النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب: الإيمان
٠٠
الذي اعتبروه في امتناع مقدور بين قادرين، وقولهم: ((لو تعدد الإله لم يوجد شيء من
الممكنات، لاستلزامه أحد المحالين: إما وقوع مقدور بين قادرين، وإما الترجيح بلا مرجح)):
مبني على هذا.
وحاصل البرهان عليه أنه لو وجد إلهان قادران على الكمال لأمكن بينهما تمانع، واللازم
باطل، إذ لو تمانعا وأراد كل منهما الإيجاد بالاستقلال يلزم: إما أن لا يقع مصنوع أصلاً، أو
يقع بقدرة كل منهما، أو بأحدهما، والكل باطل، ووقوعه بمجموع القدرتين مع هذه الإرادة
يوجب عجزهما لتخلف مراد كل منهما عن إرادته، فلا يكونان إلهين قادرين على الكمال، وقد
فرضنا كذلك. ومن ههنا ظهر أنه على تقدير التعدد لو وجد مصنوع لزم إمكان أحد المحالين،
إما إمكان التوارد، وإما إمكان الرجحان من غير مرجح، والكل محال. وبهذا الاعتبار مع حملٍ
الفساد على عدم الكون قيل بقطيعة الملازمة في الآية، أي في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَهُ
إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [سورة الأنبياء، آية: ٢٢] فهي دليل قطعي لا إقناعي من هذا الوجه)).
وفي الكشف: ((قد لاح لنا من لطف الله تعالى وتأييده: أن الآية ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهَ
إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَائِ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِنَّ﴾ [سورة المؤمنون، آية: ٩١] برهان نير على توحيده
سبحانه، وتقريره: أن مرجح الممكنات الواجب الوجود تعالى شأنه جل عن كل كثرة، أما كثرة
المقومات أو الأجزاء الكمية فبينة الانتفاء لإيذانها بالإمكان، وأما التعدد مع الاتحاد في الماهية
فكذلك، للافتقار إلى المميز، ولا يكون مقتضى الماهية لاتحادهما فيه، فيلزم الإمكان، ثم
المميزان في الطرفين صفتا كمال، لأن الاتصاف بما لا كمال فيه نقص، فهما ناقصان ممكنان
مفتقران في الوجود إلى مكمل خارج، هو الواجب بالحقيقة، وكذلك الافتقار في كمال ما
للوجود يوجب الإمكان، لإيجابه أن يكون فيه أمر بالفعل وأمر بالقوة، واقتضاؤه التركيب
والإمكان، ومن هنا قال العلماء: إن واجب الوجود بذاته واجب بجميع صفاته، ليس له أمر
منتظر، ومع الاختلاف في الماهية يلزم أن لا يكون المرجح مرجحاً، أي لا يكون الإله إلهاً،
لأن كل واحد واحد من الممكنات إن استقلا بترجيحه لزم توارد العلتين التامتين على معلول
شخصي، وهو ظاهر الاستحالة، فكونه مرجحاً إلهاً يوجب الافتقار إليه، وكون غيره مستقلاً
بالترجيح يوجب الاستغناء عنه، فيكون مرجحاً غير مرجح في حالة واحدة، وإن تعاونا فكمثل إذ
ليس، ولا واحد منهما بمرجح، وفرضا مرجحين مع ما فيه من العجز عن الإيجاد والافتقار إلى
الآخر، وإن اختص كل منهما ببعض - مع أن الافتقار إليهما على السواء - لزم اختصاص ذلك
المرجح بمخصص يخصصه بذلك البعض بالضرورة، وليس الذات، لأن الافتقار إليهما على
السواء، فلا أولوية للترجيح من حيث الذات، ولا معلول الذات، لأنه يكون ممكناً، والكلام فيه
عائد، فيلزم المحال من الوجهين الأولين: أعني الافتقار إلى مميز غير الذات، ومقتضاها،

٤٨٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ)).
ولزوم النقص لكل واحد، لأن هذا المميز صفة كمال، ثم مخصص كل بذلك التمييز هو
الواجب الخارج لا هما، وإلى المحال الأول الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَمٍ بِمَا خَلَقَ﴾
[سورة المؤمنون، آية: ٩١] وهو لازم على تقدير التخالف في الماهية. واختصاص كل ببعض، وخص
هذا القسم لأن ما سواه أظهر استحالة، وإلى الثاني الإشارة بقوله تعالى ﴿وَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ﴾
[سورة المؤمنون، آية: ٩١] أي إما مطلقاً، وإما من وجه، فيكون العالي هو الإله، أو لا يكون ثَمَّ إله
أصلاً، وهذا لازم على تقدير التخالف والاتحاد والاختصاص وغيره، فهو تكميل للبرهان من
وجه، وبرهان ثان من وجه آخر، فقد تبين كفلق الفجر أنه تعالى الواحد الأحد، جعل وجوده
زائداً على الماهية أولاً، فاعلاً بالاختيار أولاً، وليس برهان الوحدة مبنياً على أنه تعالى فاعل
بالاختيار، كما ظنه الإمام الرازي قدس سره)) انتهى. وهو كلام يلوح عليه مخايل التحقيق،
وربما يورد عليه بعض مناقشات تندفع بالتأمل الصادق. كذا في روح المعاني.
وقد قرر شيخ شيخنا قاسم العلوم والخيرات تقذفه في كتابه الهندي (تقرير دلبذير) هذا
البرهان بأحسن تقرير وأسهله، ولخصناه في فوائد القرآن. فليراجع.
قوله: (وإقام الصلاة) إلخ: أصله إقوام، لأنه من ((أقام يقيم)) حذفت الواو فصار إقاماً،
لكن القاعدة أن يعوض عنها التاء، فيقال: إقامة، وقال أهل الصرف: لزم الحذف والتعويض في
نحو إجارة واستجارة. فإن قلت: فلم لم يعوض ههنا؟ قلت: المراد من التعوض هو أن يكون
بالتاء وغيرها، نحو الإضافة، فإن المضاف إليه ههنا عوض عن المحذوف، وفي التنزيل:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الصَّلَوَةِ﴾ [سورة الأنبياء، آية: ٧٣].
تنبيه:
يفهم من ظاهر الحديث أن الشخص لا يكون مسلماً عند ترك شيء من هذه الخمسة، لكن
الإجماع منعقد على أن العبد لا يكفر بترك واحد منها، وقتل تارك الصلاة عند الشافعي وأحمد
رحمهما الله إنما هو حداً لا كفراً، وإن كان روي عن أحمد وبعض المالكية كفراً. فأمثال حديث
الباب مؤولة.
قوله: (فقال رجل: الحج) إلخ: هو يزيد بن بشر السكسكي، ذكره الحافظ أبو بكر
الخطيب البغدادي في كتابه ((الأسماء المبهمة)).
قوله: (فقال: لا، صيام رمضان) إلخ: قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح تثاثهُ: ((محافظة
ابن عمر رضيها على ما سمعه من رسول الله وَ﴾ ونهيه عن عكسه تصلح حجة لكون الواو تقتضي
الترتيب، وهو مذهب كثير من الفقهاء الشافعيين وشذوذ من النحويين، ومن قال: لا تقتضي
الترتيب، وهو المختار، وقول الجمهور، فله أن يقول: لم يكن ذلك لكونها تقتضي الترتيب، بل

٤٨٣
كتاب: الإيمان
فَقَالَ رَجُلٌ: الْحِجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ؟ قَالَ: لا. صِيَامِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ. هُكَذَا سَمِعْتُهُ
مِنْ رَسُولِ اللهِ وَله .
لأن فرض صوم رمضان نزل في السنة الثانية من الهجرة، ونزلت فريضة الحج سنة ست، وقيل:
سنة تسع، ومن حق الأول أن يقدم في الذكر على الثاني، فمحافظة ابن عمر ظته لهذا)) اهـ.
وقال الحافظ في الفتح: ((ففي رد ابن عمر على الرجل إشعار بأن رواية حنظلة التي في
البخاري (بتقديم الحج على الصوم) مروية بالمعنى، إما لأنه لم يسمع رد ابن عمر رضي الله على
الرجل لتعدد المجلس، أو حضر ذلك ثم نسيه، ويبعد ما جوزه بعضهم أن يكون ابن عمر سمعه
من النبيّ وَّر على الوجهين، ونسي أحدهما عند رده على الرجل، ووجه بُعده أن تطرق النسيان
إلى الراوي عن الصحابي أولى من تطرقه إلى الصحابي، كيف! وفي رواية مسلم من طريق حنظلة
بتقديم الصوم على الحج، ولأبي عوانة من وجه آخر عن حنظلة أنه جعل صوم رمضان قبل (وفي
البخاري عن حنظلة بتقديم الحج على الصيام) فتنويعه دال على أنه روي بالمعنى، ويؤيده ما وقع
عند البخاري في التفسير بتقديم الصيام على الزكاة، أفيقال إن الصحابي سمعه على ثلاثة أوجه؟
هذا مستبعد، - والله أعلم - )) اهـ.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن الصوم والحج عند المحققين - كأمثال شيخ شيخنا
نور الله مرقده - عبادتان جماليتان، نشأتا من صفة الجمال لله سبحانه وتعالى، كما أن الصلاة
والزكاة من مقتضيات صفة الحكومة، وهذا ظاهر جداً لمن تدبر في الأفعال التي تحتوي عليها
هذه العبادات من أولها إلى آخرها، وخاض في بحار حقائقها، وسيرد عليك بعض التفاصيل في
مواضع من هذا الشرح إن شاء الله تعالى.
وبالجملة فمن أحب شخصاً في الدنيا، وتعشق بجماله، وتجرع من كأس الهوى، فأول
مرحلة يقطعها من مراحل العشق هو التبري والمجانبة وتفريغ القلب عن سائر ما سوى
المحبوب، من الآباء، والأبناء، والأزواج، والعشائر، والأموال المقترفة، والمساكن المرضية،
وأسباب الزينة، ومكاسب العيش، وغيرها، واتخاذ كل ذلك وراءه ظهرياً، ثم الاستغراق في
تصور المحبوب والذهاب إلى دياره في هيئة رثة ساذجة، والصياح باسمه مرة بعد مرة، وتطواف
بيته للتطلع إلى أنوار جماله تارة، والهيمان في الأودية والجبال والصحارى أخرى، وغير ذلك
من علامات الحب الصادق، وآثار الشغف الكامل.
وعلى هذا فالمحبون لله عز وجل، والتائهون في لمعات جماله سبحانه وتعالى ليس أول
منزل من منازل حبهم إلا ترك ما سوى الله تعالى وهجرانه بالكلية، والاعتزال عنه مهما أمكن،
وليس ما سوى الخالق إلا المخلوقات، والمخلوقات التي يكون التعلق بها في الأغلب شاغلاً
للعبد عن محبوبه الحقيقي، ومخلاً في الحضور عنده، مرجعها بالاستقراء إلى شيئين: شهوة
البطن، وشهوة الفرج، أي الأكل والشرب والجماع، فهذه الأشياء الثلاثة هي خلاصة الدنيا،

٤٨٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١١٢ - (٢٠) وحدّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا
سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ السُّلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِّ؛
قَالَ: ((بُنِي الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِبِتَاءِ
الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمٍ رَمَضَانَ)).
١١٣ - (٢١) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ (وَهُوَ ابْنُ
مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِّ:
(بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَّى خَمْسٍ، شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَام
الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمٍ رَمَضَانَ)).
وملاك الغفلة عن الله، وسائر الكائنات بالنظر الدقيق: إما من أسبابها، أو معداتها، أو مباديها،
أو مكملاتها، أو محسناتها، أو معيناتها، أو ثمراتها، أو توابعها، بالذات، أو بواسطة، أو
بوسائط. فحقيقة الصوم هو كسر هاتين الشهوتين (أي: شهوة البطن والفرج) والإمساك عن هذه
الأشياء الثلاثة (أي: الأكل والشرب والجماع) التي هي خلاصة الكائنات وزبدتها، فالصوم أول
منزلة من منازل الحب الإلهي، ولما ترك الصائم جميع ما سوى الله تعالى وأقام البينة على تجنبه
عن سائر الشواغل، وتبريه من كل حول نفساني، وقوة نفسانية، وامتلأ قلبه بالحب الإلهي، فلا
بد له حينئذ من السير إلى ديار محبوبه الحقيقي، والذهاب إلى بيته الشريف، وهذا هو الحج في
الشريعة - كما سيجيء تفصيل مناسكه إن شاء الله - فهي المنزلة الثانية من منازل الحب الإلهي،
كما أن الصوم أول منزلة منها، فالصوم تخلية، والحج تحلية، والتحلية بعد التخلية، ولعل لهذه
الدقيقة نزل فرض صوم رمضان سابقاً على فريضة الحج، واتصل بداية أشهر الحج بنهاية شهر
رمضان، ورد ابن عمر رضي الله تعالى عنه على الرجل في حديث الباب لعدم مبالاته بالتقديم
والتأخير الذكريين المشتملين في أكثر الأحيان على الإشارات الدقيقة المعلومة عند أهل المعرفة
والفقه. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
قال الشارح تقذفُهُ: ((ثم اعلم أنه وقع في رواية أبي عوانة الإسفرائيني في كتابه المخرج على
صحيح مسلم وشرطه: عكس ما وقع في مسلم من قول الرجل لابن عمر: ((قدم الحج)) فوقع فيه
أن ابن عمر ◌ّ قال للرجل: ((اجعل صيام رمضان آخرهن، كما سمعت من في رسول الله (صلفر))
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح كذُّ تعالى: ((لا يقاوم هذه الرواية ما رواه مسلم)) قلت(١):
((وهذا محتمل أيضاً صحته، ويكون قد جرت القضية مرتين لرجلين - والله أعلم - )). فتأمل.
٢١ - ( ... ) - قوله: (وأن محمداً عبده ورسوله) إلخ: ولتلازم الشهادتين شرعاً جعلتا
(١) القائل: الشارح النووي رحمه الله.

٤٨٥
كتاب: الإيمان
خصلة واحدة، واقتصر في رواية على إحدى الشهادتين اكتفاء أو نسياناً، فإن قيل: لم لم يذكر
الإيمان بالأنبياء والملائكة وغير ذلك مما تضمنه حديث جبريلظلّله ؟ أجيب بأن المراد بالشهادة
تصديق الرسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكر من المعتقدات.
وقال الإسماعيلي ما محصله: هو من باب تسمية الشيء ببعضه، كما تقول: قرأت
((الحمد)) وتريد جميع الفاتحة، وكذا تقول مثلاً: شهدت برسالة محمد، وتريد جميع ما ذكر،
- والله أعلم .. كذا في المرقاة والفتح.
قال العلماء رحمهم الله: ((إن الله سبحانه وتعالى قد أرسل محمداً ول مستجمعاً للصفات
الكمالية البشرية خلقاً وخُلقاً، من جمال المنظر، وحسن الصورة، ونظافة الجسد والوجه الذي
ليس بوجه كذاب، والصدق، والأمانة، والعفاف، والشجاعة، والعدل والحكمة، والفصاحة،
والسطوة، والشوكة في الكلام التي لا توجد عند غير صادق، والسماحة، والزهد، والتواضع
لأهل المسكنة، والشفقة على الأمة، والمصابرة على مصاعب الرسالة، والمواظبة على مكارم
الأخلاق، وبلوغه النهاية في العلوم الإلهية، وتمهيد قواعد المصالح الدينية والدنيوية، وما كان
عليه من استجابة الدعوة. دعا لابن عباس بقوله: ((اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)) فكان
بحراً وإماماً للمفسرين، ودعا على عتبة بقوله: ((اللهم سلط عليه كلباً من كلابك)) فافترسه الأسد،
وعلى سراقة حين لحقه، فساخت قوائم فرسه، وأقام الله سبحانه وتعالى به الملة العوجاء، وفتح
به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وأحيى به أموات العقول، وشفى به مرضى القلوب،
وأيده بالمعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، كانشقاق القمر، وتسبيح الطعام، ونطق العجماء،
وما تفجر من بين أصابعه من الماء، وغير ذلك مما يتعذر إحصاؤه)).
قال الغزالي كثّفُ: ((ومن آياته الظاهرة التي تحدى به مع كافة العرب: القرآن العظيم، فإنهم
مع تميزهم بالفصاحة والبلاغة تهدفوا لسبيه ونهبه وقتله وإخراجه، كما أخبر الله عزّ وجل عنهم،
ولم يقدروا على معارضته بمثل القرآن، إذ لم يكن في قدرة البشر الجمع بين جزالة القرآن
ونظمه، هذا مع ما فيه من أخبار الأوّلين، مع كونه أمياً غير ممارس للكتب، والإنباء عن الغيب
في أمور تحقق صدقه فيها في الاستقبال، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ
ءَامِنِينَ تُحِلْقِيْنَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [سورة الفتح، آية: ٢٧]، وكقوله تعالى: ﴿الَّ ﴿ غُلِيَتِ الرُّومُ
فيِ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدٍ غَلَيْهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿ فِ يِضْعِ سِنِينٌ﴾ [سورة الروم، آية: ١- ٤]. ووجه
دلالة المعجزة على صدق الرسل أن كل ما عجز عنه البشر لم يكن إلا فعلاً لله تعالى، فمهما
كان مقروناً بتحدي النبيّ وَّالر ينزل منزلة قوله: ((صدقت)) اهـ.
ومن أراد مزيد التحقيق والتفصيل فليراجع شرح العقيدة الإصفهانية للحافظ ابن
تيمية تَّهُ فإنه أثبت بأحسن الطرق وأسلمها وأقربها إلى النصوص: دلالة المعجزة على صدق

٤٨٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١١٤ - (٢٢) وحدّثني ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ
عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ يُحَدِّثُ طَاؤُساً؛ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَلا تَغْزُو؟ فَقَالَ: إِنِّي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الإِسْلاَمَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ،
وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ)).
مدعي النبوة، وعدم انحصار إثبات النبوة في الطريق المشهور، وهو طريق المعجزة.
وقد أطلنا الكلام في إمكان المعجزة ودلالتها على صدق مدعي النبوة والفرق بينها وبين
الكرامة والاستدراج، وأبطلنا سائر الشبهات الحديثة التي تنشأ من تقليد ملاحدة أوروبا ببيان
عدل شاف في رسالتنا المسماة بـ ((خوارق عادات)) باللغة الهندية، ولله الحمد، ومنه التوفيق
والعصمة .
قوله: (حدثنا حنظلة) إلخ: أي: حنظلة بن أبي سفيان، هو قرشي مكي من ذرية صفوان بن
أمية الجمحي، روى له الجماعة، وقد قال بعضهم: إلا ابن ماجه وليس بصحيح، بل روى له
ابن ماجه أيضاً، كما نبه عليه المزي.
قوله: (عكرمة بن خالد) إلخ: هو ابن سعيد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي،
وهو ثقة متفق عليه، وفي طبقته عكرمة بن خالد بن سلمة بن هشام بن المغيرة المخزومي، وهو
ضعيف لم يخرج له البخاري كثّفة، نبهت عليه لشدة التباسه، ويفترقان في شيوخهما، قاله
الحافظ في الفتح.
قوله: (أن رجلاً قال لعبد الله) إلخ: اسم الرجل السائل: حكيم، ذكره البيهقي.
قوله: (ألا تغزو) إلخ: بالتاء المثناة من فوق للخطاب، وجاء في البخاري في هذا الحديث
في التفسير ((أن رجلاً قال لابن عمر ظُله: ما حملك على أن تحج عاماً، وتعتمر عاماً، وتترك
الجهاد)) وهذا يدل على أن ابن عمر رضيُبه كان لا يرى فرضيته، إما مطلقاً، كما نقل عنه، أو في
ذلك الوقت. كذا في عمدة القاري.
قوله: (فقال: إني سمعت رسول الله) إلخ: الظاهر أن معناه: أن الغزو ليس بلازم على
الأعيان، فإن الإسلام بني على خمس، ليس الغزو منها، قال الداودي: لما فتحت مكة سقط
فرض الجهاد على من بعد من الكفار، وهو فرض على من يليهم، وكان أولاً فرضاً على الأعيان.
والثوري وابن شبرمة، إلا أن ينزل العدو فيأمر الإمام بالجهاد.
وقيل: هو مذهب ابن عمر رض
قال عليّ القاري تغذفهُ: ((وزيد في آخره في رواية: ((وإن الجهاد من العمل الحسن)) اهـ.
قال السندي تخَّفُ: ((كأن ابن عمر فهم أن السائل يرى الجهاد من أركان الإسلام، فأجاب
بما ذكر، وإلا فلا يصح التمسك بهذا الحديث في ترك ما لم يذكر في هذا الحديث، وهو
ظاهر)» .

٤٨٧
كتاب : الإيمان
(٦) - باب: الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله ◌َّ﴾ وشرائع الدين،
والدعاء إليه، والسؤال عنه، وحفظه، وتبليغه من لم يبلغه
١١٥ - (٢٣) حدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ؛ قَالَ:
سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيِّى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّدٍ، عَنْ أَبِي
جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ(١) قَالَ: (قَدِمَ وَقْدُ
(٦) - باب: الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله ◌َ﴾ وشرائع الدين
والدعاء إليه والسؤال عنه وحفظه وتبليغه من لم يبلغه
٢٣ - (١٧) - قوله: (عن أبي جمرة) إلخ: هو بالجيم والراء، قال الحافظ: ((واسمه نصر بن
عمران بن نوح بن مخلد الضبعي - بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة - من بني ضبيعة بضم أوله
مصغراً، وهم بطن من عبد القيس، روى الطبراني وابن مندة عن نوح بن مخلد جد أبي جمرة:
((أنه قدم على رسول الله وَلقر، فقال له: ممن أنت؟ قال: من ضبيعة ربيعة، فقال: خير ربيعة
عبد القيس. ثم الحيّ الذين أنت منهم)) اهـ.
وليس في الصحيحين من يكنى بهذه الكنية، ولا من اسمه ((جمرة)) بل ولا في باقي الكتب
الستة أيضاً، ولا في الموطأ. وما عداه أبو حمزة بالحاء والزاي. كذا قال الشيخ بدر الدين
العيني كَذَتُ .
قال الشارح تقذفه: ((وحكى الشيخ أبو عمرو بن الصلاح عن بعض الحفاظ أنه قال: إن
شعبة بن الحجاج روى عن سبعة رجال، يروون كلهم عن ابن عباس، كلهم يقال له: أبو حمزة
- بالحاء والزاي - إلا أبا جمرة نصر بن عمران، فبالجيم والراء، والفرق بينهم يدرك بأن شعبة إذا
أطلق وقال: عن أبي جمرة عن ابن عباس، فهو بالجيم، وهو نصر بن عمران، وإذا روى عن
غيره ممن هو بالحاء والزاي فهو يذكر اسمه أو نسبه أو وصفه)) اهـ بزيادة يسيره.
قوله: (قدم وفد) إلخ: الوفد الجماعة المختارة من القوم، ليتقدموهم في لقي العظماء،
(١) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من
الإيمان رقم (٥٣). وفي كتاب العلم، باب تحريض النبي - 8* وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان
والعلم ويخبروا من وراءهم، رقم (٨٧). وفي كتاب مواقيت الصلاة، باب ((منيبين إليه واتقوه وأقيموا
الصلاة ولا تكونوا من المشركين))، رقم (٥٢٣). وفي كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، رقم (١٣٩٨).
وفي كتاب الجهاد، باب أداء الخمس من الإيمان، رقم (٣٠٩٥). وفي كتاب المناقب، باب نسبة اليمن إلى
إسماعيل، رقم (٣٥١٠). وفي كتاب المغازي، باب وفد عبد القيس، رقم (٤٣٦٨). وفي كتاب الأدب،
باب قول الرجل: مرحباً، رقم (٦١٧٦). وفي كتاب أخبار الآحاد، باب وصاة النبي ◌َّر وفود العرب أن
يبلغوا من رواءهم، رقم (٧٢٦٦). وفي كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿واللَّه خلقكم وما =

٤٨٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا، هذَا الْحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ، ......
والمصير إليهم في المهمّات، وأحدهم وافد، ووفد عبد القيس هؤلاء تقدموا قبائل عبد القيس
للمهاجرة إلى رسول الله *، وكانوا أربعة عشر راكباً، الأشج العصري رئيسهم، ويروى أنهم
أربعون، فيحتمل أن يكون لهم وفادتان أو أن الأشراف أربعة عشر، والباقي تبع، وتفصيل
أسمائهم يعلم من الفتح وعمدة القاري.
وكان سبب قدومهم أن منقذ بن حيان - أحد بني غنم بن وديعة - كان متجره إلى يثرب في
الجاهلية، فشخص إلى يثرب بملاحف وتمر من هجر (١) بعد هجرة النبيّ وَّار، فبينا منقذ بن حيان
قاعد إذا مرّ به النبيّ وَّ، فنهض منقذ إليه، فقال النبيّ يَّر: أمنقذ بن حيان، كيف جميع هيأتك
وقومك؟ ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل، يسميهم بأسمائهم، فأسلم منقذ، وتعلم سورة
((الفاتحة)) و((اقرأ باسم ربك))، ثم رحل قبل هجر، فكتب النبيّ وَّر معه إلى جماعة عبد القيس
كتاباً، فذهب به وكتمه أياماً، ثم اطلعت عليه امرأته - وهي بنت المنذر بن عائذ بالذال المعجمة
ابن الحارث، والمنذر هو الأشج سماه رسول الله و چچور به لأثر كان في وجهه - وكان
منقذ ربه يصلي ويقرأ، فنكرت امرأته ذلك، فذكرته لأبيه(٢) المنذر، فقالت: أنكرت بَعْلِيْ منذ
قدم من يثرب أنه يغسل أطرافه ويستقبل الجهة - تعني القبلة - فيحني ظهره مرة ويضع جبينه مرة،
ذلك ديدنه مذ قدم، فتلاقيا فتحادثا ذلك، فوقع الإسلام في قلبه، ثم ثار الأشج إلى قومه عصر
ومحارب بكتاب رسول الله وَير، فقرأه عليهم، فوقع الإسلام في قلوبهم، وأجمعوا على السير
إلى رسول الله ◌َ، فسار الوفد، فلما دنوا من المدينة قال النبيّ ◌َ لجلسائه: ((أتاكم وفد
عبد القيس، خير أهل المشرق، وفيهم الأشج العصري، غير ناكثين، ولا مبدلين، ولا مرتابين،
إذ لم يسلم قوم حتى وتروا)). كذا قال الشارح تُ تعالى.
قال عياض: ((قدموا عام الفتح سنة ثمان قبل خروجه وَّل إلى مكة)).
قوله: (عبد القيس) إلخ: هو ابن أفصى - بهمزة مفتوحة، وفاء ساكنة، وصاد مهملة
مفتوحة - ابن دُغْمي - بضم الدال المهملة وسكون العين المهملة، وبياء النسبة - أبو قبيلة كانوا
ينزلون البحرين .
قوله: (إنا هذا الحيّ من ربيعة) إلخ: الحيّ منصوب على التخصيص، ويكون الخبر في
قولهم: ((من ربيعة)) أي: إنا هذا الحيّ حيّ من ربيعة.
تعملون﴾ رقم (٧٥٥٦). والنسائي في سننه، في كتاب الإيمان وشرائعه، باب أداء الخمس، رقم (٥٠٣٤).
وأبو داود في سننه، في كتاب الأشربة، باب في الأوعية، رقم (٣٦٩٢) و(٣٦٩٤) و(٣٦٩٦). والترمذي
في جامعه، في كتاب الإيمان، باب في إضافة الفرائض إلى الإيمان، رقم (٢٦١١).
(١) قوله: ((هجر)): بهاء وجيم مفتوحتين، كذا في المغني ص ٢٦٨.
(٢) لعله خطأ من الناسخ، والصحيح ((لأبيها)) (رف).

٤٨٩
كتاب: الإيمان
وَقَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، فَلاَ نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلا فِي شَهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَعْمَلُ
واعلم أن العرب على طبقات عشر: أعلاها الجذم - بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة -
معناه أصل شيء، ثم الجمهور، ثم الشعوب - واحدها شعب بالفتح - ثم القبيلة، ثم العمارة
- بكسر العين - ، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم العشيرة، ثم الفصيلة، ثم الرهط.
وقال الكلبي: ((أول العرب شعوب، ثم قبائل، ثم عمائر، ثم بطون، ثم أفخاذ، ثم
فصائل، ثم عشائر)). وقدم الأزهري ((العشائر)) على ((الفصائل)) قال: وهم الأحياء. قاله الشيخ
بدر الدين العيني تَّتُ تعالى.
قوله: (وقد حالت) إلخ: وقولهم: ((كفار مضر)) مع قولهم: ((يا رسول الله)) وقولهم:
((الله ورسوله أعلم)) يدل على تقدم إسلامهم على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة،
وكانت مساكنهم بالبحرين وما والاها من أطراف العراق، ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضاً ما
رواه البخاري عن ابن عباس ربه: أن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله مَ ثالر في
مسجد عبد القيس بجوائي (١) من البحرين)) وإنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فدل على أنهم
سبقوا جميع القرى إلى الإسلام.
قوله: (كفار مضر) إلخ: بضم الميم وفتح المعجمة، غير منصرف، هو مضر بن نزار بن
معد بن عدنان، ويقال لها: مضر الحمراء، ولأخيه: ربيعة الفرس، لأنهما لمَّا اقتسما الميراث
أعطي مضر الذهب، وربيعة الخيل.
قوله: (ولا نخلص إليك) إلخ: أي: لا نصل إليك خوفاً من أعدائنا الكفار إلا في الشهر
الحرام، وإنما قالوا ذلك اعتذاراً عن عدم الإتيان في غير هذا الوقت، لأن أهل الجاهلية كانوا
يحاربون بعضهم بعضاً، ويكفون في الأشهر الحرم تعظيماً لها، وتسهيلاً على زُوَّار البيت الحرام
من الحروب والغارات الواقعة منهم في غيرها، فلا يأمن بعضهم بعضاً في المسالك والمراحل،
إلا فيها، وكان هذا - أي تعظيم الأشهر الحرم، وتحريم القتال فيها - في أول الإسلام، ثم نسخ
بقوله تعالى: ﴿فَقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُُّوهُمْ﴾ [سورة التوبة، آية: ٥]، قاله علي القاريء تَّثُ تعالى.
وسيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى في محله.
قوله: (إلا في شهر الحرام) إلخ: وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، كصلاة الأولى،
ومسجد الجامع، والبصريون يمنعونها ويؤوِّلون ذلك على حذف مضاف، أي: صلاة الساعة
الأولى ومسجد المكان الجامع، وشهر الوقت الحرام. وقول الحافظ ابن حجر تغذّه: «هذا من
إضافة الشيء إلى نفسه)) تعقبه العيني بأن إضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز. وفي بعض الروايات:
(١) قوله: ((بجواثي)) بضم الجيم، ثم واو، وبين الألفين ثاء مثلثة، يمد ويقصر، انظر معجم البلدان (٢/ ١٧٤).

٤٩٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِهِ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ: آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعِ: الإِيمَانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ
فَسَّرَهَا لَهُمْ فَقَالَ: شَهَادَةٍ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ
الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ : الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ،
((الشهر الحرام)) والمراد الجنس، لأن الأشهر الحرم أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم
- متوالية - ورجب فرد. قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ
خَلَقَ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾ [سورة التوبة، آية: ٣٦]، أو اللام للعهد، والمراد شهر
رجب، وفي رواية للبيهقي التصريح به، وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف
إليهم في حديث أبي بكرة حيث قال: ((رجب مضر)) والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم
مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى. إلا أنهم ربما أنسوها بخلافه.
قوله: (وإن تؤدوا خمس ما غنمتم) إلخ: قال الشارح تقذفُهُ: فيه إيجاب الخمس من الغنائم
وإن لم يكن الإمام في السرية الغازية وفي هذا تفصيل وفروع سننبه عليها في بابها إن وصلنا إليه
إن شاء الله تعالى.
قوله: (وأنهاكم عن الدباء) إلخ: أي: عن الانتباذ فيه، لأنها أوعية تسرع بالاشتداد فيما
يستنقع، لأنها غليظة لا يترشح منها الماء، ولا ينفذ فيه الهواء، فلعلها تغير النقيع في زمان
قليل، فيكون مسكراً، ويتناوله صاحبه على غفلة، بخلاف السقاء فإن التغير فيه يحدث على
مهل، بل إذا صار مسكراً شقه غالباً .
ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب كل مسكرٍ، ففي صحيح
مسلم: (كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكراً))
وقيل: هذه الظروف كانت مختصة بالخمر، فلما حرمت الخمر حرم النبيّ وَّر استعمال هذه
الظروف، إما لأن في استعمالها تشبهاً بشرب الخمر، وتذكيراً له، وإمّا لأن هذه الظروف كانت
فيها أثر الخمر، فلما مضت مدة أباح النبيّ وَل﴿ استعمال هذه الظروف، فإن أثر الخمر زال
عنها، وأيضاً في ابتداء تحريم شيء يبالغ ويشدد ليتركه الناس مرة، فإذا تركه الناس واستقر الأمر
يزول التشديد بعد حصول المقصود.
هذا وذهب مالك وأحمد رحمهما الله إلى أن تحريم الانتباذ في هذه الظروف باق لم
ينسخ، لأن ابن عباس اسْتُفْتِيَ عن الانتباذ، فذكر هذا الحديث، فلو نسخ لم يذكره، ويرد بأنه لم
يبلغه النسخ، فلا يكون إيراده له حجة على من بلغه.
قوله: (عن الدباء) إلخ: بضم المهملة وتشديد الموحدة والمد: اليقطين اليابس.
قوله: (الحنتم) إلخ: بفتح المهملة وسكون النون وفتح المثناة الفوقانية، وهي الجرة، أو
الجرار الخضر خاصة .

٤٩١
كتاب: الإيمان
وَالنَّقِيرِ، وَالْمُقَيَِّ)).
زَادَ خَلَفٌ فِي رِوَايَتِهِ ((شَهَادَةِ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ)) وَعَقَدَ وَاحِدَةً.
١١٦ - (٢٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ،
وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ؛ قَالَ: كُنْتُ أَتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
قوله: (والنقير) إلخ: بفتح النون وكسر القاف، وهو ما ينقر في أصل النخلة فيوعى فيه.
قوله: (والمقير) إلخ: بالقاف والمثناة التحتانية المشددة المفتوحة، وهو ما طلي بالقار (١)،
ويقال له: القير، وهو نبت يحرق إذا يبس، تطلى به السفن وغيرها كما تطلى بالزفت.
٢٤ - ( ... ) - قوله: (قال أبو بكر: حدثنا غندر) إلخ: بضم الغين وفتح الدال. حكى
الشارح ◌َّفُ في شرح المقدمة: ((عن بكر بن كلثوم السلمي قال: قدم علينا ابن جريج البصرة
فاجتمع الناس عليه، فحدث عن الحسن البصري بحديث، فأنكره الناس عليه، وكان محمد بن
جعفر يكثر الشغب عليه، فقال ابن جريج: اسكت يا غندر، وأهل الحجاز يسمون المشغب:
غندراً)).
وهذا من احتياط مسلم ظبه، فإن غندراً هو محمد بن جعفر، ولكن أبو بكر ذكره بلقبه،
والآخران باسمه ونسبه، وقال أبو بكر: عنه عن شعبة، وقال الآخران: عنه حدثنا شعبة،
فحصلت مخالفة بينهما وبينه من وجهين، فلهذا نبه عليه مسلم كثُّ تعالى)). كذا في الشرح.
قوله: (كنت أترجم)(٢) إلخ: وفي البخاري ((كنت أقعد مع ابن عباس رظُه يجلسني على
سريره، فقال: أقم عندي حتى أجعل لك سهماً من مالي، فأقمت معه شهرين)) الحديث.
(١) قوله: ((ما طلي بالقار)): قال في لسان العرب: القير والقار لغتان، وهو صعد يذاب، فيستخرج منه القار
وهو شيء أسود تطلي به الإبل والسفن يمنع الماء أن يدخل، ومنه ضرب تحشى به الخلاخيل والأسورة،
وقيرت السفينة: طليتها بالقار، وقيل: هو الزفت اهـ.
وقال في باب التاء: والزفت غير القير الذي تقير به السفن: إنما هو شيء أسود أيضاً تمتن به الزقاق للخمر
والخل، وقير السفن بيبس عليه، وزفت الحميت لا بيبس، والزفت شيء يخرج من الأرض يقع في الأودية،
وليس هو ذلك الزفت المعروف. (رف).
(٢) قوله: ((كنت أترجم .. )) قال النووي: قوله: أترجم بين يدي ابن عباس وبين الناس، هكذا هو في الأصول،
وتقديره: ((بين يدي ابن عباس بينه وبين الناس)) فحذف لفظة («بينه)) لدلالة الكلام عليها، ويجوز أن يكون
المراد ((بين ابن عباس وبين الناس)) كما جاء في البخاري وغيره بحذف ((يدي)) عبارة عن الجملة (أي الكل)
كما قال الله تعالى: ﴿يوم ينظر المرء ما قدمت يداه﴾ أي قدم. كذا في حاشية الحل المفهم (٣١/١).
(رف).

٤٩٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَبَيْنَ النَّاسِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ، فَقَالَ: ((إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا
رَسُولَ اللَّهِ وَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ: مَنِ الْوَفْدُ، أَوْ مَنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ:
مَرْحَباً بِالْقَوْمِ، أَوْ بِالْوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا
أما معنى الترجمة، فقال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح تقذفه: ((هو التعبير عن لغة بلغة في
الأصل، وهو عندي ههنا أعم من ذلك، وإنه كان يبلغ كلام ابن عباس إلى من خفي عليه،
ويبلغه كلامهم، إما لزحام أو لقصور فهم)). قال الحافظ في الفتح: ((الثاني أظهر؛ لأنه كان
جالساً معه على سريره، فلا فرق في الزحام بينهما، إلا أن يحمل على أن ابن عباس كان في
صدر السرير، وكان أبو جمرة في طرفه الذي يلي من يترجم عنهم)) اهـ.
قلت: ويحتمل على تقدير تبليغه كلام ابن عباس إلى من خفي عليه أن يكون أبو جمرة
أندى صوتاً من ابن عباس.
وقيل: إن أبا جمرة كان يعرف الفارسية، فكان يترجم لابن عباس بها. واستنبط منه ابن
التين جواز أخذ الأجرة على التعليم، لقوله في رواية البخاري: ((حتى أجعل لك سهماً من مالي))
وفيه نظر لاحتمال أن يكون إعطاؤه ذلك كان بسبب الرؤيا التي رآها أبو جمرة في العمرة قبل
الحج، كما صرح به في رواية للبخاري في الحج. كذا في الفتح.
قوله: (من القوم أو من الوفد) إلخ: الشك من أحد الرواة إما أبو جمرة أو من دونه،
وأظنه شعبة، فإنه في رواية قرة وغيره بغير شك، وأغرب الكرماني فقال: الشك من ابن
عباس رَته قاله الحافظ في الفتح.
قوله: (مرحباً بالقوم)(١) إلخ: منصوب بفعل مضمر، أي: صادفت رحباً بضم الراء، أي:
سعة، والرحب بالفتح: الشيء الواسع، وقد يزيدون معها أهلاً أي وجدت أهلاً، فاستأنس ولا
تستوحش، وفيه دليل على استحباب تأنيس القادم.
قوله: (غير خزايا) إلخ: جمع خزيان على القياس، أي: غير أذلاء أو غير مستحيين
لقدومكم، مبادرين دون حرب يوجب استحياءكم، و ((غير)» بالنصب حال، ويروى بالخفض صفة
(١) قوله: ((مرحباً بالقوم)): قال الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي في اللمعات شرح المشكات: مرحباً:
منصوب بفعل مقدر وجوباً، أي أتيتم وصادفتم مكاناً واسعاً، والمرحب المكان الواسع من رحب ككرم
وسمع رحباً بالضم ورحابة: اتسع (إلى قوله) والباء في ((بالقوم)) متعلق بالترحيب المفهوم من الكلام، يقال:
(رحب به ترحيباً)) دعاه إلى الرحب أو يكون التقدير ههنا: ((قلت مرحباً)) أو المعنى: ((هذا الدعاء متلبس
بالقوم أو الباء بمعنى اللام)». انتهى.
قال العبد الضعيف: يحتمل أن يكون التقدير ههنا: دعوت الله تعالى مرحباً متلبساً بالقوم، فيكون مرحباً
بمعنى المصدر، أي السعة. (رف).

٤٩٣
كتاب: الإيمان
وَلاَ النَّدَامَى قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هُذَا
الْحَيَّ مِنْ كُفَّارٍ مُضَرَ، وَإِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْيِيَكَ إِلا فِي شَهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَضْلٍ نُخْبِرُ
بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ. قَالَ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَّهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعِ. قَالَ: أَمَرَهُمْ
للقوم، وتعقبه أبو عبد الله الأبي بأنه يلزم منه وصف المعرفة بالنكرة، إلا أن تجعل الأداة في
القوم للجنس، كقوله :
ولقد أمر على اللئيم يسبني
فالأولى أن تكون بالخفض على البدل.
قوله: (ولا الندامى) إلخ: جمع ((نادم)) على غير قياس، وإنما جمع كذلك اتباعاً للخزايا،
للمشاكلة والتحسين كما قالوا: العشايا والغدايا، وغداة جمعه غدوات، لكنه اتبع، وذكر
الجوهري والقزاز وغيرهما أن ندامى جمع ندمان، وندمان لغة في نادم، فجمعه المذكور على
هذا قياس. ووقع في وراية النسائي: ((مرحباً بالوفد ليس الخزايا ولا النادمين)) قال ابن أبي
جمرة: بشرهم بالخير عاجلاً وآجلاً. لأن الندمة إنما تكون في العاقبة، فإذا انتفت ثبت ضدها .
قوله: (من شقة بعيدة) إلخ: بضم الشين وكسرها لغتان، أفصحهما الضم، وهو السفر
البعيد، فتوصيفهما بقولهم: ((بعيد)) مبالغة في بُعدها .
قوله: (بأمر فصل) إلخ: بالصاد المهملة وبالتنوين في الكلمتين على الوصفية، أي: يفصل
بين الحق والباطل، أو بمعنى: المفصل المبين.
قوله: (وندخل به الجنة) إلخ: أي: إذا قبل برحمة الله تعالى.
قوله: (فأمرهم بأربع) إلخ: الحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير أن تتشوف النفس إلى
التفصيل، ثم تسكن إليه، وأن يحصل حفظها للسامع فإذا نسيء شيئاً من تفاصيلها طلب نفسه
بالعدد. فإذا لم يستوف العدد التي في حفظه: علم أنه قد فاته بعض ما سمع.
واستشكل قوله: ((آمرهم بأربع)) مع ذكر خمسة. وأجيب بزيادة الخامسة وهي أداء
الخمس، لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر، وكانوا أهل جهاد وغنائم، أو أنه عد الصلاة
والزكاة واحدة، لأنها قرينتها في كتاب الله تعالى، أو أن أداء الخمس داخل في عموم إيتاء
الزكاة، والجامع بينهما إخراج مال معين في حال دون حال، وعن البيضاوي أن الخمسة تفسير
للإيمان، وهو أحد الأربعة المأور بها، والثلاثة الباقية حذفها الراوي نسياناً أو اختصاراً، أو أن
الأربعة إقام الصلاة إلى آخره، وذكر الشهادتين تبركاً بهما، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا
غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [سورة الأنفال، آية: ٤١]، لأن القوم كانوا مؤمنين، ولكن كانوا ربما
يظنون أن الإيمان مقصور على شهادتين كما كان في صدر الإسلام. وعورض بأنه وقع في رواية
حماد بن زيد عن أبي جمرة ((آمركم بأربع: الإيمان بالله، شهادة أن لا إله إلا الله، وعقد واحدة))

٤٩٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ. وَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ:
شَهَادَةُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ
رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُساً مِنَ الْمَغْنَمِ. وَنَهَاهُمْ عَنِ الذُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَقَّتِ.
وهو يدل على أن الشهادة إحدى الأربع، وعند البخاري في الزكاة: ((الإيمان بالله، ثم فسرها
لهم بشهادة أن لا إله إلا الله)) وهو يدل أيضاً على عدها في الأربع، لأنه أعاد الضمير في قوله:
((فسرها)) مؤنثاً فيعود على الأربع، ولو أراد تفسر الإيمان لأعاد مذكراً، ويمكن عود الضمير على
الإيمان بتأويل الخصلة، أي: فسر لهم هذه الخصلة من الخصال الموعودة.
قال السندي كَّلُ: ((وضمير ((فسرها)) للإيمان باعتبار أنه عبارة عن الأربع، وتفسير الإيمان
بالأربع باعتبار إطلاقه على الإسلام، وأما الإيمان بمعنى التصديق فهو كان معلوماً للقوم حاصلاً
لهم، ولذلك لم يذكره، - والله تعالى أعلم - .
قال أبو عبد الله الأبي: ((وأتم جواب في المسألة ما ذكره ابن الصلاح من أن قوله: وأن
تؤدوا)) إلخ: معطوف على أربع، أي: آمرهم بأربع وبإعطاء الخمس، وإنما كان أتم، لأن به
تتفق الطرق ويرتفع الإشكال)) اهـ.
ولم يذكر الحج لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخولن بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما
يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلاً وتركاً، ويدل
على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية مع أن في المناهي ما هو أشد في
التحريم من الانتباذ، لكن اقتصر عليها لكثرة تعاطيهم لها، أو لأنه لم يفرض - كما قاله
عياض تغذّفُ - إلا في سنة تسع، ووفادتهم في سنة ثمان، أي: على أحد الأقوال في وقت فرضه،
ولكن الأرجح أنه فرض سنة ست، وقد قدمنا شيئاً مما يدل على سبقهم إلى الإسلام والوفادة،
فتذكر. وذكروا وجوهاً أُخر رأينا تركها أولى، - والله أعلم بالصواب - .
تنبيه:
ووقع في كتاب الصيام من السنن الكبرى للبيهقي من طريق أبي قلابة الرقاشي عن أبي زيد
الهروي عن قرة في هذا الحديث من زيادة ذكر الحج، ولفظه: ((وتحجوا البيت الحرام)) ولم
يتعرض لعدد فهي رواية شاذة. وقد أخرجه الشيخان رحمهما الله ومن استخرج عليهما.
والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، من طريق قرة، لم يذكر أحد منهم الحج، وأبو قلابة تغير
حفظه في آخر عمره، فلعل هذا مما حدث به في التغير، وقد ورد ذكر الحج أيضاً في مسند
الإمام أحمد من رواية أبان العطار عن قتادة عن سعيد بن المسيب، وعن عكرمة عن ابن عباس،
في قصة وفد عبد القيس. وعلى تقدير أن يكون ذكر الحج فيه محفوظاً فيجمع في الجواب عنه
بين الجوابين المتقدمين، فيقال: المراد بالأربع ما عدا الشهادتين وأداء الخمس . - والله أعلم - ،
قاله الحافظ ابن حجر تظلّثُ تعالى في الفتح.

٤٩٥
كتاب: الإيمان
قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: النَّقِيرِ. قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ.
وَقَالَ: ((احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ)). وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: ((مَنْ وَرَاءَكُمْ))
وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ الْمُقَيِِّ .
١١٧ - (٢٥) وحدّثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ
الْجَهْضَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ(١)، عَنِ النَّبِيِّ وَّهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، نَحْوَ حَدِيثٍ شُعْبَةَ. وَقَالَ: ((أَنْهَاكُمْ عَمَّا يُنْبَذُّ
فِي الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ)). وَزَادَ ابْنُ مُعَاذٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
((وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ لِلأَشَجِّ، أَشَجْ عَبْدِ الْقَيْسِ: إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ:
قوله: (وقال أبو بكر في روايته: مَن وَرَاءَكم) إلخ: يعني: روي بكسر الميم وفتحها .
٢٥ - ( .... ) - قوله: (الجهضمي) إلخ: بفتح الجيم والضاد المعجمة وإسكان الهاء
بینھما .
قوله (للأشج)): (إن فيك لخصلتين) إلخ: الأشج ووجه تلقيبه بهذا اللقب مر في أوائل هذا
الباب.
قال العلماء : فيه دليل على جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمن عليه الفتنة. قال
الشارح كثّفُ: وسبب قول النبيّ ◌َير ذلك له ما جاء في حديث الوفد: ((أنهم لما وصلوا المدينة
بادروا إلى النبيّ ◌َّر، وأقام الأشج عند رحالهم، فجمعها وعقل ناقته، ولبس أحسن ثيابه، ثم
أقبل على النبيّ وَّ، فقربه النبيّ وَّر وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبيّ وَّر: تبايعون على
أنفسكم وقومكم، فقال القوم: نعم، فقال الأشج: يا رسول الله، إنك لم تزائل الرجل عن شيء
أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، ونرسل من يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا ومن أبى
قاتلناه، قال: صدقت، إن فيك خصلتين ... )) الحديث.
قال القاضي عياض كَّهُ: ((فالأناة تربصه حتى نظر في مصالحه ولم يعجل، والحلم هذا
القول الذي قاله، الدال على صحة عقله وجودة نظره للعواقب، وجاء في مسند أبي يعلى وغيره
أنه لما قال له رسول الله صل#: ((إن فيك خصلتين)) الحديث، قال: يا رسول الله، كانا فِيَّ أم
حدثاً؟ قال: بل قديم، قال: قلت: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما)) اهـ.
قال الأبي كََّفُ: ((لا يقال: لو كان ما تكلم به في شأن قومه هو مقتضى الحلم لكان الأولى
(١) قوله: ((عن ابن عباس)) أخرجه ابن ماجه في سننه الجزء الأخير من هذا الحديث، في كتاب الزهد، باب
الحلم، رقم (٤١٨٨). وفيه ((الحياء)) بدل ((الأناة)).

٤٩٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ» .
١١٨ - (٢٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ،
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ لَقِيَ الْوَقْدَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَه مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ.
قَالَ سَعِيدٌ: وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ(١) فِي حَدِيثِهِ هُذَا؛ ((أَنَّ أُنَاساً مِنْ
به النبيّ ◌َّر، إذ هو الأحق بكل كمال، لأنا نقول: إنما هو مقتضى الحلم بالنسبة إلى من يجهل
عاقبة الأمر، كالأشج، وأما النبيّ ◌َّير فلعله أوحي إليه بأنهم، أو لعله يستخرج (يستخبر) عقله
بذلك)».
قوله: (الحلم) إلخ: أي: العقل، وفي الفارسية (دانائى).
قوله: (الأناة) إلخ: التثبت وترك العجلة وهي مقصورة.
٢٦ - (١٨) - قوله: (أخبرنا سعيد بن أبي عروبة) إلخ: يكنى أبا النضر، يقال: إنه لم يمس
امرأة قط. واختلط في آخر عمره، واختلاطه مشهور، قال يحيى بن معين: وخلط سعيد بن أبي
عروبة بعد هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن سنة ثنتين وأربعين - يعني ومائة - ومن
سمع منه بعد ذلك فليس بشيء، ويزيد بن هارون صحيح السماع منه بواسط، وأثبت الناس
سماعاً منه عبدة بن سليمان، وقد تقرر أن من علمنا أنه روى عن المختلط في حال سلامته قبلنا
روايته واحتججنا بها، ومن روى في حال الاختلاط أو شككنا فيه لم نحتج بروايته، وقد قدمنا
أيضاً أن من كان من المختلطين محتجاً به في الصحيحين فهو محمول على أنه ثبت أخذ ذلك عنه
قبل الاختلاط . - والله أعلم -، قاله الشارح رزڅته.
قوله: (قال سعيد: وذكر قتادة) إلخ: معنى هذا الكلام أن قتادة حدث بهذا الحديث عن
أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ظُه ، كما جاء مبيناً في الرواية التي بعد هذا من رواية ابن
أبي عدي.
قوله: (أبا نضرة) إلخ: بفتح النون وإسكان الضاد المعجمة، اسمه المنذر بن مالك بن
قطعة - بكسر القاف وإسكان الطاء - العوقى بفتح العين والواو وبالقاف - والعوقة: بطن من
عبد القيس، وهو بصري.
قوله: (عن أبي سعيد الخدري) إلخ: اسمه سعد بن مالك بن سنان، منسوب إلى بني
خدرة، وكان أبوه مالك ربه صحابياً أيضاً، قتل يوم أحد شهيداً .
(١) قوله: ((عن أبي سعيد الخدري)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الأشربة، باب ذكر النهي عن
نبيذ الدباء والحنتم والنقير، رقم (٥٦٣٦).
وأخرج ابن ماجه في سننه الجزء الأخير من ثناءه على الأشج العصري، وفيه ((التؤدة)) مكان ((الأناة)) انظر
كتاب الزهد، باب الحلم، رقم (٤١٨٧).

٤٩٧
كتاب: الإيمان
عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَّهِ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّا حَيٍّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَبَيْنَنَا
وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلا نَقْدِرُ عَلَيْكَ إِلَّ فِي أَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَأُمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا،
وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ
أَرْبَع: اعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَأَنُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ،
وَأَغْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْغَنَائِمِ. وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع: عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَم، وَالْمُزَقَّتِ، وَالنَّقِيرِ.
قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ: بِّلَى، جِذٌ تَنْقُرُونَهُ، فَتَقَّذِفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ
(قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ: مِنَ الثَّمْرِ) ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا سَكْنَ غَلَيَانُهُ شَرِبْتُمُوهُ،
حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ (أَوْ إِنَّ أَحَدَهُمْ) لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ)). قَالَ: وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ
جِرَاحَةٌ كَذْلِكَ. قَالَ: وَكُنْتُ أَخْبَأُهَا حَيَاءٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بَّهُ. فَقُلْتُ: فَفِيمَ نَشْرَبُ
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فِي أَسْقِيَةِ الأَدَم، الَّتِي يُلاَثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ
أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ، وَلاَ تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَةُ الأَدَمِ. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ بِّهَ: وَإِنْ أَكَلَتْهَا
الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ قَالَ: وَقَالَ نَبِيُّ اللّهِ وَ لِأَشَجِّ عَبْدِ
الْقَيْسِ: إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ. الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ)).
١١٩ - (٢٧) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ،
قوله: (نخبر به من وراءنا) إلخ: يشمل من جاؤوا من عندهم، وهذا باعتبار المكان،
ويشمل من يحدث لهم من أولاد وغيرهم، وهذا باعتبار الزمان.
قوله: (تقذفون) إلخ: من القذف، ومعناه: تلقون فيه وترمون.
قوله: (من القطيعاء) إلخ: بضم القاف وفتح الطاء، وهو نوع من التمر صغار، يقال له:
الشهريز، بالشين المعجمة والمهملة وبضمهما وبكسرهما .
قوله: (حتى إن أحدكم) إلخ: معناه: إذا شرب هذا الشراب سكر، فلم يبق له عقل،
وهاج به الشر، فيقرب ابن عمه الذي هو عنده من أحب أحبائه.
قوله: (أو أن أحدهم) إلخ: شك من الراوي.
قوله: (وفي القوم رجل) إلخ: اسمه جهم، وكانت الجراحة في ساقه.
قوله: (في أسقية الأدم) إلخ: بفتح الهمزة والدال، جمع أديم، وهو الجلد الذي تم
دباغه .
قوله: (يلاث على أفواهها) إلخ: أي: يلف الخيط على أفواهها .
قوله: (كثيرة الجرذان) إلخ: بكسر الجيم وإسكان الراء وبالذال المعجمة، جمع جُرَذ - بضم
الجيم وفتح الراء - وهو نوع من الفأر، وقيل: هو الذكر من الفأر.

٤٩٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ لَقِيَ ذَاكَ الْوَقْدَ، وَذَكَرَ أَبَا نَضْرَةَ عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ وَقْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَّهِ ... بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ
عُلَيَّةَ. غَيْرَ أَنَّ فِيهِ ((وَتَذِيقُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ أَوِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ)) وَلَمْ يَقُلْ: (قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَّ
مِنَ الثَّمْرِ).
١٢٠ - (٢٨) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ.
ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجَ، قَالُ:
أَخْبَرَنِي أَبُو قَزْعَةَ؛ أَنَّ أَبَا نَضْرَةَ أَخْبَرَهُ، وَحَسَناً أَخْبَرَهُمَا؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَخْبَرَهُ؛
٢٧ - ( ... ) - قوله: (تديفون) إلخ: بالدال المهملة، أو المعجمة، والفاء، معناه:
الخلط .
٢٨ - ( ... ) - قوله: (أبو عاصم) إلخ: هو الضحاك بن مخلد النبيل.
قوله: (عن ابن جريج) إلخ: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.
قوله: (أخبرني أبو قزعة) إلخ: اسمه سويد بن حجير - بحاء مهملة مضمومة، ثم جيم
مفتوحة، وآخره راء - وهو باهلي بصري، انفرد مسلم بالرواية له دون البخاري. وقزعة: بفتح
القاف، وبفتح الزاي، وإسكانها، وقيل: الإسكان هو الصواب.
قوله: (أن أبا نضرة أخبره وحسناً أخبرهما) إلخ: هذا الإسناد معدود في المشكلات، وقد
اضطربت فيه أقوال الأئمة وأخطأ فيه جماعة من كبار الحفاظ، والصواب فيه ما حققه وحرره
وبسطه وأوضحه الإمام الحافظ أبو موسى الأصبهاني في الجزء الذي جمعه فيه، فذكر أن حسناً
هذا هو: الحسن بن مسلم بن يناق الذي روى عنه ابن جريج غير هذا الحديث، وأن معنى هذا
الكلام أن أبا نضرة أخبر بهذا الحديث أبا قزعة وحسن بن مسلم، ثم أكد ذلك بأن أعاد، فقال:
أخبرهما أن أبا سعيد أخبره، يعني: أخبر أبو سعيد أبا نضرة، وهذا كما نقول: إن زيداً جاءني
وعمراً جاءاني، فقالا: كذا وكذا، وهذا من فصيح الكلام، واحتج على أن حسناً فيه هو
الحسن بن مسلم بن يناق بن سلمة بن شبيب، وهو ثقة بما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج قال:
((أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره وحسن بن مسلم بن يناق أخبرهما أن أبا سعيد أخبره))
الحديث. ورواه أبو الشيخ الحافظ في كتابه ((المخرج على صحيح مسلم)) وقد أسقط أبو مسعود
الدمشقي وغيره ذكر حسن من الإسناد، ولأنه مع إشكاله لا مدخل له في الرواية، وذكر الحافظ
أبو موسى ما حكاه أبو علي الغساني، وبين بطلانه وبطلان رواية من غير الضمير في قوله:
((أخبرهما)) وغير ذلك من التغيرات، ولقد أجاد وأحسن ظُله. هذا آخر ما لخصه الشيخ [أبو]
عمرو بن الصلاح بظُبه ونقل الشارح تَّتُهُ.

٤٩٩
كتاب: الإيمان
((أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ وَهِ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاءَكَ، مَاذَا
يَصْلُحُ لَنَا مِنَ الأَشْرِبَةِ؟ فَقَالَ: لَا تَشْرَبُوا فِي النَّقِيرِ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاءَكَ،
أَوَ تَدْرِي مَا النَّقِيرُ؟ قَالَ: نَعَمْ. الْجِذْعُ يُنْقَرُ وَسَطُهُ، وَلاَ فِي الدُّبَّاءِ، وَلا فِي الْحَنْتَمَةِ
وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوگی)).
(٧) - باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام
١٢١ - (٢٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً
عَنْ وَكِيعِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحاقَ. قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رُبَّمَا
قَالَ وَكِيعٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ(١)؛ أَنَّ مُعَاذَاً قَالَ:
قوله: (جعلنا الله فداءك) إلخ: هو بكسر الفاء والمد، معناه: يقيك المكاره.
قوله: (وعليكم بالموكى) إلخ: هو بضم الميم وإسكان الواو مقصور غير مهموز، ومعناه:
انبذوا في السقاء الدقيق الذي يوكى أي يربط فوه بالوكاء، وهو الخيط الذي يربط به، - والله
أعلم - .
(٧) - باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإيمان
٢٩ - (١٩) - قوله: (عن أبي معبد) إلخ: اسمه نافذ، قال عمرو بن دينار: كان معبد من
أصدق موالى ابن عباس
قوله: (وربما قال وكيع: عن ابن عباس) إلخ: يعني في الرواية الأولى قال: عن معاذ،
وفي الثانية: أن معاذاً، وبين ((أن)) و((عن)) فرق، فإن الجماهير قالوا: ((أنّ)) كـ ((عن)) فيحمل على
(١) قوله: ((عن ابن عباس أن معاذاً قال)) الحديث بهذا الطريق من مسند معاذ، والجماعة أخرجوه عن ابن عباس
كما في طريقي مسلم الآخرين - فأخرج البخاري في كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة، رقم (١٣٩٥). وباب
لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، رقم (١٤٥٨)، وباب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد على الفقراء
حيث كانوا، رقم (١٤٩٦). وفي كتاب المظالم، باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم، رقم (٢٤٤٨)،
وفي كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، رقم (٤٣٤٧). وفي كتاب
التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ◌َّ أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، رقم (٧٣٧١) و(٧٣٧٢).
والنسائي في سننه، في كتاب الزكاة، باب إخراج الزكاة من بلد إلى بلد، رقم (٢٥٢٣) وأبو داود في سننه
في كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، رقم (١٥٨٤).
والترمذي في جامعه في كتاب الزكاة، باب ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة، رقم (٦٢٥).
وابن ماجه في سننه في كتاب الزكاة، باب فرض الزكاة، رقم (١٧٨٣).

٥٠٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ. فَقَالَ:
الاتصال، وقال جماعة: لا تلتحق ((أن)) بـ ((عن)) بل تحمل ((أن)) على الانقطاع، ويكون مرسلاً،
ولكنه هنا يكون مرسل صحابي له حكم المتصل على المشهور من مذاهب العلماء خلافاً للأستاذ
أبي إسحاق الإسفراييني، فاحتاط مسلم تَغْدَثُ. وبيّن اللفظين، - والله أعلم -. كذا في الشرح.
قوله: (بعثني رسول الله) إلخ: مما يستفاد من الحديث بعث السعاة لأخذ الزكاة، وقبول
خبر الواحد، ووجوب العمل به، وقال صاحب التلويح: ((فيه نظر من حيث أن أبا موسى كان
معه، فليس خبر واحد على هذا، وعلى قول أبي عمر بن عبد البر كانوا خمسة: خالد بن سعيد،
والمهاجر بن أمية، وزياد بن لبيد، ومعاذ، وأبو موسى ﴿يَ)) قال العيني كَّتُهُ: ((في نظره نظر.
لأنه لا يخرج بهذا عن أخبار الآحاد) اهـ.
قال الحافظ في الفتح: ((كان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبيّ وَّر، كما ذكره
البخاري في أواخر المغازي، وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه وال طهر من تبوك،
رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في الطبقات عنه، ثم حكى ابن
سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر، وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان، واتفقوا على أنه لم يزل
على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام فمات بها .
واختلف: هل كان معاذ والياً أو قاضياً؟ فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغساني بالأول.
ثم قال الحافظ كثُّ تعالى: لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج، مع أن بعث
معاذ، كما تقدم، كان في آخر الأمر، وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة.
وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية لاحتمال الزيادة والنقصان.
وأجاب الكرماني بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كُررا في القرآن، فمن ثم لم
يذكر الصوم والحج في هذا الحديث، مع أنهما من أركان الإسلام، والسر في ذلك أن الصلاة
والزكاة إذا وجبا على المكلف لا يسقطان عنه أصلاً، بخلاف الصوم، فإنه يسقط بالفدية
والحج، فإن الغير قد يقوم مقامه فيه، كما في المعضوب، ويحتمل أنه حينئذ لم يكن شرع) اهـ.
وقال شيخنا شيخ الإسلام: ((إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منه بشيء،
كحديث ابن عمر: ((بني الإسلام على خمس)) فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفي بالأركان
الثلاثة: الشهادة، والصلاة، والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج كقوله تعالى :
﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَوَةَ﴾ [سورة التوبة، آية: ٥ و١١] في موضعين من ((براءة)) مع أن
نزولها بعد فرض الصوم والحج قطعاً، وحديث ابن عمر أيضاً ((أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى
يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)) وغير ذلك من الأحاديث، قال:
والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة اعتقادي: وهو الشهادة، وبدني: وهو الصلاة، ومالي:
وهو الزكاة، فاقتصر في الدعاء إلى الإسلام عليها ليفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم