النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ مقدمة كان فيهم من يكون حديثه صحيحاً عند قوم وحسناً عند قوم يقال ذلك فيه، قال: ويتعقب هذا بأنه لو أراد ذلك لأتى بالواو بالنسبة إلى ما عنده، لا بالنسبة التي للجمع فيقول: ((حسن وصحیح)). قال: ثم إن الذي يتبادر إليه الفهم أن الترمذي إنما يحكم على الحديث بالنسبة إلى غيره، فهذا يقدح في الجواب، ويتوقف أيضاً على اعتبار الأحاديث التي جمع الترمذي فيها بين الوصفين، فإن كان في بعضها ما لا اختلاف عند جميعهم في صحتها قدح في الجواب أيضاً، لكن لو سلم هذا الجواب لكان أقرب إلى مراده من غيره، قال: وإني لأميل إليه وأرتضيه، والجواب عما يرد عليه ممكن. قال: وقيل: يجوز أن يكون مراده أن ذلك باعتبار وصفين مختلفين، وهما الإسناد والحكم، فيجوز أن يكون قوله: ((حسن)) أي: باعتبار إسناده، صحيح، أي: باعتبار حكمه؛ لأنه من قبيل المقبول، وكل مقبول يجوز أن يطلق عليه اسم الصحة، وهذا يمشي على قول من لا يفرد الحسن من الصحيح، بل يسمى الكل صحيحاً، لكن يرد عليه ما أوردناه أولاً من أن الترمذي أكثر من الحكم بذلك على الأحاديث الصحيحة الإسناد. قال: وأجاب بعض المتأخرين بأنه أراد: ((حسن)) على طريقة من يفرق بين النوعين، لقصور رتبة راويه عن درجة الصحة المصطلحة، ((صحيح)) على طريقة من لا يفرق بينهما، قال: ويرد عليه ما أوردناه فيما سبق. قال: واختار بعض من أدركناه أن اللفظين عنده مترادفان، ويكون إتيانه باللفظ الثاني بعد الأول على سبيل التأكيد له، كما يقال: ((صحيح ثابت))، أو ((جيد قوي)) أو غير ذلك. قال: وهذا قد يقدح فيه القاعدة، فإن الحمل على التأسيس خير من الحمل على التأكيد؛ لأن الأصل عدم التأكيد، لكن قد يندفع القدح بوجود القرينة الدالة على ذلك، وقد وجدنا في عبارة غير واحد كالدار قطني تكفّفُ: هذا حديث صحيح ثابت. قال: ((وفي الجملة أقوى الأجوبة ما أجاب ابن دقيق العيد)) انتهى كلام الحافظ ابن حجر في النكت. قال في شرح النخبة: ((إذا اجتمع الصحيح والحسن في وصف واحد فالتردد الحاصل من المجتهد في الناقل، هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها؟ وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية. قال: ومحصل الجواب أن تردد أئمة الحديث في ناقليه اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحد الوصفين، فيقال فيه: حسن باعتبار وصفه عند قوم، صحيح باعتبار وصفه عند قوم، وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد؛ لأن حقه ٨٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أن يقول: حسن أو صحيح، وهذا كما حذف حرف العطف من الذي بعده، وعلى هذا ما قيل فيه: حسن صحيح، دون ما قيل فيه: صحيح؛ لأن الجزم أقوى في التردد، وهذا من حيث التفرد، وإلا فإذا لم يحصل التردد فإطلاق الوصفين معاً على الحديث يكون باعتبار إسنادين، أحدهما صحيح، والآخر حسن، وعلى هذا فما قيل فيه: حسن صحيح، فوق ما قيل فيه: صحيح فقط، إذا كان فرداً، لأن كثرة الطرق تقوي)). فإن قيل: قد صرح الترمذي تخلّفُ بأن شرط الحسن أن يروى من غير وجه، فكيف يقول في بعض الأحاديث: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه؟ فالجواب أن الترمذي كَّفُ لم يعرف الحسن مطلقاً، وإنما عرف بنوع خاص وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه: ((حسن)) من غير صفة أخرى، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث: ((حسن)) وفي بعضها ((صحيح)) وفي بعضها: ((غريب)) وفي بعضها: ((حسن صحيح)) وفي بعضها : (حسن غريب)) وفي بعضها: ((صحيح غريب)) وفي بعضها: ((حسن صحيح غريب)) وتعريفه إنما وقع على الأول فقط، وعبارته ترشد إلى ذلك، حيث قال في أواخر كتابه: ((وما قلنا في كتابنا: ((حديث حسن)) فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا، فكل حديث روي لا يكون راويه متهما بكذب، ويروى من غير وجه نحو ذلك، ولا يكون شاذاً فهو عندنا حديث حسن)) يعرف بهذا أنه إنما عرف الذي يقول فيه: حسن فقط، وأما ما يقول فيه: ((حسن صحيح))، أو ((حسن غريب))، أو ((حسن صحيح غريب))، فلم يعرج على تعريفه، كما لم يعرج على تعريف ما يقول فيه: ((صحيح)) فقط، أو ((غريب)) فقط، وكأنه ترك ذلك استغناء بشهرته عند أهل الفن، واقتصر على تعريف ما يقول فيه في كتابه: ((حسن)) فقط، إما الغموضه، وإما لأنه اصطلاح جديد، ولذلك قيد بقوله: ((عندنا)) ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي. وبهذا التقرير يندفع كثير من الإيرادات التي طال البحث فيها ولم يسفر وجه توجيهها، فلله الحمد على ما ألهم وعلم)). قلت: وظهر لي توجيهان آخران: أحدهما: أن المراد حسن لذاته، صحيح لغيره. والآخر: أن المراد حسن باعتبار إسناده، صحيح أي: إنه أصح شيء ورد في الباب، فإنه يقال: أصح ما ورد كذا، وإن كان حسناً، أو ضعيفاً، فالمراد أرجحه أو أقله ضعفاً. ثم إن الترمذي تقذفُ لم ينفرد بهذا المصطلح، بل سبقه إليه شيخه البخاري تغذّفُ، كما نقله ابن الصلاح في غير مختصره، والزركشي وابن حجر في نكتهما . قال الزركشي: ((واعلم أن هذا السؤال يرد بعينه في قول الترمذي: ((هذا حديث ٨٣ مقدمة حسن غريب))، لأن من شرط الحسن أن يكون معروفاً من غير وجه، والغريب ما انفرد به أحد رواته، وبينهما تناف. قال: وجوابه أن الغريب يطلق على أقسام: غريب من جهة المتن، وغريب من جهة الإسناد. والمراد هنا: الثاني، دون الأول، لأن هذا الغريب معروف عن جماعة من الصحابة، لكن تفرد بعضهم بروايته عن صحابي، فبحسب المتن ((حسن)) وبحسب الإسناد ((غريب)) لأنه لم يروه من تلك الجماعة إلا واحد، ولا منافاة بين الغريب بهذا المعنى، وبين الحسن، بخلاف سائر الغرائب فإنها تنافي الحسن)) انتهى ما نقل من قوت المغتذي. الفرق بين صحيح وصحيح الإسناد وكذا حسن وحسن الإسناد قال ابن الصلاح مبيناً أن صحة الإسناد أو حسنه لا تقتضي صحة الحديث أو حسنه: ((قولهم: هذا حديث صحيح الإسناد، أو حسن الإسناد، دون قولهم: هذا حديث صحيح، أو حديث حسن؛ لأنه قد يقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولا يصح لكونه شاذاً، أو معللاً غير أن المصنف المعتمد منهم إذا اقتصر على قوله: إنه صحيح الإسناد، ولم يذكر له علة، ولم يقدح فيه، فالظاهر منه الحكم له بأنه صحيح في نفسه، لأن عدم العلة والقادح هو الأصل والظاهر)) اهـ. وقد تعقب الحافظ ابن حجر كَّفُ عبارته الأخيرة فقال: الذي لا أشك فيه أن الإمام منهم لا يعدل عن قوله: ((صحيح)) إلى قوله: ((صحيح الإسناد)) إلا لأمر ما. أصح الأسانيد قال في التقريب وشرحه: ((والمختار أنه لا يجزم في إسناد أنه أصح الأسانيد مطلقاً، لأن تفاوت مراتب الصحة مرتب على تمكن الإسناد من شروط الصحة، ويعز وجود أعلى درجات القبول في كل واحد واحد من رجال الإسناد الكائنين في ترجمة واحدة، ولهذا اضطرب من خاض في ذلك إذ لم يكن عندهم استقراء تام، وإنما رجح كل منهم بحسب ما قوي عنده خصوصاً إسناد بلده لكثرة اعتنائه به. وقال الحاكم: ينبغي تخصيص القول في أصح الأسانيد بصحابي، أو بلد مخصوص، بأن يقال: أصح إسناد فلان أو الفلانين كذا، ولا يعمم. قال بعض المتأخرين: إن أجل الأسانيد: أحمد، عن الشافعي، عن مالك، عن نافع عن ابن عمر. وتسمى هذه الترجمة سلسلة الذهب، وليس في مسند أحمد - على كبره - بهذه الترجمة سوى حديث واحد، وهو في الواقع أربعة أحاديث، كما ساقه ٨٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم السيوطي بإسناده إلى أحمد: أنبأنا محمد بن إدريس الشافعي، أنبأنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضيها، أن رسول الله وَلّ قال: ((لا يبع بعضكم على بيع بعض، ونهى عن النجش، ونهى عن بيع حبل الحبلة، ونهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلاً، وبيع الکرم بالزبيب کیلاً)). قال العلائي: ((إنه أصح حديث في الدنيا)). فإن قيل: فلم أكثر أحمد في مسنده من الرواية عن ابن مهدي، ويحيى بن سعيد، حيث أورد حديث مالك؟ ولم لم يخرج البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الأصول ما أوردوه من حديث مالك من جهة الشافعي عنه؟ أمكن أن يقال عن أحمد بخصوصه: لعل جمعه المسند كان قبل سماعه من الشافعي، وأما من عداه فلطلب العلو. كذا في فتح المغيث. تنبيه : اعترض مغلطاي على التميمي في ذكره الشافعي كَُّ برواية أبي حنيفة تَُّهُ عن مالك إن نظرنا إلى الجلالة، وابن وهب والقعنبي إن نظرنا إلى الإتقان. قال البلقيني في محاسن الاصطلاح: ((فأما أبو حنيفة فهو وإن روى عن مالك كما ذكره الدارقطني، لكن لم تشتهر روايته عنه كاشتهار رواية الشافعي. وأما القعنبي وابن وهب فأين تقع رتبتهما من رتبة الشافعي))؟. وقال العراقي كَّفُ فيما رأيته بخطه: ((رواية أبي حنيفة عن مالك - فيما ذكره الدارقطني في غرائبه وفي المدبج - ليست من روايته عن نافع عن ابن عمر، والمسألة مفروضة في ذلك. قال: نعم! ذكر الخطيب حديثاً كذلك في الرواية عن مالك)). قال شيخ الإسلام: ((أما اعتراضه بأبي حنيفة فلا يحسن؛ لأن أبا حنيفة لم تثبت روايته عن مالك، وإنما أوردها الدارقطني ثم الخطيب الروايتين وقعتا لهما عنه بإسنادين فيهما مقال، وأيضاً فإن رواية أبي حنيفة عن مالك إنما هي فيما ذكره في المذاكرة، ولم يقصد الرواية عنه كالشافعي الذي لازمه مدة طويلة، وقرأ عليه الموطأ بنفسه. وأما اعتراضه بابن وهب والقعنبي فقد قال الإمام أحمد: إنه سمع الموطأ عن الشافعي بعد سماعه له من ابن مهدي الراوي له عن مالك بكثرة، قال: لأني رأيته فيه ثبتاً، فعلل إعادته لسماعه، وتخصيصها بالشافعي كثّفُ بأمر يرجع إلى التثبت، ولا شك أن الشافعي أعلم بالحديث منهما)). ٨٥ مقدمة قلت: وهذه المحاولة والمجاوبة من هؤلاء الحفاظ بقدرها المشترك ترشدك إلى أن درجة الإمام أبي حنيفة في التثبت والإتقان وتقدمه على كبراء هذا الشأن في لوازم التحديث وعلو قدره مع قلة روايته: مسلم عند الكل، ولهذا اعتذروا بما اعتذروا، ولم يتكلموا في حفظه وتثبته بحرف، ولم يجيبوا بما أجابوا به في حق ابن وهب والقعنبي، ولو كان الإمام يستحق التجريح عندهم فأي مقام كان أحق ببيانه من مقام يبحث فيه عن أصح الأسانيد في الدنيا وأجلّها. وفي هذا ترغيم لأنوف الجهال المعاندين، وعبرة للمستبصرين، واستبصار للمعتبرين، والله الموفق، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أصح شيء في الباب قال السيوطي كَفُ في التدريب: مما يناسب هذه المسألة أصح الأحاديث المقيدة كقولهم: أصح شيء في الباب، وإن كان ضعيفاً، ومرادهم أرجحه أو أقله ضعفاً، ذكر ذلك عقب قول الدار قطني: أصح شيء في فضائل السور فضل: ((قل هو الله أحد)» وأصح شيء في فضائل الصلوات فضل ((صلاة التسبيح)). المرسل والمنقطع والمعضل والمعلق قال الجزائري تَّثهُ: ((أما النوع الأول - وهو الحديث الضعيف الذي يكون موجب الرد فيه سقوط راو من الرواة من سنده - فهو أربعة أقسام: المعلق، والمرسل، والمعضل، والمنقطع؛ وذلك لأن السقوط إما أن يكون من مبادىء السند، أو من آخره بعد التابعي، أو من غير ذلك، فالأول: المعلق، والثاني: المرسل، والثالث: إن كان الساقط فيه اثنان فصاعداً مع التوالي فهو المعضل، وإلا فهو المنقطع. فالمعلق: هو الحديث الذي سقط من أول سنده راو فأكثر، كقول البخاري كثُّهُ: قال بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبيّ وَّر: ((الله أحق أن يستحيي منه)). قال الحافظ ابن حجر: ((ومن صور المعلق أن يحذف منه جميع السند ويقال مثلاً: قال رسول الله وَ له . ومنها أن لا يحذف منه إلا الصحابي، أو إلا الصحابي والتابعي معاً. ومنها أن يحذف من حدثه، ويضيفه إلى من فوقه، فإن كان من فوقه شيخاً لذلك المصنف فقد اختلف فيه هل يسمى تعليقاً أم لا؟ والصحيح في هذا: التفصيل، فإن عرف بالنص أو الاستقراء أن فاعل ذلك مدلس قضى به، وإلا فتعليق. وإنما ذكر التعليق في قسم المردود للجهل بحال المحذوف، وقد يحكم بصحته إن ٨٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عرف، بأن يجيء مسمى من وجه آخر، فإن قال: جميع من أحذفه ثقات، جاءت مسألة التعديل على الإبهام، والجمهور لا يقبل حتى يسمى، لكن قال ابن الصلاح هنا: ((إذ وقع الحذف في كتاب التزمت صحته كالبخاري كَثُ فما أتى فيه بالجزم حمل على أنه ثبت إسناده عنده وإنما حذف لغرض من الأغراض، وما أتى فيه بغير الجزم ففيه مقال)) وقد أوضحت أمثلة ذلك في ((النكت)) على ابن الصلاح)). والمرسل: هو الحديث الذي سقط من آخر سنده من بعد التابعي، وصورته أن يقول التابعي - سواء كان كبيراً أو صغيراً - قال رسول الله و ليل كذا، أو فعل كذا، أو فعل بحضرته كذا، ونحو ذلك. وإنما ذكر فيه في قسم المردود للجهل بحال المحذوف، لاحتمال أن يكون غير صحابي، وإذا كان كذلك احتمل أن يكون ضعيفاً؛ وإذا كان ثقة احتمل أن يكون روي عن تابعي آخر يكون ضعيفاً، وهكذا، وقد وجد بالاستقراء رواية ستة أو سبعة من التابعين بعضهم عن بعض، وهذا أكثر ما وجد في هذا النوع، فإن عرف من عادة التابعي الذي أرسل الحديث أنه لا يرسل إلا عن ثقة فمذهب الجمهور التوقف فيه؛ لاحتمال أن يكون من أرسله عنه ضعيفاً عند غيره، وإن كان ثقة عنده فالتوثيق في الرجل المبهم غير كاف عندهم، ومع ذلك فثم احتمال آخر - وإن كان بعيداً - وهو أن يكون الإرسال في ذلك الموضع قد جرى على خلاف عادته بسبب ما، وإن عرف من عادته أنه يرسل عن الثقات وغيرهم لا يقبل مرسله اتفاقاً . هذا ولما كان المرسل مما عني بأمره المؤلفون في أصول الفقه أو أصول الحديث أحببنا أن نفيض فيه هنا فنقول: ذكر العلماء في حده ثلاثة أقوال: القول الأول - وهو المشهور - أن المرسل ما رفعه التابعي إلى النبيّ ◌َّطير، سواء كان من كبار التابعين، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقيس ابن أبي حازم، وسعيد بن المسيب، وأمثالهم. أو من صغار التابعين كالزهري، وأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأشباههم. القول الثاني: أنه ما رفعه التابعي الكبير إلى النبيّ ◌َّ، فعلى هذا لا يسمى ما رفعه صغار التابعين مرسلاً ولكن منقطعاً . القول الثالث: أنه ما سقط راو من إسناده فأكثر من أي موضع كان، فعلى هذا يكون المرسل والمنقطع بمعنى واحد. والمعروف في الفقه وأصوله أن ذلك يسمى ٨٧ مقدمة مرسلاً، إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبيّ ێو . وأما قول بعض الأصول: المرسل قول غير الصحابي: قال رسول الله وَّر، فالمراد به ما سقط منه التابعي مع الصحابي، أو ما سقط منه اثنان بعد الصحابي، ونحو ذلك. ولو حمل على الإطلاق لزم بطلان اعتبار الأسانيد وترك النظر في أحوال الرواة، وهو بيّن الفساد، ولذا خصه بعضهم بأهل الأعصار الأول - يعني: القرون الفاضلة - لما صح عنه وَّي أنه قال: ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم)) قال الراوي: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. وفي رواية جزم فيها بثلاثة بعد قرنه بدون شك: ((ثم يفشو الكذب)) وفي رواية: «ثم ذكر قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفوه)) . قال السخاوي: ((وغير الصحابة منهم أكثرهم ثقات، إذ لا يكاد يوجد في القرن الأول من الضعفاء إلا قليل، وأما القرن الثاني فقد كان في أوائله من أوساط التابعين جماعة من الضعفاء، وضعف أكثرهم نشأ غالباً من قبل تجملهم وضبطهم للحديث)). وفي مسلم الثبوت وشرحه: ((وقالوا ثانياً: لو قبل المرسل لقبل في عصرنا أيضاً، للإشتراك في علة القبول. قلنا: بطلان اللازم ممنوع في الأئمة الماهرين بشرائط القبول، على أن فساد الزمان يفشو الكذب، وكثرة الوسائط المتعسر معرفة أحوالها مريب في مطابقة جزم المرسل، بخلاف تلك الأعصار لقلة الوسائط، وصلاح الزمان، فافترقا . فالملازمة ممنوعة فتأمل)) اهـ. وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام: ((إن إرسال رواية الراوي عن من لم يسمع عنه، وعليه فتكون رواية من روى عمن سمع منه ما لم يسمع منه، بأن يكون بينهما واسطة فيها ليست من قبيل الإرسال، بل من قبيل التدليس؛ فيكون في حد المرسل أربعة أقوال. وهذا الاختلاف يرجع إلى اختلاف في الإصطلاح، ولا مشاحة فيه)). والمرسل اسم مفعول من قولهم: أرسل الحديث إرسالاً، والإرسال في الأصل الإطلاق، وعدم التقييد، تقول: أرسلت الطائر، إذا أطلقته، وأرسلت الكلام إرسالاً: إذا أطلقته من غير تقیید. وسمي هذا النوع من الحديث بالمرسل لإطلاق الإسناد فيه، وعدم تقييده براوٍ يعرف . ٨٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وقد اختلف العلماء في الاحتجاج بالمرسل اختلافاً شديداً لا يتسع للبحث فيه مثل هذا الكتاب. قال الحافظ السيوطي كتّلهُ: ((وقد تلخص في ذلك عشرة أقوال: أولاً: يحتج به مطلقاً . ثانياً: لا يحتج به مطلقاً . ثالثاً: يحتج به إن أرسله أهل القرون الثلاثة. رابعاً : يحتج به إن لم يرو إلا عن عدل. خامساً: يحتج به إن أرسله سعيد فقط. سادساً: يحتج به إنه اعتضد. سابعاً: يحتج به إن لم يكن في الباب سواه. ثامناً : هو أقوى من المسند. تاسعاً : يحتج به ندباً لا وجوباً. عاشراً: يحتج به إن أرسله صحابي)). ونقل عن القاضي أبي بكر أنه قال: لا أقبل المرسل ولا في الأماكن التي قبلها الشافعي كَّفُ، حسماً للباب، بل ولا مرسل الصحابي إذا احتمل سماعه من تابعي)). قال الجزائري تقذفُ: ((والحديث المرسل ضعيف لا يحتج به عند جمهور المحدثين، وكثير من الفقهاء، وأصحاب الأصول والنظر. وذلك للجهل بحال الساقط من السند؛ فإنه يحتمل أن يكون غير صحابي، وإذا كان كذلك فيحتمل أن يكون ضعيفاً، وإن اتفق أن يكون المرسل لا يروي إلا عن ثقة فالتوثيق مع الإبهام غير كاف)). وقال بعض الأئمة: الحديث المرسل صحيح يحتج به، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد - رحمهم الله - في روايته المشهورة، حكاها النووي، وابن القيم، وابن كثير، وغيرهم، وجماعة من المحدثين، وحكاه النووي في شرح المهذب عن كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم. قال: ونقله الغزالي عن الجماهير، وقيد ابن عبد البر ذلك بما إذا لم يكن مرسله ممن لا يحترز، ويرسل عن غير الثقات، فإن كان فلا خلاف في رده. وقال أبو داود تَّهُ في رسالته إلى أهل مكة: ((وأما المراسيل فقد كان يحتج بها، العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي، فتكلم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره - وهذه إحدى الروايتين عن أحمد ضيًّا - فإذا ٨٩ مقدمة لم يكن مسند غير المرسل ولم يوجد المسند فالمرسل يحتج به وليس هو مثل المتصل في القوة)) . وقال: ابن جرير: «أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين)). قال ابن عبد البر: ((كأنه يعني أن الشافعي أول من رده، وقد انتقد بعضهم قول من قال: إن الشافعي تغذُ أول من ترك الاحتجاج بالمرسل، فقد نقل ترك الاحتجاج. عن سعيد بن المسيب - وهم من كبار التابعين - ولم ينفرد هو بذلك بل قال به من بينهم ابن سيرين والزهري. وقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحة عن ابن سيرين أنه قال: ((لم يكونوا يسألون عن الإسناد. فلما وقعت الفتنة قيل: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة، فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع، فلا يؤخذ حديثهم)). وقد ترك الاحتجاج بالمرسل ابن مهدي ويحيى القطان غير واحد ممن قبل الشافعي تقذفُ، والذي يمكن نسبته إلى الشافعي في أمر المرسل هو زيادة البحث عنه والتحقق فيه)). وأما مراسيل الصحابة ره فحكمهم حكم الموصول على المشهور الذي ذهب إليه الجمهور. قال ابن الصلاح: ((ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي، مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن النبيّ وَّة، ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند؛ لأن روايتهم: عن الصحابة، والجهالة بالصحابي: غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول)). قال الحافظ العراقي: ((وفي قوله: ((لأن روايتهم: عن الصحابة)) نظر، والصواب أن يقال: لأن غالب روايتهم؛ ((إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعض التابعين)). وسيأتي في كلام ابن الصلاح في رواية الأكابر عن الأصاغر أن ابن عباس وبقية العبادلة رووا عن كعب الأحبار. وهو من التابعين، وروى كعب أيضاً عن التابعين، ولم يذكر ابن الصلاح خلافاً في مرسل الصحابي. وفي بعض كتب الأصول أنه لا خلاف في الاحتجاج به، وليس بجيد؛ فقد قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني: «إنه لا يحتج به، والصواب ما تقدم)) اهـ. ونقل القاضي عبد الجبار عن الشافعي أن الصحابي إذا قال: قال رسول الله دوله كذا: قبل إلا إن علم أنه أرسله، وكذا نقله ابن بطال في شرح البخاري. وهذا خلاف المشهور من مذهبه، فقد ذكر ابن برهان في الوجيز أن مذهبه في المراسيل أنه لا يجوز الاحتجاج بها، إلا مراسيل الصحابة ومراسيل سعيد، وما انعقد الإجماع على العمل به، ٩٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وأما مراسيل من أحضر إلى النبيّ بَل غير مميز: كعبيد الله بن عدي بن الخيار: فلا يمكن أن يقال: إنها مقبولة كمراسيل الصحابة؛ لأن رواية الصحابة إما أن تكون عن النبيّ وَّ، أو عن صحابي، والكل مقبول، واحتمال كون الصحابي الذي أدرك وسمع يروي عن التابعين: بيعد، بخلاف مراسيل هؤلاء؛ فإنها عن التابعين بكثرة، فقوي احتمال أن يكون الساقط غير صحابي، وجاء احتمال كونه غير ثقة. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: قد تكلم علماؤنا رحمهم الله على مسألة المرسل في كتب الأصول، فأطالوا وأشبعوا، وقد لخص كلامهم الشيخ ابن الهمام كَتُهُ في ((التحرير)) تلخيصاً حسناً لطيفاً، يظهر بمطالعته أن أكثر ما اعترض على مذهب الحنفية في المرسل قد نشأ من الغفلة عن القيود التي قيدوا بها قبوله، فإن المرسل - بالكسر - إذا كان ثقة، عدلاً، غير غاش للمسلمين في دينهم، وكان إماماً من أئمة النقل، لا يحدث بكل ما سمع، ويعرف صدق الراوي من كذبه، وله أهلية الجرح والتعديل، بحيث لا يكاد يخفى وعليه أقوال المشاهير من أهل عصره، وأكبر آرائهم في الراوي المحذوف، ومع ذلك كله يسند الحديث إلى رسول الله وَ * لا بصيغة ((عن))، أو (روي)) أو نحوهما، بل بصيغة ((قال)) التي تدل على الجزم، فالعادة قاضية بحصول غلبة الظن مثل هذا المرسل الذي جاء هذا المجيء. والاحتمالات التي يذكرها نفاة حجية المرسل كلها يضمحل في جنب هذه القيود التي احتطنا بها، لا سيما إذا وقع الإرسال في القرون الثلاثة المشهود لها بالخير، وكان مرسله من التابعين، بل من كبرائهم، ولو كان هذه الاحتمالات المرجوحة النادرة التي تكلفوا إبداءها مؤثرة في إسقاط المرسل لأدت إلى إبطال مراسيل الصحابة أيضاً، كما هو مقتضى كلام ابن حزم في الأحكام فإنه قال: ((وقد كذب على رسول الله وَّر وهو حي وقد كان في عصر الصحابة منافقون ومرتدون، فلا يقبل حديث قال راويه فيه: عن رجل من الصحابة، أو: حدثني من صحب رسول الله وَلقر، حتى يسميه ويكون معلوماً بالصحبة الفاضلة؛ قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونٌ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةُ مَرَدُواْ عَلَى الْنِفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِبُهُم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (®﴾ [سورة التوبة، آية: ١٠١])) وقد ارتد قوم ممن صحب النبيّ وَّه: كعيينة بن حصن، والأشعث بن قيس، وعبد الله بن أبي سرح، ولقاء التابع لرجل من أصاغر الصحابة شرف وفخر عظيم، فلأي معنى يسكت عن تسميته لو كان ممن حمدت صحبته؟ ولا يخلو سكوته من أحد وجهين: إما أنه لم يعرف من هو، ولا عرف صحة دعواه الصحبة، أو لأنه كان من بعض من ذكرنا : ٩١ مقدمة حدثنا عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم بن الحجاج، حدثنا يحيى بن يحيى، أنبأنا خالد بن عبد الله، عن عبد الملك، عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر الصديق - وكان خال ولد عطاء - قال: أرسلتني أسماء إلى عبد الله بن عمر، فقالت: ((بلغني أنك تحرم أشياء ثلاثة: العلم في الثوب، وميثرة الأرجوان، وصوم رجب كله، فأنكر ابن عمر أن يكون حرم شيئاً من ذلك)) فهذه أسماء وهي صاحبة من قدماء الصحابة وذوات الفضل منهم قد حدثها بالكذب من شغل بالها حديثه عن ابن عمر حتى استبرأت ذلك، فصح كذب ذلك المخبر، فواجب على كل أحد أن لا يقبل إلا من عرف اسمه، وعرفت عدالته وحفظه)). وقال النووي والسيوطي رحمهما الله: ((أما مرسل الصحابي فحكوم بصحته على المذهب الصحيح الذي قطع به الجمهور من أصحابنا وغيرهم، وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح، القائلون بضعف المرسل، وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى؛ لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، وكلهم عدول، ورواياتهم من غيرهم نادرة، وإذا رووها بينوها)) اهـ كذا في تدريب الراوي. قلت: هب أن في رواية الصحابي عن التابعي ندرة، إلا أن رواية إمام ثقة من أئمة النقل عن راوٍ يعرف هو ضعفه، أو يعلم أنه ضعيف عند الأكثر، ثم إسناد حديثه جزماً إلى صاحب الشريعة بقوله: قال رسول الله و 18 كذا، كالمتكفل لصحته: أندر من رواية بعض الصحابة عن بعض التابعين. نعم! قد يروى بعض الثقات - وليس هو من الأئمة - عن بعض الضعفاء، أو كان من الأئمة فيسمى الراوي الضعيف، أو لا يسميه فيروي بصيغة لا تدل على جزم نسبة الحديث إلى رسول الله وَلّر من قبل هذا الإمام، وكل ما ردوا به المرسل أو أكثره لا يخلو إن شاء الله من أحد هذه الاحتمالات. وإنما نشأ الاعتراض من عدم رعاية الفرق بين مرسل المحدثين والمرسل الذي يقبله الأصوليون من محققي الحنفية؛ فإن المحدثين عرفوه بأنه مرفوع تابعي إلى النبيّ وَ ل - بالتصريح أو الكناية - والأصوليون قالوا: المرسل قول الإمام الثقة: قال رسول الله اله مع حذف من السند، كذا في ((التحرير)) فانظر، كم الفرق بين التعريفين؟ وكم تفاوت الأحكام بتفاوت الإصطلاح؟. والعجب أن الحنفية أيضاً ربما يغمضون عن هذه القيود في حجية المرسل حين في البحث(١) مع خصومهم، ويبنون دعاويهم على قبول كل مرسل من مراسيل (١) هكذا العبارة في الأصل فليحرر. ٩٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم المحدثين، بل قبول كل منقطع ومعضل عندهم، مع أن الدليل الذي أقاموا على حجية المرسل لا ينتهض عليه، فليتنبه له. وأما قول النفاة: لو جاز العمل بالمراسيل لم يكن للاستيثاق والتفحص عن عدالة الراوي فائدة. قلنا : فائدته من وجهين: أحدهما: أنه إذا أسند أمكن للسامع الفحص عن عدالتهم، فيكون ظنه بعدالتهم آكد من ظنه بها عند الإرسال؛ لأن ظن الإنسان إلى فحصه وخبرته أقوى من طمأنينته إلى خبرة غيره، وهذا يقتضي ترجيح المسند على المرسل. والثاني: أنه قد يشتبه عليه حال من أخبره به فلا يقدم على جرحه وتزكيته، فيذكره ليتفحص عنه غيره. قال شمس الأئمة تخلفه: ((اشتغال الناس بالإسناد كاشغالهم بالتكلف لسماع الخبر من وجوه مختلفة، وذلك لا يدل على أن خبر الواحد لا يكون حجة، فكذلك اشتغالهم بالاسناد لا يكون دليلاً على أن المرسل لا يكون حجة)». كذا في كشف الاسرار. قلت: أما كون المرسل أقوى من المسند - كما هو رأي بعض الحنفية - فالذي يظهر للعبد الضعيف أن إرسال حديث بالقيود التي ذكرت يمكن أن يكون أحياناً أقوى من إسناد هذا الحديث بعينه لو أسنده، لا من سائر مسانيده ومسانيد غيره. فإن حذف الواسطة قد يكون لكمال الوثوق بخبره؛ فإن المعتاد من الأمر أن العدل (الإمام) إذا وضح له الطريق واستبان له الإسناد طوى الأمر وعزم عليه، فقال: قال رسول الله وَالول . ولهذا لما قال الأعمش لإبراهيم النخعي: إذا رويت لي حديثاً عن عبد الله بن مسعود رضيُه فأسنده لي، قال: ((إذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله فهو الذي رواه، فإذا قلت: قال عبد الله: فغير واحد، أي: فقد رواه غير واحد عنه)). وقال الحسن: ((متى قلت لكم: حدثني فلان، فهو حديثه، ومتى قلت: قال رسول الله وَلقر، فمن سبعين سمعته أو أكثر، فأفادوا أن إرسالهم عند اليقين أو قريب منه، وحرضوا على قبول مراسيلهم بلا دغدغة، وقد يكون الحذف لأسباب أخرى مع عدم النشاط أو قصد الاختصار، لا سيما وقت الافتاء أو المذاكرة إذا لم يتهيئوا للتحديث أو نحو ذلك، وكذا ذكر الواسطة أيضاً ربما يكون للإعلام بنباهة الراوي وإفادة كمال الوثوق بالخبر الذي جاء من مثله، وربما يكون لأسباب أخر، كما هو الظاهر، والله أعلم)). ٩٣ مقدمة الترجيح بالمرسل قال السيوطي تَّهُ في التدريب: ((والترجيح بالمرسل جائز)). تفسير المتصل بالمرسل قال السيوطي تَخَُّ في التدريب: ((في مسند الحارث بن أبي أسامة بسند صحيح - لكنه مرسل -: ((مريم خير نساء عالمها وفاطمة خير نساء عالمها)) ورواه الترمذي تَّتُ موصولاً من حديث علي بلفظ: ((خير نساءها مريم وخير نساءها فاطمة)) قال شيخ الإسلام: والمرسل يفسر المتصل)). اعتضاد المرسل بالقرائن قال بعض العلماء: لا يقبل المرسل إلا إذا اقترن به ما يتقوى به، فحينئذٍ يقبل، وذلك بأن يتأيد بآية، أو سنة مشهورة، أو موافقة، أو غيرها قياس، أو قول صحابي، أو تلقته الأمة بالقبول، أو عرف من حال المرسل أنه لا يروي عمن فيه علة من جهالة أو غيرها، أو اشترك في إرساله عدلان ثقتان بشرط أن يكون شيوخهما مختلفة، أو ثبت اتصاله بوجه آخر بأن أسنده غير مرسله، أو أسنده مرسله مرة أخرى. كذا في كشف الأسرار. قال السخاوي كفّثُ: ((وفي كلام الطحاوي ما يومىء إلى احتياج المرسل ونحوه إلى الاحتفاف بقرينة، وذلك أنه قال في حديث أبي عبيدة بن عبد الله عبد الله مسعود رضيوية: ((أنه سئل: كان عبد الله مع النبيّ وَّي* ليلة الجن؟ قال: لا)) ما نصه: «فإن قيل: هذا منقطع، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئاً، يقال: نحن لم نحتج به من هذه الجهة، إنما احتججنا به لأن مثل أبي عبيدة على تقدمه في العلم، وموضوعه من عبد الله، وخلطته بخاصته من بعده: لا يخفى عليه مثل هذا من أموره؛ فجعلنا قوله حجة لهذا من أمور، لا من الطريق التي وصفت)). ونحوه قول الشافعي كثُّ في حديث لطاوس عن معاذ: ((طاوس لم يلق معاذاً لكنه عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه، لكثرة من لقيه ممن أخذ عن معاذ)) وهذا لا أعلم من أحد فيه خلافاً، وتبعه البيهقي وغيره)) . مراتب المرسل عند المحدثين قال السخاوي تخلّفُ: ((المرسل مراتب: أعلاها ما أرسله صحابي ثبت سماعه، ثم ٩٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم صحابي له رؤية فقط، ولم يثبت سماعه، ثم المخضرم، ثم المتقن كسعيد بن المسيب، ويليها من كان يتحرى في شيوخه كالشعبي ومجاهد، ودونها مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد، كالحسن، وأما مراسيل صغار التابعين كقتادة والزهري وحميد الطويل: فإن غالب رواية هؤلاء عن التابعين، وهل يجوز تعمده؟ قال شيخنا: إن كان شيخه الذي حدثه به عدلاً عنده وعند غيره فهو جائز بلا خلاف، أو لا، فممنوع بلا خلاف، أو عدلاً عنده فقط، أو عند غيره فقط، فالجواز فيهما محتمل بحسب الأسباب الحاملة عليه)). التفاضل بين مراسيل الأعيان عندهم قال الحاكم في علوم الحديث: ((أكثر ما تروى المراسيل من أهل المدينة عن ابن المسيب، ومن أهل مكة عن عطاء بن أبي رباح، ومن أهل البصرة عن الحسن البصري، ومن أهل الكوفة عن إبراهيم بن يزيد النخعي، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال، ومن أهل الشام عن مكحول، قال: وأصحها - كما قال ابن معين -: مراسيل ابن المسيب؛ لأنه من أولاد الصحابة، وأدرك العشرة، وفقيه أهل الحجاز ومفتيهم، وأول الفقهاء السبعة الذين يعتد مالك بإجماعهم كإجماع كافة الناس، وقد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله فوجدوها بأسانيد صحيحة، وهذه الشرائط لم توجد في مرايل غيره)). قال السيوطي كَذُ: ((تكلم الحاكم على مراسيل سعيد فقط دون سائر من ذكره معه، ونحن نذكر ذلك : فمراسيل عطاء: قال ابن المديني: ((كان عطاء يأخذ عن كل ضرب، مرسلات مجاهد أحب إلى من مرسلاته بکثیر)). وقال أحمد بن حنبل: ((مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء ابن أبي رباح، فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد)) ومراسيل الحسن تقدم القول فيها عن أحمد . وقال ابن المديني: ((مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها)). وقال أبو زرعة: ((كل شيء قال الحسن: قال رسول الله وَله، وجدت له أصلاً ثابتاً، ما خلا أربعة أحاديث)). وقال يحيى بن سعيد القطان: ((ما قال الحسن في حديثه: قال رسول الله وَلَه، إلا وجدنا له أصلاً إلا حديثاً أو حديثين)). ٩٥ مقدمة قال شيخ الإسلام: ((ولعله أراد ما جزم به الحسن)). وقال غيره: قال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إنك تحدثنا فتقول: قال رسول الله وَ له، فلو كنت تسنده لنا إلى من حدثك؟ فقال الحسن: ((أيها الرجل! ما كَذَبْنا ولا كُذِبْنَا)) ولقد غزونا غزوة إلى خراسان، ومعنا فيها ثلاث مائة من أصحاب محمد وَّه)). وقال يونس بن عبيد: سألت الحسن قلت: يا أبا سعيد! إنك تقول: قال رسول الله وَلّ، وإنك لم تدركه؟ فقال: يا ابن أخي! لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، إني في زمن كما ترى - وكان في زمن الحجاج - كل شيء سمعتني أقوله: قال رسول الله و ليز، فهو عن علي بن أبي طالب، غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر علياً)). وقال محمد بن سعيد: ((كل ما أسند من حديثه أو روى عن من سمع منه فهو حسن حجة، وما أرسل من الحديث فليس بحجة)). وقال العراقي تغذَقُ: ((مراسيل الحسن عندهم شبه الريح)). وأما مراسيل النخعي، فقال ابن معين: ((مراسيل إبراهيم أحب إلي من مراسيل الشعبي)). وعنه أيضاً: ((أعجب إلي من مرسلات سالم بن عبد الله، والقاسم، وسعيد بن المسیب)» . وقال أحمد: ((لا بأس بها)). وقال الأعمش: ((قلت لإبراهيم النخعي: أسند لي عن ابن مسعود رضيُه، فقال: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله)). قال السيوطي كفذفُ: ((ومراسيل الزهري قال ابن معين ويحيى بن سعيد القطان: ((ليس بشيء). وكذا قال الشافعي تَّقُ قال: ((لأنا نجده يروى عن سليمان بن أرقم)). وروى البيهقي عن يحيى بن سعيد قال: ((مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يستحب أن يسميه)). وكان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال قتادة شيئاً، ويقول: ((هو بمنزلة الريح)). وقال يحيى بن سعيد: ((مرسلات سعيد بن جبير أحب إلي من مرسلات عطاء). ٩٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قيل: فمرسلات مجاهد أحب إليك أو مرسلات طاوس؟ قال: ((ما أقربهما)). وقال أيضاً: ((مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من سفيان عن إبراهيم، وكل ضعيف)) . وقال أيضاً: ((سفيان عن إبراهيم شبه لا شيء؛ لأنه لو كان فيه إسناد صاح)). وقال: ((مرسلات أبي إسحاق الهمداني والأعمش والتيمي ويحيى بن أبي كثير شبه لا شيء، ومرسلات إسماعيل بن أبي خالد ليس بشيء، ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلي، ومرسلات معاوية بن قرة أحب إلي من مرسلات زيد بن أسلم، ومرسلات ابن عيينة شبه الريح، وسفيان بن سعيد ومرسلات مالك بن أنس أحب إلي، وليس في القوم أصح حديثاً منه)). الأحاديث المرسلة في صحيح مسلم قال السيوطي كذبه: ((وقع في صحيح مسلم أحاديث مرسلة فانتقدت عليه، وفيها ما وقع الإرسال في بعضه، فأما هذا النوع فعذره فيه أنه يورده محتجاً بالمسند منه لا بالمرسل، ولم يقتصر عليه للخلاف في تقطيع الحديث، على أن المرسل منه قد تبيّن اتصاله من وجه آخر، كقوله في كتاب البيوع: ((حدثني محمد بن رافع، ثنا حجين، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله وَّ نهى عن المزابنة، الحديث، قال: وأخبرني سالم بن عبد الله عن رسول الله وَ لم قال: ((لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبتاعوا التمر بالتمر)) وقال سالم: أخبرني عبد الله، عن زيد بن ثابت رضيه، عن رسول الله وَعليه: ((أنه رخص في العرية)) الحديث. وحديث سعيد وصله من حديث سهل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، ومن حديث سعيد بن ميناء، وأبي الزبير، عن جابر، وأخرجه هو والبخاري من حديث عطاء عن جابر، وحدیث سالم وصله من حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه. وأخرج في الأضاحي حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن أبي واصل: ((نهى رسول الله ◌ّلول عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث)) قال عبيد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة فقالت: صدق، سمعت عائشة تقول: الحديث. فالأول مرسل والآخر مسند، وبه احتج. وقد وصلا الأول من حديث ابن عمر، وفيه من هذا النمط نحو عشرة أحاديث. والحكمة في إيراد ما أورده مرسلاً بعد إيراده متصلاً إفادة الاختلاف الواقع فيه. ٩٧ مقدمة ومما أورده مرسلاً ولم يصله في موضع آخر حديث أبي العلاء بن الشخير: ((كان حديث رسول الله وَّ﴿ ينسخ بعضه بعضاً))، الحديث، لم يرو موصولاً عن الصحابة من وجہ یصح)). المنقطعات في صحيح مسلم قال العلامة ابن أمير الحاج في التقرير: ((ذكر المازري أن فيه (أي: في صحيح مسلم) أربعة عشر حديثاً مقطوعة . وقال غيره: أخذ على مسلم في سبعين موضعاً رواه متصلاً وهو منقطع، ((ويجوز أن يطلع على أكثر من ذلك)). وقال الشيخ جلال الدين في التدريب: ((ذكر الرشيد العطار أن في صحيح مسلم بضعة عشر حديثاً في إسنادها انقطاع، وأجيب عنها بتبيين اتصالها إما من وجه آخر عنده، أو من ذلك الوجه عند غيره، وهي: حديث حميد الطويل عن أبي رافع، عن أبي هريرة، ((أنه لقي النبيّ وَّ في بعض طرق المدينة)) الحديث، صوابه حميد، عن أبي بكر المزني، عن أبي رافع، كما أخرجه الخمسة، وأحمد وابن أبي شيبة في مسنديهما . وحديث السائب بن يزيد عن عبد الله بن السعدي عن عمر في العطاء، صوابه السائب عن حويطب بن عبد العزى، كذا ذكره الحفاظ. قال النسائي: لم يسمعه السائب من ابن السعدي إنما رواه عن حويطب عنه، كما أخرجه البخاري والنسائي. وحديث يعلى بن الحارث المحاربي، عن غيلان، عن علقمة، في قصة ماعز. صوابه يعلى، عن أبيه، عن غيلان، كذا أخرجه النسائي وأبو داود. وحديث عبد الكريم بن الحارث، عن المستورد بن شداد مرفوعاً: ((تقوم الساعة والروم أكثر الناس)) قال الرشيد: عبد الكريم لم يدرك المستورد، ولا أبوه الحارث لم يدركه، كما قال الدارقطني، قال: وإنما أورده هكذا في الشواهد، وإلا فقد وصله من وجه آخر عن الليث عن موسى بن علي عن أبيه عن المستورد. وحديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي عمرو بن حفص، في الطلاق، قال: في سماع عبيد الله من أبي عمرو نظر، وقد وصله من جهة أخرى عن الشعبي، وأبي سلمة عن فاطمة. وحديث منصور بن المعتمر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الذي وقصته ناقته. ٩٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قال الدار قطني: إنما سمعه منصور من الحكم بن عيينة عن سعيد، كما أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي، وهو الصواب، ووصله مسلم من طريق جعفر بن أبي وحشية، وعمرو بن دينار عن سعيد . وحديث مكحول، عن شرحبيل بن السمط، عن سلمان: ((رباط يوم)) في سماع مكحول منه نظر؛ فإنه معدود في الصحابة المتقدمين الوفاة، والأصح أن مكحولاً إنما . سمع أنساً، وأبا مرة، وواثلة، وأم الدرداء. وحديث أيوب عن عائشة: ((إن الله تعالى أرسلني مبلغاً ولم يرسلني متعنتاً)) فإن أيوب لم يدرك عائشة، إلا أنه أورد ذلك زيادة في آخر حديث مسند، ولم ير اختصارهما، وله عادة بذلك في عدة أحاديث، وهي متصلة في حديث التخيير من رواية أبي الزبير عن جابر. وحديث أبي سلام الحبشي عن حذيفة: ((إنا كنا بِشرِّ فجاء الله بخيره)) قال الدارقطني: أبو سلام لم يسمع من حذيفة، ولا نظرائه الذين نزلوا العراق، وهو متصل في کتابه من وجه آخر عن حذيفة. وحديث مطر عن زهدم عن أبي موسى في الدجاج، قال الدارقطني: لم يسمع مطر من زهدم، إنما رواه عن القاسم بن عاصم عنه، وقد وصله مسلم من طرق أخرى عن زهدم. وحديث قتادة عن سنان بن سلمة عن ابن عباس في قصة البدن، قال ابن معين ويحيى بن سعيد، قتادة لم يسمع هذا من سنان، إلا أنه أخرجه في الشواهد، وقد وصله قبل ذلك من طريق أبي التياح عن موسى بن سلمة عن ابن عباس. وحديث عراك بن مالك عن عائشة: ((جاءتني مسكينة تحمل ابنتين)) الحديث، قال أحمد: عراك عن عائشة مرسل. وقال موسى بن هارون: لا نعلم له سماعاً منها. وإنما يروى عن عروة عن عائشة. وقال الرشيد: لا يبعد سماعه منها وهما في عصر واحد وبلد واحد، ومذهب مسلم أن هذا محمول على السماع حتی یتبین خلافه . وحديث يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: ((سميت ابنتي برة)) الحديث، سقط بين يزيد ومحمد: محمد بن إسحاق، كذا رواه المصريون عن الليث، وأخرجه هكذا أبو داود، إلا أن مسلماً كَثُ وصله من طريق الوليد بن كثير، عن محمد بن عمرو بن عطاء)) . ٩٩ مقدمة معلقات مسلم رحمه الله قال السيوطي كثُّ في التدريب: ((المعلق وهو في البخاري كثير جداً كما تقدم عدده، وفي مسلم في موضع واحد في التيمم حيث قال: ((وروى الليث بن سعيد - فذكر حديث أبي الجهم بن الحارث بن الصمة -: ((أقبل رسول الله (وَ ل من نحو بئر جمل)) الحديث، وفيه أيضاً موضعان في الحدود والبيوع، رواهما بالتعليق عن الليث بعد روايتهما بالاتصال. وفيه بعد ذلك أربعة عشر موضعاً رواه متصلاً، ثم عقبه بقوله: ورواه فلان . وأكثر ما في البخاري من ذلك موصول في موضع آخر في كتابه، وإنما أورده معلقاً اختصاراً ومجانبة للتكرار. والذي لم يوصله في موضع آخر مائة وستون حديثاً، وصلها شيخ الإسلام في تأليف لطيف سماه: ((التوفيق)) وله في جميع التعليق والمتابعات والموقوفات كتاب جليل بالأسانيد سماه: ((تغليق التعليق)) (١) واختصره بلا أسانيد في آخر سماه ((التشويق إلى وصل المهم من التعليق)). الاسناد الذي فيه راو مبهم الاسناد الذي فيه راوٍ مبهم كقولهم: عن رجل، أو عن شيخ، أو نحو ذلك، يسمى منقطعاً عند جمهور أهل الحديث، وعند بعض أهل الأصول هو من المرسل، بل في ((المحصول)): إن الراوي إذا سمى الأصل باسم لا يعرف به فهو كالمرسل، وهذا يشمل المهمل كعن محمد وهو يحتمل جماعة يسمون بذلك، وكذا المجهول إذ لا فرق. وممن أخرج المبهمات في المراسيل أبو داود، وكذا أطلق النووي في غير موضع على رواية المبهم مرسلاً . وكل من هذين القولين خلاف ما عليه الأكثرون، والأكثرون من علماء الرواية وأرباب النقل كما حكاه الرشيد العطار في كتابه ((الغرر المجموعة)) عنهم على أنه متصل في إسناده مجهول، واختاره العلائي في جامع التحصيل، كذا في فتح المغيث. واعلم أن من المحققين من أدرج هذا القسم في المرسل، وقال بقبوله عند من يقبل المرسل. ولیس کذلك، فإن تصریح الراوي بمن روی عنه حال کونه مجهولاً لیس کترکه، (١) جاء في الطبعتين السابقتين لهذه المقدمة ((تعليق التعليق)) بالعين المهملة في كلا الجزئين، والصواب ما أثبت أي بالغين المعجمة في الجزء الأول والمهملة في الثاني: كما في ((التدريب)) للسيوطي ١ : ١١٧، والكتاب قد طبع بتحقيق سعيد بن عبد الرحمان موسى القزقي من عمان، الأردن ١٤٠٥/ ١٩٨٥ م. ١٠٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم من حيث أنه يسلتزم توثيقه وتعديله، نعم! يلزم كون قولهم: حدثني الثقة تعديلاً عند من يقبل المرسل، بخلافه عند من يرده، إلا إن عرفت عادته في قوله الثقة، أي: يكون ثقة في نفس الأمر؛ فإنه حينئذٍ يقبله من يرد المرسل كقول مالك: ((حدثني الثقة عن بكير بن عبد الله بن الأشج)) ظهر أن المراد بالثقة مخرمة بن بكير. وقوله: الثقة عن عمرو بن شعيب، قيل: الثقة عبد الله بن وهب، وقيل: الزهري، ذكره ابن عبد البر، واستقرىء مثله للإمام الشافعي كثّفُ . تنبيه : قال الحافظ ابن كثير تَّفُ: ((المبهم الذي لم يسم أو سمي ولم تعرف عينه: لا يَقْبَلُ روايته أحد علمناه، ولكن إذا كان في عصر التابعين والقرون المشهود لها بالخير فإنه يستأنس بروايته، ويستضاء بها في مواطن، وقد وقع في مسند أحمد وغيره من هذا القبيل کثیر)) . مبهمات مسلم رحمه الله وقع في صحيح مسلم أحاديث أبهم بعض رجالها، كقوله في كتاب الصلاة: ((حدثنا صاحب لنا عن إسماعيل بن زكريا عن الأعمش)) وهذا في رواية ابن ماهان، أما رواية الجلودي ففيها: (حدثنا محمد بن بكار حدثنا إسماعيل)). وفيه أيضاً: ((وحدثت عن يحيى بن حسان ويونس المؤدب)) فذكر حديث أبي هريرة: ((وكان رسول الله وَل إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين)) وقد رواه أبو نعيم في المستخرج من طريق محمد بن سهل بن عسکر عن يحيى بن حسان، ومحمد بن سهل من شيوخ مسلم في صحيحه، ورواه البزار عن أبي الحسن بن مسكين وهو ثقة - عن یحیی بن حسان. وفي الجنائز: ((حدثني من سمع حجاجاً الأعور)) بحديث خروجه وَّ إلى البقيع، وقد رواه عن حجاج غير واحد منهم: الإمام أحمد ويوسف بن سعيد المصيصي، وعنه أخرجه النسائي ووثقه. وفي الحوائج: ((حدثني غير واحد من أصحابنا قالوا: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس)) بحديث عائشة في الخصوم، وقد رواه البخاري عن إسماعيل، فهو أحد شيوخ مسلم فيه. وفي الاحتكار: ((حدثني بعض أصحابنا عن عمرو بن عون، أنا خالد بن عبد الله))