النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
كتاب: الإيمان
الحركة الارتعاشية ليده، فوافقت القوانين على سبيل الاتفاق، أو كمن سمع أشعاراً موزونة بليغة
محتوية على أنواع الصنائع البديعية، ثم توهم أنها إنما صدرت من الشاعر على غير روية وقصد
إلى مراعاة وزن وقافية ومن غير اعتبار لرعاية مقتضى الحال، ومن غير اعتناء بالصنائع، بل إنما
صدر الصوت منه على طريق الاضطرار فاتفق أن تقطع على مخارج مختلفة، فجاءت ألفاظاً
متوالية، ثم اتفق تواليها في نطق على نحو طابق الوزن والقافية ومقتضى الحال، وهل يعد هذا
المتوهم إلا من المجانين؟» اهـ.
وسئل بعض الأعراب عن الدليل على وجود الرب تعالى، فقال: يا سبحان الله! إن البعر
ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج
وبحار ذات أمواج ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟ .
وحكى الرازي عن الإمام مالك تغلفه أن الرشيد سأله عن ذلك، فاستدل له باختلاف
اللغات والأصوات والنغمات، وعن أبي حنيفة كثّفُ: أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري
تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد اختبرت عنه، ذكروا لي أن سفينة في البحر
موقرة، فيها أنواع من المتاجر. وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب
وتجيء، وتسير بنفسها، وتخترق الأمواج العظام، حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها
من غير أن يسوقها أحد فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل، فقال: ويحكم! هذه الموجودات بما
فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع؟ فبهت
القوم، ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه. وعن الشافعي تغذّهُ، أنه سئل عن وجود الصانع.
فقال: هذا ورق التوت، طعمه واحد، تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل فيخرج
منه العسل، وتأكله الشاة والبقر والأنعام فتلقيه بعراً وروثاً، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك،
وهو شيء واحد، وعن الإمام أحمد بن حنبل تغُّ أنه سئل عن ذلك، فقال: لههنا حصن حصين
أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينا هو كذلك
إذ انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن وصوت مليح، يعني بذلك
البيضة إذا خرج منه الدجاجة:
أم كيف يجحده الجاحد
فيا عجباً كيف يعصى الله
تدل على أنه واحد
وفي كل شيء له آية
حكى هذه الأقوال ابن كثير في تفسيره(١).
(١) التفسير لابن كثير (٥٨/١ و٥٩) تحت تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ الآية.

٤٤٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وأما توحيد الحق سبحانه وتعالى، فسيأتي دليله في شرح حديث الأركان الخمسة، وأما
إثبات الصفات الكمالية له تعالى وتنزيهه عن كل نقص وعيب، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس
الله روحه: ((كل كمال في الممكنات التي هي المخلوقات فهو منه، ومن الممتنع أن يكون فاعل
الكمال ومبدعه عارياً منه، بل هو أحق به، والله سبحانه وتعالى له المثل الأعلى، لا يستوي هو
والمخلوق في قياس شمول، ولا في قياس تمثيل، بل كلما ثبت لمخلوق من كمال فالخالق
تعالى أحق به، وكل نقص تنزه عنه مخلوق ما فتنزيه الخالق عنه أولى)) قال: ((ولهذا كان
المستعمل في الكتاب والسنة وكلام السلف في حقه تعالى هو القياس الأولى، مثل أن يعلم أن
ما ثبت لغيره من كمال مطلق لا نقص فيه فهو أحق بأن يثبت له من ذلك الكمال ما هو أحق به
مما سواه، فإذا كان الحياة والعلم والقدرة كمالاً لا نقص فيه، وقد اتصف به المخلوق، فالخالق
تعالى أحق أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة وما ينزه عن غيره عن العيوب، فهو سبحانه أحق
تنزيهه عنه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [سورة النحل، آية: ٦٠])) اهـ. ملخصاً.
قال الشيخ شيخنا قاسم العلوم والخيرات نور الله ضريحه ونفعنا بعلومه: ((إن الكمالات
والخيرات كلها وجودية تابعة للوجود، وهو أصلها ومصدرها، ولذا لا يتصف المعلوم بشيء من
الكمال، كما أن الشرور والنقائص بأسرها عدمية لا تخلو عن عدم، وهو منشؤها ومأخذها،
فالبصر - مثلاً - كمال، وهو أمر وجودي، والعمى نقص. وهو عدم البصر، والسمع كمال
وجودي، والصمم - أي عدم السمع - نقص، وهذا ظاهر لمن تفحص حقيقة كل كمال ونقص)).
راجع كتب الشيخ كثّفة، فإنه أثبته وأزاح كل شبهة بأشبع بيان وأتمه. فعلى هذا لا يمكن أن
يوجد نقص وقصور في ذاته سبحانه وتعالى، لأنها منزهة من شوائب العدم مطلقاً، وما من كمال
إلا يجب أن يكون موجوداً فيه سبحانه وتعالى على وجه التمام؛ لأنه منبع الوجود ومخزنه،
والممكنات لما كانت حقائقها حدوداً فاصلة بين الوجود والعدم، لا موجوداً بحتاً، ولا معدوماً
محضاً، فقد خلط فيها الأمران: الخير والشر، والكمال والنقص، والحسن والقبح، اقتضاء من
جانبيه - الوجود والعدم - ووفاءً لحقيهما، فالوجود - مع توابعه من الكمالات والخيرات - صادرٌ
وفائضٌ من جناب الحق سبحانه وتعالى على كل جزء من أجزاء العالم قضه وقضيضه، ونقيره
وقطميره حسب تفاوت درجاتها، كما أن نور الشمس مع صفاته اللازمة من الحرارة والتنوير
وغيرهما فائض على السماوات والأرض، وما فيهما من السيارات العلوية، والمواليد السفلية،
مع اختلاف استعداد قوابله، فالمرآة الصقيلة مثلاً إذا حاذتها الشمس تتلألأ كأنها في البريق
واللمعان هي الشمس بعينها، وأنى هذا الشأن لغيرها من الأشجار والأحجار في الاستفادة منها؟
وكذا الماء الصافي في وقت مقابلته مع الشمس، له شأن ليس للهواء وغيره، فكما أن النور
الصادر من الشمس الواقع على الأرض أو المرآة أو أينما كان إذا سئل عنه: هل هو نور الشمس

٤٤٣
كتاب: الإيمان
أو غيرها؟ فمع غاية قربه من الأرض والمرآة والتصاقه بهما وبُعده من الشمس بألف آلاف فراسخ
في بادىء النظر، يجاب بأنه: نور الشمس السابحة في فلكها، لا غير نعم، هو في درجة متنزلة
من النور الذي في جرم الشمس بكثير، وهو وإن نسب إلى الأرض بأدنى تلبّس إلا أن زمان أمره
بيد الشمس لا بيد الأرض المستضيئة به، ولذا يبقى تعلقه بالأرض ما دامت الشمس باقية على
محاذاتها، فكأنه يجيء بمجيئها، ويذهب بذهابها، كذلك الوجود ونواشيه من الكمالات
والخيرات - في أي ممكن وجد، وفي أيّ مرتبة تحقق - هو: وجود الباري عز اسمه، وكمالاته
هي: كمالاته، ليس للممكن منها نصيب إلا القدر الذي للأرض من نور الشمس (وهذه مسألة
وحدة الوجود وتعدد الموجودات التي ذهب إليها المحققون) ولعل إلى هذه الدقيقة أشار سبحانه
وتعالى حيث قال: ﴿وَمَا بِكُمْ مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [سورة النحل، آية: ٥٣] وقال: ﴿َّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةِ
فِنَ اللهِ﴾ [سورة النحل، آية: ٥٣] وقال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾ [سورة الأنفال، آية: ١٧]
وقال النبيّ ◌َّه: الخير كله في يديك، والشر ليس إليك، فالله الحمد رب العلمين، لا شريك له،
وكل شيء ما خلا الله باطل. وإن فرضت كرة الشمس بمنزلة ذات الحق سبحانه وتعالى عن
تمثيلنا، والنور العظيم الذي في جرمها بمنزلة وجود الحق، والأشعة اللازمة لها الصادرة منها
بمنزلة صفات الحق، ووقوع الأشعة على الأعيان الخارجية بمنزلة تعلق الصفات والأسماء
بالمخلوقات، وهذه الأعيان المستنيرة بضوء الشمس بمنزلة حقائق الممكنات، التي يقال لها :
الأعيان الثابتة، وضوء الشمس العارض للأشياء وحرارتها العارضة لها بمنزلة وجود الممكنات
وصفاتها الوجودية الكمالية: ينجلي لك ربط المحدث بالقديم، وينحل كثير من الإشكالات
العويصة التي استصعب التقصي عنها، وبالله التوفيق.
ويظهر لك أيضاً أن صفات الحق سبحانه وتعالى لا يقال لها عين الذات ولا غيرها، ألا
ترى أن الشعاع الواحد من أشعة الشمس لا يمكن أن يقال في حقه: إنه عين النور العظيم
الموجود في جرم الشمس، أي: في مرتبته، ولا إنه غيره مغايرة السواد والبياض للثوب، وسائر
صفات الممكن لذاته، بل الشعاع هو: تنزل النور الموجود في جرم الشمس، فكذا ذات الحق
سبحانه وتعالى هي مبدء جميع صفاته، ووجود الصفات نازل عن وجود الذات، لا عين ولا
غير، بخلاف الممكن فإنه بنفس ذاته وحقيقته يكون عارياً عن الوجود والكمالات الوجودية
كلها، وإنما حصل له الوجود وسائر كمالاته من خارج كحصول النور للأرض من الشمس، كما
قررناه قريباً .
وأما الشرور والنقائص التي في الممكن فإنما نشأت من إحاطة عدمه بوجوده الخاص، كما
ينشأ شكل التربيع والتثليث والاستدارة والمخروطية وغيرها من التقطيعات في نور الشمس الواقع
على الأرض وغيرها من إحاطة ظلال الأشياء الحائلة بذاك النور الواحد، المنبسط الممتد

٤٤٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ
المنتشر في الآفاق، فيشكل التربيع أو التثليث مثلاً، وإن لم يكن موجوداً في نفس نور الشمس
إلا أنه ظهر بسبب هذا النور في المحل بلا ريب، لأنه أحاط به الظل وهو عدم النور، ولولاه
لما وجد محيطاً ولا محاطاً، ولم يظهر هذا الشكل قطعاً، فكذا الشرور والنقائص في العالم وإن
لم يمكن اتصاف ذاته سبحانه وتعالى بها أصلاً، إلا أنه تعالى هو الموجد لهذه القبائح أيضاً في
محالها، فالشرور كلها مخلوقة لله تعالى وهو منزه عنها، والخيرات كلها صادرة منه موجودة فيه
سبحانه وتعالى بأتم وجه وأكمل طريق، وما من حسنة جليلة أو دقيقة إلا هو آخذ بناصيتها، إن
ربي حميد مجيد، فافهم، وكن على بصيرة من ربك، حتى يتضح لك الحق الصراح من الظنون
والأوهام الفاسدة، ولا تكن محبوساً في سجن الألفاظ ودوائر الأمثلة، وارتق منها إلى المقصود
الذي يضيق عنه نطاق البيان، فإن الرب جلّ جلاله ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير،
والكلام وإن أفضى بنا إلى التطويل لكنه لا يخلو عن طائل إن شاء الله تعالى.
قوله: (وملائكته) إلخ: جمع ملاَّك، وأصله مالك، بتقديم الهمزة، من الألوكة، وهي
الرسالة، قدمت اللام على الهمزة وحذفت الهمزة بعد نقل حركتها إلى ما قبلها، فصار ملك،
ولما جمعت ردت الهمزة، وقيل: قلبت ألفاً، وقدمت اللام، وجمع على فعائل، كَشَمْأَل،
وشمائل، ثم تركت همزة المفرد لكثرة الاستعمال، وألقيت حركتها إلى اللام، والتاء التأنيث
الجمع أو مزيد لتأكيد معناه.
اعلم أن الحكماء الطبيعيين لما أحسُّوا بالآثار المختلفة من الحرارة والبرودة والرطوبة
واليبوسة في جسد الإنسان: حكموا بأنه مركب من أشياء مختلفة التأثير يسمونها عناصر، وزعموا
أن الله تعالى جعل كل واحد من هذه العناصر مختلطاً وممتزجاً مع أخواتها، بحيث لا يتميز عند
الرائي ولا يتفرز وجود واحد منها عن الآخر. وعجن منها قوام جسم آدم، وقالوا: إن لكل
واحد من هذه العناصر خزانة مستقلة لا يوجد فيها غيره. وهي كرة التراب والماء والهواء مثلاً .
كذلك أرباب الحكمة اليمانية الإيمانية لما وجدوا كل نفس من النفوس الإنسانية - إلا من عصمها
الله - مائلة إلى الخير مرة وإلى الشر أخرى، ولكل قلب من قلوب بني آدم رغبة في الطاعة في
بعض الأحيان، وركوناً إلى المعصية في البعض الآخر، علموا أن النفوس الإنسانيه وقلوب
الآدميين بأسرها منطوية على عنصري الخير والشر، والطاعة والمعصية، والرشد والغي. وهذان
العنصران قد خلطا ومزجا في النفوس، بحيث تتوارد وتتعاقب عليها آثارهما، كما قال النبيّ وَل:
((إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان: فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق. وأما
لمة الملك: فإيعاد بالخير وتصديق بالحق)) فهاتان اللمتان أثران محسوسان يدلان على وجود
مبدئيهما وماديتهما في باطن ابن آدم، وقد أخبر به النبيّ وَّ في حديث ابن مسعود قال: ((ما
منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، (أي الشيطان) وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك

٤٤٥
کتاب : الإيمان
وَرُسُلِهِ،
يا رسول الله؟ قال: وإياي، ولكن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير)). فالنفوس
الإنسانية خلقت من مادتي الخير والشر، والطاعة والمعصية، والجزء الملكي والجزء الجني،
والاعتبار بالنظام الجسماني يقتضي أن يكون لههنا أيضاً خزانة لكل واحد من هذين الجزئين على
حدة. فلا بد في الخلائق من مخلوق هي خزانة الطاعة والرشد والإيمان، وهم الملائكة الذين
قال الله فيهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اَلَيِّلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٥)﴾ [سورة الأنبياء، آية: ٢٠] وقال: ﴿لَا يَعْصُونَ اُللَّهُ
مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة التحريم، آية: ٦] ومن مخلوق آخر هي خزانة الكفر والفسوق
والعصيان، وهي ذرية الشيطان اللعين الذي قال الله عزّ وجل فيه: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ،
كَفُورًا﴾ [سورة الإسراء، آية: ٢٧] فلا استبعاد في تسليم وجود الملائكة والشيطان إذا أخبر به الصادق
الأمين، بل هو عين الحكمة ومحض المصلحة، كما لا استبعاد في وجود الجنة والنار. فإنا
نشاهد في العالم كل لذة وراحة يخالطها شيء من التألم والتكدر والتعب، وكل ألم وتعب يشوبه
شيء من الالتذاذ والسكون والراحة. فليس لههنا ألم وتعب محض، ولا لذة وراحة خالصة، فلا
بد من خزانة فيها كل راحة ولذة وتنعم. وهي: الجنة التي لا يمس الداخلين فيها نصب ولا ألم
ولا فناء، وما هم منها بمخرجين، وقال الله تعالى فيهم: ﴿لَمُ مَّا يَشَآءُونَ فِها وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [سورة قّ،
آية: ٣٥]، ومن خزانة فيها كل ألم وعذاب وتعب محض، ليس فيها رائحة النعيم والسرور
والراحة، أعاذنا الله منها. كذا حقق شيخ شيخنا قدس الله روحه في بعض مصنفاته .
قوله: (ورسله) إلخ: قال الغزالي كغَفُهُ: ((ليس يستحيل بعثة الأنبياء عليهم السلام خلافاً
البراهمة (أي بعضهم، كما يظهر من كلام الآمدي في غاية المرام، ولعل المراد به الفرقة التي
تسمى برهموسماج في الهند) حيث قالوا: لا فائدة في بعثتهم، إذ في العقل مندوحة عنهم، لأن
العقل لا يهدي إلى الأفعال المنجية في الآخرة، كما لا يهدي إلى الأدوية المفيدة للصحة،
فحاجة الخلق إلى الأنبياء كحاجتهم إلى الأطباء، ولكن يعرف صدق الطبيب بالتجربة، ويعرف
صدق النبي بالمعجزة)).
قال ابن القيم كثُّهُ: ((إن رحمته (أي الرحمن) تمنع إهمال عباده، وعدم تعريفهم ما ينالون
به غاية كمالهم، فمن أعطى اسم الرحمن حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل وإنزال الكتب
أعظم من تضمنه علم إنزال الغيث، وإنبات الكلأ، وإخراج الحب، فاقتضاء الرحمة لما يحصل
به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضاءتها لما يحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن
المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم والدواب، وأدرك منه أولو الألباب أمراً وراء
ذلك)» .
ثم قال: «وما يعبد به تعالى لا يكون إلا على ما يحبه ويرضاه، وعبادته هي: شكره وحبه
وخشيته، فِظْرِي ومعقول للعقول السليمة، لكن طريق التعبد وما يعبد به لا سبيل إلى معرفته إلا

٤٤٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ:
..
برسله، وفي هذا بيان أن إرسال الرسل أمر مستقر في العقول يستحيل تعطيل العالم عنه. كما
يستحل تعطيله عن الصانع، فمن أنكر الرسل فقد أنكر المرسل، ولم يؤمن به، ولهذا جعل
سبحانه الكفر برسله كفراً به)) اهـ.
وقال الشيخ محي الدين ابن العربي: «لا يكمل حال المكلف إلا باجتماع نورين، نور
الشرع مع نور التوفيق والهداية، وذلك لأن النور الواحد وحده لا يظهر له ضوء، ولا شك أن
نور الشرع قد ظهر كظهور نور الشمس من حين إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكن
الأعمى لا يبصر ذلك كما لا يبصر الخفاش شيئاً في ضوء النهار، ولذلك من أعمى الله تعالى
بصيرته لا يؤمن به لعدم إدراكه ذلك النور، ولو كان نور البصيرة موجوداً ولم يظهر للشرع نور لم
يدرك صاحب نور البصيرة: أين يسلك؟ ولا كيف يسلك؟ لأنها طريق مجهولة، لا يعرف ما فيها
ولا ما تنتهي إليه)) كذا في اليواقيت والجواهر.
وتحقيق مفهوم النبوة وخواصها وطرق إثباتها وكون نبينا ◌َلي أفضل الأنبياء بالطريق العقلي
الذي فيه مقنع مبسوط في المطالب العالية للإمام الرازي، ومعارج القدس للإمام الغزالي
- رحمهما الله - وسيأتي بعض أجزاء هذا البحث في شرح حديث الأركان الخمسة.
قوله: (واليوم الآخر) إلخ: أي: يوم القيامة، لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر أزمنته
المحدودة، والمراد بالإيمان به التصديق بما يقع من الحساب والميزان والجنة والنار، كما وقع
التصريح بذكر الأربعة بعد ذكر البعث في رواية سليمان التيمي، وفي حديث ابن عباس أيضاً،
وفي رواية للبخاري: ((البعث الآخر)) مكان ((اليوم الآخر)) فقيل: ذكر الآخر تأكيداً، كقولهم:
أمس الذاهب، وقيل: لأن البعث وقع مرتين، الأولى: الإخراج من العدم إلى الوجود، أو من
بطون الأمهات بعد النطفة والعلقة إلى الحياة الدنيا، والثانية: البعث من بطون القبور إلى محل
الاستقرار.
قوله: (وتؤمن بالقدر خيره وشره) إلخ: أي: نفعه وضره، وزيد في رواية: ((وحلوه ومره))
والمعنى: تعتقد أن الله قدر الخير والشر قبل خلق الخلائق، وأن جميع الكائنات متعلق بقضاء
الله، مرتبط بقدره، قال تعالى: ﴿قُلْ كُلُّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء، آية: ٧٨]وهو مريد لها، لقوله
تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَةُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدُ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا
ڪَأَنَّمَا يَصَغَدُ فِ السَّمَاءِ﴾ [سورة الأنعام، آية: ١٢٦].
قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد محمد الغزالي تخلّفُ: ((إن انفراد الله سبحانه باختراع
حركات العباد وأفعالهم لا يخرجها عن كونها مقدورة للعباد على سبيل الاكتساب، بل الله تعالى
خلق القدرة والمقدور جميعاً، وخلق الاختيار والمختار جميعاً، فأما القدرة: فوصف للعبد
وخلق للرب سبحانه، وليست بكسب له، وأما الحركة: فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب

٤٤٧
كتاب : الإيمان
له، فإنها خلقت مقدورة بقدرة هي وصفه، وكانت الحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة،
فتسمى باعتبار تلك النسبة كسباً، وكيف تكون جبراً محضاً وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين
الحركة المقدورة والرعدة الضرورية، أو كيف يكون خلقاً للعبد وهو لا يحيط علماً بتفاصيل
أجزاء الحركات المكتسبة وأعدادها، وإذا بطل الطرفان - والنصوص ناطقة ببطلانهما - لم يبق إلا
الاقتصاد في الاعتقاد، وهو: أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً، وبقدرة العبد على وجه آخر
من التعلق يعبر عنه بالاكتساب، وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع
فقط، ففعل العبد وإن كان كسباً للعبد فلا يخرج عن كونه مراد الله سبحانه، فلا يجري في الملك
والملكوت طرفة عين، ولا لفتة خاطر، ولا فلتة ناظر، إلا بقضاء الله وقدرته، وبإرادته ومشيئته،
ومنه الشر والخير، والنفع والضر، والإسلام والكفر، والعرفان والنكر، والفوز والخسران،
والغواية والرشد، والطاعة والعصيان، والشرك والإيمان، لا رادًّ لقضائه، ولا معقب لحكمه،
يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون)).
ويدل عليه من جهة العقل أن المعاصي والجرائم إن كان الله يكرهها ولا يريدها، وإنما هي
جارية على وفق إرادة العدو إبليس لعنه الله، مع أنه عدو الله سبحانه، والجاري على وفق إرادة
العدو أكثر من الجاري على وفق إرادته تعالى، فليت شعري! كيف يستجيز المسلم أن يرد ملك
الجبار ذي الجلال والإكرام إلى رتبته، لو ردت إليها رياسة زعيم ضيعة (أي قرية) لاستنكف
منها، إذ لو كان ما يستمر لعدو الزعيم في القرية أكثر مما يستقيم له لاستنكف من زعامته، وتبرأ
عن ولايته، والمعصية هي الغالبة على الخلق، وكل ذلك جار عند المبتدعة على خلاف إرادة
الحق تعالى، وهذا غاية الضعف والعجز، تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين علواً كبيراً .
ثم مهما ظهر أن أفعال العباد مخلوقة لله صح أنها مرادة له، فإن قيل: فكيف ينهى عما
يريد ويأمر بما لا يريد؟ قلنا: الأمر غير الإرادة، ولذلك إذا ضرب السيد عبده فعاتبه السلطان
عليه، فاعتذر بتمرد عبده عليه فكذبه السلطان، فأراد إظهار حجته بأن يأمر العبد بفعل ويخالفه
بين يديه، فقال له: أسرج هذه الدابة بمشهد من السلطان، فهو يأمره بما لا يريد امتثاله، ولو لم
يكن أمراً لما كان عذره عند السلطان ممهّداً، ولو كان مريداً لامتثاله لكان مريداً لهلاك نفسه،
وهو محال)) انتهى بتغير يسير. وفي بعض أجزاءه كلام مذكور في شرح الإحياء وغيره، والتفصيل
يطلب من مظانه .
قال الشيخ الأجل ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((أفعال العباد اختيارية، لكن لا
اختيار لهم في ذلك الاختيار، ولا يرد عليه أن الأفعال إذا كانت مخلوقة لله تعالى، وكذلك
الاختيار. ففيم الجزاء؟ لأن معنى الجزاء يرجع إلى ترتب بعض أفعال الله تعالى على البعض،
بمعنى أن الله تعالى خلق هذه الحالة في العبد، فاقتضى ذلك في حكمته أن يخلق فيه حالة أخرى

٤٤٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
من النعمة أو الألم، كما أنه يخلق في الماء حرارة فيقتضي ذلك أن يكسوه صورة الهواء، وإنما
يشترط وجود الاختيار وكسب العبد في الجزاء بالعرض لا بالذات، وذلك لأن النفس الناطقة لا
تقبل لون الأعمال التي لا تستند إليها، بل إلى غيرها من جهة الكسب، ولا الأعمال التي لا
تستند إلى اختيارها وقصدها، وليس في حكمة الله أن يجازي العبد بما لم تقبل نفسه الناطقة
لونه، فإذا كان الأمر على ذلك كفى هذا الاختيار غير المستقل في الشرطية إذا كان مصححاً
لقبول لون العمل، وهذا الكسب غير المستقل إذا كان مصححاً لتخصيص هذا العبد بخلق الحالة
المتأخرة فيه دون غيره، وهذا تحقيق شريف مفهوم من كلام الصحابة والتابعين، فاحفظه)) اهـ.
قال الشيخ الأكبر قدس سرّه في الباب الثاني والتسعين ومائتين من الفتوحات: ((نور
الشمس إذا تجلى في البدر يعطي من الحكم ما لا يعطيه من الحكم بغير البدر، لا شك في
ذلك، كذلك الاقتدار الإلهي إذا تجلّى في العبد يظهر الأفعال عن الخلق، فهو وإن كان بالاقتدار
الإلهي لكن يختلف الحكم؛ لأنه بواسطة هذا المجلّى الذي كان مثل المرآة لتجليه، وكما يعلم
عقلاً أن القمر في نفسه ليس فيه من نور الشمس شيء، وإن الشمس ما انتقلت إليها بذاتها،
وإنما كان لها مجلى، كذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء، ولا حل فيه، وإنما هو مجلى له
خاصة، ومظهر له)) اهـ.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي تغذُّهُ: ((فإن قيل من أين وجب على الإنسان أن يصلي؟ ومن
أين وجب عليه أن ينقاد للرسول؟ ومن أين حرم عليه الزنا والسرقة؟ فالجواب وجب عليه هذا،
وحرم عليه ذلك من حيث وجب على البهائم أن ترعى الحشيش، وحرم عليه أكل اللحم،
ووجب على السباع أن تأكل اللحم ولا ترعى الحشيش، ومن حيث وجب على النحل أن يتبع
اليعسوب، إلا أن الحيوان استوجب تلقي علومها إلهاماً جبليّاً، واستوجب الإنسان تلقي علومه
كسباً ونظراً، أو وحياً أو تقليداً)) اهـ.
تنبيه:
قال في المسايرة مع شرحه: ((فإن قيل: حاصل ما ذكرتم أن المعاصي واقعة بقضاء
الله تعالى، وقد تقرر أنه يجب الرضاء بالقضاء اتفاقاً، فيجب حينئذٍ الرضاء بالمعاصي، وهو
باطل إجماعاً)).
قلنا: الملازمة بين وجوب الرضا بالقضاء وبين وجوب الرضاء بالمعاصي: ممنوعة، فلا
يستلزم الرضاء بالقضاء الرضاء بها، بل يجل الرضاء بالقضاء لا المقضي إذا كان منهياً عنه، وقد
أوضحه السيد تغلفهُ في شرح المواقف، فقال: ((إن للكفر نسبة إلى الله تعالى باعتبار فاعليته له
وإيجاده إياه. ونسبة أخرى إلى العبد باعتبار محليته له واتصافه به، وإنكاره باعتبار النسبة الثانية

٤٤٩
كتاب: الإيمان
دون الأولى، والرضاء به باعتبار النسبة الأولى دون الثانية، والفرق بينهما ظاهر، فإنه ليس يلزم
من وجود الرضاء بشيء باعتبار صدوره عن فاعله: وجوب الرضاء به باعتبار وقوعه صفة لشيء
آخر، إذ لو صح ذلك لوجب الرضاء بموت الأنبياء من حيث وقوعه صفة لهم، وإنه باطل
إجماعاً، وبالله التوفيق)).
استطراد:
حكي أن القاضي عبد الجبار الهمداني - أحد شيوخ المعتزلة - دخل على الصاحب بن
عباد، وعنده الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني أحد أئمة أهل السنة، فلما رأى الأستاذ قال:
سبحان من تنزه عن الفحشاء. فقال الأستاذ فوراً: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، فقال
القاضي أيشاء ربنا أن يعصى؟ فقال الأستاذ: أيعصى ربنا قهراً؟ فقال القاضي: أرأيت إن منعني
الهدى، وقضى علي بالردى: أحسن إليّ أم أساء؟ فقال الأستاذ: إن منعك ما هو لك. فقد
أساء، وإن منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء، فبهت القاضي.
وعلى هذا قول أحد الزنادقة :
تحير دُلُوَّهُ بأوضح حجة
أيا علماء الدين ذمي دينكم
ولم يرضه مني فما وجه حيلتي
إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم
وبقية أبيات هذا الزنديق مذكورة في اليواقيت والجواهر للشعراني. وقد قيل: إن قائل هذا
الكلام هو آمن البقتي، المقتول على الزندقة في زمن شيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد،
وأول من أجاب عنه الإمام علاء الدين الباجي، وخلاصته أن الواجب الرضا بالتقدير لا
بالمقدور، وكل تقدير يرضى به لكونه من قبل الحق، ثم المقدور ينقسم إلى ما يجب الرضاء به
كالإيمان، وإلى ما يحرم الرضاء به ويكون الرضاء به كفراً كالكفر، وإلى غير ذلك، وقد أخذ
أهل العصر هذا الجواب، فنظموه على طبقاتهم في النظم، والكل مشتركون في جواب واحد،
وفيه تطويل لا يليق إيراده بهذا الموضع، وقد أوردها ابن السبكي بتمامها، فراجع الطبقات. هذا
ما لخصته من شرح إحياء العلوم للسيد مرتضى الزبيدي الحنفي.
وقال الحافظ ابن القيم تقّه: كيف يريد الله سبحانه أمراً لا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يشاؤه
ويكونه؟ وكيف تجتمع إرادة الله له وبغضه وكراهيته؟.
قيل: هذا السؤال هو الذي افترق الناس لأجله فِرَقاً، وتباينت عنه طرقهم وأقوالهم، فاعلم
أن المراد نوعان: مراد لنفسه، ومراد لغيره، فالمراد لنفسه: مطلوب محبوب لذاته، وما فيه من
الخير فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد. والمراد لغيره: قد لا يكون في نفسه مقصوداً للمريد،
ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده فهو مكروه له من حيث

٤٥٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
نفسه وذاته، مراد له من حيث إفضائه وإيصاله إلى مراده، فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته،
ولا يتنافيان باختلاف متعلقهما، وهذا كالدواء المتناهي في الكراهة إذا علم متناوله أن فيه
شفاءه، وكقطع العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء الجسد، وكقطع المسافة الشاقة جداً إذا
علم أنها توصله إلى مراده ومحبوبه، بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظن
الغالب، وإن خفيت عنه عاقبته وطويت عنه مغبّته، فكيف بمن لا تخفى عليه العواقب، فهو
سبحانه وتعالى يكره الشيء ويبغضه في ذاته، ولا ينافي ذلك إرادته لغيره. وكونه سبباً إلى ما هو
أحب إليه من فوته.
مثال ذلك: أنه سبحانه خلق إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات
والإرادات. وهو سبب شقاوة العبيد وعملهم بما يغضب الرب تبارك وتعالى، وهو الساعي في
وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه بكل طريق وكل حيلة، فهو مبغوض للرب سبحانه وتعالى
مسخوط له - لعنه الله ومقته وغضب عليه - ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى
ترتَّبت على خلقه، وجودها أحب إليه من عدمها. منها: أن تظهر للعباد قدرة الرب تعالى على
خلق المتضادات المتقابلات، فخلق هذه الذات التي هي من أخبث الذوات وشرها، وهي سبب
كل شر في مقابلة ذات جبريل وّ التي هي أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، وهي مادة كل
خير، فتبارك الله خالق هذا وهذا، كما ظهرت لهم قدرته التامة في خلق الليل والنهار، والضياء
والظلام، والدَّاء والدَّواء، والحياة والموت، والحر والبرد، والحسن والقبيح، والأرض
والسماء، والماء والنار، والخير والشر، وذلك من أدل الدلائل على كمال قدرته وعزته وسلطانه
وملكه، فإنه خلق هذه المتضادات، وقابل بعضها ببعض، وسلط بعضها على بعض، وجعلها
محال تصرفه وتدبيره وحكمته، فخلو الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه
و تدبير مملكته .
ومنها: ظهور آثار أسمائه القهرية، مثل القهار، والمنتقم، والعدل، والضار، وشديد
العقاب، وسريع الحساب، وذي البطش الشديد، والخافض، والمذل، فإن هذه الأسماء
والأفعال كمال، فلا بد من وجود متعلقها، ولو كان الخلق كلهم على طبيعة المَلَك لم يظهر أثر
هذه الأسماء والأفعال.
ومنها: ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وعتقه
لمن شاء من عبيده؛ فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء
لتعطّلت هذه الحكم والفوائد، وقد أشار النبيّ وَّيه إلى هذا بقوله: ((لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم،
ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم)).
ومنها : ظهور آثار أسماء الحكماء والخبرة، فإنه سبحانه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء

٤٥١
كتاب: الإيمان
فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ. قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ:
مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه، ولا ينزله غير منزلته التي
يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته، فلا يضع الحرمان والمنع موضع العطاء والفضل، ولا
الفضل والعطاء موضع الحرمان والمنع، ولا الثواب موضع العقاب، ولا العقاب موضع
الثواب، ولا الخفض موضع الرفع، ولا الرفع موضع الخفض، ولا العز مكان الذل، ولا الذل
مكان العز، ولا يأمر بما ينبغي النهي عنه، ولا ينهى عما ينبغي الأمر به، فهو أعلم حيث يجعل
رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها، ويشكره على انتهائها إليه ووصولها، وأعلم بمن لا يصلح
لذلك ولا يستأهله، وأحكم من أن يمنعها أهلها ويضعها عند غير أهلها، فلو قدر عدم الأسباب
المكروهة البغيضة له لتعطلت هذه الآثار، ولم تظهر لخلقه، ولفاتت الحكمة والمصالح المترتبة
عليها، وفواتها شر من حصول تلك الأسباب، فلو عُطّلت تلك الأسباب لما فيه من الشر لتعطل
الخير الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب، وهذا كالشمس والمطر والرياح التي فيها
من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر والضرر. فلو قدر تعطيلها لئلا
يحصل منها ذلك الشر الجزئي لتعطل من الخير ما هو أعظم من ذلك الشر بما لا نسبة بينه
وبینه)) اهـ.
ثم قال تتّثُ بعد ما فصل الحكم والأسرار المودعة في خلق ما لا يحبه الله تفصيلاً ما
رأيناه في كلام أحد: ((وبالجملة فالعبودية والآيات والعجائب التي ترتبت على خلق ما لا يحبه
ولا يرضاه وتقديره ومشيئته أحب إلى الله سبحانه وتعالى من فواتها وتعطيلها بتعطيل أسبابها، فإن
قلت: فهل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟ فهذا سؤال باطل. إذ هو فرض
وجود الملزوم بدون لازمه، كفرض وجود الابن بدون الأب، والحركة بدون المتحرك، والتوبة
بدون التائب)) اهـ.
وتفصيل المذاهب في مسألة القضاء والقدر مع ما لها وما عليها مبسوط في كتب العقائد
والكلام، من شاء فليراجعها، وفيما ذكرناه كفاية للمنصف الممعن إن شاء الله تعالى، بل هو
أزيد من قدر الكفارة باعتبار غرضنا الذي نحن بصدده في هذا الشرح. والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل.
قوله: (فأخبرني عن الإحسان) إلخ: هو مصدر يتعدى بنفسه وبغيره، تقول: أحسنت كذا :
إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان: إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو المراد لههنا، وهو المعهود
ذهناً في الآيات القرآنية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الُْسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [سورة يونس، آية: ٢٦] و ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ
إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ [سورة الرحمن، آية: ٦٠] ﴿وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة البقرة، آية: ١٩٥].
قوله: (أن تعبد الله كأنك تراه) إلخ: قال الحافظ في الفتح: ((أشار في الجواب إلى
حالتين، أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق، حتى كأنه يراه بعينه، وهو قوله: ((كأنك تراه))

٤٥٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
والثانية أن يستحضر أن الحق مطلع عليه، يرى كل ما يعمل، وهو قوله: ((فإنه يراك)) وهاتان
الحالتان يثمرهما معرفة الله وخشيته، وقد عبر في رواية عمارة بن القعقاع بقوله: ((أن تخشى الله
كأنك تراه» وكذا في حديث أنس.
وقال النووي: ((إنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة، وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى، لم
يترك شيئاً مما يقدر عليه، من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه،
على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها، إلا أتى به، فقال ◌َلهير: اعبد الله في جميع أحوالك،
كعبادتك في حال العيان، فإن التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع الله
سبحانه وتعالى عليه، فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال للاطلاع عليه، وهذا المعنى
موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه، فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في
العبادة ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك، وقد ندب أهل
الحقائق إلى مجالسة الصالحين؛ ليكون ذلك مانعاً من تلبسه بشيء من النقائص احتراماً لهم
واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعاً عليه في سره وعلانيته؟! فحاصل معنى
الحديث: أنك إنما تراعي الآداب المذكورة إذا كنت تراه ويراك، لكونه يراك، لا لكونك تراه،
فهو دائماً يراك، فأحسن عبادته، وإن لم تره، فتقدير الحديث: ((فإن لم تكن تراه فاستمر على
إحسان العبادة؛ فإنه يراك)) اهـ.
قال السندي في حاشية البخاري: ((والحاصل أن الإحسان هو مراعاة الخشوع والخضوع
وما في معناهما في العبادة على وجه مراعاته لو كان رائياً؛ ولا شك أنه لو كان رائياً حال العبادة
لما ترك شيئاً مما قدر عليه من الخشوع وغيره، ولا منشأ لتلك المراعاة حال كونه رائياً إلا كونه
رقيباً عالماً مطلعاً على حاله، وهذا موجود، وإن لم يكن العبد يراه تعالى، ولذلك قال وَل في
تعليله: ((فإنه لم تكن تراه فإنه يراك)) أي: وهو يكفي في مراعاة الخشوع على ذلك الوجه، ((فإن))
على هذا وصلية لا شرطية، والله تعالى أعلم)).
وهذا من جوامع كلمه ◌ّ﴾: إذ هو شامل لمقام المشاهدة، ومقام المراقبة، ويتضح لك
ذلك بأن تعرف أن للعبد في عبادته ثلاثة مقامات:
الأول: أن يفعلها على الوجه الذي تسقط معه وظيفة التكليف باستيفاء الشرائط والأركان.
الثاني: أن يفعلها كذلك، وقد استغرق في بحار المكاشفة، حتى كأنه يرى الله تعالى،
وهذا مقامه وَّل، قال: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)) لحصول الاستلذاذ بالطاعة، والراحة
بالعبادة، وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه، وهو ثمرة امتلاء زوايا
القلب من المحبوب، واشتغال السر به، ونتيجته نسيان الأحوال من المعلوم، واضمحلال
الرسوم.

٤٥٣
كتاب: الإيمان
فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ.
الثالث: أن يفعلها وقد غلب عليه أن الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المراقبة، فقوله:
((فإن لم تكن تراه)) نزول عن مقام المكاشفة إلى مقام المراقبة، أي: إن لم تعبده وأنت من أهل
الرؤية المعنوية فعبده، وأنت بحيث إنه يراك، وكل من المقامات الثلاث إحسان إلا أن الإحسان
الذي هو شرط في صحة العبادة إنما هو الأول؛ لأن الإحسان بالآخرين من صفة الخواص،
ويتعذر من كثيرين. قاله القسطلاني في شرح البخاري. وبعض مراتب الإحسان قد فصله الشيخ
بدر الدين العيني تَّهُ تعالى، تركناه مخافة الخروج عن المقصود.
قيل: وفي قوله: ((كأنك تراه)» دليل لما هو الحق من أن رؤية الله في الدنيا لا تقع؛ لحديث
مسلم: ((واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا))، قال الإمام مالك تخافه: ((لأن البصر في الدنيا
خلق للفناء، فلم يقدر على رؤية (الباقي)))، بخلافه في الآخرة، فإنه لما خلق للبقاء الأبدي قوي
وقدر على نظر ((الباقي)) سبحانه، فرؤيته وَّير ليلة الإسراء بعين رأسه - على القول به - إما على أنه
مستثنى، وإما لكونه في الملكوت الأعلى الذي لا يصدق عليه الدنيا، ونزاع المعتزلة معروف في
هذه المسألة)) كذا في المرقاة، وتحقيق المسألة سيأتي في محله إن شاء الله. ولبعض غلاة
الصوفية مقال في معنى هذا الحديث، رده الحافظ وغيره من شراح البخاري. ووجَّهه علي
القاري في شرح المشكاة ليس في ذكره کبیر طائل.
قال القاضي عياض تثُّ تعالى: ((وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف
العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من
آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه)). وقال القرطبي: ((هذا
الحديث يصلح أن يقال له: ((أم السنة)) لما تضمنه من جمل علم السنة)). وقال الطيبي: ((لهذه
النكتة استفتح به البغوي كتابيه ((المصابيح))، و((شرح السنة)) اقتداء بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة،
لأنها أم القرآن، وتضمنت علوم القرآن إجمالاً)).
قوله: (فأخبرني عن الساعة) إلخ: أي عن وقت قيامها، سمى الساعة: ساعة، وإن طال
زمنها، اعتباراً بأول زمانها، فإنها تقع بغتة، أو لسرعة حسابها، أو على العكس لطولها، أو
تفاؤلاً كالمفازة: للمهلكة، أو لأنها عند الله كساعة عند الخلق. كذا في الكشاف.
والساعة لغة: مقدار غير معين من الزمان، وعرفاً جزء من أربعة وعشرين جزءاً من أوقات
الليل والنهار، قيل: والساعة كما تطلق على القيامة، وهي الساعة الكبرى، تطلق على موت أهل
القرن الواحد، وهي الساعة الوسطى، كما في قوله والله حين سألوه عن الساعة، فأشار إلى
أصغرهم: ((إن يعش هذا لا يدركه الهرم، حتى تقوم عليكم ساعتكم)) إذ المراد انقضاء عصرهم،
ولذا أضاف إليهم. وعلى الموت، وهي الساعة الصغرى، وورد: ((من مات فقد قامت قيامته)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ولا يختلج في صدر أحد أن بين الإسلام والإيمان

٤٥٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
والإحسان مناسبة جلية وعلاقة بينة، وأما ذكر الساعة فلا وجه لإيراده لههنا في بادىء النظر، فإنه
ليس إلا تعام عن مدارك الحق واليقين، وتغافل عن مقاصد مبدع العالمين.
وتفصيل ذلك على ما استخرجنا من مصنفات شيخ شيخنا العارف بالله محمد قاسم
النانوتوي نور الله مرقده :
إن المقصد الوحيد من خلق العالم بجميع أجزائه هي العبادة فقط، وكل ما سوى ذلك فإنما
هو داخل في مبادئها ومعداتها وتوابعها وثمراتها، فإن الله تعالى جلت قدرته إنما فطر السموات
والأرض وما بينهما للناس، وما خلقهم إلا ليعبدوا، فالدنيا إنما خلقت لنا، ونحن خلقنا للآخرة
والعبادة.
أما الأول: فتنادي به النصوص الكثيرة، قال عز وجل: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا
ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٩] وقال: ﴿سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَوَتِ
وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ [سورة لقمان، آية: ٢٠] وغير ذلك من الصرائح التي لا تعد ولا تحصى.
وأما الثاني: فقد نطق به النص الصريح: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (@)﴾ [سورة
الذاريات، آية: ٥٦] وقد جمع الله سبحانه وتعالى كلا المضمونين في آية واحدة حيث قال: ﴿يَتَأَيُّهَا
الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا
النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّعَرَتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
﴾ [سورة البقرة، الآيتان: ٢١ - ٢٢] والمحققون لهذا الشأن - كأمثال شيخ شيخنا قدس سرّه - شيدوه
٢٢
بالبراهين والحجاج، وأتوا بتقارير مفصلة؛ بحيث لا يسري إليه الجدل واللجاج، فمن أراد
البسط كشفاً ووضوحاً فليراجعها .
وبالجملة فإذا كان الحال على هذا المنوال فمتى تبلغ العبادة إلى مرقاة الكمال إحساناً
وجمالاً، تقضي الحاجة، فتحل الساعة، فإن بعد إزالة الداء لا حاجة إلى الدواء، والزرع إذا
أخرج شطأه، وآزره، واستوى على سوقه، وصارت سنابله يانعة صفراء يجعل حطاماً، كهشيم
تذروه الرياح، وإليه أشار النبيّ وَ ل﴿ في قوله: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) وغير ذلك من
الأحاديث الواردة المشيرة إليه.
وبيان ذلك: أن تكميل العبادة له صورتان، إما بكثرة العابدين كمَّا ووعداً. أو بأداء
وظائف العبودية على وجه الكمال كيفاً وحالاً، وكان النبيّ وَّر أكمل عابد كيفاً، لأكمل معبود
جلالاً وجمالاً، فكأن بعد بزوغ شمس النبوة الكبرى وطلوع شارق الخلافة العظمى تم الأمر،
وحصل المراد من وجه، نعم! تكميلها كماً وعدداً باق بعد، وإليه أومأ ◌َّر بالتفاوت الذي هو
بين السبابة والوسطى، فمتى يعم الإسلام براً وبحراً، سهلاً وجبلاً، ويدخل تحت لوائه من كل

٤٥٥
كتاب: الإيمان
قَالَ: مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ
رَبَّتَهَا ، وَأَنْ تَرَى
أحمر وأسود، حتى لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله الإسلام بعز
عزيز وذل ذليل، فتبث الجبال بثاً، وتمور السماء موراً، وتدك الأرض دكاً دكاً، وجاء ربك
والملك صفاً صفاً، وإذا ثبت هذا: فلا أظنك شاكاً في أن ليس بعد السؤال عن كمال العبادة
الذي عبره جبريل ظلّ بالإحسان إلا السؤال عن إتيان الساعة، فإن الساعة كما ذكرنا مرتبة على
الإحسان طبعاً، ولذا توبعت ذكراً. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
قوله: (قال: ما المسؤول عنها بأعلم) إلخ: وفي رواية أبي فروة: ((فنكس فلم يجيبه، ثم
أعاد، فلم يجبه، ثلاثاً، ثم رفع رأسه، فقال: ((ما المسؤول عنها)) إلخ. وزيادة الباء الموحدة في
قوله: ((بأعلم)) لتأكيد معنى النفي، والمراد نفي علم وقتها، لأن علم مجيئها مقطوع به، فهو علم
مشترك، وهذا وإن أشعر بالتساوي في العلم إلا أن المراد التساوي في العلم بأن الله استأثر بعلم
وقت مجيئها لقوله بعد: ((في خمس لا يعلمهن إلا الله)) وليس السؤال عنها ليعلم الحاضرون
كالأسئلة السابقة، بل لينزجروا عن السؤال عنها، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [سورة
الأحزاب، آية: ٦٣] فلما وقع الجواب بأنه لا يعلمها إلا الله تعالى، كفوا.
وهذا السؤال والجواب وقعا بين عيسى ابن مريم وجبريل عليهما الصلاة والسلام، كما في
نوادر الحميدي، لكن كان عيسى هو السائل، وجبريل هو المسؤول، ولفظه: ((حدثنا سفيان
حدثنا مالك بن مغول عن إسماعيل بن رجاء عن الشعبي قال: سأل عيسى ابن مريم جبريل عن
الساعة، قال: فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)).
قوله: (من السائل) إلخ: لم يقل: لست بأعلم بها منك، كما يقتضيه المقام ظاهراً، ليشعر
بالتعميم، تعريضاً للسامعين أن كل سائل ومسؤول فهو كذلك.
قوله: (فأخبرني عن أماراتها) إلخ: بفتح الهمزة، والأمارة والأمار بإثبات الهاء وحذفها
هي العلامة، والمراد علاماتها السابقة عليها، أو مقدماتها لا المقارنة لها .
قوله: (أن تلد الأمة ربتها) إلخ: وفي الرواية الأخرى: ((ربها)) على التذكير، وفي
الأخرى: ((بعلها)) والبعل لههنا هو الرب والسيد، قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَنَدْعُونَ
بَعْلًا﴾ [سورة الصافات، آية: ١٢٥] أي: رباً، وهذا كناية عن كثرة أولاد السراري، حتى تصير الأم
كأنها أمة لابنها، من حيث إنها ملك لأبيه، أو إن الإماء تلدن الملوك فتصير الأم من جملة
الرعايا، والملك سيد رعيته، أو كناية عن فساد الحال لكثرة بيع أمهات الأولاد، فيتداولهن
الملأَّك، فيشتري الرجل أمه وهو لا يشعر، أو هو كناية عن كثرة العقوق، بأن يعامل الولد أمه
معاملة السيد أمته في الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ((ربها)) مجازاً كذلك.

٤٥٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ، الْعَالَةَ، رِعَاءَ الشَّاءِ، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ.
وأما رواية ((ربتها)) بتاء التأنيث فهي على النسمة، ليشمل الذكر والأنثى، قال الحافظ في الفتح:
((أو المراد بالرب المربي، فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه، ولأن المقام يدل
على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة، ومحصله الإشارة إلى أن
الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير المُرَبّ مربياً، والسافل عالياً، وهو
مناسب لقوله في العلامة الأخرى ((أن تصير الحفاة العراة ملوك الأرض)) اهـ. وما أحسن قول
القائل :
فقد طـابـت منادمـة المـنـايـا
إذا التحق الأسافل بالأعالي
قوله: (الحفاة) إلخ: جمع الحافي، وهو من لا نعل له.
قوله: (العراة) إلخ: جمع العاري، وهو صادق على من يكون بعض بدنه مكشوفاً مما
ينبغي أن يكون مليوساً .
قوله: (العالة) إلخ: جمع عائل من ((عال يعيل)): إذا افتقر، أو من عال يعول، إذا افتقر
و کثر عیاله.
قوله: (رعاء الشاء) إلخ: بكسر الراء والمد، جمع راع كتاجر وتجار، والشاء جمع شاة،
والأظهر أنه اسم جنس .
قوله: (يتطاولون في البنيان) إلخ: أي: يتفاضلون في ارتفاعه وكثرته، ويتفاخرون في
حسنه وزينته. ومعناه: أن أهل البادية وأشباههم من أهل الفاقة تبسط لهم الدنيا ملكاً، أو ملكاً،
فيتوطنون البلاد، ويبنون القصور المرتفعة، ويتباهون فيها، فهو إشارة إلى تغلب الأراذل، وتذلل
الأشراف، وتولي الرياسة من لا يستحقها، وتعاطي السياسة من لا يستحسنها. وقيل: إشارة إلى
اتساع دين الإسلام.
قال القرطبي: ((المقصود الإخبار عن تبدل الحال، بأن يستولي أهل البادية على الأمر
ويتملكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان، والتفاخر به، وقد
شاهدنا ذلك في هذه الأزمان، ومنه الحديث الآخر: ((لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس
بالدنيا لكع بن لكع)) ومنه: إذا وسد الأمر - أي: أسند - إلى غير أهله فانتظروا الساعة)).
وقال الطيبي: ((المقصود أن علاماتها انقلاب الأحوال، وأنشدت الملكة بنت النعمان،
حیث سبيت وأحضرت بين يدي سعد بن أبي وقاص رقڅته :
إذا نحن فيهم سوقة نتنصف
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا
تقلب تارات بنا وتصرف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها
والسوقة: الرعية من الناس، وننصف من فلان: طلب منه الإنصاف.

٤٥٧
كتاب: الإيمان
فَلَبِثَ مَلِيًّا. ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ
جِبْرِيلُ. أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)).
٩٤ - (٢) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِيُّ، وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ،
قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَطَرِ الْوَرَّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
يَعْمَرَ ؛ قَالَ: لَمَّا تَكَلَّمَ مَعْبَدٌ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ فِي شَأْنِ الْقَدَرِ، أَنْكَرْنَا ذَلِكَ. قَالَ: فَحَجَجْتُ أَنَا
قوله: (فلبث ملياً) إلخ: وفي رواية: فلبثت - بصيغة المتكلم - والملي: بفتح الميم وتشديد
الياء من الملاوة، إذ المهموز بمعنى الغني، أي: زماناً أو مكثاً طويلاً، وبينته رواية أبي داود
والنسائي والترمذي: ((قال عمر: فلبثت ثلاثاً)) وفي رواية للترمذي: ((فلقيني النبيّ ◌َّو بعد ثلاث))
وفي شرح مسلم: ((هذا مخالف لرواية أبي هريرة من أنه عليه الصلاة والسلام ذكره في المجلس.
اللهم إلا أن يقال: إن عمر لم يحضر في الحال، بل قام فأخبر الصحابة، ثم أخبر عمر بعد ثلاثة
أيام)) قال الحافظ: ((هو جمع حسن بين الروايات)).
قوله: (يا عمر أتدري من السائل) إلخ: قال الحافظ في الفتح: ((وأما ما وقع في رواية
النسائي في آخر الحديث: ((وإنه جبريل نزل في صورة دحية الكلبي)) فإن قوله: ((نزل في صورة
دحية الكلبي)) وهم؛ لأن دحية معروف عندهم، وقد قال عمر نظراته: ((ما يعرفه منا أحد)) اهـ.
قلت: نزوله في صورة دحية الكلبي لا ينفي كون شخصه غير معروف عندهم، لإمكان
انتفاء كونه دحية حقيقة بوجوه أخر خارجية، مثل أن يكون دحية الصحابي موجوداً في مجلسهم
قبل نزول جبريل مثلاً . فتأمل.
قوله: (فإنه جبريل) إلخ: بكسر الجيم وفتحها، مع كسر الراء، بعدها ياء، وبفتحها وهمزة
مكسورة مع ياء، وتركها أربع لغات متواترات، والأول أشهر وأكثر.
قوله: (أتاكم يعلم الناس دينهم) إلخ: أي: قواعد دينهم وكلياتها. قال ابن المنير: ((فيه
دلالة على أن السؤال الحسن يسمى علماً وتعليماً، لأن جبريل ظل لم يصدر منه سوى السؤال،
ومع ذلك فقد سماه معلماً، وقد اشتهر قولهم: ((السؤال نصف العلم)).
٢ - ( ... ) - قوله: (محمد بن عبيد الغبري) إلخ: بضم الغين المعجمة وفتح الموحدة.
قوله: (أبو كامل الجحدري) إلخ: اسمه الفضل بن حسين، وهو بفتح الجيم بعدها حاء
ساكنة .
قوله: (أحمد بن عبدة) إلخ: بإسكان الباء.
قوله: (مطر الوراق) إلخ: هو مطر بن طهمان أبو رجاء الخراساني، سكن البصرة، كان
يكتب المصاحف، فقيل له: الوراق.

٤٥٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْحِمْيَرِيُّ حِجَّةً. وَسَاقُوا الْحَدِيثَ. بِمَعْنَى حَدِيثٍ كَهْمَسٍ وَإِسْنَادِهِ.
وَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانُ أَحْرُفٍ.
٩٥ - (٣) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا
عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَّيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَحُمَيْدٍ بْنِ عَبْدٍ
الرَّحْمُنِ؛ قَالاَ: لَقِينَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ. فَذَكَرْنَا الْقَدَرَ وَمَا يَقُولُونَ فِيهِ. وَاقْتَصَّ(١) الْحَدِيثَ
كَنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، وَفِيهِ شَيْءٌ مِنْ زِيَادَةٍ، وَقَدْ نَقَصَ
مِنْهُ شَيْئاً .
٩٦ - (٤) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّرَ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.
٩٧/ - وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ عُلَيَّةَ، قَالَ
زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي حَيَّنَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ(٢)؛ قَالَ:
قوله: (حجة) إلخ: بكسر الحاء وفتحها لغتان.
٤ - ( ... ) - قوله: (حجاج بن الشاعر) إلخ: هو حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفي أبو
محمد البغدادي، وهو غير الحجاج الوالي الظالم المعروف.
٥ - (٩) - قوله: (أبو بكر بن أبي شيبة) إلخ: اسمه عبد الله، وأخواه عثمان: أبي شيبة
والقاسم بن أبي شيبة، وأبوهم محمد، وجدهم أبو شيبة إبراهيم.
قوله: (عن ابن علية) إلخ: أي: إسماعيل بن إبراهيم بن سهم بن مقسم أبو بشر مولى بني
أسد بن خزيمة، المشهور بابن علية - بضم العين وفتح اللام وتشديد الباء - منسوب إلى أمه،
وكانت علية امرأة عاقلة نبيلة، وكان صالح المري ووجوه أهل البصرة وفقهائها يدخلون عليها،
فتبرز لهم وتحادثهم وتسائلهم. كذا ذكره الشيخ بدر الدين العيني كثُّهُ في شرح البخاري.
قوله: (عن أبي حيان) إلخ: بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء المثناة تحت، واسمه
يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي التيمي، ونسبته إلى تيم الرباب، وحيان إما مشتق من ((الحياة))،
فلا ينصرف، أو من ((الحين)) فينصرف، وأبو حيان هذا غير تابعي، وقد روى عنه تابعيان كبيران:
أيوب والأعمش.
قوله: (عن أبي زرعة) إلخ: اسمه هرم بن عمرو بن جرير البجلي، وقيل: غير ذلك.
(١) في نسخة: فافتص، من المؤلف.
(٢) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل =

٤٥٩
كتاب: الإيمان
((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَهِ يَوْماً بَارِزاً لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِيمَانُ؟
قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وَلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ قَالَ:
قوله: (بارزاً للناس) إلخ: أي: ظاهراً لهم غير محتجب عنهم، والبروز الظهور، وفي
رواية أبي فروة: ((كان رسول الله وَله يجلس بين أصحابه، فيجيء الغريب، فلا يدري أيهم هو؟
فطلبنا إليه أن نجعل له مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبنينا له دكاناً من طين كان يجلس
عليه، ووقع في رواية ابن مندة من طريق يزيد بن زريع عن كهمس ((بينا رسول الله وَل* يخطب، إذ
جاءه رجل)) - فكأن أمره لهم بسؤاله (بقوله: سلوني) - وقع في خطبته - وظاهره أن مجيء الرجل
كان في حال الخطبة، فإما أن يكون وافق انقضاءها، أو كان ذكر ذلك القدر جالساً، وعبر عنه
الراوي بالخطبة، كذا في الفتح.
قوله: (ولقائه) إلخ: قيل: إنها مكررة، لأنها داخلة في الإيمان بالبعث، والحق أنها غير
مكررة، فقيل: المراد بالبعث: القيام من القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء
يحصل بالانتقال من دار الدنيا، والبعث بعد ذلك، ويدل على هذا رواية مطر الوراق فإن فيها :
(وبالموت وبالبعث بعد الموت)) وكذا في حديثي أنس وابن عباس، وقيل: المراد باللقاء رؤية
الله تعالى، ذكره الخطابي، وتعقبه النووي بأن أحداً لا يقطع لنفسه برؤية الله، فإنها مختصة بمن
مات مؤمناً، والمرء لا يدري بم يختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان؟ وأجيب بأن
المراد الإيمان بأن ذلك حق في نفس الأمر، وهذا من الأدلة القوية لأهل السنة في إثبات رؤية
الله تعالى في الآخرة إذ جعلت من قواعد الإيمان.
قوله: (ورسله) إلخ: وهذا الترتيب في الحديث بين الملائكة والكتب والرسل مطابق للآية
﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونُّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَبِكَئِهِ، قَكُهِ، وَرُسُلِهِ﴾ [سورة البقرة، آية:
٢٨٥].
قوله: (وتؤمن بالبعث الآخر) إلخ: قال العلامة السفاريني كثّفُهُ: ((اعلم أنه يجب الجزم
شرعاً أن الله تعالى يبعث جميع العباد، ويعيدهم بعد إيجادهم بجميع أجزائهم الأصلية، وهي
التي من شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره، ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء، فإن هذا
حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، مع كونه من الممكنات التي أخبر بها الشارع،
النبي * عن الإيمان والإسلام والإحسان، رقم (٥٠). وفي كتاب التفسير، سورة لقمان. باب إن الله عنده
علم الساعة، رقم (٤٧٧٧) والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه، باب صفة الإيمان والإسلام، رقم
(٤٩٩٤).
وأبو داود في سننه في كتاب السنة، باب في القدر، رقم (٤٦٩٨) وابن ماجه في سننه في المقدمة، باب في
الإيمان، رقم (٦٤).

٤٦٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وكل ما هو كذلك فهو ثابت، والإخبار عنه مطابق، والأصل في ما لا دليل على وجوبه ولا على
امتناعه الإمكان، كما يقوله الحكماء والمتكلمون من: «أن كل ما قرع سمعك من الغرائب قدِّره
في حيز الإمكان ما لم يردّك عنه قائم البرهان)) فمن زعم عدم إعادة المعدوم ألزم بالمبدء، فإن
المعاد مثل المَبْدَءِ بل هو عينه، أو أيسر، كما لا يخفى، وتقدم أن الأنبياء تأتي بما تدركه العقول
أو تتحير فيه، ولا تأتي بما تحيله العقول أبداً، فتأتي بمحارات العقول لا بمحالات العقول،
وإمكان المعاد لأنه: إما إيجاد ما انعدم، أو جمع ما تفرق، أو حيٍّ بعدما أميت، وهذه كلها
ممكنة لا إحالة في شيء من ذلك أصلاً، مع ما تواتر من إخبار الأنبياء والكتب السماوية، ولا
سيما في القرآن العظيم والذكر الحكيم ما لا مزيد عليه مثل: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِنِهِمٌّ لَا يَبْعَثُ
اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [سورة النحل، آية: ٣٨] (١). ﴿قُلْ بَى وَرَبِّ لَُعَثُنَّ﴾ [سورة التغابن، آية: ٧] ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ
[سورة المؤمنون، آية: ١٦] ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [سورة يس،
٠
اُلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ
آية: ٥١]، ﴿فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرََّّ﴾ [سورة الإسراء، آية: ٥١]، ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَنُ أَلَّنْ
بَى قَدِرِينَ عَلَى أَن نَُّوِىَ بَنَهُ (١)﴾ [سورة القيامة، الآيتان: ٤.٣]، ﴿يَوْمَ تَشَفَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ
نَْعَ عِظَامَهُ.
سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (﴾﴾ [سورةٍ قَ، آية: ٤٤] ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ﴾ [سورة الأعراف، آية: ٢٩]
﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوْلَ خَلْقِ تُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاً﴾ [سورة الأنبياء، آية: ١٠٤] ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَىَّ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [سورة يس، آية: ٨١] ﴿وَيُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَاْ وَكَذَلِكَ
تُخْرَجُونَ﴾ [سورة الروم، آية: ١٩] والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة جداً)) اهـ.
والذي أوقد السراج أي: شيء يمنعه من القدرة على إطفائه وإيقاده مرة أخرى، وقد ذكر
شيخ شيخنا قدس الله سرّه في بعض مصنفاته الهندية شواهد ونظائر تقرب إلى الأفهام وقوع
البعث والحشر إلى الجنة والنار، وتزيل استبعاد العقول، وشيخ شيخنا وكذا العلامة حسين بن
محمد الطرابلسي رحمهما الله تعالى قد أطنبا في كتبهما في الرد على منكري البعث، وأتيا في
هذه المسألة وسائر أصول الإسلام بأدلة شامخة وتقريرات رائقة، فيها مقنع وكفاية الأولي
الألباب، وشفاءٌ لمرضى الأوهام الحديثة التي أخذت من أقوال ملاحدة أُورُبًّا وتلبيساتهم، فمن
أراد الطمأنينة وانشراح الصدر، والخلاص من أمثال هذه الشكوك والشبهات، الذي تعتري
ضعفاء الإيمان والديانة، فليوطن نفسه على مطالعة مصنفات هذين الفاضلين الجليلين،
ومصنفات الشيخ الأجل ولي الله الدهلوي تغذفهُ والعلامة الشهيد الدهلوي تقذفهُ وغيرهم ممن سلك
مسلكهم في إثبات المعتقدات الإسلامية بأبلغ بيان وأحسن طريق. والله الموفق وهو يقول الحق
ويهدي السبيل.
(١) وتمام الآية: ﴿بل وعداً عليه حقاً ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [النحل: ٣٨].