النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
كتاب: الإيمان
(١٥) - باب: بيان خصال من اتصف بهنّ وجد حلاوة الإيمان
١٦٣ - (٦٧) حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، جَمِيعاً عَنِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ،
عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ (١)، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ. قَالَ: ((ثَلاَثُ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَوَةَ
الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرّسُولُهُ
(١٥) - باب: بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان
٦٧ - (٤٣) - قوله: (عن أيوب) إلخ: هو أيوب بن أبي تميمة، واسمه كيسان السختياني،
بفتح السين المهملة نسبة إلى بيع السختيان، وهو الجلد. قال الجوهري: سمي بذلك لأنه كان
يبيع الجلود. رأى أنس بن مالك، وسمع عمر بن سلمة الجرمي، وأبا عثمان النحوي، ومحمد بن
سيرين، والحسن، وأبا قلابة، ومجاهداً، وخلقاً كثيراً. روى عنه محمد بن سيرين، وعمرو بن
دينار، وقتادة، والأعمش، ومالك، والسفيانان، والحمادان، وروى عنه الإمام أبو
حنيفة رضيُّه أيضاً. قال ابن المديني: له نحو ثمانمائة حديث. كذا في عمدة القاري.
قوله: (حلاوة الإيمان) إلخ: قال العلماء : ((معنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات.
وتحمل المشقات في رضا الله عز وجل ورسوله (وَ ل# وإيثار ذلك على عرض الدنيا)). كذا في
الشرح.
وقال العارف ابن أبي جمرة: ((واختلف في الحلاوة المذكورة، هل هي محسوسة أو
معنوية؟ فحملها قوم على المعنى، يعني: أن من وجدت فيه: جَزَم بالإيمان وانقادَ إلى أحكامه،
وهم الفقهاء ومن شابههم، وحملها قوم على المحسوس، وأبقوا اللفظ على ظاهره من غير أن
يتأوَّلوه، وهم السادة الصوفية، قال: والصواب معهم في ذلك - والله أعلم - لأن ما ذهبوا إليه
أبقوا به لفظ الحديث على ظاهره من غير تأويل، وهذا أمر لا يدركه إلا من وصل إلى ذلك
المقام، فلا يليق ادعاء أنه غير مراد:
وإذا لم تر الهلال فسلــ
لأناس رأوه بالأبصار
(١) قوله: ((عن أنس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، رقم
(١٦). وباب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان، رقم (٢١) وفي كتاب
الأدب، باب الحب في الله، رقم (٦٠٤١)، وفي كتاب الإكراه، باب من اختار الضرب والقتل والهوان
على الكفر، رقم (٦٩٤١). والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه، باب طعم الإيمان، رقم (٤٩٩٠). وباب
حلاوة الإيمان، رقم (٤٩٩١) وباب حلاوة الإسلام، رقم (٤٩٩٢). والترمذي في جامعه، في كتاب
الإيمان، باب (١٠، بدون ترجمة) بعد باب ما جاء في ترك الصلاة، رقم (٢٦٢٤). وابن ماجه في سننه،
في كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، رقم (٤٠٣٣).

٥٨٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ
قال: ويشهد إلى ما ذهبوا إليه أحوال الصحابة والسلف الصالح، وأهل المعاملات
الربانية، فإنهم حَكَوْا عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة.
فمن ذلك حديث بلال حين صنع به ما صنع في الرمضاء إكراهاً على الكفر، وهو يقول:
((أحدٌ، أحدٌ)) فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وكذلك أيضاً عند موته أهله يقولون:
((واحرباه)) وهو يقول: ((واطرباه، غداً ألقى الأحبة، محمداً وحزبه)) فمزج مرارة الموت بحلاوة
اللقاء، وهي حلاوة الإيمان.
ومنها حديث الصحابي الذي سرق فرسه بليل، وهو في الصلاة، فرأى السارق حين
أخذه، فلم يقطع لذلك صلاته، فقيل له في ذلك، فقال: ما كنت فيه ألَّذَّ من ذلك، وما ذاك إلا
للحلاوة التي وجدها محسوسة في وقته ذلك، إذ لو كان معقولة معنوية ما قدمها على ضياع
فرسه .
ومنها حديث الصحابيين اللذين جعلهما النبيّ وَّ في بعض مغازيه من قبل العدو، وقد
أقبل العدو، فرآهما. فكبل الجاسوس القوس - أي: أوتره - ورمى الصحابي، فأصابه، فبقي
على صلاته ولم يقطعها، ثم رماه ثانيةً، فأصابه فلم يقطع لذلك صلاته، ثم رماه ثالثةً، فأصابه:
فعند ذلك أيقظ صاحبه، وقال: لولا أني خفت على المسلمين ما قطعت صلاتي، أي: ما
اختصرتها، وما ذاك إلا لشدة ما وجده فيها من الحلاوة، حتى أذهبت عنه ما يجد من ألم
السلاح. قال: ومثل ذلك حكي عن كثير من أهل المعاملات)) انتهى.
وقال العارف الكبير أبو العباس تاج الدين بن عطاء الله الإسكندراني: ((في هذا الحديث
إشارة إلى أن القلوب السليمة من أمراض الغفلة والهوى تَتَنَغَّمُ بِمُلَذْذَاتِ المعاني، كما تَتَنَّعَّمُ
بِمُلَذِّذَاتِ الأطعمة.
قال إبراهيم بن أدهم: ((والله إنا لفي لذة لو علمها الملوك لجادلونا عليها بالسيوف)). وقال
الجنيد: ((أهل الليل في ليلهم ألَذُّ مِن أهل اللهو في لهوهم)).
ثم قال ابن عطاء: ((وإنما ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، لأنه من رضي بالله ربًّا
استسلم له وانقاد لحكمه، وألقى قياده إليه، فوجد لذاذة العيش وراحة التفويض، ولما رضي بالله
ربًّا كان له رضى من الله، وإذا كان له الرضا من الله أوجده الله حلاوة ذلك، ليعلم ما منَّ به
عليه، وليعلم إحسان الله إليه، ولما سبقت لهذا العبد العناية خرجت له العطايا من خزائن المنن،
فلما واصلته إمداد الله عوفي قلبه من الأمراض والأسقام، فكان سليم الإدراك، فأدرك لذاذات
الإيمان وحلاوته لصحة إدراكه وسلامة ذوقه)) اهـ. ملتقط من المواهب وشرحه .
قوله: (أحَبَّ إليه مما سواهما) إلخ: منصوب، لأنه خبر ((يكون)).

٥٨٣
كتاب: الإيمان
قال البيضاوي: ((المراد بالحُبّ ههنا الحبُّ العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم
رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه ويميل إليه
بمقتضى عقله، فيهوى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلّ بما فيه صلاح
عاجل، أو خلاص آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك تمرّن على الائتمار بأمره حيث
يصير هواه تبعاً له، ويَلْتَدُّ بذلك التذاذاً عقلياً، إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من
حيث هو كذلك، وعبر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة، لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة. قال:
وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنواناً لكمال الإيمان، لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات
هو الله تعالى، وأن لا مانح ولا مانع في الحقيقة إلا هو، وأن ما عداه وسائط. وأن الرسول هو
الذي يُبَيِّنُ لَه مراد ربِّه: اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه، فلا يحبّ إلا ما يُحِبُّ، ولا يُحِبُّ
من يُحِبُّ إلا من أجله، وأن يَتَيَقَّنّ أن جملة ما وعد وأوْعَدَ حق يقيناً، ويخيل إليه الموعود
كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار)) انتهى
ملخصاً .
وشاهد الحديث من القرآن قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمُ وَأَبْنَؤُكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿أَحَبَّ
إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ثم هَذَّدَ على ذلك، وتَوَعّدّ بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُواْ﴾ [سورة التوبة، آية: ٢٤].
وقال غيره: محبة الله على قسمين: فرض، وندب :
فالفرض: المحبة التي تبعث على امتثال أوامره، والانتهاء عن معاصيه، والرضا بما يقدر.
فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره في محبة الله، حيث قدم هوی نفسه،
والتقصير تارة يكون مع الاسترسال في المباحات، والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية
للتوسع في الرجاء، فيقدم على المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يسرع إلى الإقلاع
مع الندم، وإلى الثاني يشير حديث: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)).
والندب: أن يواظب على النوافل، ويتجنب الوقوع في الشبهات، والمتصف عموماً بذلك
نادر .
وقال: كذلك محبة الرسول على قسمين، كما تقدم، ويزاد أن لا يتلقى شيئاً من
المأمورات والمنهيات إلا من مشكاته، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه حتى لا يجد
في نفسه حرجاً مما قضاه، ويَتَخَلَّقُ بأخلاقه في الجود والإيثار، والحلم والتواضع، وغيرها،
فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك. كذا في
الفتح.
قال الشارح تَغَّثُ تعالى: ((وبالجملة أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، ثم الميل قد
يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه، كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها، وقد يستلذه

٥٨٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بعقله للمعاني الباطنة، كمحبة الصالحين، والعلماء، وأهل الفضل مطلقاً، وقد يكون لإحسانه
إليه، ودفعه المضار والمكاره عنه وهذه المعاني كلها موجودة في النبيّ ◌َّ، لما جمع من جمال
الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال، وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته
إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النعيم والإبعاد عن الجحيم، وقد أشار بعضهم إلى أن هذا
متصور في حق الله تعالى، فإن الخير كله منه سبحانه وتعالى)) اهـ.
قال الطيبي: ((فسر المتكلمون محبة العبد لله: بأنها محبة طاعته أو ثوابه وإحسانه، وأما
العارفون فقالوا: العبد يحب الله لذاته، وأما حبُّ طاعته وثوابه فدرجة نازلة، والقول الأول
ضعيف، وذلك لا يمكن أن يقال في كل شيء: إنه إنما كان محبوباً لأجل معنى آخر، فلا بد من
الانتهاء إلى شيء يكون محبوباً لذاته، فكما يعلم أن اللذة محبوبة لذاتها كذلك يعلم أن الكمال
محبوب لذاته، وأكمل الكمالات لله تعالى، فيقتضي كونه محبوباً لذاته من ذاته .
قال صاحب الفرائد: وهذا أبلغ أنواع الحب، فعلى هذا حبُّ العبد لله حقيقة، بل المحبة
الحقيقية مستحقة لله، إذ كل ما يحب من المخلوقات فإنما يحب لخصوص أثر من آثار وجوده
في الأحياء، الحب ميل الطبع إلى الشيء المستلذ، فإن قوي سمي عشقاً، ولا يظن قصره على
مدركات الحواس الخمس، حتى يقال: إن الله تعالى لا يدرك بها، ولا يتمثل في الخيال، فلا
يحب، لأنه 9َّ سمى الصلاة قرة عين، وجعلها أبلغ المحبوبات، ومعلوم أنه ليس للحواس
الخمس فيها حظ، والبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر، والقلب أشد إدراكاً من العين،
وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار، فيكون لا محالة لذة
القلب بما يدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ، فيكون
ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى، ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما في إدراكه لذة،
فلا ينكر إذاً حب الله إلا من قعد به القصور في درجة البهائم، (وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلّه﴾ [سورة البقرة، آية: ١٦٥] انتهى ما قاله الزرقاني في شرح المواهب اللدنية.
قوله: (مما سواهما) إلخ: قال الحافظ في الفتح: «فيه دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية،
وأما قوله للذي خطب، فقال: ((ومن يعصهما فقد غوى)): ((بئس الخطيب أنت)): فليس من هذا،
لأن المراد في الخطب الإيضاح، وأما ههنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ، ويدل عليه أن
النبيّ وَّ حيث قاله في موضع آخر، قال: ((ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه)) واعترض بأن هذا
الحديث إنما ورد أيضاً في خطبة النكاح، وأجيب بأن المقصود في خطبة النكاح أيضاً الإيجاز،
فلا نقض، وثم أجوبة أخرى :
منها: دعوى الترجيح، فيكون خبر المنع أولى، لأنه عام، والآخر يحتمل الخصوصية،
ولأنه قول والآخر فعل.

٥٨٥
كتاب: الإيمان
ومنها: دعوى أنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبيّ وَ ﴿ ولا يمتنع منه، لأن غيره إذا
جمع بين الله ورسوله في لفظة واحدة أوْهَمَ إطلاقه التسوية، بخلافه هو ◌َّ*، فإن منصبه لا
يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هذا مال ابن عبد السلام.
ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب وقصة الخطيب: أن تثنية الضمير ههنا
للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها
لاغية إذا لم ترتبط بأخرى، فمن يدعي حب الله مثلاً، ولا يحب رسوله: لا ينفعه ذلك، ويشير
إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اَللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران، آية: ٣١] فأوقع متابعته
مكتنفة بين قطري محبة العباد لله تعالى ومحبة الله تعالى للعباد، وأما أمر الخطيب بالإفراد، فإن
كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال
كلٍ من المعطوفين في الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿ أَطِيعُوا اللهَ وَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ
مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء، آية: ٥٩] فأعاد ((أطيعوا)) في الرسول، ولم يعده في أولي الأمر. لأنهم لا
استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول ظلّ *. انتهى ملخصاً من كلام البيضاوي والطببي)) اهـ.
قال بعضهم: لعل الأوجه أن يقال: العدول عن الاسمين الكريمين غير لائق، وإن كان
المقام يقتضي الضمير اختصاراً، ولهذا ورد في كثير من القرآن: ((ومن يطع الله ورسوله))، ((ومن
يعص الله ورسوله)) ولله درُّ القائل:
هو المسك ما كررّته يتضرع
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره
كذا في شرح إحياء العلوم.
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي في مشكل الآثار: ((روي عن عدي بن حاتم أنه جاء
رجلان إلى رسول الله ◌َ، فتشهد أحدهما، فقال: ((من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن
يعصهما، فقال رسول الله ( *: بئس الخطيب أنت، قم)). الإنكار راجع إلى معنى التقديم
والتأخير، فيكون التقدير ((من يطع الله ورسوله ومن يعصهما: فقد رشد)) وذلك كفر، وكان ينبغي
الوقف على ((فقد رشد، ثم يبتدىء ((ومن يعصهم فقد غوى)) مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْزَهِمُ
الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾ ﴿وَلَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُمْ فَعِذَّتُهُنَّ ثَلَثَّةُ أَشْهُرٍ وَاَلَِّى
لَمْ يَحِضْنَ﴾ [سورة الطلاق، آية: ٤]، وإذا كان هذا مكروهاً في كلام الناس ففي كتاب الله أشد
کراهة)) اهـ.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وهذا التوجيه يكاد أن يكون أحسن التوجيهات، إلا أنه
يأباه ظاهر سياق ما رواه ابن أبي الدنيا عن علي بن الجعد قال: أنبأنا ابن عيينة عن المغيرة عن
إبراهيم أن النبيّ ◌َّ﴾ قال للخطيب: ((قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى)) وإن احتمل كون

٥٨٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ
محظّ الإنكار فيه أيضاً عدم الوقف على قوله: ((فقد رشد)) لا الجمع بين الله ورسوله وض خلال في
صيغة واحدة، إلا أنه غير ظاهر.
وما يخطر بالبال - والله أعلم - أن قصة الخطيب محمولة على النهي للإرشاد إلى رعاية
الأدب والاحترام في الألفاظ، وإعطاء كلّ ذي حقِّ حقَّه في الخطاب، لا للتحريم الشرعي، أو
الكراهة التحريمية الفقهية، وحديث الباب وأمثاله لبيان أصل الإباحة والجواز، وهذا كما قال في
القاموس في معنى حديث: ((لا تسموا العنب الكرم، فإنما الكرم الرجل المسلم)»: ليس الغرض
حقيقة النهي عن تسميته كرماً، ولكنه رمز إلى أن هذا النوع من غير الأناسي المسمى بالاسم
المشتق من الكرم، أنتم أحقاء بأن لا تأهلوه لهذه التسمية غيرة للمسلم التقي أن يشارك في ما
سماه الله به، وخصه بأن جعله صفته فضلاً بأن تسموا بالكريم من ليس بمسلم، فكأنه قال: إن
تأتى لكم أن لا تسموه - مثلاً - باسم الكرم، ولكن بالجفنة أو الحبلة فافعلوا. قوله: ((فإنما
الكرم» أي فإنما المستحق للاسم المشتق من الكرم: ((المسلم)) اهـ.
وقد عدّ الإمام أبو حامد الغزالي به أمثال قصة الخطيب من باب التنبيه على دقائق الخطأ
في فحوى الكلام في أثناء المحاورات، لا سيما في ما يتعلق بالله وصفاته، ويرتبط بأمور الدين،
فلا يقدر على تقويم اللفظ في أمور الدين إلا العلماء الفصحاء العارفون بمواقع الكلام، فمن
قصر في علم أو فصاحة لم يخل كلامه عن الزلل، لكن الله يعفو عنه لجهله.
مثاله ما قال حذيفة بن اليمان وعه: ((قال النبيّ ◌َل : ((لا يقل أحدكم: ما شاء الله وشئت،
ولكن يقل: ما شاء الله ثم شئت)) وذلك لأن في العطف المطلق بالواو تشريكاً وتسوية، وهو على
خلاف الاحترام، ونظائره كثيرة لا تخفى على المتتبع.
قوله: (لا يحبه إلا الله) إلخ: هذا حث على التحاب في الله لأجل أن الله تعالى جعل
المؤمنين إخوة، قال الله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَانًا﴾ [سورة آل عمران، آية: ١٠٣] ومن محبته
ومحبة رسوله محبة أهل ملته، فلا تحصل حلاوة الإيمان إلا أن تكون خالصة لله تعالى غير
مشوبة بالأغراض الدنيوية ولا الحظوظ البشرية، فإن من أحب لذلك انقطعت تلك المحبة عند
انقطاع سببها .
قال يحيى بن معاذ: ((وحقيقة الحب في الله أن لا يزيد بالبر، ولا ينقص بالجفاء)).
قال القاضي عياض كثّله: ((والحب في الله من ثمرات حب الله، قال بعضهم: المحبة
مواطأة القلب على ما يرضي الرب سبحانه، فيحبُّ ما أحبَّ ويَكْرَهُ ما كَرِهَ. قال مالك وغيره:
المحبة في الله من واجبات الإسلام)) اهـ. كذا قالوا.
وللحب لله وفي الله مراتب، فصلها الغزالي كثّفُ في الإحياء، أدقها وأغمضها أن يحب

٥٨٧
كتاب: الإيمان
المرء لله وفي الله، لا لينال منه علماً أو عملاً، أو يتوسل به إلى أمر وراء ذاته، فإن من آثار غلبة
الحب عليه أن يتعدى من المحبوب إلى كل من يتعلق بالمحبوب ويناسبه، ولو من بعد، فمن
أحب إنساناً حباً شديداً أحب محب ذلك الإنسان، وأحب محبوبه، وأحب من يخدمه، وأحب
من يثني عليه محبوبه، وأحب من يتسارع إلى رضاء محبوبه، حتى قال بقية بن الوليد: إن المؤمن
إذا أحب المؤمن أحب كلبه، وهو كما قال، ويشهد له التجربة في أحوال العشاق، ويدل عليه
أشعار الشعراء. ولذلك يحفظ ثوب المحبوب ويخفيه تذكرة من جهته، ويحب منزله، ومحلته،
وجيرانه، حتى قال مجنون بني عامر:
أقَبِّلُ ذا الجدار وذا الجدارا
أمُرُّ على الديار ديار ليلى
ولكن حُبُّ من سكن الديارا
وما حُبُّ الديار شغفن قلبي
وكذلك حب الله سبحانه وتعالى إذا قوي وغلب على القلب واستولى عليه، حتى انتهى إلى
حدّ الاستهتار، فيتعدى إلى كل موجود سواه، فإن كل موجود سواه أثر من آثار قدرته، ومن أحب
إنساناً أحب صنعته وخطه، وجميع أفعاله، ولذلك كان النبيّ وَّ إذا حمل إليه باكورة الثمر مسح
بها عينيه وأكرمها، وقال: ((إنه قريب عهد بربّنا)) (أخرجه الطبراني في الصغير دون لفظ ((وأكرمها)))
وحسر ثوبه من المطر، لأنه حديث عهد بربه، أي قريب عهده بالقطرة، وأنه المبارك أنزل من
المزن ساعتئذ، فلم تمسه الأيدي الخاطئة، ولم تكدره ملاقاة أرض عبد عليها غير الله تعالى،
وحب الله تارةً يكون لصدق الرجاء في مواعيده، وما يتوقع في الآخرة من نعيمه، وتارةً لما سلف
من أياديه وصنوف نعمته، وتارة لذاته لا لأمر آخر، وهو أدق ضروب المحبة، وأعلاها، وكيف
ما اتفق حب الله تعالى: فإذا قوي تعدى إلى كل متعلق به ضرباً من التعلق، حتى يتعدى إلى ما هو
نفسه مؤلم مكروه، ولكن فرط الحب يضعف الإحساس بالألم والفرح بفعل المحبوب، وقصده
إياه بالإيلام يُغَمِّرُ إدراك الألم كالفرح بضربة من المحبوب، أو قرصة فيها نوع معاتبة، فإن قوة
المحبة تثير فرحاً يُغَمِّرُ إدراك الألم فيه، وقد انتهت محبة الله تعالى بقوم إلى أن قالوا: لا فرق بين
البلاء والنعمة، فإن الكل من لدنه، ولا نفرح إلا بما فيه رضاه، وقال شقيق:
فكيف ما شئت فاخـتـبـرنـي
وليس لي في سواك حظ
والمقصود أن حب الله تعالى إذا قوي أثمر حب كل من يقوم بحق عبادة الله في علم أو
عمل، وأثمر حب كل من فيه صفة مرضية عند الله من خلق حسن، وتأدب بأدب الشرع، وما من
مؤمن محب للآخرة محب لله إلا إذا أخبر عن حال رجلين: أحدهما: عالم عابد، والآخر:
جاهل فاسق، وجد في نفسه ميلاً إلى العالم العابد، ثم يضعف ذلك الميل ويقوى بحسب ضعف
إيمانه وقوته، وبحسب حبه في الله وقوته، وهذا الميل حاصل وإن كانا غائبين عنه، بحيث يعلم
أنه لا يصيبه منهما خيرٌ ولا شرُّ في الدنيا ولا في الآخرة، فذلك الميل هو الحب في الله تعالى،

٥٨٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)).
١٦٤ - (٦٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((ثَلاَثُ مَّنْ
كُنَّ فِيهِ وَجَدَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرَّءَ لا يُحِبُّهُ إِلا للَّهِ. وَمَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ
أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ» .
ولله تعالى، من غير حظ. فإنه إنما يحبه لأن الله سبحانه محبه. ولأنه مرضي عند الله تعالى،
ولأنه يحب الله تعالى، ولأنه مشغول بعبادة الله عزّ وجلّ، إلى آخر ما قال الغزالي تقذفُ تعالى في
الإحياء.
قوله: (أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه) إلخ: والإنقاذ أعمّ من أن يكون بالعصمة
منه ابتداءً، بأن يولد على الإسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، كما
وقع لكثير من الصحابة. وعلى الأول فيحمل قوله: (يعود)) على معنى الصيرورة، بخلاف الثاني،
فإن العود فيه على ظاهره. كذا في الفتح.
فإن قلت: لم عدى العود بـ ((في)) ولم يعده بـ ((إلى)) كما هو المشهور؟
أجاب الحافظ ابن حجر كالكرماني، بأنه ضمن معنى الاستقرار، كأنه قال: ((أن يعود
مستقراً فيه)). وتعقبه العيني، فقال: فيه تعسف، وإنما ((في)) ههنا بمعنى ((إلى)) كقوله تعالى: ﴿أَوْ
لَتَعُودُنَّ فِى مِلَتِنَا﴾ [سورة الأعراف، آية: ٨٨] أي: لتصيرن إلى ملتنا، كذا قال القسطلاني في شرح
البخاري.
قوله: (كما يكره أن يقذف في النار) إلخ: قال العيني تغلّفُ تعالى: ((واستدل به على فضل
من أكره على الكفر فترك التقية إلى أن قتل، وأخرجه البخاري في الأدب في فضل الحب في الله،
ولفظ هذه الرواية: ((وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله
منه)) وكذا رواه مسلم، وهي أبلغ من لفظ حديث الباب، لأنه سوّى فيه بين الأمرين، وهنا جعل
الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه الله بالخروج منه من نار الأخرى، وفي رواية
للبخاري ومسلم: ((من كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع يهودياً أو نصرانياً)) اهـ.
٦٨ - ( ... ) - قوله - في الإسناد الثاني -: (حدثنا ابن مثنى وابن بشار، قالا: حدثنا
محمد بن جعفر) إلخ: هذا إسناد كله بصريون، وقد قدمنا أن شعبة واسطي بصري، - والله أعلم -
كذا في الشرح.
قوله: (سمعت قتادة يحدث عن أنس) إلخ: وصرّح النسائي في روايته، والإسماعيلي:
بسماع قتادة له عن أنس، فزال شبهة التدليس.

٥٨٩
كتاب: الإيمان
١٦٥ - (٠٠٠) حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا النَّصْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، عَنْ
ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ ... بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((مِنْ أَنْ
يَرْجِعَ بَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا)).
(١٦) - باب: وجوب محبة رسول الله ◌َي أكثر من الأهل والولد
والوالد والناس أجمعين وإطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة
١٦٦ - (٦٩) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا
شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، كِلاَهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ(١)؛ قَالَ: قَالَ
(١٦) - باب: وجوب محبة رسول الله وَطير أكثر من الأهل والولد
والوالد والناس أجمعين وإطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة
٦٩ - (٤٤) - قوله: (حدثنا إسماعيل بن علية) إلخ: بضم العين المهملة، وفتح اللام،
وتشديد الياء، وعلية: أمُّه، وأبوه إبراهيم بن سهل بن مقسم البصري. قال شعبة فيه: سيد
المحدثين، سمع عبد العزيز بن صهيب، وأيوب السختياني، وسمع من محمد بن المنكدر أربعة
أحاديث، وسمع خلقاً غيرهم. وقال أحمد: وإليه المنتهى في التثبت بالبصرة، اتفق على جلالته
وتوثيقه، ولي صدقات البصرة والمظالم ببغداد في آخر خلافة هارون، توفي ببغداد ودفن في
مقابر عبد الله بن مالك، وصلى عليه ابنه إبراهيم في سنة أربع وتسعين ومائة، وكانت أمه نبيلة
عاقلة، وكان صالح المري وغيره من وجوه أهل البصرة وفقهائها يدخلون، فتبرز لهم،
وتحادثهم، وتسائلهم، روى له الجماعة، كذا في عمدة القاري.
قوله: (وحدثنا شيبان بن أبي شيبة) إلخ: هذا الإسناد والإسناد الآتي من قوله: ((حدثنا
محمد بن مثنى وابن بشار)) إلخ: رواتهما بصريون كلهم، وشيبان بن أبي شيبة هذا هو: شيبان بن
فروخ، الذي روى عنه مسلم في مواضع كثيرة، - والله أعلم - كذا في الشرح.
قوله: (عن عبد العزيز) إلخ: هو البناني، تابعي سمع أنساً، روى عنه شعبة، وقال: هو
عندي في أنس أحب إلي من قتادة، اتفق على توثيقه، روى له الجماعة.
قال ابن قتيبة: هو وأبوه كانا مملوكين، وأجاز إياس بن معاوية شهادة عبد العزيز وحده.
كذا قال العيني.
(١) قوله: ((عن أنس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب حب الرسول واصل* من
الإيمان، رقم (١٥). والنسائي في سننه، في كتاب الإيمان وشرائعه، باب علامة الإيمان، رقم (٥٠١٧)
و(٥٠١٨) وابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب في الإيمان، رقم (٦٧).

٥٩٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ (وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ الرَّجُلُ) حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ
أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)).
قوله: (أحب إليه) إلخ: قال الحافظ في الفتح: ((والمراد بالمحبة ههنا حب الاختيار
والعقل، لا حب الطبع، قاله الخطابي.
وقال النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة، فإن من رجح جانب المطمئنة
كان حبه للنبيّ ◌َّه راجحاً، ومن رجح جانب الأمارة كان حكمه بالعكس.
وفي كلام القاضي عياض أن ذلك شرط في صحة الإيمان، لأنه حمل المحبة على معنى
التعظيم والإجلال.
وتعقبه صاحب المفهم بأن ذلك ليس مراداً ههنا، لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزماً
للمحبة، إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته، قال: فعلى هذا من لم يجد من
نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه، وإلى هذا يومىء قول عمر الذي رواه البخاري في الإيمان
والنذور من حديث عبد الله بن هشام: ((أن عمر بن الخطاب ◌ُه قال للنبيّ وَّ: لأنت
يا رسول الله، أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون
أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنك الآن والله أحب إلي من نفسي، فقال: الآن
یا عمر څه )" اهـ.
فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر عذ به قبل ذلك قطعاً.
ومن علامات الحب المذكور أن يعرض على المرء أن لو خير بين فقد غرض من أغراضه
أو فقد رؤية النبيّ وَّ أن أ كانت ممكنةً، فإن كان فقدها أن لو كانت ممكنةً أشد عليه من فقد
شيء من أغراضه فقد اتص بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا، وليس ذلك محصوراً في الوجود
والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته، والذب عن شريعته، وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب
الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وفي هذا الحديث إيماء إلى أفضلية التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، وذلك أن
محبوب الإنسان إمَّا نفسه أو غيره، أمَّا نفسه فهو أن يريد دوام بقائها سالمةً من الآفات، هذا هو
حقيقة المطلوب، وأما غيره فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع مَّا على وجوهه
المختلفة، حالاً أو مآلاً، فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول وَّ ر الذي أخرجه من
ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إما بالمباشرة وإما بالسبب: علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء
الأبدي في النعيم السرمدي. وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق
لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره، لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من
غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه، ولا شك أن حظ

٥٩١
كتاب: الإيمان
١٦٧ - (٧٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
من هذا المعنى أتمّ، لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم. والله الموفق.
الصحابة
وقال القرطبي تغذّثهُ: ((كل من آمن بالنبيّ ◌َّ إيماناً صحيحاً لا يخلو عن وجدان شيء من
تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى،
ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقاً في الشهوات، محجوباً في الغفلات في
أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبيّ وَ ◌ّر اشتاق إلى رؤيته، بحيث يؤثرها على أهله
وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة، ويجد رجحان ذلك من نفسه وجداناً لا
تردد فيه، وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر،
لما وقر في قلوبهم من محبته، غير أن ذلك سريع الزوال بتوالي الغفلات، والله المستعان)) اهـ.
قال صاحب المواهب: ((فكل مسلم في قلبه محبة الله ورسوله لا يدخل الإسلام إلا بها،
ولكن الناس متفاوتون في محبة رسول الله وَّل، بحسب استحضاراً ما وصل عليهم من جهته من
وجوه النفع الشامل لخير الدارين، وبحسب الغفلة عن ذلك، ولا شك أن حظ الصحابة رضيه في
هذا المعنى أتم، لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم.
وقد روى محمد بن إسحاق إمام المغازي في السيرة - كما حكاه في الشفاء - أن امرأة من
الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله وَله، فقالت: ما فعل رسول الله وَه ؟
قالوا: خيراً، هو - بحمد الله - كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فلما رأته قالت: ((كل
مصيبة بعدك جلل)) تعني صغيرة.
وقال عمرو بن العاص ◌ُله: ((ما كان أحد أحب إليّ من رسول الله وٍَّ ولا أجلَّ في
عينيّ، وما كنت أطيق أن أملأ عينيَّ منه، إجلالاً له، حتى لو قيل لي: صفه، ما استطعت أن
أصفه)) .
وقال عليّ بن أبي طالب به: ((كان رسول الله وَّ﴿ أحب إلينا من أموالنا، وأولادنا،
وآبائنا، وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ)).
ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة من الحرم ليقتلوه، قال له أبو سفيان بن حرب: أنشدك
بالله يا زيد، أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك، نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ فقال زيد:
((والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة، وأني جالس في أهلي)) فقال
أبو سفيان: ما رأيت أحداً من الناس يحب أحداً كحبّ أصحاب محمد محمداً.
وروي مما ذكره القاضي عياض: ((أن رجلاً أتى النبي وَ له، فقال: يا رسول الله، لأنت
أحب إليَّ من أهلي ومالي، وإني لأذكرك، فما أصبر حتى أجيء فأنظر إليك، وإني ذكرت موتي
وموتك، فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلتها لا أراك، فأنزل الله تعالى :

٥٩٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
((لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)).
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأَوْلَيْكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَّ وَحَسُنَ
أُوْلَئِكَ رَفِيقًا (٦)﴾ [سورة النساء، آية: ٦٩]، فدعا به، فقرأها عليه)). (والمراد بالمعية والمرافقة
كونه في الجنة يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم، والحضور معهم متى شاء، لا التسوية في
المنزلة).
وذكر أن عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب الأذان كان يعمل في جنة له، فأتاه ابنه،
فأخبره أن النبيّ وَّر توفي، فقال: اللهم أذهب بصري حتى لا أرى بعد حبيبي محمدٍ أحداً،
فكفَّ بصره.
واعلم أنه لا يجتمع في القلب حبان، فإن المحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، فليختر
المرء لنفسه إحدى المحبتين فإنهما لا يجتمعان في القلب، كما قيل :.
فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
أنت القتيل بأي من أحببته
ولبعض الحكماء: كما أن الغمد لا يتسع بعضبين فكذلك القلب لا يتسع بمحبتين، ولذلك
لازم إقبالك على من تهواه، إعراضك عن كل شيء سواه فمن داهن في المحبة أو داجى: فقد
عرض لمدى الغيرة أوداجاً .
فمحبة الرسول بل تقديمه في الحب على الأنفس والآباء والأبناء لا يتم الإيمان إلا بها،
إذ محبته من محبة الله تعالى)). انتهى بحذف واختصار وزيادة يسيرة.
فائدة لغوية:
قد وضعوا لمعنى المحبة حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة: أحدهما: الحاء التي هي
من أقصى الحلق، والثاني: الباء الشفهية التي هي نهاية الصوت، فللحاء الابتداء، وللباء
الانتهاء، وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب، فإن ابتداءها منه بأن يرى المحب من المحبوب
ما يدعو إلى ميله إليه، فيتعلق به بحيث لا يصير عنده سواه، وانتهاءها إليه إذ هو غاية المطلوب،
وأعطوا الحب حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها مطابقة لشدة حركة مسماه وقوتها،
وأعطوا الحِب وهو المحبوب حركة الكسر لخفتها من الضمة، وخفة المحبوب، وذكره على
قلوبهم وألسنتهم، فتأمل هذا اللطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني، تطلعك
على قدر هذه اللغة العربية، وإن لها شأناً ليس لسائر اللغات. كذا في المواهب اللدنية وشرحه.
٧٠ - ( ... ) - قوله: (من ولده ووالده) إلخ: قال الحافظ تَخَذَهُ: ((ذكر الولد والوالد أدخل
في المعنى، لأنهما أعَزُّ على العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعَزَّ من نفسه، ولهذا لم
يذكر النفس أيضاً في حديث أبي هريرة رضيته، وهل تدخل الأم في لفظ الوالد؟ إن أريد به من له

٥٩٣
كتاب: الإيمان
(١٧) - باب: الدليل على أن من خصال الإيمان
أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير
١٦٨ - (٧١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ(١)، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ. قَالَّ:
الولد فيعم، أو يقال: اكتفى بذكر أحدهما كما يكتفى عن أحد الضدين بالآخر، ويكون ما ذكر
على سبيل التمثيل، والمراد الأعزة، كأنه قال: أحب إليه من أعزَّته، وذكر الناس بعد الولد
والوالد عطف العام على الخاص، وهو كثير وقدم الوالد على الولد في رواية لتقدمه بالزمان
والإجلال، وقدم الولد في أخرى لمزيد الشفقة، وهل تدخل النفس في عموم قوله: ((والناس
أجمعين))؟ الظاهر دخوله، وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد وقع
التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام)) اهـ.
قال القسطلاني: ((والمراد ههنا المحبة الإيمانية، وهي اتباع المحبوب، لا الطبيعية، ومن
ثم لم يحكم بإيمان أبي طالب مع حبه له وَلّ على ما لا يخفى، فحقيقة الإيمان لا تتم ولا
تحصل إلا بتحقيق إعلاء قدره ومنزلته على كل والد وولد ومحسن، ومن لم يعتقد هذا فليس
بمؤمن. وفي المواهب اللدنية بالمنح المحمدية مما جمعته في ذلك ما يشفي ويكفي)) اهـ.
(١٧) - باب: الدليل على أن من خصال الإيمان
أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير
٧١ - (٤٥) - قوله: (حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار) إلخ: قال الشارح تتلذاته: ((رجال
هذا الإسناد كلهم بصريون)) اهـ.
قال العيني: «ابن بشار هو: محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي البصري،
كنيته أبو بكر، ولقبه بندار، واشتهر به لأنه كان بنداراً في الحدیث، جمع حدیث بلده، وبندار
- بضم الباء الموحدة، وسكون النون، وبالدال المهملة، والراء - معناه: الحافظ، وقال أحمد:
کتبت عنه نحواً من خمسين ألف حديث».
قوله: (سمعت قتادة) إلخ: هو قتادة بن دعامة، أجمع على جلالته وحفظه وتوثيقه وإتقانه
وفضله، وُلد أعمى.
(١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن
يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم (١٣). والنسائي في سننه، في كتاب الإيمان وشرائعه، باب علامة
الإيمان، رقم (٥٠١٩) و(٥٠٢٠). والترمذي في جامعه باب (٥٩)، وهو الباب الثاني من كتاب صفة
القيامة، رقم (٢٥١٥). وابن ماجه في سننه في المقدمة، باب في الإيمان، رقم (٦٦).

٥٩٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
((لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ (أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ) مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)).
وقال الزمخشري في الكشاف: ((يقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة، أي ممسوح
العين غير قتادة السدوسي صاحب التفسير)). وليس في الكتب الستة مَن اسمه قتادة من التابعين
وتابعيهم غيره.
قوله: (لا يؤمن أحدكم) إلخ: والمراد بالمنفي كمال الإيمان، ونفي اسم الشيء على معنى
نفي الكمال عنه: مستفيض في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان، وقد صرح ابن حبان من
رواية ابن أبي عدي عن حسين المعلم بالمراد، ولفظه: ((لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان)) ومعنى
الحقيقة ههنا الكمال، ضرورة أن من لم يتصف بهذه الصفة لا يكون كافراً، كذا في الفتح.
قوله: (لأخيه أو لجاره) إلخ: هكذا هو في مسلم على الشك، وكذا في مسند عبد بن
حميد على الشك، وهو في البخاري وغيره: (لأخيه)) من غير شك، والمراد: أخوه المسلم.
قال القسطلاني: ((ويحتمل أن يكون قوله: ((أخيه)) شاملاً للذمي أيضاً، بأن يحب له
الإسلام مثلاً، ويؤيده حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وفضله: ((من يأخذ عني هؤلاء
الكلمات فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن؟ فقال أبو هريرة: قلت: أنا، يا رسول الله، فأخذ
بيدي فعدّ خمساً، قال: اتق المحارم: تكن أعبد الناس، وارض بما قسم لك: تكن أغنى
الناس، وأحسن إلى جارك: تكن مؤمناً، وأحِبَّ للناس ما تحبُّ لنفسك: تكن مسلماً)) الحديث
رواه الترمذي وغيره من رواية الحسن عن أبي هريرة، وقال الترمذي: الحسن لم يسمع من أبي
هريرة، ورواه البزار والبيهقي بنحوه في الزهد عن مكحول عن واثلة عنه، وقد سمع مكحول عن
واثلة، قال الترمذي وغيره: لكن بقية إسناده فيه ضعف)) اهـ.
قلت: ويؤيده ما قال القسطلاني: ((روي عن معاذ بن جبل أنه سأل النبيّ وَّر عن أفضل
الإيمان، قال: ((أن تحب لله، وتبغض لله، وتعمل لسانك في ذكر الله، قال: وماذا يا رسول الله؟
قال: وأن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك)) رواه أحمد. كذا في
المشكاة .
قال عليّ القاري في شرحه: ((قوله: (للناس)) يحتمل التعميم، ويحتمل التخصيص
بالمؤمنین)» .
قوله: (ما يحب لنفسه) إلخ: قال الشارح: ((والمراد: يحب لأخيه من الطاعات والأشياء
المباحات، ويدل عليه ما جاء في رواية النسائي في هذا الحديث ((حتى يحب لأخيه من الخير ما
يحب لنفسه)).
قال الحافظ: ((وتخرج المنهيات، لأن اسم الخير لا يتناولها، والمحبة إرادة ما يعتقده
خيراً، والمراد أيضاً أن يحب أن يحصل لأخيه نظير ما يحصل له عينه، سواء كان في الأمور

٥٩٥
كتاب: الإيمان
١٦٩ - (٧٢) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُسَيْنِ الْمُعَلِّم،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّهِ. قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ
لِجَارِهِ (أَوْ قَالَ: لأَخِيهِ) مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)).
المحسوسة أو المعنوية، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له، لا مع سلبه عنه، ولا مع
لقاءِه بعينه له، إذ قيام الجوهر والعرض بمحلين محال.
وقال أبو الزناد بن سراج: ظاهر هذا الحديث طلب المساواة، وحقيقته يستلزم التفصيل،
لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحبَّ لأخيه مثله فقد دخل في جملة
المفضولین .
قلت: أقرّ القاضي عياض هذا، وفيه نظر، إذا المراد الزجر عن هذه الإرادة، لأن
المقصود الحَثُّ على التواضع، فلا يحب أن يكون أفضل من غيره، فهو مستلزم للمساواة،
ويستفاد ذلك من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ تَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُوَّا فِى الْأَرْضِ وَلَا
فَسَادًا﴾ [سورة القصص، آية: ٨٣]، ولا يتم ذلك إلا بترك الحسد، والغلّ، والحقد، والغش، وكلها
خصال مذمومة اهـ.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: ((وذلك سهل على القلب السليم، وإنما يعسر على
القلب الدغل، عافانا الله وإخواننا أجمعين)) اهـ.
قلت: من أغرب القصص التي سمعت في هذا الباب ما حكى الغزالي تقُّ في الإحياء:
((أنه شكى بعضهم كثرة الفأر في داره، فقيل له: لو اقتنيت هراً! (أي لو اتخذته) فقال: أخشى أن
يسمع الفأر صوت الهرّ، فيهرب إلى دور الجيران، فأكون قد أحببت لهم ما لا أحب لنفسي)).
٧٢ - ( ... ) - قوله: (حدثنا يحيى بن سعيد) إلخ: أي: القطان الأحول التيمي، مولاهم
البصري، يكنى أبا سعيد، الإمام الحجة المتفق على جلالته وتوثيقه وتميزه في هذا الشأن،
سمع: يحيى الأنصاري، ومحمد بن العجلان، وابن جريج، والثوري، وابن أبي ذئب، ومالكاً،
وشعبة، وغيرهم. روى عنه الثوري، وابن عيينة، وشعبة، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد،
ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وآخرون.
قال يحيى بن معين: أقام يحيى بن سعيد عشرين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة، ولم
يفته الزوال في المسجد أربعين سنة.
وقال إسحاق الشهيد: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة
مسجده فيقف بين يديه عليّ بن المديني، والشاذكوني، وعمرو بن علي، وأحمد بن حنبل،
ويحيى بن معين، وغيرهم يسألونه عن الحديث - وهم قيام على أرجلهم - إلى أن تحين صلاة
المغرب، ولا يقول لأحد منهم: اجلس، ولا يجلسون هيبة له. كذا في عمدة القاري.

٥٩٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٨) - باب: بيان تحريم إيذاء الجار
١٧٠ - (٧٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعاً عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاَءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لْهِ قَالَ: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)) .
(١٨) - باب: بيان تحريم إيذاء الجار
٧٣ - (٤٦) - قوله: (لا يدخل الجنة) إلخ: وفي رواية للبخاري عن أبي شريح الخزاعي أن
النبيّ وَّل قال: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال:
الذي لا يأمن جاره بوائقه)) قال الشارح كثّفُ تعالى: وفي معنى: ((لا يدخل الجنة)) جوابان يجريان
في كل ما يشبه هذا :
أحدهما : أنه محمول على من يستحل الإيذاء مع علمه بتحريمه، فهذا كافر لا يدخلها
أصلاً .
والثاني : معناه جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم، بل
يؤخر، ثم قد يجازى، وقد يعفى عنه فيدخلها أولاً .
وإنما تأوّلنا هذين التأويلين لأنا قدمنا أن مذهب أهل الحق أن من مات على التوحيد مصراً.
على الكبائر فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه فأدخله الجنة، وإن شاء عاقبه ثم أدخله الجنة،
- والله أعلم - )) اهـ.
قوله: (بوائقه) إلخ: زاد أحمد والإسماعيلي: ((قالوا: وما بوائقه؟ قال: شره)) وعند
المنذري هذه الزيادة للبخاري، ولم أرها فيه، كذا في الفتح. وفيه أيضاً: ((البوائق - بالموحدة
والقاف - جمع بائقة، وهي: الداهية، والشيء المهلك، والأمر الشديد الذي يوافي بغتة.
قال أبو عبيد في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوِفْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ﴾ [سورة الشورى، آية: ٣٤]، قال: يهلكهن.
وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْهُم ◌َّوْبِقًا﴾ [سورة الكهف، آية: ٥٢]: أي مهلكاً .
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأدب، باب إثم من لا يأمن جاره
بواثقه، رقم (٦٠١٦) ولفظه: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل:" ومن يا رسول الله؟ قال:
الذي لا يأمن جابره بوائقه».
واعلم أن أصحاب ابن أبي ذئب اختلفوا عليه في صحابي هذا الحديث الذي أخرجه له البخاري، فقال
عاصم بن علي وشبابة وأسد بن موسى: عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه، وقال حميد بن الأسود،
وعثمان بن عمر، وأبو بكر بن عياش، وشعيب بن إسحاق: عن أبي هريرة رضي الله عنه، كما أشار إليه
البخاري في الباب، وراجع فتح الباري (١٠/ ٤٣٣ و٤٤٤) للبسط والتفصيل.

٥٩٧
كتاب: الإيمان
(١٩) - باب: الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت
إلا عن الخير، وكون ذلك كله من الإيمان
١٧١ - (٧٤) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ.
قَالَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَضْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ)) .
(١٩) - باب: الحث على إكرام الجار والضيف
ولزوم الصمت إلا عن الخير وكون ذلك كله من الإيمان
٧٤ - (٤٧) - قوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) إلخ: المراد بقوله: ((يؤمن)) الإيمان
الكامل، وخصه ((بالله واليوم الآخر)) إشارةً إلى المبدأ والمعاد، أي من آمن بالله الذي خلقه،
وآمن بأنه سيجازيه بعمله: فليفعل الخصال المذكورات.
قوله: (فليقل خيراً أو ليصمت) إلخ: بضم الميم، ويجوز كسرها .
قال الحافظ: ((وهذا من جوامع الكلم، لأن القول كله إما خير أو شر، وإمّا آيل إلى
أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال، فرضها، وندبها، فأذن فيه على اختلاف
أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شر، أو يؤول إلى الشر، فأمر عند إرادة
الخوض فيه بالصمت.
وحاصله: أن من كان حامل الإيمان فهو متصف بالشفقة على خلق الله: قولاً بالخير،
وسكوتاً بالشر، وقد روى الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو رضيًّا: ((أن كثرة الكلام بغير
ذكر الله تقسي القلب)) اهـ. بقدر الضرورة.
قال الإمام أبو حامد الغزالي تقذفُ: ((اللسان من نعم الله العظيمة، ولطائف صنعه الغريبة،
فإنه صغير جِرمه، عظيم طاعته وجُرمه، إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان، وهما
غاية الطاعة والعصيان، وإنه ما من موجود أو معدوم، خالق أو مخلوق، متخيل أو معلوم،
مظنون أو موهوم إلا واللسان يتناوله، ويتعرض له بإثبات أو نفي، فإن كل ما يتناوله العلم يعرب
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيح، في كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله
واليون الآخر فلا يؤذ جاره، رقم (٦٠١٨) وباب إكرام الضيف، (٦١٣٦) و(٦١٣٨). وفي كتاب الرقاق،
باب حفظ اللسان، رقم (٥٦٤٧). وأخرجه في كتاب النكاح، باب الوصاة بالنساء، رقم (٥١٨٥) مقتصراً
على ذكر الجار دون الضيف والصمت. وأبو داود في سننه في كتاب الأدب، باب في حق الجوار، رقم
(٥١٥٤).

٥٩٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٧٢ - (٧٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ أَبِيِ خَصِينٍ،
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِي جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَسْكُتْ)).
عنه اللسان: إما بحق أو باطل، ولا شيء إلا والعلم متناول له، وهذه خاصية لا توجد في سائر
الأعضاء، فإن العين لا تصل إلى غير الألوان والصور، والآذان لا تصل إلى غير الأصوات،
واليد لا تصل إلى غير الأجسام، وكذا سائر الأعضاء، واللسان رحب الميدان، ليس له مرة،
ولا لمجاله منتهى وحدّ، له في الخير مجال رحب، وله في الشر ذيل سحب، فمن أطلق عذبة
اللسان، وأهمله مرخى العنان: سلك به الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار، إلى
أن يضطره إلى البوار، ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألْسِنتِهِمْ، ولا ينجو
من شرّ اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، لا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة، ويكفه عن
كل ما يخشى غائلته في عاجله وآجله .
وعلم ما يحمد فيه إطلاق اللسان أو يذم: غامض غزير، والعمل بمقتضاه على من عرفه:
ثقيل عسير، وأعصى الأعضاء على الإنسان: اللسان، فإنه لا تعب في إطلاقه، ولا مؤنة في
تحريكه، وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله، والحذر من مصايد وجناته، وإنه
أعظم آلة الشيطان في استغواء الإنسان.
وبالجملة إن خطر اللسان عظيم، ولا نجاة من خطره إلا بالصمت، فلذلك مدح الشرع
الصمت، وحث عليه. فقال ◌َّر: ((من صمت نجا)) رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو
بسند فيه ضعف، وقال: غريب، وهو عند الطبراني بسند جيد، قاله العراقي، وقال المنذري:
رواة الطبرانى ثقات)) اهـ بزيادة ونقص.
ومن شاء الاطلاع على مجامع آفات اللسان واحدة واحدة، بحدودها وأسبابها وغوائلها
وطريق الاحتراز عنها : فليراجع الإحياء وشرحه.
٧٥ _ ( ... ) - قوله: (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص) إلخ: هذا
الإسناد كله كوفيون مكيون إلا أبا هريرة، فإنه مدني.
قوله: (عن أبي حصين) إلخ: بفتح الحاء وكسر الصاد.
قوله: (فلا يؤذي جاره) إلخ: كذا وقع في الأصول ((يؤذي)) بالياء في آخره، ورينا في غير
مسلم ((فلا يؤذ)) بحذفها، وهما صحيحان، فحذفها للنهي، وإثباتها على أنه خبر يراد منه النهي.
فیکون أبلغ .
قال ابن أبي جمرة: ((إذا أكد حق الجار مع الحائل بين الشخص وبينه، وأمر بحفظه

٥٩٩
كتاب: الإيمان
١٧٣ - (٧٦) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ،
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي حَصِينٍ، غَيْرَ
أَنَّهُ قَالَ: ((فَلْيُخَسِنْ إِلَى جَارِهِ».
١٧٤ - (٧٧) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ
عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو؛ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنْ أَبِي
شُرَيْحِ الْخُزَاعِيِّ(١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ قَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى
وإيصال الخير إليه، وكفّ أسباب الضرر عنه: فينبغي له أن يراعي حق الحافظين اللذين ليس بينه
وبينهما جدار ولا حائل، فلا يؤذيهما بإيقاع المخالفات في مرور السّاعات، فقد جاء أنهما
يسران بوقوع الحسنات، ويحزنان بوقوع السئات، فينبغي: مراعاة جانبهما، وحفظ خواطرهما
بالتكثير من عمل الطاعات، والمواظبة على اجتناب المعصية، فهما أولى برعاية الحق من كثير
من الجيران)) انتهى ملخصاً. كذا في الفتح.
٧٦ - ( ... ) - قوله: (فليحسن إلى جاره) إلخ: قال الحافظ تَلَهُ: ((وقد ورد تفسير
((الإحسان)) و ((الإكرام)) للجار وترك أذاه في عدة أحاديث، أخرجها الطبراني عن حديث بهز بن
حكيم عن أبيه عند جده، والخرائطي في مكارخ الأخلاق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده، وأبو الشيخ في كتابه التوبيخ من حديث معاذ بن جبل: «قالوا: يا رسول الله، ما حق
الجار على الجار؟ فقال: إن استقرضك: أقرضته، وإن استعانك: أعنته، وإن مرض: عدته،
وإن احتاج: أعطيته، وإن افتقر: عدت عليه، وأصابه خير: هنيته، وأصابته مصيبة: عزيته، وإذا
مات: اتبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح، إلا بإذته، ولا تؤذيه بريح
قدرك إلا أن تعرف له منها، وإن اشتريت فاكهة: فأهد له، وإن لم تفعل فأدخلها سرًّا، ولا
تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده)) وألفاظهم متقاربة، والسياق أكثره لعمرو بن شعيب. وفي حديث
بهز بن حكيم: ((وإن أعوز: سترته)) وأسانيدهم واهية، لكن اختلاف مخارجها يشعر بأن للحديث
أصلاً .
ثم الأمر بالإكرام يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد يكون فرض عين، وقد
يكون فرض كفاية، وقد يكون مستحباً، ويجمع الجميع أنه من مكارم الأخلاق).
٧٧ - (٤٨) - قوله: (عن أبي شريح الخزاعي) إلخ: اسمه على المشهور: خويلد، وقيل:
(١) قوله: ((عن أبي شريح الخزاعي)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأدب، باب من كان
يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، رقم (٦٠١٩) وباب إكرام الضيف، رقم (٦١٣٥) وفي كتاب الرقاق،
باب حفظ اللسان ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، رقم (٦٤٧٦). والترمذي في =

٦٠٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَسْكُتْ)).
عمرو، وقيل: هانىء، وقيل: كعب، ويقال له: الخزاعي، والعدوي، والكعبي.
قوله: (فليكرم ضيفه) إلخ: وفي رواية للبخاري: ((جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام،
فما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن یثوي عنده حتی یحرجه)).
قال العيني: ((والأمر بإكرام الضيف يختلف بحسب المقامات، وربما يكون فرض عين أو
فرض كفاية، وأقله أنه من باب مكارم الأخلاق، ولا شك أن الضيافة من سنن المرسلين، وقد
أوجبها الليث ليلة واحدة، واستدل ابن بطال لعدم الوجوب بقوله وم طهر في البخاري: ((جائزته يوم
وليلة)) قال: والجائزة تفضل وإحسان، ليست واجبة، وتعقب بأنه ليس المراد بالجائزة في حديث
أبي شريح: العطية، بالمعنى المصطلح، وهي: ما يعطاه الشاعر والوافد، فقد ذكر في الأوائل:
أن أول من سمّاها جائزة بعض الأمراء من التابعين، وأن المراد بالجائزة في الحديث أنه يعطيه
ما يغنيه عن غيره)) .
قال الحافظ: ((وهو صحيح في المراد من الحديث، وأما تسمية العطية للشاعر ونحوه
جائزة، فليس بحادث، الحديث الصحيح: ((أجِيْزِوا الْوَقْدَ)) ولقولهِ وَّوَ للعباس: ((أَلاَ أعْطِيْكَ؟ أَلاَ
أُمْنَحُكَ؟ ألاَ أُجِيْزُكَ؟)) فذكر حديث صلاة التسبيح، فدل على أن استعمالها كذلك ليس
بحادث)) اهـ.
قال العيني: قوله وَّلير: ((والضيافة ثلاثة أيام)) اختلف في أنه هل اليوم والليلة التي هي
الجائزة داخلة في الثلاث أم لا؟ إذا قلنا بدخولها تقدم له في اليوم الأول ما يقدر عليه من البر
والألطاف، وفي اليومين الآخرين ما يحضره، وإذا قلنا بخروجها، فهل هي قبل الثلاثة أو
بعدها؟ فقد روى مسلم وأحمد من رواية عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبري عن أبي شريح
بلفظ: ((الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة)) فهذا يدل بظاهره على المغايرة بين الضيافة
والجائزة، ويدل على أن الجائزة بعد الضيافة. وقال ابن بطال: قسم ولي أمر الضيف ثلاثة
أقسام: يتحفه في اليوم الأول، ويتكلف له في اليوم الثاني، وفي الثالث يقدم عليه ما يحضره،
ويجيز بعد الثالث كما في الصدقة. وقال ابن بطال أيضاً: سئل عنه مالك، فقال: إنه يكرمه
ويتحفه يوماً وليلة، وثلاثة أيام ضيافة. فهذا يدل على أن اليوم والليلة قبل الضيافة بثلاثة
أیام)) اهـ.
قال الشارح تَغَفُ ناقلاً عن عياض: ((وأمثال حديث ليلة الضيف حق واجب على كل
جامعه، في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الضيافة كم هو؟ رقم (١٩٦٧). وابن ماجه في سننه، في
=
كتاب الأدب، باب حق الحوار، رقم (٣٦٧٢) وباب حق الضيف، رقم (٣٦٧٥).