النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١
مقدمة
في الدين إذا تلقوا خبراً بالقبول، وأمراً بالتعامل، بحيث لا تجوز العادة اجتماعهم على
غلط أو خطأ: فهذا يفيد علماً يقينياً، أو قريباً من اليقين، بأن هذا الأمر أو الخبر مستند
إلى أصل صحيح؛ لأنهم لو لم يحصل عندهم العلم بصحته لما قبلوه أبداً، بل ردوه على
ناقليه، كما رد عمر رُّه على المخبرين بتطليق النبيّ وَّر أزواجه في قصة الإيلاء، وقال:
((أنا كنت استنبطت هذا الأمر)) كما في صحيح مسلم.
قال الشوكاني في إرشاد الفحول: ((وهكذا خبر الواحد - أي: يفيد العلم - إذا تلقته
الأمة بالقبول، فكانوا بين عامل به ومتأول له)).
وقال الإمام فخر الإسلام: ((المشهور: ما كان من الآحاد في الأصل، ثم انتشر
فصار ينقله قوم لا يتوهم تواطؤهم على الكذب، وهم القرن الثاني ومن بعدهم، وأولئك
قوم ثقات أئمة لا يتهمون، فصار بشهادتهم وتصديقهم بمنزلة المتواتر حجة من الله، حتى
قال الجصاص: إنه أحد قسمي المتواتر)).
وقال ابن تيمية كثّفُ في بحث إفادة ما في الصحيحين العلم: ((إن الخبر الذي تلقته
الأمة بالقبول تصديقاً له أو عملاً بموجبه يفيد العلم عند جماهير السلف والخلف، وهذا
في معنى المتواتر، لكن من الناس من يسميه المشهور والمستفيض)).
وقال عيسى بن أبان: ((يضلل جاحده ولا يكفر)) وهو الصحيح عندنا لأن المشهور
بشهادة السلف صار حجة للعمل به بمنزلة المتواتر، فصحت الزيادة به على كتاب
الله تعالى، وهو نسخ عندنا، وذلك مثل زيادة الرجم (في حق المحصن) لكنه لما كان من
الآحاد في الأصل ثبت به شبهة سقط بها علم اليقين، ولم يستقم اعتبارها في العمل،
فاعتبرناها في العلم؛ لأنا لا نجد وسعاً في رد المتواتر، وإنما يشك فيه صاحب
الوسواس، ونتحرج في رد المشهور؛ لأنه لا يمتاز عن المتواتر إلا بما يشق دركه (فيكون
من هذا الوجه كالمتواتر) لكن العلم بالمتواتر كان لصدق في نفسه (لانقطاع توهم الكذب
بالكلية) والعلم بالمشهور لغفلة عن ابتدائه وسكون إلى حاله، يعني إنما يحصل له العلم
بلا اضطراب وشبهة إذا غفل عن كونه خبر واحد في الأصل، وسكن إلى شهرته الحادثة
في الحال، وكونه مقبولاً عند العلماء البصراء، لكن لو تأمل في ابتدائه لاعتراه وهم،
وتخالجه شك، فلذلك سمي: علم طمأنينة، والعلم الحاصل بالمتواتر: علم يقين.
حجية أخبار الآحاد ومنها الغرائب والأفراد
العمل بخبر العدل واجب في العمليات؛ لأنه تواتر العمل به عن الصحابة رؤية في
٢٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقائع خرجت عن الإحصاء للمستقرين، يفيد مجموعها إجماعهم قولاً، أو كالقول على
إيجاب العمل عليها .
ومن مشهورها: عمل أبي بكر ظُه بخبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في
توريث الجدة. وعمل عمر رَظُله بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من مجوس،
وفي أمر الطاعون، وبخبر حمل بن مالك في إيجاب الغرة في الجنين، وبخبر الضحاك بن
سفيان في توريث المرأة في دية زوجها، وبخبر عمرو بن حزم في دية الأصابع، وبخبر
سعد بن أبي وقاص في المسح على الخفين، مع قوله في حديث الإيلاء الطويل: ((وكان
لي جار من الأنصار كنا نتناوب النزول إلى رسول الله (١) وَ لّ، قال: فينزل يوماً ويأتيني
بخبر الوحي وغيره، وأنزل يوماً فآتيه بمثل ذلك)). وعمل عثمان رَبُبه بخبر فريعة بنت
مالك بن سنان في إقامة المعتدة عن الوفاة في بيتها، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.
وأيضاً تواتر عنه وليه إرسال الآحاد إلى النواحي لتبليغ الأحكام، منهم: معاذ بن
جبل نظُه، ولو لم يكن(٢) قبول خبرهم لم يكن لإرسالهم معنى.
واستدل أيضاً بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآَيِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِ اُلِِّنِ
وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة، آية: ١٢٢] لأن الطائفة: القطعة،
وهي تصدق على الواحد، وقد جعل منذراً، ووجب الحذر بأخباره، ولولا قبول خبره لما
كان كذلك. والإنذار أعم من الإخبار والافتاء، فلا وجه لتخصيصه بالثاني.
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن موسىعليَّلا لما جاءه رجل من أقصى المدينة يسعى
فقال: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ بَأْتَمِّرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَأَخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ﴾ [سورة القصص، آية: ٢٠]
فخرج موسى منها خائفاً يترقب، ودعا الله أن ينجيه من القوم الظالمين. وليس هذا إلا
عمل بخبر الواحد، ولعله ارتقى إلى درجة اليقين بقرينة كونه مسبوقاً بقتل القبطي.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا
تَكْتُمُونَهُ﴾ [سورة آل عمران، آية: ١٨٧] قال البزدوي: ((فكان هذا أمراً بالبيان لكل واحد منهم،
ونهياً عن الكتمان؛ لأنهم إنما يكلفون بما في وسعهم، وليس في وسعهم أن يجتمعوا
ذاهبين إلى كل واحد من الخلق شرقاً وغرباً للبيان، فيتعين أن الواجب على كل واحد
منهم أداء ما عنده من الأمانة والوفاء بالعهد)).
(١) لفظ الجلالة ساقط من الطبعتين.
(٢) قوله: ((لم يكن)) وفي الطبعة الأولى الحجرية: ((لم يجب)).
٢٣
مقدمة
وفي الحديث: ((نضر الله امرأ سمع)) الحديث.
قال الحافظ: ((ومن حيث النظر أن الرسول وَلل بعث لتبليغ الأحكام، وصدق خبر
الواحد ممكن؛ فيجب العمل به احتياطاً، وإن إصابة الظن بخبر الصدوق غالبة، ووقوع
الخطأ فيه نادر؛ فلا تترك المصلحة الغالبة خشية المفسدة النادرة، وإن مبنى الأحكام على
العمل بالشهادة، وهي لا تفيد القطع بمجردها)).
قال الإمام فخر الإسلام: ((وأما المعقول فلأن الخبر يصير حجة بصفة الصدق،
والخبر يحتمل الصدق والكذب، وبالعدالة بعد أهلية الإخبار يترجح الصدق، وبالفسق
الكذب، فوجب العمل برجحان الصدق ليصير حجة للعمل، ويعتبر احتمال السهو
والكذب (من غير المعصوم) لسقوط علم اليقين، وهذا لأن العمل صحيح من غير علم
اليقين، ألا ترى أن العمل بالقياس صحيح بغالب الرأي، وعمل الحكام بالبينات صحيح
بلا يقين، فكذلك هذا الخبر من العدل يفيد علماً بغالب الرأي، وذلك كاف للعمل، وهذا
ضرب علم فيه شيء من الاضطراب، فكان دون علم الطمأنينة. وأما دعوى علم اليقين به
فباطل فلا شبهة؛ لأن العيان يرده)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: المشهور أن أخبار الآحاد مع تجردها عن القرائن
تفيد الظن، والمتواتر يفيد علم اليقين، ولنشرح لك معنى الظن:
قال الراغب: ((الظن اسم لما يحصل عن أمارة، ومتى قويت أدت إلى العلم، ومتى
ضعفت جداً لم يتجاوز حد التوهم، فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِهِمْ﴾ [سورة
البقرة، آية: ٤٦] وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُونَ أَنَّهُمْ تُلَقُواْ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٤٩] فمن
اليقين، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شٍَّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِلَّا أَنْبَعَ
الَِّنِ﴾ [سورة النساء، آية: ١٥٧] حيث أثبت فيه الظن مع إثبات الشك ونفي العلم، وقوله
تعالى: ﴿وَتَظُونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [سورة الأحزاب، آية: ١٠] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِىِ مِنَ الْحِّ
شَيْئًا﴾ [سورة النجم، آية: ٢٨] المراد به الأوهام الناشئة من غير دليل صحيح، فالظن الذي تفيده
أخبار الآحاد إنما هو القوي الراجح المقارب لليقين، لا الضعيف المرجوح الذي لا
يتجاوز حد التوهم، وهو نوع من العلم يدور عليه كثير من الأحكام الدينية، والمعاملات
الدنيوية، إلا أن هذا اللفظ لاشتراكه بين معنييه وشيوعه في معنى التوهم كثيراً ما يلبس
المراد على المحصلين، بل وعلى بعض العلماء الماهرين أيضاً، ولهذا حسن التحرز من
استعماله في مثل هذا المقام. ولله در الإمام فخر الإسلام حيث قال: ((فصار المتواتر
يوجب علم اليقين، والمشهور علم الطمأنينة، وخبر الواحد علم غالب الرأي، والمستنكر
٢٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(الأصولي) يفيد الظن (أي: التوهم) وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً)).
وحينئذٍ فالمتعبد بأخبار الآحاد إنما يقفوا ما له به علم، وليس هذا من اتباع الظن
المذموم في شيء، وقبول خبر الواحد من الضروريات الجلية وإنكاره مكابرة وجحود، لما
يجربه كل إنسان، ويجري عليه في أعماله وإرادته ليلاً ونهاراً، إلا أن هذا القبول ليس
معناه قبول كل خبر من أخبار الآحاد في كل مسألة أو واقعة؛ بل الوجدان الصحيح يحكم
بالفرق بين مدارج الخبر، والتفاوت بين مراتب ما يثبت به، ألا ترى أنك إذا أخبرك أحد
من الناس أن زيداً يدعوك، فلا يعتريك في قبول هذا الخبر تخالج وتردد! وإذا أخبرك ذاك
المخبر بعينه أن السلطان يدعوك إلى حفلته، اعتراك شيء من الاختلاج والانقباض، ولا
ينشرح صدرك لقبوله، حتى تلتمس القرائن والشواهد، وهذا مراد من قال: إن الشهادة
ينبغي أن تكون على قدر الدعوى، والدليل على وزان المدلول. وعلماءنا المحدثون
والفقهاء - رحمهم الله - ما كانوا ذاهلين عن هذا الأصل الجليل كما يظهر من قبولهم
الحديث الضعيف في الفضائل، وبعض الأحكام، دون سائرها، وتفريقهم بين روايات
السير وأحاديث الأحكام.
قال عبد الرحمن بن مهدي: ((إذا روينا عن النبيّ وَّلير في الحلال والحرام شددنا في
الأسانيد، وانتقدنا في الرجال، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب: سهلنا في
الأسانيد، وتسامحنا في الرجال)). وقال أحمد بن حنبل في رواية عباس الدوري عنه:
((ابن إسحاق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث - يعني المغازي ونحوها - وإذا جاء الحلال
والحرام أردنا قوماً هكذا، وقبض أصابع يديه الأربع)).
وعلى هذا الأصل بنى بعض الحنفية قولهم (وإن كان مردوداً عند أكثرهم) في خبر
من لم يعرف بالفقه، ولكنه معروف العدالة والضبط، إذا خالف خبره القياس. وقول
عامتهم في خبر من انفرد بالرواية فيما تعم به البلوى إذا كانت المسألة مسألة إيجاب،
وأفردوا في كتب الأصول باباً لبيان محل الخبر.
فما وقع من بعض السلف التردد في العمل بخبر الواحد في بعض الأحوال، فذلك
لأسباب خارجة عن كونه خبر واحد من: ريبة في الصحة، أو تهمة للراوي، أو وجود
معارض راجح منه، أو وروده في أمر مهم يبتغي فيه مزيد التثبت والاحتياط. ويطلب تأيده
بالقرائن، واستظهاره بالمتابعات والشواهد، أو نحو ذلك. وسيجيء تفصيل بعض تلك
الأخبار في مواضعها إن شاء الله تعالى.
قال الحافظ تثاثه: ((واحتج من رد خبر الواحد بتوقفه آر في قبول خبر ذي اليدين.
٢٥
مقدمة
ولا حجة فيه، لأنه عارض علمه، وكل خبر واحد إذا عارض العلم لم يقبل)).
وقال الشيخ ابن الهمام: ((كان توقفه للريبة في خبره إذ لم يشاركوه مع استوائهم في
السبب)).
قال تلميذه: ((فإنه ظاهر في الغلط، والتوقف في مثله وعدم العمل به: واجب
اتفاقاً)) اهـ.
احتجوا أيضاً بتوقف أبي بكر وعمر رضيها في حديثي المغيرة في الجدة وفي ميراث
الجنين، حتى شهد بهما محمد بن مسلمة، وبتوقف عمر رضي الله في خبر أبي موسى في
الاستئذان، حتى شهد له أبو سعيد، وبتوقف عائشة ري ◌ّا في خبر ابن عمر في تعذيب
الميت ببكاء الحي.
وأجيب بأن ذلك إنما وقع منهم إما عند الارتياب كما في قصة أبي موسى، فإِه أورد
الخبر عند إنكار عمر رالله عليه رجوعه بعد الثلاث وتوعده، فأراد عمر الاستثبات خشية
أن يكون دفع بذلك عن نفسه، وإما عند معارضة الدليل القطعي كما في إنكار عائشة رضيّا،
حيث استدلت بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [سورة فاطر، آية: ١٨]. وهذا كله إنما
يصح أن يُتمسك به من يقول: لا بد من اثنين عن اثنين، وإلا فمن يشترط أكثر من ذلك
فجميع ما ذكر قبل عائشة حجة عليه، لأنهم قبلوا الخبر من اثنين فقط، ولا يصل ذلك إلى
التواتر، والأصل عدم وجود القرينة؛ إذ لو كانت موجودة ما احتيج إلى الثاني.
قال الحافظ في الاستئذان: ((واستدل بقصة أبي موسى وعمر من ادعى أن خبر
العدل بمفرده لا يقبل حتى ينضم إليه غيره، كالشهادة، قال ابن بطال: وهو خطأ من
قائله، وجهل بمذهب عمر، فقد جاء في بعض طرقه أن عمر أنه قال لأبي موسى: ((أما
إني لم أتهمك، ولكن أردت أن يتجرأ(١) الناس على الحديث عن رسول الله (وَّة)). راجع
له فتح الباري (١١: ٣٠).
قلت: والصحيح أن عمر ظ﴿به كان عالماً بمشروعية الاستئذان ثلاثاً إلا أنه لم يكن
عنده علم بهذه الزيادة التي زادها أبو موسى من قوله {وَ *: ((فإن أذن لك وإلا فارجع)»
فكأنه من باب زيادة الثقة على حديث من هو أوثق منه، وهي مسألة مستقلة سيجيء
بيانها، أشار إلى هذا الجواب الترمذي في أبواب الاستئذان.
(١) قوله: ((أن يتجرأ)) كذا في الطبعتين للمقدمة، وفي فتح الباري المنقول عنه: ((أن لا يتجرأ الناس)). انظر
(١١: ٣٠) كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثاً.
٢٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقال الذهبي في ترجمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نظريته: ((ففي هذا دليل على
أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، وفي ذلك حثٌّ علی تکثیر
طرق الحديث لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم، إذ الواحد يجوز عليه النسيان
والوهم، ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد، وأما عدم اكتفاء أبي بكر نظ ◌ُته
بحديث المغيرة في مسألة الميراث فلأنه كان كثير الملازمة لمن روى عنه المغيرة - أعني
رسول الله وَ﴾ - وغزير المعرفة بالكتاب والسنن، ومع هذا لم يجد علماً مبثوثاً في أقرانه،
والمسألة كانت من باب الحقوق والمواريث، فأورث ذلك شيئاً من التخالج، فاستحب
التثبت فيه. قال الذهبي: فمراد الصديق التثبت في الإخبار والتحري، لاسد باب الرواية.
وأما إنكار أبي أيوب على محمود بن الربيع في حديثه عن عتبان بن مالك ((أن الله قد حرم
على النار من قال: ((لا إله إلا الله)) يبتغي بذلك وجه الله)) كما في باب صلاة النوافل
جماعة من صحيح البخاري: فأصل مضمون الحديث كان محفوظاً عند أبي أيوب بلفظه
أو أسهل من لفظه، كما ورد في مسند أحمد من طريق أبي ظبيان، ولعله خشي من محمود
نقصان الضبط أو قصور الفهم، وظن أن الحديث ما هو عنده، لا كما حدث محمود بن
الربيع، فهذا بالحقيقة راجع إلى مخالفة الثقة الضابط في ألفاظ الرواية لمن هو أضبط
وأجل وأعلى منه، والله أعلم)).
الأفراد والغرائب:
قد عرفت معنى ((الفرد)) و((الغريب)) في بيان أقسام الحديث، قال العلماء: الفرد
قسمان :
الأول: الفرد المطلق، بأن ينفرد به الراوي الواحد عن كل أحد من الثقات
وغيرهم، كحديث النهي عن بيع الولاء وهبته؛ فإنه لم يصح إلا من رواية عبد الله بن دينار
عن ابن عمر رضيه، حتى قال مسلم عقبه: ((الناس كلهم في هذا الحديث عيال عليه))
وحديث ابن عينية المخرج في الصحيحين عن عمرو بن دينار، عن أبي العباس الشاعر،
عن عبد الله بن عمر، في حصار الطائف، تفرد به ابن عيينة عن عمرو، وعمرة عن أبي
العباس، وأبو العباس عن ابن عمر،
وقال مسلم بن الحجاج في كتاب الأيمان والنذور من صحيحه (للزهري نحو تسعين
حرفاً یرویه ولا يشاركه فيه أحد بأسانید جیاد)).
والقسم الثاني: الفرد النسبي، وهو أنواع:
منها: ما يشترك الأول معه فيه، كإطلاق تفرد أهل بلد بما يكون راويه منها واحداً
٢٧
مقدمة
فقط، وتفرد الثقة بما يشترك معه في روايته ضعيف.
ومنها: ما هو مختص به، وهي تفرد شخص عن شخص، أو عن أهل بلد أو أهل
بلد عن شخص، أو عن بلد أخرى.
وقد قال ابن دقيق العيد: ((إذا قيل في حديث: تفرد به فلان عن فلان، احتمل أن
يكون تفرداً مطلقاً، واحتمل أن يكون تفرد به عن هذا المعين خاصة، ويكون مروياً عن
غير ذلك المعين. فلينتبه لذلك)) .
قال السيوطي شارحاً لما في التقريب: ((ينقسم الغريب إلى صحيح كأفراد الصحيح،
وإلى غيره أي: غير الصحيح وهو الغالب على الغرائب)).
قال أحمد بن حنبل: ((لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير، وعامتها عن
الضعفاء)) .
وقال مالك: ((شر العلم: الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس)).
وقال عبد الرزاق: ((كنا نرى أن غريب الحديث خير، فإذا هو شر)).
وقال ابن المبارك: ((العلم: الذي يجيئك من ههنا وههنا)) يعني: المشهور - رواها
البيهقي في المدخل .
وروى عن الزهري قال: ((حدثت علي بن الحسين بحديث، فلما فرغت قال:
أحسنت، بارك الله فيك، هكذا حدثنا. قلت: ما أراني إلا حدثتك بحديث أنت أعلم به
مني، قال: لا تقل ذلك، فليس من العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه
الألسن)).
وروى ابن عدي عن أبي يوسف قال: ((من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب
غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس)).
وينقسم أيضاً إلى غريب متناً وإسناداً، كما لو انفرد بمتنه راوٍ واحد، وإلى غريب
إسناداً لا متناً، كحديث معروف روى متنه جماعة من الصحابة انفرد واحد بروايته عن
صحابي آخر، وفيه يقول الترمذي: ((غريب من هذا الوجه)).
قال: ((ويدخل في الغريب ما انفرد راوٍ روايته أو بزيادة في متنه أو إسناده لم يذكرها
غيره)) .
وقد نبه مسلم بن الحجاج في مقدمة مسلم على ضابطة قبول الغرائب وزيادات
الثقات حيث قال: ((لأن حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به
٢٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما
رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئاً ليس عند
أصحابه: قبلت زيادته، فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته، وكثرة أصحابه
الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة - وحديثهما عند أهل العلم
مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره - فيروي
عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن
شاركهم في الصحيح مما عندهم: فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس والله
أعلم)).
زيادات الثقات :
زيادات الثقات من التابعين فمن بعدهم مقبولة عند المعظم من الفقهاء وأصحاب
الحديث. قال السخاوي: ((وهو ظاهر تصرف مسلم في صحيحه)) وقيل: لا تقبل مطلقاً،
وقيل بالتفصيل، فقسمها ابن الصلاح إلى ثلاثة أقسام:
((أحدها: ما يقع مخالفاً منافياً لما رواه سائر الثقات، فهذا حكمه: الرد.
الثاني: ما لا مخالفة فيه أصلاً، فيقبل.
الثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين وهي زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر
رواته: كحديث ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) تفرد أبو مالك الأشجعي عن سائر
رواته، فقال: ((وجعلت تربتها طهوراً)) فهذا القسم يشبه الأول لمنافاته لظاهر ما أتى به
الجمهور، ويشبه الثاني لكونه بالجمع بينهما صار كالواحد، وزوال التنافي)) انتهى كلام
ابن الصلاح، ولم يفصح بحكم هذا القسم. قال النووي: ((والصحيح قبول هذا الأخير)).
قال السخاوي: ((وأما شيخنا فإنه حقق تبعاً للعلائي أن الذي يجري على قواعد
المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مطرد من القبول والرد، بل يرجحون بالقرائن كما
في تعارض الوصل والإرسال، فهما على حد سواء)) اهـ.
ولنعم ما قال الحافظ جمال الدين الزيلعي الحنفي ◌ُّ في مبحث الجهر بالبسملة
من نصب الراية وهذا نصه:
((فإن قيل: قد رواها نعيم المجمر، وهو ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة. قلنا: ليس
ذلك مجمعاً عليه، بل فيه خلاف مشهور، فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقاً، ومنهم
من لا يقبلها، والصحيح التفصيل، وهو أنها تقبل في موضع دون موضع، فيقبل إذا كان
الراوي الذي رواها ثقة حافظاً ثبتاً، والذي لم يذكرها مثله أو دونه في الثقة، كما قبل
٢٩
مقدمة
الناس زيادة مالك بن أنس قوله: ((من المسلمين)) في صدقة الفطر، واحتج بها أكثر
العلماء، وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصها، ومن حكم في ذلك حكماً عاماً فقد غلط،
بل كل زيادة لها حكم يخصها :
ففي موضع يجزم بصحتها: كزيادة مالك، وفي موضع يغلب على الظن صحتها :
كزيادة سعد بن طارق في حديث: ((جعلت الأرض مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً))
وكزيادة سليمان التيمي في حديث أبي موسى: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) وفي موضع يجزم بخطأ
الزيادة: كزيادة معمر ومن وافقه قوله: ((وإن كان مائعاً فلا تقربوه)) وكزيادة عبد الله بن زياد
ذكر البسملة في حديث: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين)) وإن كان معمر ثقة،
وعبد الله بن زياد ضعيفاً، فإن الثقة قد يغلط.
وفي موضع يغلب على الظن خطأها: كزيادة معمر في حديث ماعز: ((الصلاة عليه))
رواها البخاري في صحيحه، وسئل: هل رواها غير معمر؟ فقال لا . وقد رواه أصحاب
السنن الأربعة عن معمر، وقال فيه: ((ولم يصل عليه)) فقد اختلف على معمر في ذلك،
والراوي عن معمر هو عبد الرزاق، وقد اختلف عليه أيضاً. والصواب أنه قال: ((ولم
یصل عليه)) .
وفي موضع يتوقف في الزيادة: كما في أحاديث كثيرة، وزيادة نعيم المجمر التسمية
في هذا الحديث مما يتوقف فيه، ((بل يغلب على الظن ضعفه)) هكذا في نصب الراية،
وفي المسألة تفصيل عند علماء الأصول، راجع له التحرير وشرحه.
تتمة :
قال السخاوي: ((الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على صحابي آخر إذا صح
السند مقبولة بالاتفاق)) اهـ أي: في حقنا والله أعلم.
تعارض الوصل والإرسال أو الرفع والوقف
إذا اختلف الثقات في الحديث بأن يرويه بعضهم مرسلاً وبعضهم موصولاً فالحكم
للوصل في أظهر الأقوال، وقيل: للإرسال عند أكثر أصحاب الحديث، وقيل: المعتبر ما
قاله الأكثر من وصل أو إرسال، وقيل: المعتبر ما قاله الأحفظ.
قال السخاوي: ((والظاهر أن محل الأقوال فيما لم يظهر فيه ترجيح، كما أشار إليه
شيخنا، وإلا فالحق حسب الاستقراء من صنيع متقدمي الفن كابن مهدي والقطان وأحمد
والبخاري عدم كون المراد حكماً كلياً، بل ذلك دائر مع الترجيح، فتارة يترجح الوصل،
٣٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وتارة الإرسال، وتارة يترجح عدد الذوات على الصفات، وتارة العكس، ومن راجع
أحكامهم الجزئية تبيّن له ذلك)).
وأما المسألة الثانية - أعني إذا تعارض الوقف والرفع، بأن يروي الحديث بعض
الثقات مرفوعاً وبعضهم موقوفاً - فقال أصحاب الحديث: إن الأصح أن الحكم للرفع،
لأن راويه مثبت، وغيره ساكت، ولو كان نافياً فالمثبت مقدم عليه، لأنه علم ما خفي
عليه. والقول الثاني أن الحكم لمن وقف، حكاه الخطيب أيضاً عن أكثر أصحاب
الحديث. وفيها قول ثالث أشار إليه ابن الجوزي في موضوعاته حيث قال: ((إن البخاري
ومسلماً رحمهما الله تركا أشياء، تركها قريب، وأشياء لا وجه لتركها، فمما لا وجه لتركه
أن يرفع الحديث ثقة فيقفه آخر، فترك هذا لا وجه له، لأن الرفع زيادة، والزيادة من الثقة
مقبولة، إلا أن يقفه الأكثرون ويرفعه واحد، فالظاهر غلطه، وإن من الجائز أن يكون
حفظ دونهم)) انتهى ونحوه قول الحاكم.
وأما إذا كان الاختلاف من راوٍ واحد في الرفع والوقف، فقال العراقي في تخريج
الإحياء: ((الصحيح الذي عليه الجمهور أن الراوي إذا روى الحديث مرفوعاً وموقوفاً
فالحكم للرفع، لأن معه في حالة الرفع زيادة، هذا هو المرجح عند أهل الحديث)) اهـ.
ونقل الماوردي عن الشافعي: ((أنه يحمل الموقوف على مذهب الراوي، والمسند
على أنه روايته)) - يعني فلا تعارض حينئذٍ -.
ونحوه قول الخطيب: ((اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث
ضعفاً؛ لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث ويرفعه إلى النبيّ وَّ مرة، ويذكره مرة
على سبيل الفتوى بدون رفع، فيحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعاً)).
وقال ابن حزم في المحلى: ((وهذا ليس بعلة، بل هو قوة للحديث إذا كان الصاحب
يرويه مرة عن النبيّ مَّر، ويفتي به أخرى)).
قال الزيلعي: ((وإذا رفع ثقة ووقفه آخر أو فعلهما شخص واحد في وقتين ترجح
الرافع؛ لأنه أتى بزيادة، ويجوز أن يسمع الرجل حديثاً فيفتي به في وقت ويرفعه في وقت
آخر، وهذا أولى من تغليط الراوي، والله أعلم)». ثم رد ابن حزم على البخاري كلامه في
حديث محمد بن فضيل في المواقيت. وقال البيهقي في المعرفة: ((وقد أنكر البخاري على
محمد بن ثابت رفع هذا الحديث، ورفعه غير منكر؛ فقد رواه الضحاك بن عثمان عن نافع
عن ابن عمر رضيًّا مرفوعاً، إلا أنه لم يذكر التيمم، ورواه يزيد بن عبد الله عن أسامة بن
الهاد، عن نافع، عن ابن عمر طًّا، فذكره بتمامه إلا أنه قال: ((مسح وجهه ويديه)) والذي
٣١
مقدمة
تفرد به محمد بن ثابت في هذا الحديث ذكر الذراعين، ولكن تيمم ابن عمر رضيًا (على
الوجه والذراعين، وفتواه بذلك: يشهد بصحة رواية محمد بن ثابت، لأنه لا يخالف
النبيّ وَّ﴾ فيما يرويه عنه، فدل على أنه حفظه عن النبيّ وَّر، وأن محمد بن ثابت حفظه
عن نافع، والله أعلم)) انتهى كلامه.
قال السخاوي: ((ثم إن محل الخلاف - كما قاله ابن عبد الهادي - إذا اتحد السند،
أما إذا اختلف فلا يقدح أحدهما في الآخر إذا كان ثقة جزماً، كرواية ابن جريج عن
موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر رضي ◌ُله رفعه: ((إذا اختلفوا، فإنما هو التكبير
والإشارة بالرأس)) الحديث في صلاة الخوف. ورواه ابن جريج أيضاً عن ابن كثير، عن
مجاهد من قوله، فلم يعدوا ذلك علة؛ لاختلاف السندين فيه، بل المرفوع في صحيح
البخاري. قال: ولشيخنا ((بيان الفصل لما رجح فيه الإرسال على الوصل)) و((مزيد النفع
لمعرفة ما رجح فيه الوقف على الرفع)).
خبر الواحد إذا خالف القياس ولو كان الراوي غير معروف بالفقه
إذا تعارض خبر الواحد والقياس بحيث لا جمع بينهما ممكن: قدم الخبر مطلقاً عند
الأكثر، منهم: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد رحمهم الله. وقيل: يقدم القياس، وقيل:
إذا كان راوي الخبر فقيهاً يقدم الخبر، وإلا فالقياس. والحق الذي ندين الله به هو
الأول.
قال العلامة عبد العزيز البخاري في الكشف: ((اعلم أن ما ذكرنا من اشتراط فقه
الراوي لتقديم الخبر على القياس مذهب عيسى بن أبان، واختاره القاضي الإمام أبو زيد،
وخرج عليه ((حديث المصراة)) و((خبر العرايا)) وتابعه أكثر المتأخرين. فأما عند الشيخ أبي
الحسن الكرخي ومن تابعه من أصحابنا: ليس فقه الراوي بشرط لتقديم خبره على
القياس، بل يقبل خبر كل عدل ضابط إذا لم يكن مخالفاً للكتاب والسنة المشهورة،
ويقدم على القياس)).
قال أبو اليسر: وإليه مال أكثر العلماء؛ لأن التغيير من الراوي بعد ثبوت عدالته
وضبطه موهوم، والظاهر أنه يروى كما سمع، ولو غيّر لغيّر على وجه لا يتغير المعنى،
هذا هو الظاهر من أحوال الصحابة والرواة العدول؛ لأن الأخبار وردت بلسانهم فعلمهم
باللسان يمنع من غفلتهم عن المعنى وعدم وقوفهم عليه، وعدالتهم وتقواهم تدفع تهمة
التزايد عليه والنقصان عنه.
٣٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قال: ولأن القياس الصحيح هو الذي يوجب وهناً في روايته، والوقوف على
القياس الصحيح متعذر، فيجب القبول كيلا يتوقف العمل بالأخبار. واستدل غيره على
صحة هذا القول بأن عمر رّله قبل حديث حمل بن مالك في الجنين وقضى به، وإن كان
مخالفاً للقياس؛ لأن الجنين إن كان حياً وجبت الدية كاملة، وإن كان ميتاً لا يجب فيه
شيء، ولهذا قال: ((كدنا أن نقضي فيه برأينا وفيه سنة رسول الله (وَ ل9)) وقيل أيضاً خبر
الضحاك في توريث المرأة من دية زوجها، وكان القياس خلاف ذلك، لأن الميراث إنما
يثبت فيما كان يملكه المورث قبل الموت، والزوج لا يملك الدية قبل الموت؛ لأنها
تجب بعد الموت، ومعلوم أنهما لم يكونا من فقهاء الصحابة، وله شواهد كثيرة، ولم
ينقل هذا القول عن أصحابنا أيضاً بل المنقول عنهم: أن خبر الواحد مقدم على القياس،
ولم ينقل التفصيل، ألا ترى أنهم عملوا بخبر أبي هريرة رَظُه في الصائم إذا أكل أو شرب
ناسياً وإن كان مخالفاً للقياس؟! حتى قال أبو حنيفة رحمه: ((لولا الرواية لقلت بالقياس)).
ونقل عن أبي يوسف ربه في بعض أماليه: أنه أخذ بحديث المصراة، وأثبت
الخيار للمشتري، وقد ثبت عن أبي حنيفة ربه قال: ((ما جاءنا عن الله وعن رسوله فعلی
الرأس والعين)) ولم ينقل عن أحد من السلف اشتراط الفقه في الراوي، فثبت أن هذا
القول مستحدث .
وأجاب عن حديث المصراة والعرية وأشباههما فقال: ((إنما ترك أصحابنا العمل بها
لمخالفتها الكتاب أو السنة المشهورة، لا لفوات فقه الراوي، وإن حديث المصراة
مخالف لظاهر الكتاب والسنة، وحديث العربة مخالف للسنة المشهورة، وهي قوله روَاية:
((والتمر بالتمر مثلاً بمثل كيلا يكيل)) على أنا لا نسلم أن أبا هريرة رَظُته لم يكن فقيهاً، بل
كان فقيهاً، ولم يعدم شيئاً من أسباب الاجتهاد، وقد كان يفتي في زمان الصحابة، وما
كان يفتي في ذلك الزمان إلا فقيه مجتهد، وكان من علية أصحاب رسول الله وآ له وظپمن،،
وقد دعا النبيّ # له بالحفظ فاستجاب الله تعالى له فيه، حتى انتشر في العالم ذكره
وحديثه)) .
وقال إسحاق الحنظلي: ((ثبت عندنا في الأحكام ثلاثة آلاف من الأحاديث، روى
أبو هريرة منها ألفاً وخمس مائة)). وقال البخاري: ((روى عنه سبع مائة نفر من أولاد
المهاجرين والأنصار، وقد روى جماعة من الصحابة عنه)) فلا وجه إلى رد حديثه
بالقياس.
قال في التحرير وشرحه: ((وعورض دعوى تقديم الخبر على القياس بمخالفة ابن
٣٣
مقدمة
عباس خبر أبي هريرة مرفوعاً: ((توضؤوا مما مسته النار ولو من أثوار أقط)) إذ قال له ابن
عباس: ((يا أبا هريرة أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم))؟ فقال أبو هريرة: ((يا ابن
أخي! إذا سمعت حديثاً عن النبيّ وَل# فلا تضرب له مثلاً)) رواه الترمذي. وبمخالفته هو
- أي ابن عباس - وعائشة خبر أبي هريرة المتفق عليه في المستيقظ، وهو قوله {مَا﴾: ((إذا
استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخل في وضوءه؛ فإن أحدكم لا يدري أين
باتت يده) وقالا : - أي: ابن عباس وعائشة -: ((كيف نصنع بالمهراس)»؟ (وهو حجر منقور
مستطيل عظيم كالحوض لا يقدر أحد على تحريكه، ذكره أبو عبيد عن الأصمعي) أي:
إذا كان فيه ماء، ولم تدخل فيه اليد، فكيف نتوضأ منه، ولم ينكر إنكارهما. فكان العمل
بالقياس عند معارضة الخبر له إجماعاً. قلنا: ذلك - أي: المخالفة المذكورة - للاستبعاد
الخصوص المروي لظهور خلافه، أما في الأول فلتأديته إلى أن يكون المصحح مبطلاً،
وأما في الثاني فلأدائه إلى ترك الوضوء مع وجود الماء، على أن ما عن عائشة وابن
عباس، قال شيخنا الحافظ: لا وجود له في شيء من كتب الحديث، وإنما الذي قال هذا
لأبي هريرة رجل يقال له: قين الأشجعي، وكلامه هذا وقع لغيره مثله، فأخرج ابن أبي
شيبة من طريق الشعبي، قال: ((وكان أصحاب عبد الله - يعني ابن مسعود رضيالله - يقولون:
ماذا يصنع أبو هريرة بالمهراس)) وليس الخلاف للاستبعاد المذكور من محل النزاع، أي:
معارضة القياس بخبر الواحد، لا أن ذلك منه لتركه خبر الواحد بالقياس، على أنه لا
قياس ينافي وجود غسل اليد قبل الإدخال في الإناء، ولا قياس يقتضي غسل اليد من
المهراس» اهـ.
خبر الواحد فيما تعم به البلوى
خبر الواحد فيما تعم به البلوى - أي: فيما يحتاج إليه الكل حاجة متأكدة مع كثرة
تكرره - لا يثبت به وجوب دون اشتهاره وتلقي الأمة له بالقبول عند عامة الحنفية، ومثلوه
بحديث: ((من مس ذكره فليتوضأ)» الذي روته بسرة بنت صفوان، كما أخرجه أصحاب
السنن، وصححه أحمد وغيره؛ فإن نواقص الوضوء يحتاج إلى معرفتها الخاص والعام،
وهذا السبب كثير التكرر، وخبره هذا لم يشتهر، ولم يتلقه الأمة بالقبول، بل قال شمس
الأئمة السرخسي: ((إن بسرة انفردت بروايته، فالقول بأن النبيّ وَّ* خصها بتعليم هذا
الحكم مع أنها لا تحتاج إليه، ولم يعلم سائر الصحابة مع شدة حاجتهم إليه: شبه
المحال)) انتهى. ولم يسلم طريق غيرها من تضعيف، والأكثر من الأصوليين والمحدثين:
يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى إذا صح إسناده بلا اشتراط اشتهاره وتلقي الأمة له
بالقبول.
٣٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قال الأحناف: إن العادة قاضية بتنقيب المتدينين وبحثهم عن أحكام ما اشتدت
حاجتهم إليه لكثرة تكرره وكون حكمه وجوباً متحتماً، وبإلقائه إلى الكثير منهم دون
الواحد والإثنين، ويلزمه شهرة الرواية والقبول، فعدم أحدهما دليل الخطأ أو النسخ، ألا
ترى أن المتأخرين لما قبلوا اشتهر فيهم، فلو كان ثابتاً في المتقدمين لاشتهر أيضاً، ولَمَا
تفرد الواحد بنقله مع حاجة العامة إلى معرفته، ولهذا لم تقبل شهادة الواحد من أهل
المصر على رؤية هلال رمضان إذا لم تكن بالسماء علة، وليس المراد بالإلقاء إلى الكثير
إلقاءه وَّر، بل ما هو أعم منه ومن إلقاء السامع. والمقصود أن العادة قاضية بأن حكم
حادثة ابتلي الأكثر بها ويفعلون فعلاً لو كان الخبر مخالفاً لفعلهم لعلموا البتة، ولو من
رواية واحد، وتلقوا الخبر بالقبول، فإذا لم يعلموا الخبر أو علموا ولم يتلقوا بالقبول:
علم أن الخبر غير صالح للعمل والاحتجاج، وهو المراد بالرد، كذا قالوا.
قلت: ولعلهم أرادوا أن خبر الواحد فيما تكثر به البلوى، وإن كان من حيث إسناده
مقبولاً مفيداً الظن، إلا أن هناك قرينة تورث نوعاً من الارتياب والتحرج، لا ينشرح معه
القلب لقبوله إذا نظر إليها. فإن العادة تقضي في مثله الإلقاء إلى الكثير لحاجتهم إلى
معرفة حكم ما ابتلوا به، وعدم ترخصهم عن القعود عنه، ولم يوجد، فهذا يقدح في غلبة
الظن المفادة بالإسناد. فلا جرم أنا نلتمس ما يزيل هذا الارتياب والتوقف، فإن وجدنا
اشتهاره وتلقي الأمة له بالقبول اطمأنت به قلوبنا؛ لأنه دليل على أن الحكم الثابت بهذا
الخبر لم يكن عندهم غريباً من قبل، وإلا لاستوحشوا من سماعه، ولم يظهر منهم قبول،
ولا يستبعد كونه مروياً عن الآحاد؛ لأن اللازم لكونه تعم به البلوى إنما هو علم الحكم
للكثير، لا روايته لهم إلا عند الاستفسار (والأولون كانوا مقلين في الاستفسار والتساؤل
لا سيّما في زمان تنزيل الوحي وتدرج الأحكام) أو يكتفي برواية البعض مع تقرير
الآخرين، وإن لم يوجد الاشتهار والتقي حملناه على محمل دون الإيجاب، كما يدل عليه
قولهم: ((لا يثبت الوجوب)) ويظهر من صنيعهم في أمثال هذه الأخبار فإنهم لا يتركونها
هملاً، بل يجعلون لها محامل صحيحة نازلة من الوجوب. كما قال بعضهم في حديث
بسرة: إنه محمول على الاستحباب، وحديث طلق: على الإباحة، والله أعلم.
ثم إن تلقى الأمة بالقبول أصل كبير عند الحنفية والمالكية رحمهم الله، ومعيار
عظيم لقبول الاخبار ورّدها، كما بسطه الإمام الشاطبي في مواضع من ((موافقاته)).
وقال ابن عبد البرَّ في ((الاستذكار)) لما حكي عن الترمذي: أن البخاري صحح
٣٥
مقدمة
حديث البحر: ((هو الطهور ماءه)) وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده: ((لكن الحديث
عندي صحيح، لأن العلماء تلقوه بالقبول)).
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ((ثم حكم ابن عبد البر مع ذلك (أي: مع نفي
تصحيح حديث أبي هريرة في ماء البحر) بصحته لتلقي العلماء له بالقبول، فرده من حيث
الإسناد، وقبله من حيث المعنى، وقد حكم بصحة جملة من الأحاديث لا تبلغ درجة هذا
ولا تقاربه)).
المتابعات والشواهد
تقدم تعريف ((المتابع)) و((الشاهد)) مع أمثلتهما في بيان أقسام الحديث. وليعلم أنه لا
انحصار للمتابعات والشواهد في الثقة ولذا قال ابن الصلاح: ((إنه قد يدخل في باب
المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده، بل يكون معدوداً في الضعفاء، وفي
كتابيّ البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد، وليس كل
ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدارقطني: ((فلان يعتبر به، وفلان لا يعتبر به)) وقد
فصلوه في باب مراتب تعديل الرواة وتجريحهم ولمسلم كَُّ في الجرح والتعديل كتاب
مستقل سماه ((رواة الاعتبار)) وموضعه ظاهر من اسمه. قال بعض العلماء: ((وإنما يدخلون
الضعفاء لكون المتابع لا اعتماد عليه، وإنما الاعتماد على من قبله، وقال بعضهم: إنه لا
انحصار له في ذلك بل قد يكون كل من المتابع والمتابع لا اعتماد عليه إلا أن
باجتماعهما تحصل القوة)).
قال العلامة الجزائري في أواخر توجيه النظر: ((قال بعض المحققين: اعلم أن مدار
الرواية على عدالة الراوي وضبطه، فإن كان مبرزاً فيهما فحديثه صحيح، وإن كان دون
المبرز فيهما أو في أحدهما لكنه عدل ضابط بالجملة فحديثه حسن، ثم العدالة والضبط
إما أن يوجدا في الراوي، أو ينتفيا، أو يوجد أحدهما دون الآخر، فإن وجدا في الراوي
قبل حديثه، وإن انتفيا فيه لم يقبل حديثه، وإن وجدت فيه العدالة دون الضبط لم يرد
حديثه لعدالته، ولم يقبل لعدم ضبطه، بل يتوقف فيه، إلا أن يظهر ما يتوجب رجحان
جانب الرد فيرد، أو رجحان جانب القبول فيقبل. ومن ذلك أن يوقف له على شاهد
يحصل به جبر الضعف الذي في راوية من جهة الضبط، وإن وجد فيه الضبط دون العدالة
لم يقبل حديثه، لأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية)).
ثم كل واحد من العدالة والضبط له مراتب: عليا، ووسطى، ودنيا. ويحصل من
تركيب بعضها مع بعض مراتب للحديث مختلفة في القوة والضعف.
٣٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وهنا أمر مهم يعد عند العارفين به من أهل هذا الفن من قبيل المضنون به على غير
أهله وهو: أنه لا ينبغي ترك الرواية عن الموسومين بسوء الحفظ وقلة الإتقان - كما يتوهمه
غير العارف بل في الرواية عنهم فائدة عظيمة عند الجهابذة النقاد، ولذلك كانوا حريصين
على ذلك. قال: وتتبين لك الفائدة فيما نحن فيه من حيث أنا نفرض اثنين من القسم
الأول - وهي الدرجة العليا في الحفظ والإتقان - اختلفا في حديث، فرواه أحدهما على
وجه، والآخر على وجه آخر، فإنه يعترينا حيرة في الأمر، فإذا رأينا بعد ذلك أحداً ممن
شاركهما في الأخذ عن ذلك الإمام وإن كان موسوماً بسوء الحفظ والإتقان قد رواه على
وجه الذي رواه أحدهما فإنها تترجح روايته على رواية الآخر في الغالب وينسب المنفرد
بالرواية الأخرى للوهم في هذا الموضع فقد أفادت رواية هذا الضعيف تقوية رواية أحد
القويين على الآخر، بل لو فرضنا أن أحد الروايين من رواية الآخر في الغالب، وينسب
المنفرد بالرواية الأخرى للوهم في هذا الموضع، فقد أفادت القسم الأول وهي الدرجة
العليا - والآخر من القسم الثالث - وهي الدرجة الدنيا - ورأينا الراوي الضعيف قد وافقت
روايته: نرجحها في الغالب على الرواية التي انفرد بها من كان في الدرجة العليا، فيكون
من قبيل قولهم: ((وضعيفان يغلبان قوياً))، وإنما قلنا ((في الغالب)) لأنه قد تقع موانع من
ذلك ولا يدركها إلا الجهابذة، وقليل ما هم، فينبغي لغيرهم أن لا يزاحموهم في هذا
الموضع؛ فإنه من مزالّ الأقدام. ومبني هذا على أن ليس كل ما يرويه الحافظ المتقن
صواباً لاحتمال أن يكون قد زل في بعض المواضع، وإن كان منه ذلك قليلاً، وليس كل
ما يرويه غير الحافظ المتقن خطأ لإصابته في كثير من المواضع، والعاقل اللبيب هو الذي
يسعى لمعرفة صواب كل فريق ليأخذ به، وقد بلغت البراعة ببعض الجهابذة إلى أن كانوا
يعرفون صدق الراوي من كذبه، ولهذا كان بعضهم يروي عن بعض من يتهم بالكذب،
وكان ينهى الناس عن الرواية عنه، ولما استغرب ذلك منه وقيل له: أنت تروي عنه؟ قال:
أنا أعرف صدقه من كذبه، إلا أن هذا أمر لا يخلو عن غرر وربما كان فيه خطر)) اهـ.
قال النووي تَّلُ في مقدمة الشرح: ((وإذا انتقت المتابعات، وتمحض فرداً، فله
أربعة أحوال :
حال: يكون مخالفاً لرواية من هو أحفظ منه، فهذا ضعيف، ويسمى شاذاً ومنكراً.
وحال: لا يكون مخالفاً، ويكون هذا الراوي حافظاً ضابطاً متقناً، فيكون صحيحاً .
وحال: يكون قاصراً عن هذا، ولكنه قريب من درجته، فيكون حديثه حسناً.
وحال: يكون بعيداً عن حاله، فيكون شاذاً منكراً مردوداً .
:.
٣٧
مقدمة
فتحصل أن الفرد قسمان: مقبول ومردود. والمقبول ضربان: فرد: لا يخالف
وراويه كامل الأهلية، وفرد: هو قريب منه، والمردود أيضاً ضربان: فرد: مخالف
للأحفظ، وفرد: ليس في راويه من الحفظ والإتقان ما يجبر تفرده، والله أعلم)).
الحديث الصحيح
الحديث الصحيح: ((هو الحديث الذي يكون متصل الإسناد من أوله إلى منتهاه،
بنقل العدل الضابط عن مثله، ولا يكون فيه شذوذ، ولا علة)).
فخرج بقولهم: ((الذي يكون متصل الإسناد)): ما لم يتصل إسناده، وهو المنقطع،
والمرسل، والمعضل. وبقولهم: ((بنقل العدل)): ما في سنده من لم تعرف عدالته، وهو
من عرف بعدم العدالة، أو من جهلت حاله، أو لم يعرف من هو. وبـ((الضابط)): غير
الضابط، وهو كثير الخطأ. فإن ما يرويه لا يدخل في حد الصحيح، وإن عرف هو
وبالصدق والعدالة، وبقوله: ((ولا يكون فيه شذوذ)): ما يكون فيه شذوذ، والشذوذ:
مخالفة الثقة في روايته من هو أرجح منه عند تعسر الجمع بين الروايتين. وبقولهم: (ولا
علة)): ما يكون فيه علة، والمراد بالعلة هنا أمر يقدح في صحة الحديث، ولما كان من
العلل ما لا يقدح في ذلك قيد بعضهم العلة ((بالقادحة)) فقال: ((ولا علة قادحة)) ومن أطلق
العبارة اكتفى بدلالة الحال على ذلك، ولكلّ وجهة.
وما ذكر هو حد الحديث الذي يحكم له بالصحة أهل الحديث بلا خلاف بينهم،
وأما اختلافهم في صحة بعض الأحاديث فهو إما لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف
فيه، وإما لاختلافهم في اشتراط هذه الأوصاف، كما في المرسل، وسيجيء بيانه في
فصل مستقل إن شاء الله تعالى.
العدالة
العدالة مصدر عَدُلَ بالضم، يقال: عدل فلا عدالة وعدولة، فهو عدل، أي: رضا
ومقنع في الشهادة. والعدل يطلق على الواحد وغيره، يقال: هو عدل، وهما عدل، وهم
عدل. ويجوز أن يطابق فيقال: هما عدلان، وهم عدول. وقد يطابق في التأنيث فيقال:
امرأة عدلة .
وأما العدل الذي هو ضد الجور فهو مصدر قولك: عَدَلَ في الأمر، فهو عادل،
وتعديل الشيء تقويمه، يقال: عدّله تعديلاً فاعتدل، أي: قومه فاستقام، وكل مثقف
معدل، وتعديل الشاهد نسبته إلى العدالة.
٣٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقد فسر العدالة بأنها: ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر، والاصرار على الصغائر.
وقال بعضهم: هي ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر وعن فعل صغيرة تشعر بالخشة، .. .
٠٠
كسرقة باقة بقل.
وقال بعضهم: من كان الأغلب من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته وروايته،
ومن كان الأغلب من أمره المعصية وخلاف المروءة ردت شهادته وروايته.
وقال الغزالي في المستصفى: ((العدالة في الرواية والشهادة عبارة عن استقامة السيرة
في الدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس، تحمل على ملازمة التقوى
والمروءة جميعاً، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه، فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى
خوفاً وإزعاجاً عن الكذب، ثم لا خلاف في أنه لا تشترط العصمة من جميع المعاصي،
ولا يكفي أيضاً اجتناب الكبائر، بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة. وتطفيف في حبة
قصداً)).
وبالجملة كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يجترىء على الكذب للأغراض
الدنيوية، كيف! وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة،
نحو: الأكل في الطريق، والبول في الشارع، وصحبة الأرذال، والإفراط في المزاح،
والضابط في ذلك فيما جاوز محل الاجماع أن يرد إلى اجتهاد الحاكم، فما دل عنده على
جراءته على الكذب رد الشهادة به، وما لا فلا. وهذا يختلف بالإضافة إلى المجتهدین،
وتفصيل ذلك من الفقه، لا من الأصول، ورب شخص يعتاد الغيبة ويعلم الحاكم أن ذلك
له طبع لا يصبر عنه، ولو حمل على شهادة الزور لم يشهد أصلاً، فقبوله شهادته بحكم
اجتهاده جائز في حقه، ويختلف ذلك بعادات البلاد واختلاف أحوال الناس في استعظام
بعض الصغائر دون بعض)) اهـ.
وقال الجويني: ((الثقة هي المعتمد عليها في الخبر، فمتى حصلت الثقة بالخبر قُبِل))
وهذا القول وأمثاله وإن كان مخالفاً لما عليه الجمهور في الظاهر، فهو المعمول عليه عند
الجهابذة في الباطن. كذا في توجيه النظر.
وقال الشيخ ابن الهمام كثّفُهُ: ((أدناها - أي العدالة - ترك الكبائر، والاصرار على
صغيرة (أي: بأن تتكرر منه الصغيرة تكراراً يشعر بقلة مبالاته بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة
بذلك) و(ترك) ما يخل بالمروءة)). وسيأتي تعريف الكبيرة والصغيرة في شرح كتاب
الإيمان إن شاء الله تعالى.
والدليل على اشتراط العدالة في قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُوْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنْبَلِ
٠٠٠
٣٩
مقدمة
فَتَبَيَُّواْ﴾ [سورة الحجرات، آية: ٦] وقوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [سورة الطلاق، آية: ٢] وفي
الحديث: ((لا تأخذوا العلم إلا ممن تقبلون شهادته))، رواه البيهقي في المدخل من حديث
ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً. وروى أيضاً من طريق الشعبي عن ابن عمر عن عمر قال:
((كان يأمرنا أن لا نأخذ إلا عن ثقة)). وقال النخعي: ((كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه
نظروا إلى سمعته، وإلى صلاته، وإلى حاله، ثم يأخذون عنه)).
قال صاحب الكشاف شارحاً لما قال الإمام فخر الإسلام: ((خبر الفاسق في الدين
- أي: نقله للحديث - غير مقبول أصلاً، سواء وقع في قلب السامع صدقه أم لا؛ لأن
الخبر إنما يصير حجة بترجح الصدق فيه، وبالفسق يزول ترجحه، بل يترجح جانب
الكذب فيه؛ لأنه لما لم يمنعه العقل والدين عن ارتكاب محظور الدين لا يمنعانه عن
الكذب أيضاً؛ فلا يكون خبره حجة، بخلاف إخباره عن حرمة طعام أو حله، أو نجاسة
ماء أو طهارته، حيث يقبل إذا تأيد بأكبر الرأي، لأن ذلك - أي: الحل والحرمة،
والنجاسة والطهارة - أمر خاص بالنسبة إلى رواية الحديث، ربما يتعذر الوقوف عليه من
جهة غيره لحصول العلم له بذلك دون غيره، فتقبل إذا انضم إليه التحري - أي: تحكيم
الرأي - الضرورة، فأما لههنا - أي: في رواية الحديث - فلا ضرورة في المصير إلى قبول
روايته؛ لأن في العدول الذين تلقوا نقل الأخبار كثرة تمكن الوقوف على معرفة الحديث
بالسماع منهم، فلا حاجة إلى الاعتماد على خبر الفاسق)).
ولفظ الإمام فخر الإسلام: ((فأما لهُهنا فلا ضرورة في المصير إلى روايته، وفي
العدول كثرة، وبهم غنية)) اهـ.
وليحفظ هذا اللفظ الأخصر الأبلغ، فإنه منبه على وجه الفرق بين روايات الحديث
وبين عامة الأخبار والشهادات، وعاصم من الوقوع في الالتباس والاختلاط الذي وقع فيه
كثير من الأكابر الثقات، والله الموفق.
قال العلامة الجزائري: ((والصحيح أن العدالة كالضبط، تقبل الزيادة والنقصان،
والقوة والضعف، وقد أشار إلى ذلك علماء الأصول في باب الترجيح في الأخبار،
وصرح العلامة نجم الدين سليمان الطوفي في شرح الأربعين حيث قال: ((إن مدار الرواية
على عدالة الراوي وضبطه، فإن كان مبرزاً فيهما كشعبة وسفيان ويحيى القطان ونحوهم
فحديثه صحيح، وإن كان دون المبرز فيهما أو في أحدهما لكنه عدل ضابط بالجملة
فحديثه حسن)) هذا أجود ما قيل في هذا المكان، والذي أوجب خفاء تفاوت العدالة عند
بعض العلماء: أنهم رأوا أن أئمة الحديث قلما يرجحون بها، وإنما يرجحون بأمول تتعلق
٤٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بالضبط وسبب ذلك أنهم رأوا أن الترجيح بزيادة العدالة يوهم الناس أن الراوي الآخر
غير عدل، فيسوء به ظنهم، ويشكون في سائر ما يرويه، وقد فرض أنه عدل ضابط)) كذا
في توجيه النظر.
وقد ورد في البخاري عن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص عن النبيّ وَّ
((أنه مسح على الخفين، وأن عبد الله بن عمر رظُه سأل عمر فقال: نعم، إذا حدثك شيئاً
سعد عن النبيّ ◌َ﴿ فلا تسأل عنه غيره)). قال الحافظ: ((وفيه دليل على أن عمر ظُه كان
يقبل خبر الواحد، وما نقل عنه من التوقف إنما كان عند وقوع ريبة له في بعض
المواضع، واحتج به من قال بتفاوت رتب العدالة ودخول الترجيح في ذلك عند
التعارض، ويمكن إبداء الفارق في ذلك بين الرواية والشهادة)) اهـ.
قال في التحرير وشرحه: ((ومثله - أي: الفاسق - المستور، وهو من لم تعرف عدالته
ولا فسقه، في القول الصحيح، فلا يكون خبره حجة حتى تظهر عدالته)).
المروءة
أما المروءة التي أشرنا إلى اعتبارها في تعريف العدالة فقد اعترض بعض العلماء
على إدخالها في حد العدالة؛ لأن جلها يرجع إلى مراعاة العادات الجارية بين الناس،
وهي مختلفة باختلاف الأزمنة والأمكنة والأجناس، وقد يدخل في المروءة عرفاً ما لا
يستحسن في الشرع، ولا يقتضيه الطبع، على أن المروءة من الأمور التي يعسر معرفة
حدها على وجه لا يخفى.
قال بعضهم: المروءة: الإنسانية. وقال بعضهم: المروءة: كمال المرء، كما أن
الرجولية: كمال الرجل. وقال بعضهم: المروءة هي: قوة النفس تصدر عنها الأفعال
الجميلة المستتبعة للمدح شرعاً وعقلاً وعرفاً، ولعل المروءة بهذا المعنى هو الذي أراده
من قال:
فقلت على ما تنتحب الفتاة
مررت على المروءة وهي تبكي
جميعاً دون كل الخلق ماتوا
قالت كيف لا أبكي وأهلي
وقال بعض الفقهاء: المروءة: صون النفس عن الأدناس، ورفعها عما يشين عند
الناس.
وقيل: سير المرء بسيرة أمثاله في زمانه، فمن ترك المروءة: لُبْس الفقيه القباء
والقلنسوة وتردده فيهما بين الناس في البلاد التي لم تجر عادة الفقهاء بلبسهما فيه، ومنه: