النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ مقدمة المشي في الأسواق مكشوف الرأس حيث لا يعتاد ذلك ولا يليق بمثله، ومنه مد الرجلين في مجالس الناس، ومنه: نقل الرجل المعتبر الماء والأطعمة إلى بيته إذا كان عن بخل وشح، وإن كان عن تواضع واقتداء بالسلف لم يقدح ذلك في المروءة. وكذلك إذا كان يأكل ما يجد ويأكل حيث يجد زهداً وتنزهاً عن التكلفات المعتادة، ويعرف ذلك بقرائن الأحوال. وإنما لا تقبل شهادة من أخل بالمروءة لأن الإخلال بها يكون إما لخبل في العقل، أو لنقصان في الدين، أو لقلة حياء، وكل ذلك رافع للثقة بقوله. وقال في شرح التحرير: ((لأن من لا يجتنب هذه الأمور فالغالب أنه لا يجتنب الكذب (أي: تعمداً أو من غير عمد) فلا يوثق بقوله، ولا يظن صدقه في روايته)). وقال السخاوي: ((وما أحسن قول الزنجاني في شرح الوجيز: المروءة: يرجع معرفتها إلى العرف، فلا تتعلق بمجرد الشرع، وأنت تعلم أن الأمور العرفية قلما تضبط، بل هي تختلف باختلاف الأشخاص والبلدان، فكم من بلد جرت عادة أهله بمباشرة أمور لو باشرها غيرهم لعد خرماً للمروءة، وفي الجملة رعاية مناهج الشرع وآدابه، والإهتداء بالسلف والإقتداء بهم: أمر واجب الرعاية. قال الزركشي: ((وكأنه يشير بذلك إلى أنه ليس المراد سيرة مطلق الناس، بل الذين يقتدى بهم)) وهو كما قال)). كذا في فتح المغيث. الضبط الضابط من الرواة هو الذي يقل خطأه في الرواية، وغير الضابط هو الذي يكثر غلطه ووهمه فيها، سواء كان ذلك لضعف استعداده، أو لتقصيره في اجتهاده. قال الترمذي في العلل: ((كل من كان متهماً في الحديث بالكذب، وكان مغفلاً يخطىء كثيراً، فالذي اختاره أكثر أهل الحديث من الأئمة: أن لا يشتغل بالرواية عنه)) اهـ. وأما الثقة: فهو الذي يجمع بين العدالة والضبط، وهو في الأصل مصدر وثق. تقول: وثقت بفلان ثقة ووثوقاً إذا ائتمنته، ولكونه مصدراً في الأصل، قيل: هو وهي وهما وهم وهن ثقة. ويجوز تثنيته وجمعه فيقال: هما ثقتان، وهم وهن ثقات. وتقول: وثقت فلاناً توثيقاً: إذا قلت: إنه ثقة. ومثل الثقة: ((الثبت)) قال في المصباح: رجل ثبت - بفتحتين - إذا كان عدلاً ضابطاً، والجمع أثبات. والثبت أيضاً: الحجة، تقول: لا أحكم إلا بثبت. وقد ذكروا أن من ٤٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أعلى الألفاظ التي تستعمل في الرواية المقبولة: ثقة، ومتقن، وثبت، وحجة، وعدل حافظ، وعدل ضابط. والثبت أيضاً الحجة، تقول: لا أحكم إلا بثبت. قال السخاوي: ((والضبط ضبطان: ضبط صدر، وضبط كتاب، فالأول هو الذي يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء. والثاني هو صونه له عن تطرق الخلل إليه من حين سمع فيه إلى أن يؤدي، وإن منع بعضهم الرواية من الكتاب، وهذا أعلى الضبط)) اهـ. وقال في التدريب: ((ويشترط فيه مع ذلك أن يكون عالماً بما يحيل المعنى إن روى به)) اهـ. ولا يقال: ينبغي أن يقبل خبره إذا كان عدلاً؛ لأن العدل لا يروى إلا عن تيقظ وضبط، ولا يجوز الرواية عن غفلة. لأنا نقول: إن من لا يضبط قد يظن أنه قد ضبط، ومن سها يظن أنه ما سها، فيروي على حسب ظنه. وقال في التدريب: ((يعرف ضبطه - أي: الراوي - بموافقة الثقات المتقنين الضابطين إذا اعتبر حديثه بحديثهم، فإن وافقهم في روايتهم غالباً - ولو من حيث المعنى - فضابط، ولا تضر مخالفته لهم النادرة، فإن كثرة مخالفته لهم وندرت الموافقة اختل ضبطه، ولم يحتج به في حديثه)) . وقال في التحرير وشرحه: ((ويعرف رجحان ضبطه بالشهرة وبموافقة المشهورين به - أي: بالضبط - في رواياتهم في اللفظ والمعنى، أو غلبتها - أي: الموافقة - وإن لم يعرف رجحان ضبطه بذلك فغفلة)) . قال السخاوي في فتح المغيث: ((ويعرف الضبط أيضاً بالامتحان، كما تقدم في المقلوب مع تحقيق الأمر فيه)). قال الإمام فخر الإسلام: ((وأما المتساهل فإنما نعني بها المجاز الذي لا يبالي من السهو والخطأ والتزوير (ولا يشتغل بالتدارك بعد أن يعلم به) وهذا مثل المغفل إذا اعتاد بذلك، فقد يكون العادة ألزم من الخلقة)). فائدة ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في الأطراف: ((إن الوهم تارة يكون في الحفظ، وتارة يكون في القول، وتارة يكون في الكتابة. قال: وقد روى مسلم حديث: ((لا تسبوا أصحابي)) عن يحيى بن يحيى. وأبي بكر، وأبي كليب. ثلاثتهم عن أبي معاوية عن ٤٣ مقدمة الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ووهم عليهم في ذلك، إنما رووه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، كذلك رواه عنهم الناس، كما رواه ابن ماجة عن أبي كريب ـ أحد شيوخ مسلم - فيه. قال: والدليل على أن ذلك وهم وقع منه في حال كتابته لا في حفظه: إذ ذكر أولاً حديث أبي معاوية، ثم ثنى بحديث جرير، وذكر المتن وبقية الإسناد، ثم ثلث بحديث وكيع، ثم ربع بحديث شعبة؛ ولم يذكر المتن ولا بقية الإسناد عنهما، بل قال: ((عن الأعمش بإسناد جرير وأبي معاوية بمثل حديثهما فلولا أن إسناد جرير وأبي معاوية عنده واحد لما جمعهما في الحوالة عليهما)) كذا في تدريب الراوي. الانتقاد لصحة أخبار الآحاد كان السمعاني في القواطع: ((إن الصحيح لا يعرف برواية الثقات فقط، وإنما يعرف بالفهم والمعرفة. وكثرة السماع والمذاكرة. قال بعضهم: إن هذا داخل في اشتراط كونه غير معلول؛ لأن الاطلاع على ذلك إنما يحصل بما ذكر من الفهم والمعرفة وغيرهما)). وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ◌َّلُ في اللمع، في باب بيان ما يرد به خبر الواحد: ((إذا روى الخبر ثقة رد بأمور: أحدها: أن يخالف موجبات العقول، فيعلم بطلانه؛ لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا . والثاني: أن يخالف نص كتاب أو سنة متواترة، فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ. والثالث: أن يخالف الاجماع، فيستدل به على أنه منسوخ أو لا أصل له؛ لأنه لا يجوز أن يكون صحيحاً غير منسوخ، وتجمع الأمة على خلافه. والرابع: أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على الكافة علمه، فيدل ذلك على أنه لا أصل له؛ لأنه لا يجوز أن يكون له أصل، وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم. والخامس: أن ينفرد برواية ما جرت العادة أن ينقله أهل التواتر، فلا يقبل؛ لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية، وأما إذا ورد مخالفاً للقياس، أو انفرد الواحد برواية ما تعم به البلوى: لم يرد. وقد حكينا الخلاف في ذلك فأغنى عن الإعادة)). وقال ابن عبد البر في الاستذكار لما حكى عن الترمذي: ((إن البخاري صحح حديث البحر: ((وهو الطهور ماءه)) وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده)): ((لكن الحديث عندي صحيح؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول)). ٤٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وقال أبو الحسن ابن الحضار في تقريب المدارك على موطأ مالك تخذفيه: ((فقد يعلم الفقيه صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب، بموافقة آية من كتاب الله، أو بعض أصول الشريعة فيحمله ذلك على قبوله والعمل به، وأجيب عن ذلك بأن الحد المذكور إنما هو للصحيح لذاته، وما أورد فهو من قبيل الصحيح لغيره)). كذا في توجيه النظر. وقال في فتح المغيث: ((وربما يعرف - أي: كون الحديث موضوعاً - بالركّة، أي: الضعف، عن قوة فصاحته وَّر في اللفظ والمعنى وكذا في أحدهما لكنه في اللفظ وحده مقيد بما إذا صرح بأنه لفظ الشارع ولم يحصل التصرف بالمعنى في نقله، وقد روى الخطيب وغيره من طريق الربيع بن خيثم التابعي الجليل، قال: ((إن للحديث ضوءاً كضوء النهار يعرف، وظلمة كظلمة الليل تنكره)) ونحوه قول ابن الجوزي: ((الحديث المنكر يقشعر منه جلد طالب العلم، وينفر منه قلبه في الغالب))، وعنى بذلك الممارس لألفاظ الشارع، الخبير بها وبرونقها وبهجتها، ولذا قال ابن دقيق العيد: ((وكثيراً ما يحكمون بذلك - أي: بالوضع - باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الحديث)) وحاصله يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ النبيّ وَلل هيئة نفسانية، وملكة قوية، يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبوة، وما لا يجوز)) انتهى. وفي البخاري: ((قال عمار: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق في الإقتار)). قال الحافظ تَّهُ بعد الكلام على رفعه: «قلت: وهو معلول من حيث صناعة الحديث؛ لأن عبد الرزاق تغير بأخرة، وسماع هؤلاء منه في حال تغيره، إلا أن مثله لا يقال بالرأي، فهو في حكم المرفوع)) اهـ. ثم قرر مضمونه وقال: ((وهذا التقرير يقوي أن يكون الحديث مرفوعاً؛ لأنه يشبه أن يكون كلام من أوتي جوامع الكلم، والله أعلم)). وقال ابن الجوزي تَّهُ: ((كل حديث رأيته يخالف العقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع، فلا يتكلف اعتباره - أي: لا تعبر رواته، ولا تنظر في جرحهم - أو يكون مما يدفعه الحس والمشاهدة، أو مبايناً لنص الكتاب أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل)). وقال بعض علماء الأصول: إن في الأحاديث ما لا تجوز نسبته إلى النبيّ صلَ﴾، وذلك لأنه لا يمكن حملها على ظاهرها، لكونه على خلاف البرهان، وغير ظاهرها بعيد عن فصاحته أَّد . قال الحافظ زين الدين العراقي: ((وروينا عن محمد بن طاهر المقدسي، ومن خطه ٤٥ مقدمة نقلت قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي ببغداد يقول: قال لنا أبو محمد بن حزم: ما وجدنا للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئاً لا يحتمل مخرجاً إلا حديثين، لكل واحد منهما حديث، تم عليه في تخريجه الوهم مع إتقانهما وحفظهما وصحة معرفتهما)). قال الجزائري كثّلهُ: ((اعلم أن هذه المسألة من أهم مسائل هذا الفن الجليل الشأن، والناظرون في هذا الموضع قد انقسموا إلى ثلاث فرق: الفرقة الأولى: فرقة جعلت جل همها النظر في الإسناد، فإذا وجدته متصلاً ليس في اتصاله شبهة، ووجدت رجاله ممن يوثق بهم: حكمت بصحة الحديث قبل إمعان النظر فيه، حتى إن بعضهم يحكم بصحته، ولو خالف حديثاً آخر رواته أرجح، ويقول: كل ذلك صحيح، وربما قال: هذا صحيح، وهذا أصح، وكثيراً ما يكون الجمع بينهما غير ممكن، وإذا توقف متوقف في ذلك نسبه إلى مخالفة السنن، وربما سعى في إيقاعه في محنة من المحن، مع أن جهابذة هذا الفن قد حكموا بأن صحة الإسناد لا تقتضي صحة المتن، وكذلك قالوا: لا يسوغ لمن رأى حديثاً له إسناد صحيح أن يحكم بصحته، إلا أن يكون من أهل هذا الشأن، لاحتمال أن تكون له علة قادحة قد خفيت عليه)). قال الحافظ ابن الصلاح: ((ومتى قالوا: هذا حديث صحيح، فمعناه: أنه اتصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليس من شرطه أن يكون مقطوعاً به في نفس الأمر، إذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد، وليس من الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول، وكذلك إذا قالوا في حديث: إنه غير صحيح، فليس ذلك قطعاً بأنه كذب في نفس الأمر، إذ قد يكون صدقاً في نفس الأمر، وإنما المراد به: أنه لم يصح إسناده على الشرط المذكور)). قال الجزائري: ((وقد وصل الغلو بفريق منهم إلى أن ألزموا الناس بالأخذ بالأحاديث الضعيفة الواهية، فأوقعوا الناس في واهية، وما أدراك ماهية، وهذه الفرقة هم الغلاة في الإثبات، وأكثرهم من أهل الأثر الذين ليس لهم فيه - فضلاً عن غيره - دقة نظر، وقد أشار مسلم تقذفُ إلى ناس منهم يعتدون برواية الأحاديث الضعاف مع معرفتهم بحالها ووصفهم بما هم جدیرون به. الفرقة الثانية: جعلت جل همها النظر في نفس الحديث، فإن راقها أمره حكمت بصحته، وأسندته إلى النبي ◌َّر، وإن كان في إسناده مقال، مع أن في كثير من الأحاديث الضعيفة - بل الموضوعة - ما هو صحيح المعنى فصيح المبنى، غير أنه لم تصح نسبته إلى ٤٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم النبيّ وَّر، وقال بعض الوضاعين: لا بأس إذا كان الكلام حسناً أن تضع له إسناداً. وحكى القرطبي عن بعض أهل الرأي أنه قال: ما وافق القياس الجلي يجوز أن يعزى إلى النبيّ ◌َّر، وإن راعهم أمره لمخالفته لشيء مما يقولون به - وإن كان مبنياً على مجرد الظن - بادروا لرد الحديث والحكم بوضعه وعدم صحة رفعه، وإن كان إسناده خالياً عن كل علة، وإن ساعدهم الحال على تأويله على وجه لا يخالف أهواءهم بادروا إلى ذلك، وهذه الفرقة هم المعتزلة والمتكلمون الذين حذوا حذوهم. وقد نحا أناس من غيرهم نحوهم، وقد طعنت الفرقة الأولى في هذه الفرقة طعناً شديداً، وقابلتهم هذه الفرقة بمثل ذلك أو أشد، ونسبوا رواة ما أنكروه من الأحاديث إلى الاختلاق والوضع مع الجهل بمقاصد الشرع، وقد ذكر ابن قتيبة شيئاً من ذلك في مقدمة كتابه الذي وضعه في تأويل مختلف الحديث، والمجاملون منهم اكتفوا بأن نسبوا إلى الرواة الوهم والغلط والنسيان، وهو مما لا يخلو عنه إنسان، وقالوا: إن المحدثين أنفسهم قد ردوا كثيراً من أحاديث الثقات بناءً على ذلك، قال: ولا يدخل في هذه الفرقة أناس ردوا بعض الأحاديث الصحيحة الإسناد لشبهة قوية عرضت لهم أوجبت شكهم في صحتها إن كانت مما لا يدخل فيه النسخ، أو في بقاء حكمها إن كانت مما يدخل فيه، فقد وقع التوقف في الأخذ بأحاديث صحيحة الإسناد وقع ذلك لأناس من العلماء الأعلام المعروفين بنشر السنن، بل وقع لأناس من كبار الصحابة، فقد زعم محمود بن الربيع الأنصاري - وكان ممن عقل رسول الله وَليل وهو صغير - أنه سمع عتبان بن مالك الأنصاري - وكان ممن شهد بدراً - أن رسول الله والخد قال: ((إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله)) وكان رسول الله يسير في دار عتبان، ولهذا الحديث قصة، قال محمود: ((فحدثتها قوماً فيهم أبو أيوب صاحب رسول الله بَّر في غزوته التي توفي فيها بأرض الروم، فأنكرها عليّ أبو أيوب، وقال: ((والله! ما أظن رسول الله بٍَّ قال ما قلت قط، فكبر ذلك علي، فجعلت لله عليّ أن سلمني حتى أقفل من غزوتي أن أسأل عنها عتبان بن مالك إن وجدته حياً في مسجد قومه، فقفلت)) ذكر ذلك البخاري في باب صلاة النوافل جماعة، فارجع إليه إن أحببت معرفة القصة وتمام الكلام في ذلك. فانظر إلى أبي أيوب الأنصاري الذي كان من خواص النبيّ وَّ كيف غلب على ظنه عدم صحة هذا الحديث، وأقسم على ذلك بناءً على أنه لم يسمع منه قط ظلَّل ما يشاكل هذا الكلام مما يوهم خلاف المرام، ومثل هذا كثير فيما يروى اهـ. قال الحافظ كَّلُ في شرح حديث الإسراء: ((وقوله في رواية ثابت: ((فربطته (أي: ٤٧ مقدمة البراق) بالحلقة)) أنكره حذيفة، فروى أحمد والترمذي من حديث حذيفة، قال: ((تحدثون أنه ربطه، أخَافَ أن يفر منه؟ وقد سخره له عالم الغيب والشهادة)) وأنكر حذيفة أيضاً في هذا الحديث أنه * صلى في بيت المقدس، واحتج ((بأنه لو صلى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه كما كتب عليكم الصلاة في البيت العتيق)). وأجاب الحافظ كَُّ عن كل من الأمرين، فراجعه. قلت: لم أر في شيء من الروايات أن حذيفة رضي ◌ُه بلغه الحديث المرفوع بطريق قائم، ثم رده، بل يظهر من رواية الترمذي كَلَتُهُ أنه رد ما كان الناس يتفوّهون به ويتخيّلونه من غير أصل صحيح في زعمه. وأما قصة أبي أيوب مع محمود بن الربيع فقد تقدم ما يتعلق به في بيان حجية أخبار الآحاد. الفرقة الثالثة: ((فرقة جعلت همها البحث عما صح من الحديث لتأخذ به، فأعطت المسألة حقها من النظر، فبحثت في الإسناد والمتن معاً بحثَ مؤثر للحق، فلم تنسب إلى الرواة الوهم والخطأ ونحو ذلك، لمجرد كون المتن يدل على خلاف رأي لها مبني على مجرد الظن، ولم تعتقد فيهم أنهم معصومون عن الخطأ والنسيان. وهذه الفرقة قد ثبت عندها صحة كثير من الأحاديث التي ردتها الفرقة الثانية، وهي المفرطة في أمر الحديث، كما ثبت عندها عدم صحة كثير من الأحاديث التي قبلتها الفرقة الأولى، وهي المفرّطة فيه، وهذه الفرقة هي أوسط الفرق وأمثلها وأقربها للامتثال؛ وهي أقل الفرق عدداً، ومقتفى أثرها ممن أريد به رشد)). كذا في توجيه النظر. واعلم أن الدارقطني وغيره من أئمة النقد لم يتعرضوا لاستيفاء النقد فيما يتعلق بالمتن، كما تعرضوا لذلك في الإسناد، وذلك لأن النقد المتعلق بالإسناد دقيق غامض لا يدركه إلا أفراد من أئمة الحديث المعروفين بمعرفة علله، بخلاف النقد المتعلق بالمتن، فإنه يدركه كثير من العلماء الأعلام المشتغلين بالعلوم الشرعية، والباحثين عن مسائلها الأصلية والفرعية، ككثير من المفسرين والفقهاء وأهل أصول الفقه وأصول الدين، ووهم هنا أناس، فظن بعضهم أن المحدث ليس له أن يتعرض للنقد من جهة المتن، فكأنه توهم ذلك من جعلهم وظيفة المحدث التعرض للنقد من جهة الإسناد: أنه يمنع من التعرض للنقد من جهة المتن، مع أن مقصودهم بذلك بيان أن النقد من جهة الإسناد هو من خصائصه لعدم اقتدار غيره على ذلك، فينبغي له أن لا يقصر فيما يطلب منه، فإذا قام بذلك فله أن يتعرض للنقد من جهة المتن، إذا ظهر له في المتن علة قادحة فيه فحكمه ٤٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حكم غيره، فكما أن غيره له أن يتعرض للنقد من جهة المتن إذا ظهر له ما يوجبه، بل هو أرجح من غيره، وقد تعرض كثير من أئمة الحديث للنقد من جهة المتن، إلا أن ذلك قليل جداً بالنسبة لما تعرضوا له من النقد من جهة الإسناد لما عرفت. فمن ذلك قول الإسماعيلي بعد أن أورد الحديث الذي رواه البخاري عن أبي أويس، عن أخيه، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به قال: ((يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة)) الحديث: ((هذا خبر في صحته نظر من جهة أن إبراهيم عالم بأن الله لا يخلف الميعاد، فكيف يجعل ما بأبيه خزياً له، مع إخباره بأن الله قد وعده أن لا يخزيه يوم يبعثون، وأعلمه بأنه لا خلف لوعده)). وقال الحافظ في حديث أبي هريرة: ((خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً)) - إلى أن قال : - ((فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن)): ((ويشكل على هذا ما يوجد الآن من آثار الأمم السالفة، كديار ثمود، فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة الطول على حسبما يقتضيه الترتيب السابق، ولا شك أن عهدهم قديم، وأن الزمان الذي بينهم وبين آدم دون الزمان الذي بينهم وبين أول هذه الأمة، ولم يظهر لي إلى الآن ما يزيل هذا الاشكال)». تتمة هذا البحث قال صاحب الكشف: ((اعلم أن خبر الواحد إذا ورد مخالفاً لمقتضى العقل فإن أمكن تأويله من غير تعسف يقبل التأويل الصحيح، وإن لم يمكن تأويله، إلا بتعسف لم يقبل؛ لأنه لو جاز التأويل مع التعسف لبطل التناقض من الكلام كله. ويجب فيما لا يمكن تأويله القطع على أن النبيّ وَّ لم يقله إلا حكاية عن الغير، أو مع زيادة أو نقصان، وإن كان مخالفاً لنص الكتاب أو السنة المتواترة أو للإجماع، فكذلك، لأن هذه الأدلة قطعية وخبر الواحد ظني، ولا تعارض بين القطعي والظني بوجه، بل الظني يسقط بمقابلة القطعي، فإن خالف خبر الواحد عموم الكتاب أو ظاهره فهو محل الخلاف، فعندنا لا يجوز تخصيص العموم وترك الظاهر وحمله على المجاز بخبر الواحد، كما لا يجوز ترك الخاص والنص من الكتاب به، وإليه أشار الشيخ الإمام فخر الإسلام بقوله: ((ويستوي في ذلك - أي: في عدم جواز الترك بخبر الواحد - الخاص والعام والنص والظاهر)). وعند الشافعي كثّفُ وعامة الأصوليين يجوز تخصيص العموم به، ويثبت التعارض بينه وبين ظاهر الكتاب، وعموماته لا توجب اليقين عندهم، وإنما تفيد غلبة الظن كخبر الواحد، فيجوز تخصيصها ومعارضتها به عندهم)). ٤٩ مقدمة وعند العراقيين من مشايخنا، والقاضي الإمام أبي زيد، ومن تابعه من المتأخرين: لما أفادت عمومات الكتاب وظواهرها اليقين، كالنصوص والخصوصات، لا يجوز تخصيصها ومعارضتها به . فأما عند من جعلها ظنية من مشايخنا مثل الشيخ أبي منصور ومن تابعه من مشايخ سمرقند فيحتمل أن يجوز تخصيصها به، كما ذهب إليه الفريق الأول. والأوجه أن لا يجوز عندهم أيضاً؛ لأن الاحتمال في خبر الواحد فوق الاحتمال في العام والظاهر من الكتاب، لأن الشبهة فيهما من حيث المعنى، وهو احتمال إرادة البعض من العموم، وإرادة المجاز من الظاهر، ولكن لا شبهة في ثبوت متنهما - أي: نظمهما وعبارتهما - والشبهة في خبر الواحد في ثبوت متنه ومعناه جميعاً؛ لأنه إن كان من الظواهر فظاهر، وإن كان نصاً في معناه فكذلك؛ لأن المعنى مودع في اللفظ، وتابع له في الثبوت، وهو معنى قوله - أي: فخر الإسلام -: ((المتن أصل، والمعنى فرغ له، فلا بد من أن يؤثر الشبهة المتمكنة في اللفظ في ثبوت معناه ضرورة)) اهـ. والغالب على أخبار الآحاد الرواية بالمعنى، كما صرحوا به، وبهذا يتقوى الشبهة. قال صاحب الكشف: ((وإذا كان كذلك لا يجوز ترجيح خبر الواحد على ظاهر الكتاب. ولا تخصيص عمومه به؛ لأن فيه ترك العمل بالدليل الأقوى بما هو أضعف منه، وذلك لا يجوز)). خصوا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِىَ أَوْلَدِكُمْ﴾ [سورة فإن قيل: إن الصحابة النساء، آية: ١١] بقوله ◌َّله: ((لا ميراث لقاتل)) وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ﴾ [سورة النساء، آية: ١٢] ﴿وَلَهُنَ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [سورة النساء، آية: ١٢] بقوله ◌َّ: ((لا يتوارث أهل ملتين شتى)) وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [سورة النساء، آية: ٢٤] بقوله وسلم: ((لا تنكح المرأة على عمتها)) في شواهد لها كثيرة، فثبت أن تخصيص الكتاب بخبر الواحد جائز. قلنا: هذه أحاديث مشهورة يجوز الزيادة بمثلها على الكتاب، ولا كلام فيها، إنما الكلام في خبر شاذ خالف عموم الكتاب. هل يجوز التخصيص به؟ وليس فيما ذكرتم دليل على جوازه، والدليل على عدم الجواز أن عمر وعائشة وأسامة ظه رووا خبر فاطمة بنت قيس ولم يخصوا به قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [سورة الطلاق، آية: ٦] حتى قال رظلُبه: ((لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري حفظت أم نسيت)). قال فخر الإسلام كثّفُ: ((فلذلك نقول: إنه لا يقبل خبر الواحد في نسخ الكتاب، ٥٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ويقبل فيما ليس من كتاب الله على وجه لا ينسخه، ومن رد أخبار الآحاد فقد أبطل الحجة، فوقع في العمل بالشبهة، وهو القياس (لأن الشبهة في القياس في أصله بحيث لا يخلو عنها، وفي الخبر عارض) أو استصحاب الحال الذي ليس بحجة أصلاً، ومن عمل بالآحاد على مخالفة الكتاب ونسخه فقد أبطل اليقين (أي: بالظن)، والأول فتح باب الجهل والإلحاد، (لأن ترك الحجة والأخذ بالشبهة أو بما ليس بحجة عدول عن الصواب ومنشأه الجهل)، والثاني فتح باب البدعة)) اهـ (لأن السلف لم يعملوا بالآحاد على مخالفة الكتاب على ما حكيناه من قول عمر رظُله ((لا ندع كتاب ربنا بكذا»). قال الشوكاني في إرشاد الفحول: ((وأوجبت عن ذلك (أي: عن قول عمر رظُله) بأنه إنما قال هذه المقالة لتردده في صحة الحديث: (لا لرده تخصيص عموم الكتاب بالسنة الآحادية) فإنه لم يقل: كيف نخصص عموم كتاب ربنا بخبر آحادي؟ بل قال: ((كيف نترك كتاب ربنا لقول امرأة؟)) ويؤيد ذلك ما في صحيح مسلم وغيره بلفظ: ((قال عمر رُه: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لعلها حفظت أو نسبت)) فأفاد هذا أن عمر ظله إنما تردد في كونها حفظت أو نسيت. ولو علم بأنها حفظت ذلك وأدته كما سمعته لم يتردد في العمل بما روته)) اهـ. قلت: كذا قال غير واحد، ولكنهم ذهلوا عن روح الكلام ولب المسألة، فإن الفاروق الأعظم ظنه قد نبه بهذا الكلام البليغ على سر المسألة ولمها، وأعطانا به أصلاً كبيراً، فأفاد أن خبر الواحد وإن كان عن ثقة - كما هو لههنا - فاحتمال النسيان والخطأ فيه، وإمكان الكذب، ولو من غير عمد: قائم على كل حال، لا سيما إذا كان عن امرأة واحدة، لقصور قوة الضبط فيها، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٨٢] فلا يفيد هذا الخبر علم طمأنينة. فضلاً عن علم اليقين، إلا عند اشتهاره، أو تلقى الأمة له بالقبول، فكيف يترك به ظاهر الكتاب الذي هو مصون عن تطرق هذه الاحتمالات بالكلية؛ لأنه متواتر مفيد للقطع، محفوظ بلفظه، عزيز منيع، لا يأتيه الخطأ والغلط، ولا الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، ولهذا يجب تنويه شأن وتقديمه على كل دليل، كما أن النبيّ وَلّ كان يقدمه، بل يقدم صاحبه حياً وميتاً. فخبر الواحد الذي يخالف الكتاب يشبه الشاذ من الأحاديث، والمخصص منه يشبه بعض زيادات الثقة، والعجب! أنهم لا يقبلون الشاذ مع أنه رواية ثقة خالف من هو أرجح منه، ويرد أكثرهم زيادة الثقة إذا خالفت المزيد عليه، ويترددون في قبولها إذا خالفت إطلاقه، حتى اختار الحافظ الرجوع إلى القرائن في قبولها وردها، كما ٥١ مقدمة مر، وقالوا: إن تطرق الخطأ إلى الواحد أقرب من تطرقه إلى الجماعة، ومع هذا فكيف لا يراعون هذه القواعد في خبر الواحد إذا خالف التواتر؟! فهو أحق بأن يسمى شاذاً، وفي تخصيص الكتاب المتواتر بخبر الواحد فهو أنزل بكثير من زيادة الثقة المخالفة لإطلاق ما زاد عليه. والحاصل أن العلة التي يرد بها الشاذ في مقابلة المحفوظ ويتوفق معها في قبول زيادة الثقة: موجودة فيما نحن فيه، بل أزيد منها، إلا أن توجد قرينة القبول من اشتهار الحديث، أو نلقى الأمة له، فلهذا اشترط أصحابنا في قبول الحديث أن لا يخالف الكتاب ولا ينسخه، وليحفظ أن منبع الكتاب والسنة ومطلعهما ومخرجهما واحد، وهو الوحي السماوي الذي ليس فيه شبهة أصلاً، وإنما التفاوت في كيفيتهما ووصولهما إلينا، وبهذا التفاوت يتفاوت الرتب والأحكام، فينبغي أن ينزل كل شيء منزلته، ويعطي كل ذي حق حقه، وذلك بأن يكون السنة تبعاً للكتاب، لا متبوعاً أو مبطلاً له كلياً أو جزئياً. قال صاحب الكشف: ((ومثل الخبر المخالف للكتاب: الخبر المخالف للسنة المشهورة، في أنه ليكون مردوداً أيضاً لما قلنا: إن الخبر المشهور فوق خبر الواحد، حتى جازت الزيادة على الكتاب بالمشهور دون خبر الواحد، فلا يجوز أن ينسخ المشهور الذي هو أقوى بخبر الواحد الذي هو أضعف)). قال شمس الأئمة تَّقُ بعد بيان القسمين (أي: الخبر المخالف للكتاب والمخالف للسنة المشهورة): ((ففي هذين النوعين من الإنتقاد للحديث علم كثير، وصيانة للدين بليغة، فإن أصل الأهواء والبدع إنما ظهر من قبل ترك عرض أخبار الآحاد على الكتاب والسنة، فإن قوماً جعلوها أصلاً مع الشبهة في اتصالها برسول الله بَّر، ومع أنها لا توجب علم اليقين ثم تأولوا عليها الكتاب والسنة المشهورة، فجعلوا التبع متبوعاً وجعلوا الأساس ما هو غير متيقن به، فوقعوا في الأهواء والبدع بمنزلة من أنكر خبر الواحد؛ فإنه لما لم يجوز العمل به احتاج إلى القياس ليعلم به، وفيه أنواع من الشبهة، أو إلى استصحاب الحال، وهو ليس بحجة أصلاً، وترك العمل بالحجة إلى ما ليس بحجة يكون فتحاً لباب الإلحاد، وجعل ما هو غير متيقن به أصلاً، ثم يخرج ما فيه التيقن عليه يكون فتحاً لباب الأهواء والبدع، وكل واحد منهما مردود. وإنما سواء السبيل ما ذهب إليه علماءنا رحمهم الله من إنزال كل حجة منزلتها، فإنهم جعلوا الكتاب والسنة المشهورة أصلاً، ثم خرجوا عليها ما فيه بعض الشبهة، وهو المروي بطريق الآحاد، مما كان منه موافقاً للكتاب أو المشهور، قبلوه وأوجبوا العمل به، وما كان مخالفاً لهما ردوه على أن ٥٢ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم العمل بالكتاب والسنة أوجب من العمل بالغريب بخلافه، وما لم يجدوا في شيء من الأخبار صاروا حينئذٍ إلى القياس في معرفة حكمه لتحقق الحاجة إليه)). قال الإمام المحقق الشاطبي كلّهُ في الموافقات: ((خبر الواحد إذا كملت شروط صحته هل يجب عرضه على الكتاب أم لا؟ فقال الشافعي كثّفُ: لا يجب؛ لأنه لا تتكامل شروطه إلا وهو غير مخالف للكتاب. وعند عيسى بن أبان تغذُ يجب، محتجاً بحديث في هذا المعنى. وهو قوله: ((إذا روى لكم حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق فاقبلوه وإلا فردوه)) (والحديث تكلم فيه المحدثون بل حكم بعضهم بوضعه) فهذا الخلاف كما ترى راجع إلى الوفاق، وسيأتي تقرير ذلك في دليل السنة إن شاء الله تعالى. وللمسألة أصل في السلف الصالح، فقد ردت عائشة رضيها حديث: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)) بهذا الأصل نفسه لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة فاطر، آية: ١٨] ﴿وَأَنْ لَّيْسَ )﴾(١) [سورة النجم، ٣٩ لِلْإِنسَنِ إلَّا مَا سَعَى وردّت حديث رؤية النبيّ وَّ لربه ليلة الإسراء، لقول تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [سورة الانعام، آية: ١٠٢]. وإن كان عند غيرها غير مردود؛ لاستناده إلى أصل آخر لا يناقض الآية، وهو ثبوت رؤية الله تعالى والآخرة بأذلة قرآنية وسنية تبلغ القطع، ولا فرق في صحة الرؤية بين الدنيا والآخرة. وردّت هي وابن عباس رضيّ خبر أبي هريرة رَوُّه في غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء؛ إستناداً إلى أصل مقطوع به، وهو رفع الحرج وما لا طاقة به عن الدين، فلذلك قالا: ((فكيف يصنع بالمهراس)»؟ . وردّت أيضاً خبر ابن عمر في الشؤم وقالت: ((إنما كان رسول الله وَ لَو يحدث عن أقوال الجاهلية لمعارضته الأصل القطعي، إن الأمر كله لله، وإن شيئاً من الأشياء لا يفعل شيئاً، ولا طيرة ولا عدوى)). ولقد اختلفوا على عمر بن الخطاب حين خرج إلى الشام، فأخبر أن الوباء قد وقع بها، فاستشار المهاجرين والأنصار، فاختلفوا عليه إلا مهاجرة الفتح، فإنهم اتفقوا على رجوعه، فقال أبو عبيدة كغّهُ: ((أفراراً من قدر الله))؟ فهذا إستناد في رأي اجتهادي إلى - (١) النجم/ ٣٩، وجاء في سورة النجم: ((أم لم ينبأ بما في صحف موسى، وإبراهيم الذي وفى، ألا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. (٣٦ - ٣٩). ٥٣ مقدمة أصل قطعي. قال عمر تَخْلَهُ: ((لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله)) فهذا استناد إلى أصل قطعي أيضاً، وهو أن الأسباب من قدر الله، ثم مثل ذلك براعي العدوة المجدبة والعدوة المخصبة، وأن الجميع بقدر الله، ثم أخبر بحديث الوباء الحاوي لاعتبار الأصلين، وفي الشريعة من هذا كثير جداً، وفي اعتبار السلف له نقل كثير. ولقد اعتمده مالك بن أنس كثّتُ في مواضع كثيرة لصحته في الاعتبار، ألا ترى إلى قوله في حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً: ((جاء الحديث ولا أدري ما حقيقته)) وكان يضعفه ويقول: ((يؤكل صيده فكيف يكره لعابه))؟ وإلى هذا المعنى أيضاً يرجع قوله في حديث خيار المجلس حيث قال بعد ذكره: ((وليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به)) فيه إشارة إلى أن المجلس مجهول المدة ولو شرط أحد الخيار مدة مجهولة لبطل إجماعاً فكيف يثبت بالشرع حكم لا يجوز شرطاً بالشرع، فقد رجع إلى أصل إجماعي، وأيضاً فإن قاعدة الغرر والجهالة قطعية، وهي تعارض هذا الحديث الظني. فإن قيل: فقد أثبت مالك تخلّفُ خيار المجلس في التمليك(١). قيل: الطلاق يعلق على الغرر ويثبت في المجهول، فلا منافاة بينهما، بخلاف البيع. ومن ذلك أن مالكاً أهمل اعتبار حديث: ((من مات وعليه صوم، صام عنه وليه)) وقوله: ((أرأيت لو كان على أبيك دين)) الحديث؛ لمنافاته للأصل القرآني الكلي، نحو كما اعتبرته ﴾ (٣٩) قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾، ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إلََّ مَا سَعَى عائشة رضيُنا في حديث ابن عمر رَظُله. وأنكر مالك تَُّ حديث إكفاء القدور التي طبخت من الإبل والغنم قبل القسم، تعويلاً على أصل رفع الحرج الذي يعبر عنه بالمصالح المرسلة، فأجاز أكل الطعام قبل القسم لمن احتاج إليه، قاله ابن العربي. ونهى عن صيام ست من شوال مع ثبوت حديث فيه، تعويلاً على أصل سد الذرائع، ولم يعتبر في الرضاع خمساً ولا عشراً للأصل القرآني في قوله تعالى: ﴿وَأُمَهَنُّكُمُ الَِّّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ﴾ [سورة النساء، آية: ٢٣] وفي مذهبه من هذا كثير، وهو أيضاً رأي أبي حنيفة، فإنه قدم خبر القهقهة في الصلاة على القياس؛ إذ لا إجماع في المسألة، ورد خبر القرعة؛ لأنه يخالف الأصول؛ لأن الأصول قطعية وخبر الواحد ظني، والعتق حل في هؤلاء العبيد، والإجماع منعقد على أن العتق بعد ما نزل في المحل لا يمكن رده، فلذلك رده، كذا قالوا . (١) لعله ((التطليق)). من الشارح رحمه الله. ٥٤ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وقال ابن العربي: ((إذا جاء خبر الواحد معارضاً لقاعدة من قواعد الشرع هل يجوز العمل به أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يجوز العمل به، وقال الشافعي: يجوز، وتردد مالك في المسألة، قال: ومشهور قوله والذي عليه المعول: أن الحديث إن عضدته قاعدة أخرى قال به، وإن كان وحده تركه)). ثم ذكر مسألة مالك كَُّ في ولوغ الكلب قال: ((لأن هذا الحديث عارض أصلين عظيمين: أحدهما: قول الله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة المائدة، آية: ٤] الثاني: أن علة الطهارة هي الحياة، وهي قائمة في الكلب. وحديث العرايا إن صدمته قاعدة الربا عضدته قاعدة المعروف. وكذلك لم يأخذ أبو حنيفة بحديث منع بيع الرطب بالتمر لتلك العلة أيضاً)). قال ابن عبد البر: ((كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة لرده كثيراً من أخبار الآحاد العدول، قال: لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذ من ذلك رده وسماه شاذاً، وقد رد أهل العراق مقتضى حديث المصراة - وهو قول مالك - لما رآه مخالفاً للأصول؛ فإنه قد خالف أصل ((الخراج بالضمان)) ولأن متلف الشيء إنما يغرم مثله أو قيمته، وأما غرم جنس آخر من الطعام أو العروض: فلا، وقد قال مالك كَثُ فيه: ((إنه ليس بالموطأ ولا الثابت)) وقال به في القول الآخر شهادة بأن له أصلاً متفقاً عليه يصح رده إليه، بحيث لا يضاد هذه الأصول الأخر، وإذا ثبت هذا كله ظهر وجه المسألة إن شاء الله تعالى)) اهـ. وقال في مباحث السنة: ((رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الاعتبار، والدليل على ذلك أمور: أحدها: أن الكتاب مقطوع به، والسنة مظنونة، والقطع فيها إنما يصح في الجملة لا في التفصيل، بخلاف الكتاب، فإنه مقطوع به في الجملة والتفصيل، والمقطوع به مقدم على المظنون فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة. والثاني: أن السنة إما بيان للكتاب، أو زيادة على ذلك، فإن كان بياناً فهو ثان على المبين في الاعتبار، إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان، ولا يلزم من سقوط البيان سقوط المبين، وما شأنه هذا فهو أولى في التقدم، وإن لم يكن بياناً فلا يعتبر إلا بعد أن لا يوجد في الكتاب، وذلك دليل على تقدم اعتبار الكتاب. والثالث: ما دل على ذلك من الأخبار والآثار: كحديث معاذ رُه: ((بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ◌َر، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي)) الحديث. وعن عمر بن الخطاب رضيُه أنه كتب إلى شريح؟ ((إذا أتاك أمر فاقض بما في كتاب ٥٥ مقدمة الله، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سن فيه رسول الله (وَليّ)) إلخ. وفي رواية عنه: ((إذا وجدت شيئاً في كتاب الله فاقض فيه، ولا تلتفت إلى غيره)) وقد بين معنى هذا في رواية أخرى أنه قال له: ((انظر ما تبين لك في كتاب الله، فلا تسأل عنه أحداً، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله (َالقت)). ومثل هذا عن أبي مسعود(١) رضُبه: ((من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله تعالى، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه وَّةٍ)) الحديث. وعن ابن عباس رَُّه: ((أنه كان إذا سئل عن شيء: فإن كان في كتاب الله قال به : وإن لم يكن في كتاب الله وكان عن رسول الله وَّ ﴿ قال به)). وهو كثير في كلام السلف والعلماء، وما فرق به الحنفية بين الفرض والواجب راجع إلى تقدم اعتبار الكتاب على اعتبار السنة، وأن اعتبار الكتاب أقوى من اعتبار السنة، وقد لا يخالف غيرهم في معنى تلك التفرقة، والمقطوع به في المسألة أن السنة ليست كالكتاب في مراتب الاعتبار. وأما ما قال بعض العلماء: إن السنة قاضية على الكتاب، فليس هو بمعنى تقديمها عليه، وإطراح الكتاب، بل إن ذلك المعبر في السنة هو المراد في الكتاب، فكأن السنة بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب، ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿لِتُّبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل، آية: ٤٤] فإذا حصل بيان قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوَأْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [سورة المائدة، آية: ٣٨] بأن القطع من الكوع، وأن المسروق نصاب فأكثر من حرز مثله، فذلك هو المعنى المراد من الآية، لا أن تقول: إن السنة أثبت هذه الأحكام دون الكتاب، كما إذا بيّن لنا مالك ◌ََّثُ أو غيره من المفسرين معنى آية أو حديث فعملنا بمقتضاه، فلا يصح لنا أن نقول: إنا عملنا بقول المفسر الفلاني، دون أن نقول: عملنا بقول الله أو قول رسوله وَ﴾، وهكذا سائر ما بينته السنة من كتاب الله تعالى. فمعنى كون السنة قاضية على الكتاب أنها مبيّنة له، فلا يوقف مع إجماله واحتماله، وقد بيّنت المقصود منه، لا أنها مقدمة عليه. وأما خلاف الأصوليين في التعارض فقد مر في أول كتاب الأدلة أن خبر الواحد إذا استند إلى قاعدة مقطوع بها فهو في العمل مقبول، وإلا فالتوقف، وكونه مستنداً إلى مقطوع به راجع إلى أنه جزئي تحت معنى قرآني كلي؛ وتبين معنى هذا الكلام هنالك، (١) كذا في الطبعتين للمقدمة، ولعل الصواب: ((ابن مسعود)) كما روي عنه هذا الأثر الدارميُّ في سننه (١: ٥٤ رقم ١٦٧) في باب الفتيا وما فيه من الشدة. والله أعلم. ٥٦ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فإذا عرضنا هذا الموضع على تلك القاعدة وجدنا المعارضة في الآية والخبر معارضة أصلين قرآنيين، فيرجع إلى ذلك، وخرج عن معارضة كتاب مع سنة، وعند ذلك لا يصح وقوع هذا التعارض إلا من تعارض قطعيين. وأما إن لم يستند الخبر إلى قاعدة قطعية فلا بد من تقديم القرآن على الخبر بإطلاق)) اهـ. ونقل الحافظ عن ابن العربي: ((أن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يعمل به عند مالك شقّته)). ثم قال الشاطبي كذّهُ: ((السنة راجعة في معناها إلى الكتاب، فهي تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره، وذلك لأنها بيان له، وهو الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل، آية: ٤٤])) فلا تجد في السنة امرأ إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية، وأيضاً فكل ما دل على أن القرآن هو كلية الشريعة وينبوع لها فهو دليل على ذلك، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (١)﴾ [سورة القلم، آية: ٤] وفسرت عائشة رضيّا ذلك بأن خلقه القرآن، واقتصرت في خلقه على ذلك، فدلّ على أن قوله وفعله وإقراره راجع إلى القرآن؛ لأن الخلق محصور في هذه الأشياء، ولأن الله تعالى جعل القرآن تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ(١) فيلزم من ذلك أن تكون السنة حاصلة فيه في الجملة؛ لأن الأمر والنهي أول ما في الكتاب، ومثله قوله تعالى: ﴿َّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٌ﴾ [سورة الأنعام، آية: ٣٨] وقوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [سورة المائدة، آية: ٣] وهو ما يريد بإنزال القرآن، فالسنة إذاً في محصول الأمر بيان لما فيه. وذلك معنى كونها راجعة إليه، وأيضاً فالإستقراء التام دل على ذلك حسبما يذكر بعدُ - بحول الله - وقد تقدم في أول كتاب الأدلة أن السنة راجعة إلى الكتاب، وإلا وجب التوقف عن قبولها، وهو أصل كاف في هذا المقام)) اهـ. ثم أورد على هذا الأصل إيرادات، وأجاب عنها بأجوبة، وبسط المسألة كما هو دأبه، فليراجع. ثم اعلم أن البيان عند علمائنا على أوجه: أولاً : بيان تقرير، ثانياً : بيان تفسير. ثالثاً : بيان تغيير. رابعاً : بيان تبديل. (١) قال الله تعالى: ((ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيءٍ)) النحل/ ٨٩. ٥٧ مقدمة خامساً : بيان ضرورة، فهي خمسة أقسام. قال الإمام فخر الإسلام: ((أما بيان التقرير فتفسيره أن كل حقيقة يحتمل المجاز، أو عام يحتمل الخصوص، إذا لحق به ما يقطع الإحتمال: كان بيان تقرير، وذلك مثل قول ﴾ [سورة ص، آية: ٧٣] لأن اسم الجمع كان ٧٣ الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَّكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ عاماً يحتمل الخصوص، فقرره بذكر الكل. ومثله: ﴿وَلَا ◌َيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [سورة الأنعام، آية: ٣٨])». وأما بيان التفسير: فبيان المجمل والمشترك، مثل قوله تعالى: ﴿أقيموا الصلوة وآتوا الزكوة﴾ [سورة البقرة، آية: ٨٣] ﴿ وَاُلْشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُوْاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [سورة المائدة، آية: ٣٨] ونحو ذلك، ثم يلحقه البيان بالسنة، ويصح هذا موصولاً ومفصولاً .... هذا مذهب، واضح لأصحابنا، حتى جعلوا البيان في الكنايات كلها مقبولاً، وإن فصل، قال ﴾ [سورة القيامة، آية: ١٩] و((ثم)) للتراخي، وهذا لأن الخطاب الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ بالمجمل صحيح لعقد القلب على حقيقة المراد به، على انتظار البيان، ألا ترى أن ابتلاء القلب بالمتشابه للعزم على حقيقة المراد به صحيح في الكتاب والسنة، من غير انتظار البيان؟ فهذا أولى. وإذا صح الإبتلاء حسن القول بالتراخي)) اهـ. قال صاحب الكشف: ((وهذا القدر من التعريف (أي الذي في المجمل) يصلح مقصوداً في كلام الناس، فإن الرجل قد يقول لغيره: لي إليك حاجة مهمة، ولا يكون غرضه في الحال إلا إعلام هذا القدر. ولهذا وضعت في اللغة أفهام مبهمة كما وضعت ألفاظ لمعان معينة. وأيضاً قد يحسن من الملك أن يقول لبعض عماله: قد وليتك في موضع كذا، فاخرج إليه وأنا أكتب إليك تذكرة بتفصيل ما تعمله، ويحسن من المولى أن يقول لغلامه: أنا آمرك أن تخرج إلى السوق يوم الجمعة وتبتاع ما أبينه لك غداة الجمعة، ويكون القصد بذلك إلى التأهب لقضاء الحاجة. والعزم عليها، وإذا كان كذلك صح في الشرع إطلاق اللفظ المجمل أو المشترك من غير بيان في الحال، ليفيد وجوب اعتقاد الحقية وصيرورة المخاطب به مطيعاً بالعزم على الفعل على تقدير البيان، وعاصياً بالعزم على الترك)). واختلفوا في تخصيص العام، فقال أصحابنا رحمهم الله: لا يقع المخصص متراخياً وقال الشافعي تغلفه: يجوز متصلاً ومتراخياً. والحجة لمن أبى تأخير التخصيص أن العموم خطاب لنا في الحال بالإجماع، والمخاطب به لا يخلو أن يقصد إفهامنا في الحال، أو لا يقصد ذلك؟ والثاني فاسد؛ لأنه إذا لم يقصد انتقض كونه مخاطباً؛ إذا المعقول من ٥٨ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قولنا: إنه مخاطب لنا أنه قد وجه الخطاب نحونا، ولا معنى لذلك إلا أنه قصد إفهامنا، ولأنه لو لم يقصد الإفهام في الحال - مع أن ظاهره يقتضي كونه خطاباً لنا في الحال - لكان إغراءً بأن يعتقد أنه قصد إفهامنا في الحال، فيكون قد قصد أن نجهل، لأن من خاطب قوماً بلغتهم فقد أغراهم بأن يعتقدوا فيه أنه قد عنى به ما عنوا به، ولأنه يكون عبثاً، إذ الفائدة في الخطاب ليست إلا إفهام المخاطب، فثبت أنه أراد إفهامنا في الحال. وإذا أراد إفهامنا في الحال فإما أن يريد أن نفهم أن مراده ظاهره، أو غير ظاهره؟ فإن أراد الأول - وظاهره للعموم، وهو مخصوص عنده - فقد أراد منا إعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، وإن أراد منا أن نفهم غير ظاهره - وهو لم ينصب دليلاً على تخصيصه . فقد أراد منا ما لا سبيل لنا إليه، فيكون تكليفاً بما ليس في وسعنا، وهو باطل، فإذاً لا بد أن يبين التخصيص متصلاً بالعموم، أو يشعرنا بالخصوص بأن يقول: هذا العام مخصوص من غير أن يبين الخارج عن العموم، لئلا يكون إغراءً بإعتقاد غير الحق. وهذا بخلاف تأخير بيان المجمل، فإنه جائز؛ لأن المجمل لا ظاهر له ليؤدي تأخير البيان فيه إلى إعتقاد ما ليس بحق، يوضحه أن البيان إن لم يقترن بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ اُلْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة، آية: ٥] اقتضى بعمومه وجوب قتل غير أهل الحرب وإعتقاد ذلك، كما اقتضى وجوب قتل أهل الحرب، وذلك خلاف الحق. وإن لم يقترن البيان بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمُواْ الضَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [سورة البقرة، آية: ٨٣] اقتضى وجوب فعل على نفسه، ووجوب شيء في ماله، وذلك ليس بخلاف الحق فافترقا . قال شمس الأئمة كَّثه: «لما وافقنا الخصم في القول بالعموم كان من ضرورته لزوم اعتقاد العموم فيه، وجواز الإخبار بأنه عام، وتجويز تأخير البيان بدليل الخصوص يؤدي إلى القول بجواز الكذب في الحجج الشرعية، وذلك باطل، وهذا بخلاف النسخ، فإن الواجب اعتقاد الحقية في الحكم النازل، فأما في حياة النبيّ وَّ﴿ فما كان يجب اعتقاد التأييد في ذلك الحكم، ولا إطلاق القول بأنه مؤبد؛ لأن الوحي كان ينزل ساعة فساعة، ويتبدل الحكم كالصلاة إلى بيت المقدس، وإنما وجب اعتقاد التأبيد فيه وإطلاق القول به بعد رسول الله وَّر على أن شريعته لا تنسخ بعده بشريعة أخرى)). وتمسك من جوز تأخيره بنصوص من الكتاب والسنة، وأجاب الشيخ فخر الإسلام عن بعضها . اهـ. والمسألة مع ما لها وما عليها وكذا سائر أقسام البيان مبسوطة في كتب الأصول، ٥٩ مقدمة فراجعها، ونحن ننقل بعض أطراف الكلام التي لا بد من معرفتها في بحث العموم -والخصوص . قال الإمام فخر الإسلام كثّفُهُ: ((إن العموم معنى مقصود بين الناس شرعاً وعرفاً، فلم يكن له بد من أن يكون لفظ وضع له؛ لأن الألفاظ لا يقصر عن المعاني أبداً، ألا ترى أن من أراد أن يعتق عبيده كان السبيل فيه أن يعمهم فيقول: عبيدي أحرار، والاحتجاج بالعموم من السلف متوارث)». وقال الإمام الغزالي تقذفُهُ: ((والطريق المختار في إثبات العموم عندنا أن الحاجة إلى صيغة تدل على معنى العموم لا يختص بلغة العرب، بل هي ثابتة في جميع اللغات، فيبعد أن يغفل عنها جميع أصناف الخلق، فلا يضعوها مع الحاجة إليها، ويدل على وضعها : توجه الاعتراض على من عصى الأمر العام، وسقوط الاعتراض عمن أطاع، ولزوم النقض والخلف على الخبر العام، وجواز بناء الإستحلال على المحلات العامة. فهذه أربعة أمور تدل على الغرض)). وبيانها أن السيد إذا قال لعبده: من دخل اليوم داري فأعطه رغيفاً أو درهماً، فأعطى كل داخل، لم يكن للسيد أن يعترض عليه، وأن يعاتبه في إعطائه واحداً من الداخلين، ويقول: لم أعطيت هذا من جملتهم، وهو قصير، وأنا أردت الطوال؟ أو هو أسود وأنا أردت البيض؟ وللعبد أن يقول: ما أمرتني بإعطاء الطوال والبيض، بل بإعطاء من دخل، وهذا دخل، فالعقلاء إذا سمعوا في اللغات كلها رأوا اعتراض السيد ساقطاً، وعذر العبد متوجهاً، وقالوا للسيد: أنت أمرته بإعطاء من دخل وهذا قد دخل. ولو أنه أعطى الجميع إلا واحداً فعاتبه السيد وقال لم لم تعطه؟ فقال العبد: لأن هذا طويل أو أبيض، وكان لفظك عاماً، فقلت: لعلك أردت القصار أو السود، استوجب التأديب بهذا الكلام، وقيل له: مالك والنظر إلى الطول واللون؟ وقد أمرتك بإعطاء الداخل، فهذا معنى سقوط الاعتراض عن المطيع، وتوجهه على العاصي. وأما النقض على الخبر، فهو ما إذا قال: ما رأيت اليوم أحداً - وكان قد رأى جماعة - كان كلامه خلفاً منقوضاً وكذباً. فإن قال: أردت أحداً غير تلك الجماعة كان مستنكراً، وهذه إحدى صيغ العموم، فإن النكرة في النفي تعم عند القائلين بالعموم، ولذلك قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنِ شَىْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَّةَ بِهِ، مُوسَى نُورًا﴾ [سورة الأنعام، آية: ٩١] إنما أورد هذا نقضاً على كلامهم، فإن لم يكن عاماً فلم ورد النقض عليهم؟ فإنهم أرادوا غير موسى، فلم يلزم دخول موسى تحت اسم البشر. ٦٠ الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وأما الاستحلال بالعموم فإذا قال الرجل: أعتقت عبيدي أو إمائي، ومات عقيبه، جاز لمن سمعه أن يزوج من أي عبيده شاء أو يتزوج بأي جواريه بغير رضاء الورثة، وإذا قال: العبد الذين هم في يدي مِلْكُ فلان، كان ذلك إقراراً محكوماً به في الجميع، وبناء أمثال هذه الأحكام على العمومات في سائر اللغات لا ينحصر، ولا خلاف أنه لو قال: أنفق على عبدي غانم أو على زوجتي زينب، وله عبدان اسمهما غانم، وزوجتان اسمهما زينب، يجب المراجعة والاستفهام؛ لأنه أتى باسم مشترك غير مفهوم، فلو كان لفظ العموم مشتركاً فيما وراء أقل الجمع ينبغي أن يجب التوقف على العبد إذ أعطى ثلاثة ممن دخل الدار، وينبغي أن يراجع في الباقي، وليس كذلك عند العقلاء كلهم في اللغات كلها)) اهـ. وكان صاحب الكشف: ((وتمسك من قال بأن موجب العام قطعي بأن اللفظ متى وضع لمعنى، كان ذلك المعنى عند إطلاقه واجباً - أي: لازماً وثابتاً بذلك اللفظ - حتى يقوم الدليل على خلافه ثم صيغة العموم موضوعة له وحقيقة فيه، فكان معنى العموم واجباً وثابتاً بها قطعاً، حتى يقوم الدليل على خلافه، كما في الخاص، فإن مسماه ثابت به قطعاً لكونه موضوعاً له حتى يقوم الدليل على صرفه إلى المجاز)). فأما الاحتمال الذي ذكره الخصم فلا عبرة به أصلاً؛ لأنه إرادة في باطن المكلف، وهي غيب عنا، وليس في وسعنا الوقف عليها فلا يعتبر إلا أن يظهر دليل، فقبل ظهوره يكون موجبه ثابتاً قطعاً بمنزلة الخاص، فإن إرادة المجاز لما كانت غيباً لا يمكن الوقف عليها من غير دليل: كان موجبه ثابتاً قطعاً قبل ظهور الدليل. يوضحه أن ورود صيغة العموم على إرادة الخصوص من غير قرينة تدل عليه: يوهم التلبيس على السامع، ويؤدي إلى التكليف المحال ـ تعالى الله عن ذلك - فلا يجوز ورود العام على إرادة الخصوص، ولا ورود الخاص على إرادة المجاز من غير دليل يفهم السامع مراد الخطاب. قال القاضي الإمام أبو زيد تخلّفُهُ: ((الخصم مال إلى أن الإرادة مغيرة حكم الحقيقة لا محالة، واحتمال الإرادة ثابت حال التكلم، فيثبت احتمال التغير به إلا أن الله تعالى لما لم يكلفنا ما ليس في الوسع سقط اعتبار الإرادة في حق العمل، فلزمنا العمل بالعموم الظاهر دون ما لا نصل إليه من الإرادة الباطنة. وبقي احتمال الإرادة معتبراً في حق العلم: فلا نعلم قطعاً وإنه كلام حسن ولكن يجب أن نقول كذلك في حقيقة الخاص مع مجازه. والجواب عنه أن الله تعالى لما لم يكلفنا ما ليس في وسعنا، وليس في وسعنا