النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
مقدمة المؤلف
٤٦ - (٠٠٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ قَالَ:
قَالَ عَلْقَمَةُ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فِي سَنَيْنٍ. فَقَالَ الْحَارِثُ: الْقُرْآنُ هَيِّنٌ. الْوَحْيُ أَشَدُّ .
٤٧ - (٠٠٠) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ، حَدَّثَنَا
زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ أَنَّ الْحَارِثَ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْقُرْآنَ فِي ثَلاَثِ سِنِينَ،
وَالْوَحْيَ فِي سَنَّتَيْنِ. أَوْ قَالَ: الْوَحْيَ فِي ثَلاَثِ سِنِينَ. وَالْقُرْآنَ فِي سَنَتَيْنِ .
٤٨ - (٠٠٠) وحدّثني حَجَّاجْ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ - وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ - حَدَّثَنَا زَائِدَةُ،
عَنْ مَنْصُورٍ وَالْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ أَنَّ الْحَارِثَ اتُّهِمَ .
٤٩ - (٠٠٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، قَالَ: سَمِعَ
مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ مِنَ الْحَارِثِ شَيْئاً. فَقَالَ لَهُ: اقْعُدْ بِالْبَابِ. قَالَ: فَدَخَلَ مُرَّةٌ وَأَخَذَ سَيْفَهُ.
قَالَ: وَأَحَسَّ الْحَارِثُ بِالشَّرِّ، فَذَهَبَ.
٥٠ - (٠٠٠) وحدثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ - يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ -
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: قَالَ لَنَا إِبْرَاهِيمُ: إِيَّاكُمْ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ، ....
والثاني: أن يكون الرجل إنما ترك لأجل غلطه وسوء حفظه، أو يكون ممن أكثر فأصاب
وأخطأ، والحفاظ يعرفون خطأه من صوابه، فيدعون تخليطه ويستظهرون صحيح حديثه لموافقة
غيره، وبهذا احتج الثوري حين نهى عن الكلبي، فقيل له: وأنت تروي عنه؟ فقال: أنا أعلم
صدقه من كذبه، وهم لا يروون منها شيئاً للحجة بها، والعمل بمقتضاها .
قوله: (والوحي أشد) إلخ: وفي الرواية الآتية ((تعلمت القرآن في ثلاث سنين، والوحي في
سنتين))، أو قال: ((الوحي في ثلاث سنين والقرآن في سنتين)) وهذا الأخير يوافق الرواية الأولى،
قال النووي: ((قد ذكره مسلم في جملة ما أنكر على الحارث وجرح به وأخذ عليه من قبيح مذهبه
وغلوه في التشيع وكذبه، قال القاضي عياض: وأرجو أن هذا من أخف أقواله لاحتماله
الصواب، فقد فسره بعضهم بأن الوحي هنا: الكتابة ومعرفة الخط؛ قاله الخطابي، يقال: أوحى
ووحى: إذا كتب، وعلى هذا ليس على الحارث في هذا درك، وعليه الدرك في غيره، قال
القاضي: ولكن لما عرف قبح مذهبه، وغلوه في مذهب الشيعة، ودعواهم الوصية إلى علي نظر اته،
وسر النبيّ بِّر إليه من الوحي وعلم الغيب ما لم يطلع غيره عليه، بزعمهم سيء الظن بالحارث
في هذا، وذهب به ذلك المذهب، ولعل هذا القائل فهم من الحارث معنى منكراً فيما أراده،
والله أعلم)).
قوله: (وأحس الحارث بالشر) إلخ: أي: علم بأنه يريد قتله، ففر.
قوله: (والمغيرة بن سعيد) إلخ: هو الرافضي الكذاب، قال النووي: ((كوفي دجال أحرق

٣٦٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَأَبَا عَبْدِ الرَّحِيمِ، فَإِنَّهُمَا كَذَّابَانٍ .
٥١ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا
عَاصِمٌ، قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ السُّلَمِيَّ وَنَحْنُ غِلْمَةٌ أَيْفَاعٌ، فَكَانَ يَقُولُ لَنَا: لاَ
تُجَالِسُوا الْقُصَّاصَ غَيْرَ أَبِي الأَخْوَصِ، وَإِيَّاكُمْ وَشَقِيقاً. قَالَ: وَكَانَ شَقِيقٌ هُذَا يَرَى رَأْيَ
الْخَوَارِجِ، وَلَيْسَ بِأَبِي وَائِلٍ.
بالنار زمن النخعي. وادعى النبوة))(١) قال ابن عدي: لم يكن بالكوفة ألعن من المغيرة بن سعيد
فيما يروى عنه من الزور عن علي، وهو دائم الكذب على أهل البيت، ولا أعرف له حديثاً
مسنداً. وكذبه أبو جعفر وغيره من أئمة أهل البيت، وكان يقول: إن الله يأمر بالعدل: عليّ،
والإحسان: فاطمة وإيتاء ذي القربى: الحسن والحسين، وينهى عن الفحشاء والمنكر قال: فلان
أفحش الناس، والمنكر: فلان. وقيل له: أكان علي يحيي الموتى؟ قال: إي والذي نفسي بيده
لو شاء أحيى عاداً وثمود. كذا في الميزان.
قوله: (وأبا عبد الرحيم) إلخ: هو شقيق الضبي الكوفي القاص الذي سيأتي ذكره، وقيل:
سلمة بن عبد الرحمن النخعي.
قوله: (غلمة أيفاع) إلخ: بكسر الغين المعجمة وتسكين اللام، جمع غلام، واسم الغلام يقع
على الصبي من حين يولد على اختلاف حالاته إلى أن يبلغ، وقوله: ((أيفاع)) أي: شببة، قال القاضي
عياض: ((معناه بالغون، يقال: غلام يافع ويَفع ويَفعة بفتح الفاء فيهما: إذا شب وبلغ. أو كاد يبلغ.
قال الثعالبي: إذا قارب البلوغ أو بلغه، يقال له: يافع، وقد أيفع، وهو نادر. وقال أبو عبيدة: يفع
الغلام: إذا شارف الاحتلام، ولم يحتلم)) هذا آخر كلام القاضي. وكأن اليافع مأخوذ من اليفاع
بفتح الياء، وهو ما ارتفع من الأرض، قال الجوهري: ويقال: غلمان أيفاع ويفعة أيضاً.
قوله: (لا تجالسوا القصاص) إلخ: بضم القاف جمع قاص، وهو الذي يقرأ القصص على
الناس.
قوله: (وإياكم وشقيقاً) إلخ: قال عياض: ((هو شقيق الضبي الكوفي القاص، ضعفه
النسائي، كنيته أبو عبد الرحيم، قال بعضهم: وهو أبو عبد الرحيم الذي حذر منه إبراهيم قبل
هذا في الكتاب)) وقال في الميزان: ((هو من قدماء الخوارج، صدوق في نفسه، وكان يقص
بالكوفة، وكان أبو عبد الرحمن السلمي يذمه)).
قوله: (وليس بأبي وائل) إلخ: يعني: ليس هذا الذي نهى عن مجالسته بشقيق بن سلمة أبي
وائل الأسدي المشهور المعدود في كبار التابعين.
(١) نقله النووي عن كتاب الضعفاء للنسائي. انظر النووي (١٥/١).

٣٦٣
مقدمة المؤلف
٥٢ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو غَسَّانَ، مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيراً
يَقُولُ: لَقِيتُ جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ الْجُعْفِيَّ، فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ، كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ.
٥٣ - (٠٠٠) حدّثنا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ، قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ مَا أَحْدَثَ.
٥٤ - (٠٠٠ ) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: كَانَ
النَّاسُ يَحْمِلُونَ عَنْ جَابِرٍ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ مَا أَظْهَرَ، فَلَمَّا أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ فِي
قوله: (كان يؤمن بالرجعة) إلخ: بفتح الراء، ومعنى إيمانه بالرجعة هو: ما تقوله الرافضة
وتعتقد بزعمها الباطل أن علياً ربه في السحاب، فلا نخرج - يعني مع من يخرج من ولده - حتى
ينادي من السماء أن اخرجوا معه، وهذا [من] نوع أباطيلهم، وعظيم من جهالاتهم اللائقة
بأذهانهم السخيفة وعقولهم الواهية.
قال ابن معين في جابر الجعفي: كان كذاباً. وقال في موضع آخر: لا يكتب
حديثه، ولا كرامة. وقال الشعبي لجابر: يا جابر، لا تموت حتى تكذب على رسول الله وَله،
قال إسماعيل بن أبي خالد: فما مضت الأيام والليالي حتى اتهم بالكذب. وقال أبو حنيفة: ما
لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأي إلا جاءني فيه بأثر. وقال ابن
عدي: له حديث صالح، وشعبة أقل رواية عنه من الثوري، وقد احتمله الناس، وعامة ما قذفوه
به أنه كان يؤمن بالرجعة، وهو مع هذا إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق، روى له أبو داود في
السهو في الصلاة حديثاً واحداً من حديث المغيرة بن شعبة. وقال عقبة: ((ليس في كتاب جابر
الجعفي غيره)). وقال سفيان بن عيينة: سمعت من جابر الجعفي كلاماً فبادرت، خفت أن يقع
علينا السقف. وقال ابن قتيبة في ((مشكل الحديث)): كان جابر يؤمن بالرجعة، وكان صاحب
نيرنجات وشبه. وقال ابن حبان: كان سبائياً من أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان يقول: إن علياً
يرجع إلى الدنيا، فإن احتج محتج بأن شعبة والثوري رويا عنه قلنا: الثوري ليس من مذهبه ترك
الرواية عن الضعفاء، وأما شعبة وغيره فرأوا عنده أشياء فلم يصبروا عنها، وكتبوها ليعرفوها،
فربما ذكر أحدهم عنه الشيء بعد الشيء على جهة التعجب، ونقل في التهذيب توثيقه عن بعض
الأئمة الكبار رحمهم الله.
قوله: (قبل أن يحدث ما أحدث) إلخ: لعله الإيمان بالرجعة، كما سبق، وفي التهذيب:
((قال أبو بدر: كان جابر يهيج به مِرّة في السنة مَرّة، فيهذي ويخلط في الكلام، فلعل ما حكي
عنه كان في ذلك الوقت، وخرّج أبو عبيد في فضائل القرآن حديث الأشجعي عن مسعر: ثنا
جابر قبل أن يقع فيما وقع فيه، قال الأشجعي: ما كان من تغيير عقله، والله أعلم)).
قوله: (قال حدثنا سفيان) إلخ: قال النووي: هو سفيان بن عيينة.

٠
٣٦٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَدِيثِهِ، وَتَرَكَهُ بَعْضُ النَّاسِ. فَقِيلَ لَهُ: وَمَا أَظْهَرَ؟ قَالَ: الإِيمَانَ بِالرَّجْعَةِ.
٥٥ - (٠٠٠) وحدّثنا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ
وَأَخُوهُ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا الْجَرَّاحَ بْنَ مَلِيحِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِراً يَقُولُ: عِنْدِي سَبْعُونَ أَلْفَ
حَديثٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِّ وََّ، كُلُّهَا .
٥٦ - (٠٠٠) وحدثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: سَمِعْتُ
زُهَيْراً يَقُولُ: قَالَ جَابِرٌ: أَوْ سَمِعْتُ جَابِراً يَقُولُ: إِنَّ عِنْدِي لَخَمْسِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ، مَا
حَدَّثْتُ مِنْهَا بِشَيْءٍ. قَالَ: ثُمَّ حَدَّثَ يَوْماً بِحَدِيثٍ، فَقَالَ: هَذَا مِنَ الْخَمْسِينَ أَلْفاً.
٥٧ - (٠٠٠) وحدّثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدِ الْيَشْكُرِيُّ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْوَلِيدِ يَقُولُ:
سَمِعْتُ سَلَّمَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِراً الْجُعْفِيَّ يَقُولُ: عِنْدِي خَمْسُونَ أَلْفَ
حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ.
٥٨ - (٠٠٠) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ:
سَمِعْتُ رَجُلاً سَأَلَ جَابِراً عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَنْ أَبْرَعَ الْأَرْضَ حَّى يَأْذَنَ لِيِّ أَبِّ أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُ
لِّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠]. فَقَالَ جَابِرٌ: لَمْ يَجِىءْ تَأْوِيلُ هُذِهِ. قَالَ سُفْيَانُ: وَكَذَبَ.
فَقُلْنَا لِسُفْيَانَ: وَمَا أَرَادَ بِهِذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّافِضَةَ تَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا فِي السَّحَابِ. فَلاَ نَخْرُجُ
قوله: (أبو يحيى الحماني) إلخ: منسوب إلى حمان بكسر الحاء، بطن من همدان، وقد
ذكرناه فيمن رمي ببدعة من رجال الصحيحين في المقدمة.
قوله: (الجراح بن مليح) إلخ: هو والد وكيع، وهذا الجراح ضعيف عند المحدثين، ولكنه
مذكور هنا في المتابعات.
قوله: (سبعون ألف حديث عن أبي جعفر) إلخ: أبو جعفر هذا هو محمد بن علي بن
الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، المعروف بالباقر، لأنه بقر العلم، أي:
شقه وفتحه، فعرف أصله وتمكن فيه، وفي التهذيب: قال شبابة عن ورقاء عن جابر: دخلت على
أبي جعفر الباقر فسقاني في قعب حسائي، (كذا في التهذيب، وفي الميزان: في قعب حبشاني)
حفظت به أربعين ألف حديث.
قوله: (ما حدثت منها بشيء) إلخ: وفي رواية عن أبي حنيفة في التهذيب: وزعم أن عنده
ثلاثين ألف حديث لم يظهرها .
قوله: (سلام بن أبي مطيع) إلخ: بتشديد اللام.
قوله: (إن الرافضة تقول) إلخ: من الرفض، وهو الترك، قال الأصمعي وغيره: سموا
رافضة، لأنهم رفضوا زيد بن علي، فتركوه.

٣٦٥
مقدمة المؤلف
مَعَ مَنْ خَرَجَ مِنْ وَلَدِهِ، حَتَّى يُنَادِيَ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ. يُرِيدُ عَلِيًّا أَنَّهُ يُنَادِي اخْرُجُوا مَعَ
فُلاَنٍ (١). يَقُولُ جَابِرٌ: فَذَا تَأْوِيلُ هُذِهِ الآيَةِ. وَكَذَبَ. كَانَتْ فِي إِخْوَةِ يُوسُفَ وَلَ.
٥٩ - (٠٠٠) وحدّثني سَلَمَةُ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِراً
يُحَدِّثُ بِنَحْوِ مِنْ ثَلاَثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ، مَا أَسْتَحِلُّ أَنْ أَذْكُرَ مِنْهَا شَيْئاً، وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا .
قَالَ مُسْلِمٌ: وَسَمِعْتُ أَبَا غَسَّانَ، مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو الرَّازِيَّ، قَالَ: سَأَلْتُ جَرِيرَ بْنَ
عَبْدِ الْحَمِيدِ. فَقُلْتُ: الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ لَقِيتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، شَيْخُ طَوِيلُ السُّكُوتِ، يُصِرُّ
عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ .
٦٠ - (٠٠٠) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قال حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: ذَكَرَ أَيُّوبُ رَجُلاً يَوْماً، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ بِمُسْتَقِيمِ اللِّسَّانِ.
وَذَكَرَ آخَرَ فَقَالَ: هُوَ يَزِيدُ فِي الرَّقْمِ.
٦١ - (٠٠٠) حدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
قوله: (من خرج من ولده) إلخ: لعله المهدي عندهم.
قوله: (الحارث بن حصيرة) إلخ: بفتح الحاء؛ وكسر الصاد المهملتين، وآخره هاء، أزدي
كوفي .
قوله: (يصر على أمر عظيم) إلخ: قال أبو أحمد الزبيري: كان يؤمن بالرجعة. وقال ابن
معين: خشبي، ثقة، ينسب إلى خشبة زيد بن علي التي صلب عليها. وقال النسائي: ثقة. وقال
الدارقطني: شيخ للشيعة، يغلو في التشيع. وقال ابن عدي: عامة روايات الكوفيين عنه في
فضائل أهل البيت، وإذا روى عنه البصريون فرواياتهم أحاديث متفرقة، وهو أحد من يعد من
المحترقين بالكوفة في التشيع، وعلى ضعفه يكتب حديثه. قال الحافظ: علق البخاري أثراً لعلي
في المزارعة، وهو من رواية هذا. كذا في التهذيب.
قوله: (هو يزيد في الرقم) إلخ: هذا اللفظ وقوله فيما قبل: (لم يكن بمستقيم اللسان) كله
كناية عن الكذب، وجعله في الأول كالتاجر الذي يزيد في رقم السلعة، ويكذب فيها، ليربح
على الناس، ويغرهم بذلك الرقم ويشتروا عليه.
(١) قوله: ((أخرجوا مع فلان)) إلخ: قال السندي رحمه الله في حاشيته: يريدون به المهدي الموعود، فيصير
قوله: ((فلن أبرح الأرض)) الآية حكاية عن قول المهدي، والأرض: البرية، والمواد بقوله: ((حتى يأذن لي
أبي)) هو نداء على من السماء، فانظروا إلى أولئك القوم وتحريفهم كتاب الله، نعوذ الله منه، من المؤلف
رحمه الله.

٣٦٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ أَيُّوبُ: إِنَّ لِي جَاراً، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَلَى تَمْرَتَيْنِ مَا
رَأَيْتُ شَهَادَتَهُ جَائِزَةٌ.
٦٢ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالاَ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: قَالَ مَعْمَرُ: مَا رَأَيْتُ أَيُّوبَ اغْتَابَ أَحَداً قَظُ إِلَّ عَبْدَ الْكَرِيم - يَعْنِي:
أَبَا أُمَيَّةَ - فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فَقَالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ، كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ، لَقَدْ سَأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ لِعِكْرِمَةَ، ثُمَّ
قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ.
٦٣ - (٠٠٠) حدّثني الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ.
قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو دَاوُدَ الأَعْمُى، فَجَعَلَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ
أَرْقَمَ. فَذَكَرْنَا ذُلِكَ لِقَتَادَةَ، فَقَالَ: كَذَبَ. مَا سَمِعَ مِنْهُمْ. إِنَّمَا كَانَ ذُلِكَ سَائِلاً، يَتَكَفَّفُ
النَّاسَ، زَمَنَ طَاعُونِ الْجَارِفِ.
قوله: (ثم قال: سمعت عكرمة) إلخ: قد يقال: في التجريح بمثل هذا نظر؛ لاحتمال أنه
سمعه من عكرمة، ثم نسيه، فسأل عنه ثم ذكره بعد. والجواب أنه عرف كذبه بقرائن منضمة إلى
ذلك، وممن نص على ضعف عبد الكريم هذا: سفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي،
ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وابن عدي، وغيرهم. وقال ابن حبان: كان كثير
الوهم، فاحش الخطأ، فلما كثر ذلك منه بطل الاحتجاج به، قالوا: ما روى مالك عن أضعف
منه. وقال ابن عبد البر: مجمع على ضعفه. ومن أجلّ من جرحه أبو العالية وأيوب، مع ورعه
غرّ مالكاً سمته، ولم يكن من أهل بلده، ولم يخرج عنه حكماً، إنما ذكر عنه ترغيباً. قال
النووي: ((وكان من فضلاء فقهاء البصرة)). وقال بعضهم: روى له مسلم في المتابعات. وهذا
الإطلاق يقتضي أنه أخرج له عدة أحاديث، ولیس کذلك، ليس له في کتابه سوى موضع واحد.
وقيل: إنه ليس أبا أمية، وإنما هو الجزري، وقد قال الحافظ أبو محمد المنذري: (لم يخرج له
مسلم شيئاً أصلاً، لا متابعة ولا غيرها، وإنما أخرج لعبد الكريم الجزري)). والله أعلم.
قوله: (أبو داود الأعمى) إلخ: هو نفيع بن الحارث القاص الأعمى، متفق على ضعفه،
كان يغلو في الرفض، وروى عن بريدة وأنس أحاديث موضوعة. قال ابن عبد البر: أجمعوا على
ضعفه، وكذبه بعضهم، وأجمعوا على ترك الرواية عنه.
قوله: (يتكفف الناس) إلخ: معناه يسألهم في كفه، أو بكفه. قال الساجي بعد روايته عن
أبي داود هذا عن أنس ((قال: قال رسول الله وَطاهر: ما من ذي غنى إلا سيود أنه كان أعطي قوتاً))
قال: وهذا الحديث يصحح قول قتادة فيه: إنه كان سائلاً؛ لأن هذا حديث السؤال. كذا في
التهذيب .
قوله: (زمن طاعون الجارف) إلخ: قال عياض: ((كان طاعون الجارف سنة تسع عشرة

٣٦٧
مقدمة المؤلف
٦٤ - (٠٠٠) وحدّثني حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، قال حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا
هَمَّامٌ، قَالَ: دَخَلَ أَبُو دَاوُدَ الأَعْمَى عَلَى قَتَادَةَ، فَلَمَّا قَامَ قَالُوا: إِنَّ هُذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ لَفِيَ
ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَدْرِيًّا. فَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا كَانَ سَائِلاً قَبْلَ الْجَارِفِ، لاَ يَعْرِضُ فِي شَيْءٍ مِنْ هُذَا،
وَلاَ يَتَكَلَّمُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ عَنْ بَدْرِيٌّ مُشَافَهَةً، وَلاَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ
عَنْ بَدْرِيِّ مُشَافَهَةً، إِلاَّ عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ.
٦٥ - (٠٠٠) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ رَقَبَةَ؛ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ
الْهَاشِمِيَّ الْمَدَنِيَّ کَانَ يَضَعُ أَحَادِيثَ،
ومائة بالبصرة، وسمي بذلك لكثرة من مات فيه من الناس، وسمي الموت جارفاً لاجترافه
الناس، والسيل جارفاً لاجترافه ما على وجه الأرض، والجرف: الغرف من فوق الأرض،
واكتساح ما عليها)). قال النووي بعد ما ذكر عن عياض ما قدمنا، وذكر أقوالاً في وقت طاعون
الجارف قال: ((ويلزم من هذا بطلان ما فسر به عياض طاعون الجارف هنا، ويتعين أحد
الطاعونين فإما سنة سبع وستين، فإن قتادة كان ابن ست وستين، ومثله يضبطه، وإما سنة سبع
وثمانين، وهو الأظهر إن شاء الله تعالى)).
قوله: (لا يعرض في شيء من هذا) إلخ: بفتح الياء وكسر الراء، معناه: لا يعتني
بالحديث .
قوله: (فوالله ما حدثنا الحسن) إلخ: المراد بهذا الكلام إبطال قول أبي داود الأعمى هذا،
وزعمه أنه لقي ثمانية عشر بدرياً، فقال قتادة: الحسن البصري وسعيد بن المسيب أكبر من أبي
داود الأعمى وأجلّ، وأقدم سناً، وأكثر اعتناء بالحديث، وملازمة أهله، والاجتهاد في الأخذ
عن الصحابة، ومع هذا كله ما حدثنا واحد منهما عن بدري واحد، فكيف يزعم أبو داود
الأعمى أنه لقي ثمانية عشر بدرياً؟ هذا بهتان عظيم.
قوله: (إلا عن سعد بن مالك) إلخ: هو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة، واسم
أبي وقاص: مالك بن أهيب، وقيل: وهيب.
قوله: (عن رقبة) إلخ: بفتح الراء والقاف والباء، وهو رقبة بن مسقلة - بفتح الميم وإسكان
السين المهملة وفتح الكاف - وكان عظيم القدر جليل الشأن.
قوله: (أبا جعفر الهاشمي المدني) إلخ: هو عبد الله بن مسور المدائني أبو جعفر الذي
تقدم في أول الكتاب في الضعفاء والواضعين. وفي بعض النسخ: ((أبا جعفر الهاشمي المديني))
بزيادة ياء، وكلاهما نسبة إلى مدينة النبيّ وَيُ لا إلى مدينة منصور، وروي عن البخاري أنه قال:
المديني - يعني بالياء - هو الذي أقام بالمدينة ولم يفارقها، والمدني: الذي تحوّل منها، وكان
منها نقله النووي نثلثهُ. والله أعلم.

٣٦٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
كَلامَ حَقِّ، وَلَيْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ◌ِهِ، وَكَانَ يَرْوِيهَا عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ.
٦٦ - (٠٠٠) حدّثنا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، قال حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ
إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ،
حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ
يَكْذِبُ فِي الْحَدِيثِ.
٦٧ - (٠٠٠) حدّثني عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَبُو حَقْصٍ، قَالَ سَمِعْتُ مُعَاذَ بْنَ مُعَاذٍ يَقُولُ:
قُلْتُ لِعَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا عَنِ الْحَسَنِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴾
قَالَ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا)). قَالَ: كَذَبَ، وَاللَّهِ! عَمْرٌو، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ
يَحُوزَهَا إِلَى قَوْلِهِ الْخَبِيثِ .
قوله: (كلام حق) إلخ: بنصب ((كلام)) وهو بدل من ((أحاديث)) ومعناه: كلام صحيح
المعنى، وحكمة من الحكم، ولكنه كذب فنسبه إلى النبيّ وَّ، وليس هو من كلامه اَله .
قوله: (قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد) إلخ: قال النووي كَّفُهُ: ((وأبو إسحاق هذا
صاحب مسلم، ورواية الكتاب عنه، فيكون قد ساوى مسلماً في هذا الحديث، وعلا فيه
برجل)).
قوله: (أراد أن يحوزها إلى قوله الخبيث) إلخ: يجوز بالحاء المهملة من الحوز، وهو
الجمع وضم الشيء، قال النووي تخلفه: ((كذب بهذه الرواية ليعضد بها مذهبه الرديء، وهو
الاعتزال، فإنهم يزعمون أن ارتكاب المعاصي يخرج صاحبها من الإيمان، ويخلده في النار،
ولا يسمونه كافراً بل فاسقاً مخلداً في النار)).
وأما حديث: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) فهو صحيح مروي من طرق، وقد ذكرها
مسلم في كتاب الإيمان، وقد أوّل علماء أهل السنة هذا الحديث، فقال بعضهم: هو محمول
على المستحل لذلك بغير تأويل فيكفر ويخرج من الملة. وقيل: معناه: ليس على سيرتنا الكاملة
وهدينا، وهذا نظير ما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله: لست مني، وهكذا القول في جميع
الأحاديث الواردة بنحو هذا القول، كقوله لِّ: ((مَنْ غشَّنا فَلَيْسَ مِنَّا)) فإن مذهب أهل السنة أن
من حمل السلاح على المسلمين بغير حق ولا تأويل ولم يستحله فهو عاص، ولا يكفر بذلك.
وكان سفيان بن عيينة يكره قول من يفسره بـ ((ليس على هدينا)) ويقول: بئس هذا القول، يعني:
أنه يمسك عن تأويله، ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر، وحملته المعتزلة على ظاهره،
فقالوا: إن من ارتكب كبيرة ولم يتب خرج من الإيمان وخلد في النار، ولا يسمونه مؤمناً ولا
كافراً، وإنما يسمونه فاسقاً، ولكون ظاهر هذا الحديث يؤيد مذهب المعتزلة، قال عوف: ((كذب

٣٦٩
مقدمة المؤلف
٦٨ - (٠٠٠) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: كَانَ
والله عمرو، ولكنه أراد أن يحوزها إلى قوله الخبيث)) يعني: أنه أراد أن يعضد بهذه الكلمة مذهبه
الباطل، وهو مذهب المعتزلة .
ومراد مسلم بذكر ذلك هنا بيان أن عوفاً جرح عمرو بن عبيد، وكذبه. وقد حاول العلماء
بيان وجه لتكذيب عوف، فقالوا: إنما كذبه مع أن الحديث صحيح إما لكونه نسبه إلى الحسن،
والحسن لم يرو هذا، أو لكونه لم يسمعه من الحسن، وكان عوف من كبار أصحاب الحسن،
ولكن بقي أن يقال: فماذا أراد عوف بقوله: ((ولكنه أراد أن يحوزها إلى قوله الخبيث))؟.
واعلم أن هذا الحديث وأشباهه لو انفرد بروايته ثقات الرواة من المعتزلة ولو لم يكونوا
دعاة إلى مذهبهم لا يقبل عند المحدثين البتة، لما عرفت من أن المبتدع إذا كان متحرزاً من
الكذب، وموصوفاً بالديانة؛ لا يقبل من روايته عند من يقبلها إلا ما لا يكون مؤيداً لبدعته
ظاهراً، ولو لم يرو هذا الحديث من طريق غير طريق عمرو وإخوانه لجعل مثالاً للحديث
الموضوع الذي وضعته المعتزلة تشييداً لمذهبهم، وإن كانوا أبعد الناس عن الوضع.
وقد نقل السخاوي وغيره قول بعض العلماء الأعلام: إن من يعتقد أنه يخلد في النار على
شهادة الزور أبعد في الشهادة الكاذبة ممن لا يعتقد ذلك، فكانت الثقة بشهادته وخبره أكمل من
الثقة بمن لا يعتقد ذلك، ومدار قبول الشهادة والرواية على الثقة بالصدق، وذلك متحقق في أهل
الأهواء، وقد حاول حكيم أهل الأثر ابن حبان حل هذه العقدة على وجه ربما أرضى الفريقين،
فقال: كان يكذب في الحديث وهماً لا تعمداً، ولا يخفى أن الكذب وهماً عبارة عن وقوع في
حديثه على طريق السهو أو الغفلة ونحو ذلك، وهو مما لا يخلو عنه إنسان مهما جلّ حفظه
وانتباهه .
قال الحافظ الترمذي: قال وكيع: إن لم يكن المعنى واسعاً فقد هلك الناس، وإنما
تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط أحد
من الأئمة مع حفظهم، والظاهر أن عمرو بن عبيد كان جارياً على سنن جمهور أهل الأثر في
قبول خبر الواحد إذا استوفى الشروط المشهورة. قال ابن حزم في كتاب الإحكام في إثبات خبر
الواحد: ((ولا خلاف بين مؤمن ولا كافر قطعاً في أن كُلَّ صاحب، وكُلَّ تابع سأله مستفت عن
نازلة في الدين أنه لم يقل له قط: لا يجوز لك أن تعمل بما أخبرتك به عن رسول الله وَ ل حتى
يخبرك بذلك الكواف، كما قالوا لهم فيما أخبروا به أنه رأى منهم، فلم يلزموهم قبوله، ثم قال:
فصح بهذا إجماع الأئمة كلها على قبول خبر الواحد الثقة عن النبيّ وَّر، يجري على ذلك في
كل فرقة علماؤها، كأهل السنة، والخوارج، والشيعة، والقدرية، حتى حدث متكلموا المعتزلة
بعد المائة من التاريخ، فخالفوا الإجماع في ذلك، ولقد كان عمرو بن عبيد يتدين بما يروي عن
الحسن، ويفتي به، هذا أمر لا يجهله من له أقل علم)) اهـ.

٣٧٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَجُلٌ قَدْ لَزِمَ أَيُّوبَ وَسَمِعَ مِنْهُ، فَفَقَدَهُ أَيُّوبُ. فَقَالُوا: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّهُ قَدْ لَزِمَ عَمْرَو بْنَ
عُبَيْدٍ. قَالَ حَمَّدٌ: فَبَيْنَا أَنَا يَوْماً مَعَ أَيُّوبَ، وَقَدْ بَكَّرْنَا إِلَى السُّوقِ، فَاسْتَقْبَلَهُ الرَّجُلُ، فَسَلَّمَ
عَلَيْهِ أَيُّوبُ وَسَأَلَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ أَيُّوبُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ لَزِمْتَ ذَاكَ الرَّجُلَ. قَالَ حَمَّادٌ: سَمَّاهُ،
يَعْنِي عَمْراً. قَالَ: نَعَمْ. يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّهُ يَجِيئُنَا بِأَشْيَاءَ غَرَائِبَ. قَالَ: يَقُولُ لَهُ أَيُّوبُ: إِنَّما
نَفِرُّ أَوْ نَفْرَقُ مِنْ تِلْكَ الْغَرَائِبِ.
ولا يخفى ما في هذه العبارة من الإشعار بفرط شهرة هذا الرجل، مع عظم موقعه في
نفوس المعتزلة، ولنذكر شيئاً من ترجمته مما ذكره أهل الأثر حاذفين كثيراً مما يتعلق بذمه، فقد
عرف رأيهم فيه.
فنقول: هو أبو عثمان عمرو بن عبيد البصري، روى عن الحسن وأبي قلابة، وروى عنه
الحمادان، ويحيى القطان، وعبد الوارث، وهو الذي ذكرنا آنفاً أنه اتهم بالاعتزال لنفيه الكذب
عن عمرو. وقال حماد بن زيد: كنت مع أيوب ويونس وابن عون، فمرّ عمرو، فسلم عليهم،
ووقف، فلم يردوا عليه السلام. وقال عبد الوهاب الخفاف: مررت بعمرو بن عبيد وحده،
فقلت: مالك تركوك؟ قال: نهى الناس عني ابن عون، فانتهوا. وقال عمرو بن النضر: سئل
عمرو بن عبيد يوماً عن شيء وأنا عنده، فأجاب فيه، فقلت: ليس هكذا يقول أصحابنا، فقال:
ومن أصحابك - لا أبا لكـ؟ فقلت: أيوب ويونس وابن عون والتيمي. قال: أولئك أرجاس
أنجاس أموات غير أحياء. وقال محمود بن غيلان: قلت لأبي داود: إنك لا تروي عن عبد
الوارث. قال: كيف أروي عن رجل يزعم أن عمرو بن عبيد خير من أيوب وابن عون ويونس.
وقال عبيد الله بن محمد التيمي: كنا إذا جلسنا إلى عبد الوارث كان أكثر حديثه عن عمرو بن
عبيد. وقال نعيم بن حماد: قيل لابن المبارك تخلّفُ: لم رويت عن سعيد وهشام الدستوائي
وتركت حديث عمرو بن عبيد؟ قال: كان عمرو يدعو إلى رأيه. ويظهر الدعوة، وكانا ساكتين.
وقال أحمد بن محمد الحضرمي: سألت ابن معين عن عمرو بن عبيد، فقال: لا يكتب حديثه،
فقلت له: أكان يكذب؟ فقال: كان داعية إلى دينه، فقلت له: فلم وثقت قتادة وابن أبي عروبة
وسلام بن مسكين؟ فقال: كانوا يصدقون في حديثهم ولم يكونوا يدعون إلى بدعة. وقال كامل بن
طلحة: قلت لحمّاد: يا أبا سلمة! رويت عن الناس وتركت عمرو بن عبيد؟ فقال: إني رأيت كأن
الناس يصلون يوم الجمعة إلى القبلة، وهو مدبر عنها، فعلمت أنه على بدعة، فتركت الرواية
عنه. وذكروا مرائي كثيرة من هذا القبيل، رآها الناس في حقه. وذكروا عن الحسن أنه قال: نعم
الفتى عمرو بن عبيد إن لم يحدث. وكان الخليفة أبو جعفر المنصور يعجب بزهد عمرو وعبادته.
كذا في توجيه النظر .
قوله: (أو نفرق من تلك الغرائب) إلخ: بفتح الراء، وهو شك من الراوي، أي: إنما
نهرب أو نخاف من هذه الغرائب التي يأتي بها عمرو بن عبيد مخافة من كونها كذباً، فنقع في

٣٧١
مقدمة المؤلف
٦٩ - (٠٠٠) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ زَيْدٍ
- يَعْنِي: حَمَّاداً - قَالَ قِيلَ لِأَيُّوبَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ رَوَى عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لاَ يُجْلَدُ
السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيدِ. فَقَالَ: كَذَبَ. أَنَا سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: يُجْلَدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيدِ.
٧٠ - (٠٠٠) وحدّثني حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَّمَ بْنَ
أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: بَلَغَ أَيُّوبَ أَنِّي آتِي عَمْراً، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ يَوْماً فَقَّالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلاً لاَ تَأْمَنُهُ
عَلَى دِينِهِ، كَيْفَ تَأْمَنُهُ عَلَى الْحَدِيثِ؟
الكذب على رسول الله * إن كانت أحاديث، وإن كانت من الآراء والمذاهب فحذراً من الوقوع
في البدع.
قوله: (قبل أن يحدث) إلخ: أي: من بدعة الاعتزال.
قوله: (أبي شيبة قاضي واسط) إلخ: هو جد أولاد أبي شيبة، وهم: أبو بكر، وعثمان،
والقاسم، بنو محمد بن إبراهيم أبي شيبة، وواسط مصروف، كذا سمع من العرب، بناها
الحجاج.
قوله: (ومزق كتابي) إلخ: هو بكسر الزاي، أمره بتمزيقه مخافة من بلوغه إلى أبي شيبة
فینال منه .
قوله: (فقال: كذب) إلخ: هو من نحو ما قدمناه في قوله: ((لم نر الصالحين في شيء
أكذب منهم في الحديث)) معناه ما قاله مسلم: ((يجري الكذب على ألسنتهم من غير تعمد)) وذلك
لأنهم لا يعرفون صناعة هذا الفن، فيخبرون بكل ما سمعوه، وفيه الكذب، فيكونون كاذبين، فإن
الكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو، سهواً كان الإخبار أو عمداً، كما قدمناه.
وكان صالح هذا من كبار العباد الزهاد الصالحين، وهو صالح بن بشير - بفتح الباء وكسر
الشين - أبو بشير البصري القاص، وقيل له: ((المري)) لأن امرأة من بني مرة أعتقته، وأبوه عربي،
وأمه معتقة للمرأة المرية، وكان صالح تقَّهُ حسن الصوت بالقرآن، وقد مات بعض من سمع
قراءته، وكان شديد الخوف من الله تعالى، كثير البكاء. قال عفان بن مسلم: كان صالح إذا أخذ
في قصصه كأنه رجل مذعور يفزعك أمره من حزنه، وكثرة بكائه كأنه ثكلى. والله أعلم. وفي
التهذيب: قال ابن عدي: صالح المري من أهل البصرة، وهو رجل قاص حسن الصوت، وعامة
أحاديثه منكرات، تنكرها الأئمة عليه، وليس هو بصاحب حديث، وإنما أتي من قلة معرفته
بالأسانيد والمتون، وعندي أنه مع هذا لا يتعمد الكذب بل يغلط شيئاً، وقال ابن حبان: غلب
عليه الخير والصلاح حتى غفل عن الإتقان في الحفظ، وكان يروي الشيء الذي سمعه من ثابت
والحسن ونحو هؤلاء على التوهم، فيجعله عن أنس، فظهر في روايته الموضوعات التي يرويها

٣٧٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٧١ - (٠٠٠) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ.
٧٢ - (٠٠٠) حدّثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى شُعْبَةً
أَسْأَلُهُ عَنْ أَبِي شَيْبَةَ قَاضِي وَاسِطٍ. فَكَتَبَ إِلَيَّ: لا تَكْتُبْ عَنْهُ شَيْئاً، وَمَزِّقْ كِتَابِي.
٧٣ - (٠٠٠) وحدّثنا الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ قَالَ: حَدَّثْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ
عَنْ صَالِحِ الْمُرِّيِّ بِحَدِيثٍ عَنْ ثَابِتٍ. فَقَالَ: كَذَبَ. وَحَدَّثْتُ هَمَّاماً عَنْ صَالِحِ الْمُرِّيِّ
بِحَدِيثٍ، فَقَالَ: كَذَبَ.
٧٤ - (٠٠٠) وحدّثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: قَالَ لِي شُعْبَةُ: ايْتِ
جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ فَقُلْ لَهُ: لاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، فَإِنَّهُ يَكْذِبُ. قَالَ أَبُو
دَاوُدَ: قُلْتُ لِشُعْبَةَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَنِ الْحَكَّم بِأَشْيَاءَ لَمْ أَجِدْ لَهَا أَضْلاً. قَالَ
قُلْتُ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَكَمِ: أَصَلَّى النَّبِيُّ وَّهَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَمْ يُصَلِّ
عَلَيْهِمْ. فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ مِقْسَم، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلُ
صَلَّى عَلَيْهِمْ وَدَفَنَهُمْ. قُلْتُ لِلْحَكَمِ: مَا تَقُولُ فِي أَوْلاَدِ الَّذِّنَا؟ قَالَ: يُصَلَّىَ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ:
مِنْ حَدِيثِ مَنْ يُرْوَى؟ قَالَ: يُرْوَىَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ: حَدَّثَنَا
الْحَكَمُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَلِيٍّ .
عن الأثبات، فاستحق الترك عند الاحتجاج. وقال أبو إسحاق الحربي: إذا أرسل فبالحري أن
يصيب، وإذا أسند فاحذروه.
قوله: (الحسن بن عمارة) إلخ: بضم العين.
قوله: (عن مقسم) إلخ: بكسر الميم وفتح السين.
قوله: (عن يحيى بن الجزار) إلخ: بالجيم والزاي، وبالراء آخره.
قوله: (عن علي) إلخ: معنى هذا الكلام أن الحسن بن عمارة كذب، فروى هذا الحديث
((عن الحكم عن يحيى عن علي)) وإنما هو عن الحسن البصري من قوله، وقد قدمنا أن مثل هذا
وإن كان يحتمل كونه جاء عن الحسن وعن علي، ولكن الحفاظ يعرفون كذب الكاذبين بقرائن.
وقد يعرفون ذلك بدلائل قطعية، يعرفها أهل هذا الفن، فقولهم مقبول في كل هذا.
والحسن بن عمارة متفق على ضعفه وتركه، قال شعبة: أفادنى الحسن بن عمارة سبعين
حديثاً عن الحكم، فلم يكن لها أصل، وقال الحسن بن عمارة: حدثني الحكم عن يحيى بن
الجزار عن علي سبعة أحاديث، فسألت الحكم عنها، فقال: ما سمعت منها شيئاً. وقال
عيسى بن يونس: الحسن بن عمارة شيخ صالح، قال فيه شعبة، وأعانه عليه سفيان. وقال

٣٧٣
مقدمة المؤلف
٧٥ - (٠٠٠) وحدّثَنا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، وَذَكَرَ
زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَقَالَ: حَلَفْتُ أَلا أَرْوِيَ عَنْهُ شَيْئاً، وَلا عَنْ خَالِدِ بْنِ مَحْدُوجٍ. وَقَالَ:
لَقِيتُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثٍ فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ بَكْرِ الْمُزَنِيِّ، ثُمَّ عُدْتُ إِليْهِ:
فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ مُؤَرِّقٍ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ، فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنِ الْحَسَنِ، وَكَانَ يَنْسُبُهُمَا إِلَى الْكَذِبِ.
أيوب بن سويد الرملي: كان شعبة يقول: إن الحكم لم يحدث عن يحيى بن الجزار إلا ثلاثة
أحاديث، والحسن بن عمارة يحدث عنه أحاديث كثيرة، قال: فقلت للحسن بن عمارة، فقال:
إن الحكم أعطاني حديثه عن يحيى في كتاب، فحفظته. قال النضر بن شميل: قال الحسن بن
عمارة: الناس كلهم مني في حل ما خلا شعبة. وقال جرير بن عبد الحميد: ما ظننت أني أعيش
إلى دهر يحدث فيه عن محمد بن إسحاق، ويسكت فيه عن الحسن بن عمارة، وقال عبد الله بن
المديني عن أبيه: ما أحتاج إلى شعبة فيه، أمره أبين من ذلك، قيل له: كان يغلط؟ فقال: أي:
شيء كان يغلط؟ كان يضع. وقال البزار: لا يحتج أهل العلم بحديثه إذا انفرد. وقال ابن حبان:
كان بلية الحسن التدليس عن الثقات، ما وضع عليهم الضعفاء. كان يسمع من موسى بن مطير
وأبي العطوف وأبان بن أبي عياش وأضرابهم، ثم يسقط أسماءهم ويرويها عن مشايخه الثقات،
فالتزقت به تلك الموضوعات. وقال عمرو بن علي: رجل صالح، صدوق، كثير الوهم والخطأ،
متروك الحديث. وأورد له ابن عدي أحاديث وقال: ما أقرب قصته إلى ما قال عمرو بن علي.
وقد قيل: إن الحسن بن عمارة كان صاحب مال، وإنه حول الحكم إلى منزله، فخصه بما لم
يخص غيره، على أن بعض رواياته عن الحكم وعن غيره غير محفوظة، وهو إلى الضعف أقرب.
كذا في التهذيب. وكان الحسن من كبار الفقهاء في زمانه، ولي قضاء بغداد.
قوله: (ولا عن خالد بن محدوج) إلخ: بميم مفتوحة، ثم حاء ساكنة، ثم دال مضمومة،
مهملتين، ثم واو ثم جيم، كذا ضبطه النووي. قال ابن عبد البر: ((هو عندهم منكر الحديث
ضعيف جداً، ضعفه النسائي وأبو حاتم، وذكره البخاري والساجي والعقيلي وابن الجارود في
الضعفاء)). وقال ابن عدي: عامة ما يرويه مناكير. وقال ابن حبان: يقلب الأخبار، لا يحتج به.
قال الحافظ: ثم غفل، فذكره في الثقات. كذا في اللسان.
قوله: (عن مورق) إلخ: بضم الميم وفتح الواو وكسر الراء المشددة.
قوله: (وكان ينسبهما إلى الكذب) إلخ: القائل: هو الحلواني، والناسب: يزيد بن
هارون، والمنسوبان: خالد بن محدوج وزياد بن ميمون، وأما قوله: ((حلفت أن لا أروي عنهما))
ففعله نصيحة للمسلمين، ومبالغة في التنفير عنهما، لئلا يغتر أحد بهما، فيروي عنهما الكذب،
فيقع في الكذب على رسول الله وَ لجر، وربما راج حديثهما فاحتج به. وأما حكمه بكذب زياد بن
ميمون لكونه حدثه بالحديث عن واحد، ثم عن آخر، فهو جارٍ على ما قدمناه من انضمام القرائن
والدلائل على الكذب. والله أعلم.

٣٧٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ، وَذَكَرْتُ عِنْدَهُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَنَسَبَهُ إِلَى
الْكَذِبِ.
٧٦ - (٠٠٠) وحدّثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ، قَالَ قُلْتُ لِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ: قَدْ أَكْثَرْتَ
عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، فَمَالَكَ لَمْ تَسْمَعْ مِنْهُ حَدِيثَ الْعَظَّارَةِ الَّذِي رَوَى لَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ؟
فَقَالَ لِي: اسْكُتْ. فَأَنَا لَقِيتُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، فَسَأَلْنَاهُ فَقُلْنَا لَهٌ:
هُذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تَرْوِيهَا عَنْ أَنَسٍ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمَا رَجُلاً يُذْنِبُ فَيَتُوبُ، أَلَيْسَ يَتُوبُ اللَّهُ
عَلَيْهِ؟ قَالَ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ أَنَسٍ، مِنْ ذَا قَلِيلاً وَلاَ كَثِيراً، إِنْ كَانَ لاَ يَعْلَمُ
النَّاسُ فَأَنْتُمَا لاَ تَعْلَمَانِ أَنِّي لَمْ أَلْقَ أَنَساً.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: فَبَلَغَنَا، بَعْدُ، أَنَّهُ يَرْوِي، فَأَتَيْنَاهُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ فَقَالَ: أَتُوبُ. ثُمَّ
كَانَ، بَعْدُ، يُحَدِّثُ، فَتَرَكْنَاهُ.
٧٧ - (٠٠٠) حدّثنا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ شَبَابَةَ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ
يُحَدِّثُنَا فَيَقُولُ: سُوَيْدُ بْنُ عَقَلَةَ. قَالَ شَبَابَةُ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الْقُدُّوسِ يَقُولُ: نَهَى
قوله: (حديث العطارة) إلخ: قال عياض: ((هو حديث رواه زياد بن ميمون هذا عن أنس:
أن امرأة يقال لها: الحولاء عطارة، كانت بالمدينة، فدخلت على عائشة، وذكرت خبرها مع
زوجها، وأن النبيّ وَ ﴿ ذكر لها في فضل الزوج، وهو حديث طويل غير صحيح)) اهـ. وفيه فضل
الولادة والرضاع والفطام والمراودة والمعانقة والقبلة والمجامعة وغير ذلك. كما في اللسان.
قوله: (عبد الرحمن بن مهدي) إلخ: مرفوع معطوف على ضمير الفاعل في ((لقيت)).
قوله: (فأنتما لا تعلمان) إلخ: هكذا وقع في الأصول، فيجوز أن تكون ((لا)) زائدة،
والمعنى: فأنتما تعلمان، ويجوز أن يكون معناه: ((أفأنتما لا تعلمان)) على الاستفهام التقريري
وحذف الهمزة .
قوله: (قال: أبو داود فبلغا بعد) إلخ: هو أبو داود الطيالسي.
قوله: (فتركناه) إلخ: أي: لما علمنا أنه لا يؤثر فيه الكلام والنصح، فتركناه، وفوضنا
أمره إلى الله سبحانه وتعالى.
قوله: (كان عبد القدوس يحدثنا) إلخ: هو عبد القدوس بن حبيب الكلاعي الشامي
الدمشقي الذي تقدم ذكره في أوائل الكتاب في الواضعين الكاذبين.
قوله: (فيقول سويد بن عقلة) إلخ: المراد بهذا المذكور بيان تصحيف عبد القدوس،
وغباوته، واختلال ضبطه، وحصول الوهم في إسناده ومتنه، فأما الإسناد فإنه قال: سويد بن
عقلة - بالعين المهملة والقاف - وهو تصحيف ظاهر، وخطأ بيِّن، فإنما هو غفلة - بالغين المعجمة
والفاء المفتوحتين - وأما المتن فقال: الروح - بفتح الراء - وعرضاً - بالعين المهملة وإسكان الراء -

٣٧٥
مقدمة المؤلف
رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ أَنْ يُتَّخَذَ الرَّوْحُ عَرْضاً. قَالَ فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ شَيْءٍ هُذَا؟ قَالَ: يَعْنِي يُتَّخَذُ(١)
كُوَّةٌ فِي حَائِطٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهِ الرَّوْحُ.
قَالَ مُسْلِمٌ: وَسَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ
لِرَجُلٍ، بَعْدَ مَا جَلَسَ مَهْدِيُّ بْنُ هِلالٍ بِأَيَّامٍ: مَا هَذِهِ الْعَيْنُ الْمَالِحَةُ الَّتِي نَبَعَتْ قِبَلَكُمْ؟
قَالَ: نَعَمْ. يَا أَبَا إِسْمَاعِيلَ.
٧٨ - (٠٠٠) وحدّثنا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
عَوَانَةً، قَالَ: مَا بَلَغَنِي عَنِ الْحَسَنِ حَدِيثٌ، إِلاَّ أَتَيْتُ بِهِ أَبَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَرَأَهُ عَلَيَّ.
وهو تصحيف قبيح، وخطأ صريح، وصوابه الروح - بضم الراء - وغرضاً - بالغين المعجمة والراء
المهملة المفتوحتين - ومعناه: نهى أن يتخذ الحيوان الذي فيه الروح غرضاً، أي: هدفاً للرمي،
فيرمي إليه بالنشاب وشبهه، وسيأتي إيضاح هذا الحديث وبيان فقهه في كتاب الصيد والذبائح إن
شاء الله تعالى.
قوله: (فقيل له: أي شيء هذا) إلخ: يعني: إيش معناه.
قوله: (تتخذ كوة) إلخ: بفتح الكاف والواو المشددة على اللغة المشهورة. وحكي فيها
ضم الكاف.
قوله: (ليدخل عليه الروح) إلخ: أي: النسيم.
قوله: (ما هذه العين المالحة) إلخ: كناية عن ضعفه و جرحه.
ومهدي بن هلال متفق على ضعفه، قال النسائي: هو بصري، متروك. وقال الساجي كان
قدرياً من الدعاة. وقال ابن عدي: ليس على حديثه ضوء ولا نور، لأنه كان يدعو الناس إلى
بدعته، وقال ابن معين: ومن المعروفين بالكذب ووضع الحديث: مهدي بن هلال.
قوله: (قال: نعم يا أبا إسماعيل) إلخ: القائل هو الرجل الذي كان جليساً لمهدي بن
هلال، كأنه وافقه على جرحه، وأبو إسماعيل كنية حماد بن زيد.
قوله: (فقرأه علي) إلخ: معناه: أنه كان يحدث عن الحسن بكل ما يسأل عنه، وهو كاذب
في ذلك.
وأبان هذا متروك الحديث عند ابن معين، والنسائي، والفلاس، والدارقطني، وأبي حاتم،
وغيرهم. قال أبو حاتم: وكان رجلاً صالحاً، ولكنه بلي بسوء الحفظ. وقال أبو زرعة: كان
يسمع الحديث من أنس ومن شهر ومن الحسن، فلا يميز بينهم. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه
لا يتابع عليه، وهو بين الأمر في الضعف، وأرجو أنه لا يتعمد الكذب إلا أنه يشبه عليه،
(١) وفي نسخة: تتخذ من المؤلف.

٣٧٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٧٩ - (٠٠٠) وحدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَا،
وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ مِنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ نَحْواً مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ.
قَالَ عَلِيٍّ: فَلَقِيتُ حَمْزَةَ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ وَِّّهِ فِي الْمَنَامِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا سَمِعَ
مِنْ أَبَانَ، فَمَا عَرَفَ مِنْهَا إِلَّ شَيْئاً يَسِيراً، خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً.
٨٠ - (٠٠٠) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ.
قَالَ: قَالَ لِي أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ: اكْتُبْ عَنْ بَقِيَّةَ مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلا تَكْتُبْ عَنْهُ
مَا رَوَى عَنْ غَيْرِ الْمَعْرُوفِينَ. وَلاَ تَكْتُبْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ،
وَلاَ عَنْ غَيْرِهِمْ.
ويغلط، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق، كما قال شعبة. وقال عباد المهلبي: أتيت شعبة
أنا وحماد بن زيد، فكلمناه في أبان أن يمسك عنه. فأمسك، ثم لقيته بعد ذلك، فقال: ما أراني
يسعني السكوت عنه. وقال ابن حبان: ولعله حدث عن أنس بأكثر من ألف وخمسمائة حديث،
ما لكثير شيء منها أصل.
قوله: (فما عرف منها إلا) إلخ: قال القاضي عياض ◌َّلهُ: هذا ومثله استئناس واستظهار
على ما تقرر من ضعف أبان، لا أنه يقطع بأمر المنام، ولا أنه تبطل بسببه سنة ثبتت، ولا تثبت
به سنة لم تثبت، وهذا بإجماع العلماء. هذا كلام القاضي. وكذا قاله غيره من أصحابنا
وغيرهم، فنقلوا الاتفاق على أنه لا يغير بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع.
وليس هذا الذي ذكرناه مخالفاً لقوله وَ لير: ((من رآني في المنام فقد رآني)) فإن معنى
الحديث أن رؤيته صحيحة، وليست من أضغاث الأحلام، وتلبيس الشيطان، ولكن لا يجوز
إثبات حكم شرعي به، لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي، وقد اتفقوا
على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته: أن يكون متيقظاً لا مغفلاً، ولا سيّىء الحفظ، ولا
كثير الخطأ، ولا مختل الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة، فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه. هذا
كله في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة، أما إذا رأى النبيّ وَّر يأمره بفعل
ما هو مندوبٌ إليه، أو ينهاه عن منهي عنه، أو يرشده إلى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب
العمل على وفقه، لأن ذلك ليس حكماً بمجرد المنام، بل بما تقرر من أصل ذلك الشيء. والله
أعلم .
قوله: (ولا تكتب عن إسماعيل بن عياش) إلخ: قال النووي تقذفهُ: ((هذا الذي قاله أبو
إسحاق الفزاري في إسماعيل خلاف قول جمهور الأئمة، قال عباس: سمعت يحيى بن معين
يقول: إسماعيل بن عياش ثقة، وكان أحب إلى أهل الشام من بقية. وقال ابن أبي خيثمة:
سمعت يحيى بن معين يقول: هو ثقة، والعراقيون يكرهون حديثه. وقال البخاري: ما روى عن

٣٧٧
مقدمة المؤلف
٨١ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِ
عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: نِعْمَ الرَّجُلُ بَقِيَّةُ. لَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ يَكْنِي الأَسَامِيَ وَيُسَمِّي
الشاميين أصح. وقال عمرو بن علي: إذا حدث عن أهل بلاده فصحيح، وإذا حدث عن أهل
المدينة مثل هشام بن عروة ويحيى بن سعيد وسهيل بن أبي صالح فليس بشيء، وقال يعقوب بن
سفيان: كنت أسمع أصحابنا يقولون: علم الشام عند إسماعيل بن عياش والوليد بن مسلم. قال
يعقوب: وتكلم قوم في إسماعيل وهو ثقة عدل، أعلم الناس بحديث الشام، ولا يدفعه دافع،
وأكثر ما تكلموا قالوا: يغرب عن ثقات المكيين والمدنيين. وقال يحيى بن معين: إسماعيل ثقة
فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع، فخلط في حفظه عنهم.
وقال أبو حاتم: هو ليّن يكتب حديثه، ولا أعلم أحداً كف عنه إلا أبا إسحاق الفزاري. وقال
الترمذي: قال أحمد: هو أصلح من بقية، فإن لبقية أحاديث مناكير. وقال أحمد بن أبي
الحواري: قال لي وكيع: يروون عندكم عن إسماعيل بن عياش؟ فقلت: أما الوليد ومروان
فيرويان عنه، وأما الهيثم بن خارجة ومحمد بن إياس فلا، فقال: وأي: شيء الهيثم وابن إياس؟
إنما أصحاب البلدة: الوليد ومروان. والله أعلم. وقال أبو اليمان: كان أصحابنا لهم رغبة في
العلم، وكانوا يقولون: نجهد ونتعب ونسافر، فإذا جئنا وجدنا كل ما كتبنا عند إسماعيل بن
عياش. وقال ابن عدي: إذا روى عن الحجازيين فلا يخلو من غلط، إما أن يكون حديثاً يرسله،
أو مرسلاً يوصله، أو موقوفاً يرفعه، وحديثه عن الشاميين إذا روي عنه ثقة فهو مستقيم، وهو في
الجملة ممن يكتب حديثه ويحتج به في حديث الشاميين خاصة. وقال ابن حبان: كان إسماعيل
من الحفاظ المتقنين في حديثهم، فلما كبر تغير حفظه، فما حفظ في صباه وحداثته أتى به على
جهته، وما حفظ على الكبر من حديث الغرباء خلط فيه، وأدخل الإسناد في الإسناد، وألزق
المتن بالمتن، وهو لا يعلم، فمن كان هذا نعته حتى صار الخطأ في حديثه يكثر: خرج عن حد
الاحتجاج به، قال الحافظ: وله في البخاري شيء معلق من غير أن يصرح به، وقد صحح له
الترمذي غير ما حديث عن الشاميين)).
قوله: (سمعت بعض أصحاب عبد الله) إلخ: هذا مجهول، ولا يصح الاحتجاج به، ولكن
ذكره مسلم متابعة، لا أصلاً، وقد تقدم في الكتاب نظير هذا وقد قدمنا وجه إدخاله هنا .
قوله: (لولا أنه يكني الأسامي) إلخ: معناه: أنه إذا روى عن إنسان معروف باسمه كناه
ولم يسمه، وإذا روى عن معروف بكنيته سماه ولم يكنه، وهذا نوع من التدليس، وهو قبيح
مذموم، فإنه يلبس أمره على الناس، ويوهم أن ذلك الراوي ليس هو ذلك الضعيف، فيخرجه عن
حالته المعروفة بالجرح المتفق عليه، وعلى تركه إلى حالة الجهالة التي لا تؤثر عند جماعة من
العلماء، بل يحتجون بصاحبها، وتقضي توقفاً عن الحكم بصحته أو ضعفه عند الآخرين، وقد
يعتضد المجهول فيحتج به، أو يرجح به غيره، أو يستأنس به، وأقبح هذا النوع أن يكني

٣٧٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْكُنَى. كَانَ دَهْراً يُحَدِّثُنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْوُحَاظِيَّ. فَنَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ.
٨٢ - (٠٠٠) وحدّثنا(١) أَخْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ، قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ يَقُولُ:
مَا رَأَيْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يُفْصِحُ بِقَوْلِهِ: كَذَّابٌ إِلَّ لِعَبْدِ الْقُدُّوسِ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَهُ:
كَذَّابٌ.
٨٣ - (٠٠٠) وحدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْم.
وَذَكَرَ الْمُعَلَّى بْنَ عُرْفَانَ، فَقَالَ: قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ: قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ
بِصِفِّينَ. فَقَالَ أَبُو نُعَيْم: أَتْرَاهُ بُعِثَ بَعْدَ الْمَوْتِ؟.
الضعيف أو يسميه بكنية الثقة أو باسمه؛ لاشتراكهما في ذلك، وشهرة الثقة به، فيوهم الاحتجاج
به. وقد سبق حكم التدليس وأقسامه في المقدمة فراجعه.
قوله: (عن أبي سعيد الوحاظي) إلخ: بضم الواو وتخفيف الحاء المهملة وبالظاء
المعجمة، وحكي صاحب المطالع وغيره: فتح الواو أيضاً، قال أبو علي الغساني: وحاظة بطن
من حمير، وعبد القدوس هذا هو الشامي الذي تقدم تضعيفه وتصحيفه، وهو عبد القدوس بن
حبيب الكلاعي بفتح الكاف أبو سعيد الشامي، فهو كلاعي وحاظي.
قوله: (المعلى بن عرفان) إلخ: عرفان والد المعلى، بضم العين وإسكان الراء، هذا هو
المشهور، وقيل: بكسر العين(٢) والمعلى بن عرفان هذا أسدي كوفي منكر الحديث، وكان من
غلاة الشيعة، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث.
قوله: (بصفين) إلخ: بكسر الصاد والفاء المشددة بعدها ياء في الأحوال الثلاثة، كغسلين،
هذه اللغة المشهورة، وحكي عن الفراء: صفون بالواو في حال الرفع. وهي موضع الوقعة بين
أهل الشام وأهل العراق مع على ومعاوية ◌ًّا.
قوله: (أتراه بعث بعد الموت) إلخ: معناه: أن المعلى كذب على أبي وائل في قوله هذا،
لأن ابن مسعود ربه توفي سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، والأول قول
الأكثرين، وهذا قبل انقضاء خلافة عثمان ر﴿له بثلاث سنين، وصفين كانت في خلافة
علي ظُبه بعد ذلك بسنتين، فلا يكون ابن مسعود خرج عليهم بصفين إلا أن يكون بعث بعد
الموت، وقد علم أنه لم يبعث بعد الموت، وأبو وائل مع جلالته والاتفاق على علو مرتبته
وصيانته لا يقول: خرج، من لم يخرج عليهم. هذا ما لا شك فيه، فتعين أن يكون الكذب من
المعلى بن عرفان، مع ما عرف من ضعفه. قال سفيان الثوري: لما استعمل الرواة الكذب
(١) وفي نخسة: حدثني. من المؤلف.
(٢) وأما ((المعلى)) فبميم مضمومة وفتح لام مشددة. كذا في المغني (ص ٢٣٦).

٣٧٩
مقدمة المؤلف
٨٤ - (٠٠٠) حدّثني عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، كِلاَهُمَا عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِم،
قَالَ: كُنَّا عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ، فَقُلْتُ إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِثَبْتٍ. قَالَ
فَقَالَ الرَّجُلُ: اغْتَبْتَهُ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: مَا اغْتَابَهُ، وَلَكِنَّهُ حَكَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشِبْتِ.
٨٥ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو جَعْفَرِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلْتُ
مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الَّذِي يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؟ فَقَالَ:
لَيْسَ بِثِقَةٍ. وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَالِحِ مَوْلَى النَّوْأَمَةِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ؟
استعملنا لهم التاريخ، وعن حفص بن غياث قال: إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين، وهو تثنية
((سن)) بمعنى العمر.
قوله: (ما اغتابه) إلخ: أي: ليس هذا من الغيبة المحرمة، بل هو ذب عن السنة وصيانة
للشريعة .
قوله: (عن محمد بن عبد الرحمن الذي يروي عن سعيد بن المسيب) إلخ: هو محمد بن
عبد الرحمن بن لبيسة، ويقال: ابن أبي لبيسة. وقال ابن معين: حديثه ليس بشيء. وذكره ابن
حبان في الثقات. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو
زرعة: حديثه عن علي بن أبي طالب مرسل.
قوله: (عن أبي الحويرث) إلخ: بضم الحاء، واسمه عبد الرحمن بن معاوية بن الحويرث
الأنصاري الزرقي المدني، قال عبد الله بن أحمد: أنكر أبي ذلك من قول مالك، (في أبي
الحويرث: إنه ليس بثقة). وقال: قد روى عنه شعبة وسفيان. وقال الدوري عن ابن معين: ليس
يحتج بحديثه. وقال مالك: قدم علينا سفيان، فكتب عن قوم يذمون بالتخنيث، يعني أبا
الحويرث منهم. قال أبو داؤد: وكان يخضب رجليه، وكان من مرجيء أهل المدينة. وقال
النسائي: ليس بذاك. وذكره ابن حبان في الثقات، ونقل ابن عدي في ترجمته من طريق أحمد بن
سعيد بن أبي مريم عن يحيى بن معين: ثقة. وكذا من طريق عثمان الدارمي عن يحيى، وقال أبو
حاتم: ليس بقوي، يكتب حديث، ولا يحتج به. وقال ابن عدي: ليس له كثير حديث. ومالك
أعلم به؛ لأنه مدني، ولم يرو عنه شيئاً، ولم يتكلم فيه البخاري بشيء.
قوله: (فقال: ليس بثقة) إلخ: وتضعيف مالك تخلفهُ صالحاً قد خالفه في ذلك غيره، قال
أحمد بن حنبل: كان مالك أدركه وقد اختلط، فمن سمع منه قديماً فذاك، وقد روى عنه أكابر
أهل المدينة، وهو صالح الحديث، ما أعلم به بأساً، وقال يحيى بن معين في رواية عنه: صالح
هذا ثقة حجة، فقيل: إن مالكاً ترك السماع منه، فقال: إنما أدركه مالك بعدما كبر وخرف،
وكذلك الثوري إنما أدركه بعد أن خرف، فسمع منه أحاديث منكرات، ولكن من سمع منه قبل
أن يختلط فهو ثبت. وقال أبو أحمد بن عدي: لا بأس به إذا سمعوا منه قديماً، مثل ابن أبي
ذئب وابن جريح وزياد بن سعد وغيرهم، وقال أبو زرعة: صالح هذا ضعيف. وقال أبو حاتم

٣٨٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وَسَأَلْتُهُ عَنْ شُعْبَةَ الَّذِي يَرْوِي(١) عَنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ.
وَسَأَلْتُّهُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وَسَأَلْتُ مَالِكاً عَنْ هُؤُلاَءِ الْخَمْسَةِ؟ فَقَالَ:
لَيْسُوا بِثِقَةٍ فِي خَدِيثِهِمْ. وَسَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ آخَرَ نَسِيتُ اسْمَهُ؟ فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي؟
قُلْتُ: لاَ. قَالَ: لَوْ كَانَ ثِقَةً لَرَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي.
الرازي ليس بقوي. وقال أبو حاتم بن حبان: تغير صالح مولى التوأمة في سنة خمس وعشرين
ومائة، واختلط حديثه الأخير بحديثه القديم، ولم يتميز، فاستحق الترك. والله أعلم.
قوله: (شعبة الذي روى عنه ابن أبي ذئب) إلخ: هو شعبة القرشي الهاشمي المدني أبو
عبد الله، وقيل: أبو يحيى مولى ابن عباس، سمع ابن عباس ظلله، ضعفه كثيرون مع مالك،
وقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين: ليس به بأس. قال ابن عدي: ولم أجد له حديثاً منكراً،
فأحكم عليه بالضعف. وأرجو أنه لا بأس به. وأما ابن أبي ذئب: فهو السيد الخليل محمد بن
عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسمه هشام بن شعبة بن عبد الله القرشي
العامري المدني، فهو منسوب إلى جد جده.
قوله: (صالح مولى التوأمة) إلخ: هو بتاء مثناة من فوق، ثم واو ساكنة. ثم همزة
مفتوحة، قال عياض: ((ومن ضم التاء وهمز الواوَ فقد أخطأ)) قال: ((والتوأمة: هي بنت أمية بن
خلف الجمحي، قاله البخاري وغيره، قال الواقدي: وكانت مع أخت لها في بطن واحد،
فلذلك قيل: التوأمة، وهي مولاة أبي صالح من فوق، وأبو صالح هذا اسمه نبهان)).
قوله: (عن حرام بن عثمان) إلخ: الأنصاري المدني، قال مالك ويحيى: ليس بثقة. وقال
أحمد: ترك الناس حديثه. وقال الشافعي وغيره: الرواية عن حرام حرام. وقال ابن حبان: كان
غالياً في التشيع، يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل. كذا في اللسان.
وفي التهذيب: لم يخرج له مسلم ولا غيره من أصحاب الكتب الستة.
قوله: (لرأيته في كتبي) إلخ: هذا تصريح من مالك بأن من أدخله في كتابه فهو ثقة، فمن
وجدناه في كتابه حكمنا بأنه ثقة عند مالك، وقد لا يكون ثقة عند غيره، كذا قال النووي، إلا أن
لفظة مالك إنما تدل على أن من لم يرو عنه في كتبه فليس بثقة عنده لا على أن كل من روى عنه
في كتبه ثقة. والله أعلم.
قال النووي: ((وقد اختلف العلماء في رواية العدل عن المجهول، هل يكون تعديلاً له؟
فذهب بعضهم إلى أنه تعديل، وذهب الجماهير إلى أنه ليس بتعديل، وهذا هو الصواب، فإنه قد
يروي عن غير الثقة لا للاحتجاج به، بل للاعتبار والاستشهاد، أو لغير ذلك. أما إذا قال مثل
قول مالك أو نحوه، فمن أدخله في كتابه فهو عنده عدل. أما إذا قال: أخبرني الثقة، فإنه يكفي
(١). وفي نسخة: روى. من المؤلف.