النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
مقدمة
كتاب مسلم [من] جهة أنه لم يمزج فيه الحديث بغيره من موقوفات الصحابة والتابعين،
وغير ذلك.
وقال مسلم بن القاسم القرطبي - وهو من أقران الدارقطني - في تاريخه عند ذكر
كتاب مسلم: ((لم يضع أحد مثله)). وهذا محمول على حسن الوضع وجودة الترتيب
وسهولة التناول؛ فإنه جعل لكل حديث موضعاً واحداً يليق به، جمع فيه طرقه التي
ارتضاها، واختار ذكرها، وأورد فيه ألفاظه المختلفة، بخلاف البخاري كَّتُهُ فإنه يذكر
الطرق في أبواب متفرقة، ويورد كثيراً من الأحاديث في غير الأبواب التي يتبادر إلى
الذهن أنها تذكر فيها، وقد وقع بسبب ذلك لناس من العلماء أنهم نفوا رواية البخاري
لأحاديث هي موجودة فيه، حيث لم يجدوها في مظانها السابقة إلى الفهم، وقد اعتمد
كثير من المغاربة ممن صنف في الأحكام بحذف الأسانيد، كعبد الحق على كتاب مسلم
في نقل المتون وسياقها لوجودها فيه في موضع واحد، وتقطيع البخاري لها .
وقد تعرض مرجحو كتاب البخاري في كتاب مسلم من جهة الصحة لبيان موجب
ذلك، فقالوا: إن مدار صحة الحديث على ثلاثة أشياء: الثقة بالرواة، واتصال الإسناد،
والسلامة من العلل القادحة، ولدى البحث تبين أن كتاب البخاري أرجح في ذلك:
أما من جهة الثقة بالرواة: فيظهر رجحانه من أوجه:
أحدها: أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم: أربع مائة وبضع
وثلاثون رجلاً، والمتكلم فيه بالضعف منهم: ثمانون رجلاً، والذين انفرد مسلم بالإخراج
لهم دون البخاري: ست مائة وعشرون رجلاً، والمتكلم فيه بالضعف منهم: مائة وستون
رجلاً، ولا ريب أن التخريج لمن لم يتكلم فيه أصلاً أولى من التخريج عمن تكلم فيه،
وإن لم يكن ذلك الكلام قادحاً .
وثانيها: أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه لم يكثر من تخريج أحاديثهم،
وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها كلها أو أكثرها إلا ترجمة عكرمة عن ابن عباس
بخلاف مسلم؛ فإنه أخرج أكثر تلك النسخ، كأبي الزبير عن جابر، وسهيل عن أبيه،
والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وحماد بن سلمة عن ثابت، وغير ذلك.
وثالثها : أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم
وجالسهم وعرف أحوالهم واطلع على أحاديثهم، وميز جيدها من غيرها، بخلاف مسلم؛
فإن أكثر من انفرد بتخريج حديثه ممن تكلم فيه ممن تقدم عصره من التابعين ومن بعدهم،
ولا شك أن المحدث أعرف بحديث شيوخه ممن تقدم منهم.

٢٦٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ورابعها: أن البخاري يخرج حديث الطبقة الأولى التي جعل جل اعتماده عليها،
وقد يخرج من حديث الطبقة الثانية ما يعتمده من غير استيعاب، لكن يخرج أكثره على
طريق التعليق، وربما خرج اليسير من حديث الطبقة الثالثة على طريق التعليق أيضاً، وقد
عرفت فيما سبق أن كتاب البخاري موضوع بالذات للمسندات، وأما المعلقات فإنما تذكر
فيه استئناساً واستشهاداً ولهذا لم يتعرض لها الدارقطني فيما انتقده عليه، وأما مسلم فإنه
يخرج أحاديث الطبقتين على سبيل الاستيعاب، ويخرج أحاديث الطبقة الثالثة، لكن من
غير استيعاب، وما ذكر إنما هو في حق المكثرين، فأما غير المكثرين فإنما اعتمد
الشيخان في تخريج أحاديثهم على الثقة والعدالة وقلة الخطأ، لكن منهم من قوي الاعتماد
عليه فأخرجا ما تفرد به، كيحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم من لم يقو الاعتماد عليه
فأخرجا له ما شاركه فيه غيره، وهو الأكثر. وأما الطبقة الرابعة والخامسة فلم يعرجا
عليها .
وأما من جهة الاتصال: فلأن البخاري اشترط أن يكون الراوي قد ثبت له ملاقاة
من روى عنه، ولو مرة، وقد ذكر ذلك في تاريخه، وجرى عليه في صحيحه، حتى إنه قد
يخرج حديثاً في باب لا تعلق له به لما فيه من سماع راوٍ من شيخه يكون قد أخرج له قبل
ذلك رواية عنه بطريق العنعنة، وأما مسلم فإنه اكتفى بالمعاصرة ولم يشترط ثبوت
تلاقيهما، وردّ في مقدمة صحيحه على من اشترط ذلك، ولا يخفى أن ثبوت اللقاء ولو
مرةً مما يؤكد أمر الاتصال.
وأما من جهة السلامة من العلل القادحة: فلأن الأحاديث التي انتقدت عليهما
بلغت مائتي حديث وعشرة أحاديث، اختص البخاري منها بأقل من ثمانين، واختص
مسلم بالباقي، ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر فيه ذلك.
وبما ذكر تعلم رجحان كتاب البخاري على كتاب مسلم في الأمور الثلاثة التي
عليها مدار صحة الحديث، وقد نقل عن كثير من الأئمة ترجيح كتابه على غيره بطريق
اليجمال :
قال النسائي - وهو شيخ أبي علي النيسابوري -: ((ما في هذه الكتب كلها أجود من
كتاب محمد بن إسماعيل)) . - يعني بالجودة جودة الأسانيد، كما هو المتبادر إلى الفهم في
عرف المحدثين - وناهيك بمثل هذا الكلام من مثل النسائي المشهور بشدة التحري
والتثبت في نقد الرجال، فقد ثبت تقدمه في ذلك على أهل عصره، حتى قدمه قوم من
الحذاق في نقد الرجال على مسلم، وقدمه الدارقطني وغيره في ذلك على إمام الأئمة أبي
بكر ابن خزيمة صاحب الصحيح.

٢٦٣
مقدمة
وقال الإسماعيلي في المدخل له: ((أما بعد: فإني نظرت في كتاب الجامع الذي
ألفه أبو عبد الله البخاري كثّفُهُ، فرأيته جامعاً - كما سمي - لكثير من السنن الصحيحة،
ودالاً على جمل من المعاني الحسنة المستنبطة التي لا يكمل لمثلها إلا من جمع إلى
معرفة الحديث ونقلته، والعلم بالرواية وعللها، علماً بالفقه واللغة، وتمكنا منها كلها،
وتبحراً فيها، وكان يرحمه الله الرجل الذي قصر زمانه على ذلك، فبرع وبلغ الغاية، فحاز
السبق، وجمع إلى ذلك حسن النية والقصد للخير، فنفعه الله ونفع به. قال: وقد نحا
نحوه في التصنيف جماعة، منهم: الحسن بن على الحلواني، لكنه اقتصر على السنن،
ومنهم: أبو داود السجستاني، وكان في عصر أبي عبد الله البخاري، فسلك فيما سماه
سنناً ذكر ما روى في الشيء وإن كان في السند ضعف إذا لم يجد في الباب غيره،
ومنهم: مسلم بن الحجاج وكان يقاربه في العصر، فرام مرامه، وكان يأخذ عنه أو عن
كتبه إلا أنه لم يضايق نفسه مضايقة أبي عبد الله، وروى عن جماعة كثيرة لم يتعرض أبو
عبد الله للرواية عنهم وكلٌّ قَصَدَ الخير، غير أن أحداً منهم لم يبلغ من التشدد مبلغ أبي
عبد الله، ولا تسبب إلى استنباط المعاني واستخراج لطائف فقه الحديث وتراجم الأبواب
الدالة على ما له وصلة بالحديث المروي فيه: تسبّه، ولله الفضل، يختص به من يشاء)).
وقال الحاكم أبو أحمد النيسابوري - وهو معاصر لأبي علي النيسابوري، ومقدم
عليه في معرفة الرجال - فيما حكاه أبو يعلى الخليلي في الإرشاد، ما ملخصه: ((رحم الله
محمد بن إسماعيل الإمام؛ فإنه الذي ألف الأصول، وبيّن للناس، وكل من عمل بعده
فإنما أخذه من کتابه، کمسلم فرق أکثر کتابه في كتابه)).
وقال أيضاً في كتاب الكنى: ((كان أحد الأئمة في معرفة الحديث وجمعه، ولو
قلت: إني لم أر تصنيف أحد يشبه تصنيفه في الحسن والمبالغة: لم أكن بالغت)) ..
وقال الدارقطني: ((إنما أخذ مسلم كتاب البخاري فعمل عليه مستخرجاً، وزاد فيه
زيادات)).
والكلام في ذلك كثير، ويكفي منه اتفاقهم على أنه كان أجل من مسلم في العلوم،
وأعرف منه بفن الحديث، وأن مسلماً تلميذه وخريجه، ولم يزل يستفيد منه ويتتبع آثاره،
وأن مسلماً كان يشهد له بالتقدم في ذلك والإمامة فيه والتفرد بمعرفة ذلك في عصره، حتى
هجر من أجله شيخه محمد بن يحيى الذهلي لما أثار الفتنة على البخاري تَّقُ حداً له،
حتى اضطر البخاري أن يخرج من نيسابور خشية على نفسه، وعلى كل حال ففضل مسلم
لا ينكر؛ فإن البخاري وإن يكن قد قام بأمر الجامع فإن مسلماً قد قام بأمر إكماله، فهو
يتلوه على الأثر، وهما للناس شمس وقمر.

٢٦٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رجحان كتاب مسلم على كتاب البخاري
قد ذكرنا فيما سبق أنه قد ثبت ترجيح صحيح البخاري على صحيح مسلم فيما يتعلق
بأمر الصحة، وأما ما يتعلق بغير ذلك فربما كان في صحيح مسلم ما يرجح به على صحيح
البخاري.
وقد عرفت في الفصول السابقة أن من روى عن اثنين فأكثر، وكان بين روايتهما
تفاوت في اللفظ، والمعنى واحد، فله أن يجمع بينهما في الإسناد، ثم يسوق الحديث
على لفظ أحدهما، غير أن الأولى في ذلك في أكثر المواضع، وقد ذكر بعض المعتنين
بصحيح مسلم شيئاً من هذا القبيل، فأحببت إيراده.
فمن ذلك: كونه أسهل متناولاً من حيث أنه جعل لكل حديث موضعاً واحداً يليق
به، وجمع فيه طرقه، وأورد أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، فصار استخراج الحديث
منه ومعرفة طرقه المتعددة وألفاظه المختلفة: سهلاً، بخلاف البخاري؛ فإنه يذكر تلك
الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة، وكثير منها يذكره في غير الباب الذي يتبادر إلى الذهن
أنه أولى به لأمر ما قصده البخاري، فصار استخراج الحديث منه فضلاً عن معرفة طرقه
المتعددة وألفاظه المختلفة: صعباً، حتى إن كثيراً من الحفاظ المتأخرين قد نفوا رواية
البخاري لأحاديث هي فيه حيث لم يجدوها في مظانها .
ومن ذلك اعتناءه بالتمييز بين ((حدثنا)) و((أخبرنا)) وتقييده ذلك على مشايخه في
روايته، وكان من مذهبه الفرق بينهما، وأن ((حدثنا)) لا يجوز إطلاقه إلا لما سمعه من لفظ
الشيخ خاصة، و((أخبرنا)) لما قرىء على الشيخ، وهذا الفرق هو مذهب الشافعي
وأصحابه، وجمهور أهل العلم بالمشرق، وروي هذا المذهب عن ابن جريج والأوزاعي
وابن وهب والنسائي، وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث، وذهبت جماعة إلى
أنه يجوز أن يقال فيما قرىء على الشيخ: ((حدثنا و((أخبرنا)) وهو مذهب الزهري ومالك
وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان، وهو مذهب البخاري وجماعة من المحدثين،
وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز إطلاق ((حدثنا)) ولا ((أخبرنا)) في القراءة، ويقال: إنه قول
ابن المبارك ويحيى بن يحيى التميمي وأحمد بن حنبل والنسائي وغيرهم.
قال بعض الحفاظ: أجود العبارات في القراءة على الشيخ أن يقال: ((قرأت على
فلان)) أو (قرىء على فلان وأن أسمع فأقر به)) ويتلو ذلك أن يقال: ((حدثنا فلان قراءة
عليه))، و((أخبرنا قراءة عليه)).
ومن ذلك: اعتناءه بضبط اختلاف لفظ الرواة في الحديث، كقوله: «حدثنا فلان

٢٦٥
مقدمة
وفلان واللفظ لفلان، قال: أو قالا: حدثنا فلان)) وقد يكون الاختلاف في حرف.
ثم إن الاختلاف في اللفظ قد يكون مما يتغير به المعنى، وقد يكون مما لا يتغير به
المعنى، وما يتغير به المعنى قد يكون التغيير فيه خفياً بحيث لا يتنبه له إلا الجهبذ
التحرير، وقد التزم البيان في جميع ذلك بقدر الإمكان.
ومن ذلك: تحريه في مثل قوله: ((حدثنا عبد الله بن سلمة حدثنا سليمان يعني ابن
بلال عن يحيى وهو ابن سعيد)) فلم يستجز ظ له أن يقول: ((سليمان بن بلال عن يحيى بن
سعيد))؛ لكونه لم يقع في روايته منسوباً، فلو قاله منسوباً لكان مخبراً عن شيخه أنه أخبره
بنسبته، مع أنه لم يخبره بها، وهذا مما يشاركه فيه البخاري كما يظهر من قول بعض أهل
الأثر: ليس للراوي أن يزيد في نسب غير شيخه ولا صفته على ما سمعه من شيخه؛ لئلا
يكون كاذباً على شيخه، فإن أراد تعريفه وإيضاحه وإزالة اللبس المتطرق إليه لمشابهة غيره
فطريقه أن يقول: ((قال: حدثني فلان، يعني ابن فلان، أو الفلاني، أو هو ابن فلان أو
الفلاني)) أو نحو ذلك، فهذا جائز حسن قد استعمله الأئمة، وقد أكثر البخاري ومسلم منه
في الصحيحين غاية الإكثار، حتى إن كثيراً من أسانيدهما يقع في الإسناد الواحد منها
موضعان أو أكثر من هذا الضرب، كقوله في أول كتاب الرخاي في «باب من سلم
المسلمون من لسانه ويده)): ((قال أبو معاوية: حدثنا داود هو ابن أبي هند عن عامر،
قال: سمعت عبد الله هو ابن عمر)). وكقوله في كتاب مسلم في ((باب منع النساء من
الخروج إلى المساجد)): ((حدثنا عبد الله بن سلمة حدثنا سليمان يعني ابن بلال، عن يحيى
وهو ابن سعيد)) ونظائره كثيرة، وإنما يقصدون بهذا الإيضاح كما ذكرنا أولاً؛ فإنه لو قال:
حدثنا داود أو عبد الله لم يعرف من هو لكثرة المشاركين في هذا الامر، ولا يعرف ذلك
في بعض المواطن إلا الخواص والعارفون بهذه الصنعة وبمراتب الرجال، فأوضحوه
لغيرهم وخففوا عنهم مؤنة النظر والتفتيش، وهذا الفصل نفيس يعظم الانتفاع به؛ فإن من
لا يعاني هذا الفن قد يتوهم أن قوله: ((يعني)) وقوله: ((هو)) زيادة لا حاجة إليها، وأن
الأولى حذفها، وهذا جهل قبيح، والله أعلم.
ومن ذلك: سلوكه الطريقة المثلى في رواية صحيفة همام بن منبه، نحو قوله:
((حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن همام، قال:
هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله # - فذكر أحاديث ــ منها: وقال
رسول الله وسلم: إذا توضأ أحدكم فليستنشق .... )) الحديث. ووجه ذلك يظهر مما ذكره
ابن الصلاح حيث قال: النسخ المشهورة المشتملة على أحاديث بإسناد واحد كنسخة

٢٦٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
همام بن منبه عن أبي هريرة، ورواية عبد الرزاق عن معمر عنه، ونحوهما من النسخ
والأجزاء منهم من يجدد ذكر الإسناد في أول كل حديث منها، ويوجد هذا في كثير من
الاصول القديمة، وذلك أحوط، ومنهم من يكتفي بذكر الإسناد في أولها عند أول
حديث منها، أو في أول كل مجلسٍ من مجالس سماعها، ويدرج الباقي عليه، ويقول
في كل حديث بعده: (وبالإسناد)) أو ((وبه)) وذلك هو الأغلب الأكثر، وإذا أراد من كان
سماعه على هذا الوجه تفريق تلك الأحاديث، ورواية كل حديث منها بالإسناد المذكور
في أولها جاز ذلك عند الأكثرين، منهم: وكيع بن الجراح ويحيى بن معين وأبو بكر
الإسماعيلي، وهذا لأن الجميع معطوف على الاول، فالإسناد المذكور أولاً في حكم
المذكور في كل حديث، وهو بمثابة تقطيع المتن الواحد في أبواب بإسناده المذكور في
أوله، ومن المحدثين من أبى إفراد شيء من تلك الاحاديث المدرجة بالإسناد المذكور
ورآه تدليساً، وسأل بعض أهل الحديث الأستاذ أبا إسحاق الإسفرائيني الفقيه الأصولي
عن ذلك، فقال: لا يجوز، وعلى هذا من كان سماعه على هذا الوجه فطريقه أن يبين
ويحكي ذلك كما جرى، كما فعله مسلم في صحيحه في صحيفة همام بن منبه، نحو
قوله: ((حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن
منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، وذكر أحاديث، منها: وقال رسول الله وَله: إن
أدنى مقعد أحدكم في الجنة أن يقول له: تمن .... )) الحديث. وهكذا فعل كثير من
المؤلفين، والله أعلم.
واعلم أنه لا يظهر وجه لقول من منع إفراد شيء من تلك الأحاديث المدرجة
بالإسناد المذكور إلا أن يقال: إن باب الرواية مبني على الاتباع، وهو لم يرو على هذا
الوجه من التفريق، فيكون ذلك من قبيل الابتداع، وهو بعيد، وأما البخاري فإنه سلك
طريقاً آخر، وهو أنه يقدم أول حديث من الصحيفة المذكورة، وهو حديث: ((نحن
الآخرون السابقون)) ثم يعطف عليه الحديث الذي يريد إيراده، وطريق مسلم أوضح، ولذا
قل من اطلع على مقصد البخاري في ذلك، وقد حمل ذلك بعضهم على أن يبحثوا على
وجه المطابقة بين الحديث الأول والترجمة، فلم يأتوا بما فيه طائل، على أن البخاري لم
يطرد عمله في ذلك؛ فإنه أورد في كثير من المواضع بعضاً من الأحاديث الواقعة في
الصحيفة المذكورة، ولم يصدر شيئاً منها بالحديث المشار إليه، وهذا الحديث هو أول
حديث في صحيفة شعيب أيضاً، ويشير إلى ذلك قول البخاري في ((باب لا تبولوا في
الماء الراكد)): ((حدثنا أبو اليمام، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج. حدثه
أنه سمع أبا هريرة يقول: أنه سمع رسول الله وسلم يقول: نحن الآخرون السابقون،

٢٦٧
مقدمة
وبإسناده قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم)). وهاتان الصحيفتان قل أن يوجد في
أحدهما حديث إلا وهو في الأخرى.
ومن ذلك: اعتناءه في إيراد الطرق وتحويل الأسانيد بإيجاز العبارة مع حسن
البيان.
ومن ذلك: ترتيبه للأحاديث على نسق يشعر بكمال معرفته بدقائق هذا العلم ووقوفه
على أسراره، وهو أمر لا يشعر به إلا من أمعن النظر في كتابه مع معرفته بأنواع العلوم
التي يفتقر إليها صاحب هذه الصناعة، كأصول الدين، وأصول التفسير، وأصول
الحديث، وأصول الفقه، ونحو أصول الفقه: الفقه وعلوم العربية وأسماء الرجال، ودقائق
علم الإسناد والتاريخ مع الذكاء المفرط وجودة الفكر ومداومة الاشتغال به ومذاكرة
المشتغلين به، متحرياً للإنصاف قاصداً للاستفادة والإفادة.
وقد أشار بعض العلماء إلى الوجوه التي ظهرت له في ترجيح صحيح مسلم، فقال:
والذي يظهر لي من كلام أبي علي أنه إنما قدم صحيح مسلم لمعنى آخر غير ما نحن
بصدده من الشرائط المطلوبة في الصحة، بل ذلك لأن مسلماً صنف كتابه في بلده بحضور
أصوله في حياة كثيرة من مشايخه، فكان يتحرز في الألفاظ ويتحرى في السياق، بخلاف
البخاري فإنه ربما كتب الحديث من حفظه، ولم يميز ألفاظ رواته، ولهذا ربما يعرض له
الشك، وقد صح عنه أنه قال: ((رب حديث سمعته بالبصرة فكتبته بالشام)) ولم يتصد لما
تصدى له البخاري من استنباط الأحكام ليبوب عليها حتى لزم من ذلك تقطيعه للحديث
في أبوابه، بل جمع مسلم الطرق كلها في مكان واحد، واقتصر على الأحاديث دون
الموقوفات، فلم يعرج عليها إلا في بعض المواضع على سبيل الندرة تبعاً لا مقصوداً،
فلهذا قال أبو علي ما قال مع أني رأيت بعض أئمتنا يجوز أن يكون أبو علي ما رأى
صحيح البخاري. وعندي في ذلك بعد، والأقرب ما ذكرته.
وأبو علي المذكور هو أبو علي النيسابوري شيخ الحاكم، وقد نقل عنه ابن مندة أنه
قال: ((ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم)) .
وقال بعض شراح البخاري بعد أن بين رجحانه على ما سواه من كتب الحديث من
جهة الصحة: ((وأكثر ما فضل به كتاب مسلم عليه أنه يجمع المتون في موضع واحد، ولا
يفرقها في الأبواب، ويسوقها تامة، ولا يقطعها في التراجم، ويحافظ على الإتيان
بألفاظها، ولا يروي بالمعنى، ويفردها ولا يخلط معها شيئاً من أقوال الصحابة ومن
بعدهم، وقد ذكرنا ذلك فيما سبق، ولنعم ما قيل :

٢٦٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لدي فقالوا: أي ذين يقدم
تنازع قوم في البخاري ومسلم
كما فاق في حسن الصناعة مسلم
فقلت: لقد فاق البخاري صحة
قال الحافظ ابن حجر في التهذيب: ((حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم
يحصل لأحد مثله، بحيث إن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل،
وذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ، كما
هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى، وقد نسج على منواله خلق من النيسابوريين، فلم
يبلغوا شأوه)) .
جملة ما في صححي مسلم من الأحاديث
قال الجزائري: ((وأما صحيح مسلم فجملة ما فيه بإسقاط المكرر نحو أربعة آلاف
حديث، قال في شرح مسلم: قال الشيخ أبو عمرو - يعني ابن الصلاح - روينا عن أبي
قريش الحافظ، قال: كنت عند أبي زرعة الرازي، فجاء مسلم بن الحجاج، فسلم عليه،
وجلس ساعة وتذاكرا، فلما قام قلت له: هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح، قال
أبو زرعة: فلمن ترك الباقي؟ قال الشيخ: أراد أن كتابه هذا أربعة آلاف حديث أصول
دون المكررات)) اهـ.
قال العراقي: وهو يزيد على البخاري بالمكرر؛ لكثرة طرقه. قال: ورأيت عن أبي
الفضل أحمد بن سلمة أنه قال: إنها اثنا عشر ألف حديث. وقال أبو حفص الميانجي:
إنها ثمانية آلاف. قال بعض الباحثين في ذلك: ولعل هذا أقرب إلى الواقع مما قبله.
وأحمد بن سلمة ممن روى عن مسلم، قال النووي في شرح كتابه: (روى عنه
جماعات من كبار أئمة عصره وحفاظه، وفيهم جماعات في درجته، فمنهم: أبو حاتم
الرازي، وموسى بن هارون، وأحمد بن سلمة، وأبو عيسى الترمذي، وأبو بكر بن
خزيمة، ويحيى بن صاعد، وأبو عوانة الإسفرائيني، وآخرون لا يحصون)).
ثم قال: قال الحاكم أبو عبد الله: حدثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، قال:
سمعت أحمد بن سلمة يقول: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج كظّثهُ في
معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما، وفي رواية: في معرفة الحديث)).
تراجم صحيح مسلم
واعلم أن صحيح مسلم قد قرىء على جامعه مع خلو أبوابه عن التراجم.
قال شارحه (النووي): إن مسلماً رتب كتابه على أبواب، فهو مبوب في الحقيقة،

٢٦٩
مقدمة
ولكنه لم يذكر تراجم أبواب فيه لئلا يزداد حجم الكتاب، أو لغير ذلك، وقد ترجم
جماعة أبوابه بتراجم، بعضها جيد وبعضها ليس بجيد، إما لقصور في عبارة الترجمة، أو
الركاكةٍ في لفظها، وإما لغير ذلك، وأنا أحرص على التعبير عنها بعبارة تليق بها في
مواطنها)) اهـ.
والإنصاف أنه لم يترجم إلى اليوم بما يليق بشأن هذا المصنف الجليل، ولعل الله
يوافق عبداً من عباده لما يؤدي حقه، وبيده التوفيق.
شروح صحيح مسلم ومختصراته
شرح صحيح مسلم كثير من العلماء، ذكر منها صاحب كشف الظنون نحو خمسة
عشر شرحاً، من أشهرها: ((المنهاج)) للحافظ أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي،
وشرح أبي الفرج عيسى بن مسعود الزواوي، وهو شرح كبير في خمس مجلدات، جمع
عدة شروح سبقته. و((إكمال المعلم)) للإمام أبي عبد الله محمد بن خليفة الأبي المالكي في
أربع مجلدات، ضمنه شرح المازري وعياض والقرطبي والنووي مع بعض الزيادات.
و((الابتهاج)) للشيخ أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني الشافعي، بلغ إلى نحو نصفه في
ثمانية أجزاء كبار، وشرح الشيخ علي القاري الهروي نزيل مكة المكرمة في أربع
مجلدات .
مختصراته :
من أشهر مختصراته: تلخيص كتاب مسلم وشرحه لأحمد بن عمر القرطبي.
ومختصر الإمام زكي الدين عبد العظيم المنذري. ومختصر زوائد مسلم على البخاري
لسراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي، وهو كبير في أربع مجلدات.
ولأبي بكر أحمد بن علي الأصبهاني كتاب في أسماء رجال مسلم.
ترجمة الإمام الهمام مسلم بن الحجاج رحمه الله
نتبرك بكلمات يسيرة من ترجمة الإمام الهمام مسلم بن الحجاج تَظّهُ التي ذكرها
الذهبي في تذكرة الحفاظ وغيره، وإلا فالإمام مستغن عن الترجمة والتوصيف.
قال الذهبي: ((مسلم بن الحجاج: الإمام، الحافظ، حجة الإسلام، أبو الحسن
القشيري (قشير قبيلة من العرب) النيسابوري (نيسابور مدينة عظيمة بخراسان) صاحب
التصانيف، ولد سنة أربع ومائتين (وقيل سنة ست ومائتين، واختاره ابن الأثير في مقدمة
جامع الأصول)».

٢٧٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وأول سماعه سنة ثماني عشرة ومائتين، فأكثر عن يحيى بن يحيى التميمي،
والقعنبي، وأحمد بن يونس اليربوعي، وإسماعيل بن أبي أويس، وسعيد بن منصور،
وعون بن سلام، وأحمد بن حنبل، وخلق كثير.
روي عنه الترمذي حديثاً واحداً، وإبراهيم بن أبي طالب، وابن خزيمة، والسراج،
وابن صاعد، وأبو عوانة، وأبو حامد بن الشرقي، وأبو حامد أحمد بن حمدان
الاعمشي، وإبراهيم بن محمدن سفيان الفقيه، ومكي بن عبدان، وعبد الرحمن بن أبي
حاتم، ومحمد بن مخلد العطار، وخلق سواهم.
قال إسحاق الكوسج لمسلم: ((لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين)).
وقال أحمد بن سلمة: ((رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في
معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما. قال: وسمعت الحسين بن منصور يقول: سمعت
إسحاق بن راوهويه - وذكر مسلماً - فقال بالفارسي: أي رجل يكون هذا)) !.
وقال ابن أبي حاتم: ((كان من الحفاظ، كتبت عنه بالري، قال أبي: صدوق)).
وقال أبو قريش الحافظ: ((حفاظ الدنيا أربعة))، فذكر منهم مسلماً .
قال أبو عمر وحمدان: سألت ابن عقدة: أيهما أحفظ: البخاري أو مسلم؟ فقال:
كان محمد عالماً، ومسلم عالماً، فأعدت عليه مراراً، فقال: ((يقع لمحمد الغلط في أهل
الشام، وذلك لأنه أخذ كتبهم ونظر فيها، فربما ذكر الرجل بكنيته، ويذكر في موضع آخر
بظنهما اثنين، وأما مسلم فقل ما يوجد له غلط في العلل؛ لأنه كتب المسانيد ولم يكتب
المقاطيع، ولا المراسيل)).
وقال محمد بن ماسرجسي: ((سمعت مسلماً يقول: صنفت هذا الصحيح من ثلاث
مائة ألف حديث مسموعة)).
وقال أحمد بن سلمة: ((كنت مع مسلم في صحيحه خمس عشرة سنة، وهو اثنا
عشر ألف حدیث)) اهـ.
وقد تقدم ما يتعلق بعدد أحاديثه، فتذكر.
وقال ابن الشرقي: ((حضرت مجلس محمد بن يحيى، فقال: ألا من قال: لفظي
بالقرآن مخلوق، فلا يحضر مجلسنا، فقام مسلم من المجلس)).
قال أبو بكر الخطيب: ((كان مسلم يناضل عن البخاري، حتى أوحش ما بينه وبين
الذهلي بسببه)) .

٢٧١
مقدمة
قال الشيخ عبد العزيز الدهلدي في رسالته الفارسية ((بستان المحدثين: ((ومن
عجائب أحوال مسلم كَّفُ أنه ما اغتاب أحداً في حياته، ولا ضرب ولا شتم)) اهـ.
قال الحاكم: ((ولمسلم كَّثُ المسند الكبير على الرجال، ما أرى أنه سمعه منه أحد.
وكتاب الجامع على الأبواب، رأيت بعضه. كتاب الأسماء والكنى. كتاب التمييز. كتاب
العلل. كتاب الوحدان. كتاب الأفراد. كتاب الأقران. كتاب سؤالاته أحمد بن حنبل.
كتاب حديث عمرو بن شعيب. كتاب الانتفاع بأهب السباع، كتاب مشايخ مالك، كتاب
مشايخ الثوري. كتاب مشايخ شعبة، وكتاب من ليس له إلا راو واحد، كتاب
المخضرمين، كتاب أولاد الصحابة، كتاب أوهام المحدثين، كتاب الطبقات، كتاب أفراد
الشاميين)) اهـ. وكتاب رواة الاعتبار.
قال ابن الشرقي: ((سمعت مسلماً يقول: ما وضعت في كتابي هذا المسند إلا
بحجة، وما أسقطت منه شيئاً إلا بحجة)).
مات مسلم كثّهُ في رجب سنة إحدى وستين ومائتين عشية يوم الأحد، ودفن يوم
الإثنين، وقبره یزار.
وكان - فيما قيل - عقد له مجلس للمذاكرة، فذكر له حديث فلم يعرفه، فانصرف إلى
منزله وقدمت له سلة فيها تمر. فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة، فأصبح وقد فنى
التمر ووجد الحديث، ويقال: إن ذلك كان سبب موته. ولذا قال ابن الصلاح: وكانت
وفاته بسبب غريب نشأ من غمرة فكرة علمية، وسنه قيل: خمس وخمسون، وبه جزم ابن
الصلاح، وتوقف فيه الذهبي، وقال: إنه قارب الستين، وهو أشبه من الجزم ببلوغه
ستين، فإن المعروف أن مولده سنة أربع ومائتين.
وفي بستان المحدثين: ((أن أبا حاتم الرازي تَُّهُ رآه بعد وفاته، فسأله عن حاله،
فقال مسلم كثّفُ: ((إن الله تعالى أباح لي الجنة أتبوأ منها حيث أشاء)).
ورأى بعض الثقات أبا علي الزعفراني كَُّ، وسأله بأي شيء نجوت؟ قال: بهذا
الجزء الذي في يدي؛ فإذا هو جزء من صحيح مسلم.
تَُّ وجزاه عنا وعن سائر المسلمين أحسن الجزاء وأكمله، وجمعنا معه بمحض
لطفه وإحسانه في محل كرامته، وأحلنا دار المقامة من فضله، إنه على ما يشاء قدير،
وبإجابة دعوات عباده جدير.

٢٧٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مذهب مسلم وغيره من كبار المحدثين رحمهم الله في الفروع
قال بعض البارعين في علم الأثر: أما البخاري وأبو داود فإمامان في الفقه، وكانا
من أهل الاجتهاد.
وأما مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وأبو يعلى والبزار ونحوهم:
فهم على مذهب أهل الحديث، ليسوا مقلدين لواحد بعينه من العلماء، ولا هم من أئمة
المجتهدين على الإطلاق، بل يميلون إلى قول أئمة الحديث: كالشافعي، وأحمد،
وإسحاق، وأبي عبيد، وأمثالهم، وهم إلى مذاهب أهل الحجاز أميل منهم إلى مذاهب
أهل العراق.
وأما أبو داود الطيالسي فأقدم من هؤلاء كلهم من طبقة يحيى بن سعيد القطان،
ويزيد بن هارون الواسطي، وعبد الرحمن بن مهدي، وأمثال هؤلاء من طبقة شيوخ الإمام
أحمد، وهؤلاء كلهم لا يألون جهداً في اتباع السنة، غير أن منهم من يميل إلى مذهب
العراقيين كوكيع ويحيى بن سعيد، ومنهم من يميل إلى مذهب المدنيين كعبد الرحمن بن
مهدي .
وأما الدارقطني، فإنه كان يميل إلى مذهب الشافعي، إلا أنه له اجتهاداً، وكان من
أئمة الحديث والسنة، ولم يكن حاله كحال أحد من كبار المحدثين ممن جاء على أثره،
فالتزم التقليد في عامة الأقوال إلا في قليل منها مما يعد ويحصر؛ فإن الدارقطني كان
أقوى في الاجتهاد منه، وكان أفقه وأعلم منه. كذا في توجيه النظر.
والظاهر أن أبا داود أقرب إلى الحنبلية؛ فإن كتب الحنابلة مشحونة برواياته عن
أحمد كَذَفُهُ. كذا في العرف الشذي، والله أعلم.
المصنفات في الصحيح المجرد الزائد على الصحيحين
أما المصنفات في الصحيح المجرد فمنها: المستدرك على الصحيحين للحافظ أبي
عبد الله الحاكم؛ فإنه أودعه ما ليس في الصحيحين مما رأى أنه موافق الشرطيهما، أو
شرط أحدهما، وما أدى اجتهاده إلى تصحيحه، وإن لم يكن على شرط واحد منهما،
مشيراً إلى القسم الأول بقوله: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، أو على شرط
البخاري، أو على شرط مسلم، وإلى القسم الثاني بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد،
وربما أورد فيه ما لم يصح عنده منبهاً على ذلك، وهو متساهل في التصحيح، وقد لخص

٢٧٣
مقدمة
الذهبي مستدركه، وأبان ما فيه من ضعيف أو منكر، وهو كثير، وجمع جزءاً في
الأحاديث التي فيه وهي موضوعة، وهي نحو مائة.
وقال أبو سعيد الماليني: ((طالعت المستدرك الذي ألفه الحاكم من أوله إلى آخره،
فلم أر فيه حديثاً على شرطيهما)).
قال الذهبي تخلّفُهُ: ((هذا إسراف وغلو من الماليني، وإلا ففيه جملة وافرة على
شرطيهما، وجملة كثيرة على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه
نحو الربع مما صح سنده، وفيه بعض الشيء، وما بقي - وهو نحو الربع - فهو مناكير
واهيات لا تصح، وفي بعض ذلك موضوعات)).
وهذا الأمر مما يتعجب منه؛ فإن الحاكم كان من الحفاظ البارعين في هذا الفن،
ويقال: إن السبب في ذلك أنه صنفه في أواخر عمره، وقد اعترته غفلة، وكان ميلاده في
سنة ٣٢١هـ ووفاته في سنة ٤٠٥هـ فيكون عمره أربعاً وثمانين سنة.
وقال الحافظ ابن حجر: ((إنما وقع للحاكم التساهل لأنه سوّد الكتاب لينقحه،
فعاجلته المنية، ولم يتيسر له تحريره وتنقيحه. قال: وقد وجدت في قريب نصف الجزء
الثاني من تجزئة ستة من المستدرك: ((إلى هنا انتهى إملاء الحاكم)) قال: وما عدا ذلك من
الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة. والتساهل في القدر المملى قليل بالنسبة إلى ما
بعده)» .
ومراد الحاكم بقوله: ((هذا صحيح على شرطيهما)): أن يكون رجال ذلك الإسناد
المحكوم عليه بذلك قد روى الشيخان عنهم في كتابيهما، ويؤيد ذلك تصرف الحاكم في
كتابه؛ فإنه إذا كان الحديث الذي عنده مما قد أخرجه الشيخان معاً، أو أحدهما لرواته،
قال: هذا صحيح على شرطيهما، أو شرط أحدهما، وإذا كان مما لم يخرج الشيخان
لجميع رواته قال: صحيح الإسناد فقط .
وقال في خطبة مستدركه: ((وأنا أستعين الله تعالى على إخراج أحاديث رواتها ثقات
قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما، والمثلية قد تكون في الأعيان، وقد تكون في
الأوصاف، إلا أنها في الأول مجاز، وفي الثاني حقيقة)). فاستعمل المجاز حيث قال
عقب ما يكون عن نفس رواتهما: هذا صحيح على شرطيهما، واستعمل الحقيقة حيث
قال عقب ما يكون عن مثل رواتهما: هذا صحيح الإسناد.
قال الحافظ: ((ورواء ذلك كله أن يروي إسناد ملفق من رجالهما كسماك عن عكرمة

٢٧٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عن ابن عباس، فسماك على شرط مسلم فقط، وعكرمة انفرد به البخاري، والحق أن هذا
ليس على شرط واحد منهما)).
وأدق من هذا أن يرويا عن أناس ثقات ضُعّفوا في أناس مخصوصين من غير حديث
الذين ضعفوهم فيهم، فيجيء عنهم حديث من طريق ضعفوا فيه برجال كلهم في الكتابين
أو أحدهما، فنسبته أنه على شرط من خرج له: غلط، كأن يقال في هشيم عن الزهري:
كل من هشيم والزهري خرجا له فهو على شرطيهما، فيقال: بل ليس على شرط واحد
منهما؛ لأنهما إنما أخرجا عن هشيم من غير حديث الزهري، فإنه ضعف فيه؛ لأنه كان
دخل عليه فأخذ عنه عشرين حديثاً، فلقيه صاحب له وهو راجع فسأله رؤيته، وكانت ثَمَّ
ريح شديدة، فذهبت بالأوراق، فصار هشيم يحدث بما علق منها بذهنه، ولم يكن أتقن
حفظها فوهم في أشياء منها، فضعف في الزهري بسببها .
وكذا همام ضعيف في ابن جريج، مع أن كلا منهما أخرجا له، لكن لم يخرجا له
عن ابن جريج شيئاً، فعلى من يعزو إلى شرطهما أو شرط واحد منهما أن يسوق ذلك
السند بنسق رواية من نسب إلى شرطه، ولو في موضع من كتابه، وكذا قال ابن الصلاح
في شرح مسلم: من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم منه في صحيحه بأنه من شرط
الصحيح: فقد غفل وأخطأ، بل ذلك متوقف على النظر في كيفية رواية مسلم عنه، وعلى
أي وجه اعتمد عليه .
وقد اختلف في حكم ما انفرد الحاكم بتصحيحه، فقال ابن الصلاح: ((الأولى أن
نتوسط في أمره، فنقول: ما حكم بتصحيحه ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة إن لم يكن
من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن. يحتج به ويعمل به، إلا أن تظهر فيه علة توجب
ضعفه، ويقاربه في حكمه صحيح أبي حاتم بن حبان البستي)) اهـ.
وظاهر هذا الكلام أن ما انفرد بتصحيحه ولم يكن لغيره فيه حكم أن يجعل دائراً
بين الصحيح والحسن احتياطاً، وقد ظن بعضهم أن كلامه يدل على أنه يحكم عليه
بالحسن فقط، فنسب إليه التحكم في هذا الحكم.
وقال كثير من المحدثين: إن ما انفرد الحاكم بتصحيحه يبحث عنه ويحكم عليه بما
يقضي به حاله من الصحة أو الحسن أو الضعف. والذي حمل ابن الصلاح على ما قال
هو: ما ذهب إليه من أن أمر التصحيح قد انقطع، ولم يبق له أهل، والصحيح أنه لم
ينقطع، وأنه سائغ لمن كملت عنده أدواته، وكان قادراً عليه.
ومن الكتب المصنفة في الصحيح المجرد صحيح الإمام أبي بكر محمد بن

٢٧٥
مقدمة
إسحاق بن خزيمة، وهو شيخ ابن حبان القائل فيه: ((ما رأيت على وجه الأرض من
يحسن صناعة السنن، ويحفظ ألفاظها الصحاح، وزياداتها، حتى كأن السنن كلها بين
عينيه: غيره)) وصحيحه أعلى مرتبة من صحيح ابن حبان؛ لشدة تحريه حتى إنه يتوقف في
الصحيح لأدنى كلام في الإسناد، وقد فقد أکثره منذ زمان.
ومن الكتب المصنفة فيه صحيح الإمام أبي حاتم محمد بن حبان التميمي البستي.
قال الحاكم: ((كان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ، ومن عقلاء
الرجال)).
وقال غيره: ((كان عارفاً بالطب والنجوم والكلام والفقه، رأساً في معرفة الحديث)).
وقد أنكروا عليه قوله: ((النبوة: العلم والعمل)) وحكموا عليه بالزندقة، وهجروه،
وكتبوا فيه إلى الخليفة، فأمر بقتله فنجاه الله تعالى، ثم نفي من سجستان إلى سمرقند،
وكانت وفاته سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.
واسم مصنفه: ((التقاسيم والأنواع)) وترتيبه مبتدع؛ فإنه ليس على الأبواب ولا على
المسانيد، ولذا صار الكشف منه عسراً، وقد رتبه بعض المتأخرين على الأبواب، وعمل
له الحافظ أبو الفضل العراقي أطرافاً، وجرد أبو الحسن الهيثمي زوائده على الصحيحين
في مجلد.
وقد نسبوا لابن حبان التساهل في التصحيح، إلا أن تساهله أقل من تساهل
الحاكم. قال الحازمي: ((كان ابن حبان تَغْلُ أمكن في الحديث من الحاكم. وعلى كل
حال ينبغي تتبع صحيحه، والبحث عما فيه. وكذلك صحيح ابن خزيمة، فكم فيه من
حديث حكم له بالصحة وهو لا يرتقي عن رتبة الحسن)) !.
وأنكر بعضهم نسبة التساهل إلى ابن حبان، فقال: إن كانت نسبته إلى التساهل
باعتبار وجدان الحسن في كتابه فهي مشاحة في الاصطلاح؛ لأنه يسميه صحيحاً، وإن
كانت باعتبار خفة شروطه، فإنه يخرج في الصحيح ما كان راويه ثقة غير مدلس سمع من
شيخه وسمع منه الآخذ عنه ولا يكون هناك إرسال ولا انقطاع، وإذا لم يكن في الراوي
جرح ولا تعديل وكان كل من شيخه والراوي عنه: ثقةً، ولم يأت بحديث منكر، فهو عنده
ثقة. وفي كتاب الثقات له كثير ممن هذه حاله، ولأجل هذا ربما اعترض عليه في جعلهم
ثقات من لم يعرف اصطلاحه، ولا اعتراض عليه؛ فإنه لا مشاحة في ذلك، فابن حبان
وفى بما التزمه من الشروط، بخلاف الحاكم.
ومن الكتب المؤلفة في الصحيح المجرد ((السنن الصحاح)) لسعيد بن السكن.

٢٧٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ومن مظان الصحيح ((المختارة)) للحافظ ضياء الدين المقدسي، وهي أحسن من
المستدرك ولكنها لم تكمل، وهي مرتبة على المسانيد.
المستخرجات على الصحيحين
الاستخراج: أن يعمد حافظ إلى صحيح البخاري - مثلاً - فيورد أحاديثه حديثاً حديثاً
بأسانيد لنفسه، غير ملتزم فيها ثقة الرواة، من غير طريق البخاري، إلى أن يلتقي معه في
شيخه أو فيمن فوقه، لكن لا يسوغ للمخرج أن يعدل عن الطريق التي يقرب فيها اجتماعه
مع مصنف الأصل: إلى الطريق البعيدة إلا لغرض مهم من علو، أو زيادة مهمة، أو نحو
ذلك. وربما ترك المستخرج أحاديث لم يجد له بها إسناداً مرضياً، وربما علقها عن بعض
رواتها، وربما ذكرها من طريق صاحب الأصل.
وقد اعتنى كثير من الحفّاظ بالاستخراج، لما فيه من الفوائد المهمة، وقصروا ذلك
غالباً على صحيح البخاري وصحيح مسلم؛ لكونهما العمدة في هذا العلم.
فممن استخرج على صحيح البخاري: أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، وأبو
بكر أحمد بن البرقاني.
وممن استخرج على صحيح مسلم: أبو جعفر أحمد النيسابوري، وأبو بكر محمد بن
محمد بن رجاء النيسابوري، وهو ممن يشارك مسلماً في أكثر شيوخه. وأبو بكر محمد بن
عبد الله الجوزقي، وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفرائيني، روى فيه عن يونس بن
عبد الأعلى وغيره من شيوخ مسلم.
قال الحافظ ابن حجر: إن أبا عوانة يقول في مستخرجه بعد أن يسوق طرق مسلم
كلها: ((من هنا لمخرجه)) ثم يسوق أسانيد يجتمع فيها مع مسلم فيمن فوق ذلك. وربما
قال: ((من هنا لم يخرجاه)) ولا يظن أنه يعني البخاري ومسلم، فإني استقريت صنيعه في
ذلك. فوجدته يعني مسلماً وأبا الفضل أحمد بن سلمة؛ فإنه كان قرين مسلم، وصنف مثل
مسلم)).
ومن المستخرجين على كل منهما أبو نعيم الأصفهاني، وأبو عبد الله بن الأخرم،
وأبو ذر الهروي، وأبو محمد الخلال، وأبو مسعود سليمان بن إبراهيم الأصفهاني،
ولأبي بكر بن عبدان الشيرازي مستخرج عليهما في مؤلف واحد.
وقد استخرج محمد بن عبد الملك بن أيمن على سنن أبي داود، وأبو علي الطوسي
على الترمذي، وأبو نعيم على التوحيد لابن خزيمة.
وللمستخرجات فوائد ذكرها علماء الأثر في كتبهم.

٢٧٧
مقدمة
قال الحافظ ابن حجر في التهذيب: ((وحفظت منهم أكثر من عشرين إماماً ممن
صنف المستخرج على مسلم، فسبحان المعطي الوهاب)).
قال الجزائري كثّفُهُ: ((هذا وقد عرفت سابقاً معنى الاستخراج في العرف، وهو في
الأصل بمعنى الاستنباط، ويقال لفاعل ذلك: ((المستخرج)) - بالكسر - ويقال للكتاب
المؤلف في هذا النوع: ((المستخرج)) - بالفتح - وسمي بذلك لاستنباط مؤلفه للطرق
المتعلقة بأحاديث الكتاب المستخرج عليه، وقد يقال له: ((المخرج)) - بالفتح والتشديد -
كما وقع ذلك في عبارة ابن الصلاح.
وأما ((المخرج)) - بفتح الميم - فهو في الأصل بمعنى مكان الخروج، فأطلق على
الموضع الذي ظهر منه الحديث، وهم الرواة الذين جاء عنهم.
وأما ((التخريج)): فيطلق على معنيين:
أحدهما: إيراد الحديث بإسناده في كتاب، أو إملاء، وأكثر ما تقع هذه العبارة
للمغاربة، والأول أن يقولوا: الاخراج كما يقوله غيرهم.
الثاني: عزو الأحاديث إلى من أخرجها من الأئمة، ومنه قيل: خرّج فلان أحاديث
كتاب كذا، وفلان له كتاب في تخريج أحاديث الاحياء، ونحو ذلك)).
التنبيه :
قال ابن الصلاح: ((الكتب المخرجة على كتاب البخاري أو كتاب مسلم رؤيتها لم يلتزم
مصنفوها فيها موافقتها في ألفاظ الحديث بعينها من غير زيادة ونقصان؛ لكونهم رووا تلك
الأحاديث من غير جهة البخاري ومسلم طلباً لعلو الإسناد، فحصل فيها بعض التفاوات في
الألفاظ، وهكذا ما أخرجه المؤلفون في تصانيفهم المستقلة كالسنن الكبرى للبيهقي، وشرح
السنة لأبي محمد البغوي، وغيرهما مما قالوا فيه: أخرجه البخاري أو مسلم، فلا يستفاد
من ذلك أكثر من أن البخاري أو مسلماً أخرج أصل ذلك الحديث مع احتمال أن يكون
بينهما تفاوت في اللفظ، وربما كان تفاوتاً في بعض المعنى فقد وجدت في ذلك ما فيه بعض
التفاوت من حيث المعنى، وإذا كان الأمر في ذلك على هذا فليس لك أن تنقل حديثا منها
وتقول: هو على هذا البوجه في كتاب البخاري أو كتاب مسلم، إلا أن تقابل لفظه، أو
يكون الذي خرجه قد قال: أخرجه البخاري بهذا اللفظ، بخلاف الكتب المختصرة من
الصحيحين، فإن مصنفيها نقلوا فيها ألفاظ الصحيحين أو أحدهما، غير أن الجمع بين
الصحيحين للحميدي الأندلسي منها يشتمل على زيادة تتمات لبعض الأحاديث، كما قدمنا
ذكره، فربما نقل من لا يميز بعض ما يجده فيه عن الصحيحين أو أحدهما، وهو مخطىء؛
لكونه من تلك الزيادات التي لا وجود لها في واحد من الصحيحين)) اهـ.

٢٧٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقد تساهل في نسبة الحديث إلى الصحيحين أو أحدهما أيضاً أكثر المخرجين
للمشيخات والمعاجم، والمرتبين على الأبواب؛ فإنهم يوردون الأحاديث بأسانيدهم ثم
يصرحون بعد انتهاء سياقه غالباً بعزوه إلى البخاري، أو مسلم، أو إليهما معاً، مع
اختلاف الألفاظ وغيرها، يريدون أصله، فليتنبه لذلك.
النقل من الكتب المعتمدة في الفن
قال النووي تغذّفُ في شرح مسلم: ((قال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح: اعلم
أن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود منها في عصرنا وكثير من الأعصار قبله إثبات
ما يروى؛ إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يدري ما يرويه، ولا يضبط ما في كتابه
ضبطاً يصلح لأن يعتمد عليه في ثبوته، وإنما المقصود بها بقاء سلسلة الإسناد التي خصت
بها هذه الأمة - زادها الله كرامة - وإذا كان كذلك فسبيل من أراد الاحتجاج بحديث من
صحيح مسلم وأشباهه: أن ينقله من أصل مقابل على يدي ثقتين بأصول صحيحة متعددة
مروية بروايات متنوعة؛ ليحصل له بذلك مع اشتهار هذه الكتب وبعدها عن أن تقصد
بالتحريف والتبديل الثقة بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول، فقد تكثر تلك الأصول
المقابل بها كثرة تتنزل منزلة التواتر ومنزلة الاستفاضة)). وهذا كلام الشيخ. وهذا الذي
قاله محمول على الاستحباب والاستظهار، وإلا فلا يشترط تعدد الأصول والروايات؛ فإن
الأصل الصحيح المعتمد يكفي، وتكفي المقابلة به، والله أعلم)).
ثم هل يشترط في نقل الحديث للعمل به أو للاحتجاج به أن تكون له به رواية؟
فالظاهر مما تقدم: عدم اشتراط ذلك. وحكى الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني: الإجماع
على جواز النقل من الكتب المعتمدة، ولا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها، وذلك
شامل لكتب الحديث والفقه.
وقال الكيا الطبري في تعليقه: ((من وجد حديثاً في كتاب صحيح جاز له أن يرويه
ويحتج به، وقال قوم من أصحاب الحديث: لا يجوز له أن يرويه؛ لأنه لم يسمعه، وهذا
غلط)) وكذا حكاه إمام الحرمين في البرهان عن بعض المحدثين، وقال: هم عصبة لا
مبالاة بهم في حقائق الأصول . - يعني المقتصرين على السماع لا أئمة الحديث ..
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في جواب سؤال كتبه إليه أبو محمد بن
عبد الحميد: ((وأما الاعتماد على كتب الفقه الصحيحة الموثوق بها فقد اتفق العلماء في
هذا العصر على جواز الاعتماد عليها والإسناد إليها؛ لأن الثقة قد حصلت بها كما تحصل
بالروايات ولذلك اعتمد الناس على الكتب المشهورة في النحو واللغة والطب وسائر

٢٧٩
مقدمة
العلوم؛ لحصول الثقة بها وبُعْد التدليس، ومن اعتقد أن الناس قد اتفقوا على الخطأ في
ذلك فهو أولى بالخطأ منهم، ولولا جواز الاعتماد على ذلك لتعطل كثير من المصالح
المتعلقة بها، وهذا هو المعتمد الأصولي، فإذا صادفناه لأزمناه وتركنا وراءنا المحدثين
ينقطعون في وضع ألقاب وترتيب أبواب)).
وقال بعض الفقهاء: وإذا أراد المفتي المقلد أن ينقل عن المجتهد فله في ذلك
طريقان :
أحدهما : أن یکون له إلی إمامه في ذلك سند صحيح يعتمد عليه.
الثاني: أن يأخذه عن كتاب معروف قد تداولته الأيدي، لا سيّما إن كان من الكتب
التي ثبتت بالتواتر أو الشهرة نسبتها إلى مصنفيها الذين يعتمد عليهم في النقل؛ فإن لم
يجد ذلك إلا في كتاب لم يشتهر في عصره، أو اشتهر فيه ولكن لم يشتهر في دياره: لم
يسغ له النقل عنه، إلا أن يكون ما يريد نقله عنه قد نقله عنه كتاب مشهور، فيكون التعويل
في النقل عليه لا على الكتاب الآخر الذي لم يشتهر.
وقال بعضهم: ما يوجد من كلام رجل أو مذهبه في كتاب مشهور معتمد عليه يجوز
للناظر فيه أن يقول: قال فلان كذا، وإن لم يسمعه من أحد؛ لأن وجود ذلك على هذه
الصفة بمنزلة الخبر المتواتر أو المستفيض، فلا يحتاج في مثله إلى إسناد.
طبقات كتب الحديث بحسب الشهرة والصحة
على رأي الشيخ ولي الله الدهلوي كثُّ
قال الشيخ العارف ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((وكتب الحديث على طبقات
مختلفة ومنازل متباينة، فوجب الاعتناء بمعرفة طبقات كتب الحديث، فنقول: هي باعتبار
الصحة والشهرة على أربع طبقات، وذلك: لأن أعلى أقسام الحديث - كما عرفت فيما
سبق - ما ثبت بالتواتر، وأجمعت الأمة على قبوله، والعمل به)).
ثم ما استفاض من طرق متعددة لا يبقى معها شبهة يعتد بها، واتفق على العمل به
جمهور فقهاء الأمصار، أو لم يختلف فيه علماء الحرمين خاصةً؛ فإن الحرمين محل
الخلفاء الراشدين في القرن الأولى، ومحط رجال العلماء طبقةً بعد طبقة. يبعد أن يسلّموا
منهم الخطأ الظاهر، أو كان قولاً مشهوراً معمولاً به في قطر عظيم، مروياً عن جماعة
عظيمة من الصحابة والتابعين.
ثم ما صح أو حسن سنده؛ وشهد به علماء الحديث، ولم يكن قولاً متروكاً لم
يذهب إليه أحد من الأمة.

٢٨٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أما ما كان ضعيفاً موضوعاً أو منقطعاً أو مقلوباً في سنده أو متنه أو من رواية
المجاهيل أو مخالفاً لما أجمع عليه السلف طبقةً بعد طبقةٍ: فلا سبيل إلى القول به.
فالصحة أن يشترط مؤلف الكتاب على نفسه إيراد ما صح أو حسن، غير مقلوب
ولا شاذٍ ولا ضعيفٍ إلا مع بيان حاله؛ فإن إيراد الضعيف مع بيان حاله لا يقدح في
الكتاب.
والشهرة أن يكون الأحاديث المذكورة فيها دائرةً على ألسنة المحدثين قبل وبعد
تدوينها، فيكون أئمة الحديث قبل المؤلف رووها بطرق شتى. وأوردوها في مسانيدهم
ومجاميعهم، وبعد المؤلف اشتغلوا برواية الكتاب، وحفظه، وكشف مشكله، وشرح
غريبه، وبيان إعرابه، وتخريج طرق أحاديثه. واستنباط فقهها، والفحص عن أحوال
رواتها، طبقةً بعد طبقة، إلى يومنا هذا، حتى لا يبقى شيء مما يتعلق به غير مبحوث
عنه، إلا ما شاء الله، ويكون نقاد الحديث قبل المصنف وبعده وافقوه في القول بها،
وحكموا بصحتها، وارتضوا رأي المصنف فيها، وتلقوا كتابه بالمدح والثناء، ويكون أئمة
الفقه لا يزالون يستنبطون عنها، ويعتمدون عليها، ويعتنون بها، ويكون العامة لا يخلون
عن اعتقادها وتعظيمها .
وبالجملة فإذا اجتمعت هاتان الخصلتان كملاً في كتاب كان من الطبقة الأولى. ثم
وثم .. وإن فقدنا رأساً: لم يكن له اعتبار، وما كان أعلى حد في الطبقة الأولى فإنه يصل
إلى حد التواتر، وما دون ذلك يصل إلى الاستفاضة، ثم إلى الصحة القطعية - أعني القطع
المأخوذ في علم الحديث، المفيد للعمل - والطبقة الثانية إلى الاستفاضة أو الصحة
القطعية أو الظنية، وهكذا ينزل الأمر.
فالطبقة الأولى منحصرة بالاستقراء في ثلاثة كتب: الموطأ، وصحيح البخاري،
وصحيح مسلم .
قال الشافعي: ((أصح الكتب بعد كتاب الله موطأ مالك)) واتفق أهل الحديث على
أن جميع ما فيه صحيح على رأي مالك ومن وافقه، وأما على رأي غيره فليس فيه مرسل
ولا منقطع إلا قد اتصل السند به من طرق أخرى(١)، فلا جرم أنها صحيحة من هذا
الوجه .
وقد صنف في زمان مالك مؤطآت كثيرة في تخريج أحاديثه ووصل منقطعه، مثل
(١) ذكر صاحب هذه المقدمة خلاف هذا تحت ترجمة ((أول من صنف في الصحيح المجرد)) فارجع إليه حيث
قال: ((من بلاغاته أحاديث لا تعرف، كما ذكره الحافظ ابن عبد البر تَّقُ. (رف).