النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
کتاب: الإيمان
بَدَني محض، والحج بدني مالي، وأيضاً فكلمة الإسلام هي الأصل، وهي شاقة على الكفار،
والصلوات شاقة لتكررها، والزكاة شاقة لما في جبلة الإنسان من حب المال. فإذا أذعن المرء
لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها)) اهـ.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لعل مقصود النبيّ ◌َيقر في هذا الحديث ليس تعديد أركان
الإسلام وإحصاء أحكامه المتكثرة، فإنها كانت معلومة عند معاذ وغيره من الصحابة من قبل، لا
سيما أمثال الحج والصيام التي هي من الضروريات الدينية المعروفة فيما بينهم بكون كل واحد
منها مدار الإسلام وعماده، بل الغرض الأصلي من ذكر الشهادتين والصلاة والزكاة مرتبة إن شاء
الله تعالى التنبه على طريق الدعوة إلى الإسلام بالحكمة. والتيسير في الموعظة والإبلاغ،
والتلطيف في الخطاب، والتدريج في الإعلام بأن لا يدعوهم معاذ إلى مجموع الأحكام
الإسلامية المعهودة عنده دفعة واحدة، بل يدعوهم أولاً إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً
رسول الله، ويقربها إلى أفهامهم بأنواع من الدلائل، فإنها أسُّ الإسلام وملاكه، فإن هم أطاعوا
له بذلك، وطابت بها أنفسهم، فليقل: إن الله عز وجل رب العباد افترض عليكم خمس صلوات
في كل يوم وليلة، ولكم فيها مصالح آجلة، بل ومنافع عاجلة أيضاً، كذا وكذا، فيبين حقائقها .
والحكم التي فيها، حتى إذا أقروا بوجوبها وانقادوا لها وسلموا الحكومة المطلقة لربّ العزة جلّ
جلاله اعتقاداً وعملاً - وأن العبد نفسه وماله وكل ما في يده مملوك لله رب العالمين لا شريك له -
فيقول لهم: إن الله تعالى أوجب عليكم صدقة تؤخذ من أغنياتكم فترد على فقرائكم، وفيها تزكية
أموالكم وتنميتها، وتطهير نفوسكم من رذيلة الشح التي أحضرتها الأنفس، ومواساة لإخوانكم
الفقراء وأبناء نوعكم الذين لا يجدون في الأرض حيلة ولا يهتدون سبيلاً، مع أنا لا نأخذ من
كرائم أموالكم ونفائس أمتعتكم ولا نظلمكم مثقال ذرة، فإن القصد ليس الإضرار بل إيصال
النفع في الدنيا والآخرة، وهكذا يعلمهم سائر أحكام الإسلام من الحج، والصيام، وصدقة
الفطر، والجهاد، وغيرها شيئاً فشيئاً، ويقدم الأهم فالأهم كما راعى الله سبحانه وتعالى هذا
الترتيب والتدريج في أنزالها، لأنه لو كان طالبهم بالجميع في أول الأمر لنفرت نفوسهم من
كثرتها، وثقلت عليهم الدعوة، فلا يرفعون إليها رأساً ولا يلقون إليها سمعاً، فكأن هذا امتثال
من الحضرة النبوية للأوامر الإلهية خطاباً له وَله: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ
وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [سورة النحل، آية: ١٢٥] ولموسى وهارون على نبينا وعليهما الصلاة
﴾ [سورة طه، آية: ٤٤]، وهو كما قال ◌َّ لمعاذ
والسلام: ﴿فَقُولَا لَهُ قَولا لَيْنَا لَعَلَّمُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْتَىِ ◌َّ
وأبي موسى ◌ًِّا: ((يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا)) فليس ما سيق له حديث الباب: استيعابَ
أركان الإسلام وأحكامِه، حتى يستشكل بما فات بيانه من الحج والصيام وغيرهما، بل الإعلام
بدستور العمل للدعاة الإسلاميين إلى يوم القيامة بضرب من الأمثلة المهمة من الشهادتين

٥٠٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(إِنَّكَ تَأْتِي قَوْماً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةٍ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ،
فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذُلِكَ. فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ
والصلاة والزكاة، فالاقتصار في التمثيل على ذكر بعض الأركان لكفايته في تفهيم المخاطب
وتوضيح المقصد: لا ينفي ركنية البعض الآخر، - والله أعلم بالصواب - .
قوله: (إنك تأتي قوماً) إلخ: قال في الفتح: ((روى أحمد عن معاذ: ((لما بعثه
رسول الله (القر إلى اليمن خرج يوصيه، ومعاذ راكب)) فقوله: ((إنك تأتي)) إلخ كالتوطئة للوصية،
لتجتمع همته عليها، لكون أهل الكتاب أهلَ علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم
كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان، وليس فيه أن جميع من يقدم عليهم من أهل الكتاب، بل
يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنما خصهم بالذكر تفضيلاً على غيرهم)).
قوله: (فادعهم) إلخ: قال ابن الْمَلَك: ((هذا يدل على وجوب دعوة الكفار إلى الإسلام
قبل القتال، لكن هذا إذا لم تبلغهم الدعوة. أما إذا بلغتهم فغير واجبة، لأنه صح أن
النبيّ وَّر أغار بني المصطلق وهم غافلون)) قاله في المرقاة.
قوله: (وأني رسول الله) إلخ: استدل به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة
أن لا إله إلا الله، حتى يضيف إليها الشهادة بمحمد بالرسالة، وهو قول الجمهور، وقال
بعضهم: يصير بالأولى مسلماً، ويطالب بالثانية، وفائدة الخلاف تظهر بالحكم بالردة.
قوله: (فإن هم أطاعوا لذلك) إلخ: أي: شهدوا وانقادوا.
الكفار غير مخاطبين بالفروع:
قال الحافظ كلُّهُ في الفتح: ((واستدل به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع حيث دعوا
أولاً إلى الإيمان فقط، ثم دعوا إلى العمل، ورتب ذلك عليها بالفاء، فإن قوله: ((فإن هم أطاعوا
فأخبرهم)) يفهم منه أنهم لو لم يطيعوا لا يجب عليهم شيء، وفيه نظر، لأن مفهوم الشرط
مختلف في الاحتجاج به، وأجاب بعضهم عن الأول بأنه استدلال ضعيف، لأن الترتيب في
الدعوة لا يستلزم التريب في الوجوب، كما أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما والوجوب وقد
قدمت إحداهما على الأخرى في هذا الحديث، ورتبت الأخرى عليها بالفاء، ولا يلزم من عدم
الإتيان بالصلاة إسقاط الزكاة، وقيل: الحكمة في ترتيب الزكاة على الصلاة أن الذي يقر
بالتوحيد ويجحد الصلاة يكفر بذلك، فيصير ماله فيئاً، فلا تنفعه الزكاة وفيه نظر. وأما قول
الخطابي: ((إن ذكر الصدقة أخّر عن ذكر الصلاة لأنها إنما تجب على قوم دون قوم، وإنها لا
تكرر تكرار الصلاة)) فهو حسن، وتمامه أن يقال: بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في
الخطاب، لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة)) اهـ.
قال الشيخ بدر الدين العيني كثّفُ تعالى: ((قال شمس الأئمة في كتابه في فصل بيان موجب

٥٠٣
كتاب: الإيمان
الأمر في حق الكفار: لا خلاف أنهم مخاطبون بالإيمان، لأن النبيّ وَّ بعث إلى الناس كافة
ليدعوهم إلى الإيمان، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [سورة
الأعراف، آية: ١٥٨]، ولا خلاف أنهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات، ولا خلاف أن الخطاب
بالمعاملات يتناولهم أيضاً، ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في
الآخرة، فأما في وجوب الأداء في أحكام الدنيا فمذهب العراقيين من أصحابنا: أن الخطاب
يتناولهم أيضاً، والأداء واجب عليهم، ومشايخ ديارنا يقولون: إنهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل
السقوط من العبادات)) اهـ، فليتأمل.
وقال العلامة ابن عابدين في رد المحتار في بحث الجزية من كتاب الجهاد ناقلاً عن شرح
المنار لصاحب البحر: ((إن الكفار مخاطبون بالإيمان، وبالعقوبات - سوى حد الشرب .
والمعاملات، وأما العبادات فقال السمرقنديون: إنهم غير مخاطبين أداء واعتقاداً، وقال
البخاريون: إنهم غير مخاطبين بهما أداء فقط، وقال العراقيون: إنهم مخاطبون بهما، فيعاقبون
عليهما، وهو المعتمد)) اهـ.
اُلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ [سورة فصلت،
ويؤيد هذا الأخير قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ
(٤٣)﴾ [سورة المدثر، آية: ٤٣] فتحصل من هذا كله أن الكفار
آية: ٦ و٧] ﴿قَالُوْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ
يعاقبون على ترك اعتقاد الصلاة مثلاً، وترك أداءها كليهما عند من قال بتعلق الخطاب بهم في
الدنيا اعتقاداً وأداء، وإن لم يجب عليهم قضاء الصلوات بعد الإسلام عند أحد، ويعاقبون على
ترك الاعتقاد فقط عند من قال بتعلق الخطاب اعتقاداً لا أداء، ولا يعاقبون على ترك واحد منهما
عند الشرذمة القائلة بعدم تعلق الخطاب بهم أصلاً إلا بسبب ترك الإيمان بالتوحيد والرسالة،
فالنزاع تحققه بحسب تعلق الخطاب في الدنيا وتبينه وظهور آثاره في الآخرة، فليتنبه له .
وقال علامة عصرنا الفاضل الكشميري أطال الله بقاءه: ((إن قولهم: الكفار مخاطبون
بالمعاملات، إن كان المراد به الخطاب ثواباً وعقاباً في الآخرة فمسلم لا شك فيه، وإن كان
المراد الخطاب صحة وفساداً في أحكام الدنيا فليس هذا عندي على الإطلاق، فقد صرح في
الهداية أن الكافر إذا تزوج بلا شهود أو في عدة كافر - وذلك في دينهم جائز - ثم أسلما أقرا عليه
عند أبي حنيفة ، لأن الحرمة لا يمكن إثباتها ههنا حقاً للشرع، لأنهم لا يخاطبون بحقوقه،
ولا وجه الإيجاب العدة حقاً للزوج، لأنه لا يعتقده، وصرح الشيخ ابن الهمام تغذُّ تعالى أن
المسلم إذا باع من الحربي ميتة أو خنزيراً أو فأرة، وأخذ المال، يحل كل ذلك عند أبي حنيفة
ومحمد رحمهما الله تعالى، ولو كانوا مكلفين بالمعاملات بحسب الصحة والفساد لم يصح
النكاح في الصورة الأولى، ولم يحل ذلك المال في الصورة الثانية، ولهذا نظائر أخرى تقف
عليها بعد التتبع البالغ، فكما أنهم استثنوا من العقوبات حد الشرب، كذلك ينبغي تقييد

٥٠٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذْلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ
صَدَقَةٌ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ
المعاملات أيضاً بشيء يخرج أمثال هذه الفروع المنصوصة عليها في كتب الفقه)) اهـ. وهذا
تفصيل لا بد من المصير إليه، - والله أعلم - .
قوله: (خمس صلوات) إلخ: استدل به من يرى بعدم وجوب الوتر، لأن بعث معاذ إلى
اليمن قبل وفاة النبيّ ◌َّه بقليل، وقال صاحب التوضيح: ((وهذا ظاهر لا إيراد عليه، ومن ناقش
به فقد غلط».
قلت: ((ما غلط إلا من استمرّ على هذا بغير برهان، لأن الراوي لم يذكر جميع
المفروضات، ألا ترى أنه لم يذكر الصوم والحج ونحوهما، ولئن سلمنا ما ذكروه لا نسلم نفي
ثبوت وجوبه بعد ذلك، لعدم العلم بالتاريخ، وقد قالت الشافعية في ردهم قول أحمد تخلّته حيث
تمسك بحديث ابن عكيم في عدم الانتفاع بأجزاء الميتة قبل موت النبيّ وَله بشهر: يحتمل أن
يكون الإذن في ذلك قبل موته بيوم أو يومين، فكان ينبغي لهم أن يقولوا ههنا كما قالوا هناك)»
كذا قال الشيخ بدر الدين العيني كثّثُ في شرح البخاري. ويزاد عليه ما قال علي القاري تغذفه:
((إنه لا دلالة في الحديث على عدم وجوب الوتر إثباتاً أو نفياً، والمفهوم غير معتبر عندنا، بل
مفهوم العدد ساقط الاعتبار اتفاقاً)) اهـ. وقد قدمنا بعض ما يتعلق بهذا المبحث في قصة النجدي
فراجعها .
قوله: (تؤخذ من أغنيائهم) إلخ: قال الحافظ تغلفه: ((استدل به على أن الإمام هو الذي
يتولى قبض الزكاة وصرفها، إما بنفسه وإما بنائبه، فمن امتنع منها أخذت منه قهراً)) اهـ. ولعل
هذا في السوائم والعشر وغيرها، وأما النقود فإن أدى خفية يجزئه، وهو الحق.
قال الحافظ تغذفه: «قد أطبق الفقهاء بعد ذلك على أن لأرباب الأموال الباطنة مباشرة
الإخراج، وشذ من قال بوجوب الدفع إلى الإمام. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن
الزكاة كانت ترفع إلى رسول الله وَلؤ، وإلى رسله، وعماله، وإلى من أمر بدفعها إليه، واختلفوا
في دفع الزكاة إلى الأمراء، فقال كثيرون من العلماء - ومنهم الأوزاعي، والشافعي - : تدفع
الزكاة إلى الأمراء. وقال عطاء: يعطيهم إذا وضعوها مواضعها، وهكذا قال طاوس، وقال
الثوري: احلفهم وعدهم واكذبهم، ولا تعطهم شيئاً إذا لم يضعوها مواضعها)).
تذييل:
قال الطيبي كثّفُ: ((فيه دليل على أن الطفل يجب في ماله الزكاة، لعموم قوله: ((من
أغنيائهم)) وفيه أن الضمير راجع إلى المكلفين، وهو غير داخل فيهم. كذا في المرقاة.
وقال الشيخ بدر الدين العيني كثّفُهُ: ((عبارة الشافعي أن الزكاة لا تجب على الصبي بل

٥٠٥
كتاب: الإيمان
تجب في ماله، وكذا في المجنون، واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن
النبيّ وَّ خطب، فقال: ((ألا من ولي يتيماً له مال فليتجر في ماله، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة))
رواه الترمذي.
قلنا: الشرط في وجوب الزكاة: العقل والبلوغ، فلا تجب في مال الصبي والمجنون،
لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبيّ وَّ أنه قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى
يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق)). وحديث الترمذي ضعيف، لأن
في إسناده المثنى بن الصباح، فقال أحمد: لا يساوي شيئاً. وقال النسائي: متروك الحديث،
وقال يحيى: ليس بشيء. وقال الترمذي بعد أن رواه: ((وفي إسناده مقال، لأن المثنى بن الصباح
يضعف في الحديث)).
فإن قلت: رواه الدارقطني من رواية مندل عن أبي إسحاق الشيباني عن عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله وَلهى: ((احفظوا اليتامى من أموالهم لا تأكله الزكاة)).
قلت: مندل بن علي الكوفي ضعفه أحمد، وقال ابن حبان: كان يرفع المراسيل، ويسند
الموقوفات من سوء حفظه، فلما فحش ذلك منه استحق الترك.
فإن قلت: قال الترمذي: ((وروى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن شعيب ((أن عمر بن
الخطاب رضي الله تعالى عنه ... )) فذكر الحديث.
قلت: ظاهره أن عمرو بن شعيب رواه عن عمر بغير واسطة بينه وبينه، وليس كذلك، وإنما
رواه الدار قطني والبيهقي بواسطة سعيد بن المسيب من رواية حسين المعلم عن عمرو بن شعيب
عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضيبه قال: ((ابتغوا بأموال اليتامى، لا تأكله الصدقة)).
وقد اختلف في سماع سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب، والصحيح أنه لم يسمع
منه. وقال الترمذي: ((قد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فرأى غير واحد من أصحاب
النبيّ ◌َّر في مال اليتيم زكاة، منهم: عمر، وعلي، وعائشة، وابن عمر، وبه يقول مالك،
والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقالت طائفة من أهل العلم: ليس في مال اليتيم زكاة، وبه قال سفيان الثوري وعبد الله بن
المبارك. قلت: وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول أبي وائل، وسعيد بن جبير، والنخعي،
والشعبي، والحسن البصري وحكي عنه إجماع الصحابة. وقال سعيد بن المسيب: لا تجب
الزكاة إلا على من تجب عليه الصلاة والصيام، وذكر حميد بن زنجوية النسائي أنه مذهب ابن
عباس، وفي المبسوط: وهو قول علي أيضاً، وعن جعفر بن محمد عن أبيه مثله، وبه قال
شريح. ذكره النسائي كثّثه)).

٥٠٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ
قوله: (فترد في فقرائهم) إلخ: استدل به بعضهم على عدم جواز نقل الزكاة عن بلد المال.
قال العيني كثّفُهُ: «هذا الاستدلال غير صحيح، لأن الضمير في ((فقرائهم)) يرجع إلى فقراء
المسلمين، وهو أعم من أن يكون من فقراء تلك البلدة أو غيرهم، وهذا هو الظاهر من تبويب
البخاري تكّثُ تعالى)).
قال الحافظ تغذّثُهُ: ((وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فأجاز النقلَ: الليث، وأبو
حنيفة، وأصحابهما، ونقله ابن المنذر عن الشافعي، واختاره. والأصح عند الشافعية والمالكية
والجمهور: ترك النقل، فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح ولم يجز عند الشافعية
على الأصح، إلا إذا فقد المستحقون لها .
وقال الطيبي تَغْذَقُ: ((اتفقوا على أنها إذا نقلت وأديت يسقط الفرض عنه، إلا عمر بن
عبد العزيز، فإنه رد صدقة نقلت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان)) اهـ.
قال علي القاري تغذّفهُ: ((وفيه أن فعله هذا لا يدل على مخالفته للإجماع، بل فعله إظهاراً
لكمال العدل وقطعاً للأطماع».
ثم ظاهر الحديث أن دفع المال إلى صنف واحد جائز، كما هو مذهبنا، بل له أن يقتصر
على شخص واحد، فالحديث محمول على مقابلة الجمع بالجمع، وفي الهداية: ((لولا حديث
معاذ لقلنا بجواز دفع الزكاة إلى الذمي)) أي كما قلنا بجواز دفع الصدقة إليهم لما روى ابن أبي
شيبة عن سعيد بن جبير مرسلاً قال رسول الله وَ لور: ((تصدقوا على أهل الأديان كلها)). قال ابن
الهمام: حديث ((لا تحل الصدقة لغني)) مع حديث معاذ يفيد منع غني الغزاة والغارمين عنها، فهو
حجة على الشافعي تَّثُ في تجويزه لغني الغزاة إذا لم يكن له شيء في الديوان، ولم يأخذ من
الفيء، ثم المعتبر في الزكاة مكان المال، وفي صدقة الفطر مكان الرأس المخرج عنه في
الصحيح، مراعاةً لإيجاب الحكم في محل وجود سببه، ويكره نقلها إلى بلد آخر إلا إلى قريبه.
أو إلى أحوج من أهل بلده. قال ابن الهمام تغذفه: ((ووجهه ما قدمناه من دفع القيم من قول معاذ
لأهل اليمن: ((ائتوني بعرض ثياب خميس أو لبيس في الصدقة، مكان الذرة والشعير. أهون
عليكم وخير لأصحاب رسول الله (3 98 بالمدينة)) ويجب كون محمله كون من بالمدينة أحوج أو
ذلك بعد ما يفضل بعد إعطاء فقرائهم، وأما النقل للقرابة فلما فيه من صلة الرحم، زيادة على
قربة الزكاة)) اهـ.
قوله: (فإياك وكرائم أموالهم) إلخ: الكرائم جمع كريمة، يقال: ناقة كريمة، أي غزيرة
اللبن، والمراد نفائس الأموال من أيّ صنف كان، وقيل له: نفيس لأن نفس صاحبه تتعلق به،
وأصل الكريمة كثيرة الخير، وقيل للمال النفيس: كريم، لكثرة منفعته .

٥٠٧
كتاب: الإيمان
◌َيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ)).
١٢٢ - (٣٠) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ
إِسْحاقَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنْ زَكَّرِيَّاءَ بْنِ إِسْحاقَ، عَنْ
يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عُبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَهْ بَعَثَ مُعَاذَاً
إِلَى الْيَمَنِ. فَقَالَ: ((إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْماً)) ... بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ .
١٢٣ - (٣١) حدّثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ (وَهُوَ
قوله: (ليس بينها وبين الله حجاب) إلخ: فيه أن دعوة المظلوم لا ترد، وكان فيه ما يقتضي
أن لا يستجاب لمثله من كون مطعمه حراماً أو نحو ذلك، حتى ورد في بعض طرقه: «وإن كان
كافراً ليس دونه حجاب)) رواه أحمد من حديث أنس، وله من حديث أبي هريرة: ((دعوة المظلوم
مستجابة، وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه)) وإسناده حسن كذا في عمدة القاري.
٣٠ - ( ... ) - قوله: (حدثنا ابن أبي عمر) إلخ: هو محمد بن يحيى بن أبي عمر المدني
أبو عبد الله، سكن مكة.
قوله: (عبد بن حميد) إلخ: هو الإمام المعروف صاحب المسند، يكنى أبا محمد.
قوله: (إلى اليمن) إلخ: وفي رواية للبخاري: ((قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف،
قال: واليمن مخلافان)) والمخلاف - بكسر الميم وسكون المعجمة وآخره فاء ــ هو بلغة أهل
اليمن، وهو الكورة والإقلیم.
وفي الاستيعاب لابن عبد البر: ((كان رسول الله وَّ ر قد قسم اليمن على خمسة رجال:
خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أمية على كندة، وزيادة بن لبيد على حضرموت،
ومعاذ على الجند، وأبي موسى على زبيد وعدن والساحل)) اهـ.
قال الحافظ كّتُهُ: ((ولمعاذ بالجند مسجد مشهور إلى اليوم)).
٣١ - ( ... ) - قوله: (أمية بن بسطام) إلخ: بكسر الباء الموحدة، وحكي فتحها، واختلف
في صرفه وعدمه، قال الجوهري في الصحاح: ((بسطام ليس من أسماء العرب، وإنما سمي
قيس بن مسعود ابنه بسطام باسم ملك من ملوك فارس)).
قوله: (العيشي) إلخ: بالشين المعجمة، وهو منسوب إلى بني عائش بن مالك بن تيم الله بن
ثعلبة، وكان أصله العائشي، ولكنهم خففوه.
قال الحاكم أبو عبد الله، والخطيب البغدادي: ((العيشيون - بالشين المعجمة - بصريون،
والعبسيون - بالباء الموحدة والسين المهملة - كوفيون، والعنسيون - بالنون والسين المهملة -
شاميون)). وهذا الذي قالاه هو الغالب، - والله أعلم -. كذا في الشرح.

٥٠٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ابْنُ الْقَاسِم) عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَيهِ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذاً إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: ((إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْم أَهْلِ
كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهُ
قوله: (أول ما تدعوهم إليه عبادة الله) إلخ: المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيده الشهادة له
بذلك، ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بهما لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيء غيرهما إلا
بهما، ومن كان منهم غير موحّد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين،
ومن كان موحداً فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة، وإن كانوا
يعتقدون ما يقتضي الإشراك أو يستلزمه كمن يقول ببنوة عزير أو يعتقد التشبيه فتكون مطالبتهم
بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم. كذا في الفتح.
تنبيه:
قال ابن العربي في شرح الترمذي: («تبرأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأن العزير
ابن الله، وهذا لا يمنع كونه موجوداً في زمن النبيّ وَّر، لأن ذلك نزل في زمنه، واليهود معه
بالمدينة وغيرها، فلم ينقل عن أحد منهم أنه ردَّ ذلك ولا تعقبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة
منهم لا جميعهم، بدليل أن القائل من النصارى أن المسيح ابن الله طائفة منهم لا جميعهم،
فيجوز أن تكون تلك الطائفة انقرضت في هذه الأزمان كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه
إلى التعطيل، وتحول معتقد النصارى في الابن والأب إلى أنه من الأمور المعنوية لا الحسية،
فسبحان مقلب القلوب)) اهـ.
قلت: وقد أخبرني بعض كبرائنا الثقات (أي: مخدومنا الحاج أمير شاه خان تَُّ) أنه بالغ
في تفتيش ما زعمته يهود عصره في مسألة ابنية عزير ظلّلا، واجتهد في تحقيقه غاية الجهد، فتبرَّأ
كل يهودي لقيه من هذا الاعتقاد الشنيع، حتي لقي بعض علمائهم ببيت المقدس، وسأله،
فاعترف بأن فيهم شرذمة قليلة تزعم بأن عزيراً ابن الله وهم موجودون الآن، وعددهم لا يزيد
على مائة ألف في العالم، قال: ثم لقيت ببعض أفراد تلك الفرقة، وشافهتهم وهم في نهاية من
الذلة والصغار، يقال لهم: ((العزيرية)) ولواحدهم: ((عزيري)) فسألته، فأقر بما أخبرت به، وقال:
نؤمن بأن عزيراً ابن الله من غير شك وتردد، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً .
قوله: (فإذا عرفوا الله) إلخ: علم منه أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وإن كانوا يعبدون الله
ويظهرون معرفته .
قال حذاق المتكلمين: ما عرف الله من شبهه بخلقه أو أضاف إليه اليد المغلولة، أو
أضاف إليه الولد، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله، وإن سموه به، واستدل بقوله: ((فإذا
عرفوا الله)) إلخ: على أن معرفة الله بحقيقة كنهه ممكنة للبشر، فإن كان ذلك مقيداً بما عرّف به

٥٠٩
كتاب: الإيمان
فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ
عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ
أَمْوَالِهِمْ)».
(٨) - باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد
رسول اللَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ويؤمنوا بجميع
ما جاء به النبيّ وَّة، وأن من فعل ذلك عصم نفسه وماله
إلا بحقها، ووكلت سريرته إلى الله تعالى، وقتال من منع الزكاة
أو غيرها من حقوق الإسلام، واهتمام الإمام بشعائر الإسلام
١٢٤ - (٣٢) حدّثُنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
نفسه من وجوده وصفاته اللائقة من العلم والقدرة والإرادة مثلاً، وتنزيهه عن كل نقيصة
كالحدوث: فلا بأس به، فأما ما عدا ذلك فإنه غير معلوم للبشر، وإليه الإشارة بقوله تعالى:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ [سورة طه، آية: ١١٠] فإذا حمل قوله: ((فإذا عرفوا الله)) على ذلك كان
واضحاً، مع أن الاحتجاج به يتوقف على الجزم بأنه وَله نطق بهذه اللفظة. وفيه نظر، لأن القصة
واحدة .
ورواة هذا الحديث اختلفوا: هل ورد الحديث بهذا اللفظ أو بغيره؟ فلم يقل وَمليار إلا بلفظ
منها، ومع احتمال أن يكون هذا اللفظ من تصرُّف الرواة لا يتم الاستدلال، وقد تبين لك أن
الأكثر رووه بلفظ: ((فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا
لك بذلك)) إلخ، ومنهم من رواه بلفظ: ((فادعهم إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك))، ومنهم
من رواه بلفظ: ((فادعهم إلى عبادة الله، فإذا عرفوا الله)).
ووجه الجمع بينها أن المراد بالعبادة التوحيد، والمراد بالتوحيد: الإقرار بالشهادتين،
وقوله: ((فإذا عرفوا الله)) أي: عرفوا توحيد الله، والمراد بالمعرفة: الإقرار والطواعية، فبذلك
يجمع بين هذه الألفاظ المختلفة في القصة الواحدة، وبالله التوفيق. قاله الحافظ في أبواب الزكاة
وأبواب التوحيد من فتح الباري.
(٨) - باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا:
لا إله إلا الله محمد رسول الله إلخ
٣٢ - (٢٠) - قوله: (عن عقيل) إلخ: بضم العين وفتح القاف.

٥١٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ قَالَ: لَمَّا
تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهَ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ
قوله: (وكفر من كفر من العرب) إلخ: قال الطيبي: ((يريد غطفان وفزارة وبني سليم
وغيرهم)) وفي حديث أنس عند ابن خزيمة: ((لما توفي رسول الله وَّر ارتدت عامة العرب)).
قال القاضي عياض وغيره: ((كان أهل الردة ثلاثة أصناف: صنف: عادوا إلى عبادة
الأوثان. وصنف: تبعوا مسيلمة، والأسود العنسي، وكان كل منهما ادعى النبوة، فصدق مسيلمةً
أهلُ اليمامة وجماعة غيرهم، وصدق الأسودَ أهلُ صنعاء وجماعة غيرهم، فقتل الأسود قبل
موت النبيّ وَّه بقليل، وبقي بعض من آمن به، فقاتلهم عمال النبيّ وَّر في خلافة أبي بكر، وأما
مسيلمة فجهز إليه أبو بكر رظُه الجيش، وعليهم خالد بن الوليد، فقتلوه. وصنف ثالث:
استمروا على الإسلام، لكنهم جحدوا الزكاة، وتأولوا بأنها خاصة بزمن النبيّ وَّ، وهم الذين
ناظر عمر أبا بكر #ها في قتالهم كما وقع في حديث الباب)).
وقال أبو محمد بن حزم في ((الملل والنحل)): ((انقسمت العرب بعد موت النبيّ وَّر على
أربعة أقسام:
طائفة: بقيت على ما كانت عليه في حياته، وهم الجمهور.
وطائفة: بقيت على الإسلام أيضاً، إلا أنهم قالوا: نقيم الشرائع، إلا أنا لا نؤدي الزكاة
إلى أبي بكر، ولا نعطي طاعة لأحد بعد رسول الله وَّر، وهم كثيرون، لكنهم قليل بالنسبة إلى
الطائفة الأولى، ويبيّن هذا قول الحطيئة العبسي:
فيالهفنا ما بال دين أبي بكر
أطعنا رسول الله إذا كان بيننا
فتلك لعمر والله قاصمة الظهر
أيورثها بكراً إذا مات بعده
لكالتمر أو أحلى لدي من التمر
وإن التي طالبتم فمنعتم
يعني: الزكاة. ثم ذكر القبائل الثابتة على الطاعة فقال:
وإست بني دودان حاشى بني النضر
بإست بني سعد وأستاه بني طي
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، رقم
(١٣٩٩) و(١٤٠٠)، وباب أخذ العناق في الصدقة، رقم (١٣٥٦) و(١٣٥٧). وفي كتاب استتابة المرتدين،
باب قتل من أبى قبول الفرائض، رقم (٦٩٢٤) و(٦٩٢٥) وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب
الاقتداء بسنن رسول الله مَلل، رقم (٧٢٨٤) و(٧٢٨٥). والنسائي في سننه في كتاب الزكاة، باب مانع
الزكاة، رقم (٢٤٤٥). وأبو داود في سننه، في فاتحة كتاب الزكاة، رقم (١٥٥٦). والترمذي في جامعه،
في كتاب الإيمان، باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، رقم (٢٦٠٧).

٥١١
كتاب: الإيمان
الْخَطَّابِ لأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ
قال أبو محمد: لكن والله بأستاه بني نضر وإست الحطيئة حلت الدائرة.
وطائفة ثالثة: أعلنت بالكفر والردة، كأصحاب طليحة وسجاح. وهم قليل بالنسبة لمن
قبلهم، إلا أنه كان في كل قبيلة من يقاوم من ارتد.
وطائفة: توقفت، فلم تطع أحداً من الطوائف الثلاثة، وتربصوا لمن تكون الغلبة، فأخرج
أبو بكر إليهم البعوث، وكان فيروز ومن معه غلبوا على بلاد الأسود وقتلوه، وقتل مسيلمة
باليمامة، وعاد طليحة إلى الإسلام، وكذا سجاح، ورجع غالب من كان ارتد إلى الإسلام، فلم
يحل الحول [إلا] والجميع قد راجعوا [إلى] دين الإسلام، وإنما كانت نزعة من الشيطان كنار
اشتعلت، فأطفأها الله للوقت؛ ولله الحمد)) اهـ.
قال الحافظ: ((وإنما أطلق اسم الكفر في حديث الباب (أي في قوله: ((وكفر من كفر من
العرب)) ليشمل الصنفين، فهو في حق من جحد حقيقة، وفي حق الآخرين مجاز، تغليباً، وإنما
قاتلهم الصدّيق ولم يعذرهم بالجهل لأنهم نصبوا القتال، فجهز إليهم من دعاهم إلى الرجوع،
فلما أصروا قاتلهم)) اهـ.
قال الخطابي تقذفُ: ((وقد زعم زاعمون من الرافضة أن أبا بكر رظلبه أول من سبى
المسلمين، وأن القوم كانوا متأولين في منع الصدقة، وكانوا يزعمون أن الخطاب في قوله
تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَّهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [سورة التوبة، آية:
١٠٣] خطاب خاص في مواجهة النبيّ وَّ دون غيره، وأنه مقيد بشرائط لا توجد في من سواه،
وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما للنبيّ بَّر، ومثل هذه الشبهة
إذا وجدت كان مما يعذر فيه أمثالهم، ويرفع السيف عنهم، وزعموا أن قتالهم كان عسفاً)).
قال الخطابي تغذفه: ((وهؤلاء الذين زعموا ما ذكرناه: قوم لا خلاق لهم في الدين، وإنما
رأس مالهم البهت والتكذيب والوقيعة في السلف، وقد بيَّنَّا أن أهل الردة كانوا أصنافاً، منهم:
من ارتد عن الملة ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيره. ومنهم: من ترك الصلاة والزكاة، وأنكر الشرائع
كلها، هؤلاء هم الذين سماهم الصحابة كفاراً، ولذلك رأى أبو بكر نظريته سبي ذراريهم،
وساعده على ذلك أكثر الصحابة، واستولد علي بن أبي طالب بظلاله جارية من سبي بني حنيفة،
فولدت له محمد الذي يدعى: ابن الحنفية، ثم لم ينقض عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن
المرتد لا يسبى، فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين فإنهم أهل بغي، ولم يسموا
على الانفراد منهم كفاراً، وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما
منعوه من حقوق الدين، وذلك أن الردة اسم لغوي، وكل من انصرف عن أمر كان مقبلاً عليه فقد
ارتد عنه، وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة، ومنع الحق، وانقطع عنهم اسم
الثناء والمدح بالدين، وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقاً.

٥١٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وأما قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمَّوَلِهِمْ صَدَقَّةٌ﴾ [سورة التوبة، آية: ١٠٣] وما ادعوه من كون الخطاب
خاصاً برسول الله وسير فإن خطاب كتاب الله تعالى على ثلاثة أوجه: خطاب عام كقوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [سورة المائدة، آية: ٦]. وكقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [سورة البقرة، آية: ١٨٣]. وخطاب خاص للنبيّ وَّ لا يشركه فيه غيره،
وهو ما أبين به عن غيره بسمة التخصيص وقطع التشريك، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّتْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ،
نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ [سورة الإسراء، آية: ٧٩] وكقوله تعالى: ﴿خَالِصَةُ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌ﴾ [سورة الأحزاب،
آية: ٥٠]. وخطاب مواجهة للنبيّ وَّ، وهو وجميع أمته في المراد به سواء، كقوله تعالى: ﴿أَقِ
الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [سورة الإسراء، آية: ٧٨] وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأَتَ اٌلْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِدْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ
الرَّحِيمِ ﴾﴾ [سورة النحل، آية: ٩٨] وكقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ﴾ [سورة النساء، آية:
١٠٢] ونحو ذلك من خطاب المواجهة، فكل ذلك غير مختص بالنبيّ و9َّ، بل تشاركه فيه الأمة،
فكذا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [سورة التوبة، آية: ١٠٣].
ثم قال الخطابي: ((فأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحب الصدقة، فإن الفاعل
فيها قد ينال ذلك كله بطاعة الله، وطاعة رسوله ◌َ# فيها، وكل ثواب موعود على عمل برّ كان
في زمنه وَّر، فإنه باق غير منقطع، ويستحب للإمام وعامل الصدقة أن يدعو للمصدق بالنماء
والبركة في ماله، ويرجى أن يستجيب الله ذلك، ولا يخيب مسألته)).
ثم قال بعد كلام لا يجب ذكره: ((أما اليوم - وقد شاع دين الإسلام، واستفاض في
المسلمين علم وجوب الزكاة، حتى عرفها الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل - فلا
يعذر بتأويل يتأوله في إنكارها، بل يكفر، وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئاً مما أجمعت الأمة
عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشراً، كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال
من الجنابة، وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم ونحوها، إلا أن يكون رجلاً حديث
عهد بالإسلام، ولا يعرف حدوده، فإنه إذا أنكر شيئاً منها جهلا به لم يكفر، وكان سبيله سبيل
أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه، فأما ما كان الإجماع فيه معلوماً من طريق علم الخاصة،
كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمداً لا يرث، وأن للجدة السدس، وما
أشبه ذلك من الأحكام فإن من أنكرها لا يكفر، بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في
العامة)) اهـ.
قال الكمالان ابن الهمام وابن أبي شريف رحمهما الله تعالى: ((ما يجب به الإيمان هو ما
جاء به محمد رسول الله وَلول عن الله عز وجل، فيجب التصديق بجميع ما جاء به عن الله تعالى
اعتقادي وعملي، وتفاصيلها كثيرة، فاكتفي بالإجمال، وهو أن يقرَّ بأن لا إله إلا الله محمد
رسول الله إقراراً صادراً عن مطابقة جنانه، واستسلامه للسانه. وأما التفاصيل فما وقع منها في

٥١٣
كتاب: الإيمان
حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلهَ إِلا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ
الملاحظة، بأن جذبه جاذب إلى تعقل ذلك الأمر التفصيلي، وجب إعطاؤه حكمه من وجوب
الإيمان، فإن كان مما ينفى جحده الاستسلام، أو يوجب التكذيب للنبيّ وَ﴿ فجاحده حكم
بكفره، وإلا فُسِّقَ وضُلّل، فما ينفي الاستسلام هو كل ما يدل على الاستخفاف من الألفاظ
والأفعال الدالة عليه، وما يوجب التكذيب هو جحد كل ما ثبت عن النبيّ وَ ل ير ادعاؤه ضرورة،
كالبعث والجزاء والصلوات الخمس)» اهـ.
وقال العلامة الزبيدي تخلّثهُ في شرح الإحياء: ((اختلفوا في المقابلة بين الكفر والإيمان،
هل هي مقابلة الضدين؟ أو مقابلة العدم والملكة؟ فمن قال بالأول قال: الكفر عبارة عن إنكار
ما علم بالضرورة مجيء الرسل به، ومن قال بالثاني فسره بقوله: عدم الإيمان عما من شأنه أن
يكون مؤمناً، وعلى كلا القولين يخرج ارتكاب الذنوب، إذ لا يكون مرتكبها بارتكابه إياها منكراً
لشيء من الدين معلوماً ضرورة أنه منه، وهو ظاهر، ولم يخالف فيه أحد من أهل السنة
والجماعة. لا يقال: قد خالف جماعة من الفقهاء، حيث يكفر من ترك فرضاً من الفروض
الخمسة، أعني: الصلاة وأخواتها. لأنا نقول: إنما كفروه بذلك لأن الشارع جعل ذلك علامة
على كفره، لقوله تعالى: (ليس بين المؤمن والكافر إلا ترك الصلاة)) كما جعل السجود للصنم
وإلقاء المصحف في القاذورات وأمثال ذلك: كفراً، وليس من التكفير بمجرد الذنب، يبقى النظر
في الأدلة الشرعية التي جعلت هذا علامة الكفر في كون هذا علامة، لاحتمال أن يكون الترك
كسلاً لا استهزاءً ولا استحلالاً بتركها، هذا نظر آخر فاعرفه، والمسألة اجتهادية، والحق عدم
التكفير، وسيأتي لذلك بسط - والله أعلم - )).
قوله: (حتى يقولوا: لا إله إلا الله) إلخ: فيه دليل على الاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد
الجازم، خلافاً لمن أوجب تعلم الأدلة، فإن قيل: إن مقتضى الحديث قتال كل من امتنع من
التوحيد فكيف ترك قتال مؤدي الجزية والمعاهد؟ فالجواب من أوجه:
أحدها: دعوى النسخ بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخراً عن هذه الأحاديث،
بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة، آية: ٥].
ثانيها: أن يكون من العام الذي خص منه البعض، لأن المقصود من الأمر حصول
المطلوب فإذا تخلف البعض لدليل لم يقدح في العموم.
ثالثها: أن يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المراد بالناس في قوله: ((أقاتل
الناس)) أي: المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائي بلفظ: ((أمرت أن أقاتل
المشرکین» .
فإن قيل: إذا تم هذا في أهل الجزية لم يتم في المعاهدين، ولا في من منع الجزية. أجيب

٥١٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ :
٠٠
بأن الممتنع في ترك المقاتلة رفعها لا تأخيرها مدة كما في الهدنة، ومقاتلة من امتنع من أداء
الجزية بدليل الآية.
رابعها: أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها التعبير عن إعلاء كلمة الله، وإذعان
المخالفين. فيحصل في بعض بالقتل، وفي بعض بالجزية، وفي بعض بالمعاهدة.
خامسها: أن يكون المراد بالقتال هو، أو ما يقوم مقامه من جزية أو غيرها .
سادسها: أن يقال: الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، وسبب السبب
سبب، فكأنّه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام، هذا - والله أعلم - . كذا في
الفتح، وبعض الأجوبة لا يخلو من مناقشة.
قوله: (فقد عصم) إلخ: بفتح الصاد.
قوله: (إلا بحقه) إلخ: أي: بحق هذا القول، فيه أن من أتى بالشهادتين وأقام الصلاة
وآتى الزكاة وإن كان لا يؤاخذ لكونه معصوماً لكنه يؤاخذ بحق من حقوق الإسلام، من نحو
قصاص أو حدّ أو غرامة متلف، ونحو ذلك.
وقال الكرماني كثّفُهُ: ((إلا بحق الإسلام من قتل النفس وترك الصلاة ومنع الزكاة)). قلت:
قوله: ((من قتل النفس)) لا خلاف فيه أن عصمة دمه تزول عند قتل النفس المحرمة، وأما قوله:
(وترك الصلاة)) فهو بناء على مذهبه، وأما قوله: ((ومنع الزكاة)) ليس كذلك، فإن مذهب
الشافعي كثّفُ أن مانع الزكاة لا يقتل، ولكنه يؤخذ منه قهراً، وأما إذا انتصب للقتال فإنه يقاتل
بلا خلاف، وسنبينه إن شاء الله تعالى.
قوله: (وحسابه على الله) إلخ: قال الطيبي كثّفُ: ((يعني: من قال: لا إله إلا الله، وأظهر
الإسلام، نترك مقاتلته، ولا نفتش باطنه، هل هو مخلص أم لا؟ فإن ذلك إلى الله تعالى وحسابه
علیه)) اهـ.
قال العيني كثّفُ: ((فيه قبول توبة الزنديق، ويأتي إن شاء الله تعالى في المغازي قول
النبيّ وَله: ((إني لم أومر أن أشق عن قلوب الناس، ولا عن بطونهم)) الحديث بطوله، جواباً
لقول خالد نصّه: ((ألا أضرب عنقه))؟ فقال عليّل: ((لعله يصلّي)) فقال خالد: ((وكم من مُصَلِّ يقول
بلسانه ما ليس بقلبه)).
ولأصحاب الشافعي تَّفُ في الزنديق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر ويعلم ذلك بأن
يطلع الشهود على كفر كان يخفيه، أو علم بإقراره: خمسة أوجه:
أحدها: قبول توبته مطلقاً، وهو الصحيح المنصوص عن الشافعي تغذّثُ ، والدليل عليه
قوله والر: ((أفلا شققت عن قلبه)).

٥١٥
كتاب: الإيمان
وَاللَّهِ، لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ،
والثاني: وبه قال مالك - لا تقبل توبته ورجوعه إلى الإسلام، لكنه إن كان صادقاً في توبته
نفعه ذلك عند الله تعالى. وعن أبي حنيفة كثّفُ تعالى روايتان كالوجهين.
والثالث: إن كان من الدعاة إلى الضلال لم تقبل توبتهم، وتقبل توبة عوامهم.
والرابع: إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل، وإن جاء تائباً ابتداءً وظهرت مخايل الصدق عليه
قبلت، وحكي هذا القول عن مالك، وممن حكاه عبد الواحد السفاقسي.
والخامس: إن من تاب مرة قبلت منه، وإن تكررت منه التوبة لم تقبل.
وقال صاحب التقريب من أصحابنا: ((روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة
في الزنديق الذي يظهر الإسلام قال: استُثِيْب كالمرتد، وقال أبو يوسف مثل ذلك زماناً، فلما
رأى ما يصنع الزنادقة من إظهار الإسلام ثم يعودون: قال: إن أوتيت بزنديق أمرت بقتله، ولم
أستَتِبْ، فإن تاب قبل أن أقتله خليته، وروى سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف عن أبي
حنيفة في نوادر له قال: قال أبو حنيفة تقذفه: اقتلوا الزنديق المستتر فإن توبته لا تعرف)) اهـ.
قوله: (والله لأقاتلن) إلخ: قال المهلب: ((من امتنع من قبول الفرائض نظر: فإن أقر
بوجوب الزكاة مثلاً أخذت منه قهراً ولا يقتل، فإن أضاف إلى امتناعه نصبَ القتال قوتل إلى أن
یرجع)).
قال مالك في الموطأ: ((الأمر عندنا في من منع فريضة من فرائض الله تعالى، فلم يستطع
المسلمون أخذها منه كان حقاً عليهم جهاده)).
قال العيني: ((وبهذه الطريقة قاتل الصديق لله مانعي الزكاة، ولم ينقل أنه قتل أحداً منهم
صبراً، ولو ترك أحد صوم رمضان حبس ومنع الطعام والشراب نهاراً، لأن الظاهر أنه ينويه
معتقداً، لأنه معتقد بوجوبه، كما ذكر في كتب الشافعية)).
وقال النووي: ((يستدل بهذا الحديث على وجوب قتال مانعي الزكاة والصلاة وغيرهما من
واجبات الإسلام، قليلاً كان أو كثيراً)).
قلت: فعن هذا قال محمد بن الحسن الشيباني كُّ تعالى: ((إن أهل بلدة أو قرية إذا
أجمعوا على ترك الأذان، فإن الإمام يقاتلهم، وكذلك كل شيء من شعائر الإسلام.
قوله: (من فرق بين الصلاة والزكاة) إلخ: قال الشارح تبعاً للخطابي: ((قاس أبو بكر الزكاة
على الصلاة، وكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعاً من
الصحابة، وكذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه، فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من
عمر رظُه بالعموم، ومن أبي بكر له بالقياس، ودل ذلك على أن العموم يخص بالقياس)) اهـ.
قال الشيخ ابن الهمام في التحرير: ((الأئمة الأربعة يجوزون التخصيص بالقياس، إلا إن
الحنفية قيدوا الجواز بشرط تخصيص سابق بغير القياس)).

٥١٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
..........
فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالٍ، وَاللَّهِ، لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ
وقال ابن سريج كثّفُ: ((إن كان القياس جلياً جاز تخصيصه، وإن كان خفياً لا يجوز، وقيل
غير ذلك)). ثم ساق سائر المذاهب وأدلتها .
قال الشارح تقذفُ: ((وفي استدلال أبي بكر واعتراض عمر ينا دليل على أنهما لم يحفظا عن
رسول الله وسفور ما رواه ابن عمر وأنس وأبو هريرة من زيادة الصلاة والزكاة في الحديث، وكأن
هؤلاء الثلاثة سمعوا هذه الزيادات التي في رواياتهم في مجلس آخر، فإن عمر ر ◌ُه لو سمع ذلك
لما خالف، ولما كان احتج بالحديث، فإنه بهذه الزيادة حجة عليه، ولو سمع أبو بكر ﴿ه هذه
الزيادة لاحتج بها، ولِمَا احتج بالقياس، وعموم قوله: ((إلا بحق الإسلام)) - والله أعلم - )).
قال الحافظ: ((وفي القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، ويطلع
عليها آحادهم، ولهذا لا يلتفت إلى الآراء، ولو قويت مع وجود سنة تخالفها، ولا يقال: كيف
خفي ذا على فلان؟! والله الموفق)) اهـ.
قوله: (فإن الزكاة حق المال) إلخ: قال الحافظ: ((يشير إلى دليل منع التفرقة التي ذكرها
أن حق النفس الصلاة، وحق المال الزكاة، فمن صلى عَصَم نفسه، ومن زكّى عصم ماله، فإن
لم يصلِّ قوتل على ترك الصلاة، ومن لم يزك أخذت الزكاة من ماله قهراً، وإن نصب الحرب
لذلك قوتل، وهذا أنه لو كان سمع في الحديث: ((ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة)) كما في رواية
ابن عمر رضي وغيره لما احتاج إلى هذا الاستنباط، لكنه يحتمل أن يكون سمعه واستظهر بهذا
الدليل النظري)) اهـ.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وهذا الاحتمال الأخير هو الصواب إن شاء الله تعالى،
فإنه روى النسائي في سننه عن أنس بن مالك قال: لما توفي رسول الله مُ * ارتدت العرب، فقال
عمر: يا أبا بكر، كيف تقاتل العرب؟ فقال أبو بكر: إنما قال رسول الله وصله: ((أمرت أن أقاتل
الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)) أخرجه
أيضاً البيهقي في السنن، وإسناده في سنن النسائي هكذا: أخبرنا محمد بن بشار، حدثنا عمرو بن
عاصم، حدثنا عمران أبو العوام، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أنس)) فذكره، وكلهم من رجال
الصحيح، إلا عمران أبو العوام فإنه صدوق يهم، قاله الشوكاني في نيل الأوطار. وما وقع في
رواية للبخاري كثّفُ: ((قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله (وَلاير)) لعله
إشارة إلى هذه الرواية التي ذكرها النسائي والبيهقي، وبالجملة فقد احتج الصديق على
الفاروق فيها بالنص الصريح، وبالعموم المستفاد من قوله وَطاهر: ((إلا بحقه)) وبالمقايسة بين الصلاة
والزكاة، وبكونهما قرينتين في كتاب الله تعالى. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
قوله: (والله لو منعوني عقالاً) إلخ: وفي بعض الروايات للبخاري ((عناقاً)) وهي الأنثى من
ولد المعز.

٥١٧
كتاب: الإيمان
واختلف في رواية العقال، فقال قوم: هي وهم، وإلى ذلك أشار البخاري في أبواب
الاعتصام عقب إيراده: ((قال لي ابن بكير - يعني شيخه يحيى بن بكير - وعبد الله - يعني ابن صالح -
عن الليث: ((عناقاً)) وهو أصح)). وقال قوم: الرواية محفوظة، ولها معنى متجه، وجرى النووي
على طريقته، فقال: ((هو محمول على أن أبا بكر ظ﴿به قالها مرتين، مرة: عناقاً، ومرة: عقالاً)).
قلت: وهو بعيد مع اتحاد المخرج والقصة، وقيل: العقال يطلق على صدقة عام، يقال:
أخذ منه عقال هذا العام، يعني: صدقته، حكاه المازري عن الكسائي، واستشهد بقول الشاعر:
فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدأ
وعمرو المشار إليه هو: ابن عتبة بن أبي سفيان، وكان عمه معاوية يبعثه ساعياً على
الصدقات، فقيل فيه ذلك.
ونقل عياض وغيره أنه الفريضة من الإبل، ونحوه عن النضر بن شميل. وعن أبي سعيد
الضرير: العقال ما يؤخذ في الزكاة من أنعام وثمار، لأنه عقل عن مالكها، وقال المبرد: العقال
ما أخذه العامل من صدقة بعينها، فإن تعوض عن شيء منها قيل: أخذ نقداً، وعلى هذا فلا
إشكال فيه .
وذهب الأكثر إلى حمل العقال على حقيقته، وأن المراد به الحبل الذي يعقل به البعير،
نقله عياض عن الواقدي عن مالك وابن أبي ذئب قالا: العقال عقال الناقة، قال أبو عبيد:
العقال اسم لما يعقل به البعير، وقد بعث النبيّ ◌َ * محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان يأخذ
مع كل فريضة عقالاً. وقال النووي: ((ذهب إلى هذا كثير من المحققين)).
وقال ابن التيمي في التحرير: ((قول من فسر العقال بفريضة العام تعسف، وهو نحو تأويل
من حمل ((البيضة)) و((الحبل)) في حديث ((لعن السارق)): على بيضة الحديد وحبل السفينة وهذا
ذهاب عن طريقة العرب، لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد والمبالغة، فتقتضي قلة ما
علق به القتال وحقارته، وكل ما كان في هذا السياق أحقر كان أبلغ، قال: والصحيح أن المراد
بالعقال ما يعقل به البعير، قال: والدليل على أن المراد به المبالغة قوله في الرواية الأخرى:
((عناقاً)) وفي الأخرى: ((جدياً)) (أذْوَط)(١) وعلى هذا بالمراد بالعقال قدر قيمته)) قال(٢): وهذا:
هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره)) ثم ذكر تصويره من حيث الفروع الفقهية.
(١) قال ابن الأثير في النهاية (٢/ ١٧٢): الأذوط: الناقص الذقن من الناس وغيرهم، وقيل: هو الذي يطول
حنكه الأعلى ويقصر الأسفل.
(٢) القائل النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم، لا صاحب التحرير كما يتوهم. وقد صرح الحافظ
بذلك بقوله: ((قال النووي)) (انظر فتح الباري: ٢٧٩/١٢).

٥١٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللَّهِ، مَا هُوَ إِلا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ
قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ،
قال الخطابي: ((وأظهر من ذلك كله قول من قال: إنه يجب أخذ العقال مع الفريضة كما
جاء عن عائشة: ((كان من عادة المتصدق أن يعمد إلى قرن - بفتح القاف والراء، وهو الحبل -
فيقرن به بين بعيرين، لئلا تشرد الإبل)) وهكذا جاء عن الزهري تقذفُ .
وقال غيره: ((في قول أبي بكر رضيالله: ((لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله وَلتر))
غنية عن حمله على المبالغة)) .
وحاصله أنهم متى منعوا شيئاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله وَله - ولو قلّ - فقد منعوا شيئاً
واجباً، إذ لا فرق في منع الواجب وجحده بين القليل والكثير، قال: وهذا يغني عن جميع
التقادير والتأويلات التي لا يسبق الفهم إليها ولا يظن بالصديق له أنه يقصد إلى مثلها))(١) اهـ.
وهو كما قال، فلعل الصواب لا يتجاوز عنه.
قال الشيخ ابن الهمام تَقْلَهُ: ((ظاهر قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ﴾ الآية [سورة التوبة،
آية: ١٠٣] يوجب حق أخذ الزكاة مطلقاً للإمام، وعلى هذا كان رسول الله ﴾﴿ والخلیفتان بعده،
فلما ولي عثمان رُه وظهر تغير الناس كره أن يفتش السعاة على الناس مستور أموالهم، ففوض
الدفع إلى الملاك نيابة عنه، ولم يختلف الصحابة في ذلك عليه، وهذا لا يسقط طلب الإمام
أصلاً، ولهذا لو علم أهل بلدة لا يؤدون زكاتهم طالبهم بها) اهـ.
قوله: (لقاتلهم على منعه) إلخ: قال الحافظ: ((واستدل به على أن الزكاة لا تسقط عن
المرتد، وتعقب بأن المرتد كافر، والكافر لا يطالب بالزكاة، وإنما يطالب بالإيمان، وليس في
فعل الصديق حجة لما ذكر، وإنما فيه قتال من منع الزكاة، والذين تمسكوا بأصل الإسلام ومنعوا
الزكاة بالشبهة التي ذكروها لم يحكم عليهم قبل إقامة الحجة.
وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم: هل تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم كالكفار أو
لا كالبغاة؟ فرأى أبو بكر الأول، وعمل به، وناظر عمر ربه في ذلك، كما سيأتي بيانه في
كتاب الأحكام، وذهب إلى الثاني، ووافقه غيره في خلافته على ذلك، واستقر الإجماع عليه في
حق من جحد شيئاً من الفرائض بشبهة فيطالب بالرجوع، فإن نصب القتال قوتل، وأقيمت عليه
الحجة، فإن رجع وإلا عومل معاملة الكافر حينئذ)».
قوله: (قد شرح صدر أبي بكر) إلخ: وفتح قلبه بالإلهام غيرةً على أحكام الإسلام.
(١) كلام الخطابي هذا إنما أخذه المصنف رحمه الله من فتح الباري، كتاب استتابة المرتدين، باب قتل من أبى
قبول الفرائض (٢٧٩/١٢).

٥١٩
كتاب: الإيمان
فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ .
١٢٥ - (٣٣) وحدّثنا أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ:
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً(١) أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((أُمِرْتُ أَنْ
أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلهَ إِلا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ
إِلا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ).
١٢٦ - (٣٤) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ)
عَنِ الْعَلَاءِ. ح وَحَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنِ
الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَ قَالَ:
(أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا
قوله: (فرأيت أنه الحق) إلخ: أي: ظهر له من صحة احتجاجه، لا أنه قلده في ذلك،
وهذا إنصاف منه ◌ُه ورجوع إلى الحق عند ظهوره، مع أنه مظهر نطق الحق ومنبع عين
الصدق، وبهذا يظهر كمال الصديق مظ له والفرق بينه وبين الفاروق ظُه حيث سلك الصديق
طريق التدقيق وسبيل التحقيق على وفق التوفيق.
٣٤ - ( .... ) - قوله: (أحمد بن عبدة) إلخ: بإسكان الباء الموحدة.
قوله: (الدراوردي) إلخ: هو بفتح الدال المهملة، وبعدها راء، ثم ألفا، ثم واو مفتوحة،
ثم راء أخرى ساكنة، ثم دال أخرى، ثم ياء النسب، واختلف في وجه نسبته، فالأصح الذي
قاله المحققون: إنه نسبة إلى درابجرد - بفتح الدال الأولى، وبعدها راء، ثم ألف، ثم باء موحدة
مفتوحة، ثم جيم مكسورة، ثم راء ساكنة، ثم دال ــ فهذا قول جماعات من أهل العربية واللغة،
وقاله من المحدثين أبو عبد الله البخاري الإمام وغيره، قالوا: وهو من شواذ النسب، وقيل غير
ذلك. كذا في الشرح.
قوله: (ويؤمنوا بي وبما جئت به) إلخ: فيه بيان ما اختصر في الروايات الأخر من
الاختصار على قول: لا إله إلا الله)) وقد تقدم بيان هذا.
(١) قوله: ((أبا هريرة)): الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الجهاد، باب على ما يقاتل المشركون،
رقم (٢٦٤٠).
والترمذي في جامعه في فاتحة كتاب الإيمان، باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا
الله، رقم (٢٦٠٦).
وابن ماجه في سننه في فاتحة كتاب الفتن، باب الكف عمن قال: لا إله إلا الله، رقم (٣٩٢٧). انظر
تخريج الحديث السابق ذي الرقم (١٣٣).

٥٢٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَعَلُوا ذُلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ).
١٢٧ - (٣٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ،
عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ(١)،
وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف: أن الإنسان إذا اعتقد
دين الإسلام اعتقاداً جازماً لا تردد فيه كفاه ذلك، وهو مؤمن من الموحدين، ولا يجب عليه
تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله تعالى بها، خلافاً لمن أوجب ذلك، وجعله شرطاً في كونه من
أهل القبلة، وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا به، وهذا المذهب هو قول كثير من
المعتزلة، وبعض أصحابنا المتكلمين، قال الشارح: ((وهو خطأ ظاهر)).
وقال الإمام المقترح: ((اختلف الناس في وجوب المعرفة على الأعيان، فذهب قوم إلى
أنها لا تجب، وقوم إلى وجوبها، وادعى كل واحد من الفريقين الإجماع على نقيض ما ادعى
مخالفه، واستدل النافون بأنه قد ثبت من السلف قبول كلمتي الشهادة من كل ناطق بها وإن كان
من البله والمغفلين، ولم يقل له: هل نظرت أو أبصرت؟ واستدل المثبتون بالأمر بها من السلف
مثل ابن مسعود وعليّ ومعاذ ظه، وأجابوا عن الأول بأن كلمتي الشهادة مظنة العلم، والحكم
في الظاهر يدار على المظنة، وقد كان الكفرة يذبون عن دينهم، وما رجعوا إلا بعد ظهور الحق
وقيام علم الصدق، والمقصود إخلاص للعبد فيما بينه وبين الله تعالى، فلا بد أن يكون على
بصيرة من أمره، وقد كانوا يفهمون الكتاب العربي فهماً وافياً بالمعاني، والكتاب العزيز مشتمل
على الحجج والبراهين.
قال العيني كثّفُ: ((وهذا الثاني هو مختار إمام الحرمين والإمام المقترح، والأول مختار
الأكثرين، - والله أعلم - )).
قوله: (عصموا) إلخ: أي: حفظوا، ومعنى العصم في اللغة: المنع، ومنه: العصام، وهو
الخيط الذي تشد به فم القربة، سمي به لمنعه الماء من السيلان، وقال الجوهري: العصمة:
الحفظ، يقال: اعتصمت بالله، إذا امتنعت بلطفه من المعصية. وقال بعضهم (وهو الحافظ ابن
حجر تتلفُ تعالى): العصمة مأخوذة من العصام، وهو الخيط الذي يشد به فم القربة.
قلت: ((هذا القائل قلب الاشتقاق، وإنما العصام مشتق من العصمة، لأن المصادر هي
التي تشتق منها(١)، ولم يقل بهذا إلا من لم يشم رائحة الاشتقاق)) كذا قال العيني تغذُّ.
قوله: (عن أبي سفيان) إلخ: اسمه طلحة بن نافع.
(١) أقول: فيه خلاف بين البصريين والكوفيين من علماء الصرف والاشتقاق، ذكره صاحب ((علم الصيغة)) في
باب الإفادات فراجعه إن شئت التفصيل (رف).
(٢) قوله: ((عن جابر)) انظر التعليقة الآتية.
: