النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
مقدمة
قال ابن كثير كثّفُ: ((كان ينبغي أن يكون هذا المذهب هو الواقع، ولكن لم يتفق
ذلك)» اهـ.
تنبيه :
يظهر من الروايات أن الصحابة - روم - قد كانوا يرون شيئاً مما فعله النبيّ وَلّ،
فيعبرون عنه بفعل آخر يتبادر إلى أفهامهم ترتبه على ذلك الفعل بنوع من الاعتبار
والاستدلال، كما قال أنس - ربه - في حديث أخرجه الترمذي من طريق هشام بن زيد
عن أنس في باب أكل الأرنب: ((فبعث معي بفخذها أو بوركها إلى النبيّ وَّر، فأكله،
فقلت: أكله؟ قال: قبله)) (جامع الترمذي أبواب الأطعمة) فهذا كما ترى، قد عبر فيه أنس
قبول لحم الأرنب بأكله، ولولا سؤال هشام لما فهمنا من لفظه إلا مباشرة الأكل.
وهكذا قال علي - رَظُه -: ((كساني النبيّ وَّر حلة سيراء))، وقال عمر للنبي وَلّ في
الحلة التي بعثها إليه النبيّ وَلجر: ((كسوتنيها)) مع أن القصة تدل على أنه وَّقو إنما بعث بها
إليهما، ولم يأمرهما باللبس، بل قد نهى عنه من قبل ومن بعد، ولكنهما - ﴿ًّا - رأيا بعثه
وإعطاءه وَّر إباحة للبسهما في حقهما، فعبرا الإعطاء بالكسو.
وأيضاً ربما كان النبيّ وَله يعزم على فعل، أو يتمناه، فيعبره بعضهم بلفظة دالة على
نفس الفعل، كما قال ابن عباس في العاشوراء: ((ثم أصبح من اليوم التاسع صائماً، قال
الحكم بن الأعرج: قلت: أهكذا كان يصومه محمد وّل﴿؟ قال: نعم)) أخرجه الترمذي.
وقد ثبت في الروايات أنه ويّ ما صام التاسع قط، إلا أنه حث على صومه بقوله، وكان
عازماً عليه إن عاش إلى العام القابل، ولكنه لم يعش، ففيه تعبير القول بالفعل، أو تعبير
عزم الفعل وتمنيه بالفعل، وهذا عندي توسع وتجوز في الرواية بالمعنى، وقد أهملوه.
فائدة :
قال الشيخ ولي الله الدهلوي تثاثهُ: ((وقد يختلف(١) صيغ حديث لاختلاف الطرق،
وذلك من جهة نقل الحديث بالمعنى، فإن جاء حديث ولم يختلف الثقات في لفظه كان
ذلك لفظه و 8# ظاهراً، وأمكن الاستدلال بالتقديم والتأخير، والواو والفاء، ونحو ذلك
من المعاني الزائدة على أصل المراد، وإن اختلفوا اختلافاً محتملاً - وهم متقاربون في
الفقه والحفظ والكثرة - سقط الظهور، فلا يمكن الاستدلال بذلك إلا على المعنى الذي
جاؤوا به جميعاً. وجمهور الرواة كانوا يعتنون برؤوس المعاني لا بحواشيها، وإن
(١) وفي حجة الله البالغة (١: ١٣٩): ((تختلف)).

٢٢٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
اختلفت مراتبهم أخذ بقول الثقة، والأكثر والأعرف بالقصة، وإن أشعر قول ثقة بزيادة
الضبط مثل قوله: ((قالت: وثب، وما قالت: قام)) وقالت: أفاض على جلده الماء، وما
قالت: اغتسل)) أخذ به، وإن اختلفوا اختلافاً فاحشاً - وهم متقاربون - ولا مرجح سقطت
الخصوصيات المختلف فيها)).
فروع لها تعلق بالرواية بالمعنى
الفرع الأول:
للعلماء في اختصار الحديث - وهو حذف بعضه، والاقتصار في الرواية على بعضه -
أقوال :
القول الأول: المنع من ذلك مطلقاً، بناءً على المنع من الرواية بالمعنى؛ لأن
حذف بعض الحديث ورواية بعضه ربما أحدث الخلل فيه، والمختصِر لا يشعر.
قال عتبة: قلت لابن المبارك: علمت أن حماد بن سلمة كان يريد أن يختصر
الحديث فينقلب معناه، قال: فقال لي: أوفطنت له؟.
وروى يعقوب بن شيبة عن مالك: أنه كان لا يرى أن يختصر الحديث إذا كان عن
رسول الله صل .
وقال أشهب: سألت مالكاً عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر، والمعنى واحد، قال:
أما ما كان منها من قول رسول الله وَ* فإني أكره ذلك، وأكره أن يزاد فيها وينقص منها،
وما كان من قول غير رسول الله بَ ير فلا أرى بذلك بأساً إذا كان المعنى واحداً.
وكان عبد الملك بن عمير وغيره لا يجيزون أن يحذف منه حرف واحد، فإن كان
لشك فهو سائغ، كان مالك يفعله كثيراً .
القول الثاني: الجواز مطلقاً، وينبغي تقييد الإطلاق بما إذا لم يكن المحذوف
متعلقاً بالمأتي به تعلقاً يخل حذفه بالمعنى، كالاستثناء والشرط، فإن كان كذلك لم يجز
بلا خلاف، وهو ظاهر.
القول الثالث: أنه إن لم يكن رواه على التمام قبل ذلك هو أو غيره لم يجز، وإن
كان قد رواه على التمام قبل ذلك هو أو غيره جاز.
القول الرابع: أنه يجوز ذلك للعالم العارف إذا كان ما تركه متميزاً عما نقله، غير
متعلق به بحيث لا يختل البيان، ولا تختلف الدلالة فيما نقله بترك ما تركه. وهذا ينبغي
أن يجوز حتى عند من لم يجز الرواية بالمعنى؛ لأن المحذوف والمروي حينئذٍ يكونان

٢٢٣
مقدمة
بمنزلة خبرين منفصلين، وهو الصحيح، كما قال ابن الصلاح: ولا فرق في هذا بين أن
يكون قد رواه قبل على التمام أو لا، ومحل جواز روايته مختصراً ما إذا كان الراوي رفيع
المنزلة، مشهوراً بالضبط والإتقان، بحيث لا يظن به زيادة ما لم يسمعه أو نقصان ما
سمعه، بخلاف ما ليس كذلك.
وممن ذهب إلى جواز اختصار الحديث مسلم كثّفُهُ، وقد أشار إلى ذلك في مقدمة
صحيحه - كما سيأتي - وقد تعرض ابن الصلاح في مبحث اختصار الحديث لحكم
تقطيعه، فقال :
((وأما تقطيع المصنف متن الحديث الواحد، وتفريقه في الأبواب: فهو إلى الجواز
أقرب، ومن المنع أبعد؛ وقد فعله مالك والبخاري كثّفُهُ وغير واحد من أئمة الحديث،
ولا يخلو من كراهية، والله أعلم)). وممن نسب إليه فعل ذلك: أحمد، وأبو داود،
والنسائي.
وقد أشكل نسبة ذلك إلى مالك وأحمد رحمهما الله، أما مالك فلما نقل أشهب عنه
أنه كان يكره النقص من الحديث، وقد ذكرنا عبارته بلفظها قريباً، وأما أحمد فلما نقل
الخلال عنه أنه قال :
((إنه ينبغى أن لا يفعل)).
وقد يجاب عن ذلك بأنهما ربما كانا يفرقان بين الرواية وغيرها، فيمنعان ذلك في
حال الرواية، ويجيزانه في حال الاستشهاد، لا سيّما إن كان المعنى المستنبط من القطعة
التي يراد الاستشهاد بها مما يدق على الأفكار، فإن إيرادها وحدها أقرب إلى الفهم،
وأبعد من الوهم.
واختار بعض المحققين التفصيل في هذه المسألة فقال: إن حصل القطع بأن
المحذوف لا يخل بالباقي فلا كراهة في ذلك، وإن لم يحصل ذلك فلا يخلو الأمر من
كراهة، إلا أن درجاتها تختلف باختلاف حاله في ظهور ارتباط بعضه ببعض، وخفائه،
وقد تباعد مسلم كثُّ عن ذلك (فإنه لكونه لم يقصد ما قصده البخاري من استنباط الأحكام
أورد كل حديث بتمامه من غير تقطيع له ولا اختصار إذا لم يقل فيه مثل حديث فلان أو
نحوه .
الفرع الثاني :
إذا روى المحدث الحديث بإسناد، ثم أتبعه بإسناد آخر، وقال عند انتهائه: مثله،
أو نحوه، فهل للراوي عنه أن يقتصر على الإسناد الثاني ويسوق لفظ الحديث المذكور
عقيب الإسناد الأول؟ في ذلك ثلاثة أقوال:

٢٢٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أحدها: المنع، وهو قول شعبة، فقد روي عنه أنه قال: ((فلان عن فلان مثله لا
یجزی۶» وزوي عنه أنه قال: «قول الراوي: نحوه، شك)).
والثاني: جواز ذلك إذا عرف أن الراوي للذلك ضابط متحفظ يذهب إلى تمييز
الألفاظ وعدّ الحروف، فإن لم يعرف منه ذلك لم يجز، وهو قول سفيان الثوري.
الثالث: جواز ذلك في قوله: ((مثله)) وعدم جواز ذلك في قوله: ((تحوه" وهو قول
يحيى بن معين، وعلى هذا يدل كلام الحاكم، حيث يقول: «إن مما يلزم الحديثين من
الضبط والإتقان أن يفرق بين أن يقول ((مثله))) أو يقول: ((تحوه" فلا يحل له أن يقول:
«مثله)) إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظ واحد، ويحل له أن يقول: ((نحوه)) إذا كان على،
مثل معانيه، وهذا على مذهب من لا يجيز الرواية بالمعنى. فأما على مذهب من يجيزها
فلا فرق بين ((مثله)) و((تحفة)».
وإذا ذكر المحدث إسناد الحديث وطرفاً من المثن، وأشار إلى بقيته بقوله:
(الحديث) أو ((وذكر الحديث)) ونحو ذلك، فليس للزأوي عنه أن يروي الحديث عنه
بكماله، بل يقتصر على ما سمع منه، وهذا أولى بالمنع من المسألة التي قبلها؛ لأن
المسألة التي قبلها قد شاق فيها جميع المثن قبل ذلك بإسناذ آخر، وفي هذه الصورة لم
يستق إلا هذا القدر من الحديث.
وهذا الفرع مما تشتد إلى معرفته حاجة المفتنين بصحيح مسلم كله لكثرة تكرر
(مثله) واتخوة، ونحو ذلك ڤيَهُ.
قال السخاوي: ((وأخرج مسلم في مَقْدمَةٌ صَحِيحَة مَنْ حَديثَ أَبْنَ مَهَدُعي ومُعَاذْ بَنْ
مُعَاذَ، كَلاَهُماً عن شعبة، عن حبيب بن عَبد الرَّحْمَنْ، عَنْ حَقَصَ بَنَّ عَاصَمْ، مُرْفُوعَاً
مزيلاً: (كفى بالمرءَ كذبًا) ثم أخرجه من طريق علي بن خقص، عن شعبة، فَوَصَلَهُ بأبي
هريرةٌ، وَلَمْ يَسّ لفظُه، بل قال: ((مثله)) هذا مع كونه لم يقع لي مُنْ طَريقَ عَلَيُّ الْمَذْكَوَرُ
إلا لفظ ((إثماً)) فإما أن يكون مسلم لم يشدد لكونه في المقدمة، أو وقع له بلفظه، والأول
أقرب»:
الفرع الثالث:
قال ابن الصلاح: ((إذا كان الحديث عند الراوي عد اثنين، أو أكثر، وبين روايتهما
تفاوت في اللفظ، والمعنى واحد. كان له أن يجمع بينهما في الأسناد، ثم يسوق الحديث
على لفظ أحدهما خاصة، ويقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان، أو: وهذا لفظ
فلان، قال أو قال أخبرنا فلان، أو ما أشبه ذلك من العبارات).

٢٢٥
مقدمة
ولمسلم صاحب الصحيح منع هذا في ذلك عبارة أخرى حسنة، مثل قوله: ((حدثنا
أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج، كلاهما عن أبي خالد، قال أبو بكر: حدثنا أبو
خالد الأحمر، عن الأعمش)»، وساق الحديث، فإعادته ثانياً ذكر أحدهما خاصة إشعار
بأن اللفظ المذكور له، فأما إذا لم يخص لفظ أحدهما بالذكر بل أخذ من لفظ هذا ومن
لفظ ذاك، وقال: ((أخبرنا فلان وفلان، وتقاربا في المعنى، قالا: أخبرنا فلان)» فهذا غير
ممتنع على مذهب تجويز الرواية بالمعنى.
هذا، وما ذكره ابن الصلاح من أن إعادة مسلم لذكر أحد الراويين خاصة يشعر بأن
اللفظ المذكور له هو الظاهر المتبادر إلى الذهن، مع احتمال أن تكون الإعادة لمجرد بيان
أن راوي الذي أعيد ذكر اسمه ثانياً قد صرح بالتحديث دون الراوي الذي لم يعد ذكر
اسمه، فينبغي الانتباه لذلك.
وممن سبق مسلماً لنحو صنيعه: شيخه الإمام أحمد تافه، فهو حريص على تمييز
الألفاظ في السند والمتن.
وقد ينشأ عن بعضه - لمن لم يتدبر - إثبات راو لا وجود به، ومنه قول أحمد:
حدثنا يزيد بن هارون، وعباد بن عباد المهلبي، قالا: أنا هشام، قال عباد: ابن زياد)»
حيث ظن بعض الحفاظ أن زياداً هو والد عباد، وليس كذلك، بل هو والد هشام اختص
عباد بزیادته عن رفيقه یزید.
ونحوه قوله أيضاً: ((ثنا محمد بن جعفر وحجاج، قالا: ثنا شعبة، عن منصور، عن
ربعي بن حراش، عن أبي الأبيض، قال حجاج: رجل من بني عامر عن أنس))، فذكر
حديثاً فليس قوله: ((رجل من بني عامر)) وصفاً لحجاج، بل هو مقولته، وصف به أبا
الأبيض، انفرد بوصفه له بذلك عن رفيقه، وحجاج هو ابن محمد أحد شيخي أحمد فيه،
وأمثله ذلك كثيرة.
وإذا سمع بعض حديث من شيخ، وبعضه من شيخ آخر، فخلطه وعزاه جملة إليهما
مبيناً أن بعضه عن أحدهما، وبعضه عن الآخر من غير تمييز لما سمعه من كل شيخ من
الآخر: جاز. ومن أمثلة ذلك حديث الإفك في صحيح البخاري.
وكثيراً ما يستعمل التلفيق أرباب المغازي والسير، وقد انتقدوا التلفيق على
الزهري، وهو أول من فعل ذلك، والأمر فيه سهل إذا كان الكل ثقات. وأما ما عيب
البخاري فليس بعيب عند الجمهور، الذي يجيز الرواية بالمعنى، هذا عبد الله بن وهب لم
يتأخر البخاري، ولا غيره من الأئمة عن التخريج له مع كونه كان يفعل ذلك.

٢٢٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وأما حماد فإن البخاري لم يترك الاحتجاج به لكونه كان يفعل ذلك، بل لكونه قد
ساء حفظه، ولذا لم يخرج له في الأصول، واقتصر مسلم فيما قاله الحاكم على روايته
عن ثابت، مع أنه كان من الائمة الأثبات الموصوفين بأنهم بلغوا درجة الأبدال.
الفرع الرابع:
ليس للراوي أن يزيد في نسب غير شيخه من رجال الإسناد أو صفته مدرجاً ذلك
حيث اقتصر شيخه على بعضه، إلا أن يميزه فيقول مثلاً: هو ابن فلان الفلاني، أو يعني
ابن فلان، ونحوه: فيجوز، فعل ذلك أحمد وغيره.
الفرع الخامس:
إذا قدم الراوي المتن وأخر الإسناد من أعلى، كروى نافع عن ابن عمر عن النبيّ وَالـ
كذا، ثم يقول: أخبرنا به فلان عن فلان، حتى يتصل بما قدمه صح، وكان متصلاً، فلو
أراد من سمعه هكذا تقديم جميع الاسناد بأن يبدأ به أولاً ثم يذكر المتن فيجوزه بعضهم
- أي أهل الحديث من المتقدمين - قال المصنف في الإرشاد: وهو الصحيح. كذا في
التدريب شرح التقريب.
فائدة :
قال شيخ الإسلام: تقديم الحديث على السند يقع لابن خزيمة إذا كان في السند من
فيه مقال، فيبتدىء به ثم بعد الفراغ يذكر السند، قال: وقد صرح ابن خزيمة بأن من رواه
على غير ذلك الوجه لا يكون في حلٍ منه، فحينئذٍ ينبغي أن يمنع هذا ولو جوزنا الرواية
بالمعنى .
الفرع السادس:
إذا كان في سماعه بعض الوهن - أي الضعف - فعليه بيانه حال الرواية؛ فإن في
إغفاله نوعاً من التدليس، وذلك كأن يسمع من غير أصل، أو يحدث هو أو الشيخ وقت
القراءة، أو حصل نوم أو نسخ، أو سمع بقراءة مصحف ولحان، أو كان التسميع بخط
من فيه نظر .
ومنه إذا حدثه من حفظه في المذاكرة؛ لتساهلهم فيها، فليقل: حدثنا في المذاكرة،
ونحوه، كما فعله الأئمة، ومنع جماعة منهم - كابن مهدي، وابن المبارك، وأبي زرعة -
الحمل عنهم حال المذاكرة لتساهلهم فيها، ولأن الحفظ خوّان.
وامتنع جماعة من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم لذلك، منهم أحمد بن حنبل.

٢٢٧
مقدمة
وإذا كان الحديث عن رجلين: أحدهما ثقة، والآخر مجروح، كحديث لأنس - مثلاً -
يرويه عنه ثابت البناني وأبان بن أبي عياش، أو عن ثقتين، فالأولى أن يذكرهما لجواز أن
يكون فيه شيء لأحدهما لم يذكره الآخر، وحمل لفظ أحدهما عن الآخر، فإن اقتصر
على ثقة فيهما لم يحرم؛ لأن الظاهر اتفاق الروايتين، وما ذكره من الاحتمال نادر بعيد،
ومحذور الإسقاط في الثاني أقل من الأول. قال الخطيب: وكان مسلم بن الحجاج في
مثل هذا ربما أسقط المجروح ويذكر الثقة؛ ثم يقول: وآخر كناية عن المجروح، قال:
وهذا القول لا فائدة فيه. وقال البلقيني: بل له فائدة تكثير الطرق.
تنبيه :
جرت عادة كتبة الحديث باختصار بعض ألفاظ الأداء في الخط دون النطق.
فمن ذلك: ((حدثنا)) فإنهم يقتصرون في كتابتها على ((ثنا)) وهي: الثاء والنون
الألف، وقد يحذفون الثاء ويقتصرون على الضمير وحده، وهو ((نا)).
ومن ذلك ((أخبرنا)) فإنهم يقتصرون في كتابتها على ((أنا)) وقد التزموا في الغالب
تحريف الألف الأخيرة منهما إلى جهة اليمين؛ ليحصل التمييز بينها وبين ما يشابهها في
الصورة مما ليس برمز، وقد يزيد بعضهم الراء فتصير ((أرنا)) وكأن الذي زادها خشي أن
يظن أنها مختصرة من ((أنبأنا)) وإن جرت عادتهم بعدم اختصارها، كما يشاهد فيما لا
يحصى من الكتب.
ومن ذلك ((قال)) ونحوه، فقد جرت العادة بحذفه فيما بين رجال الإسناد خطاً،
وذكره حال القراءة لفظاً
مثال ذلك قول البخاري: ((حدثنا صالح بن حيان قال: قال عامر الشعبي)) فإن
الكاتب يحذف أحدهما، وأما القارىء فإنه ينبغي له أن يلفظ بهما معاً، ولو لم يلفظ
القارىء بما تركه الكاتب يكون مخطئاً، غير أن هذا الخطأ لا يؤثر في صحة السماع؛ فقد
قال بعض الحفاظ: إن الظاهر أن السماع صحيح للعلم بالمقصود، ويكون هذا من قبيل
الحذف لدلالة الحال عليه.
وفي التدريب للسيوطي: ((قال العراقي: وقد كان بعض أئمة العربية - وهو العلامة
شهاب الدين عبد اللطيف بن المرحل - ينكر اشتراط المحدثين التلفظ بـ((قال)) في أثناء
السند، وما أدري ما وجه إنكاره؛ لأن الأصل هو الفصل بين كلامي المتكلمين للتمييز
بينهما، وحيث لم يفصل فهو مضمر، والإضمار خلاف الأصل)).
قلت: وجه ذلك في غاية الظهور؛ لأن ((أخبرنا)) و((حدثنا)) بمعنى قال لنا، إذ حدث

٢٢٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بمعنى ((قال))، و((نا)) بمعنى ((لنا)) فقوله: حدثنا فلان حدثنا فلان، معناه: قال لنا فلان قال
لنا فلان، وهذا واضح لا إشكال فيه، وقد ظهر لي هذا الجواب وأنا في أوائل الطلب،
فعرضته لبعض المدرسين فلم يهتد لفهمه لجهله بالعربية، ثم رأيته بعد نحو عشر سنين
منقولاً عن شيخ الإسلام، وأنه كان ينصر هذا القول ويرجحه، ثم وقفت عليه بخطه، فللّه
الحمد)).
قال العلماء رحمهم الله: ومما قد يغفل عنه من ذلك ما إذا كان في الإسناد: قرىء
على فلان أخبرك فلان، فينبغي للقارىء أن يقول فيه: قيل له أخبرك فلان، وقد وقع في
بعض ذلك: قریء علی فلان حدثنا فلان، ينبغي أن يقال فیه: قریء على فلان قال حدثنا
فلان، وقد جاء هذا مصرحاً به خطأ في بعض الكتب، ويصح في الصورة الثانية أن يقال:
قرىء على فلان قيل له: قلت: حدثنا فلان، إلا أن ما ذكر من قبل أخصر ومن عرف
اللغة العربية لم يعسر عليه أن يأتي في كل موضع بما يقتضيه.
ومن ذلك: ((أنه)) قد جرت العادة بحذفه في الخط دون اللفظ، وذلك كقول
البخاري: ((حدثنا الحسن بن صباح سمع جعفر بن عون)) والأصل: ((أنه سمع)).
وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، وأرادوا أن يجمعوا بينهما، فقد جرت عادة
أهل الحديث إذا انتقلوا من إسناد أن يكتبوا بينهما ((ح)) وهي حاء مفردة مهملة، وهي
مأخوذة من التحول إشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد آخر، وهذه الحاء الدالة على
التحول من إسناد إلى إسناد هي في صحيح مسلم أكثر منها في صحيح البخاري، واختار
ابن الصلاح أن يقول القارىء عند الانتهاء إليها ((حا)) ويستمر في قراءة ما بعدها، وهو
أحوط الوجوه، وأعدلها، وعلى ذلك جرى جل أهل الحديث.
الناسخ والمنسوخ
قال ابن كثير تَُّ في هذا النوع: «إنه ليس من خصائص هذا العلم، بل هو بأصول
الفقه أشبه)). ونحوه قول ابن الأثير: ((معرفة المتواتر، والآحاد، والناسخ والمنسوخ، وإن
تعلقت بعلم الحديث، فإن المحدث لا يفتقر إليها، بل هي من وظيفة الفقيه؛ لأنه يستنبط
الأحكام من الأحاديث، فيحتاج إلى معرفة ذلك، وأما المحدث فوظيفته أن ينقل ويروي
ما سمعه من الأحاديث كما سمعه، فإن تصدى لما رواه فزيادة في الفضل. وكمال في
الاختیار)) انتهى.
والنسخ في اللغة: عبارة عن التبديل، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ مَكَانَ

٢٢٩
مقدمة
ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنْزِّدُ﴾ [سورة النحل، آية: ١٠٠] فسمى النسخ بتديلاً، ومعنى التبديل أن
يزول شيء فيخلفه غيره، يقال: نسخت الشمس الظل؛ لأنها تخلفه شيئاً فشيئاً، هذا أصل
هذه الكلمة وحقيقتها حتى صارت تشبه الإبطال من حيث كان الناسخ وجوداً يخلف زوال
المنسوخ، وهذا هو معنى الابطال فإن المبطل للشيء يخلف زواله.
وهو - أن النسخ - في حق صاحب الشرع بيان محض؛ لإنهاء الحكم الأول ليس فيه
معنى الرفع، كأنه كان معلوماً عند الله تعالى أن ينتهي في وقت كذا بالناسخ، فكان الناسخ
بالنسبة إلى علمه تعالى مبيناً للمدة لا رافعاً، إلا أنه أطلقه، أي: لم يبين توقيته الحكم
المنسوخ حين شرعه، فكان ظاهره البقاء في حق البشر؛ لأن إطلاق الأمر بشيء يوهمنا
بقاء ذلك على التأييد من غير أن نقطع القول به في زمن الوحي، فصار الحاصل أن معنى
النسخ هو التبديل والإبطال لغة، وكذلك شرعاً بالنسبة إلى علم العباد لكنه بالنسبة إلى علم
صاحب الشرع بيان محض لمدة الحكم، وهو كالقتل بيان محض للأجل؛ فإن المقتول
ميت بانقضاء أجله بلا شبهة عند أهل السنة؛ إذ لا أجل له سواه، كما نص الله تعالى
بقوله: ﴿فَإِذَا جَآَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سورة الأعراف، آية: ٣٤]، والموت الذي
حصل فيه: بخلق الله تعالى، كما حصل في الميت حتف أنفه، لا يفعل القاتل على ما
عرف في مسألة المتولدات، وفي حق القاتل تبديل وتغيير. أي: إبطال وقطع للحياة
بالموت؛ لأنه هو المباشر لسبب الموت، حتى وجب عليه القصاص إن كان عمداً،
والدية على عاقلته إن كان خطأ .
قال الإمام فخر الإسلام تخَّفُ: ((وبيان ذلك أنا إنما نجوز النسخ في حكم مطلق عن
ذكر الوقت يحتمل أن يكون موقتاً، ويحتمل البقاء والعدم على السواء؛ لأن النسخ إنما
يكون في حياة النبي ظلّا، والأمر المطلق في حياته للإيجاب لا للبقاء، بل البقاء
باستصحاب الحال على احتمال العدم بدليله لا أن البقاء بدليل يوجبه؛ لأن الأمر لم
يتناول البقاء لغة، فلم يكن دليل النسخ متعرضاً لحكم الدليل الأول بوجه إلا ظاهراً، بل
كان بياناً للمدة التي هي غيب عنا، والحكمة البالغة بلا شبهة بمنزلة الإحياء والإيجاد أن
حكمه الحياة والوجود لا البقاء، بل البقاء لعدم أسباب الفناء بإبقاء هو غير الإيجاد، وله
أجل معلوم عند الله، فكان الافناء والإماتة بياناً محضاً فهذا مثله، هذا حكم بقاء المشروع
في حياة النبي لعلّ فإذا قبض الرسول لعليّ من غير نسخ صار البقاء من بعد ثابتاً بدليل
يوجبه، فصار بقاءً يقيناً لا يحتمل النسخ بحال، فإذا غاب الحي بقيت حياته لعدم الدليل
طلّلام)) .
على موته، فكذلك المشروع المطلق في حياة النبيّ

٢٣٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ومحل النسخ حكم يحتمل بيان المدة والوقت، وذلك بوصفين:
أحدهما: أن يكون في نفسه محتملاً للوجود والعدم، فإذا كان بخلافه لم يحتمل
النسخ، كأسماء الله تعالى وصفاته عزّ وجلّ.
والثاني: أن لا يكون ملحقاً به ما ينافي المدة والوقت؛ فلا يجري النسخ في
الأحكام التي ثبت توقيتها أو تأبيدها نصاً أو دلالة.
وشرط النسخ هو التمكن من عقد القلب على المنسوخ، فأما التمكن من الفعل
فليس بشرط عندنا، وقالت المعتزلة: إنه شرط.
وحاصل الأمر أن حكم النص بيان المدة لعمل القلب والبدن جميعاً، أو لعمل
القلب بانفراده، وعمل القلب هو المحكم في هذا عندنا، والآخر من الزوائد، وعندهم
هو بيان مدة العمل بالبدن.
لنا أن النبيّ ◌َللر أمر بخمسين صلاة ليلة المعراج، ثم نسخ ما زاد على الخمس،
فكان ذلك بعد العقد؛ لأنه 18 أصل هذه الأمة فصح النسخ بعد وجود عقده، ولم يكن
ثمة تمكن من الفعل.
قال فخر الإسلام: ((ألا ترى أن الله ابتلانا بما هو متشابه لا يلزمنا فيه إلا اعتقاد
الحقية فيه)) فدل ذلك على أن عقد القلب يصلح أصلاً، ولأن الفعل لا يصير قربة إلا
بعزيمة القلب، وعزيمة القلب قد تصير قربة بلا فعل، والفعل في احتمال السقوط فوق
العزيمة، فإذا كان كذلك صلح أن يكون مقصوداً دون الفعل.
وأما الناسخ فقال الإمام فخر الإسلام: ((الحجج أربعة: الكتاب، والسنة،
والإجماع، والقياس)).
أما القياس فلا يصلح ناسخاً لما تبين إن شاء الله تعالى (أي: في بحث القياس).
وأما الإجماع فقد ذكر بعض المتأخرين أنه يصح النسخ به، والصحيح أن النسخ به
لا يكون إلا في حياة النبيّ وَّر، والإجماع ليس بحجة في حياته؛ لأنه لا إجماع دون
رأيه، والرجوع إليه فرض، وإذا وجد منه البيان كان منفرداً بذلك لا محالة، وإذا صار
الإجماع واجب العمل به لم يبق النسخ مشروعاً، وإنما يجوز النسخ بالكتاب والسنة،
وذلك أربعة أقسام: نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالسنة، ونسخ السنة بالكتاب،
ونسخ الكتاب بالسنة، وذلك كله جائز عندنا. وقال الشافعي تتّثُ بفساد القسمين
الآخرین.

٢٣١
مقدمة
والدليل المعقول على ما قلنا: أن النسخ لبيان مدة الحكم. وجائز للرسول بيان
حكم الكتاب، فقد بعث مبيناً، وجائز أن يتولى الله تعالى بيان ما أجرى على لسان
رسوله وَ﴾، ولأن الكتاب يزيد بنظمه على السنة، فلا يشكل أن يصلح ناسخاً، وأما السنة
فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه، والسنة في حق الحكم وحي مطلق يوجب ما
يوجبه الكتاب، فإذا بقي النظم من الكتاب وانتسخ الحكم منه بالسنة كان المنسوخ مثل
الناسخ لا محالة، ولو وقع الطعن بمثله لما صح ذلك في الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة،
بل في ذلك إعلاء منزلة رسول الله وَلهير وتعظيم سنته، والله أعلم.
وظهر أنه ليس بتبديل من تلقاء نفسه؛ لأنه جل وعلا قال: ﴿وَمَا يَنِقُ عَنِ الْمَوَّ
٢
﴾ [سورة النجم، آية: ٣] وأما قوله جل وجلا: ﴿نَأْتِ مِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَاً﴾ [سورة البقرة، آية:
١٠٦] فإن المراد بالخيرية ما يرجع إلى العباد دون النظم بمعناه، فكذلك المماثلة، وهذا إذا
كانت السنة بالغة إلى حد التواتر أو الشهرة، وإلا فخبر الواحد لظنية ثبوته لا ينسخ
الكتاب، نعم نسخ خبر الواحد مثله جائز، والله أعلم)).
وأما المنسوخ فأنواع أربعة: الحكم والتلاوة، والحكم دون التلاوة، والتلاوة دون
الحكم، ونسخ وصف في الحكم.
أما نسخ التلاوة والحكم جميعاً فمثل صحف إبراهيم ظلّا؛ فإنها نسخت أصلاً: إما
بصرفها عن القلوب، أو بموت العلماء، وكان هذا جائزاً في القرآن في حياة النبي ظلّلا؛
قال الله تبارك وتعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىَ ﴿٦ إِلَّا مَا شَآءَ اللّهُ﴾ [سورة الأعلى، آية: ٦ - ٧] وقال
جل جلاله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِسِهَا﴾ [سورة البقرة، آية: ١٠٦] فأما بعد وفاته فلا، لقوله
[سورة الحجر، آية: ٩] أي: نحفظه منزلاً لا
٩
تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَّْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُم ◌َخَفِظُونَ
يلحقه تبديل صيانة للدين إلى آخر الدهر.
وأما القسم الثاني والثالث: فصحيحان عند عامة الفقهاء، ومن الناس من أنكر
ذلك، فقال: لأن النص لحكمه، فلا يبقى بدونه. ولعامة العلماء: أن النص الموجب
للإيذاء باللسان وإمساك الزواني في البيوت نسخ حكمه، وبقيت تلاوته، ومثله كثير، ولأن
للنظم حكمين: جواز الصلاة وما هو قائم بمعنى صيغته، وجواز الصلاة حكم مقصود
بنفسه، وكذلك الإعجاز الثابت بنظمه حكم مقصود، فبقي النص لهذين الحكمين، ودلالة
أنهما يصلحان مقصودين ما ذكرنا أن من المنصوص ما هو متشابه لا يثبت به إلا ما ذكرنا
من الإعجاز وجواز الصلاة، فلذلك استقام البقاء بهما، وانتهى الآخر.
وأما نسخ التلاوة وبقاء الحكم فمثل قراءة ابن مسعود رظه في كفارة اليمين:

٢٣٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
((فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ))(١) لكنه لما صح عنه إلحاقه عنده بالمصحف، ولا تهمة في
روايته: وجب الحمل على أنه نسخ نظمه وبقي حكمه، وهذا لأن للنظم حكماً ينفرد به،
وهو ما ذكرنا، فيصلح أن يكون هذا الحكم متناهياً أيضاً، ويبقى الحكم بلا نظم، وذلك
صحيح في أجناس الوحي.
وأما القسم الرابع : - وهو نسخ الوصف - فمثل الزيادة على النص؛ فإنها نسخ
عندنا. وقال الشافعي: إنه تخصيص وليس بنسخ.
لنا أن الاطلاق معنى مقصود من الكلام، وله حكم معلوم، وهو الخروج عن
العهدة بالإتيان بما يطلق عليه الاسم، من غير نظر إلى قيد، والتقييد معنى آخر مقصود
على مضادة المعنى الأول؛ لأن التقييد إثبات القيد، والإطلاق رفعه، وله حكم معلوم
وهو الخروج عن العهدة بمباشرة ما وجد فيه القيد دون ما لم يوجد فيه ذلك، فإذا صار
المطلق مقيداً لا بد من انتهاء حكم الإطلاق بثبوت حكم التقييد، لعدم إمكان الجمع
بينهما للتنافي؛ فإن الأول يستلزم الجواز بدون القيد، والثاني يستلزم عدم الجواز بدونه،
وإذا انتهى الحكم الأول بالثاني كان الثاني ناسخاً له ضرورة.
والتقييد ليس بتخصيص على ما زعم الخصم بوجهين.
أحدهما: أن التخصيص تصرف في اللفظ ببيان أن بعض ما تناوله النظم بظاهره
- لولا دليل التخصيص - غير مراد به، والقيد لا يتناوله الإطلاق، أي: لا دلالة للمطلق
على القيد بوجه كاسم ((الرقبة)) لا يتناول صفة الإيمان والكفر؛ لأن المطلق هو المتعرض
للذات دون الصفات، فكان التقييد تصرفاً فيما لم يكن اللفظ متناولاً له، فلا يكون
تخصيصاً، والإطلاق عبارة عن العدم، أي: عدم القيد، والتقييد عبارة عن الوجود، أي:
وجود القيد، فكيف يتناول الإطلاق التقييد مع تنافيهما؟ وإذا لم يتناوله لا يكون التقييد
تخصيصاً، بل يكون إثبات نص ناسخ للإطلاق بالمقايسة، أو بخبر الواحد، وذلك باطل.
وبيانه: أن الخصم لما أثبت التقييد في رقبة كفارة اليمين أو الظهار بالقياس، بأن
قال: تحرير في تكفير، فكان الإيمان من شرطه، قياساً على كفارة القتل، أو بخبر
الواحد، وهو ما روى ((أن معاوية بن الحكم جاء بجارية إلى رسول الله وَلّر، وقال: عليّ
رقبة، أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله والر: أين الله؟ فقالت: في السماء، قال: من أنا؟
قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها، فإنها مؤمنة)) فامتحانها بالإيمان دليل على أن
(١) أي بزيادة (متتابعات)) انظر المائدة/ ٨٩.

٢٣٣
مقدمة
الواجب لا يتأدى إلا بالمؤمنة، وأن المراد من المطلق المقيد، كان هذا منه إثبات نص
مقيد للرقبة المذكورة في الكفارة، كأنه تعالى قال في الكفارتين: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ
مُؤْمِنَةٍ﴾ [سورة النساء، آية: ٩٢] كما قال كذلك في كفارة القتل(١)، وإثبات مثل هذا النص
بالقياس وخبر الواحد لا يجوز.
والثاني: أن العام إذا خص منه شيء، وخرج المخصوص من أن يكون مراداً به:
بقي الحكم فيما وراءه ثابتاً بذلك النظم بعينه، كلفظ ((المشركين)) إذا خص منه أهل الذمة
ومن بمعناهم بقي الحكم في غيرهم ثابتاً بذلك اللفظ بعينه، حتى وجب قتل من لا أمان
له، لأنه مشرك، فلم يكن - أي: التخصيص - نسخاً؛ لأن النسخ بيان مدة الحكم الثابت،
وهذا لم يكن ثابتاً، وإذا ثبت قيد إيمان في الرقبة المذكورة في كفارة اليمين أو الظهار
وخرجت الكفارة من الجملة لم يكن الحكم في المؤمنة ثابتاً بذلك النص الأول - وهو
الرقبة - بنظمه، أي: بصيغته، لما قلنا: إنه لا دلالة للمطلق على المقيد بوجه، بل يكون
ثابتاً بهذا القيد، فيكون التقييد للإثبات ابتداءً من غير أن يكون للمطلق دلالة عليه، ودليل
الخصوص لإخراج ما كان ثابتاً لولا التخصيص، لا للإثبات ابتداءً، ولا تشابه بين إخراج
ما كان داخلاً في الجملة وبين إثبات ما ليس بثابت، فعرفنا أنه نسخ وليس بتخصيص.
وقد ذكر الأصوليون فروقاً بين التخصيص والنسخ، ونقل عن الشيخ الإمام العلامة
حميد الملة والدين كثّفُ فروق أيضاً بين التقييد والنسخ والتعليق وغيرها، فألحقتها بهذا
الباب تتميماً للفائدة.
قال الشيخ الإمام: ((ثم النسخ والتخصيص وإن اشتركا من حيث إن كل واحد منهما
بيان ما لم يرد باللفظ، إلا أنهما يفترقان من جهة أن التخصيص يبين أن العام لم يتناول
المخصوص، غيره، وأنه يجب أن يكون متصلاً عندنا، والنسخ لا يكون إلا متراخياً،
وأنه لا يجوز إلى أن لا يبقى شيء، والنسخ يجوز كذلك، وأنه قد يكون بأدلة السمع
وغيرها، والنسخ لا يجوز إلا بالسمع، وأنه يكون معلوماً ومجهولاً، والنسخ لا يكون إلا
معلوماً، وأنه لا يخرج المخصوص منه من كونه معمولاً به في مستقبل الزمان، والنسخ
يخرج المنسوخ عن ذلك، وأنه يرد في الأخبار والأحكام، والنسخ لا يرد إلا في
الأحكام، وأن دليل الخصوص يقبل التعليل، ودليل النسخ لا يقبله)).
والفرق بين التخصيص والتقييد: أن التقييد تصرف فيما كان الأول ساكتاً عنه،
(١) انظر النساء/ ٩٢.

٢٣٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
والتخصيص تصرف فيما تناوله اللفظ ظاهراً، وأن التقييد مفرد، والتخصيص جملة، وأن
في التقييد يعمل بالقيد لا بالأصل، وفي التخصيص يعمل بالأصل، وهو المخصوص
منه .
والفرق بين التخصيص والاستثناء: أن التخصيص والاستثناء: أن التخصيص مستبد
بنفسه، وأنه يقبل التعليل، بخلاف الاستثناء، وأن لدليل الخصوص حكماً بخلاف
الاستثناء .
والفرق بين الاستثناء والنسخ: أن الاستثناء غير مستقل بنفسه، وأنه يرد في الأخبار
والأحكام، وأنه لا يكون إلا متصلاً، بخلاف النسخ في هذه الجملة كلها .
والفرق بين التقييد والنسخ من كل وجه: أن التقييد مفرد، والنسخ جملة، وأنه
وصف للأول، والنسخ ليس كذلك، وأنه قد يكون مقارناً، والنسخ لا يكون إلا متأخراً.
والفرق بين التعليق والاستثناء: أن الاستثناء لا يعمل في جميع المستثنى منه، بل
يعمل في بعضه بالإبطال، والتعليق يعمل في جميع المعلق بالتغيير، وأن الاستثناء مع
المستثنى منه ليس بيمين، بل هو إيجاب، والتعليق يمين، وأن التعليق يصح في الإيجاب
دون الخبر، والاستثناء يصح فيهما .
والفرق بين التعليق والتقييد: أن التعليق تبديل من الإيجاب إلى اليمين، والتقييد
ليس بتبديل صورة، بل زيادة أمر آخر.
والفرق بين التقييد والاستثناء: أن التقييد يثبت أمراً لم يكن ثابتاً بالأول، والاستثناء
يخرج عن الأول ما كان ثابتاً صورة، وأن التقييد لا يخرج الأول عن حقيقته صورة؛ فإن
الرقبة بزيادة وصف لا تخرج عن كونها رقبة، بل تبقى رقبة، لكن لم يبق الجواز بها،
والاستثناء قد يخرج الأول عن حقيقته كما لو استثنى من الألف شيء لا يبقى ألفاً.
والفرق بين النسخ والتعليق: أن التعليق لا يصح إلا مقارناً، والنسخ على عكسه،
وأن الشرط مع المشروط يمين، والناسخ مع المنسوخ ليس كذلك، وأن المعلق بعرضية
أن يصير إيجاباً، والمنسوخ ليس كذلك.
والفرق بين التخصيص والتعليق: أن التخصيص لا يرد إلا على العام، ولا يشترط
في التعليق ذلك، وأن التخصيص له حكم على ضد الأول، وليس في التعليق ذلك، وأن
دليل الخصوص مستقل، والشرط ليس كذلك، وأنه يقبل التعليل، والتعليق لا يقبله، وقس
عليه والله أعلم)) كذا في كشف الأسرار.

٢٣٥
مقدمة
بم يعرف النسخ؟
قال النووي في التقريب، والسيوطي في شرحه: ((فمنه ما عرف النسخ فيه بتصريح
رسول الله ◌َل و بذلك كـ ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها وكنت نهيتكم عن لحوم
الأضاحي فوق ثلاث فكلوا ما بدا لكم، وكنت نهيتكم عن الظروف)) الحديث، أخرجه
مسلم عن بريدة)).
ومنه ما عرف بقول الصحابي كـ ((كان آخر الأمرين من رسول الله وَلقر ترك الوضوء
مما مست النار)) رواه أبو داود والنسائي عن جابر، وكقول أبي بن كعب: ((كان الماء من
الماء رخصة في أول الإسلام ثم أمر بالغسل)) رواه أبو داود والترمذي، وصححه.
وشرط أهل الأصول في ذلك أن يخبر بتأخره، فإن قال: هذا ناسخ لم يثبت به
النسخ، لجواز أن يقوله عن اجتهاد، قال العراقي: وإطلاق أهل الحديث أوضح وأشهر؛
لأن النسخ لا يصار إليه بالاجتهاد والرأي، إنما يصير إليه عند معرفة التاريخ، والصحابة
أورع من أن يحكم أحد منهم على حكم شرعي بنسخ من غير أن يعرف تأخر الناسخ عنه،
وقد أطلق الشافعي تَّقُ ذلك أيضاً .
ومنه ما عرف بالتاريخ، كحديث شداد بن أوس مرفوعاً: ((أفطر الحاجم والمحجوم))
رواه أبو داود والنسائي، ذكر الشافعي أنه منسوخ بحديث ابن عباس حظًا: ((أن النبيّ وَله
احتجم وهو محرم صائم)) أخرجه مسلم، فإن ابن عباس إنما صحبه محرماً في حجة
الوداع سنة عشر، وفي بعض طرق حديث شداد: ((أن ذلك كان زمن الفتح سنة ثمان)).
ومنه ما عرف بدلالة الإجماع، كحديث قتل شارب الخمر في الرابعة، وهو ما رواه
أبو داود والترمذي من حديث معاوية: ((من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة
فاقتلوه). قال النووي في شرح مسلم: دل الإجماع على نسخه، وإن كان ابن حزم خالف
في ذلك، فخلاف الظاهرية لا يقدح في الإجماع، نعم! ورد نسخه في السنة أيضاً كما
قال الترمذي من رواية محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر أن النبيّ وَله
قال: ((إن شرب الخمر فاجلدوه، فإن شرب في الرابعة فاقتلوه))، قال: ثم أتى النبيّ وَل
بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة، فضربه ولم يقتله، قال: وكذلك روى الزهري عن
قبيصة بن ذؤيب عن النبيّ وَ﴿ نحو هذا، قال: ((فرفع القتل وكانت رخصة)) انتهى.
وما علّقه الترمذي أسنده البزار في مسنده، وقبيصة ذكره ابن عبد البر في الصحابة،
وقال: ولد أول سنة من الهجرة، وقيل: عام الفتح، فالمثال الصحيح لذلك ما رواه
الترمذي من حديث جابر قال: ((كنا إذا حججنا مع النبيّ وَّ فكنا نلبي عن النساء ونرمي

٢٣٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عن الصبيان)) قال الترمذي: أجمع أهل العلم أن المرأة لا يلبي عنها غيرها .
ثم الحديث لا يحكم عليه بالنسخ بالإجماع على ترك العمل به إلا إذا عرف صحته،
وإلا فيحتمل أنه غلط صرح به الصيرفي، والإجماع لا يُنسخ - أي: لا ينسخه شيء - ولا
ينسخ هو غيره، ولكن يدل على ناسخ أي: على وجود ناسخ غيره (١).
تنبيه :
إذا صح وثبت وقوع النسخ في حكم فكل ما يجيء مخالفاً للناسخ غير مؤرخ ينبغي
أن يحمل على ما قبل النسخ، إلا أن يعلم تأخره عنه، ثم النسخ في حكم قد يقع دفعةً،
وقد يقع بالتدريج كما أو كيفاً، وكذا يقع النسخ من التشديد إلى التخفيف، كما في أمر
الكلام وأواني الخمر، وبالعكس كما في الأفعال والحركات المنافية للصلاة، وسيجيء
شيء من تفصيل هذه الأنواع في مواضعه من الشرح إن شاء الله .
المفهوم الموافق والمخالف
قال الغزالي تقذفهُ: ((الضرب الرابع (مما يقتبس من الألفاظ من حيث فحواها
وإشارتها): فهم غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده، كفهم تحريم
الشتم والقتل والضرب من قوله تعالى: ﴿فَلَ تَّقُل لَُّمَا أُنّ وَلَا نَنْهُرْهُمَا﴾ [سورة الإسراء، آية: ٢٣]
وفهم تحريم مال اليتيم وإحراقه وإهلاكه من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى
ظُلْمًا﴾ [سورة النساء، آية: ١٠] وفهم ما وراء الذرة والدينار من قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ
﴾﴾ [سورة الزلزلة، آية: ٧] وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنَّهُ بِدِينَارٍ لَّا
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
يُؤَدِّهِةِ إِلَيْكَ﴾ [سورة آل عمران، آية: ٧٥] وكذلك قول القائل: ما أكلت له برة، ولا شربت له
شربة، ولا أخذت من ماله حبة، فإنه يدل على ما وراءه)).
فإن قيل: هذا من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى. قلنا: لا حجر في هذه التسمية،
لكن يشترط أن يفهم أن بمجردٍ ذكر الأدنى لا يحصل هذا التنبيه ما لم يفهم الكلام وما
(١) قال بعض الأحناف: وعمل الصحابي الراوي بخلاف ما روى يوجب الحكم بنسخ ما روى، ويكون بمنزلة
روايته للناسخ، وقد أوضحه الشيخ ابن الهمام تفقّثُ في كتاب الرضاع من فتح القدير، فقال: ((المعنى أنه إذا
لم يعرف من الحال سوى أنه خالف مرويه حكمنا بأنه اطلع على ناسخه في نفس الأمر ظاهراً؛ لأن الظاهر
أنه لا يخطىء في ظن غير الناسخ ناسخاً لا قطعاً، فلو اتفق في خصوص محل بأن عمله بخلاف مرويه كان
الخصوص دليل علمناه، وظهر للمجتهد غلطه في استدلاله بذلك الدليل، لا شك أنه لا يكون مما يحكم فيه
بنسخ مرويه؛ لأن ذلك ما كان إلا لإحسان الظن بنظره، فأما إذا تحققنا في خصوص مادة خلاف ذلك
وجب اعتبار مرويه بالضرورة دون رأيه)). من المؤلف تخلّفُهُ .

٢٣٧
مقدمة
سيق له، فلو لا معرفتنا بأن الآية سيقت لتعظيم الوالدين واحترامهما لما فهمنا منع
الضرب والقتل من منع التأفيف؛ إذ قد يقول السلطان إذا أمر بقتل ملك: لا تقل له أف،
ولكن اقتله، وقد يقول: والله ما أكلت مال فلان، ويكون قد أحرق ماله، فلا يحنث. فإن
قيل: الضرب حرام قياساً على التأفيف؛ لأن التأفيف إنما حرم للإيذاء. وهذا الإيذاء
فوقه .
قلنا: إن أردت بكونه قياساً أنه محتاج إلى تأمل واستنباط علة فهو خطأ، وإن أردت
أنه مسكوت فهم من منطوق فهو صحيح بشرط أن يفهم أنه أسبق إلى الفهم من المنطوق،
أو وهو معه وليس متأخراً عنه، وهذا قد يسمى مفهوم الموافقة، وقد يسمى فحوى اللفظ،
ولكل فريق اصطلاح آخر، فلا تلتفت إلى الألفاظ، واجتهد في إدراك حقيقة هذا الجنس.
الضرب الخامس هو المفهوم، ومعناه الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي
الحكم عما عداه، ويسمى مفهوماً؛ لأنه مفهوم مجرد لا يستند إلى منطوق، وإلا فما دل
عليه المنطوق أيضاً مفهوم، وربما سمي هذا دليل الخطاب، ولا التفات إلى الأسامى.
وحقيقته أن تعليق الحكم بأحد وصفي الشيء هل يدل على نفيه عما يخالفه في
الصفة كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [سورة المائدة، آية: ٩٥] وكقوله ظلِّار: ((في سائمة
الغنم الزكوة)) و((الثيب أحق بنفسها من وليها)) و((من باع نخلاً مؤبرة فثمرتها للبائع))
فتخصيص العمد والسوم والثيوبة والتأبير بهذه الأحكام هل يدل على نفي الحكم عما
عداها؟ فقال الشافعي ومالك والأكثرون من أصحابهما: إنه يدل، وإليه ذهب الأشعري؛
إذ احتج في إثبات الخبر الواحد بقوله تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ﴾ [سورة الحجرات،
آية: ٦] قال: هذا يدل على أن العدل بخلافه، واحتج في مسألة الرؤية بقوله تعالى: ﴿كَلَّ
١٥
[سورة المطففين، آية: ١٥] قال: وهذا يدل على أن المؤمنين
﴾
إِنَّهُمْ عَنْ تَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْبُولُونَ
بخلافهم، وقال جماعة من المتكلمين - ومنهم القاضي - وجماعة من حذاق الفقهاء - ومنهم
ابن شريح -: أن ذلك لا دلالة له، وهو الأوجه عندنا، ويدل عليه مسالك:
الأول: أن إثبات زكاة السائمة مفهوم، أما نفيها عن المعلوفة اقتباساً من مجرد
الإثبات لا يعلم إلا بنقل من أهل اللغة، متواتر أو جار مجرى المتواتر، والجاري مجرى
المتواتر كعلمنا بأن قولهم: ضروب، وقتول، وأمثاله: للتكثير، وأن قولهم: عليم،
وأعلم، وقدير، وأقدر: للمبالغة، أعني الأفعل. أما نقل الآحاد فلا يكفي، إذ الحكم
على لغة ينزل عليها كلام الله تعالى بقول الآحاد مع جواز الغلط لا سبيل إليها .
فإن قيل: فمن نفى المفهوم افتقر إلى نقل متواتر أيضاً.

٢٣٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قلنا لا حاجة إلى حجة فيما لم يضعوه؛ فإن ذلك لا يتناهى، إنما الحجة على من
يدعي الوضع.
الثاني: حسن الاستفهام، فإن من قال: إن ضربك زيد عامداً فاضربه، حسن أن
يقول: فإن ضربني خاطئاً فأضربه؟ وإذا قال: أخرج الزكاة من ماشيتك السائمة، حسن أن
يقول: هل أخرجها من المعلوفة؟ وحسن الاستفهام يدل على أن ذلك غير مفهوم؛ فإنه لا
يحسن في المنطوق، وحسن في المسكوت عنه.
فإن قيل: حسن؛ لأنه قد لا يراد النفي مجازاً .
قلنا: الأصل أنه إذا احتمل ذلك كان حقيقة، وإنما يرد إلى المجاز بضرورة دليل،
ولا دلیل.
المسلك الثالث: إنما نجدهم يعلقون الحكم على الصفة تارةً مع مساواة المسكوت
عنه للمنطوق، وتارة مع المخالفة، فالثبوت للموصوف معلوم منطوق، والنفي عن
المسكوت محتمل، فليكن على الوقف إلى البيان بقرينة زائدة، ودليل آخر، أما دعوى
كونه مجازاً عند الموافقة حقيقة عند المخالفة: فتحكم بغير دليل، يعارضه عكسه: من غير
ترجيح.
المسلك الرابع: أن الخبر عن ذي الصفة لا ينفي غير الموصوف، فإذا قال: قام
الأسود، أو خرج، أو قعد، لم يدل على نفيه عن الأبيض، بل هو سكوت عن الأبيض،
وإن منع ذلك مانع. وقد قيل به: لزمه تخصيص اللقب والاسم العلم، حتى يكون قولك:
رأيت زيداً، نفياً للرؤية عن غيره، وإذا قال: ركب زيد، دل على نفي الركوب عن غيره.
وقد تبع هذا بعضهم، وهو بهت واختراع على اللغات كلها؛ فإن قولنا: رأيت زيداً، لا
يوجب نفي رؤيته عن ثوب زيد ودابته وخادمه ولا عن غيره؛ إذ يلزم أن يكون قوله: زيد
عالم: كفراً؛ لأنه نفي للعلم عن الله وملائكته ورسله، وقوله: عيسى نبي الله: كفراً؛ لأنه
نفى النبوة عن محمد عظلئلا وعن غيره من الانبياء.
فإن قيل: هذا قياس الوصف على اللقب، ولا قياس في اللغة. قلنا: ما قصدنا به
إلا ضرب مثال ليتنبه به، حتى يعلم أن الصفة لتعريف الموصوف فقط، كما أن أسماء
الأعلام لتعريف الأشخاص، ولا فرق بين قوله: ((في الغنم زكوة)) في نفي الزكاة عن البقر
والإبل، ومن قوله: ((في سائمة الغنم زكوة) في نفي الزكاة عن المعلوفة.
المسلك الخامس: كما أنا لا نشك في أن للعرب طريقاً إلى الخبر عن مخبر واحد
واثنين وثلاثة اقتصاراً عليه مع السكوت عن الباقي، فلها طريق أيضاً في الخبر عن

٢٣٩
مقدمة
الموصوف بصفة، فتقول: رأيت الظريف، وقام الطويل، ونكحت الثيب، واشتريت
السائمة، وبعت النخلة المؤبرة، فلو قال بعد ذلك: نكحت البكر أيضاً، واشتريت
المعلوفة أيضاً: لم يكن هذا مناقضاً للأول، ورفعاً له، وتكذيباً لنفسه، كما لو قال: ما
نكحت الثيب، وما اشتريت السائمة، ولو فهم النفي كما فهم الاثبات لكان الاثبات بعده
تكذيباً ومضاداً لما سبق)).
وقد احتج القائلون بالمفهوم بمسالك، فذكرها مفصلة وأجاب عن كل واحد منها،
إلى أن قال :
المسلك السابع (لهم) وعليه تعويل الأكثرين، وهو السبب الأعظم في وقوع هذا
الوهم، أن تخصيص الشيء بالذكر لا بد أن تكون له فائدة، فإن استوت السائمة
والمعلوفة، والثيب والبكر، والعمد والخطأ، فلم خصص البعض بالذكر؟ والحكم شامل،
والحاجة إلى البيان تعم القسمين، فلا داعي له إلى اختصاص الحكم وإلا صار الكلام
لغواً .
والجواب من أربعة أوجه:
الأول: أن هذا عكس الواجب؛ فإنكم جعلتم طلب الفائدة طريقاً إلى معرفة وضع
اللفظ، وينبغي أن يفهم أولاً الوضع ثم ترتب الفائدة عليه، والعلم بالفائدة ثمرة معرفة
الوضع، أما أن يكون الوضع تبع معرفة الفائدة: فلا .
الثاني: هو أن عماد هذا الكلام أصلان: أحدهما: أنه لا بد من فائدة التخصيص.
والثاني: أنه لا فائدة إلا اختصاص الحكم، والنتيجة أنه الفائدة إذاً، ومسلم أنه لا
بد من فائدة، لكن الأصل الثاني وهو أنه لا فائدة إلا هذا فغير مسلم، فلعل فيه فائدة،
فليست الفائدة محصورة في هذا، بل البواعث على التخصيص كثيرة واختصاص الحكم
أحد البواعث.
فإن قيل: فلو كان له فائدة، أو عليه باعث سوى اختصاص الحكم: لعرفناه.
قلنا: ولم قلتم إن كل فائدة ينبغي أن تكون معلومة لكم؟ فلعلها حاضرة ولم تعثروا
عليها، فكأنكم جعلتم عدم علم الفائدة علماً بعدم الفائدة، وهذا خطأ، فعماد هذا الدليل
هو الجهل بفائدة أخرى.
الثالث : - وهو قاسمة الظهر على هذا المسلك -: أن تخصيص اللقب لا يقول به
محصل، فلم لم تطلبوا الفائدة فيه؟ فإذا خصص الأشياء الستة في الربا، وعمم الحكم في

٢٤٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
المكيلات والمطعومات كلها، وخصص الغنم بالزكاة مع وجوبها في الإبل والبقر، فما
سببه مع استواء الحكم؟ فيقال: لعل إليه داعياً من سؤال أو حاجة أو سبب لا نعرفه،
فليكن كذلك في تخصيص الوصف.
الرابع: أن في تخصيص الحكم بالصفة الخاصة فوائد:
الأولى: أنه لو استوعب جميع محل الحكم لم يبق للاجتهاد مجال، فأراد
بتخصيص بعض الألقاب والأوصاف بالذكر أن يعرض المجتهدين لثواب جزيل في
الاجتهاد؛ إذ بذلك تتوفر دواعيهم على العلم، ويدوم العلم محفوظاً بإقبالهم ونشاطهم في
الفكر والاستنباط، ولولا هذا لذكر لكل حكم ضابطة عامة جامعة لجميع مجاري الحكم،
حتى لا يبقى للقياس مجال.
الثانية: أنه لو قال: ((في الغنم زكاة)) ولم يخصص السائمة: لجاز للمجتهد إخراج
السائمة عن العموم بالاجتهاد الذي ينقدح له، فخص السائمة بالذكر لتقاس المعلوفة عليها
إن رأى أنها في معناها، أو لا تلحق بها، فتبقى السائمة بمعزل عن محل الاجتهاد،
وكذلك لو قال: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام)) ربما أدى اجتهاد مجتهد إلى إخراج البر
والتمر، فنص على ما لا وجه لإخراجه، وترك ما هو موكول إلى الاجتهاد، لا سيما ولو
ذكر الطعام أو الغنم وهو لفظ عام لصار عند الواقفية محتملاً للعموم، وللبر خاصة، أو
التمر خاصة، وللمعلوفة خاصة وللسائمة خاصةً، فأخرج المخصوص عن محل الوقف
والشك، وردّ الباقي إلى الاجتهاد؛ لما رأى فيه من اللطف والصلاح.
الثالثة: أن يكون الباعث على التخصيص للأشياء الستة عموم وقوع، أو خصوص
سؤال، أو وقوع واقعة، أو اتفاق معاملة فيها خاصة، أو غير ذلك من أسباب لا نطلع
عليها، فعدم علمنا بذلك لا ينزل بمنزلة علمنا بعدم ذلك، بل نقول: لعل إليه داعياً لم
نعرفه، فكذلك في الأوصاف)» . اهـ.
هذا ما أردنا نقله من كلام الغزالي تغلَهُ في هذا المختصر، فمن أراد استيفاء وجوه
المسألة فعليه بالمستصفى وغيره من كتب الأصول.
تحقيق مناط الحكم وتخريجه وتنقيحه
قال الإمام المحقق الشاطبي تثاثه: ((الاجتهاد على ضربين
أحدهما: لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف، وذلك عند قيام الساعة.
والثاني: يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا .