النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ كتاب: الإيمان وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ)) بِمِثْلٍ حَدِيثِ ابْنِّ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ . ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ (يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ) قَالا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّر: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)) ثُمَّ قَرَأَ، ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ مُذَكِرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ -٢٢]. ١٢٨ _ (٣٦) حدّثنا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (٢)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى ٣٥ - ( .... ) - قوله: (عن أبي صالح) إلخ: ذكوان السمان. قوله: (إِنَّمَا أنْتَ مُذَكِرٌ) إلخ: قال المفسرون: معناه إنما أنت واعظ، ولم يكن ◌َّ آمراً إذ ذاك إلا بالتذكير، ثم أمر بعد بالقتال، والمصيطر: المسلط، وقيل: الجبار، وقيل: الربُّ، كذا في الشروح. قلت: قراءة الآية بعد ذكر الأمر بالقتال لا تساعد ما ذكروه، والأقرب أن الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾﴾ [سورة الغاشية، آية: ٢٢] يعني: إنما شأنك أن تذكرهم بالإسلام، وإن ألجئت لتكميل التذكير إلى القتال فقاتلهم حتى يضطروا للاستسلام والانقياد ظاهراً، وأما بواطنهم فأمرها إلى الله، فإنك لستَ مُصَيْطِراً ومسلّطاً على قلوبهم وسرائرهم، حتى تشق عن كوامنها، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٣٦ - (٢٢) - قوله: (أبو غسان المسمعي) إلخ: هو مالك بن عبد الواحد، والمسمعي :. بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية، وإسكان المهملة بينهما، منسوب إلى مسمع بن ربيعة، ويجوز في ((غسان)) الصرف وعدمه. قوله: (عن واقد بن محمد) إلخ: بالقاف، وليس في الصحيحين: ((وافد)) بالفاء. (١) قوله: ((عن جابر)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الغاشية، رقم (٣٣٤١). وابن ماجه في سننه، في كتاب الفتن، باب الكف عمن قال: لا إله إلا الله، رقم (٣٩٢٨). (٢) قوله: ((عن عبد الله بن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب «فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم))، رقم (٢٥). ٥٢٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)). قوله: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) إلخ: جعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر، فمقتضاه أن من شهدَ وأقام وآتى: عصم دمه، ولو جحد باقي الأحكام. والجواب أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بما جاء به، مع أن نص الحديث وهو قوله: ((إلا بحق الإسلام)) يدخل فيه جميع ذلك. فإن قيل: فلم لم يكتف به ونص على الصلاة والزكاة؟ فالجواب أن ذلك لعظمتهما والاهتمام بأمرهما، لأنهما أُمّا العبادات البدنية والمالية. قوله: (ويقيموا الصلاة) إلخ: قال الشيخ محيي الدين النووي تَّتُ في هذا الحديث: ((إن من ترك الصلاة عمداً يقتل)) ثم ذكر اختلاف المذاهب في ذلك، وسئل الكرماني هنا عن حكم تارك الزكاة، وأجاب بأن حكمهما واحد لاشتركهما في الغاية، وكأنه أراد في المقاتلة، أما في القتل فلا، والفرق أن الممتنع من إيتاء الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهراً، بخلاف الصلاة، فإن انتهى إلى نصب القال ليمنع الزكاة قوتل، وبهذه الصورة قاتل الصديق بظلاله مانعي الزكاة. ولم ينقل أنه قتل أحداً منهم صبراً، وعلى هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة نظر للفرق بين صيغة ((أقاتل)) و((أقتل)) - والله أعلم - . وقد أطنب ابن دقيق العيد كَثُ في شرح العمدة في الإنكار على من استدل بهذا الحديث على ذلك، وقال: لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل، لأن المقاتلة مفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين، ولا كذلك القتل، وحكى البيهقي عن الشافعي أنه قال: ليس القتال من القتل بسبيل، قد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله. كذا في الفتح. وفي كتاب الصلاة وأحكام تاركها للحافظ شمس الدين ابن القيم: ((قال الموجبون لقتله (أي: تارك الصلاة): قد قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْاْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة، آية: ٥]، فأمر بقتلهم حتى يتوبوا من شركهم، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ومن قال: لا يقتل تارك الصلاة، يقول: متى تاب من شركه سقط عنه القتل، وإن لم يقم الصلاة، ولا آتى الزكاة، وهذا خلاف ظاهر القرآن)) انتهى. قلت: إنما جعل الله سبحانه وتعالى هذه الأمور الثلاثة شرطاً لتخلية سبيلهم، وما جعلها نهاية لقتل المشركين، وأبو حنيفة تتّثُ تعالى ومن معه أيضاً لا يخلي سبيل تارك الصلاة، بل يأمر بحبسه حتی یموت أو یتوب. واختلف الناس في حكم تارك الصلاة تكاسلاً لا استحلالاً: فذهبت الجماهير من السلف والخلف - منهم مالك والشافعي رحمهما الله تعالى - إلى أنه لا يكفر، بل يفسق، وأصرح دليل ٥٢٣ كتاب: الإيمان ١٢٩ - (٣٧) وحدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ (يَعْنِيَانِ الْفَزَارِيَّ) عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ(١)؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ يَقُولُ: ((مَنْ قَالَ: لا إِلَّهَ إِلا اللّهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ)). ١٣٠ - (٣٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرُ. ح وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَقُولُ: ((مَنْ وَخَّدَ اللَّهَ))، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ. ذكره ابن تيمية في المنتقى على عدم تكفيره قوله وَله: ((خمس صلوات كتَبَهُنَّ الله على العباد، من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن: كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن: فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له)). رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد. فإن تاب وإلا قتلناه حداً كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف. وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وبه قال عبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي. ·وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي إلى أنه لا يكفر، ولا يقتل، بل يعزر ويحبس ويضرب، حتى يخرج الدم عن جلده - على ما قاله بعض أصحاب أبي حنيفة تَُّ تعالى - حتى يصلي. قال ابن عابدين في رد المحتار: ((وقال أصحابنا في جماعة - منهم الزهري - : لا يقتل بل یعزر ویحبس حتی یموت أو یتوب». قال العيني كثّفُ تعالى: ((ويلزمهم (أي: القائلين بقتل تارك الصلاة) أنهم احتجوا بحديث الباب على قتل تارك الصلاة عمداً، ولم يقولوا بقتل مانع الزكاة مع أن الحديث يشملهما، ومذهبهم أن مانع الزكاة تؤخذ منه قهراً ويعزر على تركها)) اهـ. (١) قوله: عن أبيه: هو طارق بن أشيم الأشجعي، وابنه أبو مالك هو: سعد بن طارق. انظر التقريب (٢٨٧/١ و٣٧٦). هذا ولم أجد من خرج هذا الحديث من أصحاب الأصول الستة، سوى مسلم رحمه الله تعالى. ٥٢٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٩) - باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ما لم يشرع في النزع، وهو الغرغرة ونسخ جواز الاستغفار للمشركين. والدليل على أن من مات على الشرك، فهو من أصحاب الجحيم. ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل ١٣١ - (٣٩) وحدثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ (١)؛ قَالَ: ((لَمَّا حَضَرَتْ (٩) - باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع، وهو الغرغرة، ونسخ جواز الاستغفار للمشركين، والدليل على أن من مات على الشرك فهو من أصحاب الجحيم، ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل ٣٩ - (٢٤) - قوله: (حرملة بن يحيى التجيبي) إلخ: بضم التاء وكسر الجيم. قوله: (عن سعيد بن المسيب عن أبيه) إلخ: هو المسيب بن الحزن المخزومي، بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي بعدها نون، كان كافراً حين توفي أبو طالب، فلعله كان حاضراً مع أبي جهل وعبد الله بن أبي أمية المخزوميين في هذه الواقعة، ثم أخبر بها بعد أن أسلم. قوله: (لما حضرت) إلخ: قال الشارح: ((المراد قربت وفاته وحضرت دلائلها، وذلك قبل المعاينة والنزع، ولو كان في حال المعاينة والنزع لما نفعه الإيمان، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِ تُبْتُ أَلْنَ﴾ [سورة النساء، آية: ١٨]، ويدل على أنه قبل المعاينة: مجاورته للنبيّ وَلّ ومع كفار قريش)) اهـ. قال الحافظ في الفتح: ((ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة، لكن رجا النبيّ وَ و أنه إذا أقر بالتوحيد - ولو في تلك الحالة - أن ذلك ينفعه بخصوصه، وتسوغ شفاعته وقال# لمكانه منه، (١) قوله: ((عن أبيه)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز، باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله، رقم (١٣٦٠). وفي كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، رقم (٣٨٨٤). وفي كتاب التفسير من تفسير سورة براءة، باب ((ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين)) رقم (٤٦٧٥). ومن تفسير سورة القصص، باب ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾، رقم (٤٧٧٢). وفي كتاب الأيمان والنذور، باب إذا قال: والله لا أتكلم اليوم فصلى أو قرأ أو سبح، أو كبر، أو حمد، أو هلل فهو على نيته، رقم (٦٦٨١). والنسائي في سننه، في كتاب الجنائز، باب النهي عن الاستغفار للمشركين، رقم (٢٠٣٧). ٥٢٥ كتاب: الإيمان ولهذا قال: ((أجادل لك بها، وأشفع لك)) ويؤيد الخصوصية أنه بعد أن امتنع من الإقرار بالتوحيد، وقال: هو على ملة عبد المطلب، ومات على ذلك: أن النبيّ وَ ﴿ لم يترك الشفاعة له. بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره، وصار في ضحضاح من النار. وكان ذلك من الخصائص في حقه)) اهـ. تذنيب: قال الشيخ الإمام العارف بالله عبد الوهاب الشعراني تقذفُ تعالى في كتابه ((اليواقيت والجواهر)): ((قال الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي كلُّ تعالى في الباب الرابع والستين وثلثمائة من الفتوحات المكية: ((اعلم أنه لا يموت أحد من أهل التكليف إلا مؤمناً عن عيان، وعلم محقق لا مرية فيه ولا شك. من العلم بالله والإيمان به خاصةً (وهذا إيمان الغرغرة وإيمان البأس أو اليأس) وما بقي، إلا أنه هل ينفعه ذلك الإيمان أم لا؟ وفي القرآن العظيم: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَهُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا﴾ [سورة غافر، آية: ٨٥]، قال: ((وقد حكى الله عن فرعون أنه قال: ﴾ [سورة يونس، آية: ٩٠] فلم ﴿وَمَنْتُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَوِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (9)، ينفعه هذا الإيمان)) وأطال في أدلته أنه لم ينفعه إيمانه، ثم قال الشيخ الإمام تخَُّهُ: ((فكذب - والله - وافترى من نسب إلى الشيخ محي الدينه أنه يقول بقبول إيمان فرعون، وهذا نصه بكذب الناقل، على أنه قال بقبول إيمان فرعون جماعة، منهم: القاضي أبو بكر الباقلاني وبعض الحنابلة، قالوا: لأن الله حكى عنه الإيمان آخر عهده بالدنيا، وجمهور العلماء قاطبة على عدم قبول إيمانه وإيمان جميع من آمن في البأس، لأن من شرط الإيمان الاختيار. وصاحب إيمان البأس كالمُلْجأ إلى الإيمان، والإيمان لا ينفع صاحبه إلا عند القدرة على خلافه، حتى يكون المرء مختاراً، ولأن متعلق الإيمان هو الغيب. وأما من يشاهد نزول الملائكة بعذابه فهو خارج عن موضوع الإيمان والله تعالى أعلم)) اهـ. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: راجعنا عبارة الشيخ الأكبر في الباب المذكور من الفتوحات المطبوعة التي بأيدينا، فلم تساعد ما اعتذر الإمام الشعراني تغذُّ من الشيخ، بل تدل على ركاكة ما قال، فلعل عبارة النسخة المطبوعة المصرية مدسوسة على الشيخ كثّثُ ، كما أشار إلى مثله الشعراني في أوائل اليواقيت إجمالاً، ولعل الله سبحانه وتعالى أنطق فرعون بكلمة الإيمان عند حضور الموت ومعاينة العذاب، مع أنه لم ينفعه هذا النطق إظهاراً لاستجابة دعاء موسى علّ: ﴿رَبَّنَا أْمِسْ عَلَىَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُواْ حَّى يَرَوْ اَلْعَذَابَ الْأَلِيَمَ﴾ [سورة يونس، آية: ٨٨]، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. قال العلامة الزبيدي تقفُ في شرح الإحياء: ((وممن شنع على الشيخ محي الدين بذلك: ٥٢٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَبَا طَالِبٍ ابن المقرىء صاحب الإرشاد، والحافظ ابن حجر: وتلميذه البقاعي، ومن المتأخرين: ملاًّ عليّ القاري من الحنفية، وممن ذهب إلى تأييد كلامه شراح الفصوص: الجندي، والكازروني، والقيصري، والجامي، وعليّ المهائمي، والجلال الدواني، وعبد الله الرومي، وللكازروني كتاب بالفارسية سماه ((الجانب الغربي)) قد رد عن الشيخ ما اعترض به على كلامه، منها هذه المسألة، وقد نقله إلى العربية عالم المدينة السيد محمدبن رسول البرزنجي تَثُ تعالى، وسماه ((الجاذب الغيبي)) وكان ممن يصرح بإيمان فرعون، وقد حكى لي بعض من أثق به من السادة: أن الإمام العلامة الشيخ حسن بن أحمد باغترالحضرمي حين وفد إلى المدينة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - فاوض مع السيد البرزنجي في هذه المسألة، وأن عدم إيمانه مما أجمع عليه، وطال بينهما الكلام إلى أن انفصلا من غير مرام، فلما أصبح لقيه، فأوَّل ما فاتحه به إلى أن قال له: السلام عليك يا أخا فرعون، فتنغص السيد جداً، وانحرف مزاجه على المذكور، وعرف منه ذلك، وشكاه عند بعض الناس، فلاموه، فاعتذر لهم: إني ما قلت شططاً، هو يقول بإيمان فرعون، ويثبته، والمؤمنون إخوة، فلم يتأذى من أخوة فرعون؟ - وهو مؤمن عنده - فانقطعوا)) اهـ. قوله: (أبا طالب) إلخ: اسمه عبد مناف، واشتهر بكنيته، وكان شقيق عبد الله والد رسول الله 38 . ولذا أوصى به عبد المطلب عند موته إليه، فكفله إلى أن كبر، واستمر على نصره بعد أن بعث إلى أن مات أبو طالب، وكان يذب عن النبيّ ◌َّه ويرد عنه كل من يؤذيه، وهو مقيم مع ذلك على دين قومه، وأما رسول الله وَ﴿ فمنعه الله بعمه، وأخباره في حياطته (أي: مراعاته) والذب عنه معروفة مشهورة، ومما اشتهر من شعره في ذلك قوله: حتى أوسَّدَ في التراب دفينا والله لن يصلوا إليك بجمعهـ و قوله : ولما نقاتل حوله ونناضل كذبتم وبيت الله نبزي(١) محمداً ونذهل عن أبنائنا والحلائل ونسلمه حتى نصرَّع حوله فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله و # من الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه تراباً، قال: فدخل رسول الله وَالر بيته يقول: ما نالتني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب. (١) كذا في الفتح، والصحيح ((ييزى محمد)) بالياء المضمومة والزاي المفتوحة بالبناء على المفعول، كما في تاج العروس وشرح المواهب. من المؤلف رحمه الله تعالى. ٥٢٧ كتاب: الإيمان الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: يَا عَمِّ، قُلْ: لا إِلهَ إِلا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: تكملة: قال الحافظ: ((من عجائب الاتفاق أن الذين أدركهم الإسلام من أعمام النبيّ وَلّ أربعة، لم يسلم منهم اثنان. وأسلم اثنان، وكان اسم من لم يسلم ينافي أسامي المسلمين، وهما أبو طالب، واسمه عبد مناف، وأبو لهب، واسمه عبد العزى، بخلاف من أسلم، وهما: حمزة والعباس قوله: (الوفاة) إلخ: قال الشارح: ((كانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل، قال ابن فارس: مات أبو طالب ولرسول الله وَّ﴾ تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوماً، وتوفيت خديجة أم المؤمنين رضيُّا بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام)) اهـ. وكانت وزيرة صدق له دي في الإسلام. قوله: (جاءه رسول الله ◌َ (18) إلخ: ذكر الواحدي من حديث موسى بن عبيدة قال: ((أخبرنا محمد بن كعب القرظي، قال: بلغني أنه لما اشتكى أبو طالب شكواه التي قبض فيها، قالت له قريش: أرسل إلى ابن أخيك يرسل إليك من هذه الجنة التي ذكرها، يكون لك شفاء، فأرسل إليه، فقال رسول الله وَله: إن الله حرمها على الكافرين طعامها وشرابها، ثم أتاه فعرض عليه الإسلام)) الحديث. قوله: (أبا جهل) إلخ: اسمه عمرو بن هشام. قوله: (وعبد الله بن أبي أمية) إلخ: هو أخو أم سلمة التي تزوجها النبيّ وَطّل بعد ذلك، وقد أسلم عبد الله هذا يوم الفتح، واستشهد في تلك السنة في غزوة حنين. قوله: (أشهد لك بها عند الله) إلخ: وفي رواية للبخاري: ((أحاج لك بها عند الله))، وزاد الطبري من طريق سفيان بن حسين عن الزهري: ((قال: أي عمِّ، إنك أعظم الناس عليّ حقاً، وأحسنهم عندي يداً، فقل كلمة تجب لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة)). قال الحافظ: ((وفي الحديث أن من لم يعمل خيراً قط إذا ختم عمره بشهادة أن لا إله إلا الله حكم بإسلامه، وأجريت عليه أحكام المسلمين، فإن قارن نطق لسانه عقد قلبه نفعه ذلك عند الله تعالى، بشرط أن لا يكون وصل إلى حد انقطاع الأمل من الحياة، وعجز عن فهم الخطاب ورد الجواب، وهو وقت المعاينة)) اهـ. قوله: (ويعيد له تلك المقالة) إلخ: وفي نسخة ((يعيدان له)) على التثنية، لأبي جهل وابن أبي أمية . ٥٢٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَلِبِ، وَأَبِى أَنْ يَقُولَ: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: أَمَا وَاللَّهِ، لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ قوله: (على ملة عبد المطلب) إلخ: ووقع في بعض الروايات: ((يا ابن أخي، ملة الأشياخ)). قوله: (وأبى أن يقول: لا إله إلا الله) إلخ: وروى أبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن الجارود من حديث عليّ، قال: ((لما مات أبو طالب قلت: يا رسول الله، إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: اذهب، فواره. قلت: إنه مات مشركاً، قال: اذهب، فواره)) الحديث. وفي الصحيح أن العباس به قال للنبيّ وَلهو: ((ما أغنيت عن عمك. فوالله كان يحوطك ويغضب لك، قال: هو في ضحضاح من النار، ولو لا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)). ففي هذه الأحاديث ما يدل على ضعف ما أخرجه ابن إسحاق من حديث ابن عباس بسند فيه من لم يسم: ((أن أبا طالب لما تقارب منه الموت بعد أن عرض عليه النبيّ وَّر أن يقول: ((لا إله إلا الله، فأبى، قال: فنظر العباس إليه وهو يحرك شفتيه، فأصغى إليه، فقال: يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها)). قال الحافظ تقذفه: ((وهذا الحديث لو كان طريقه صحيحاً لعارضه هذا الحديث الذي هو أصح منه، فضلاً عن أنه لا يصح)) قال: ((ووقفت على جزء جمعه بعض أهل الرفض، أكثر فيه من الأحاديث الواهية الدالة على إسلام أبي طالب، ولا يثبت من ذلك شيء، وبالله التوفيق، وقد لخصت ذلك في ترجمة أبي طالب من كتاب الإصابة) اهـ. قوله: (أمَ والله) إلخ: قال الشارح تَّفُ: ((ضبطنا ((أمَ)) من غير ألف بعد الميم، وفي كثير من الأصول أو أكثرها ((أمَا والله)) بألف بعد الميم، وكلاهما صحيح. قال ابن الشجري في كتابه الأمالي: ((ما)» المزيدة للتوكيد ركبوها مع همزة الاستفهام واستعملوا مجموعهما على وجهين: أحدهما: أن يراد به معنى ((حقاً)) في قولهم: ((أما والله لأفعلن)) والآخر أن يكون افتتاحاً للكلام بمنزلة ((ألاَ)) كقولك: ((أمَا إن زيداً منطلق))، وأكثر ما تحذف ألفها إذا وقع بعدها القسم، - والله أعلم - )). قوله: (فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾) إلخ: قال الحافظ تَّفُ: ((وهذا فيه إشكال، لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقاً، وقد ثبت أن النبيّ وغير أتي قبر أمه لما اعتمر، فاستأذن ربَّه أن يستغفر لها، فنزلت هذه الآية، والأصل عدم تكرر النزول، وقد أخرج الحاكم وابن أبي حاتم من طريق أيوب بن هانىء عن مسروق عن ابن مسعود قال: ((خرج رسول الله صل يوما إلى المقابر، فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلاً، ثم بكى، فبكينا لبكائه، فقال: إن القبر الذي جلست عنده: قبرُ أمِّي، وإني استأذنت ربي في الدعاء ٥٢٩ كتاب: الإيمان يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْيَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] وَأَنْزَلَ(١) اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى ٠٠٠. لها، فلم يأذن لي، فأنزل عليَّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة، آية: ١١٣] الآية. ففيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده أيضاً أنه وَ الله قال يوم أحد بعد أن شجّ وجهه: (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)). لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصاً بالأحياء، وليس البحث فيه، ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر، وإن كان سببها تقدم، ويكون لنزولها سببان: متقدم، وهو أمر أبي طالب، ومتأخر: وهو أمر آمنة، ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد عن عليّ قال: ((سمعت رجلاً يستغفر لوالديه وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبيّ وَّه، فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية)). وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ((قال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا كما استغفر إبراهيم لأبيه؟ فنزلت)) اهـ. قوله: (إنك لا تهدي) إلخ: قال الشارح: ((قد أجمع المفسّرون على أنها نزلت في أبي طالب)). قال الحافظ: ((وهذا كله ظاهر في أنه مات على غير الإسلام، ويضعف ما ذكره السهيلي أنه رأى في بعض كتب المسعودي أنه أسلم، لأن مثل ذلك لا يعارض ما في الصحیح)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وفي تفسير ((الهداية)) خلاف مشهور بين القوم، فمن أخذها بمعنى الدلالة الموصلة: استدل بهذه الآية، ومن أخذها بمعنى الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب أوّلها بتأويلات باردة، لا تخلو عن تعسف وتكلف، لأن شأن النبيّ وَل و كان إراءة الطريق، فلو لم يؤولها لفسد المعنى. قلت - وبالله التوفيق - : إن الهداية بأي معنى أخذت، كان شأن النبيّ وَلّر: السعيَ فيها، وتقريبَ العباد إليها، وترويجَ الوسائل المفيدة لها في حق كل مؤمن وفاجر، وإراءة الطريق بالفعل، أو الإيصال إلى المقصود كذلك، لمن فيه استعداده وصلاحية قبوله ولا تكون عين بصيرته عمياء، كما أن الشمس شأنها التنوير العام لكنها لا تنوّر الهواء أصلاً، لأنه ليس فيه استعداد التَّنَوُّر، وتختلف الأشياء المستضيئة من الشمس أيضاً بحسب اختلاف استعدادها، فشأن التَّنَوُّر الذي حصل للمرآة الصقيلة ليس لغيرها من الأشياء، فلا يقال: إن الشمس تبخل من إيصال النور إلى الهواء، وتمسك بعض أشعتها عن بعض ما سوى المرآة، بل يقال: إن الهواء لا يقبل النور مع أن شأن الشمس التنوير العام، وما أحسن ما قال الشاعر الفارسي: نقصان قابل است وكرنه على الدوام (١) وفي نسخة: ((فأنزل)). من المؤلف رحمه الله. ٥٣٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]. ١٣٢ - (٤٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ. كِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ ... مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ صَالِحِ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الآيَتَيْنِ. وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: وَيَعُودَانٍ فِي تِلْكَ الْمَقَالَةِ. وَفِي حَدِيثٍ مَعْمَرٍ مَكَانَ هُذِهِ الْكَلِمَةِ: فَلَمْ يَزَالاَ بِهِ. ١٣٣ - (٤١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالاَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ (وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ) عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ لِعَمِّهِ، فيض سعادتشن همه كس را برابر است فالنبيّ ◌َ﴿ كان شأنه إراءة الطريق البتة، لكن الرؤية حصلت للذي فيه استعدادها وصلاحيتها، والاستعدادات موكولة إلى محض قدرة الله تعالى، فالنفي في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [سورة القصص، آية: ٥٦] راجع لا إلى مطلق الإراءة بل إلى الإراءة لمن أحببت، على حسب ما اقتضته الضابطة التي صرح بها الشيخ عبد القاهر في ورود النفي على الكلام المقید . وعلى هذا فمفاد الآية قريب مما ورد في الحديث المرفوع أنه وق لتر قال: ((مثل ما بعثني الله به من الهدي والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)) - والله أعلم - . قوله: (من أحببت) إلخ: قال الشارح تََّفُ: «يكون معناه على وجهين، أحدهما: معناه من أحببته لقرابته، والثاني: أحببت أن يهتدي)). قوله: (وهو أعلم بالمهتدين) إلخ: أي: بمن قدر له الهدى، قاله ابن عباس رضيًا وغيره. ٤٠ _ ( ... ) - قوله: (عن صالح) إلخ: هو صالح بن كيسان، وكان أكبر سنًّا من الزهري، (١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب ((ومن سورة القصص)) رقم (٣٠٨٨). ٥٣١ كتاب: الإيمان عِنْدَ الْمَوْتِ: قُلْ: لا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَأَبِى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. الآية. ١٣٤ - (٤٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِيِ حَازِمِ الأَشْجَعِيَِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهُ لِعَمِّهِ: قُلْ: لاَ إِلهَ إِلَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: لَوْلا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لِأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ)). فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وابتدأ بالتعلم من الزهري ولصالح تسعون سنة، مات بعد الأربعين ومائة، ففيه رواية الأكابر عن الأصاغر. ٤٢ - ( ... ) - قوله: (لولا أن تعيرني قريش) إلخ: أي: لولا أن تقبح عليّ، و ((عيَّر)) تتعدى بنفسه، ومنه بيت النابغة: وعيرتني بنو ذبيان خشيته وهل عليّ بأن أخشاك من عار قوله: (إنما حمله على ذلك الجزع) إلخ: بالجيم والزاي وهو الخوف من الموت، وقيل: الصواب الخرع، بالخاء المعجمة والراء المهملة، وهو الضعف والدهش. قوله: (لأقررت بها عينك) إلخ: قال أبو العباس ثعلب: معنى: ((أقر الله عينه)) أي: بلغه الله أمنيته حتى ترضى نفسه وتقر عينه، فلا تستشرف لشيء، وهذا الكلام من أبي طالب يدل على وجود المعرفة القلبية والتصديق المنطقي، ولهذا قال في الأبيات النونية: ودعوتني وعلمتُ أنك صادق ولقد صدقت وكنتَ قبلُ أمينا وأما التصديق الشرعي الذي هو الإيمان، فقال العلامة الزبيدي تظَفُ في شرح الإحياء: ((اختلفوا في التصديق القائم بالقلب الذي هو جزء مفهوم الإيمان على قول، أو تمامه على قول آخر، أهو من باب العلوم والمعارف أو من باب الكلام النفسي؟ فقيل بالأول، وهو مدفوع أوَّلاً بالقطع بكفر كثير من أهل الكتاب، مع علمهم بحقية رسالته 98َّ وما جاء به، كما أخبر عنهم سبحانه بقوله: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَ هُمِّ وَإِنَّ ◌َرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْنُونَ الْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ [سورة البقرة، آية: ١٤٦] وثانياً: الإيمان مكلف به، والتكليف إنما يقع بالأفعال الاختيارية، والعلم مما يثبت بلا اختبار، كمن وقعت مشاهدته على من ادعى النبوة وأظهر المعجزة، بأن يشاهد كلاً من الدعوى وظهور المعجزة، فلزم نفسه عند ذلك العلم بصدقه. وقال إمام الحرمين في الإرشاد: ((التصديق على التحقيق كلام النفس، ولكن لا يثبت إلا مع العلم، وكلام النفس يثبت على حسب الاعتقاد، وإليه ذهب جماعة. ونقل صاحب الغنية عن الأشعري في معناه، فقال مرةً: هو المعرفة بوجوده وإلهيته وقدمه، وقال مرةً: هو قول في ٥٣٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (١٠) - باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً ١٣٥ - (٤٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلاَهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حُمْرَانَ، النفس، غير أنه يتضمن المعرفة ولا يصح دونها، وارتضاه الباقلاني، فإن التصديق والتكذيب والصدق والكذب بالأقوال أجدر منه بالمعارف والعلوم)) اهـ. قال الشيخ ابن الهمام: ((وظاهر عبارة الأشعري في هذا السياق أن التصديق كلام للنفس مشروط بالمعرفة يلزم من عدمها عدمه، ويحتمل أن الإيمان هو المجموع من المعرفة والكلام النفسي، فيكون كل منهما ركناً من الإيمان، فلا بد في تحقيق الإيمان على كلا الاحتمالين من المعرفة، أعني إدراك مطابقة دعوى النبيّ للواقع، ومن أمر آخر هو الاستسلام الباطن والانقياد لقبول الأوامر والنواهي المستلزم للإجلال وعدم الاستخفاف (وترك العناد بحيث إذا طولب بالإقرار اللساني لم يمنعه حب المال والجاه، والإلف بالرسوم والعادات منه)) وهذا الاستسلام الباطن هو المراد بكلام النفس)) إلى آخر ما قال. (١٠) - باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً قوله: (إسماعيل بن إبراهيم) إلخ: هو ابن علية، وهذا من احتياط مسلم تخلّفُهُ، فإن أحد الراويين قال: ابن علية، والآخر قال: إسماعيل بن إبراهيم، فبيّنهما ولم يقتصر على أحدهما، وعلية أم إسماعيل، وكان يكره أن يقال له: ابن علية، كذا في الشرح. قوله: (عن خالد) إلخ: هو ابن مهران الحذاء، كما بينه في الرواية الثانية، وهو ممدود، وكنيته أبو المنازل بالميم المضمومة والنون والزاي واللام، قال أهل العلم: لم يكن خالد حذاء قط، ولكنه كان يجلس إليهم، فقيل له: الحذاء لذلك، هذا هو المشهور، وقيل غير ذلك. قوله: (حدثني الوليد بن مسلم) إلخ: هو الوليد بن مسلم بن شهاب العنبري البصري أبو بشر، روى عن جماعة من التابعين، وربما اشتبه على بعض من لم يعرف الأسماء بالوليد بن مسلم الأموي مولاهم، الدمشقي أبي العباس، صاحب الأوزاعي، ولا يشتبه ذلك على العلماء به، فإنهما مفترقان في النسب إلى القبيلة والبلدة والكنية، كما ذكرنا، وفي الطبقة، فإن الأول أقدم طبقةً، وهو في طبقة كبار شيوخ الثاني، ويفترقان أيضاً في الشهرة والعلم والجلالة، فإن الثاني متميز بذلك كله، قال العلماء: انتهى علم الشام إليه وإلى إسماعيل بن عياش، وكان أجل من ابن عياش، أجمعين. كذا في الشرح. قوله: (عن حمران) إلخ: بضم الحاء المهملة وإسكان الميم، هو حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان څله، یکنی بأبي یزید. ٥٣٣ كتاب: الإيمان عَنْ عُثْمَانَ(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ)). قوله: (من مات) إلخ: قال القاضي عياض كثّفُ: ((اختلف الناس في معنى من عصى الله تعالى من أهل الشهادتين، فقالت المرجئة: لا تضره المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره يكفر بها، وقالت المعتزلة: يخلد في النار إذا كانت معصية كبيرة، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، ولكن يوصف بأنه فاسق، وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن، وإن لم يغفر له وعذب، فلا بد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة، قال: وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة، وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره قلنا: محمله على أنه غفر له، أو أخرج من النار بالشفاعة، ثم أدخل الجنة، فيكون معنى قوله وَله: ((دخل الجنة)) أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب، وهذا لا بد من تأويله لما جاء في ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة، فلا بد من تأويل هذا لئلا تتناقض نصوص الشريعة . قوله: (وهو يعلم) إلخ: إشارة إلى الرد على من قال من غلاة المرجئة: إن مظهر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وقد قَيَّد ذلك في حديث آخر بقوله وَّر: ((غير شاك فيهما)) وهذا يؤكد ما قلناه. قال القاضي: ((وقد يحتج به أيضاً من يرى(٢) أن مجرد معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين، لاقتصاره على العلم، ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبة بالشهادتين، لا تنفع إحداهما ولا تنجي من النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر على الشهادتين، لآفة بلسانه أو لم تمهله المدة ليقولها: بل اخترمته المنية، ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ، إذ قد ورد مفسَّراً في الحديث الآخر ((من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)) وقد جاء هذا الحديث، وأمثاله كثيرة في ألفاظها اختلاف ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف، (١) قوله: ((عن عثمان)) لم أجد هذا الحديث عند أحد من أصحاب الأصول الستة، وقد أخرجه أحمد في مسنده (ج ١ ص ٦٥ و٦٩) والنسائي في عمل اليوم والليلة له، كما في تحفة الأشراف (٢٤٨/٧ - رقم ٩٧٨٨ و٧/ ٢٥٢ - رقم ٩٧٩٨). (٢) قوله: ((من يرى)) وهم الجهمية، أقول: كان في قصة أبي طالب مظنة للاستدلال على ما قاله غلاة المرجئة من أن الإقرار باللسان كاف لثبوت الإيمان وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وكذلك كان في هذا الحديث مظنة الاستدلال الجهمية على ما زعموه من أن مجرد معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين، فلعل مسلماً رحمه الله أراد الرد على كل منهما فذكر قصة أبي طالب أولاً ثم أتبعها هذا الحديث ليرد حديث الباب على ما قاله المرجئة ويرد قصة أبي طالب على ما زعمته الجهمية؛ لأن أبا طالب كان يعلم بيقين أن محمداً رسول الله* صادق فيما يقوله لكنه لم يقر بكلمة الشهادة فلم ينفعه العلم، فعلم أن المجموع من العلم والإقرار هو الذي يبنى عليه دخول الجنة والنجاة من النار، ما هو مصرح في روايات أبي هريرة الآتية (رف). ٥٣٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٣٦ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ الِهِ يَقُولُ ... مِثْلَهُ سَوَاءً. ١٣٧ - (٤٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّصْرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِيَ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ قَالَ: ((كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَّ فِي مَسِيرٍ، قَالَ: فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ. قَالَ: حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضٍ حَمَائِلِهِمْ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: فجاء هذا اللفظ في هذا الحديث، وفي رواية معاذ عنه وَطاهر: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة))، وفي رواية عنه وَّيقول: ((من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة))، وعنه وَليقول: ((ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إلا حرم الله عليه النار)) ونحوه في حديث عبادة بن الصامت، وعتبان بن مالك، وزاد في حديث عبادة ((على ما كان من عمل)) وفي حديث أبي هريرة: ((لا يلقى الله تعالى بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة، وإن زنى، وإن سرق))، وفي حديث أنس: ((حرم الله على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله تعالى)) وهذه الأحاديث سردها مسلم تثّهُ في كتابه . ٤٤ - (٢٧) - قوله: (عن مالك بن مغول) إلخ: بكسر الميم وإسكان الغين المعجمة وفتح الواو . قوله: (عن طلحة بن مصرف) إلخ: بضم الميم وفتح الصاد المهملة وبكسر الراء. قوله: (عن أبي صالح عن أبي هريرة) إلخ: استدركه الدارقطني بأن غير الأشجعي لم يروه من هذا الطريق إلا مرسلاً، فقالوا: عن مالك عن طلحة عن أبي صالح مرسلاً، قال ابن الصلاح: («الإرسال - وإن قدح في السند - لم يقدح في الصحة، لأن ما وصله الثقة وأرسله غيره الحكم فيه الوصل عند المحققين، لأنها زيادة ثقة، ولذا قال الدمشقي في جواب هذا الاستدراك: ((الأشجعي ثقة مجود)) وتقدم تحقيق هذه المسألة في مقدمة هذا الشرح فراجعه. قوله: (بنحر بعض حمائلهم) إلخ: روي بالحاء وبالجيم، وقد نقل جماعة من الشراح الوجهين، قال ابن الصلاح: كلاهما صحيح، فهو بالحاء جمع حمولة - بفتح الحاء - وهي الإبل التي تحمل، وبالجيم جمع جمالة - بكسرها - جمع جمل، ونظيره حجر وحجارة، والجمل هو الذكر دون الناقة، وفي هذا الذي هَمَّ به النبيّ ◌َلّ بيان لمراعات المصالح، وتقديم الأهم فالأهم، وارتكاب أخَفِّ الضَّرَرَيْنِ لدفع أضرهما. كذا في الشرح. (١) قوله: ((عن أبي هريرة)) لم أجد هذا الحديث عند أحد من أصحاب الستة سوى مسلم رحمه الله. ٥٣٥ كتاب: الإيمان يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ، فَدَعَوْتَ اللَّهَ عَلَيْهَا. قَالَ فَفَعَلَ. قَالَ: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِيُرِّهِ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ. قَالَ (وَقَالَ مَّجَاهِدٌ وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ) قُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَالَ: كَانُوا يَمُضُّونَهُ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ. قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهَا، حَتَّى مَلأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ عِنْدَ ذُلِكَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لاَ يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شَاٌ فِيهِمَا، إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ)). ١٣٨ - (٤٥) وحدّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (شَكَّ الأَعْمَشُ) قَالَ: ((لَمَّا كَانَّ غَزْوَةُ تَبُوكَ، أَصَّابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا قوله: (لو جمعت ما بقي) إلخ: فيه بيان جواز عرض المفضول على الفاضل ما يراه مصلحة، لينظر الفاضل فيه، فإن ظهرت له مصلحة فعله. قوله: (وقال مجاهد: وذو النواة بنواه) إلخ: قائل ((قال مجاهد)) هو طلحة بن مصرف. قوله: (كانوا يمصونه) إلخ: هو بفتح الميم، هذه اللغة الفصيحة المشهورة، وفي أمره خمسة أوجه: مَصَّ الرُّمَّانة، ومَصِّها، ومُصَّها، ومُصِّها، ومُصُّها، فهذه خمس لغات: فتح الميم مع الصاد، ومع كسرها، وضم الميم مع فتح الصاد ومع كسرها، وضمهما. هذا كلام ثعلب. قوله: (ملأ القوم أزودتهم) إلخ: جمع ((زاد)) وهي لا تملأ إنما تملأ بها أوْعِيَتُها، قال ابن الصلاح: ((ووجهه عندي أن يكون المراد: ((حتى ملأ القوم أوْعِيةَ أَزْوِدَتِهِمْ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه))، قال القاضي عياض: ((ويحتمل أنه سمى الأوعية أزواداً باسم ما فيها كما في نظائره)). ٤٥ - ( ... ) - قوله: (شك الأعمش) إلخ: قال الشارح: وهذا الشك غير قادح في متن الحديث، فإنه شك في عين الصحابي الراوي له، وذلك غير قادح، فإنهم قالوا: إذا قال الراوي: حدثني فلان أو فلان - وهما ثقتان - احتج به بلا خلاف، لأن المقصود الرواية عن ثقة مسمى، وقد حصل، وهذه قاعدة ذكرها الخطيب البغدادي في الكفاية، وذكرها غيره، وهذا في غير الصحابة، ففي الصحابة أولى، فإنهم كلهم عدول، فلا غرض في تعيين الراوي منهم . - والله أعلم - . قوله: (يوم غزوة تبوك) إلخ: المراد باليوم ههنا الوقت والزمان، لا اليوم الذي هو ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وليس في كثير من الأصول أو أكثرها ذكر اليوم ههنا، وتبوك من أدنى أرض الشام. قوله: (مجاعة) إلخ: بفتح الميم وهو الجوع الشديد. ٥٣٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَتَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا فَأَكَّلْنَا وَادَّهَنَّا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: افْعَلُوا قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلْكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ. ثُمَّ ادْعُ اللَّهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذُلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهُ: نَعَمْ قَالَ: فَدَعَا بِنِطَعِ فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلٍ أَزْوَادِهِمْ. قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ. قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ. قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذُلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ. قَالَ: فَدَغَا رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ. ثُمَّ قَالَ: خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّ مَلأُوهُ. قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. وَفَضِلَتْ فَضْلَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لاَ يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شَاءٌ، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ». ١٣٩ - (٤٦) حدّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ (يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ) عَنِ ابْنِ جَابِرٍ . قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِىءٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَّا عُبَادَةُ بْنُ قوله: (فنحرنا نواضحنا) إلخ: النواضح من الإبل الذي يستقى عليها، الذکر منها ناضح، والأنثی ناضحة. قوله: (واذَّهَنَّا منه) إلخ: ليس مقصوده ما هو المعروف من الإدهان، وإنما معناه: اتخذنا دُهناً من شحومها . وفي هذا الحديث: أنه لا ينبغي لأهل العسكر من الغزاة أن يضيعوا دوابهم التي يستعينون بها في القتال بغير إذن الإمام، ولا يأذن لهم إلا أن يرى مصلحة، أو يخاف مفسدة ظاهرة. قوله: (قَلَّ الظهر) إلخ: المراد بالظهر ههنا الدواب، سميت ظهراً لكونها يركب على ظهرها، أو لكونها يستظهر بها ويستعان على السفر. قوله: (لعل الله أن يجعل في ذلك) إلخ: أي: بركةً أو خيراً، فالمفعول به محذوف. قوله: (فدعا بنطع) إلخ: فيه أربع لغات، أشهرها كسر النون مع فتح الطاء. قوله: (بكف ذرة) إلخ: بضم الذال وتخفيف الراء، نوع من الحبوب، يقال له بالهندية: (جيناً). ٤٦ - (٢٨) - قوله: (داود بن رشيد) إلخ: بضم الراء وفتح الشين. قوله: (يعني: ابن مسلم) إلخ: لم يقع نسبه في الرواية فأراد إيضاحه من غير زيادة في الرواية. قوله: (عن ابن جابر) إلخ: هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الدمشقي الجليل. قوله: (جنادة بن أبي أمية) إلخ: بضم الجيم، واسم أبي أمية: كبير، بالباء الموحدة، وهو ٥٣٧ كتاب: الإيمان الصَّامِتِ(١)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: (مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، دوسي أزدي، نزل فيهم، شامي، وجنادة وأبوه صحابيان، هذا هو الصحيح. قوله: (وأن عيسى عبد الله) إلخ: وزاد في البخاري: ((ورسوله)) قال الحافظ: ((في ذكر عيسى تعريض بالنصارى، وإيذان بأن إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك محض، وفي ذكر: ((رسوله)) تعريض باليهود في إنكارهم رسالته وقذفه بما هو منزه عنه، وكذا أمه)). قوله: (وابن أمته) إلخ: وهذا تشريف له. قوله: (وكلمته ألقاها) إلخ: إشارة إلى أنه حجة الله على عباده، أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيى الموتى على يده. وقيل: سمي كلمة الله، لأنه أوجده بقوله: كن. وقيل: لما انتفع بكلامه سمي به، كما يقال: فلان سيف الله، وأسد الله. وقيل: لما قال في صغره: إني عبد الله. قوله: (وروح منه) إلخ: أي: مبتدأ من محض إرادته فإن سائر الأرواح البشرية هي كالمتولدة عن أرواح آبائهم، لا سيما على مذهب من زعم أن الأرواح أجسام سارية في البدن سريان ماء الورد. وقيل: سمي بالروح لما كان له من إحياء الموتى بإذن الله، فكان كالروح، أو لأنه ذو روح وجسد من غير جزء من ذي روح، كالنطفة المنفصلة عن حيّ، وإنما اخترع اختراعاً من عند الله تعالى، أو لأنه أحدث في نفخ الروح بإرساله جبريل إلى أمه، فنفخ في درعها مشقوقاً إلى قدامها، فوصل النفخ إليها، فحملت به مقدساً عن لوث النطفة، والتقلب في أطوار الخلقة، من العلقة والمضغة، ووصفه بقوله: ((منه)) إشارة إلى أنه مُقَرَّبه وحبيبه تعريضاً باليهود. روي أن عظيماً من النصارى سمع قارئاً يقرأ: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهٌ﴾ [سورة النساء، آية: ١٧١] قال: أفغير هذا دين النصارى؟ - يعني أن هذا يدل على أن عيسى بعض منه، وهذا بعينه دين النصارى - فأجاب علي بن الحسين بن واقد أن الله تعالى قال: ﴿وَسَخََّ لَكُ مَّا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [سورة الجاثية، آية: ١٣] فلو أريد بقوله: ((روح منه)) أنه بعضه أو جزء منه، لكان معنى ((جميعاً منه)): أن الجميع بعض منه أو جزء منه، فأسلم النصراني. ومعنى الآية: أن تسخير هذه الأشياء كائن منه، وحاصل من عنده، يعني: أنه مكونها وموجدها. قاله علي القاري في المرقاة. قوله: (أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء) إلخ: قال الحافظ تخذُ في الفتح: ((هذا (١) قوله: ((عبادة بن الصامت)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾، رقم (٣٤٣٥). ٥٣٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ)). ١٤٠ - (٠٠٠) وحدّثني أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ. حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِىءٍ، فِي هُذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ)) وَلَمْ يَذْكُرْ ((مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءً)) . ١٤١ _ (٤٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ عَجْلاَنَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ يقتضي تخييره في الدخول من أبوابها)»، وهو بخلاف ظاهر حديث أبي هريرة الماضي في بدء الخلق، فإنه يقتضي أن لكل داخل الجنة باباً معيناً يدخل منه، قال: ويجمع بينهما بأنه في الأصل مخير، لكنه يرى أن الذي يختص به أفضل في حقه، فيختاره فيدخله مختاراً لا مجبوراً ولا ممنوعاً من الدخول من غيره)). قلت: ويحتمل أن يكون فاعل ((شاء)) هو الله، والمعنى أن الله يوفقه لعمل يدخله برحمة الله من الباب المعد لعامل ذلك العمل. ( ... ) - قوله: (أحمد بن إبراهيم الدورقي) إلخ: بفتح الدال وإسكان الواو وفتح الراء وبالقاف، واختلف في معنى هذه النسبة، فقيل: كان أبوه ناسكاً - أي: عابداً - وكانوا في ذلك الزمان يسمون الناسك دورقياً، وهذا القول مروي عن أحمد الدورقي هذا، وهو من أشهر الأقوال، وقيل غير ذلك. قوله: (عن الأوزاعي) إلخ: هو أبو عمر عبد الرحمن بن عمر بن يحمد - بضم المثناة التحتية وكسر الميم ـ الشامي الدمشقي، إمام أهل الشام في زمانه بلا مدافعة ولا مخالفة، واختلفوا في الأوزاع التي نسب إليها، فقيل: بطن من حمير، وقيل: قرية من دمشق، وقيل غير ذلك، قال محمد بن سعد: ((الأوزاع بطن من همدان، والأوزاعي من أنفسهم)). قوله: (على ما كان من عمل) إلخ: أي: من صلاح أو فساد، لكن أهل التوحيد لا بد لهم من دخول الجنة ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((على ما كان من العمل)) أي: يدخل أهل الجنة الجنة على حسب أعمال كل منهم في الدرجات. قال الحافظ كَلَهُ بعد ذكر الاختلافات في رواية عبادة بن الصامت: ((إن بعض الرواة يختصر الحديث، وإن المتعين على من يتكلم على الأحاديث أن يجمع طرقها، ثم يجمع ألفاظ المتون إذا صحت الطرق، ويشرحها على أنه حديث واحد، فإن الحديث أولى ما فسرّ بالحدیث)). ٤٧ - (٢٩) - قوله: (عن ابن عجلان) إلخ: بفتح العين، هو الإمام أبو عبد الله محمد بن عجلان المدني، مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، كان عابداً فقيهاً، وكان له حلقة في مسجد رسول الله وَير، وكان يفتي، وهو تابعي أدرك أنساً، وأبا الطفيل، ومن طرف أخباره أنه ٥٣٩ كتاب: الإيمان يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ (١)؛ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ، فَبَكَيْتُ. فَقَالَ: مَهْلاً. لِمَ تَبْكِي؟ فَوَاللَّهِ، لَئِنِ اسْتُشْهِدْتُ لِأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ شُفِعْتُ لِأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ اسْتَطَعْتُ لأَنْفَعَنَّكَ. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ، مَا مِنْ حملت به أمه أكثر من ثلاث سنين، وقد قال الحاكم أبو أحمد في كتاب الكنى: ((محمد بن عجلان يعد في التابعين، ليس بالحافظ عنده)) ووثقه غيره، وقد ذكره مسلم تظلّتُ ههنا متابعة، قيل: إنه لم يذكر له في الأصول شيئاً، - والله أعلم -. كذا في الشرح. قوله: (محمد بن یحیی بن حبان) إلخ: بفتح الحاء وبالموحدة المشددة، ومحمد بن یحیی هذا: تابعي. قوله: (عن ابن محيريز) إلخ: هو عبد الله بن محيريز جنادة بن وهب القرشي، أبو عبد الله، التابعي الجليل. قال الأوزاعي: من كان مقتدياً فليقتد بمثل ابن محيريز، فإن الله تعالى لم يكن ليضل أمة فيها مثل ابن محيريز. وقال رجاء بن حيوة بعد موت ابن محيريز: والله إن كنت لأعد بقاء ابن محيريز أماناً لأهل الأرض. قوله: (عن الصنابحي) إلخ: بضم الصاد المهملة، هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة - بضم العين وفتح السين - المرادي، والصنابح بطن من مراد، وهو تابعي جليل، رحل إلى النبيّ وَّهِ، فقبض النبيّ ◌َّل وهو في الطريق، وهو في الجحفة. قبل أن يصل بخمس ليال أو ست، فسمع أبا بكر الصديق وخلائق من الصحابة ظه أجمعين. وقد يشتبه على غير المشتغل بالحديث: الصنابحي هذا بالصنابح بن الأعسر الصحابي واعلم أن هذا الإسناد فيه لطيفة مستطرفة من لطائف الإسناد، وهي أنه اجتمع فيه أربعة تابعیون، يروي بعضهم عن بعض: ابن عجلان وابن حبان وابن محيريز والصنابحي، - والله أعلم - . كذا في الشرح. قوله: (عن عبادة أنه قال: دخلت عليه) إلخ: تقديره عن الصنابحي أنه حدث عن عبادة بحديث، قال فيه: ((دخلت عليه)) ومثل هذه العبارة يأتي في كثير من المواضع. قوله: (مهلاً) إلخ: هو بإسكان الهاء، معناه: أنظرني. قوله: (ما من حديث لكم فيه خير) إلخ: قال القاضي عياض: فيه دليل على أنه كتم ما (١) قوله: ((عن عبادة بن الصامت)) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله، رقم (٢٦٣٨). ٥٤٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَ﴿ لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إِلاَّ حَدَّثْتُكُمُوهُ. إِلَّ حَدِيثاً وَاحِداً. وَسَوْفَ أُحَدِّتُكُمُوهُ الْيَوْمَ، وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ)). خشي الضرر فيه والفتنة مما لا يحمله عقل كل واحد، وذلك فيما ليس تحته عمل، ولا فيه حد كثير في ترك الحديث بما ليس تحته عمل، ولا من حدود الشريعة، ومثل هذا من الصحابة تدعو إليه ضرورة، أو لا تحمله عقول العامة، أو خشيت مضرته على قائله أو سامعه، لا سيما ما يتعلق بأخبار المنافقين والإمارة وتعيين قوم وصفوا بأوصاف غير مستحسنة وذم آخرين ولعنه، قال علي كرم الله وجهه: ((حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله)) وقال ابن مسعود ربه: ((ما أنت محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)). قال الحافظ: ((وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه من يخشى عليه الأخذ بظاهره: مطلوب. قوله: (وقد أحيط بنفسي) إلخ: معناه قربت من الموت، وأيست من الحياة، قال صاحب التحرير: ((أصل الكلمة في الرجل يجتمع عليه أعداؤه، فيقصدونه، فيأخذون عليه جميع الجوانب بحیث لا یبقی له في الخلاص مطمع)). قوله: (حرم الله عليه النار) إلخ: قال الحافظ: ((دلت الأدلة القطعية عند أهل السنة على أن طائفة من عصاة المؤمنين يعذبون، ثم يخرجون من النار بالشفاعة، فعلم أن ظاهره غير مراد، فكان ذلك مقيداً بمن عمل الأعمال الصالحة، وقد أجاب العلماء عن الإشكال أيضاً بأجوبة أخرى . منها: أن مطلقه مقيد بمن قالها تائباً، ثم مات على ذلك. ومنها: أن ذلك كان قبل نزول الفرائض. وفيه نظر، لأن مثل هذا الحديث وقع لأبي هريرة، كما رواه مسلم، وصحبته متأخرة عن نزول أكثر الفرائض، وكذا ورد نحوه من حديث أبي موسى، رواه أحمد بإسناد حسن، وكان قدومه في السنة التي قدم فيها أبو هريرة)». قال العيني تقّفُهُ: ((في نظره نظر، لأنه يحتمل أن يكون ما رواه أبو هريرة وأبو موسى عن أنس تظ له، كلاهما قد روياه عنه ما رواه قبل نزول الفرائض، ووقعة روايتهما بعد نزول أكثر الفرائض)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وهذا خطأ فاحش، فإن رواية أبي هريرة التي أحال الحافظ عليها، وكذا رواية أبي موسى ليس عن أنس، بل هي من مسانيد أبي هريرة وأبي موسى، وفي حديث أبي هريرة التي رواه مسلم قصة إعطاء النعلين، ومنع عمر من التبشير وغيرهما مما لا يمكن وقوعه إلا بعد إسلام أبي هريرة، وهذا واضح جداً، لا أدري كيف خفي على أمثال