النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
كتاب: الإيمان
(١٢) - باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها
وأدناها، وفضيلة الحياء، وكونه من الإيمان
١٥١ - (٥٧) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: حَذَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ
الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ(١)، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((الإِيمَانُ
(١٢) - باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها
وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان
٥٧ - (٣٥) - قوله: (أبو عامر العقدي) إلخ: بفتح العين والقاف. منسوب إلى ((العقد)) قبيلة
معروفة من بجيلة، وقيل غير ذلك، واسم أبي عامر عبد الملك بن عمرو بن قيس البصري، ذكره
الشارح في شرح المقدمة .
قوله: (أبي صالح) إلخ: هو ذكوان السمان الزيات المدني، كان يجلب السمن والزيت
إلى الكوفة.
قوله: (عن أبي هريرة) إلخ: اختلف في اسمه واسم أبيه على نحو ثلاثين قولاً، وأقربها
عبد الله أو عبد الرحمن بن صخر الدوسي. وهو أول من كني بهذه الكنية لهرة كان يلعب بها .
كناه النبيّ ﴾ بذلك.
قال أبو هريرة رضيته: «قد نشأت يتيماً، وهاجرت مسكيناً، وكنت أجيراً لبسرة بنت غزوان.
خادماً لها. فزوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً، وجعل أبا هريرة إماماً)) روي له
خمسة آلاف حديث وثلثمائة وأربعة وسبعون حديثاً، وهو أكثر الصحابة رواية بالإجماع. قال
عليّ القاري تَذَلُهُ: ((ثم جرُّ هريرة هو الأصل وصوّبه جماعة، لأنه جزء علم، واختار آخرون منع
صرفه، كما هو الشائع على ألسنة العلماء من المحدثين وغيرهم، لأن الكل صار كالكلمة
الواحدة)). وللبسط موضع آخر.
قوله: (الإيمان) إلخ: أي: ثمراته وفروعه، فأطلق الإيمان - وهو التصديق والإقرار - عليها
مجازاً، لأنها من حقوقه ولوازمه .
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، رقم
(٩). والنسائي في سننه، في كتاب الإيمان وشرائعه، باب ذكر شعب الإيمان، رقم (٥٠٠٧) و(٥٠٠٨)
و(٥٠٠٩). وأبو داود في سننه، في كتاب السنة، باب في رد الإرجاء، رقم (٤٦٧٦) والترمذي في جامعه،
في كتاب الإيمان، باب ماجاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه، رقم (٢٦١٤). وابن ماجه في سننه،
في المقدمة، باب في الإيمان، رقم (٥٧).

٥٦٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِضْعٌ وَسَبْعُونَ
قوله: (بضع(١) وسبعون) إلخ: بكسر الباء، وقيل: بالفتح، استعمل في العدد لما بين
الثلاثة والعشرة.
وفي القاموس: ((هو ما بين الثلاث إلى التسع، أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى
الأربعة، أو من أربع إلى تسع، أو هو سبع)) اهـ. ويؤيد هذا الأخير أنه جاء في بعض الروايات:
(سبع وسبعون)).
ورواية مسلم هذه قد جرى عليها أبو داود، والنسائي، والترمذي، ورواية البخاري من
طريق عبد الله بن محمد عن أبي عامر العقدي عن سليمان بن بلال(٢).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: والعجب من حافظ الدنيا أنه كيف خفي عليه رواية مسلم
من طريق أبي عامر عن سليمان بن بلال هذه بلفظ بضع وسبعون؟ حتى قال في الفتح: ((لم
تختلف الطرق عن أبي عامر شيخ شيخ البخاري في ذلك)). وهذا ذهول منه تَّثُ تعالى، والله
سبحانه وتعالى أعلم.
ثم رجحت رواية البخاري بأنها المتيقن، وصوب القاضي عياض الأولى، بأنها التي في
سائر الأحاديث، ورجحها جماعة - منهم النووي - بأن فيها زيادة ثقات، واعترضه الكرماني بأن
(١) قوله: (بضع)) قال الفراء: هو خاص بالعشرات إلى التسعين؛ فلا يقال: بضع ومائة، ولا بضع وألف. كذا
في عون الباري (١١٧/١). (رف).
(٢) لعل بعض العبارة سقطت ههنا، وإنما يتفسح المراد بعد ذكر رواية البخاري، فيكون التقدير: ورواية
البخاري من طري عبد الله بن محمد عن أبي عامر العقدي عن سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن أبي
صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: ((الإيمان بضع وستون شعبة .... )).
قال شيخنا المفتي محمد رفيع العثماني حفظه الله: ((سقط ههنا من نقل رواية البخاري لفظ لا بد من ذكره؛
فإن ما اعترضه الشرح أي شيخ مشايخنا مولانا شبير أحمد العثماني رحمه الله بعد ذلك على الحافظ فهو
يبتني على ذلك اللفظ، وهو لفظ ((بضع وستون)) هكذا رواه البخاري رحمه الله في كتاب الإيمان)) اهـ.
ثم إن الترمذي وأبا داود رحمهما الله جريا على رواية مسلم المترددة الآتية برقم (١٦٢) من طريق سهيل عن
عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ◌ّ أنه قال: ((الإيمان بضع وسبعون ... )) بدون
شك، وأما النسائي رحمه الله فقد ذكر بهذا الطريق مثل روايتهما بدون شك، وأخرج ابن ماجه رحمه الله
بهذا الطريق بالشك فقال: قال رسول الله وَله: ((الإيمان بضع وستون أو سبعون باباً ... )) وأخرجه النسائي
رحمه الله عن طريق أبي عامر عن سليمان عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة أيضاً، مثل
رواية مسلم: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة» بدون شك. وروى الترمذي من طريق عمارة بن غزية عن أبي
صالح عن أبي هريرة بلفظ: ((الإيمان أربعة وستون باباً)) وقد حكم عليها الحافظ بأنها معلولة. راجع فتح
الباري (١/ ٥١ و٥٢) باب أمور الإيمان.

٥٦٣
كتاب: الإيمان
زيادة الثقة أن يزاد لفظ في الرواية، وإنما هذا من اختلاف الروايتين مع عدم تناف بينهما في
المعنى، إذ ذكر الأقل لا ينفي الأكثر، وأنه لو أخبر أولاً بالستين، ثم أعلم بزيادة، فأخبر بها.
ويجاب بأن هذا متضمن للزيادة، كما اعترف به الكرماني، فصح ما قاله النووي كذّتُ .
والأظهر - والله أعلم - أن المراد به التكثير لا التحديد، كما في قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ
لَّمْ سَبْعِينَ مَّةٌ﴾ [سورة التوبة، آية: ٨٠] ويحمل الاختلاف على تعدد القضية، ولو من جهة راوٍ واحدٍ.
قاله في المرقاة.
فإن كان العدد للتكثير فالحكمة في تعيين الستين - على ما قاله الشيخ بدر الدين
العيني كثّفُ تعالى -: ((أن العدد إمَّا زائد - وهو ما أجزاؤه أكثر منه، كالاثني عشر، فإن لها نصفاً
وثلثاً وربعاً وسدساً ونصف سدس، ومجموع هذه الأجزاء أكثر من اثني عشر، فإنه ستة عشر -
وإما ناقص - وهو ما أجزاؤه أقل منه كالأربعة، فإن لها الربع والنصف فقط - وإما تام - وهو ما
أجزاؤه مثله كالستة، فإن أجزاءها النصف والثلث والسدس، وهي مساوية للستة - والفضل من
بين الأنواع الثلاثة للتام، فلما أريد المبالغة جعلت آحادها أعشاراً، وهي الستون.
وأما الحكمة في تعيين السبعين فهي على ما قاله الشيخ تغذّفهُ: ((إن السبعة تشتمل على جملة
أقسام العدد، فإنه ينقسم إلى فرد وزوج، وكل منهما إلى أول ومركب، والفرد الأول ثلاثة،
والمركب خمسة، والزوج الأول اثنان، والمركب أربعة، وينقسم أيضاً إلى منطق، كالأربعة،
وأصم كالستة، فلما أريد المبالغة فيه جعلت أحادها أعشاراً، وهي السبعون، وأما زيادة البضع
على النوعين: فقد علم أنه يطلق على السِّتِّ، وعلى السبع، لأنه ما بين اثنين إلى عشرة، ففي
الأول الستة أصل للستين، وفي الثاني السبعة أصل للسبعين، كما ذكرناه، فهذا وجه تعيين أحد
هذين العددين، - والله أعلم - .
وقال بعضهم: العرب تستعمل السبعين كثيراً في باب المبالغة، وزيادة السبع عليها التي
عبر عنها بالبضع، لأجل أن السبعة أكمل الأعداد، لأن الستة أول عدد تام، وهي مع الواحد
سبعة، فكانت كاملة إذ ليس بعد التمام سوى الكمال، وسمي الأسد ((سبعاً)) لكمال قوته،
والسبعون غاية الغاية، إذ الآحاد غايتها العشرات.
فإن قلت: قد قلت: إن ((البضع)) لما بين اثنين إلى عشرة، فمن أين تقول: إن المراد من
((البضع)): السبع، حتى بنى القائل المذكور كلامه على هذا؟
قلت: قد نص صاحب العين على أن ((البضع)): سبعة، وقالوا في تفسير قوله تعالى:
﴿فَلَبِثَ فِ السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [سورة يوسف، آية: ٤٢]: إن يوسف لفعلِّلُ إنما لبث في السجن سبع
سنين .

٥٦٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
شُعْبَةً،
فائدة:
قال القاضي عياض: ((تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم
يكون ذلك هو المراد: صعوبة، ولا يقدح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإيمان» اهـ.
قال العيني: ((وقد صنف في تعيين هذه الشعب جماعة، منهم: الإمام أبو عبد الله
الحليمي، صنف فيه كتاباً سماه ((فوائد المنهاج)) والحافظ أبو بكر البيهقي، وسماه («شعب
الإيمان)) والشيخ عبد الجليل أيضاً، سماه ((شعب الإيمان)) وإسحاق ابن القرطبي، وسماه ((كتاب
النصائح)) والإمام أبو حاتم، وسماه ((وصف الإيمان وشعبه)) ولم أرَ أحداً منهم شفى العليل ولا
أروى الغلیل)) اهـ.
قال الحافظ: ((ولم يتفق من عَدَّ الشعب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب: طريقة أبي
حاتم ابن حبان، لكن لم نقف على بيانها من كلامه)) ثم لخص الحافظ مما أوردوه، وعدَّ جميع
الشعب الإيمانية في زعمه، وتبعه شراح الحديث بعده، من شاء الاطلاع عليه فليراجع الفتح
وغيره من شروح البخاري.
قال الإمام أبو حاتم ابن حبان كثّفُ: ((تتبعت معنى هذا الحديث مدة، وعددت الطاعات،
فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئاً كثيراً، فرجعت إلى السنن فعددت كل طاعة عدها
رسول الله 8﴿ من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فرجعت إلى كتاب الله فعددت
كل طاعة عدها الله من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت إلى الكتاب
السنن، وأسقطت المعاد، فإذا كل شيء عده الله ورسوله لعل من الإيمان بضع وسبعون، لا يزيد
عليها ولا ينقص، فعلمت أن مراد النبيّ وَير أن هذا العدد في الكتاب والسنة)) اهـ.
قوله: (شعبة) إلخ: هي في الأصل غصن الشجر، وفرع كل أصل، ففيه تشبيه الإيمان
بشجرة ذات أغصان وشعب، كما أن في القرآن تشبيه الكلمة الدالة على حقيقة الإيمان بشجرة
طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء(١)، أي: أصلها ثابت في القلب، وفرعها - أي: شعبها -
مرفوعة في السماء.
قال علي القاري تغذُّهُ: ((قال ابن حجر: تمسك بالحديث القائلون بأن الإيمان فعل جميع
الطاعات، والقائلون بأنه مركب من الإقرار والتصديق والعمل، وليس كما زعموا، لأن الكلام
في شعب الإيمان لا في ذاته، إذ التقدير: ((شعب الإيمان)) حتى يصح الإخبار عنه بسبعين شعبة،
(١) قال الله تعالى: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفروعها في السماء﴾
[إبراهيم: ٢٤].

٥٦٥
كتاب: الإيمان
وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)» .
إذ يرجع حاصله في الحقيقة إلى أن شعب الإيمان كذا، وشعب الشيء غيره)) اهـ.
قوله: (والحياء شعبة من الإيمان) إلخ: الحياء في اللغة: تغير وانكسار يعتري الإنسان من
خوف ما يعاب به. ويلام عليه، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من
لوازمه .
وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولهذا
جاء في الحديث الآخر ((الحياء خیر کله)).
فإن قيل: الحياء من الغرائز، فكيف جعل شعبة من الإيمان؟
أجيب بأنه قد يكون غريزة، وقد يكون تخلقاً، ولكن استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى
اكتساب وعلم ونية، فهو من الإيمان لهذا ولكونه باعثاً على فعل الطاعة، وحاجزاً عن فعل
المعصية .
قال الراغب: ((الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن
ارتكاب كل ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جبن وعفة، فلذلك لا يكون
المستحي فاسقاً، وقلما يكون الشجاع مستحياً، وقد يكون لمطلق الانقباض كما في بعض
الصبيان)).
وقال غيره: هو انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره، أعم من أن يكون شرعياً أو عقلياً
أو عرفياً، ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث أبله.
قال آخر: إن كان في محرم فهو واجب، وإن كان في مكروه فهو مندوب، وإن كان في
مباح فهو العرفي، وهو المراد بقوله: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)).
ويجمع كل ذلك أن المباح إنما هو ما يقع على وفق الشرع. إثباتاً ونفياً، لا يقال: رب
حياء يمنع عن قول الحق، أو فعل الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأن ذلك ليس
شرعياً .
وقال ابن الصلاح: ((إن هذا ليس بحياء حقيقة. بل هو عجز ومهانة، وإنما تسميته حياءً من
إطلاق بعض أهل العرف. أطلقوه مجازاً لمشابهة الحياء الحقيقي في الصورة)».
قال الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي في الفتوحات: ((فالعاقل لا ينبغي له أن يغار إلا في
مواطن مخصوصة شرعها الحق تعالى له، لا يَتَعَدّاها، وكل غيرة تعدت ذلك فهي خارجة عن
حكم العقل، منبعثة عن حكم الهوى، فليس لإنسان أن يغار على كشف زوجته وجهها في
الإحرام، فإن الله تعالى قد شرع لها ذلك. وأوجب عليها كشفه مع أن الله تعالى أغير من جميع
خلقه، كمـ في الصحيح: ((إن سعداً لغيور، وأنا أغير من سعد، والله أغير مني، ومن غيرته أنه
تعالى حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)) فمن زاد على ما جعل الحق تعالى غيرته فيه من

٥٦٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الفواحش: فكأنه ادعى أنه أغير من الله تعالى، لكونه غار على أمر ليس هو بفاحشة عند الله
تعالى، وما أحسن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ
تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء، آية: ٦٥].
ثم قال: ((وكم قاسينا في هذا الباب من المحجوبين، حيث غلبت أهواؤهم على عقولهم،
فأنا آخذ بحجزهم عن النار، وهم يقتحمون فيها، وقد دَعا رسولَ اللهِ وَله بعضُ الصحابة إلى
طعامه، فقال لهم النبيّ ◌َّر: ((وهذه)) وأشار إلى عائشة رضيؤها فقال الرجل: ((لا))، فأبى أن يجيبه
إلى أن أنعم له فيها أن تأتي معه، فأقبلا يتدافعان - يعني النبيّ وَّر وعائشة - إلى منزل ذلك
الرجل، والله تعالى يقول: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [سورة الأحزاب، آية: ٢١]. فأين
إيمانك اليوم لو رأيت صاحب منصب من قاض أو خطيب أو وزير أو سلطان يفعل مثل هذا،
تأسياً برسول الله وسي؟ هل كنت تنسبه إلا إلى سفساف الأخلاق؟ ولو أن هذه الصفة لم تكن من
مكارم الأخلاق ما فعلها رسول الله وَّر، فإنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق، ونظير هذه الواقعة
نزوله {8# من فوق المنبر - وهو يخطب - حتى أخذ الحسن والحسين، وصعد بهما المنبر لما
رآهما يعثران في أذيالهما، ثم عاد إلى خطبته، أترى ذلك كان من نقص حال؟ لا والله! بل كان
من كمال معرفته بربِّه عز وجل، لأن ذلك من الشغل بالله، لا عن الله.
وقد عاب العارفون على الشبلي تَّثُ لما سمع قارئاً يقرأ ﴿إِنَّ أَضْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِى شُغُلٍ
فَكِهُونَ (®َ هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ﴾ [سورة يس، آية: ٥٥ . ٥٦] فقال: ((إنه شغلهم بالجنة عنه تعالى، اللهم لا
تجعلني منهم)) وقال للشبلي: ((إن الله تعالى قد ذكر الشغل عن أصحاب الجنة، وإنهم وأزواجهم
في ذلك الشغل، وما عرّفنا تعالى بمن تفكهوا هم وأزواجهم، فيما ذا يحكم الشبلي عليهم بأنهم
اشتغلوا بذلك عن الله عز وجل)).
قال الشيخ: ((وقد عدوا هذا من قصور نظر الشبلي تغذفه حيث جرح أهل الجنة ببادىء
الرأي، ولعل ذلك كان في بدايته)) وأطال في ذلك، ثم قال: ((فعليك يا أخي بالغيرة الإيمانية
الشرعية، ولا تزد عليها فتشقى في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلا تزال متعوب النفس فيما لا
ينبغي الاعتراض عليه، وأما في الآخرة فلأنه يؤدي إلى سؤال الحق تعالى لك عن ذلك، وعما
ينسحب عليه ومعه من الاعتراض بالحال على الله تعالى في أحكامه وحصول الكراهية في النفس
مما أباحه الله تعالى)).
ولقد أطلنا الكلام في هذا ليكون تنبيهاً لإخواننا المسلمين في هذا الزمان، لا سيما
علمائهم على اغترارهم بالحياء العرفي، والغيرة الكاذبة، والتواضع الرسمي، الذي هو رياء
حقيقةً. يتخذون ذلك ذريعة إلى القبول عند الخلق، وحصول الجاه والمال، وهم مع ذلك
يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .

٥٦٧
كتاب: الإيمان
١٥٢ - (٥٨) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ
وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً. فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. وَأَذْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ
الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)).
تكميل:
فإن قلت: لِمَ أفرد الحياء بالذكر من بين الشعب الإيمانية المتوسطة؟
قلنا: لأنه الداعي إلى الكل، فإن الحيي يخاف فضيحة الدنيا وفظاعة العقبى، فينزجر عن
المناهي ويرتدع عن الملاهي، ولذا قيل: حقيقة الحياء: أن مولاك لا يراك حيث نهاك، وهذا
مقام الإحسان المسمَّى بالمشاهدة، الناشىء عن حال المحاسبة والمراقبة، فهذا الحديث الجليل
كأنه مجمل حديث جبريل، فأفضلها - أي: قول لا إله إلا الله - مشير إلى الإيمان، وأدناها - أي:
إماطة الأذى عن الطريق - مشعر إلى الإسلام، والحياء مؤم إلى الإحسان.
ومن ثم قال ◌َله: (استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا لنستحيي من الله تعالى حق
الحياء يا رسول الله، والحمد لله، قال: ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن يحفظ
الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، ويذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة تَرَك زينة الدنيا
وآثر الآخرة على الأولى، فمن يعمل ذلك: فقد استحيى من الله حق الحياء)) رواه الترمذي في
جامعه(١).
٥٨ - ( ... ) - قوله: (فأفضلها قول لا إله إلا الله) إلخ: لإنبائه عن التوحيد المتعين على
كل مكلف، الذي لا يصح غيره إلا بعد صحته، فهو الأصل الذي يبنى عليه سائر الشعب، أو
لتضمنه شرعاً معنى التوحيد الذي هو التصديق، والتزامه عرفاً سائر العبادات على التحقيق.
قوله: (وأدناها) إلخ: أي: أقربها منزلة وأدونها مقداراً ومرتبة، بمعنى: أقربها تناولاً،
وأسهلها تواصلاً، من الدنو بمعنى القرب، فهو ضد: ((فلان بعيد المنزلة)) أي: رفيعها .
قوله: (إماطة الأذى) إلخ: أي: إزالته، والأذى مصدر بمعنى المؤذي، أو مبالغة، أو اسم
لما يؤذى به، كشوكة أو حجر أو قذر.
قال الحسن البصري تغّثُ في تفسير الأبرار: ((هم الذين لا يؤذون الذر، ولا يرضون
الشر))(٢) والشعبة الأولى من العبادات القولية، والثانية من الطاعات الفعلية، أو الأولى فعلية،
والثانية تركية، أو الأولى من المعاملة مع الحق، والثانية من المجاملة مع الخلق، أو الأولى من
(١) انظر كتاب صفة القيامة، باب (٢٤) رقم (٢٤٥٨).
(٢) وفي نسخة ((الضر)) من المؤلف رحمه الله.

٥٦٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٥٣ - (٥٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ (١)، سَمِعَ النَّبِيُّ نَهَ رَ جُلاً
يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ. فَقَالَ: ((الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ)».
القيام بحق الله، والثانية من القيام بحق العباد، فمن قام بهما صدقاً كان من الصالحين حقاً)).
٥٩ - (٣٦) - قوله: (عن سالم) إلخ: هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، التابعي
الجليل، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، على أحد الأقوال.
وقال ابن المسيب: كان سالم أشبه ولد عبد الله بعبد الله ربه، وعبد الله أشبه ولد عمر
بعمر رغپلە .
وقال مالك: لم يكن في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد منه، كان
يلبس الثوب بدرهمین .
وقال ابن راهويه: أصح الأسانيد كلها: الزهري عن سالم عن أبيه، وكان أبوه يلام في
إفراط حب سالم، وكان يقبله ويقول: ألا تعجبون من شيخ يقبل شيخاً، كذا في عمدة القاري.
قوله: (يعظ أخاه) إلخ: أي: ينصح له، وفي رواية للبخاري: ((يعاتب أخاه في الحياء)»
و ((في)) سببية. فكأن الرجل كان كثير الحياء، فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه
على ذلك.
قوله: (فقال: الحياء من الإيمان) إلخ: وفي البخاري: ((دعه، فإن الحياء من الإيمان))
أي: اتركه على هذا الخلق السنيّ. فإنه من الإيمان. وإذا كان الحياء يمنع صاحبه من استيفاء
حق نفسه جرّ له ذلك تحصيل أجر ذلك الحق.
وقال ابن قتيبة: ((معناه: إن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإيمان،
فسمي إيماناً كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه)).
وقال أبو العباس القرطبي تقّثُ تعالى: ((الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من
الإيمان، وهو المكلف به دون الغريزي، غير أن من كان فيه غريزة منه فإنه تعينه على المكتسب،
وقد ينطبع بالمكتسب حتى يصير غريزاً، قال: وكان النبيّ ◌َّ قد جمع له النوعان. فكان في
(١) قوله: ((عن أبيه)) وهو سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في
كتاب الإيمان، باب الحياء من الإيمان، رقم (٢٤). وفي كتاب الأدب، باب الحياء، رقم (٦١١٨).
والنسائي في سننه في كتاب الإيمان وشرائعه، باب الحياء، رقم (٥٠٣٦). وأبو داود في سننه في كتاب
الأدب، باب في الحياء رقم (٤٧٩٥). والترمذي في جامعه في كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الحياء من
الإيمان رقم (٢٦١٥) وابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب في الإيمان رقم (٥٨).

٥٦٩
كتاب: الإيمان
١٥٤ - (٠٠٠) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ.
١٥٥ - (٦٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)
قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ (١)
يُحَدِّثُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ خُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا
بِخَيْرٍ)).
فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَاراً وَمِنْهُ سَكِينَةٌ. فَقَالَ
عِمْرَانُ: أُحَدِّتُكَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ.
الغريزي أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها، وكان في الحياء المكتسب في الذروة العليا، وَّر)) اهـ.
٦٠ - (٣٧) - قوله: (حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار) إلخ: قال الشارح: ((رجال
هذا الإسناد والإسناد الذي يليه كلهم بصريون، وهذا من النفائس: اجتمع الإسنادين في الكتاب
متلاصقين جميعهم بصريون، وشعبة وإن كان واسطياً فهو بصري أيضاً، فكان واسطياً بصرياً،
فإنه انتقل من واسط إلى بصرة، واستوطنها)) اهـ.
قوله: (سمعت أبا السوار) إلخ: بفتح المهملة وتشديد الواو وبعد الألف راء، اسمه حريث
على الصحيح، وقيل غير ذلك، كذا في الفتح.
قوله: (أن منه وقاراً ومنه سكينة) إلخ: وفي رواية أبي قتادة الآتية: ((أن منه سكينة
ووقاراً لله، وفيه ضعف)) وهذه الزيادة متعينة. قال الحافظ: ((ومن أجلها غضب عمران، وإلا
فليس في ذكر السكينة والوقار ما ينافي كونه خيراً، أشار إلى ذلك ابن بطال، لكن يحتمل أن
يكون غضب لقوله: ((منه)) لأن التبعيض يفهم أن منه ما يضاد ذلك. وهو قد روي أنه كله خير)).
وقال القرطبي: ((معنى كلام بشير أن من الحياء ما يحمل صاحبه على الوقار، بأن يوقر
غيره، ويتوقر هو في نفسه. ومنه ما يحمله على أن يسكن عن كثير مما يتحرك الناس فيه من
الأمور التي لا تليق بذوي المروءة، ولم ينكر عليه عمران هذا القدر من حيث معناه، وإنما أنكره
عليه من حيث أنه ساقه في معرض من يعارض كلام الرسول بكلام غيره)).
وقيل: إنما أنكر عليه لكونه خاف أن يخلط السنة بغيرها، ويؤيد هذا الاحتمال ما ورد في
(١) قوله: ((سمعت أبا السوار يحدث أنه سمع عمران بن حصين)) الحديث أخرجه بهذا الطريق البخاري في
صحيحه، في كتاب الأدب، باب الحياء، رقم (٦١١٧). وأخرجه أبو داود في سننه بالطريق الآتي برقم
(١٦٦) عن أبي قتادة عن عمران، انظر كتاب الأدب، باب في الحياء رقم (٤٧٩٦).

٥٧٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٥٦ - (٦١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ
إِسْحَاقَ (وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ) أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حَدَّثَ؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي رَهْطِ
مِنَّا، وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ، فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((الْحَيَاءُ خَيْرٌ
كُلُّهُ)). قَالَ: أَوْ قَالَ: ((الْخِيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ)). فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوِ
الْحِكْمَةِ أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَاراً لِلَّهِ، وَمِنْهُ ضَعْفٌ. قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَتَا عَيْنَاهُ.
وَقَالَ: أَلَا أُرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ وَتُعَارِضُ فِيهِ؟ قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ.
قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ. قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّهُ لا بَأْسَ
بِهِ .
رواية أحمد - وتعرض فيه بحديث الكتب - وقريب منه ما في مسلم: ((لا أراني أحدثك عن
رسول الله ﴿ ﴿ وتعارض فيه)) قاله الحافظ في الفتح.
قلت: ولو فرضنا أنه لم يكن المقصود من كلام بشير بن كعب إلا تأييد حديث عمران لا
معارضته بوجه من الوجوه: فتأييد كلام الحكماء بكلام النبيّ وَلّ أوفق بحسن الأدب وأقرب إلى
الخير. ورصانة العقل من تأييد كلامه بكلامهم، اللهم إلا عند الضرورة المهمّة، والضرورات
تقدر بقدرها .
٦١ - ( ... ) - قوله: (في رهط) إلخ: هو ما دون العشرة من الرجال خاصة، لا تكون
فيهم امرأة، وليس له واحد من اللفظ، والجمع ((أرْهُطٌ)) و((أرْهَاط)) و((أَرَاهِيْطُ)) و((أرَاهِطُ)).
قوله: (وفينا بشير بن كعب) إلخ: بالموحدة والمعجمة، مصغراً، تابعي جليل، وقد ذكر
مسلم تَّثُ في المقدمة لبشير بن كعب هذا قصة مع ابن عباس، تشعر بأنه كان يتساهل في الأخذ
عن كل من لقيه .
قوله: (الحياء خير كله) إلخ: اعلم أن الغرائز ليست في نفسها خيراً ولا شراً، بل باعتبار
محالّ استعمالها، فإذا كانت واقعة مواقعها وصائبة مراميها فهي خير، وإلا فهي شرٌّ إذا عدلت
عن محالّها. فمعنى الحديث - والله أعلم - أن الحياء خير لا يأتي إلا بخير، أي: في أكثر
الأحيان باعتبار موارد استعماله، وللطبراني من حديث قرة بن إياس: «قيل لرسول الله اليه :
الحياء من الدين؟ فقال: بل هو الدين كله)) وله من وجه آخر: الحياء من الإيمان، والإيمان في
الجنة)).
قوله: (ومنه ضعف) إلخ: بفتح الضاد وضمها، لغتان مشهورتان.
قوله: (إنه منّا يا أبا نجيد) إلخ: أي: ليس هو ممن يتهم بنفاق، أو زندقة، أو بدعة، أو
غيرها مما يخالف به أهل الاستقامة.

٥٧١
كتاب: الإيمان
١٥٧ - (٠٠٠) حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَذَوِيُّ.
قَالَ: سَمِعْتُ حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيَّ يَقُولُ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َه ...
نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدِ .
(١٣) - باب: جامع أوصاف الإسلام
١٥٨ - (٦٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ.
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ (٦)؛
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِيَ فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً،
أما نجيد فبضم النون وفتح الجيم، وآخره دال مهملة، وأبو نجيد هو عمران بن الحصين،
کنی بابنه نجید.
( ... ) - قوله: (أخبرنا النضر) إلخ: هو ابن شميل، الإمام الجليل.
قوله: (حدثنا أبو نعامة) إلخ: بفتح النون، واسمه عمرو بن عيسى بن سويد، وهو من
الثقات الذين اختلطوا قبل موتهم، وقد قدمنا فيما مر أن ما كان في الصحيحين عن المختلطين:
فهو محمول على أنه علم أنه أخذ عنهم قبل الاختلاط.
قوله: (سمعت حجير بن الربيع) إلخ: بضم الحاء وبعدها جيم مفتوحة وآخره راء، والله
أعلم بالصواب.
(١٣) - باب: جامع أوصاف الإسلام
٦٢ - (٣٨) - قوله: (عن سفيان بن عبد الله الثقفي) إلخ: الثقفي بفتحتين، نسبة إلى قبيلة
ثقيف، يكنى أبا عمرو، وقيل: أبا عمرة، يعد في أهل الطائف، له صحبة، وكان عاملاً لعمر بن
الخطاب على الطائف، مروياته خمسة أحاديث.
قوله: (قل لي في الإسلام) إلخ: أي: فيما يكمل به الإسلام، ويراعي به حقوقه ويستدل
به على توابعه، وقيل: التقدير في مبادىء الإسلام وغاياته.
(١) قوله: ((سفيان بن عبد الله الثقفي)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب الزهد، باب ما جاء في
حفظ اللسان، رقم (٢٤١٠)، وابن ماجه في سننه في كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، رقم
(٣٩٨٢).
وأخرجه النسائي أيضاً في كتاب التفسير وكتاب الرقائق من سننه الكبرى. كما في تحفة الأشراف للمزي
رحمه الله (٢٠/٤، رقم ٤٤٧٨).

٥٧٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَداً بَعْدَكَ (وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ غَيْرَكَ) قَالَ: ((قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ
٠٠
قوله: (لا أسأل عنه أحداً) إلخ: أي: قولاً جامعاً لا أحتاج فيه إلى سؤال أحد بعد
سؤالك هذا .
قوله: (قل: آمنت بالله) إلخ: هذا مقتبس من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
أُسْتَقَامُواْ﴾ [سورة فصلت، آية: ٣٠، وسورة الأحقاف، آية: ١٣] يعني: على امتثال الأوامر واجتناب
الزواجر: ﴿فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة الأحقاف، آية: ١٣] وفي آية أخرى: ﴿تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ
﴾ [سورة فصلت، آية: ٣٠].
الْمَلَتَبِكَةُ أَلَّا تَّخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ
روي عن علي رضيته أنه قال: ((قلت: يا رسول الله، أوصني، فقال: قل: ربي الله، ثم
استقم، قال: قلت: ربي الله، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، فقال: ليهنك العلم
أبا الحسن!)).
وهذا الحديث من جوامع الكلم، الشامل لأصول الإسلام، التي هي التوحيد والطاعة،
فالتوحيد حاصل بقوله: ((آمنت بالله)) والطاعة بأنواعها مندرجة تحت قوله: ((ثم استقم)) لأن
الاستقامة امتثال كل مأمور، واجتناب كل محذور، فيدخل فيه أعمال القلوب والأبدان: من
الإيمان والإسلام والإحسان، إذ لا تحصل الاستقامة مع شيء من الاعوجاج، ولذا قالت
الصوفية: الاستقامة خير من ألف كرامة. أو نقول: ((آمنت بالله)) شامل للإتيان بكل الطاعات،
والاجتناب عن كل المنهيات، وقوله: ((ثم استقم)) محمول على الثبات فيها، ولعظمة أمر
الاستقامة قال فِالَّلهُ: ((شَيَّبَتْني هود، وأخواتها))، لأنه نزل فيها: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [سورة هود،
آية: ١١٢] وهي جامعة لجميع أنواع التكاليف. وقالت الصوفية: لأن الدعوة إلى الله - مع كون
المدعو على الصراط المستقيم - أمر صعب، لا يمكن إلا إذا كان الداعي على بصيرة يرى أنه
يدعوه من اسم إلى اسم.
قال ابن عباس رضيُه في قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [سورة هود، آية: ١١٢]: ((ما نزل
على رسول الله وَّر في جميع القرآن آية كانت أشدَّ ولا أشقّ عليه من هذه الآية)).
وقال الفخر الرازي كثّفُ تعالى: ((الاستقامة أمر صعب شديد، لشمولها العقائد: بأن
يجتنب التشبيه والتعطيل، والأعمال: بأن يحترز عن التغيير والتبديل، والأخلاق: بأن يبعد عن
طرفي الإفراط والتفريط)).
وقال الغزالي كآله: «الاستقامة على الصراط في الدنيا صعب، كالمرور على صراط
جهنم، وكل واحد منهما أدق من الشعر وأحد من السيف)) اهـ.
ومما يؤيد صعوبة هذا المرقى خبر: ((استقيموا ولن تحصوا)) أي: ولن تطيقوا أن تستقيموا
حق الاستقامة، ولكن اجتهدوا في الطاعة حسب الاستطاعة، فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله.

٥٧٣
كتاب: الإيمان
ثُمَّ اسْتَقِمْ)» .
(١٤) - باب: بيان تفاضل الإسلام، وأي أموره أفضل
١٥٩ - (٦٣) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ
الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ،
قال الغزالي كثّفُ: ((لعزة الاستقامة والاحتياج إليها في كل حالة أمر الله تعالى عباده بقراءة
الفاتحة المتضمنة للدعاء بالاستقامة أمر وجوب، في الأوقات الخمسة)). نسأل الله تعالى
الاستقامة الشاملة لحسن الخاتمة، كذا في المرقاة.
قوله: (ثم استقم) إلخ: وهي لغة ضدّ الاعوجاج، أي: الاستواء في جهة الانتصاب،
وتنقسم إلى استقامة العمل، واستقامة القلب، واستقامة الروح، عند الصوفية، وتفصيل هذه
الدرجات في كتب التصوف والأخلاق.
(١٤) - باب: بيان تفاضل الإسلام وأيُّ أموره أفضل
٦٣ - (٣٩) - قوله: (وحدثنا محمد بن رمح بن المهاجر) إلخ: رجال هذا الإسناد،
والإسناد الآتي من قوله: ((حدثني أبو طاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح
المصري)) إلخ: كلهم مصريون، أئمة جِلَّة، وهذا من عزيز الأسانيد في مسلم، بل في غيره، فإن
إتفاق جميع الرواة في كونهم مصريين في غاية القلة، ويزداد قلة باعتبار جلالة الرواة.
قال ابن يونس: محمد بن رمح ثقة ثبت في الحديث، وكان أعلم الناس بأخبار البلد
وفقهه، وكان إذا شهد في كتاب: علم أهل البلدة أنها طيبة الأصل. وذكره النسائي، فقال: ما
أخطأ في حديث. ولو كتب عن مالك لأثبتُّه في الطبقة الأولى من أصحاب مالك. وأثنى عليه
غيرهما، - والله أعلم - .
قوله: (أنا الليث) إلخ: هو الليث بن سعد، وإمامته، وجلالته، وصيانته، وبراعته،
وشهادة أهل عصره: بسخائه وسيادته، وغير ذلك من جميل حالاته: أشهر من أن تذكر، وأكثر
من أن تحصر .
ويكفي في جلالته شهادة الإمامين الجليلين: الشافعي وابن بكير رحمهما الله تعالى: أن
الليث أفقه من مالك، فهذان صاحبا مالك وقد شهدا بما شهدا، وهما بالمنزلة المعروفة من
الإتقان والورع، وإجلال مالك، ومعرفتهما بأحواله هذا كله، مع ما قد علم من جلالة مالك
وعظم فقهه .
قال محمد بن رمح: كان دخلُ الليثِ ثمانين ألف دينار ما أوجب الله تعالى عليه زكاة قط.
وقال قتيبة: لما قدم الليث أهدى له مالك من طرف المدينة، فبعث إليه الليث ألف دينار، وكان
الليث مفتي أهل مصر في زمانه، كذا في الشرح.

٥٧٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (١)؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ: أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعَامَ،
قال العيني في شرح البخاري: روى الليث عن جماعة كثيرين، وروى عن أبي حنيفة،
وعدّه أصحابنا من أصحاب أبي حنيفة كثُّ وكذا قال القاضي شمس الدين ابن خلكان.
قوله: (عن يزيد بن أبي حبيب) إلخ: كنيته أبو رجاء، وهو تابعي.
قال ابن يونس: وكان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان حليماً عاقلاً، وكان أول من أظهر
العلم بمصر، والكلام في الحلال والحرام، وقبل ذلك كانوا يتحدثون بالفتن والملاحم،
· والترغيب في الخير. قال الليث بن سعد: يزيد سيدنا وعالمنا. واسم أبي حبيب سُوَيد.
قوله: (عن أبي الخير) إلخ: بالخاء المعجمة، واسمه مرثد - بالمثلثة - ابن عبد الله اليزني،
منسوب إلى يزن بطن من حمير، قال أبو سعيد بن يونس: كان أبو الخير مفتي أهل مصر في
زمانه .
قوله: (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) إلخ: صحابي مشهور، وجلالته وفقهه وكثرة
حديثه وشدة ورعه وزهادته وإكثاره من الصلاة والصيام وسائر العبادات وغير ذلك من أنواع
الخير: معروفة، لا يمكن استقصاؤها، فرضي الله عنه، وكان بينه وبين أبيه في السن إحدى
عشرة سنة كما جزم به بعضهم، وقال البعض: كان أبوه أكبر منه بثلاث عشرة سنة، وقيل باثنتي
عشرة سنة، عمي آخر عمره، وكان أكثر حديثاً من أبي هريرة، لأنه كان يكتب، لكن ما روي عنه
- وهو سبع مائة حديث - قليل بالنسبة لما روي عن أبي هريرة، وكان ممن قرأ الكتب، واستأذن
النبيّ ◌َّ في أن يكتب حديثه فأذن له.
تنبيه:
قد جرت العادة بكتابة حرف الواو بعد ((عمرو)) ليتميز عن ((عمر)) ومن ثم لم يكتب حالة
النصب لتميزه عنه بالألف.
قوله: (أيُّ الإسلام خير) إلخ: أيّ خصاله وأموره وأحواله)).
قوله: (قال: تطعم الطعام) إلخ: في هذا الحديث الحثّ على تألف قلوب المسلمين،
واجتماع كلمتهم، وتوادهم، واستجلاب ما يحصل ذلك.
(١) قوله: ((عن عبد الله بن عمرو أن رجلاً سأل رسول الله وَّ)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب
الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام، رقم (١٢) وباب إفشاء السلام من الإيمان، رقم (٢٨) وفي كتاب
الاستئذان، باب السلام للمعرفة وغير المعرفة، رقم (٦٢٣٦)، النسائي في سننه، في كتاب الإيمان
وشرائعه، باب أي الإسلام خير، رقم (٥٠٠٣)، وأبو داود في سننه، في كتاب الأدب باب في إنشاء
السلام، رقم (٥١٩٤)، وابن ماجه في سننه، في كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام، رقم (٣٢٥٣).

٥٧٥
كتاب: الإيمان
قال القاضي: ((والألفة إحدى فرائض الدين وأركان الشريعة، ونظام شمل الإسلام)).
قال الشارح: ((وإنما وقع اختلاف الجواب في ((خير المسلمين)) كما في الرواية الآتية من
قوله وَلي: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)) لاختلاف حال السائل والحاضرين، فكان في
أحد الموضعين الحاجة إلى إفشاء السلام وإطعام الطعام أكثر وأهم، لما حصل من إهمالهما،
والتساهل في أمورهما، ونحو ذلك، وفي الموضع الآخر إلى الكفّ عن إيذاء المسلمين، فأرشد
إلیه)).
قال الحافظ تَخَّتُهُ: ((وخص هاتين الخصلتين بالذكر لمسيس الحاجة إليهما في ذلك الوقت،
لما كانوا فيه من الجهد، ولمصلحة التأليف، ويدل على ذلك أنه ◌َّ حثَّ عليهما أوّل ما دخل
المدينة، كما رواه الترمذي وغيره مصححاً من حديث عبد الله بن سلام، قال: ويمكن التوفيق
بين هذين الحديثين بأنهما متلازمان، إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد. والسلام لسلامة اللسان،
قاله الكرماني، وكأنه أراد في الغالب)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: قد وردت أحاديث صحاح على منوال حديث الباب،
الأسئلة فيها متحدة أو متقاربة، والأجوبة متباينة متغائرة.
فقد روي عن عبد الله بن عمرو نظ به: ((أن رجلاً سأل رسول الله ويلي: أي الإسلام خير؟
قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)) وهذا حديث الباب.
وقد روي في الصحيح عن أبي هريرة، قال: سئل رسول الله وَلغيره، أيّ الأعمال أفضل،
قال: ((إيمان بالله. قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور)).
وروي في الصحيح أيضاً عن عبد الله بن مسعود به، قال: ((سألت رسول الله وَله: أي
الأعمال أفضل؟ - وفي رواية: أي الأعمال أحب إلى الله - قال: الصلاة لوقتها، قلت: ثم أي؟
قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال الجهاد في سبيل الله)) وغير ذلك من الأحاديث.
وهذا كله محمول عندنا - والله أعلم - على الاختلاف في وجوه الأفضلية وشؤون المزية،
فإنها لا تنحصر في وصف واحد وحيثية واحدة، بل ترجع إلى تنويع أوصاف الكمال وتشقيق
مراتب الفضل ومدارج الخير، وكفاك إيضاحاً لهذا المطلب قوله ◌َّهُ: ((أرْحَمُ أمَّتِيْ بِأُمَّتِيْ أبو
بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقضاهم علي)) وقوله وَّر: ((أقرؤهم
أبي بن كعب))، وقوله مَله: ((لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)) وغير ذلك
من الأحاديث الواردة في المفاضلة بين الأصحاب، وإن كان الفضل الكلي ، ثابتاً لواحد منهم لا
يدانيه فيه غيره، وكذا الحال في الأعمال الشرعية، فإن بعض الأعمال خير من بعض من حيث
استحسانه عند كافة الخلق - مسلمهم وكافرهم ومحسنهم ومسيئهم - وكونه مرغوباً فيه لكل أحد

٥٧٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
باقتضاء الفطرة الإنسانية واستمالة قلوب الناس إلى عامله، واستجلاب التردد بين الناس:
كالعفو، وطلاقة الوجه ولين الجانب، ومواساة ذوي الحاجة، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام
على من عرفه ومن لم يعرفه، وهذا مراد الحديث الأول من الأحاديث الثلاثة التي ذكرناها .
قال عز شأنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْ كُنْتَ فَّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ
عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِ اُلْأَمْ﴾ [سورة آل عمران، آية: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُّنْ يَاَلْعُرْفٍ
وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِنَ (٣٩)﴾ [سورة الأعراف، آية: ١٩٩] وقال تعالى: ﴿وَلَا شَْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيْتَّةُ
أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَنَّهُ وَبِىُّ حَمِيمٌ (٨) وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا
يُكَفَّنِهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ (٢٥)﴾ [سورة فصلت، آية: ٣٤ و ٣٥] فهذا القسم من الأعمال له فضل على
ما سواه بهذه الجهة، وهذا لا ينافي أن يحصل لما سواه مزية وفضل عليه من جهة أخرى كترتب
أعظم الثواب وجزيل الأجر على فعله، بسبب تحمل المشاق والصعوبات، وإيثار الحق على
جميع الخلق، وقطع شواهق الابتلاء من الله، والزلزال الشديد في تحصيله، فإن العطايا: على
متن البلايا، ولنعم ما قيل:
قلل الجبال ودونهن حتوف
كيف الوصول إلى سعاد ودونها
فأول عمل كان في زمن النبيّ 98 من هذا الصنف هو الإيمان بالله وبرسوله وَل*، وترك
أديان الآباء والأجداد، فإنه لم يكن أمر أشد وأشق عليهم من هذا الأمر.
ألا ترى أن قريشاً قَاتَلُوا، وقُتِلُوا، وأهلكوا أنفسهم وأموالهم وعيالهم، وأخربوا بيوتهم
بأيديهم، إلا أنهم لم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به النبيّ الكريم وَّر، ولم يكن هذا منهم إلا
نصرة لآلهتم الباطلة، وجموداً على ما وجدوا آباءهم وقومهم، وكبتاً لمعالم الدين الإلهية،
واتباعاً للأوهام والظنون القديمة، التي ما أنزل الله بها من سلطان.
وأما الذين آمنوا منهم فآذوهم بأنواع الإيذاء، فأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، وما نقموا
منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، فالدخول في الإيمان بعد الكفر هو: أشق الأعمال
المأمور بها في الشريعة.
ثم بعد ذلك: الجهاد في سبيل الله، فإن المجاهد انخلع من دنياه في حياته، وباع نفسه
وماله من الله. لا بثمن بخس دراهم معدودة، بل بأن له الجنة، يقاتل في سبيل الله، فيَقْتُل
ويُقْتَلُ، ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنِلِ وَالْقُرْءَانِ﴾ [سورة التوبة، آية: ١١١] ﴿وَمَنْ أَوْلَى بِمَا عَهَدَ
عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة الفتح، آية: ١٠].
·· ثم يليه الحج المبرور في المشقة وإتعاب النفس في صرف الأموال ووعثاء السفر والجهد
الشديد، مع الانقطاع عن الدنيا والرغبة في الآخرة، ولذا صار الحج جهاد النساء، فكأنه الجهاد
الأصغر، وإلى ههنا انتهى بيان الحديث الثاني.

٥٧٧
كتاب: الإيمان
وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ
فتحصل مما ذكرنا أن لبعض الأعمال مزية على بعض، من جهة كونه مرغوباً فيه لكل
أحد، ومسلّماً حسنه وفضله عند نوع الإنسان، وللبعض الآخر من جهة كونه أعظم أجراً لعدم
الوصول إليه إلا بشق الأنفس، وفي بعض الأعمال ملحظ سوى هذين الملحظين يوجب فضله
على غيره، وهو كونه بهيئته أشد ملائمة لما هي الوظيفة الأصلية للعبيد بالنسبة إلى مولاهم، فإن
شأن العبد الإطاعة والمسارعة إلى امتثال الأوامر وعدم التجبر والاستكبار، وإعلان تذلله
الكامل، ومحكوميته المطلقة، بصورته، وسيرته، وخفض الجناح لمولاه الحقيقي أولاً، كما في
الصلاة لوقتها، ثم لوالديه ثانياً، فإنهما يقومان مقامه في إيجاده بحسب الصورة، قال الله تعالى:
﴿ أَنِ اشْكُرْ لِيٍ وَلَوْلِدَيْكَ﴾ [سورة لقمان، آية: ١٤] وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِيَّهُ
وَبِأَلْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [سورة الإسراء، آية: ٢٣]. ثم للسلطان والإمام وأولي الأمر ثالثاً، فإن السلطان
ظل الله في الأرض، وفي الحديث: ((اسمعوا وأطيعوا، وإن أمّرٍ عليكم عبد حبشي مجدع
الأطراف)). وقال الله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ الَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء، آية: ٥٩] وأظهر
ما يطاع فيه السلطان بأمر الله تعالى وأعظمه: الجهاد في سبيل الله، هذا هو محمل الحديث
الثالث. فتم بيان الأحاديث الثلاثة التي أوردناها في صدر الكلام - ولله الحمد والمنة - على وجه
يزيل الإشكال في اختلاف الأجوبة مع اتحاد السؤال، وثبت أن أصناف الفضل في حد ذاتها
مختلفة، وقد مرّ في شرح حديث أبي هريرة أن شؤون حضرة النبوة مختلفة، المخاطبون أيضاً
مختلفون، ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات.
ولعلك - إن أمعنت النظر فيما ذكرنا - لا يخفى عليك أن الصنف الأول من الأصناف
الثلاثة للفضل ينبغي أن يعبر بالخير، فإنه يقابله الشر، وهذا الصنف أبعد الأصناف من الفتنة
والشرِّ والضرر الحقيقي والصوري، بل هو ذريعة إلى تأليف القلوب واستجلاب توجه الناس
والتراحم فيما بينهم، والصنف الثاني أحق بأن يؤدى بلفظ الأفضل، فإنه من الفضل، وهي
الزيادة يقابلها النقص، ففيه زيادة الأجر والثواب لمكان البلايا والمشاق، والصنف الثالث بأن
يسمى باسم الأحب، فإن خلاف الأحب: الأبغض، وليس شيء أبغض عند المولى من عصيان
عبده، وصورة التمرد وتولية الرأس استكباراً والمشي في الأرض مرحاً، وقس على هذا سائر
الأحاديث المشاكلة لهذه الثلاثة، فنحن قد نبهناك على أنموذج من أصول، فيها عبرة لمن
استبصر، واستبصار لمن اعتبر، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله،
لقد جاءت رسل ربنا بالحق.
قوله: (وتقرأ السلام على من) إلخ: فيه بذل السلام لمن عرفتَ ولمن لم تعرِف، وإخلاص
العمل فيه لله تعالى لا مصانعة ولا ملقاً، وفيه مع ذلك استعمال خلق التواضع، وإفشاء شعار
هذه الأمة.

٥٧٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)).
١٦٠ - (٦٤) وحدّثنا أَبُو الظَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ
الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِيّ
الْخَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (١) يَقُولُ: إِنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ:
أيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟
ثم الابتداء بالسلام سنة مؤكدة، ورده إن كان المسلم عليه واحداً ففرض عيناً، وإن كانت
جماعة ففرض على كفاية، وهذا مخصوص بالمسلمين، فلا يسلم ابتداءً على كافر، لقوله اَله:
((لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه)) رواه
البخاري: وكذلك خص منه الفاسق بدليل آخر، وأما من يشك فيه، فالأصل فيه البقاء على
العموم، حتى ثبت الخصوص، ويمكن أن يقال: إن الحديث كان في ابتداء الإسلام لمصلحة
التأليف ثم ورد النهي .
قوله: (ومن لم تعرف) إلخ: قال الخطابي تَّفُهُ: ((جعل ◌َّرَ أفضل الأعمال: إطعام الطعام
الذي هو قوام الأبدان، ثم جعل خير الأقوال في البر والإكرام: إفشاء السلام الذي يعم ولا
يخص من عرف ومن لم يعرف، حتى يكون خالصاً لله تعالى، بريئاً من حظ النفس والتصنع،
لأنه شعار الإسلام، فحق كل مسلم فيه شائع، وقد ورد في حديث: ((إن السلام في آخر الزمان
للمعرفة يكون)).
٦٤ - (٤٠) - قوله: (أنا ابن وهب) إلخ: هو عبد الله بن وهب، وعلمه، وورعه، وزهده،
وحفظه، وإتقانه، وكثرة حديثه، واعتماد أهل مصر عليه، وإخبارهم بأن حديث أهل مصر وما
والاها يَدُوْرُ عليه، كُلُّه: معروف في كتب أئمة هذا الفن، وقد بلغنا عن مالك بن أنس ظُته أنه
لم يكتب إلى أحد، وعنونه بالفقه إلا إلى ابن وهب قائه.
قوله: (عن عمرو بن الحارث) إلخ: هو مفتي أهل مصر في زمانه، وقارئهم. قال أبو
زرعة كثّفُ: لم يكن له نظير في الحفظ في زمنه. وقال مالك بن أنس: عمرو بن الحارث دُرَّةٌ
الغَوَّاص. وقال: هو مرتفع الشأن. وقال ابن وهب: سمعت من ثلاثمائة وسبعين شيخاً، فما
رأيت أحفظ من عمرو بن الحارث تقدّمُ تعالى.
قوله: (أيُّ المسلمين خير) إلخ: وللبخاري تَُّ من رواية أبي موسى رضيُه: ((قالوا:
(١) قوله: ((عبد الله بن عمرو بن العاس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، باب المسلم
من سلم المسلمون من لسانه ويده، رقم (١٠). وكتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي، رقم (٦٤٨٤).
والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه، باب صفة المسلم، رقم (٤٩٩٩). وأبو داود في سننه، في كتاب
الجهاد، باب في الهجرة هل انقطعت؟ رقم (٢٤٨١).

٥٧٩
كتاب : الإيمان
قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ))(١).
١٦١ - (٦٥) حدّثنا حَسَنٌّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي عَاصِم، قَالَ
عَبْدٌ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِم، عَنِ ابْنِ جُرَيْج؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِراً (٢) يَقُولُ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ يَقُولُ: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)) .
يا رسول الله، أي الإسلام أفضل؟ قال: من(٢) سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده)).
قوله: (قال: من سلم المسلمون من لسانه) إلخ: أي: بالشتم، واللعن، والغيبة،
والبهتان، والنميمة، والسعي إلى السلطان، وغير ذلك، حتى قيل: أول بدعة ظهرت قول
الناس: الطريق الطريق .
قوله: (ويده) إلخ: بالضرب، والقتل، والهدم، والدفع، والكتابة بالباطل، ونحوها.
وخصا لأن أكثر الأذى بهما، أو أريد بهما التمثيل، وقدم اللسان لأن الإيذاء به أكثر وأسهل،
ولأنه أشد نكايةً، كما قال:
جراحات السنان لها التئام
ولا يلتام ما جرح اللسان
ولأنه يعم الأحياء والأموات، وابتلي به الخاص والعام، خصوصاً في هذه الأيام. وعبر
بالسلامة من اللسان دون القول، ليشمل إخراج اللسان استهزاءً بغيره، وقيل: كنى باليد عن سائر
الجوارح، لأن سلطنة الأفعال إنما تظهر بها، إذ بها البطش، والقطع، والوصل، والمنع،
والأخذ، فقيل في كل عمل: هذا ما عملته أيديهم، وإن لم يكن وقوعه بها .
ثم الحد والتعزير وتأديب الأطفال والدفع لنحو الصيال ونحوها فهي: استصلاح وطلب
للسلامة، أو مستثنى شرعاً، أو لا يطلق عليه الأذى عرفاً .
٦٥ - (٤١) - قوله: (أنا أبو عاصم) إلخ: هو الضحاك بن مخلد.
قوله: (عن ابن جريج) إلخ: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.
قوله: (سمع أبا الزبير) إلخ: هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس.
قوله: (المسلم من سلم المسلمون) إلخ: أي: المسلم الكامل، كما يقال: زيد: الرجل،
أي: الكامل في الرجولية، ويقال: المال: الإبل، والناس: العرب، على التفصيل، لا على
الحصر، والمراد: أن المسلم الكامل: من سلم المسلمون من لسانه ويده، مع مراعاة باقي
الأركان والآداب .
(١) أي من حيث أداء ما يجب عليه من حقوق العباد. (رف).
(٢) قوله: ((سمعت جابراً)) لم أجد أحداً أخرجه هذا الحديث من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله.
(٣) أي إسلام من سلم المسلمون. (رف).

٥٨٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٦٢ - (٦٦) وحدّثني سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الأُمَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا
أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَىَ (١)، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)) .
وَحَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بِهِذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟ ... فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
قال الخطابي: ((يعني به أن أفضل المسلمين من جمع إلى أداءٍ حقوق الله تعالى أداءَ حقوق
المسلمین)) اهـ.
وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم، ويحتمل أن يكون
المراد بذلك أن يتبين علامة المسلم التي يستدل بها على إسلامه، وهي سلامة المسلمين من
لسانه ويده، كما ذكر نظيره في علامة المنافق، ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحثّ
على حسن معاملة العبد مع ربه، لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه (من حيث كونهم إخوانه في
الإسلام) فأولى أن يحسن معاملة ربه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
تنبيه:
ذكر المسلمين ههنا خرج مخرج الغالب، لأن محافظة المسلم على كفّ الأذى عن أخيه
المسلم أشد تأكيداً، ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا وإن كان فيهم من يجب الكف عنهم.
٦٦ - (٤٢) - قوله: (حدثنا أبو بردة بن عبد الله) إلخ: اسمه بريد بضم الباء الموحدة وفتح
الراء، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: ليس بالمتقن، يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس بذلك
القوي. وقال أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة، روى له الجماعة، وليس في الكتب الستة بريد غير
هذا .
قوله: (عن أبي بردة) إلخ: اختلف في اسمه، فقال الجمهور: اسمه عامر، وقال يحيى بن
معين في إحدى الروايتين عنه: الحارث.
قوله: (عن أبي موسى) إلخ: هو الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس، استعمله
رسول الله ﴿ على زبيد وعدن وساحل اليمن، واستعمله عمر رضيته على الكوفة والبصرة، له
ثلاث مائة وستون حديثاً .
(١) قوله: ((عن أبي موسى)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب أي الإسلام أفضل؟
رقم (١١). والنسائي في سننه، في كتاب الإيمان وشرائعه، باب أي الإسلام أفضل، رقم (٥٠٠٢)،
والترمذي في جامعه في كتاب صفة القيامة، باب (٥٢، بدون ترجمة)، رقم (٢٥٠٤). وفي كتاب الإيمان،
باب ما جاء في أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، رقم (٢٦٢٧).