النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
مقدمة المؤلف
(٤) - باب: النهي عن الرواية
عن الضعفاء والاحتياط في تحملها
١٥ - (٦) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قال: حدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هَانِىءٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ
مُسْلِمٍ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي
أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ)).
الحديثان كان الليث بن سعد يحدث بهما، فالأول: حديث الصورة حدث به عن ابن عجلان،
والثاني: هو في حديث أبي سعيد الخدري الطويل. وهذا الحديث قد أخرجاه في الصحيحين من
حديث الليث، والأول قد أخرجاه في الصحيحين من حديث غيره، وابن القاسم إنما سأل مالكاً
لأجل تحديث الليث بذلك، فيقال: إما أن يكون ما قاله مالك مخالفاً لما فعله الليث ونحوه، أو
ليس بمخالف، بل يكره أن يتحدث بذلك لمن يفته(١) ذلك ولا يحمله عقله، كما قال ابن
مسعود: ((ما من رجل يحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم)) وقد كان مالك
يترك أحاديث كثيرة لكونها لا يؤخذ بها، ولم يتركها غيره، فله في ذلك مذهب، وغاية ما يعتذر
له أن يقال: كره أن يتحدث بذلك حديثاً يفتن المستمع الذي لا يحمل عقله ذلك، وأما إن قيل:
إنه كره التحديث بذلك مطلقاً، فهذا مردود. قال الحافظ: وممن كره التحديث ببعض دون
بعض: أحمد تغُّ في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث
الصفات، وأبو يوسف تغَّثُ في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين، وأن
المراد ما يقع من الفتن ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة
العرنيين، لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي،
وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه
عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب. والله أعلم. قال الخطيب: ((ويجتنب أيضاً في روايته
للعوام أحاديث الرخص وما شجر بين الصحابة والإسرائيليات)).
(٤) - باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها
٦ - (٦) - قوله: (حدثني أبو هانىء) إلخ: بهمز آخره.
قوله: (ما لم تسمعوا أنتم) إلخ: أي: يقولون ويروون أشياء ليست هي فيما لم يزل يعرفه
المسلمون خلفاً عن سلف، مع أن الله تعالى أكمل دينه ووعد بحفظه ونشره، ولم يترك سبيلاً إلى
ضياع جزء من أجزائه، فأين كانت هذه الغرائب في القرون الأوّل؟.
قوله: (فإياكم وإياهم) إلخ: أي: كونوا منهم على حذر.
(١) لعلها يفتنه .

٣٤٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٦ - (٧) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ النُّجِيِيُّ(١)،
قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ شَرَاحِيلَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي
مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: قَّالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ
دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ لاَ
يُضِلُّونَكُمْ وَلاَ يَفِْنُونَكُمْ)).
١٧ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ
الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَامِرٍ بْنِ عَبَدَةَ؛ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةٍ
الرَّجُلِ. فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ. فَيَتَفَرَّقُونَ. فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ:
سَمِعْتُ رَجُلاً أَغْرِفُ وَجْهَهُ، وَلا أَدْرِي مَا اسْمُهُ، يُحَدِّثُ.
١٨ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ
قوله: (التجيبي) إلخ: هو بمثناة من فوق مضمومة على المشهور، ((تجيب)) و((تجوب)) قبيلة
من كندة .
قوله: (دجالون كذابون) إلخ: قال ثعلب: كل كذاب فهو دجال. وقيل: إن الدجال هو
المموه، يقال: دجل فلان. إذا موّه، ودجل الحق بباطله، إذا غطاه. وحكى ابن فارس هذا
الثاني عن ثعلب أيضاً. قلت: وعلماء السوء والرهبان غير أهل سنة كلهم داخلون في هذا
المعنى. وما أكثرهم في زماننا، نسأل الله سبحانه السلامة من شرّ هذا الزمان وشرّ أهله. كذا
قال السنوسي.
قوله: (عن عامر بن عبده) إلخ: بفتح الباء. قال النووي كثُّهُ: وهذا الإسناد فيه طرفتان من
لطائف الإسناد، إحداهما: أن إسناده كوفي كله. والثاني: أن فيه ثلاثة تابعين، يروي بعضهم
عن بعض، وهو الأعمش، والمسيب، وعامر، وهذه فائدة نفيسة، قل أن يجتمع في إسناد هاتان
اللطيفتان .
قوله: (ولا أدري ما اسمه يحدث) إلخ: أي: لا أدري اسمه ولا حاله، وإنما أعرفه بوجهه
فقط، وحاصل ما قال عبد الله أن لا يقبل رواية المجهول، وأنه يجب الاحتياط في أخذ
الحديث، فلا يقبل إلا من أهله، وأنه لا ينبغي أن يروى عن الضعفاء.
(١) قال الفتني في المغني (ص ٥١): التجيبي: مضمومة ويجوز فتحها، ن وكسر جيم وسكون مثناة فموحدة
وبشدة الياء في الآخر، منسوب إلى تجيب بنت ثوبان بن سليم، منه الأسود، وأبو عمران، وحرملة بن
يحيى وعقبة بن مسلم.

٣٤٣
مقدمة المؤلف
طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ قَالَ: إِنَّ فِي الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً
أَوْثَقَّهَاَ سُلَيْمَانُ. يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنً .
١٩ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَشِيُّ جَمِيعاً، عَنِ ابْنِ
عُيَيْنَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: جَاءَ هُذَا إِلَى
ابْنِ عَبَّاسٍ (يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ) فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسِ: عُدْ لِحَدِيثٍ كَذَا
وَكَذَا. فَعَادَ لَهُ، ثُمَّ حَدَّثَهُ. فَقَالَ لَهُ: عُدْ لِحَدِيثٍ كَذَا وَكَذَا. فَعَادَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْرِي،
أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَأَنْكَرْتَ هُذَا؟ أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَعَرَفْتَ هُذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ:
قوله: (يوشك أن تخرج) إلخ: بضم الياء وكسر الشين، معناه: يقرب، ويستعمل ماضياً
أيضاً، فيقال: أوشك.
قوله: (فتقرأ على الناس قرآناً) إلخ: معناه تقرأ شيئاً ليس بقرآن، وتقول: إنه قرآن لتغر به
عوام الناس، فلا يغترون لحفظ الله سبحانه وتعالى القرآن عن الزيادة والنقصان، ويحتمل أن
يكون المراد بالقرآن ما يجمعونه ويأتون به، إذ أصل القرآن الجمع، وكل شيء جمعته فقد
قرأته (١)، كذا قال الشارحون، ولم أجد إلى الآن في الآثار ما يؤيد مضمون هذا الأثر المروي
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ويوضح مراده، ولعله - إن لم يكن من صحيفته اليرموكية - يقع
حين خروج الدجال إذا كثرت الخوارق. والله أعلم.
وأما نحن فقد رأينا قبل عشرين سنة تخميناً أن الشيطان تمثل في صورة الدكتور منجانا
الإنجليزي، فأخرج قرآناً من وراء البحار، وعرضه على الناس مع ادعائه أنه مصحف عتيق
يخالف لهذه المصاحف الموجودة بأيدي المسلمين شرقاً وغرباً في كثير من المواضع، وكان
غرضه إثبات التحريف في القرآن، ولكن لم يرفعوا له رأساً فلم ينجح، بل خاب وخسر، وصار
بعد أيام كأن لم يكن شيئاً مذكوراً، فذهب الزبدجفاء، ومكث ما ينفع الناس في الأرض. ولله
الحمد .
قوله: (قال سعيد: أنا سفيان) إلخ: يعني: أن سعيد بن عمرو الأشعثي من بين شيخيه
روى عن ابن عيينة بصيغة الإخبار، وسمي المروي عنه باسمه سفيان، وهو ابن عيينة.
قوله: (عن هشام بن حجير) إلخ: بضم الحاء المهملة بعدها جيم مفتوحة.
قوله: (يعني بشير بن كعب) إلخ: بشير هذا مخضرم، يروي عن أبي ذر، وأبي الدرداء وقد
وثقه النسائي وابن سعد، وهو مصغر بشر.
(١) قال السندي: ويحتمل أن يكون المراد نفس القرآن لإمالة قلوب الناس، فإنهم بسبب القرآن يعدونهم من
أهل القرآن فيميلون إلى كلامهم بذلك. من المؤلف رحمه الله.

٣٤٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ (١) عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ (٢) عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ
وَالذَّلُولَ، تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ.
٢٠ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ
قوله: (إنا كنا نحدث عن) إلخ: أي: المسلمون كانوا يحدث بعضهم بعضاً عن
رسول الله ◌َّ﴾، ويقبل كل واحد من الآخر حديثه بلا دغدغة، حيث كانوا مؤتمنين على رواية
الحديث ومحتاطين فيها (٣)
قوله: (إذا لم يكن يكذب عليه) إلخ: والمراد نفي الكذب تعمداً، ومن غير عمد، لعدم
التروي وقلة الاحتياط.
قوله: (فلما ركب الناس الصعب) إلخ: مثل حسن، وأصله في الإبل، فالصعب: العسر
المرغوب عنه، والذلول: السهل الطيب المحبوب المرغوب فيه، معناه: سلك الناس كل مسلك
مما يحمد ويذم.
قوله: (تركنا الحديث) إلخ: يحتمل أن يكون المراد: تركنا حفظه وقبوله من الناس،
ويحتمل أن يكون المراد: إفادته ونشره.
فإن قلت: وأي: مناسبة في تركه إفادة الحديث ونشره لعدم محافظة غيره؟ بل قد يقال:
المناسب عكسه، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه.
قلت: وجه المناسبة فيه أنه خاف أن يزاد عليه أو ينقص، فلم ير أميناً لحمل الحق على
وجهه، ولا تؤتوا الحكمة غير أهليها فتظلموها، وإذا قال هذا ابن عباس رضيها في ذلك الزمان
العظيم البركة. فكيف حال هذا الزمان الذي فاض فيه على البسيطة عباب الشر وأهله؟ والله
المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. كذا في شرح السنوسي. وقال بعض المحشين: وقد بليتك
ليتضح لي من أيهما أنت.
(١) يعني إنما قلت لك ((عد) الإرادة التحقيق بسبب ظهور الكذب على النبي و يقول في هذا الزمان، فلما اشتبه على
بعض ألفاظ حديثك قلت لك: ((عد» فوجدتها صحيحة وارتفع اشتباهي فلا أنكرها الآن. كذا في الحل
المفهم (رف).
(٢) وفي نسخة إذا لم يكذب. من المؤلف رحمه الله.
(٣) وقال السندي في حاشيته: ((قوله نحدث، ضبط في غالب النسخ بكسر الدال على بناء الفاعل، والوجه
عندي أنه على بناء المفعول، وهو كناية عن الميل إلى سماع الحديث عن الناس، والأخذ منهم، فإن كذب
الناس يمنع من الأخذ عنهم، لا من تعيمهم، بل ينبغي أن يكون علة لتعليمهم عقلاً، وهذا هو الموافق لسائر
الروايات الآتية، فقوله في الرواية الآتية، كنا نحفظ، أي نأخذ عن الناس الحديث، ونحفظه، وكذا الرواية
الثالثة، فإنه صريحة في هذا المعنى)) من المؤلف رحمه الله.

٣٤٥
مقدمة المؤلف
طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: إِنَّمَا كُنَّا نَحْفَظُ الْحَدِيثَ، وَالْحَدِيثُ يُحْفَظُ عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَ ﴿َ، فَأَمَّا إِذْ رَكِبْتُمْ كُلُّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ، فَهَيْهَاتَ.
٢١ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغَيْلاَنِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ،
يَعْنِي الْعَقَدِيَّ، حَدَّثَنَا رَبَاحٌ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ؛ قَالَ: جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَّى
ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ، قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلهُ. فَجَعَلَ ابْنُ
عَبَّاسٍ لاَ يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ. فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَالِي لاَ أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي؟
أُحَدِّثْكَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ وَلاَ تَسْمَعُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ
الضَّعْبَ وَالذَّلُولَ، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّ مَا نَعْرِفُ.
٢٢ - (٠٠٠) حدّثنا داوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي
مُلَيْكَةَ؛ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَاباً
قوله: (والحديث يحفظ عن رسول الله) إلخ: يعني: أنه أحق بالحفظ وأجدر بالضبط .
قوله: (فهيهات) إلخ: أي: بعدت استقامتكم، أو بعد أن نثق بحديثكم، ونسمع منكم،
ونعول عليكم، و((هيهات)) موضوعة لاستبعاد الشيء واليأس منه، وهو اسم فعل كما قال
الواحدي.
قوله: (يعني العقدي) إلخ: بفتح العين والقاف منسوب إلى العقد، قبيلة معروفة من بجيلة.
وقیل من قیس .
قوله: (رباح) إلخ: بفتح الراء والباء الموحدة.
قوله: (لا يأذن لحديثه) إلخ: أي: لا يستمع ولا يصغي، ومنه: ﴿وَأَِنَتْ لِرَبِهَا وَحُقَّتْ﴾ [سورة
الانشقاق، الآية: ٢].
قوله: (إنا كنا مرة) إلخ: أي: وقتاً، ويعني قبل ظهور الكذب.
قوله: (إلا ما نعرف) إلخ: أي: ما يوافق المعروف، أو ما نعرف فيه أمارات الصحة
وسمات الصدق. والله أعلم.
قوله: (داود بن عمرو الضبي) إلخ: بفتح الضاد المعجمة المشددة وبعدها باء موحدة
مشددة .
قوله: (عن ابن أبي مليكة) إلخ: هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة القرشي التيمي،
المكي، قاضي مكة في زمن ابن الزبير، وكان إماماً فقيهاً فصيحاً مفوهاً، اتفقوا على توثيقه.
روى عنه ابن جريج، ونافع بن عمر الجمحي، والليث بن سعد، وغيرهم، روى عنه أيوب قال:

٣٤٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَيُخْفِي عَنِّي. فَقَالَ: وَلَدْ نَاصِحٌ، أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الأُمُورَ اخْتِيَاراً وَأُخْفِي عَنْهُ. قَالَ فَدَعَا
بِقَضَاءِ عَلِيٍّ. فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا قَضَى بِهِذَا عَلِيٍّ.
إِلاَّ أَنْ يَكونَ ضَلَّ.
٢٣ - (٠٠٠) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَام بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ
طَاوُسٍ؛ قَالَ: أَتِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ فِيهِ قَضَاءُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَّحَاهُ، إِلَّ قَدْرَ،
وَأَشَارَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِذِرَاعِهِ .
بعثني ابن الزبير على قضاء الطائف، فكنت أسأل ابن عباس، وكانت وفاته سنة سبع عشرة
ومائة، ووفاة ابن عباس سنة ثمان وستين.
قوله: (ويخفي عني) إلخ: قال الجزائري: ((يخفي عني)) و((أخفى عنه)) هما بالخاء
المعجمة، وقد ظن بعضهم أنهما بالحاء من الإحفاء بمعنى الإلحاح أو الاستقصاء، وجعل ((عن))
بمعنى ((على))، ولا يخفى ما في ذلك من التعسف، يريد أنه يكتم عنه أشياء مما يخشى إذا
ظهرت أن يحصل منها، قيل: وقال من النواصب والخوارج، وناهيك بشوكتهما في ذلك العصر
وبفرط ميلهما لمشاقّة الإمام المرتضى، فاختار عدم كتابة ذلك دفعاً للمحذور مع أن هذا النوع
ربما كان مما لا يلزم السائل معرفته، وإن كان مما يضطر إليه، فإنه يمكنه أن يحصل الاطلاع
عليه بطريق المشافهة)) .
قوله: (ولد ناصح) إلخ: أي: مخلص شفيق يريد الخير.
قوله: (أنا أختار له الأمور) إلخ: أي: أرسل إليه اللب الخالص، والمنتخب المختار مما
یناسب حاله.
قوله: (وأخفي عنه) إلخ: إخبار منه بإجابته إلى ما دعاه إليه .
قوله: (والله ما قضى بهذا عَلِيٍّ) إلخ: قال النووي: ((معناه ما يقضي بهذا إلا ضال، ولا
يقضي به عليُّ إلا أن يعرف أنه ضلّ، وقد علم أنه لم يضلّ، فيعلم أنه لم يقض به)) اهـ.
ويحتمل أن يكون ((ضل)) بمعنى أخطأ، أو نسي، وهو أيضاً بعيد إذ لم يؤلف من
عليّ ◌َظُه مثل هذا الخطأ الفاحش والنسيان المفرط في مثل هذا، والله أعلم.
وبالجملة رد ابن عباس به أجزاء ذلك الكتاب التي كانت قطعية البطلان عنده، وكان
هذا منه ربه جرياً على سنة القرآن التي هدى الله سبحانه وتعالى إليها في رد الروايات والنقول
المقطوع بخلافها، حيث قال في قصة الإفك: ﴿لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا
وَقَالُواْ هَذَا إِنْكُ مُّبِينٌ ﴾﴾ [سورة النور، آية: ١٢] ثم قال بعد آيات: ﴿وَلَوْلَآَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ
﴾ [سورة النور، آية: ١٦].
لَنَّا أَنْ تَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَلُ عَظِيمٌ (
قوله: (محاه إلا قَدْرَ) إلخ: قدر منصوب غير منون، مضاف إلى محذوف، فسره سفيان

٣٤٧
مقدمة المؤلف
٢٤ - (٠٠٠) حدّثنا حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ
إِذْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ؛ قَالَ: لَمَّا أَحْدَثُوا تِلْكَ الأَشْيَاءَ بَعْدَ عَلِيٍّ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ؛ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابٍ عَلِيٍّ: قَاتَلَّهُمُ اللَّهُ أَيَّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا.
٢٥ - (٠٠٠) حدّثنا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ، قَالَ:
بإشارته إلى ذراعه، معناه: محاه إلا قدر ذراع، والظاهر أن هذا الكتاب كان درجاً مستطيلاً،
والله أعلم.
قوله: (تلك الأشياء) إلخ: أشار بذلك إلى ما أدخلته الروافض والشيعة في علم
علي رُه وحديثه، وتقولوه عليه من الأباطيل، وأضافوه إليه من الروايات والأقاويل المفتعلة
والمختلقة، وخلطوه بالحق، فلم يتميز ما هو صحيح عنه مما اختلفوه.
قوله: (قاتلهم الله) إلخ: قال القاضي عياض كثّفُ: معناه: لعنهم الله، وقيل: باعدهم،
وقيل: قتلهم، قال: وهؤلاء استوجبوا عنده ذلك لشناعة ما أتوه كما فعله كثير منهم، وإلا فلعنة
المسلم غير جائزة» .
قوله: (يعني: ابن عياش) إلخ: أبو بكر بن عياش هو الإمام المجمع على فضله، واختلف
في اسمه، والصحيح أن اسمه كنيته، وقيل: اسمه محمد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل:
شعبة، وقيل غير ذلك.
قال النووي: ((روينا عن ابنه إبراهيم، قال: قال لي أبي: إن أباك لم يأت فاحشة قط، وإنه
يختم القرآن منذ ثلاثين سنة كل يوم مرةً، وروینا عنه أنه قال لابنته عند موته - وقد بکت ۔: یا
بُنَّة. لا تبكي، أتخافين أن يعذبني الله تعالى !! وقد ختمت في هذه الزاوية أربعة وعشرين ألف
ختمة)) .
قوله: ((سمعت المغيرة)) إلخ: المغيرة هذا هو الفقيه الحافظ أبو هشام بن مقسم الضبي
الكوفي. ولد أعمى، وكان عجيباً في الذكاء.
قال الذهبي تقذفُ في طبقات الحافظ: ((ضعف أحمد روايته عن إبراهيم فقط، وكان
عثمانياً، ويحمل على عليّ بعض الحمل)). وقال في الميزان: «إمام ثقة، لكن لين أحمد بن
حنبل تَُّ روايته عن إبراهيم النخعي فقط، مع أنها في الصحيحين، وروي عن أبي وائل
والشعبي ومجاهد)».
قوله: ((لم يكن يصدق)) إلخ: ضبط على وجهين، أحدهما: بفتح الياء وإسكان الصاد
وضم الدال. والثاني: بضم الياء وفتح الصاد والدال المشددة.

٣٤٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ يَصْدُقُ عَلَى عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ، إِلاَّ مِنْ
أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
(٥) - باب: بيان أن الإسناد من الدين، وأن الرواية لا تكون
إلا عن الثقات. وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز، بل واجب.
وأنه ليس من الغيبة المحرّمة، بل من الذبّ عن الشريعة المكرّمة
٢٦ - (٠٠٠) حدّثنا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ وَهِشَامٍ، عَنْ
مُحَمَّدٍ. وَحَدَّثَنَا فُضَيْلٌ، عَنْ هِشَام، قَالَّ: وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ هِشَامٌ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ؛ قَالَ: إِنَّ هُذَا الْعِلْمَ دِينٌ. فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ.
قوله: (إلا من أصحاب عبد الله) إلخ: قال النووي كثّفُهُ: ((في ((من)) وجهان، أحدهما :
أنها لبيان الجنس. والثاني: أنها زائدة)) .
قال بعض المحشين: يعني: تغير الناس بعد علي رُه، حتى كذبوا على عليّ رَظُبه، سوى
أصحاب عبد الله بن مسعود ربه، فإنهم ثقات أثبات روَوا عن علي رضيُّه الحديث على وجهته.
(٥) - باب: بيان أن الإسناد من الدين، وأن الرواية لا تكون
إلا عن الثقات، وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز بل واجب،
وأنه ليس من الغيبة المحرمة، بل من الذب عن الشريعة المكرمة
قوله: (عن أيوب وهشام) إلخ: هشام مجرور بالعطف على أيوب، وهو: هشام بن حسان
القردوسي .
قوله: (عن محمد) إلخ: هو ابن سيرين.
قوله: (وحدثنا فضيل) إلخ: القائل: ((وحدثنا فضيل)) و(حدثنا مخلد)) هو: حسن بن
الربيع. وفضيل هو: ابن عياض الولي الجليل كثّتُهُ .
قوله: (وحدثنا مخلد بن حسين) إلخ: بفتح الميم واللام وسكون الخاء المعجمة.
قوله: (فانظروا عمن تأخذون) إلخ: أي: الدين لا يؤخذ إلا ممن اؤتمن على دينه، قال
الشيخ جلال الدين في إسعاف المبطأ برجال الموطأ: ((قال معن بن عيسى: كان مالك يقول: لا
يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذلك، لا يؤخذ من سفيه، ولا يؤخذ من صاحب هوى
يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس، وإن كان لا يهتم على أحاديث
رسول الله وَر، ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث به. وقال
إسحاق بن محمد الغروي: سئل مالك أيؤخذ العلم ممن ليس له طلب ولا مجالسة؟ فقال: لا،

٣٤٩
مقدمة المؤلف
٢٧ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ
عَاصِم الأَحْوَلِ، عَنِ ابْنٍ سِيرِينَ؛ قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَّسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ
الْفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ. وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ
الْبِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ .
٢٨ - (٠٠٠ ) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ،
حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى؛ قَالَ: لَقِيتُ طَاؤُساً فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي فُلاَنٌ كَيْتٍ
وَكَيْتٍ. قَالَ: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا فَخُذْ عَنْهُ.
فقيل: أيؤخذ ممن هو صحيح ثقة، غير أنه لا يحفظ ولا يفهم ما يحدث به؟ فقال: لا يكتب
العلم إلا عمن يحفظ، ويكون قد طلب، وجالس الناس، وعرف، وعمل، ويكون معه ورع.
وقال إسماعيل ابن أبي أويس: سمعت خالي مالكاً يقول: إن هذا العلم دين فانظروا عمن
تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين ممن يقول: ((قال رسول الله (وَ ل3) عند هذه الأساطين فما
أخذت عنهم شيئاً، وإن أحدهم لو اؤتمن على بيت مال لكان به أميناً، لأنهم لم يكونوا من أهل
هذا الشأن، وقدم علينا ابن شهاب فكنا نزدحم عند بابه. وقال أبو سعيد بن الأعرابي: كان
يحيى بن معين يوثق الرجل لرواية مالك عنه، سئل عن غير واحد، فقال: ثقة، روى عنه مالك.
وقال شعبة بن الحجاج: كان مالك أحد المميزين، ولقد سمعته يقول: ليس كل الناس يكتب
عنهم، وإن كان لهم فضل في أنفسهم، إنما هي أخبار رسول الله وَطّر، فلا تؤخذ إلا من أهلها.
وقال ابن كنانة: قال مالك كثّفُ: من جعل التمييز رأس ماله عدم الخسران، وكان على زيادة.
وقيل لشعبة: من ذا الذي يترك حديثه؟ قال: إذا روي عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون
فأكثر: ترك حديثه، فإذا اتهم بالحديث: ترك حديثه، فإذا أكثر الغلط: ترك حديثه، وإذا روى
حديثاً اجتمع عليه أنه غلط: ترك حديثه، وما كان غير هذا فارو عنه. وروي عن ابن عمر عن
عمر بن الخطاب رضيبه قال: كان يأمرنا أن لا نأخذ إلا عن ثقة)).
قوله: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد) إلخ: فيه دليل على أن المرسل كان مقبولاً عندهم
إذ ذاك.
قوله: (فلا يؤخذ حديثهم) إلخ: تقدم حكم رواية المبتدع في المقدمة مفصلاً، فراجعه.
قوله: (كيت وكيت) إلخ: بفتح التاء وكسرها؛ لغتان، نقلهما الجوهري في صحاحه عن
أبي عبيدة. قاله النووي. وهي كناية عن الأمر نحو كذا. كذا في مجمع البحار.
قوله: (إن کان صاحبك) إلخ: أي: الذي تروي عنه.
قوله: (ملياً) أي: ثقة ضابطاً متقناً يوثق بدينه ومعرفته، ويعتمد عليه كما يعتمد على الملي
في معاملته بالمال ثقة بذمته.

٣٥٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٩ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ، يَعْنِي ابْنَ
مُحَمَّدِ الدِّمَشْقِيَّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سُلَّيْمَانَ بْنٍ مُوسَى؛ قَالَ قُلْتُ لِطَاوُس:
إِنَّ فُلاَناً حَدَّثَنِي بِكَذَا وَكَذَا. قَالَ: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا فَخُذْ عَنْهُ.
٣٠ - (٠٠٠) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي
الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ. مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ. يُقَالُ:
لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ .
٣١ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو
بَكْرِ بْنُ خَلَّدِ الْبَاهِلِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، قَالَ:
قوله: (الجهضمي) إلخ: بفتح الجيم وسكون الهاء وفتح الضاد المعجمة، منسوب إلى
الجهاضمة وهي محلة بالبصرة، وكان من العلماء المتقنين، وكان المستعين بالله بعث إليه
ليشخصه للقضاء، فدعاه أمير البصرة لذلك، قال: أرجع فأستخير الله تعالى، فرجع إلى بيته
نصف النهار. فصلى ركعتين، وقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، فنام فأنبهوه.
فإذا هو ميت.
قوله: (الأصمعي) إلخ: هو الامام المشهور من كبار أئمة اللغة والمكثرين والمعتمدين
منهم؛ واسمه عبد الملك بن قريب بقاف مضمومة ثم راء مفتوحة.
قوله: (عن ابن أبي الزناد) إلخ: قال النووي: ((أما أبو الزناد بكسر الزاي فاسمه:
عبد الله بن ذكوان، كنيته: أبو عبد الرحمن، وأبو الزناد لقب له، كان يكرهه واشتهر به، وهو
قرشي مولاهم، مدني، وكان الثوري يسمَّى أبا الزناد: أمير المؤمنين في الحديث، قال
البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة: ((أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة)) وقال مصعب: كان
أبو الزناد فقيه أهل المدينة. وأما ابن أبي الزناد فهو عبد الرحمن، ولأبي الزناد ثلاثة بنين يروون
عنه، عبد الرحمن وقاسم وأبو القاسم)).
قوله: (يقال: ليس من أهله) إلخ: ذكر الحاكم في ((علوم الحديث)) أن من شروط الصحيح
كون الراوي مشهوراً بالطلب، وليس مراده الشهرة المخرجة عن الجهالة، بل قدر زائد على
ذلك، قال عبد الرحمن ابن عون: لا يؤخذ العلم إلا عمن شهد له بالطلب، وعن مالك نحوه،
وفي مقدمة صحيح مسلم عن أبي الزناد قال: ((أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يأخذ عنهم
الحديث، يقال: ليس من أهله، قال الحافظ ابن حجر: ((والظاهر من تصرف صاحبي الصحيح
اعتبار ذلك إلا إذا كثرت مخارج الحديث، فيستغنيان عن اعتبار ذلك، كما يستغني بكثرة الطرق
عن اعتبار الضبط التام، قال: ويمكن أن يقال: إن اشتراط الضبط يغني عن ذلك؛ إذ المقصود
بالشهرة بالطلب أن يكون له مزيد اعتناء بالرواية، لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى)).
قوله: (من مسعر) إلخ: بكسر الميم، وهو: ابن كدام، بكسر الكاف، كما ضبطه

٣٥١
مقدمة المؤلف
سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: لاَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ إِلَّ الثِّقَاتُ.
باب الكشف عن معايب رواة الحديث
ونقلة الأخبار وقول الأئمة في ذلك
٣٢ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، قَالَ: سَمِعْتُ
عَبْدَانَ بْنَ عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلاً
الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ .
قَالَ: وَقَالَ(١) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي رِزْمَةَ(٢)؛ قَالَ: سَمِعْتُ
العسقلاني في التقريب، والخزرجي في الخلاصة. وأبو طاهر الفتني في المغني، وعلي القاري
في شرح الشمائل آخر باب صلاة الضحى، وضبطه الشارح السنوسي بفتح الكاف. والله أعلم.
قوله: (إلا الثقات) إلخ: أي: لا يقبل الحديث إلا من الثقات(٣).
باب الكشف عن معايب رواة الحديث
ونقله الأخبار وقول الأئمة في ذلك
قوله: (قهزاذ) إلخ: بقاف مضمومة، ثم هاء ساكنة، ثم زاي، ثم ألف، ثم ذال معجمة،
هذا هو الصحيح المشهور.
قوله: (من أهل مرو) إلخ: مرو غير منصرف للعلمية والتأنيث، وهي مدينة عظيمة
بخراسان.
قوله: (الإسناد من الدين) إلخ: تقدم تعريف (السند)) و(الإسناد)) وما يتعلق بهما في أوائل
شرح المقدمة، تحت قوله: ((بالأسانيد التي بها نقلت)) إلخ.
قوله: (حدثني العباس بن أبي رزمة) إلخ: قال النووي: ((أما رزمة فبراء مكسورة ثم زاي
ساكنة، ثم ميم، ثم هاء)). ثم قال: ((وقع في بعض الأصول ((العباس بن أبي رزمة)) وفي بعضها
((العباس بن أبي رزمة)) وكلاهما مشكل، ولم يذكر البخاري في تاريخه، وجماعة من أصحاب
كتب أسماء الرجال: ((العباس بن رزمة)) ولا ((العباس بن أبي رزمة))، وإنما ذكروا عبد العزيز بن
أبي رزمة أبا محمد المروزي، سمع عبد الله بن المبارك، ومات في المحرم سنة ست ومائتين،
(١) وفي نسخة: حدثنا. من المؤلف.
(٢) وفي نسخة: أن أبي رزمة. من المؤلف.
(٣) قال السندي: قوله: ((لا يحدث)) يحتمل أن يكون بالجزم، ويحتمل أن يكون بالرفع نفياً بمعنى النهي، أو
بمعناه على بعض التأويلات. من المؤلف.

٣٥٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ (١) الْقَوَائِمُ. يَعْنِي: الإِسْنَادَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عِيسَى الطَّالَقَانِيَّ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ
اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ، الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ ((إِنَّ مِنَ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ، أَنْ تُصَلِّيَ
لِأَبَوَيْكَ مَعَ صَلاَتِكَ، وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ)) قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ عَمَّنْ
هُذَا؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: هُذَا مِنْ حَدِيثِ شِهَابٍ بْنِ خِرَاشِ. فَقَالَ: ثِقَةٌ، عَمَّنْ؟ قَالَ: قُلْتُ:
عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ. قَالَ: ثِقَةٌ، عَمَّنْ؟ قَالَ قُلْتُ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ وَِّ. قَالَ: يَا أَبَا
إِسْحَاقَ، إِّ بَيْنَ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ وَبَيْنَ النَّبِيِّ نََّ مَفَاوِزَ، تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ، وَلْكِنْ
لَيْسَ فِي الصَّدَقَّةِ اخْتِلاَفٌ.
واسم أبي رزمة غزوان. والله أعلم)) اهـ. والحافظ ابن حجر أيضاً نقل عبارة النووي هذه في
ترجمة عبد العزيز بن أبي رزمة من تهذيبه، ولم يزد عليها .
قوله: (القوائم) إلخ: جعل الحديث كالحيوان أو كالبيت لا يقوم بغير قوائم، وقوائم
الحديث إسناده. كذا في الشروح.
قوله: (الطالقاني) إلخ: بفتح الطاء المهملة واللام.
قوله: (من حديث شباب بن خراش) إلخ: بالخاء المعجمة المكسورة.
قوله: (مفاوز) إلخ: جمع مفازة، وهي الأرض القفراء البعيدة عن العمارة وعن الماء،
التي يخاف الهلاك فيها، قيل: سميت مفازة للتفاؤل بسلامة سالكيها، كما سموا اللديغ سليماً،
وقيل: لأن من قطعها فاز ونجا، وقيل: لأنها تهلك صاحبها، يقال: فاز الرجل إذا هلك، وهذه
العبارة استعارة حسنة، وذلك لأن الحجاج بن دينار هذا من تابعي التابعين، فأقل ما يمكن أن
يكون بينه وبين النبيّ ◌َّ﴿ اثنان، الصحابي والتابعي، فلهذا قال: ((بينهما مفاوز)) أي: انقطاع
کثیر .
قوله: (فليس في الصدقة اختلاف) إلخ: معناه أن الحديث لا يحتج به، ولكن من أراد برّ
والديه فليتصدق عنهما. فإن الصدقة تصل إلى الميت وينتفع بها بلا خلاف بين المسلمين.
قال النووي: ((وأما الصلاة والصوم فمذهب الشافعي وجماهير العلماء أنه لا يصل ثوابهما
إلى الميت، إلا إذا كان الصوم واجباً على الميت فقضاه عنه وليه أو من أذن له الولي، فإن فيه
قولين للشافعي. أشهرهما عنه: أنه لا يصح، وأشهرهما وأصحهما عند محققي المتأخرين: أنه
يصح، وستأتي المسألة إن شاء الله في كتاب الصوم)).
(١) قال السندي: أي الصحابة، أو الخصوم الذين نخاصمهم في المسائل. من المؤلف رحمه الله.

٣٥٣
مقدمة المؤلف
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ شَقِيقٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ عَلَى
رُؤُوْسِ النَّاسِ: دَعُوا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَسُبَّ السَّلَفَ.
٣٣ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّصْرِ بْنِ أَبِي النَّصْرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّصْرِ
هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ صَاحِبُ بُهَيَّةً، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ
اللَّهِ وَيَحْيَى بْنِ سُّعِيدٍ، فَقَالَ يَحْيَى لِلْقَاسِمِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّهُ قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكَ،َ عَظِيمٌ أَنْ
تُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ هُذَا الدِّينِ، فَلاَ يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ، وَلاَ فَرَجٌ، أَوْ عِلْمٌ وَلا
مَخْرَجٌ. فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ: وَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: لأَنَّكَ ابْنُ إِمَامَيْ هُدَى، ابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
وأما قراءة القرآن فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل ثوابها إلى الميت، وقال بعض
أصحابه: يصل، وذهب جماعة من العلماء إلى أنه يصل إلى الميت ثواب جميع العبادات من
الصلاة والصوم والقراءة وغير ذلك. وسيأتي التفصيل في محله من هذا الشرح إن شاء الله تعالى.
قوله: (عمرو بن ثابت) إلخ: قال ابن معين: ليس بشيء. وقال مرة: ليس بثقة، ولا
مأمون. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات، وقال أبو داود:
رافضي. وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم. وقال هناد: كتبت عنه كثيراً فبلغني أنه كان عند
حبان بن علي، فأخبرني من سمعه يقول: ((كفر الناس بعد رسول الله وَ ل وإلا أربعة». وقال أبو
داود: رافضي خبيث. وقال العجلي: شديد التشيع، غال فيه، واهي الحديث.
قوله: (حدثني أبو بكر بن النضر بن أبي النضر) إلخ: هكذا وقع في الأصول: ((أبو بكر بن
النضر بن أبي النضر قال: حدثني أبو النضر)) وأبو النضر هذا هو جد أبي بكر هذا، وأكثر ما
يستعمل أبو بكر بن أبي النضر، واسم أبي النضر هاشم بن القاسم، ولقب أبي النضر قيصر.
قوله: (أبو عقيل صاحب بهية) إلخ: أبو عقيل: بفتح العين، وبهية: بضم الباء الموحدة
وفتح الهاء، وتشديد الياء، وهي امرأة تروي عن عائشة أم المؤمنين رؤيتها، قيل: إنها سمتها بهية،
ذكره أبو علي الغساني في ((تقييد المهمل)) وروى عن بهية مولاها أبو عقيل المذكور، واسمه
يحيى بن المتوكل الضرير المدني، وقيل: الكوفي، وقد ضعفه يحيى بن معين، وعلي بن
المديني، وعمرو بن علي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وابن عمار، والنسائي، ذكر هذا كله
الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بأسانيده عن هؤلاء. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير
محفوظة. وقال ابن عبد البر: هو عند جميعهم ضعيف. وقال أبو حاتم: ضعيف يكتب حديثه.
فإن قيل: فإذا كان هذا حاله فكيف روى له مسلم؟ فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه لم
يثبت جرحه عنده مفسراً، ولا يقبل الجرح إلا مفسراً، والثاني: أنه لم يذكره أصلاً ومقصوداً، بل
ذكره استشهاداً لما قبله. كذا أجاب النووي، والحق أنه غير شاف.
قوله: (ابن إمامي هدى أبي بكر وعمر) إلخ: وفي الرواية الثانية: ((وأنت ابن إمامي
:

٣٥٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: يَقُولُ لَهُ الْقَاسِمُ: أَقْبَحُ مِنْ ذَاكَ عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ، أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ آخُذَ
عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ. قَالَ: فَسَكَتَ، فَمَا أَجَابَهُ.
٣٤ - (٠٠٠) وحدّثني بِشْرُ بْنُ الْحِكْم الْعَبْدِيُّ. قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةً يَقُولُ:
أَخْبَرُونِي عَنْ أَبِي عَقِيلِ صَاحِبٍ بُهَيَّةَ أَنَّ أَبْنَاءَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ
عِنْدَهُ فِيهِ عِلْمٌ. فَقَالَ لَّهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَاللَّهِ إِنِّي لأُعْظَمُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُكَ، وَأَنْتَ ابْنُ
إِمَامَي الْهُدَى، يَعْنِي عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ. تُسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ لَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ عِلْمٌ. فَقَالَ: أَعْظَمُ مِنْ
ذُلِكَ، وَاللَّهِ، عِنْدَ اللَّهِ، وَعِنْدَ مَنْ عَقَّلَ عَنِ اللَّهِ، أَنَّ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمِ. أَوْ أُخْبِرَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ.
قَالَ: وَشَهِدَهُمَا أَبُو عَقِيلٍ يَحْبَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ حِينَ قَالاَ ذُلِكَ.
٣٥ - (٠٠٠) وحدّثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَبُو حَفْصٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ،
قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَشُعْبَةَ، وَمَالِكاً، وَابْنَ غُيَيْنَةَ، عَنِ الرَّجُلِ لاَ يَكُونُ ثَبْتاً فِي
الْحَدِيثِ، فَيَأْتِينِ الرَّجُلُ فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ. قَالُوا: أَخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَبْتٍ.
٣٦ - (٠٠٠) وحدَثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ سَمِعْتُ النَّضْرَ يَقُولُ: سُئِلَ ابْنُ عَوْنٍ
الهدى، يعني: عمر وابن عمر ﴿ه)) ولا مخالفة بين الروايتين، فإن القاسم هذا هو ابن عبيد الله بن
عبد الله بن عمر بن الخطاب، فهو ابنهما، وأم القاسم هي أم عبد الله بنت القاسم بن محمد بن
أبي بكر الصديق ﴿ه، فأبو بكر جده الأعلى لأمه وعمر جده الأعلى لأبيه، وابن عمر جده
الحقيقي لأبيه رم أجمعين.
قوله: (أو أخذ عن غير ثقة) إلخ: والحاصل: أن القول في الدين بغير علم أو بغير سند
يوثق به أقبح وأشنع من قول: ((لا أدري)) فإن اعتراف عدم العلم علم، وادعاء العلم بغير علم
جهل عظيم، ينشأ منه المفاسد العظيمة، أعاذنا الله منه .
قوله: (فسكت) إلخ: أي: يحيى بن سعيد: وما ناقشه في جوابه.
قوله: (أخبروني عن أبي عقيل) إلخ: قد يقال فيه: هذه رواية عن مجهولين، وجوابه ما
تقدم أن هذا ذكره متابعة واستشهاداً، والمتابعة والاستشهاد يذكرون فيهما من لا يحتج به على
انفراده، لأن الاعتماد على ما قبلهما لا عليهما، وقد تقدم هذا في مقدمة هذا الشرح. والله
أعلم.
قوله: (وشهدهما) إلخ: ضمير التثنية راجع إلى ابن لعبد الله بن عمر - وهو القاسم -
ویحیی بن سعيد.
قوله: (أنه ليس بثبت) إلخ: أي: ليس بثقة، وليس هذا من الغيبة المحرمة.

٣٥٥
مقدمة المؤلف
عَنْ حَدِيثٍ لِشَهْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ. فَقَالَ: إِنَّ شَهْراً نَزَكُوهُ. إِنَّ شَهْراً نَزَكُوهُ.
قالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَقُولُ: أَخَذَتْهُ أَلْسِنَةُ النَّاسِ، تَكَلَّمُوا فِيهِ.
٣٧ - (٠٠٠) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ،
قوله: (عن حديث الشهر) إلخ: هو شهر بن حوشب - بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة -
أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله وأبو عبد الرحمن.
قوله: (أسكفة الباب) إلخ: هي العتبة السفلى التي توطأ، وهي بضم الهمزة والكاف
وتشديد الفاء.
قوله: (إن شهراً نزكوه) إلخ: نزكوه بالنون والزاي المفتوحتين، معناه: طعنوا فيه وتكلموا
بجرحه، فكأنه يقول: طعنوه بالنيزك - بفتح النون وإسكان المثناة من تحت وفتح الزاي - وهو
رمح قصير، وهذا الذي ذكرته هو الرواية الصحيحة المشهورة، وكذا ذكرها من أهل الأدب
واللغة والغريب: الهروي في غريبه، وحكى القاضي عياض عن كثيرين من رواة مسلم أنهم رووه
(تركوه)) - بالتاء والراء - وضعفه القاضي، وقال: الصحيح بالنون والزاي، قال: و[هو] الأشبه
بسياق الكلام، وقال غير القاضي: رواية التاء تصحيف، وتفسير مسلم يردها، ويدل عليه أيضاً
أن شهراً ليس متروكاً، بل وثقه كثيرون من كبار أئمة السلف أو أكثرهم، فقال عمرو بن علي: ما
كان يحيى يحدث عنه. وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وقيل لابن المديني: ترضى حديث شهر؟
فقال: أنا أحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وأنا لا أدع حديث الرجل إلا أن يجتمعا
عليه يحيى وعبد الرحمن على تركه، وقال أحمد: ما أحسن حديثه! ووثقه. وقال البخاري: شهر
حسن الحديث، وقوى أمره، وقال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان:
وشهر وإن قال ابن عون: نزكوه، فهو ثقة، وقال ابن عمار: روى عنه الناس وما أعلم أحداً قال
فيه غير شعبة، قيل: يكون حديثه حجة؟ قال: لا، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال صالح بن
محمد: إلا أنه روى أحاديث ينفرد بها لم يشاركه فيها أحد. وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه
شهر وغيره من الحديث فيه من الإنكار ما فيه، وشهر ليس بالقوي في الحديث، وهو ممن لا
يحتج بحديثه، ولا يتدين به. وقال أبو الحسن بن القطان الفاسي: لم أسمع لمضعفه حجة، وما
ذكروا من تزييه بزي الجند، وسماعه الغناء بالآلات، وقذفه بأخذ الخريطة فإما لا يصح، أو هو
خارج على مخرج لا يضره، وشر ما قيل فيه؛ إنه يروي منكرات عن ثقات، وهذا إذا كثر منه
سقطت الثقة به، كذا في التهذيب.
قوله: (حجاج بن الشاعر) إلخ: هو حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفي أبو محمد
البغدادي، كان أبوه يوسف شاعراً صحب أبا نواس، وحجاج هذا يوافق الحجاج بن يوسف بن
الحكم الثقفي أبا محمد الوالي الجائر المشهور بالظلم وسفك الدماء، فيوافقه في اسمه واسم
أبيه وكنيته ونسبته، ويخالفه في جده، وعصره وعدالته، وحسن طريقته.

٣٥٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: قَالَ شُعْبَةُ: وَقَدْ لَقِيتُ شَهْراً فَلَمْ أَعْتَدَّ بِهِ.
٣٨ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ، مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ
حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: إِنَّ عَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ
مَنْ تَغْرِفُ حَالَهُ، وَإِذَا حَدَّثَ جَاءَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، فَتَرَى أَنْ أَقُولَ لِلنَّاسِ: لاَ تَأْخُذُوا عَنْهُ؟ قَالَّ
سُفْيَانُ: بَلَى. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَكُنْتُ، إِذَا كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ ذُكِرَ فِيهِ عَبَّادٌ، أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ فِي
دِينِهِ، وَأَقُولُ: لاَ تَأْخُذُوا عَنْهُ.
٣٨ (م) - (٠٠٠) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ. قَالَ، قَالَ أَبِي، قَالَ عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: انْتَهَيْتُ إِلَى شُعْبَةَ فَقَالَ: هَذَا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ فَاحْذَرُوهُ.
٣٩ - (٠٠٠) وحدّثني الْفَضْلُ بْنُ سَهْلِ قَالَ: سَأَلْتُ مُعَلَّى الرَّازِيَّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
سَعِيدٍ، الَّذِي رَوَى عَنْهُ عَبَّدٌ، فَأَخْبَرَنِي عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ: كُنْتُ عَلَى بَابِهِ وَسُفْيَانُ
عِنْدَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلْتُهُ عَنْهُ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ كَذَّابٌ.
٤٠ - (٠٠٠) وحدثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَفَّانُ، عَن مُحَمَّدٍ بْنِ
يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَّانِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمْ نَرّ الصَّالِحِينَ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي
الْحَدِيثِ .
قوله: (حدثنا شبابة) إلخ: هو شبابة بن سوار، قيل: اسمه مروان، وشبابة لقب. والله
أعلم.
قوله: (من تعرف حاله) إلخ: قال النووي: ((يعني أنت عارف بضعفه)) اهـ. قلت: الظاهر
أن مراده تعرف حاله من الزهد والصلاح والتقشف، ومع ذلك إذا حدث جاء بأمر عظيم أي:
أحاديث منكرة واهية. كما تقدم شيء من ترجمته في أوائل هذا الشرح.
قوله: (قال محمد: وحدثنا) إلخ: هو محمد بن عبد الله بن قهزاذ شيخ مسلم المتقدم ذكره
في الإسناد السابق.
قوله: (فاحذروه) إلخ: أي: فاحذروا روايته وحديثه.
قوله: (محمد بن سعيد الذي روى عنه عباد بن كثير) إلخ: قال بعض الفضلاء المحشين:
هكذا في بعض النسخ، وهو مشكل، فإن عباداً يروي عن يحيى بن أبي كثير وطبقته، وعنه
إبراهيم بن أدهم ومن في طبقته، وهذه الطبقة من شيوخ المعلى بن منصور الرازي، فكيف يسمى
بمن روى عنه عباد، ولعل لفظ ((عباد)) مرجع ضمير ((عنه)» فالسؤال عن محمد بن سعيد الذي
روى عن عباد، فتأمل، وليس في بعض النسخ لفظة عباد بن كثير، فحينئذٍ الظاهر في ضمير ((عنه))
أنه يرجع إلى المعلى؛ فتدبر.

٣٥٧
مقدمة المؤلف
قَالَ ابْنُ أَبِي عَتَّابِ: فَلَقِيتُ أَنَا مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، فَسَأَلْتُّهُ عَنْهُ. فَقَالَ
عَنْ أَبِيهِ: لَمْ تَرَ أَهْلَ الْخَيْرِ فِي شَيْءٍ، أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ.
قَالَ مُسْلِمٌ: يَقُولُ: يَجْرِي الْكَذِبُ عَلَى لِسَانِهِمْ وَلا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ.
٤١ - (٠٠٠) حدّثني الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
خَلِيفَةُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى غَالِبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَجَعَلَ يُمْلِي عَلَيَّ: حَدَّثَنِي
مَكْحُولٌ، حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ. فَأَخَذَهُ الْبَوْلُ فَقَامَ فَتَظَرْتُ فِي الْكُرَّاسَةِ فَإِذَا فِيهَا حَدَّثَنِي أَبَانٌ،
قوله: (قال ابن أبي عتاب، فلقيت أبا محمد بن يحيى بن سعيد القطان) إلخ: هكذا وقع
في النسخ المطبوعة المصرية التي بأيدينا ((فلقيت أبا محمد بن يحيى)). وظني أن الصحيح ((فلقيت
محمد بن يحيى)) يعني: قد كان بلغني هذا القول أولاً عن محمد بن يحيى بواسطة عفان، ثم
لقيت محمداً فسمعته منه بلا واسطة، وقد عد الحافظ في التهذيب عفان ومحمد بن يحيى كليهما
ممن روى عنه ابن أبي عتاب، ولم يذكر في الكنى أبا محمد بن يحيى بن سعيد، ولم يذكر في
التهذيب في جملة من روى عن يحيى بن سعيد القطان ابناً له يسمى بأبي محمد. والله سبحانه
وتعالى أعلم بالصواب.
ثم رأيت النووي قال في شرح هذا الإسناد بعينه: ((فالقطان مجرور صفة ليحيى، وليس
منصوباً على أنه صفة لمحمد)) اهـ.
وظاهر أن النص على تقدير كونه صفة لمحمد لا يمكن إلا أن يكون الموصوف - أي:
محمد - منصوباً، لكونه مفعول: لقيت، فلو كان لقيت أبا محمد صحيحاً فلا معنى لنصبه، وبهذا
تعين أنه من أغلاط الناسخين، وبعد كتابة هذه الأسطر راجعت النسخة المطبوعة الهندية وفيها
العبارة هكذا: ((فلقيت أنا محمد بن يحيى)) (أنا بالنون ضمير المتكلم) فتبين أن الناسخين قد
صحفوا النون بالباء. والله أعلم.
قوله: (ولا يتعمدون الكذب) إلخ: قال عياض: ((يعني: أنهم يحدثون بما لم يصح، لقلة
معرفتهم بالصحيح والسقيم، والعلم بالحديث، وقلة حفظهم وضبطهم لما سمعوه، وشغلهم
بعبادتهم، وإضرابهم عن طريق العلم، فكذبوا من حيث لم يعلموا، وإن لم يتعمدوا)) ثم قال:
((وقد يقع في الكذب على رسول الله وَلقر من غلبت عليه العبادة، ولم يكن معه علم، فيضع
الحديث في فضائل الأعمال ووجوه البر، ويتساهلون في رواية ضعيفها ومنكرها وموضوعاتها،
كما قد حكي عن كثير منهم، واعترف به بعضهم، وهم يحسبون لقلة علمهم أنهم يحسنون
صنعاً)) اهـ. والحكايات في هذا الباب كثيرة، ذكر نبذاً منها السيوطي في التدريب.
قوله: (فأخذه البول) إلخ: أي: ضغطه وأزعجه، فاحتاج إلى إخراجه.
قوله: (فنظرت في الكراسة) إلخ: بالهاء آخرها معروفة، قال أبو جعفر بن النحاس:

٣٥٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ أَنَسٍ، وَأَبَانٌ عَنْ فُلاَنٍ، فَتَرَكْتُهُ وَقُمْتُ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي كِتَابٍ عَفَّانَ حَدِيثَ هِشَام
أَبِي الْمِقْدَامِ، حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. قَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ يَحْيَى بْنٌّ
قُلاَنٍ، عَنْ مُّحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ قُلْتُ لِعَفَّانَ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هِشَامٌ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ
كَعْبٍ. فَقَالَ: إِنَّمَا ابْتُلِيَ مِنْ قِبَلِ هذَا الْحَدِيثِ. كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدٍ. ثُمَّ
ادَّعَى، بَعْدُ، أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ .
٤٢ - (٠٠٠) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ يَقُولُ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: مَنْ هُذَا الرَّجُلُ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ حَدِيثَ
الكراسة معناها: الكتب المضموم بعضها إلى بعض، والورق الذي قد ألصق بعضه إلى بعض،
مشتق من قولهم: رسم مكرس، إذا ألصقت الريح التراب به، قال: وقال الخليل: الكراسة
مأخوذة من أكراس الغنم، وهو أن تبول في الموضع شيئاً بعد شيء فيتلبد. قال القاضي
الماوردي: أصل الكرسي العلم، ومنه قيل للصحيفة يكون في علم مكتوب: كراسة. والله أعلم.
قوله: (فتركته وقمت) إلخ: يعني: لمخالفة ما أملى بلسانه، وهو ((حدثنا مكحول)لما في
كراسته وهو ((حدثنا أبان عن أنس)). وغالب بن عبيد الله هذا سمع منه وكيع وتركه، وقال ابن
معين: ليس بثقة. وقال الدارقطني وغيره: متروك. كذا في الميزان.
قوله: (حديث عمر بن عبد العزيز) إلخ: يجوز فيه الرفع على تقدير المبتدأ، أي: وهو
حديث عمر، والنصب على الوجهين، إما على البدل من حديث هشام، أو مفعول على إضمار
((أعني)).
قوله: (قال هشام حدثني رجل) إلخ: هو بيان للحديث الذي رآه في كتاب عفان وأما هشام
هذا فهو ابن زياد الأموي مولاهم، البصري، ضعفه الأئمة.
قوله: (ثم ادعى بعد أنه سمعه من محمد) إلخ: يعني إنما ضعفوه من قبل هذا الحديث،
قال النووي: ((وهذا القدر وحده لا يقتضي ضعفاً، لأنه ليس فيه تصريح بكذب، لاحتمال أنه
سمعه من محمد، ثم نسيه، فحدث به عن يحيى عنه، ثم ذكر سماعه من محمد فرواه عنه، ولكن
انضم إلى هذا قرائن وأمور اقتضت عند العلماء بهذا الفن، الحذاق فيه، المبرزين من أهله،
العارفين بدقائق أحوال رواته: أنه لم يسمعه من محمد، فحكموا بذلك لما قامت الدلائل
الظاهرة عندهم بذلك. وسيأتي بعد هذا أشياء كثيرة من أقوال الأئمة في الجرح بنحو هذا، وكلها
يقال فيها ما قلنا هنا. والله أعلم)).
قوله: (عبد الله بن عثمان بن جبلة) إلخ: جبلة بفتح الجيم والباء الموحدة، وعبد الله بن
عثمان هذا هو الملقب بعبدان.

٣٥٩
مقدمة المؤلف
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ((يَوْمُ الْفِطْرِ يَوْمُ الْجَوَائِ)) قَالَ: سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَجَّاجِ. انْظُرْ مَا وَضَعْتَ فِي
يَدِكَ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ قُهْزَاذَ: وَسَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ زَمْعَةً يَذْكُرُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: قَالَ
عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ - رَأَيْتُ رَوْعَ بْنَ غُطَيْفٍ، صَاحِبَ الدَّمَ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَجَلَسْتُ
إِلَيْهِ مَجْلِساً، فَجَعَلْتُ أَسْتَحْيِي مِنْ أَصْحَابِي أَنْ يَرَوْنِي جَالِساً مَعَهُ. كُرْهَ حَدِيثِهِ.
٤٣ - (٠٠٠) حدّثني ابْنُ قُهْزَاذَ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهْباً يَقُولُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ
الْمُبَارَكِ، قَالَ: بَقِيَّةُ صَدُوقُ اللّسَانِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ عَمَّنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ.
قوله: (يوم الفطر يوم الجوائز) إلخ: قال النووي: ((هو ما روي: ((إذا كان يوم الفطر وقفت
الملائكة على أفواه الطريق، ونادت: يا معشر المسلمين، اغدوا إلى رب رحيم، يأمر بالخير،
ويثيب عليه الجزيل، أمَركم فصمتم، وأطعتم ربكم، فاقبلوا جوائزكم، فإذا صلوا العيد نادى مناد
من السماء: ارجعوا إلى منازلكم راشدين، فقد غفرت ذنوبكم كلها، ويسمى ذلك اليوم يوم
الجوائز)) وهذا الحديث رويناه في كتاب المستقصى في فضائل المسجد الأقصى، تصنيف الحافظ
أبي محمد بن عساكر الدمشقي. والجوائز جمع جائزة. وهي العطاء)).
قوله: (قال سليمان بن الحجاج) إلخ: أي: قال عبد الله بن المبارك: الرجل الذي رويت
عنه هو سليمان بن الحجاج، قال العقيلي: هو الطائفي، الغالب على حديثه الوهم، وذكره ابن
حبان في الثقات، وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحاً. كذا في اللسان.
قوله: (انظر ما وضعت في يدك) إلخ: هو بفتح التاء على الخطاب، ولا يمتنع الضم،
وهو مدح وثناء على سليمان بن الحجاج. كذا قال النووي. والله أعلم.
قوله: (وهب بن زمعة) إلخ: بإسكان الميم وفتحها .
قوله: (روح بن غطيف) إلخ: روح: بفتح الراء، وغطيف بضم الغين المعجمة ثم طاء
مهملة مفتوحة، هذا هو الصواب. وروح بن غطيف هذا وهاه ابن معين، وقال النسائي: متروك.
وقال الدارقطني: منكر الحديث جداً. وذكر البخاري في التاريخ الكبير حديثه. وقال: هذا
باطل. وقال أبو حاتم: ليس بثقة. وقال الساجي: منكر الحديث. كذا في اللسان.
قوله: (صاحب الدم قدر الدرهم) إلخ: يريد وصفه وتعريفه بالحديث الذي رواه روح هذا
عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يرفعه: ((تعاد الصلاة من قدر الدرهم)) يعني من الدم،
وهذا الحديث ذكره البخاري في تاريخه، وهو حديث باطل لا أصل له عند أهل الحديث. والله
أعلم كذا في شرح النووي.
قوله: (كره حديثه) إلخ: بضم الكاف ونصب الهاء، أي: كراهية له. والله أعلم.
قوله: (عمن أقبل وأدبر) إلخ: يعني عن الثقات والضعفاء، قال ابن عيينة: لا تسمعوا من

٣٦٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٤ - (٠٠٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ قَالَ:
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ، وَكَانَ كَذَّاباً .
٤٥ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو عَامِرٍ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ
مُفَضَّلِ، عَنْ مُغِيرَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الأَغْوَرُ، وَهُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ
أَحَدُ الْكَاذِينَ.
بقية ما كان في سُنة. واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره. وقال يعقوب: بقية ثقة حسن
الحديث إذا حدث عن المعروفين. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وهو أحب إليّ
من إسماعيل بن عياش. وقال ابن القطان: بقية يدلس عن الضعفاء، ويستبيح ذلك. وهذا - إن
صح - مفسد لعدالته. وقال ابن عدي: يخالف في بعض رواياته عن الثقات، وإذا روى عن أهل
الشام فهو ثبت، وإذا روى عن غيرهم خلط، وإذا روى عن المجهولين فالعهدة منهم لا منه.
وقال أبو مسهر الغساني: بقية ليست أحاديثه نقية. فكن منها على تقية. وقال أحمد بن الحسن
الترمذي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: توهمت أن بقية لا يحدث المناكير إلا عن المجاهيل،
فإذا هو يحدث المناكير عن المشاهير، فعلمت من أين أتي؟ قلت: أتي من التدليس. روى مسلم
له حديثاً واحداً شاهداً متنه: ((من دعى إلى عرس أو نحوه فليجب)) كذا في التهذيب.
قوله: (وكان كذاباً) إلخ: قال أحمد بن صالح المصري: الحارث الأعور ثقة، ما أحفظه
وما أحسن ما روى عن على، وأثنى عليه، قيل له: فقد قال الشعبي: كان يكذب، قال: لم يكن
يكذب في الحديث، إنما كان كذبه في رأيه. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. قال
عثمان: ليس يتابع ابن معين على هذا. وقال حبيب بن أبي ثابت لأبي إسحاق حين حدث عن
الحارث عن علي في الوتر: يا أبا إسحاق يساوي حديثك هذا ملأ مسجدك ذهباً. وقال ابن أبي
داود: كان الحارث أفقه الناس، وأحسب الناس. وأفرض الناس، تعلم الفرائض من علي،
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. وقال ابن حبان: كان الحارث غالياً في التشيع،
واهياً في الحديث، وقد ضعفه الكثيرون. راجع التهذيب.
قوله: (وهو يشهد أنه أحد الكاذبين) إلخ: قائل هذا الكلام المغيرة، والضمير في قوله:
وهو يشهد يعود على الشعبي.
فإن قيل: فإذا كان أحد الكذابين فما بال الشعبي حدث عنه؟ .
فالجواب أن الأئمة رضوان الله عليهم إنما حدثوا عن مثل هؤلاء مع اعترافهم بكذبهم
لأ وجه :
منها: أن يعلموا طرق حديثهم، وضروب رواياتهم، لئلا يأتي مجهول أو مدلس فيبدل اسم
الضعيف ويجعل مكانه قوياً، فيعلم المحقق بمعرفته طرق الضعفاء ذلك.