النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
مقدمة
تنبيه آخر :
قد تثبت العدالة بالاستفاضة والشهرة، فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم من أهل
الحديث وغيرهم، وشاع الثناء عليه بها كفى فيها، ولا يحتاج مع ذلك إلى معدل ينص
عليها، كمالك والشافعي وأحمد وأشباههم.
وقال في فتح المغيث: ((فهؤلاء وأمثالهم - كما قال الخطيب وعقد باباً لذلك في
كفايته - لا يسأل عن عدالتهم، وإنما يسأل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، أو
خفي أمره على الطالبين، وساق بسنده:
أن الإمام أحمد سئل عن إسحاق بن راهويه، فقال: مثل إسحاق يُسأل عنه؟ إسحاق
عندنا إمام من أئمة المسلمين .
وابن معين سئل عن أبي عبد، فقال: قتلى يسأل عنه هو يُسأل عن الناس)).
وعن القاضي أبي بكر الباقلاني أنه قال: ((الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية
متى لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضى، وكان أمرهما مشكلاً ملتبساً ومجوزاً فيه العدالة
وغيرها، قال: والدليل على ذلك أن العلم بظهور سترهما، أي: المستور من أمرهما،
واشتهار عدالتهما، أقوى في النفوس من تعديل واحد أو اثنين يجوز عليهما الكذب
والمحاباة في تعديله، وأغراض داعية لهما إلى وصفه بغير صفته، وبالرجوع إلى النفوس
يعلم أن ظهور ذلك من حاله أقوى في النفس من تزكية المعدل لهما، فصح بذلك ما
قلناه، قال: ويدل على ذلك أيضاً أن نهاية حال تزكية العدل أن تبلغ مبلغ ظهور ستره.
وهي لا تبلغ ذلك أبداً، فإذا ظهر ذلك فما الحاجة إلى التعديل؟!)) انتهى.
وقال ابن عبد البر كَّهُ: ((من صحت عدالته، وثبتت في العلم إمامته، وباتت همته
فيه، وعنايته: لم يلتفت فيه إلى قول أحد، إلى أن يأتي الجارح في جرحه ببينة عادلة يصح
بها جرحه على طريق الشهادات، والعمل بما فيها من المشاهدة لذلك بما يوجب قبوله))
انتهى. وليس المراد بإقامة بينة على جرحه، بل المعنى أنه يستند في جرحه لما يستند إليه
الشاهد فى شهادته، وهو المشاهدة ونحوها .
وأوضح منه في المراد ما سبقه به محمد بن نصر المروزي؛ فإنه قال: ((وكل رجل
ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد، حتى يبين ذلك بأمر لا يحتمل أن يكون غير
جرحه)) .
قال السخاوي: ((وقيد بعض المتأخرين قبول الجرح المفسر فيمن عدل أيضاً بما إذا
لم تكن هناك قرينة يشهد العقل، بأن مثلها يحمل على الوقيعة من تعصب مذهبي أو

١٨٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
منافسة دنيوية، وهو كذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى مع مزيد في معرفة الثقات
والضعفاء)) .
وقال في معرفة الثقات والضعفاء: ((فربما كان لجرح مخرج - أي مخلص - صحيح
يزول به، ولكن غطى عليه السخط وحجب عنه الفكر، حين يحرج - أي يضيق صدره -
بسبب ما ناله؛ لأن الفلتات من الأنفس لا يدعى العصمة منها؛ فإنه ربما حصل غضب
لمن هو من أهل التقوى، فبدرت منه بادرة لفظ، فحبك الشيء يعمى ويُصمّ، لا أنهم مع
جلالتهم ووفور ديانتهم تعمدوا القدح بما يعلمون بطلانه، حاشاهم وكل تقي من ذلك! ثم
إن أكثر ما يكون هذا الداء في المتعاصرين، وسببه غالباً مما هو في المتأخرين أكثر:
المنافسة في المراتب، ولكن قد عقد ابن عبد البر في جامعه باباً لكلام الأقران
المتعاصرين بعضهم في بعض، ورأى أن أهل العلم لا يقبل الجرح فيهم إلا ببيان واضح؛
فإن انضم لذلك عداوة فهو أولى بعدم القبول، ولو كان سبب تلك العداوة الاختلاف في
الاعتقاد. قال: ولذا كانت المخالفة في العقائد أحد الأوجه الخمسة التي تدخل الآفة
منها؛ فإنها - كما قال ابن دقيق العيد - أوجبت تكفير الناس بعضهم لبعض، أو تبديعهم،
وأوجبت عصبية اعتقدوها ديناً يتدينون ويتقربون به إلى الله تعالى، ونشأ من ذلك الطعن
بالتكفير أو التبديع، قال: وهذا موجود كثيراً في الطبقة المتوسطة من المتقدمين، بل قال
شيخنا: إنه موجود كثيراً قديماً وحديثاً، ولا ينبغي إطلاق الجرح بذلك؛ فقد قدمنا تحقيق
الحال في العمل برواية المبتدعة)).
قال العلامة التاج السبكي في الطبقات الكبرى: ((وقد عرفناك أن الجارح لا يقبل
منه الجرح وإن فسّره في حق من غلبت طاعاته على معاصيه، ومادحوه على ذاميه،
ومزكوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة فيه
من تعصب مذهبي أو منافسة دنيوية، كما بين النظراء وغير ذلك، وحينئذٍ فلا يلتفت لكلام
الثوري وغيره في أبي حنيفة، وابن أبي ذئب وغيره في مالك، وابن معين في الشافعي،
والنسائي في أحمد بن صالح ونحوه، ولو أطلقنا تقديم الجرح لما سلم لنا أحد من
الأئمة؛ إذ ما من عالم إلا وقدّ طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون)) اهـ.
وفي ترجمة محمد بن المثنى من التهذيب: ((قال : - وقد سئل عمرو بن علي عنهما -
(أي: محمد بن المثنى وبندار) فقال: ثقتان يقبل منهما كل شيء إلا ما تكلم به أحدهما
في الآخر)) اهـ.
قال الذهبي في مقدمة ميزانه: ((وما كان في كتاب البخاري وابن عدي وغيرهما من

١٨٣
مقدمة
الصحابة، فإني أسقطهم لجلالة الصحابة ﴿ه، ولا أذكرهم في هذا المصنف، إذ كان
الضعف إنما جاء من جهة الرواة إليهم، وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في
الفروع أحداً؛ لجلالتهم في الإسلام، وعظمهم في النفوس مثل: أبي حنيفة، والشافعي،
والبخاري، فإن ذكرت أحداً منهم فأذكره من الإنصاف وما يضره ذلك عند الله، ولا عند
الناس)).
الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان رحمه الله
قد سبق منا تحت عنوان ((أصح الأسانيد)) إشارة إلى ما يدل على علوّ شأن الإمام
وجلالته وعظمته في قلوب الحفاظ، فليراجع. ونذكر لههنا نبذة من تفصيل ما أشير
هنالك .
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في أوائل ((الانتفاء)): ((أما بعد: فإن طائفة ممن
عني بطلب العلم وحمله، وعلم بما علمه الله عظيم بركته وفضله: سألوني مجتمعين
ومتفرقين أن أذكر لهم من أخبار الأئمة الثلاثة الذين طار ذكرهم في آفاق الإسلام، لما
انتشر عنهم من علم الحلال والحرام، وهم: أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي
المدني، وأبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المكي، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت
الكوفي عيوناً وفِقَراً، يستدلون بها على موضعهم من الإمامة في الديانة، ويكون ذلك كافياً
مختصراً ليسهل حفظه ومعرفته، والوقوف عليه، والمذاكرة به من ثناء العلماء بعدهم
علیهم، وتفضیلهم لهم، وإقرارهم بإمامتهم) اهـ.
قال الكوثري في تعليقه: ((تابع ابن عبد البر في الاقتصار على هؤلاء أبا داود
صاحب السنن، كما أخرجه عنه، حيث قال: ((حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن
قال: نا ابن داسة، قال: سمعت أبا داود يقول: ((رحم الله مالكاً كان إماماً، رحم الله
الشافعي كان إماماً، رحم الله أبا حنيفة كان إماماً)).
وقال مسعر بن كدام: ((رحم الله أبا حنيفة إن كان لفقيهاً عالماً)).
وعن أبي حمزة الثمالي قال: ((كنا عند أبي جعفر محمد بن علي، فدخل عليه أبو
حنيفة، فسأله عن مسائل فأجابه محمد بن علي، ثم خرج أبو حنيفة، فقال لنا أبو جعفر:
((ما أحسن هديه وسمته! وما أكثر فقهه!)).
وقال الأعمش: ((أراه بورك له في علمه)).
ولما خرج للحج وصار بالحيرة قال لعلي بن مسهر: ((اذهب إلى أبي حنيفة حتى
يكتب لنا المناسك)).

١٨٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقال شبابة بن سوار: ((كان شعبة حسن الرأي في أبي حنيفة)) ..
ولما أخبر بموت أبي حنيفة قال شعبة بن الحجاج: ((لقد ذهب معه فقه أهل الكوفة،
تفضل الله علينا وعليه)).
وسئل يحيى بن معين عن أبي حنيفة فقال: ((ثقة (وهذا لفظ جامع بين العدالة
والضبط كما مرّ) ما سمعت أحداً ضعفه، هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يحدث
ويأمره، وشعبة: شعبة)).
وقال علي بن المديني: ((ثقة لا بأس به)) كما في جامع بيان العلم لابن عبد البر.
وقال الحسن بن مالك: ((سمعت أبا يوسف يقول: ((سفيان الثوري أكثر متابعة لأبي
حنيفة مني)) (وهذا يظهر بمطالعة جامع الترمذي)).
وقال الحسن بن صالح: ((كان النعمان بن ثابت فهما عالماً متثبتاً في علمه، إذا صح
عنده الخبر عن رسول الله وَّير لم يعده إلى غيره)).
وقال سفيان بن عيينة: ((أول من أقعدني للحديث بالكوفة أبو حنيفة، أقعدني في
الجامع، وقال: ((هذا أقعد الناس بحديث عمرو بن دينار)).
وقد اعترف ابن عيينة بكونه فقيهاً، وبأن له مروءة وكثرة صلاة (وقد تقدم تفسير
المروءة في بحث العدالة).
واعترف سعيد بن أبي عروبة بفضله، وقال: ((كان أبو حنيفة عالم العراق)).
قال يحيى بن معين: ((وكان يحيى بن سعيد يذهب في الفتوى مذهب الكوفيين.
وكان يقول: ((لا نكذب الله، ربما ذهبنا إلى الشيء من قول أبي حنيفة فقلنا به)).
وقال إسماعيل بن داود: ((كان ابن المبارك يذكر عن أبي حنيفة كل خير، ويزكيه،
ويقرضه(١) ویثنی علیه.
وكان أبو إسحاق(٢) الفزاري يكره أبا حنيفة، وكانوا إذا اجتمعوا لم يجترىء أبو
إسحاق أن يذكر أبا حنيفة بحضرة ابن المبارك بشيء.
وقد طعن رجل في مجلس ابن المبارك في أبي حنيفة فقال له: ((اسكت، والله، لو
(١) كذا وقع هُهنا وفقاً للأصل المنقول عنه: ((الانتقاء)) ولعل الصواب ((يقرظه)). والله أعلم، ن/ب.
(٢) وفي الانتقاء (ص١٣٣): ((أبو الحسن الغزاري)) بدل ((أبو إسحاق)) ولعل الصحيح ما هُهنا كما تدل عليه
الجملة الآتية فإن فيها ((أبا إسحاق)) لا غير. ن/ب.

١٨٥
مقدمة
رأيت أبا حنيفة لرأيت عقلاً ونبلاً)).
قال الحسن بن الربيع: سمعت عبد الله بن المبارك يقول:
يزيد نباهة ويزيد خيرا
رأيت أبا حنيفة كل يوم
إذا ما قال أهل الجور جورا
وينطق بالصواب ويصطفيه
ومن ذا يجعلون له نظيرا
يقايس من يقايسه بلب
مصيبتنا به أمراً كبيرا
كفانا فقد حماد وكانت
ويطلب علمه بحراً غزيرا
رأيت أبا حنيفة حين يؤتى
رجال العلم كان بها بصيرا
إذا ما المشكلات تدافعتها
وقال حجر بن عبد الجبار: قيل للقاسم بن معن: أنت ابن عبد الله بن مسعود ترضى
أن تكون من غلمان أبي حنيفة؟ فقال: ((ما جلس الناس إلى أحد أنفع مجالسة من أبي
حنيفة)) .
وقال له القاسم: تعال معي إليه، فلما جلس إليه لزمه، وقال: ((ما رأيت مثل هذا)).
قال سليمان ابن أبي شيخ: ((وكان أبو حنيفة حليماً ورعاً سخياً)).
وقال زهير بن معاوية لرجل: ((إن ذهابك إلى أبي حنيفة يوماً أنفع لك من مجيئك
إليَّ شهراً)).
وقال ابن جريج: ((بلغني عن كوفيك هذا النعمان بن ثابت أنه شديد الخوف لله. أبو
قال: خائف لله))، وقيل له: مات أبو حنيفة، فقال: ((تَّفُ، قد ذهب معه علم کثیر)).
وقال الشافعي تغذّفه: ((كان أبو حنيفة وقوله في الفقه مسلماً له فيه)). وقال: ((من أراد
الفقه فهو عيال على أبي حنيفة)).
وقال يحيى بن معين: ((ما رأيت مثل وكيع، وكان يفتي برأي أبي حنيفة)).
وقال حاتم بن آدم: قلت للفضل بن موسى السيناني: ما تقول في هؤلاء الذين
يقعون في أبي حنيفة؟ قال: ((إن أبا حنيفة جاءهم بما يعقلونه وبما لا يعقلونه من العلم
ولم يترك لهم شيئاً؛ فحسدوه)). وقال عيسى بن يونس: ((لا تتكلمن في أبي حنيفة بسوء،
ولا تصدقن أحداً يسيء القول فيه؛ فإن والله ما رأيت أفضل منه ولا أورع منه ولا أفقه
1
1

١٨٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
منه)). ذكر هذه الأقوال كلها ابن عبد البر في الانتقاء بأسانيده، ثم قال:
((وممن انتهى إلينا ثناؤه على أبي حنيفة ومدحه له: عبد الحميد بن يحيى الحماني،
ومعمر بن راشد، والنضر بن محمد، ويونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل بن يونس،
وزفر بن الهذيل، وعثمان البتي، وجرير بن عبد الحميد، وأبو مقاتل حفص بن مسلم،
وأبو يوسف القاضي، وسلم بن سالم، ويحيى بن آدم، ويزيد بن هارون، وابن أبي رزمة،
وسعيد بن سالم القداح، وشداد بن حكيم، وخارجة بن مصعب، وخلف بن أيوب، وأبو
عبد الرحمن المقرىء، ومحمد بن السائب الكلبي، والحسن بن عمارة، وأبو نعيم
الفضل بن دكين، والحكم بن هشام، ويزيد بن زريع، وعبد الله بن داود الحربي،
ومحمد بن نضيل، وزكريا بن أبي زائدة، وابنه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وزائدة بن
قداحة، ويحيى بن معين، ومالك بن مغول، وأبو بكر بن عياش، وأبو خالد الأحمر،
وقيس بن الربيع، وأبو عاصم النبيل، وعبد الله بن موسى، ومحمد بن جابر الأصمعي،
وشقيق البلخي، وعلي بن عاصم، ويحيى بن نصر، كل هؤلاء أثنوا عليه ومدحوه بألفاظ
مختلفة، ذكر ذلك كله أبو يعقوب يوسف بن أحمد بن يوسف المكي في كتابه الذي جمعه
في فضائل أبي حنيفة وأخباره، حدثنا به حكم بن منذر كثُّ)).
وذكر ابن عبد البر بإسناده إلى عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي: ((قال: قال
رجل بالشام للحكم بن هشام الثقفي: أخبرني عن أبي حنيفة، قال: كان من أعظم الناس
أمانة، وأراده سلطان على أن يتولى مفاتيح خزائنه، أو يضرب ظهره، فاختار عذابهم على
عذاب الله، فقال: ما رأيت أحداً يصف أبا حنيفة بمثل ما وصفته، قال: هو والله كما
قلت لك)).
وقال أبو يوسف: ((ما رأيت أحداً أعلم بتفسير الحديث من أبي حنيفة، وقال: كأن
أبا حنيفة لا يرى أن يروي من الحديث إلى ما حفظه عن الذي سمعه منه)).
وقال زهير بن معاوية في قصة: ((فعلمت أنه متبع لما سمع)) (أي من الحديث).
وعن داود بن المحبر: قيل لأبي حنيفة: المحرم لا يجد الإزار يلبس السراويل؟
قال: لا، ولكن يلبس الإزار، قيل له: ليس له إزار، قال: يبيع السراويل ويشتري بها
إزاراً. قيل له: فإن النبيّ وَلّ خطب وقال: ((المحرم يلبس السراويل إن لم يجد الإزار))
فقال أبو حنيفة: لم يصح في هذا عندي عن رسول الله وَ الر شيء، فأفتي به، وينتهي كل
امرىء إلى ما سمع، وقد صح عندنا أن رسول الله وَلغير قال: ((لا يلبس المحرم السراويل))
فننتهي إلى ما سمعنا، قيل له: أتخالف النبيّ وَّ ر؟ فقال: ((لعن الله من يخالف

١٨٧
مقدمة
رسول الله (آخر، به أكرمنا الله، وبه استنقذنا)).
وروي عن ابن المبارك قال: ((سمعت سفيان الثوري يقول: كان أبو حنيفة شديد
الأخذ للعلم، ذاباً عن حرم الله أن تستحل، يأخذ بما صح عنده من الأحاديث التي كان
يحملها الثقات، وبالآخر من فعل رسول الله وَّ ر، وبما أدرك عليه علماء الكوفة، ثم شفع
عليه قوم، يغفر الله لنا ولهم)).
وروي عن محمد بن إسماعيل الضراري سمعت أبا عبد الرحمن المقرىء يقول
- واختلف الناس عنده - فقال قوم: حدثنا عن أبي حنيفة، وقال قوم: لا حاجة لنا فيه،
فقال المقرىء: ويحكم! أتدرون من كان أبو حنيفة؟ ما رأيت أحداً مثل أبي حنيفة.
وروي عن محمد بن شجاع قال: حدثنا أبو رجاء - وكان من العبادة والصلاح
بمكان - قال: ((رأيت محمد بن الحسن في المنام، فقلت: ما صنع الله بك؟ قال: غفر
لي، قلت: وأبو يوسف؟ قال: هو أعلى درجة مني، قلت: فما صنع أبو حنيفة؟ قال:
هيهات! هو في أعلى عليين)).
ثم ذكر ابن عبد البر كَفُ بعض ما ذم به أبو حنيفة، وطعن عليه :
منه: ما قال الساجي من سفيان الثوري: ((استتيب أبو حنيفة مرتين)).
وعن محمد بن يونس قال: إنما استتيب أبو حنيفة لأنه قال: القرآن مخلوق.
قال ابن عبد البر: ((والساجي ممن كان ينافس أصحاب أبي حنيفة)).
وأما محمد بن يونس فإن كان الكديمي البصري فقال الذهبي في الميزان: ((أحد
المتروكين))، وقال ابن عدي: ((اتهم بالوضع)) وقال ابن حبان: ((لعله وضع أكثر من ألف
حديث)) وقال ابن عدي: ((ادعى الرواية عمن لم يرهم، ترك عامة مشايخنا الرواية عنه،
ومع ذلك روى عنه ابن الفضل، قال: سمعت عبد الله بن داود الخريبي يوماً - وقيل له:
يا أبا عبد الرحمن، إن معاذاً يروي عن سفيان الثوري أنه قال: استتيب أبو حنيفة مرتين -
فقال عبد الله بن داود: هذا والله كذب، قد كان بالكوفة علي والحسن ابنا صالح بن حي،
وهما من الورع بالمكان الذي لم يكن مثله، وأبو حنيفة يفتي بحضرتهما، ولو كان من
هذا شيء ما رضيا به، وقد كنت بالكوفة دهراً فما سمعت بهذا)).
وروى البيهقي في ((الاسماء والصفات)) ص ١٨٨ بإسناده عن الحارث بن إدريس
قال: سمعت محمد بن الحسن يقول: ((من قال: القرآن مخلوق، فلا تصل عليه)).
قال: وقرأت في كتاب أبي عبد الله محمد بن يوسف بن إبراهيم الدقاق روايته عن

١٨٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
القاسم بن أبي صالح الهمذاني، عن محمد بن أبي أيوب الرازي، قال: سمعت محمد بن
سابق يقول: سألت أبا يوسف فقلت: أكان أبو حنيفة يقول: القرآن مخلوق؟ فقال معاذ
الله، ولا أنا أقوله، فقلت: أكان يرى رأي جهم؟ فقال: معاذ الله، ولا أنا أقوله. قال
البيهقي: رواته ثقات.
ثم روى بإسناده عن أبي يوسف: ((كلمت أبا حنيفة سنة جرداء في أن القرآن مخلوق
أم لا، فاتفق رأيه ورأيي على أن من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر)). قال البيهقي:
رواته كلهم ثقات . اهـ.
وروى ابن عبد البر عن عبيد الله بن عمرو الرقي قال: ((ضرب أبو حنيفة على
القضاء فلم يفعل، ففرح بذلك أعداؤه وقال: استتابه)).
ومنه: ما قال ابن الجارود في كتابه: «في الضعفاء المتروكين النعمان بن ثابت أبو
حنيفة، جل حديثه وهم، وقد اختلف في إسلامه)).
قال ابن عبد البر: ((فهذا ومثله لا يخفى على من أحسن النظر والتأمل ما فيه)).
قال ابن عبد البر: ((وقد روي عن مالك تغُّ أنه قال في أبي حنيفة نحو ما ذكر
سفيان: أنه شر مولود في الإسلام، وأنه لو خرج على هذه الأمة بالسيف كان أهون)).
وروي عنه أنه سئل عن قول عمر بالعراق: ((وبها الداء العضال)) فقال: أبو حنيفة.
قال ابن عبد البر: وروي ذلك كله عن مالك أهل الحديث (وهم كما قاله ابن عبد
البر في ترجمة أبي يوسف: ((كالأعداء لأبي حنيفة وأصحابه))) وأما أصحاب مالك من
أهل الرأي فلا يروون من ذلك شيئاً عن مالك، ثبت نظر مالك في كتب أبي حنيفة
وانتفاعه بها، كما ثبت اجتماع مالك مع أبي حنيفة كلما حج وزار النبي ظلَّلا، حتى قال
أبو حنيفة لما سئل عن علماء المدينة: ((إن ينجب منهم فالغلام الأشقر الأزرق)) وفي
رواية: ((رأيت بها علماً مبثوثاً، فإن يجمعه أحد فالغلام الأبيض المحمر)) يريد مالكاً، كما
في انتصار السالك للإمام الكبير مالك.
وقد أخرج القاضي عياض في المدارك: قال الليث بن سعد: لقيت مالكاً في
المدينة فقلت له: إني أراك تمسح العرق عن جبينك، قال: ((عرقت مع أبي حنيفة، إنه
لفقيه، يا مصري))، ثم لقيت أبا حنيفة وقلت له: ما أحسن قبول هذا الرجل منك! فقال
أبو حنيفة: ((ما رأيت أسرع منه بجواب صادق، ونقد تام)) يعني مالكاً كَثَلَقُ. ذكره الكوثري
في تعليقه على الانتقاء.

١٨٩
مقدمة
وبهذه الحكاية يظهر معنى قول مالك: ((نعم، رأيت رجلاً لو كلّمك في هذه السارية
أن يجعلها ذهباً لقام بحجته)).
وأما ما يرويه ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل من: ((أن أبا حنيفة كان يطلع
على كتب مالك))، ففيه خدشة من جهة أن تأليفه للموطأ كان في عهد المهدي، أو في
أواخر عهد المنصور بعد وفاة أبي حنيفة على الصحيح، وإن لم يقصر أبو يوسف في
سماعه عن تلميذه أسد بن الفرات الذي سمعه عن مالك، كما يروي ابن طولون الموطأ
بطريقه في الفهرس الأوسط، ولا محمد بن الحسن حيث سافر إلى مالك، ولازمه ثلاث
سنين، وسمع منه الموطأ، وبطريقه يروي أبو الوليد الباجي سماعاً عن أبي ذر الهروي رؤيته
أجمعين.
وذكر الساجي الذي مر ذكره قال: ((أنا أبو السائب قال: سمعت وكيع بن الجراح
يقول: وجدت أبا حنيفة خالف مائتي حديث عن رسول الله وَّة))، ووكيع هذا هو الذي
قال فيه أحمد بن حنيل: ((إنه أخطأ في خمس مائة حديث)) كما ذكره الخطيب في تاريخه.
وكان يفتي بقول أبي حنيفة تقُّ كما ذكرنا، ومع ذلك لم يبيّن الأحاديث التي ظهر له
مخالفة أبي حنيفة إياها .
وروى الساجي المذكور عن معلى بن أسد قال: قلت لابن المبارك: كان الناس
يقولون: إنك تذهب إلى قول أبي حنيفة، قال: ((ليس كل ما يقول الناس يصيبون فيه، قد
كنا نأتيه زماناً ونحن لا نعرفه، فلما عرفناه تركناه)). وهذا ينافي ما تقدم منه في منقبة أبي
حنيفة، وما ذكره الخطيب كَُّ في تاريخه أن ابن المبارك لم يزل على مذهب أبي حنيفة
إلى أن مات.
ومنه: ما ذكر ابن عبد البر عن سفيان بن عيينة: ((كان أبو حنيفة يضرب لحديث
رسول الله 8* الأمثال، فيرده بعلمه، وكأنه من قبيل ما قال أبو هريرة لابن عباس: يا ابن
أخي إذا حدثتك عن رسول الله وَ لقول حديثاً فلا تضرب له (الأمثال) قال ابن عيينة: حدثته
عن رسول الله وَّلقر: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) فقال أبو حنيفة: أرأيتم إن كانوا في
سفينة كيف يفترقون؟ قال سفيان: هل سمعتم بشرٌّ من هذا)).
قلت: سيجيء إن شاء الله في شرح هذا الحديث ما يرشدك إلى أن أبا حنيفة تغذّيهُ
كيف نبه بهذا القول على سر الحديث، وأحسن محامله.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: ((كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي
حنيفة لرده كثيراً من أخبار الآحاد العدول؛ لأنه كان يذهب إلى عرضها على ما اجتمع

١٩٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذ عن ذلك رده وسماه شاذاً، وكان مع ذلك
أيضاً يقول: الطاعات من الصلاة وغيرها لا تسمى إيماناً، وكل من قال من أهل السنة:
الإيمان قول وعمل، ينكرون قوله ويبدعونه بذلك، وكان مع ذلك محسوداً لفهمه وفطنته)).
قلت: وهذا القول منه يستوعب معنى ما لجَّ به من طعن عليه من أهل الأثر،
ويشتمل على أمور ثلاثة.
الأول: رده كثيراً من أخبار الآحاد التي تخالف ما اجتمع عليه عامة الأحاديث
ومعاني القرآن، وتشذ عنها، وقد تقدم نبذة مما يتعلق بهذا الأصل في باب الانتقاد لصحة
أخبار الآحاد، فراجعه حتى تعرف قيمته، وموافقة مالك وغيره عليه .
والثاني: قوله بأن الطاعات العملية لا تسمى إيماناً، وهذا هو الذي يعبرونه
بالإرجاء، وسيأتي تحقيقه مبسوطاً في أوائل كتاب الإيمان من هذا الشرح إن شاء الله
فانتظره .
الثالث: كونه تخَّتُهُ محسوداً مغبوطاً بين الأقران؛ لوفور فهمه وفطنته وعلو كعبه في
الاجتهاد، وهذا داء لا دواء له سوى الاستعاذة من شر الحاسدين، والله المستعان ولا
حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال الإمام فخر الإسلام: ((العلم نوعان: علم التوحيد والصفات، وعلم الشرائع
والأحكام)).
والأصل في النوع الأول هو التمسك بالكتاب والسنة، ومجانبة الهوى والبدعة،
ولزوم طريق السنة والجماعة الذي كان عليه الصحابة والتابعون، ومضى عليه الصالحون،
وهو الذي كان عليه أدركنا مشايخنا، وكان على ذلك سلفنا، أعني أبا حنيفة وأبا يوسف
ومحمداً وعامة أصحابهم - كَُّ -، وقد صنف أبو حنيفة - رَض ◌ُه - في ذلك الكتاب ((الفقه
الأكبر، وذكر فيه إثبات الصفات، وإثبات تقدير الخير والشر من الله، وأن ذلك كله
بمشيئته، وأثبت الاستطاعة مع الفعل، وأن أفعال العباد مخلوقة بخلق الله تعالى إياها
كلها، ورد القول بالأصلح. وصنف ((كتاب العالم والمتعلم)) و((كتاب الرسالة)) وقال فيه:
((لا يكفر أحد بذنب، ولا يخرج به من الإيمان، ويترحم له))، وكان في علم الأصول
إماماً صادقاً، وقد صح عن أبي يوسف أنه قال: ((ناظرت أبا حنيفة في مسألة خلق القرآن
ستة أشهر فاتفق رأيي ورأيه على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر)) وصح هذا القول عن
محمد كَّفُ، ودلت المسائل المتفرقة عن أصحابنا في المبسوط وغير المبسوط على أنهم
لم يميلوا إلى شيء من مذاهب الاعتزال وإلى سائر الأهواء، وأنهم قالوا بحقية رؤية

١٩١
مقدمة
الله تعالى بالأبصار في دار الآخرة، وحقية عذاب القبر لمن شاء، وحقية خلق الحنة والنار
اليوم، حتى قال أبو حنيفة لجهم: اخرج عني يا كافر، وقالوا بحقية سائر أحكام الآخرة
على ما نطق به الكتاب والسنة، وهذا فصل يطول تعداده)).
النوع الثاني: علم الفروع - وهو الفقه - وهو ثلاثة أقسام: علم المشروع بنفسه.
والقسم الثاني: إتقان المعرفة به، وهو معرفة النصوص بمعانيها، وضبط الأصول
بفروعها. والقسم الثالث: هو العمل به، حتى لا يصير نفس العلم مقصوداً، فإذا تمت
هذه الأوجه كان فقيهاً، وإلا فهو فقيه من وجه دون وجه، وقد ندب الله تعالى إليه بقوله:
﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرَقَةٍ مِّنْهُمْ طَآَيِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِ الذِينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة
التوبة، آية: ١٢٢] وصفهم بالإنذار، وهو الدعوة إلى العلم والعمل به، قال النبيّ وَل:
((خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا)) وقال: ((إذا أراد الله بعبد خيراً يفقهه
في الدين)) وأصحابنا هم السابقون في هذا الباب، ولهم الرتبة العليا والدرجة القصوى في
علم الشريعة، وهم الربانيون في علم الكتاب والسنة، وملازمة القدوة، وهم أصحاب
الحديث والمعاني، أما المعاني فقد سلم لهم العلماء حتى سموهم أصحاب الرأي،
والرأي اسم للفقه الذي ذكرنا)).
قال صاحب الكشف: سَمَّوْهُمْ أصحاب الرأي تعبيراً لهم بذلك، وإنما سُمُؤُهُمْ
بذلك؛ لإتقان معرفتهم بالحلال والحرام، واستخراجهم المعاني من النصوص لبناء
الأحكام، ودقة نظرهم فيها، وكثرة تفريعهم عليها، وقد عجز عن ذلك عامة أهل زمانهم،
فنسبوا أنفسهم إلى الحديث، وأبا حنيفة وأصحابه إلى الرأي، والرأي هو نظر القلب،
يقال: رأى راياً: بدل ديد(١) ورأى رؤيا بغير تنوين: بخواب ديد(٢)، ورأى رؤية: بجشم
ديد(٣). وفي المغرب: ((الرأي: ما ارتآه الإنسان واعتقده).
قال فخر الإسلام: ((وهم أولى بالحديث أيضاً، ألا ترى أنهم جوزوا نسخ الكتاب
بالسنة، لقوة منزلة السنة عندهم، وعملوا بالمراسيل تمسكاً بالسنة والحديث، ورأوا
العمل به مع الارسال أولى من الرأي، ومن رد المراسيل فقد رد كثيراً من السنة، وعمل
بالفرع بتعطيل الأصل، وقدموا رواية المجهول على القياس، وقدموا قول الصحابي على
القیاس)).
(١) أي رأى بالقلب. ن/ب.
(٢) أي: رأى في المنام. ن/ب.
(٣) أي: رأى بالعين. ن/ب.

١٩٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقال محمد - تَغْفُ تعالى - في كتاب أدب القاضي: لا يستقيم الحديث إلا بالرأي
أي: باستعمال الرأي فيه، بأن يدرك معانيه الشرعية التي هي مناط الأحكام - ولا يستقيم
الرأي إلا بالحديث، أي: لا يستقيم العمل بالرأي والأخذ به إلا بانضمام الحديث إليه،
حتى إن من لا يحسن الحديث أو علم الحديث، ولا يحسن الرأي: فلا يصلح للقضاء
والفتوى. وقد ملأ كتبه من الحديث، ومن استراح بظاهر الحديث عن بحث المعاني
ونكل عن ترتيب الفروع على الأصول انتسب إلى ظاهر الحديث)) اهـ.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: اعلم أن الذين طعنوا في إمامنا أبي حنيفة،
وتحاملوا عليه من أكابر أقرانه: لا نظن بهم إلا خيراً، فإن المؤمن الغيور الصادق في نيته
إذا بلغه من أحد من المعروفين شيء يزعم فيه أن القول به يرادف هدم الدين ورد أحاديث
سيد المرسلين وَ ل# (وإن لم يكن الواقع كذلك) تأخذه غيرة دينية وحمية إسلامية ينشأ عنها
غضب من الله على ذلك القائل، وإيغاضه لوجه الله تعالى، فيحمله ذلك على الوقيعة
وإغلاظ القول فيه، والتكلم بمستشنعات الأقوال في حقه، ظناً منه أنه بصنيعه هذا مناضل
في الدين، وذاب عن حوضة الشريعة. ومثاله ما تكلم به مسلم كَُّ في حق البخاري في
بحث اشتراط اللقاء في مقدمة صحيحه، ظناً منه أن الأصل الذي أصله البخاري إن سلم
صحته لكان مستلزماً لرد ذخيرة من الأحاديث الصحيحة وتوهينها، فاشتد نكيره على تلك
المقالة وقائلها بأشبع(١) ما يمكن، ومع هذا فعامة الشراح قد رجحوا مذهب البخاري
وصوبوه، ولم يلوموا مسلماً في تشديده وتغليظه، وهكذا ما جرى بين الصحابة -
من المشاجرات والفتن، بناءً على التأويل والاجتهاد؛ فإن كل فريق ظن أن الواجب ما
صار هو إليه، وأنه أوفق للدين وأصلح لأمور المسلمين، فلا يوجب ذلك طعناً فيهم.
وانظر في قصة موسى مع هارون، وتأمل فيها، تجد فيها شفاء لما يتخالج في الصدور من
مشاجرات الصحابة ومناقشات الأئمة الثقات.
وبالجملة فهذا الابغاض في الله قد ينمو ويستحكم، فربما يجاوز الحد ويصير
حجاباً غليظاً بينه وبين تحقيق الحال على ما هو عليه في نفس الأمر، فيغمض المبغض
عن كل ما يأتي من محاسن المبغوض ومناقبه، ويتساهل في تمشيته مَسَاويه ومثالبه، ولا
يتكلف الفحص عن حقيقة أمره وتبين حاله، ولا حمل كلامه على أحسن محامله؛ فإن
شدة البغض وكذا شدة الحب مظنة الغلو والإسراف، وترك الاعتدال والمجانبة عن سواء
السبيل، ولهذا حذر الله سبحانه المؤمنين بقوله: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ
.(١) لعلها: بأشنع.

١٩٣
مقدمة
شُهَدَّةَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَثْرِنَّ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا ◌َنَّهُ أَوَى عَّا فَلَا تَتَبِهُواْ
+ جے.
الْمُؤَكَ أَنْ تَعْدِلُواْ﴾ [سورة النساء، آية: ١٣٥] وقوله تعالى: ﴿ولا يجزمَتَكُمْ شنآنْ قُوَمَ عَلىَ أَن لأ
تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [سورة المائدة، آية: ٨] فهذا نعيم بن حماد أخذ شيوخ
البخاري - الذي قد روى عنه في غير مُوضُعَ مَنْ صَحيحَهُ، واعتمدُ عَليهَ فَيَمَا يَنقَل من
مثالب أبي حنيفة في كتاب الضعفاء والمتروكين - قال فيه الذهبي ناقلاً عن الأرذي: «كان
نغيم يضع الخديث في تقوية السنة، وحكايات مزورة في ثلب النعمان، كلها كوب) اهـ
وفي الانتقاء بإستاده: ((قيل لنعيم بن حماد: ما أشد إزرائهم على أبي حنيفة! فقال:
إنما ينقم على أبي حنيفة ما حدثنا عنه أبو عصمة قال: سمعت أبا حتيقة يقول: ما جاءته
عن رسولَ اللهَ و قبلناه على الرأس، والعينين، وما جاءتً عن أصحابه رحمهم اللهُ اخترنا
مته، ولم تخرج عن قولهم، وما جاءثاً عن التابعين فهم رجال وتحر رجال، وأمّاً غثير.
ذلك فلا تسمع التشنيع) أهـ ڤياليت شعري أي شيء في هذا القول ما يزري بأبي حنيفة،
ولكن صدق من قال:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
ولكن عين السخط تبدي المساويا
وَللهَ دَرْ الشَّاعَر القارسي:
غيب تمايد مرش درنظر
جشم بكاتديش كَة بتركدة بأد
وهذا الخطيب البغدادي ذكر في تاريخه بإستاده إلى حماد بن زيد يقول: «سمعت
أيوب - وذكر أبا حنيفة - فقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِقُواْ تُرَ اللّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَيَأْبَ أَلَّهُ إِلَّ أَنْ يُحِدَّ
نُؤْرَهُ﴾ [سورة التوبة، آية: ٣٢])).
قال في السهم المصيب: ((فهذه الحكاية ذكرها الخطيب في ذم أبي حنيفة والتحذير
منه، والله أعمى الخطيب ليظهر كرامة أبي حنيفة؛ لأن إتمام نؤثر الله إنما هو بقاءً العلم:
(وشيوعه) وقد رأينا مذاهب جماعة من أهل الرأي قد ذهبت واضمحلت، ومذهب أبي
حنيفة باق وكلما قدُمُ يزيد، والناس الآن مطبقون على أن أصْحَابُ السنة والجَمَاعَةُ هُمَ
أهل المذاهب الأربعة، مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رحمه الله،
والخطيب لم يكن قريباً من عصر أبي حنيفة ولا معاصراً له، بل كان بينهم ثلاثمائة وَعَشْر
ستين، وقد رأى أن مُذْهُب أيوبَ تَلاَشَىَ، وَمَذْهُبَ أَبَيَ حَتَيْفَةُ بَاقٍ، وَمَعَ هْذَا لَمْ يُرَجَعُ
عنه، بل هُوَ كَمَا ورد: ((حبك الشيء يعمي ويصَم)) فمن لم يفهم إلى أن وضعُ المَدَحَ
موضع الذم ما كان ينبغي أن يتحدّثَ في مثل هذا)). ونحن نقول: إن أيوب أراد بتلاوة
هذه الآية عند ذكر الإمام أبي حنيفةُ ظَةُ مدح أبي حنيفة، فَقَدُ ذَكَرَ أَبْن عَبْد الْبَرَ بِإِسْتَادَةً

١٩٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عن عارم قال: ((سمعت حماد بن زيد يقول: أردت الحج، فأتيت أيوب أودعه، فقال:
بلغني أن فقيه أهل الكوفة أبا حنيفة يريد الحج، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام)).
وروي عن سليمان بن حرب قال: ((سمعت حماد بن زيد يقول: والله إني أحب أبا
حنيفة لحبه لأيوب)).
فهذه الروايات دالة على غاية التحابب والتوادد بين أبي حنيفة وأيوب، وعلى أن
غرض أيوب من تلاوة الآية ليس ما فهمه الخطيب.
والحاصل أنا لا نسيء الظن بالطاعنين في الإمام الهمام أبي حنيفة إذا كانوا أئمة
ثقات، فإن الظاهر من أحوالهم أنهم تكلموا بحسن نية وإخلاص فيما زعموه صواباً، إلا
أنهم قصروا في تحقيق ما نسب إلى أبي حنيفة، وأخطؤوا في فهمه، وعجزوا عن الوصول
إلى عمقه، فأنكروا عليه من غير تثبت وتبين. وأما المتثبتون منهم فقد بان لهم الأمر،
ووضح لديهم الحال، فصاحوا بأرفع صوت بما هو الحق، ولله الحمد.
وفي عقود الجواهر المنيفة للعلامة السيد مرتضى الزبيدي كثّفُ: ((قرأت في كتاب
خلاصة الأثر للأميني ما نصه:
(حكى لي بعض العلماء - وأنا بمكة ــ عن الشهاب أحمد بن عبد اللطيف البشبيشي
الشافعي كثُّهُ، رواية عن الإمام شمس الدين محمد بن العلاء البابلي الشافعي كثُّهُ - وكان
قد وصف بالحفظ والإتقان - أنه كان يقول: إذا سئلنا عن أفضل الأئمة نقول: أبو حنيفة))
انتهى)). فهذا غاية الإنصاف من هذا الإمام في حق الإمام، أحل الله الجميع دار السلام،
واشتهر عن الإمام الشافعي أنه لما زاره، وصلى الصبح عند قبره، ترك القنوت في الصبح
أدباً مع الإمام؛ لكونه لا يقول به، فانظر كثرة أدب الأئمة بعضهم مع بعض، وإياك
والتعصب بغير علم.
وأما حكم قول العلماء بعضهم في بعض فقد عقد له الحافظ أبو عمر بن عبد البر
في كتاب العلم باباً، وأطال فيه، ونحن نلخص لك من سياقه ما يحسن إيراده هنا. قال:
((والدليل على أنه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماماً في
الدين: قول أحد من الطاعنين أن السلف رؤيته قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير،
منه في حال الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد، ومنه على جهة التأويل، مما لا يلزم
المقول فيه ما قال القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلاً واجتهاداً، لا
يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان وحجة توجبه. ثم قال: وقد أفرط أصحاب الحديث
في ذم الإمام أبي حنيفة، وتجاوزوا الحد في ذلك، والسبب الموجب له عندهم إدخاله
الرأي والقياس على الآثار واعتبارها، وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صح الأثر في جهة

١٩٥
مقدمة
الإسناد بطل القياس والنظر، وكان رده لما رد من الأحاديث بتأويل محتمل، وكثير منه
فقد تقدمه إليه غيره، وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي، وجل ما يوجد له من ذلك ما كان
منه اتباعاً لأهل بلده: كإبراهيم النخعي، وأصحاب ابن مسعود، إلا أنه أغرق وأفرط في
تنزيل النوازل هو وأصحابه، والجواب فيها برأيهم واستحسانهم، فيأتي منهم في ذلك
خلاف كثير للسلف، وشنع هي عند مخالفيهم بدع، وما أعلم أحداً من أهل العلم إلا وله
تأويل في آية، أو مذهب في سنة، رد من أجل ذلك المذهب سنة أخرى بتأويل سائغ أو
ادعاء نسخ.
وقد ذكر يحيى بن سلام قال: سمعت عبد الله بن غانم في مجلس إبراهيم بن
الأغلب يحدث عن الليث بن سعد، أنه قال: ((أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة،
كلها مخالفة لسنة رسول الله ( *، مما قال فيها برأيه، قال: ولقد كتبت إليه أعظه في
ذلك)» .
قال ابن عبد البر: ((ليس أحد من علماء الأمة يثبت حديثاً عن رسول الله وَل ثم يرده
دون ادعاء نسخ ذلك بأثر مثله، أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو
طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته، فضلاً أن يتخذ إماماً، ولزمه اسم
الفسق، ولقد عافاهم الله عزّ وجلّ من ذلك)).
قال: ونقموا أيضاً على أبي حنيفة الإرجاء، ومن أهل العلم من ينسب إلى الإرجاء
كثير، لم يعن أحد بنقل قبيح ما قيل فيه، كما عنوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته، وكان
أيضاً مع هذا يحسد وينسب إليه ما ليس فيه، ويختلق عليه ما لا يليق به.
قال: والذين رووا عن أبي حنيفة ووثقوه وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلموا فيه،
والذين تكلموا فيه من أهل الحديث أكثر ما عابوا عليه: الإغراق في الرأي والقياس
والإرجاء.
قلت: أما الجواب عن الرأي والقياس فقد تقدم، ويكفينا في ذلك قول معاذ رضي الله
حين أرسله النبيّ وَّه إلى اليمن وسأله: ((بم تحكم؟ قال: أحكم بكتاب الله، قال: فإن لم
تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، ولا آلو. فقال
النبيّ ◌َّرِ حينئذٍ: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله)) وهذا الحديث صحيح ثابت في
الكتب، فمن طعن على الإمام أبي حنيفة في استعماله الرأي والقياس فقد طعن على
معاذ، بل على النبيّ وَّر، فكان ظاهر قوله الرد على أبي حنيفة، والمقصود من قال
بالرأي، فانظر إلى من جعل أبا حنيفة ذريعة إلى الرد على سائر أئمة الأمصار، وهم

١٩٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
موافقون له في الرأي والقياس.
وأما نسبة الإرجاء إليه فغير صحيح؛ فإن أصحاب الإمام كلهم على خلاف رأي
أصحاب الررجاء، فلو كان أبو حنيفة مرجئاً لكان أصحابه على رأيه، وهم الآن موجودون
على خلاف ذلك، وإذا أجمع الناس على أمر وخالفهم واحد أو اثنان لم يلتفت إلى قوله،
ولم يصدق دعواه، حتى إن الصلاة عند أبي حنيفة خلف المرجئة لا تجوز، ومن أجمع
الأمة على أنه أحد الأئمة الأربعة المجمع عليهم: لا يقدح فيه قول من لا يعرفه إلا بعض
المحدثین.
ثم قال ابن عبد البر: وكان يقال يستدل على نباهة الرجل من الماضين بتباين فيه،
قالوا: ألا ترى إلى علي بن أبي طالب ربه أنه قد هلك فيه فئتان: محب مفرط، ومبغض
مفرط، وهذه صفة أهل النباهة، ومن بلغ في الدين والفضل: الغاية، ثم ساق بالسند إلى
حديث الزبير بن العوام وظفه رفعه: ((دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، هي
الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة
حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم؟ أفشوا السلام
بينكم)) أورده من طريقين، وأخرج من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال:
((استمعوا علم العلماء، ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده! لهم أشد
تغايراً من التيوس في زروبها)) ومن طريق أخرى عنه قال: ((خذوا العلم حيث وجدتم ولا
تقبلوا قبول الفقهاء بعضهم في بعض، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة)).
ثم قال: وقد تكلم الشعبي في النخعي، والزهري في ربيعة وأبي الزناد. والاعمش
وغيره في أبي حنيفة، ومالك في ابن إسحاق، ويحيى بن معين في الشافعي، وابن أبي
ذئب وغيره في مالك؛ فإن أهل العلم والفهم لا يقبلون قول بعضهم في بعض.
ثم قال: وما مثل من يتكلم في الأئمة إلا كما قال الشاعر:
أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
يا ناطح الجبل العالي ليكلمه
ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول:
وللناس قال بالظنون وقيل
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالماً
وقد روي أن موسى ظلّا قال: ((يا رب، اقطع عني ألسن بني إسرائيل)) فأوحى
الله تعالى إليه: ((يا موسى، لم أقطعها عن نفسي، فكيف أقطعها عنك؟)) ولله در القائل:
ولو كنت في غار على جبل وعر
ولست بناج من مقالة طاعن
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالماً
ولو غاب عنهم بين خافيتي نسر

١٩٧
مقدمة
ثم قال: والله قد تجاوز الناس الحد في الغيبة والذم، فلم يقنعوا بذم العامة دون
الخاصة؛ ولا بذم الجهال دون العلماء، وهذا كله يحمل عليه الجهل والحسد؛ قيل لابن
المبارك: فلان يتكلم في أبي حنيفة، فأنشد بيت ابن الركيات:
حسدوك إذا رأوك فضلك الله بما فضلت به النجباء
وقيل لأبي عاصم النبيل: فلان يتكلم في أبي حنيفة، فقال: هو كما قال نصيب:
فالناس أعداء له وخصوم (١)
حسدوا الفتى إذا لم ينالوا سعيه
فمن أراد أن يقبل قول العلماء الثقات الأئمة الأثبات بعضهم في بعض: فليقبل قول
من ذكرنا بعضهم في بعض من الصحابة والتابعين، وأتباعهم، فإن فعل ذلك ضل ضلالاً
بعيداً، وخسر خسراناً مبيناً، فإن لم يفعل - ولن يفعل إن هداه الله وألهمه رشده - فليقف
عند ما شرطنا من أن لا يقبل فيمن صحت عدالته، وعلمت بالعلم عنايته، وسلم من
الكبائر، ولزم المروءة والتصاون، وكان خيره غالباً، وشره أقل عمله، فهذا لا يقبل فيه
قول القائل لا برهان له به، وهذا هو الحق الذي لا يصح غيره إن شاء الله، قال أبو
العتاهية :
فما اكترثوا لما رأوا من بكائه
بكى شجوه الإسلام من علمائه
يخالفه مستحسن لخطائه
فأكثرهم مستقبح لصواب من
وأيهم الموثوق فينا برأيه
فأيهم المرجو فينا لدينه
وقد جمع الناس فضائل مالك والشافعي وأبي حنيفة، وعنوا بسيرهم وأخبارهم،
فمن وقف عليها بعد فضائل الصحابة والتابعين وسعى في الاقتداء بهم، وسلوك سبيلهم
في علمهم، وسمتهم، وهديهم: كان ذلك له عملاً زاكياً، نفعنا الله عزّ وجلّ بحبهم
أجمعین .
قال الثوري تَّفُ (لعله النووي): ((عند ذكر الصالحين تنزل الرجمة، ومن لم يحفظ
من أخبارهم إلا ما ندر من بعضهم في بعض على الحسد والهفوات والغضب والشهوات
دون أن يعني بفضائلهم، ويروي مناقبهم: حرم التوفيق، ودخل في الغيبة، وحاد عن
الطريق، جعلنا الله وإياك ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، ومن صحبه التوفيق أغناه من
(١) هذا البيت منسوب إلى أبي الأسود الدؤلي، وأما قول نصيب فهو هذا:
سلمت وهل حي من الناس يسلم
وانظر عقود الجواهر المنيفة للزبيدي كنتف (١: ١٦).

١٩٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الحكمة يسيرها، ومن المواعظ قليلها، إذا فهم واستعمل ما علم)).
حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا محمد بن بکر، ثنا أبو داود، ثنا محمد بن حميد، ثنا
حماد بن زيد، ثنا شهاب بن خراش، عن عمه العوام محمد بن حوشب فقال: ((اذكروا
محاسن أصحاب محمد بلير، تأتلف القلوب عليهم، ولا تذكروا مساويهم تجرئوا الناس
علیهم)) .
وقد أطلنا الكلام في هذا الباب لعل الله سبحانه يرزق بمطالعته الأنوار القدسية في
بصائر هؤلاء المتعصبين على الأئمة بمحض الأمور النفسانية، والأعمال بالنيات، والله
يقول الحق وهو يهدي إلى سواء السبيل(١).
أما من أراد الاطلاع على هفوات الخطيب في شأن أبي حنيفة تَّفُ فليطالع ((السهم
المصيب)) فإنه يشفي الصدور ويذهب غيظ القلوب، والله الموفق والهادي إلى الصواب.
متى يصح تحمل الحديث وأداؤه
قال ابن الهمام وغيره من علماء الأصول: ((من شرائط الراوي كونه بالغاً حين
الأداء، وإن كان غير بالغ وقت التحمل؛ لاتفاق الصحابة وغيرهم على قبول رواية ابن
عباس، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، وأنس، بلا استفسار عن الوقت الذي تحملوا فيه
ما يروونه عن النبيّ ◌َله، وخصوصاً عبد الله بن الزبير والنعمان بن بشير؛ فإن النبيّ وَلـ
توفي وسن كل منهما دون العشر. وأما إسماعهم الصبيان للحديث كما جرت به عادة
السلف والخلف: فغير مستلزم قبول روايتهم بعد البلوغ البتة؛ لجواز أن يكون ذلك للتبرك
أو التمرين، بدليل إحضارهم من لا يضبط، لكن هذا إذا لم يتفقوا على رواية ما تحملوه
في الصبا بعد البلوغ، وقد ادعى بعضهم اتفاقهم على رواية ما تحملوه في الصبا، وقبل
المراهق شذوذ مع تحكيم الرأي، فإذا وقع في ظن السامع صدقه قبل روايته، كما في
المعاملات والديانات)).
قال ابن الهمام تغذفهُ: ((المعتمد الصحابة، ولم يرجعوا إلى المراهق، وحكى النووي
في شرح المهذب عن الجمهور قبول أخبار الصبي المميز فيما طريقه المشاهدة، بخلاف
ما طريقه النقل، كالإفتاء، ورواية الأخبار، ونحوه)).
قال ابن الهمام: والمعتوه كالصبي في حكمه؛ لاجتماعهما في نقصان العقل، بل
(١) انتهى ما نقله عن عقود الجواهر المنيفة للزبيدي (١: ١٣ - ١٧).

١٩٩
مقدمة
ربما كان نقصانه بالعته فوق نقصانه بالصبا، إذ قد يكون الصبي أعقل من البالغ، والمعتوه
لا .
ثم قيل: سن التحمل خمس، وقيل: أربع؛ لما قال محمود بن الربيع: ((عقلت من
النبيّ وَّرِ مجّةٌ مجّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين أو ابن أربع سنين)) ولما روي عن ابن
اللبان قال: ((حفظت القرآن ولي خمس سنين، وأحضرت عند أبي بكر بن المقرىء ولي
أربع سنين، فأرادوا أن يسمعوا لي فيما حضرت قراءته، فقال بعضهم: إنّه يصغر عن"
السماع، فقال لي ابن المقرىء: إقرأ سورة ((الكافرون)) فقرأتها، فقال: اقرأ سورة
(التكوير)) فقرأتها، فقال لي غيره: إقرأ سورة ((المرسلات)) فقرأتها ولم أغلط فيها، فقال
ابن المقرىء: اسمعوا له والعهدة علي».
وصحح عدم التقدير بسن مخصوص، بل المناط في الصحة الفهم والجواب، فمتى
كان يفهم الخطاب ويرد الجواب كان سماعه صحيحاً، وإن كان ابن أقل من خمسٍ وإن
لم يكن كذلك لم يصح، وإن زاد عليها - وما ذاك إلا لاختلاف الصبيان بل أفراد الإنسان
في فهم الخطاب ورد الجواب - فلا يتقيّد في حق الكافة بسن مخصوص، وحفظ المجة
وإدراك ابن اللبان لا يطرد كل منهما، فلا يلزم من حفظ محمود المجة حفظ ما سواها ما
يسمعه من الحديث، ولا أن كل أحد يميز تمييز محمود في سنه، ولا أن يعقل مثل ذلك
وسنه أقل من سنه، ولا يلزم من إدراك ابن اللبان في أربع إدراك غيره من الناس في أربع.
وهذا - أي: كون الصحيح عدم التقدير بسن خاص - يوقف الحكم بقبول من علم
سماعه صبياً على معرفة حاله في صباه، فيعطى لما يعلم من حاله حكمه من الصحة وعدم
الصحة، أم مع عدم معرفة حاله فيجب اعتبار السن الغالب في التميز، وهو سبع سنين،
أخذاً من قوله وَلجر: ((مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين)) صححه غير واحد، منهم
البيهقي كَثُ على شرط مسلم، وقيل: أحسن ما قيل في سن التميز أن يصير الصغير بحيث
يأكل وحده، ويشرب وحده، ويستنجي وحده. والإسلام أيضاً شرط لقبول الرواية حين
الأداء دون التحمل؛ فإنهم قبلوا رواية جبير بن مطعم: ((أنه سمع النبيّ وَّر يقرأ في
المغرب بالطور)) كما هو في الصحيحين، مع أن سماعه إياها منه و * إنما كان قبل أن
يسلم، لما جاء في فداء أسارى بدر، ولعدم الاستفسار عن مرويه: هل تحمله في حالة
الكفر أو الإسلام؟ ولو كان تحمله حالة الإسلام شرطاً لاستفسر، ولو استفسر لنقل، ولم
ينقل، بخلاف أدائه في الكفر، فإنه لا يقبل، لقوله تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [سورة الحجرات،
آية: ٦] الآية والفاسق الكافر بعرف السلف، وهو ممن صدق عليه الفاسق؛ لأنه اسم

٢٠٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
للخارج عن طاعة الله، والكافر خارج عن طاعة الله، ولتهمة العداوة الدينية؛ لأن الكلام
فيما يثبت به الأحكام، والكافر عدونا في الدين، فربما تحمله العداوة الدينية على السعي
في هدم الدين بإدخال ما ليس منه فيه تنفيراً للعقلاء عنه.
أقسام تحمل الحديث وأداؤه
ومجامعها ثمانية أقسام:
منها : سماع لفظ الشيخ من حفظ للشيخ، ومن كتاب له.
قال القاضي عياض: ((لا خلاف أنه يجوز في هذا القسم للسامع أن يقول في
روايته: ((حدثنا)) و((أخبرنا)) و((أنبأنا)) و((سمعت فلاناً)) و((قال لنا)) و((ذكر لنا فلان))).
قال العراقي: ((ما ذكره عياض وحكى عليه الإجماع متجه، نعم! إطلاق ((أنبأنا)) بعد
أن اشتهر استعمالها في الإجازة يؤدي إلى أن نظن بما أداه بها أنه إجازة، فيسقطه من لا
يحتج بها، فينبغي أن لا يستعمل في السماع لما حدث من الاصطلاح، وأما لغة فأصرح
الأدلة لجواز استعمال هذه الألفاظ قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ [سورة الزلزلة،
آية: ٤] ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر، آية: ١٤]).
قال الخطيب: ((أرفع العبارات في ذلك: ((سمعت)) ((حدثنا) و((حدثني))؛ فإنه لا يكّاذ
أحد يقول: ((سمعت)) في الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه، بخلاف
((حدثنا))؛ فإن بعض أهل العلم كان يستعملها في الإجازة، وبعضهم = كفطر بن خليفة = في
التدليس، وروي عن الحسن أنه قال: ((حدثنا أبو هريرة)» وتأول حدث أهل المدينة،
والحسن بها، إلا أنه لم يسمحَ منه شيئاً».
قال ابن الصلاح: ((ومنهم من أثبت له سماعاً منه، وكذا يشهد لكون ((حدثنا)) غير
صريحة في السماع: ما في صحيح مسلم في حديث الذي يقتله الدجال، فيقول: ((أنت
الدجال الذي حدثنا به رسول الله(8) إذ من المعلوم تأخر ذلك الرجل؛ فيكون حينئذٍ
مراده حدث الأمة وهو منهم)).
ولكن قد خدش في هذا أيضاً بأنه قد قيل: إن ذاك الرجل هو الخضر الليل - يعني
على القول ببقائه - وحينئذٍ فلا مانع من سماعه، وبالجملة فالاحتمال فيها ظاهر.
قال ابن الصلاح: ((حدثنا)) و(أخبرنا))": أرفع من ((سمعت) من جهة أخرى؛ إذ ليس
في ((سمعت) دلالة على أن الشيخ رواه (بالتشديد) وخاطبه به، بخلافهنما؛ فإن فيهما دلالة
علی ذلك».