم) إلخ: إنما خص أهل الغنم بذلك: لأنهم غالباً دون أهل الإبل في التوسع والكثرة، وهما سبب الفخر والخيلاء. وقيل: أراد بأهل الغنم أهل اليمن، لأن غالب مواشيهم الغنم، بخلاف ربيعة ومضر، فإنهم أصحاب إبل. وروى ابن ماجه من حديث أم هانئ أن النبي وَ لّ قال لها: ((اتخذي الغنم، فإن فيها بركة)) والتجربة شاهدة بأن كثرة الاختلاط والمصاحبة بالحيوانات تورث شيئاً من التخلق بأخلاقها، والله أعلم. قال الحافظ ابن القيم تغذّفُ في مدارج السالكين: ((وكل من ألف ضرباً من ضروب هذه الحيوانات: اكتسب من طبعه وخلقه، فإن تغذى بلحمه كان الشبه أقوى)). ٨٨ - (٠٠٠) - قوله: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي) إلخ: منسوب إلى جد القبيلة اسمه دارم. ١٢ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٨٧ - (٨٩) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَّانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَّوَ يَقُولُ: ((جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَضْعَفُ قُلُوباً، الإِيمَانُ يَمَانِ وَالْحِكْمَةُ بَمَانِيَةٌ، السَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَّلاَءُ فِي الْقَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ» . ١٨٨ - (٩٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَلْيَنُ قُلُوباً وَأَرَقُّ أَفْئِدَةٌ، الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ)) . ١٨٩ - (٠٠٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا جَرِيْرٌ عَنِ الأَعْمَشِ ... بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ ((رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِّ)). ١٩٠ - (٩١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ) قَالاَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ بِهِذَا الإِسْنَادِ. مِثْلَ حَدِيثٍ جَرِيرٍ. وَزَادَ ((وَالْفَخْرُ وَالْخُيَّلاَءُ فِي أَصْحَابِ الإِبِلِ وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَصْحَابٍ الشَّاءِ» . ١٩١ - (٩٢) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ (١) يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((غِلَظُ الْقُلُوبِ، وَالْجَفَاءُ، فِي الْمَشْرِقِ، وَالإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ». ٩٢ - (٥٣) - قوله: (والإيمان في أهل الحجاز) إلخ: قال عياض ((حجة لمن قال في الأول، يعني: باليمن مكة والمدينة، لأنهما من الحجاز، وقد يكون يعني: بالحجاز هنا المدينة فقط، ويؤيده حديث: ((إن الإيمان ليأرز إلى المدينة)). قال الأبي: ((تقدم لابن الصلاح أن المراد باليمن القطر المعروف، وأنه لا يلزم من نسبة الإيمان إليه نفيه عن غيره، فلا تعارض)). (١) قوله: ((جابر بن عبد الله)) لم أجد أحداً أخرج هذا الحديث من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله . ١٣ كتاب: الإيمان (٢٢) - باب: بيان أن لا يدخل الجنة إلا المؤمنون وأن محبة المؤمنين من الإيمان وأن إفشاء السلام سبب لحصولها ١٩٢ - ٩٣ / حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُوا، أَوَلاَ أَدُلْكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَيْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَنْنَكُمْ». ١٩٣ - ٩٤ / وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ بِهِذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا)) ... بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٍ . (٢٣) - باب: بيان أن الدين النصيحة ١٩٤ - ٩٥ / حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ الْمَكِّيُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قُلْتُ لِسُهَيْلٍ: إِنَّ عَمْراً حَدَّثَنَا عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِيكَ، قال: وَرَجَوْتُ (٢٢) - باب: بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون وأن محبة المؤمنين من الإيمان وأن إفشاء السلام سبب لحصولها ٩٣ - (٥٤) - قوله: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا) إلخ: هو على ظاهره وإطلاقه، وأما قوله: ((ولا تؤمنوا حتى تحابّوا)) أي: لا يكمل إيمانكم ولا يصلح حالكم في الإيمان إلا بالتحابّ، وقيل: معنى الحديث لا يكمل إيمانكم إلا بالتحابّ، ولا تدخلون الجنة عند دخول أهلها إذا لم تكونوا كذلك. قوله: (أفشوا السلام) إلخ: بقطع الهمزة المفتوحة، قال عياض: ((مفتاح جلب المودة إفشاؤه، لتمكين الألفة، وإفشاؤه دليل التواضع، وخلاف ما أنذر به من أنه يكون في آخر الزمان معرفة)) . (٢٣) - باب: بيان أن الدين النصيحة ٩٥ - (٥٥) - قوله: (عن القعقاع عن أبيك) إلخ: أي: أبي سهيل، وهو أبو صالح. (١) قوله: ((عن أبي هريرز)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الأدب، باب في إفشاء السلام، رقم (٥١٩٣). والترمذي في جامعه، في كتاب الاستئذان، باب ما جاء في إفشاء السلام، رقم (٢٦٨٨) وابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب في الإيمان، رقم (٦٨). وفي كتاب الأدب، باب إفشاء السلام، رقم (٣٦٩٢). ١٤ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَنْ يُسْقِطَ عَنِّي رَجُلاً. قَالَ: فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِي. كَانَ صَدِيقاً لَهُ بِالشَّامِ. ثُمَّ حَدَّثَنَا سُفْيَانِ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ قوله: (أن يسقط عني رجلاً) إلخ: أي: القعقاع، فإن سهيلاً يكون في موضع عمرو، فيكون السند عالياً بحذف واسطة. قوله: (الذي سمعه منه أبي) إلخ: وهو عطاء بن يزيد الليثي. قوله: (ثم حدثنا سفيان عن سهيل) إلخ: أي: حذف سهيل واسطتين، وهما القعقاع وأبو صالح الذي هو أبو سهيل، فصار الإسناد عالياً فوق ما كان يرجوه سفيان. قوله: (عن سهيل) إلخ: هو سهيل بن أبي صالح، وقد أكثر مسلم عنه في الشواهد مقروناً في أكثر رواته بحافظ لا يدفع، فيسلم بذلك من نسبته إلى سوء الحفظ، ولكن لما يكن عند البخاري من شرطه: لم يأت فيه بصيغة الجزم، ولا في معرض الاستدلال، بل أدخله في التبويب، فقال: ((باب قول النبي ◌َّل كذا)) فلم يترك ذكره، لأنه عنده من الواهي، بل ليفهم أنه اطلع عليه أن فيه علة منعته من إسناده، وله من ذلك في كتابه كثير يقف من له تميز، والله أعلم. كذا في عمدة القاري. قوله: (عن تميم الداري) إلخ: وليس لتميم الداري في صحيح مسلم غيره. قاله العيني كذَلهُ . قوله: (الدين النصيحة) إلخ: يحتمل أن يحمل على المبالغة، أي: معظم الدين: النصيحة، كما قيل في حديث: ((الحج عرفة)) ويحتمل أن يحمل على ظاهره، لأن كل عمل لم يرد به عامله الإخلاص فليس من الدين. وقال المازري: ((النصيحة مشتقة من نصحت العسل: إذا صفيته، يقال: نصح الشيء: إذا خلص، ونصح له القول: إذا أخلصه، أو مشتقة من النصح، وهي الخياطة بالمنصحة - وهي الإبرة - والمعنى أنه يلم شعث أخيه بالنصح كما تلم المنصحة، ومنه: التوبة النصوح، كأن الذنب يمزق الدين، والتوبة تخيطه)) . قال الخطابي: ((النصيحة كلمة جامعة، معناها حيازة الخط للمنصوح له، وهي من وجيز الكلام، بل ليس في الكلام كلمة مفردة تستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، وهذا الحديث من الأحاديث التي قيل فيها أنه أحد أرباع الدين، وممن عدّه فيها الإمام محمد ابن أسلم الطوسي . وقال النووي: بل هو وحده محصل لغرض الدين كله، لأنه منحصر في الأمور التي ذكرها، فالنصيحة لله: وصفه بما هو له أهل، والخضوع له ظاهراً وباطناً، والرغبة في محابّه ١٥ كتاب: الإيمان وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)). ١٩٥ - ٩٦ / حدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْفَيِّ، عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ(١)، عَنِ النَّبِّ وَّةِ ... بِمِثْلِهِ. ١٩٦ - (٠٠٠) وحدّثني أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ (يَعْنِي ابْن زُرَيْع) حَدَّثَنَا رَوْحٌ، (وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ)، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعَهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَبَا صَالِحٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مَرِ ... بِمِثْلِهِ. ١٩٧ - ٩٧ / - حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، بفعل طاعته، والرهبة من مساخطه بترك معصيته، والجهاد في ردّ العاصين إليه. وروى الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة صاحب علي قال: قال الحواريّون لعيسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -: يا روح الله، من الناصح الله؟ قال: ((الذي يقدم حق الله على حق الناس)). والنصيحة لكتاب الله: تعلمه، وتعليمه، وإقامة حروفه في التلاوة، وتحريرها في الكتابة، وتفهّم معانيه، وحفظ حدوده، والعمل بما فيه، وذبّ تحريف المبطلين عنه، والنصيحة لرسوله : تعظيمه ونصره حياً وميتاً، وإحياء سنته بتعلمها وتعليمها، والاقتداء به في أقواله وأفعاله، ومحبته ومحبة أتباعه، والنصيحة لأئمة المسلمين: إعانتهم على ما حملوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسد خلتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، وردّ القلوب النافرة إليهم. ومن أعظم نصيحتهم: دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن. ومن جملة أئمة المسلمين: أئمة الاجتهاد، وتقع النصيحة لهم ببثّ علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظن بهم. والنصيحة لعامّة المسلمين: الشفقة عليهم، والسعي فيما يعود نفعه عليهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وكفّ وجوه الأذى عنهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه))، كذا في الفتح. قوله: (ولأئمة المسلمين) إلخ: يجب على كل من دعاهم الإمام إلى قتل البغاة أن يجيب، ولا يسعهم التخلف إذا كان له غنى وقدرة، لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية فرض، فكيف فيما هو طاعة، كذا في البحر الرائق. (١) قوله: ((عن تميم الداري)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب البيعة، باب النصيحة للإمام، رقم (٤٢٠٢) و(٤٢٠٣). وأبو داود في سننه، في كتاب الأدب، باب في النصيحة، رقم (٤٩٤٤). ١٦ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ (١)؛ قَالَ: ((بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّضْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ». ١٩٨ - (٩٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَان، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاَقَةَ. سَمِعَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ نََّ عَلَى النُّصْحِ لِكُلٌ مُسْلِم. ١٩٩ - (٩٩) حدّثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، قَالاَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَيَّارٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ؛ قَالَ: ((بَايَعْتُ النَّبِيَّ نَّهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. فَلَقَّتَنِي فِيمَا اسْتَطَعْتَ وَالنُّضْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)). ٩٧ - (٥٦) - قوله: (عن جرير) وكان قدومه على رسول الله و 98 سنة عشر في رمضان، فبايعه، وأسلم. وقيل: أسلم قبل وفاة النبي وَل﴿ بأربعين يوماً، واعتزل الفتنة، وكان يدعى: ((يوسف هذه الأمة)) لحسنه. قوله: (والنصح لكل مسلم) إلخ: ورواه ابن حبان من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جده: زاد فيه «فكان جرير إذا اشترى شيئاً أو باع: يقول لصاحبه: اعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناكه، فاختر)). وروى الطبراني كَّلُ في ترجمته: ((أن غلامه اشترى له فرساً بثلاثمائة، فلما رآه جاء إلى صاحبه، فقال: إن فرسك خير من ثلثمائة، فلم يزل يزيده حتى أعطاه ثمانمائة)) .. قال القرطبي كثّفُ: ((كانت مبايعة النبي وَّر لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه من تجديد عهد أو توكيد أمر، فلذلك اختلفت ألفاظهم». ٩٩ - (٠٠٠) - قوله: (فيما استطعت) إلخ: بفتح التاء، المقصود بهذا التنبيه على أن اللازم (١) قوله: ((عن جرير)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب قول النبي وَلقر ((الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) رقم (٥٧) و(٥٨). وفي كتاب مواقيت الصلاة، باب البيعة على إقام الصلاة، رقم (٥٢٤). وفي كتاب الزكاة، باب البيعة على إيتاء الزكاة، رقم (١٤٠١). وفي كتاب البيوع. باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر؟ وهب يعينه أو ينصحه؟ رقم (٢١٥٧). وفي كتاب الشروط، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام، والأحكام والمبايعة، رقم (٢٧١٤) و٢٧١٥). وفي كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، رقم (٧٢٠٤). والنسائي في سننه، في كتاب البيعة، باب البيعة فيما أحبّ وكره، رقم (٤١٧٩) وباب البيعة على فراق المشرك، رقم (٤١٨٠) و(٤١٨١) و(٤١٨٢). وأبو داود في سننه، في كتاب الأدب، باب في النصحية، رقم (٤٩٤٥) والترمذي في جامعه، في كتاب البرّ والصلة، باب ما جاء في النصيحة، رقم (١٩٢٥). ١٧ كتاب: الإيمان قَالَ يَعْقُوبُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ. (٢٤) - باب: بيان نقصان الإيمان بالمعاصي، ونفيه عن المتلبس بالمعصية، على إرادة نفي كماله ٢٠٠ - (١٠٠) حدَّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولاَنِ: قَالَ أَبُوَ هُرَيْرَةً(١): إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَوَ قَالَ: ((لاَ يَزْنِي الزَّانِي من الأمور المبايع عليها: هو ما يطاق، كما هو المشترط في أصل التكليف، ويشعر الأمر بقول ذلك اللفظ حال المبايعة بالعفو عن الهفوة، وما يقع عن خطأ وسهو، وهذا من كمال شفقته وتسهيله وَّر، والله أعلم. قوله: (قال يعقوب في روايته: حدثنا سيار) إلخ: والمدلس إذا قال: ((عن)) لا يحتج به إلا أن يثبت سماعه من جهة أخرى، فبين برواية يعقوب اتصال رواية هشيم بسيّار. (٢٤) - باب: نقصان الإيمان بالمعاصي، ونفيه عن المتلبس بالمعاصي على إرادة نفي كماله ١٠٠ - (٥٧) - قوله: (لا يزني الزاني) إلخ: قد علمت فيما قدمنا أن الفسق بارتكاب الكبائر الإسلامية لا يزيل الإيمان، خلافاً للمعتزلة في زعمهم، أنه يزيله، يعني أنه واسطة بين الإيمان والكفر، بناء على قولهم: إن الأعمال جزء من الإيمان. قاله الجلال المحلي. وقد استند المعتزلة إلى ظاهر قوله وقد لر: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)) الحديث، وقالوا: ظاهر الحديث نفي الإيمان. قال الشيخ نجم الدين الكبري: ((والحق الذي نعتقده أن المراد بقوله: ((وهو مؤمن)) أي: (١) قوله: ((قال أبو هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المظالم، باب النهى بغير إذن صاحبه، رقم (٢٤٧٥). وفي كتاب الأشربة، باب قول الله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ رقم (٥٥٧٨). وفي كتاب الحدود، باب ما يحذّر من الحدود، رقم (٦٧٧٢). وباب إثم الزناة، رقم (٦٨١٠). والنسائي في سننه، في كتاب الأشربة، باب ذكر الروايات المغلظات في شرب الخمر، رقم (٥٦٦٢) و(٥٦٦٣). وأبو داود في سننه، في كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، رقم (٤٦٨٩). والترمذي في جامعه، في كتاب الإيمان، باب ما جاء لا يزنى الزاني وهو مؤمن، رقم (٢٦٢٥). وابن ماجه في سننه، في كتاب الفتن، باب النهي عن النهبة، رقم (٣٩٣٦). ١٨ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ)) . مؤمن بأن الله تعالى يراه، أي: حاضر القلب مع الله تعالى إذ لو كان حاضر القلب مع الله تعالى لم يستطع أن يعصي حياء الله عزّ وجل، فلا بد للعاصي من سدل الحجاب عليه، حتى يقع في المعصية، وأقلّ الحجاب أن يقع في تأول أو تزيين من النفس، كأن تقول له نفسه: ربك غفور رحيم، ولا يكون غفوراً رحيماً إلا للمذنبين، وقال النبي وسر: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وبعيد أن الله تعالى يؤاخذ مثلك ما دمت تستغفر الله. وتقول له نفسه أيضاً: افعل ما قدر عليك، فإنك لا تستطيع أن تردّ ما قدّره الله عليك، وتفتح له نفسه باب الرجاء الواسع حتى تهون عليه الذنب، وقد أجمع أهل الكشف على أنه لا يصح لعارف أن يعصي الله تعالى على الكشف والشهود أبداً، فإن علمه بأن الله تعالى يراه يمنعه من الوقوع، ثم لو فرض أن العاصي يشهد أن الله تعالى يراه حال المعصية فلا بد أن يشهده غير راض عنه في تلك المعصية. وفي حديث الطبراني وغيره مرفوعاً: ((إذا أراد الله تعالى إنفاذ قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم)) والمراد بهذا القول: أي: تسلب العقول التي تشهد نظر الحق تعالى إليها حال معصيتها، لا عقول التكليف، إذ لو كان المراد ذلك: ما أخذ الله تعالى أحداً لعدم التكليف، وقد ثبت المؤاخذة بالنصوص القاطعة، فافهم فإن هذا موضع غلط فيه جماعة من المتصوفة. فعلم أنه لا يلزم من كون العبد يحجب عنه الإيمان بأن الله تعالى يراه حال المعصية: أن ينتفي عنه الإيمان بوجود الله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر: خيره وشره، كما توهمه بعضهم، بل هو مؤمن بذلك كله، لم يحجب عنه ما عدا كون الله تعالى يراه، فإنه لا بد من حجابه فيه ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وإلا لكان ذلك في غاية قلة الحياء مع الله تعالى . وقال الشيخ الأكبر رحمه الله في الباب الثامن والستين من الفتوحات المكية: ((اعلم أن الحكمة في أن الإيمان يخرج عن صاحبه حال الزنا والسرقة وشرب الخمر - مثلاً - أنه يخرج عن صاحبه حتى يحميه من وقوع العذاب الذي عرض نفسه له بالزنا مثلاً، فإن الإيمان لا يقاومه شيء، وقد أشار إلى ذلك قوله وهي: ((إذا زنى العبد خرج عنه الإيمان حتى يصير عليه كالظلّة، فإذا أقلع رجع إليه الإيمان))، قال: وما بعد بيان رسول الله وَ ◌ّلير بيان، فعلم أن خروج الإيمان ليس هو لدخول صاحبه في الكفر، وإنما خرج ليمنع عنه وقوع العذاب عناية بصاحبه)). وأطال الشيخ تَّثُ في ذلك. كذا في اليواقيت للشعراني تَغْلَفُهُ. والله أعلم. قوله: (وهو مؤمن) إلخ: وهذا الحديث بظاهره كما تراه يدل على نفي الإيمان من الزاني وشارب الخمر وغيرهما . قال الحافظ تقَّثُ في الفتح: ((ومن أقوى ما يحمل على صرفه عن ظاهره إيجاب الحد في ١٩ كتاب: الإيمان قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الزنا على أنحاء مختلفة في حق الحر المحصن، والحر البكر، وفي حق العبد، فلو كان المراد بنفي الإيمان ثبوت الكفر: لاستووا في العقوبة، لأن المكلفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء، فلما كان الواجب فيه من العقوبة مختلفاً دلّ على أن مرتكب ذلك ليس بكافر حقيقة)) . وقال النووي كلّهُ: ((اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، والصحيح الذي قاله المحققون: إن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، هذه من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء، والمراد نفي كماله، كما يقال لاعلم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة، وإنما تأولناه لحديث أبي ذر: ((من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنة، وإن زنى، وإن سرق)) وحديث عبادة الصحيح المشهور: ((أنهم بايعوا رسول الله وَّ ر على أن لا يسرقوا ولا يزنوا)) الحديث، وفي آخره: ((ومن فعل شيئاً من ذلك فعوقب به في الدنيا: فهو كفارة، ومن لم يعاقب فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه)) فهذا مع قول الله عزّ وجل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٍ﴾ [النساء، آية: ٤٨ و١١٦]، ومع إجماع أهل السنة على أن مرتكب الكبائر لا يكفر إلا بالشرك يضطرنا إلى تأويل الحديث ونظائره، وهو تأويل ظاهر سائغ في اللغة، مستعمل فيها كثيراً. قال: وتأوله بعض العلماء على من فعل مستحلاً مع علمه بتحريمه . وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري رحمهما الله: معناه ينزع عنه اسم المدح الذي سمى الله به أولياءه، فلا يقال في حقه: مؤمن، ويستحق اسم الذم فيقال: سارق، وزان، وفاجر، وفاسق. وعن ابن عباس ظُه: ينزع منه نور الإيمان. وفيه حديث مرفوع. وعن المهلب تنزع منه بصيرته في طاعة الله. وعن الزهري: أنه من المشكل الذي نؤمن به، ونمرّ كلما جاء، ولا نتعرض لتأويله . قال: وهذه الأقوال محتملة، والصحيح ما قدمته . قال: وقيل فى معناه غير ما ذكرته مما ليس بظاهر، بل بعضها غلط، فتركتها)) انتهى ملخصاً . وقد ورد في تأويله بالمستحل حديث مرفوع عن علي عند الطبراني في الصغير، لكن في سنده راو كذّبوه. فمن الأقوال التي لم يذكرها: ما أخرجه الطبري من طريق محمد بن زيد بن واقد بن عبد الله بن عمر: ((أنه خبر بمعنى النهي، والمعنى: لا يزنين مؤمن، ولا يسرقنّ مؤمن)). ٢٠ الجزء الثاني من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وقال الخطابي: ((كان بعضهم يرويه: ((ولا يشرب)) بكسر الباء على معنى النهي، والمعنى: المؤمن لا ينبغي له أن يفعل ذلك)). وردّ بعضهم هذا القول بأنه لا يبقى للتقييد بالظرف فائدة، فإن الزنا منهي عنه في جميع الملل، وليس مختصاً بالمؤمنين. قلت: وفي هذا الردّ نظر واضح لمن تأمله. وقال ابن حزم في تأويل هذا الحديث: ((إن المعتمد عليه عند أهل السنة أن الإيمان: اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح، وهو يشمل عمل الطاعة، والكف عن المعصية، فالمرتكب لبعض ما ذكرتم لا يختلّ اعتقاده ولا نطقه، بل اختلّت طاعته فقط، فليس بمؤمن بمعنى: أنه ليس بمطيع، فمعنى نفي الإيمان محمول على الإنذار بزواله ممن اعتاد ذلك، لأنه يخشى عليه أن يفضي به إلى الكفر، وهو كقوله: ((ومن يرتع حول الحمى)) الحديث، أشار إليه الخطابي . وفي الفتح: ((قوله ◌َطاهر: ((ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) يحتمل أن يكون المراد أن فاعل ذلك يؤول أمره إلى ذهاب الإيمان، كما وقع في حديث عثمان الذي أوله : ((اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث)). وفيه أنها لا تجتمع هي والإيمان إلا وأوشك أحدهما أن يخرج صاحبه)) أخرجه البيهقي، وصححه ابن حبان مرفوعاً)). قال الحافظ بعد استيعاب وجوه التأويل: ((وحاصل ما اجتمع لنا من الأقوال في معنى هذا الحديث ثلاثة عشر قولاً خارجاً عن قول الخوارج ومن وافقهم من الرافضة: إن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار إذا مات من غير توبة، وكذا قول المعتزلة إنه فاسق مخلد في النار، فإن الطوائف المذكورين تعلقوا بهذا الحديث وشبهه، وإذا احتمل ما قلناه اندفعت حجتهم)). قال القاضي عياض تغلفه: ((أشار بعض العلماء إلى أن في هذا الحديث تنبيهاً على جميع أنواع المعاصي، والتحذير منها، فنبه بالزنا: على جميع الشهوات، وبالسرقة: على الرغبة في الدنيا، والحرص على الحرام، وبالخمر: على جميع ما يصدّ عن الله تعالى، ويوجب الغفلة عن حقوقه، وبالانتهاب الموصوف على الاستخفاف بعباد الله، وترك توقيرهم، والحياء منهم، وعلى جمع الدنيا من غير وجهها: وقال القرطبي كلّهُ بعد أن ذكره ملخصاً: ((وهذه لا يتمشى إلا مع المسامحة، والأولى أن يقال: إن الحديث يتضمن التحري من ثلاثة أمور هي أعظم أصول المفاسد، وأضدادها من أصول المصالح، وهي استباحة الفروج المحرمة، وما يؤدي إلى اختلال العقل، وخص الخمر بالذكر لكونها أغلب الوجوه في ذلك، والسرقة بالذكر لكونها أغلب الوجوه التي يؤخذ بها مال الغير بغير حق)) .