النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوسُ معَة
67
يُشْرِكٍ صَحِيٌ الإِمامُ مْلِم ◌َ الحَ جَعُ الْقُشْرِيَُّ
تأليف
الشَّيخ شَبِيرُ أحمَ العثماني ◌ُ
م. محمد التد
تَعَلَيُقَاتٌ
العُلّمَةَ المُفْتِ حَمَّدْ رَفِيِّع العُثماني
التّخْرِيح وَالتَّقِيمُ
نورُ البَشَرَيْنُ نُورُ الحَقْ
مُراجَعَة وتدقيقُ وتَكَمَة
يَحْمُودٌ شَاكِرُ
مقدمة المؤلف - كتاب الإيمان
الجزء الأول
دار الضياء
جولي 2658180
دولة الكويت

جميع الحقوق محفوظة للناشر
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار إحياء التراث العربي
بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزءاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على
إسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Copyright @
All rights reserved
All rights of this publication are reserved exclusively to DAR
EHIA AL -TOURATH AL-ARABI Beirut - Lebanon. No part of
this publication may be translated, reproduced, photocopied, pho-
tagraphed, taped on audio cassettes, or stored in a data base or
saved on a retrievable system distributed in any form or by any
means, without the prior written permission of the publisher.
الطبعة الأولى
1426 هـ - 2006 م
دار إحياء التراث العربي
بيروت - لبنان
بيروت - لبنان - بناية كليوبترا - شارع دكاش
ص.ب: 11/7957 الرمز البريدي: 2250 1107
هاتف: 540000 - 544440 فاكس: 850717
Beirut - Liban - Imm Kileopatra - Rue Dakkache
P.O.Box 11\7957 Postal Code 1107 2250
Tel.Off: 544440 - 540000 Fax: 850717

สัง
د

٥
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد
خاتم النبيين، وإخوانه من الأنبياء والمرسلين السالفين، وعلى آله وأصحابه الطيبين
الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته أجمعين، إلى يوم الدين.
وبعد: فهذه فصول نافعة مهمة في بيان مبادىء علم الحديث وأصوله التي يعظم
نفعها، ويكثر دورانها، انتقيتها من الكتب المعتبرة عند علماء هذا الشأن، مع بعض
زيادات مفيدة سنحت لي في أثناء التأليف؛ فأحببت أن أجعلها كالمقدمة للشرح؛ ليكون
الناظر على بصيرة فيما يتضمن عليه الكتاب من مباحث الحديث: متونه وأسانيده، وبالله
التوفيق .
الحديث والخبر والأثر
الحديث :
قال السيوطي: ((أصله ضد القديم، وقد استعمل في قليل الخبر وكثيره؛ لأنه يحدث
شيئاً فشيئاً)).
وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: ((المراد بالحديث - في
عرف الشرع - ما يضاف إلى النبيّ وَلير، وكأنه أريد به مقابلة القرآن لأنه قديم)).
والذي يظهر للعبد الضعيف - والله تعالى أعلم -: أن إطلاق الحديث على ما يضاف
﴾ [سورة الضحى، آية: ١١] فإنه
إليه وَل* مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
- سبحانه وتعالى - عدد أولاً في سورة الضحى مننه العظيمة على نبيه وَل# من: إيواءه بعد
يتمه، وإغناءه بعد عيله، وهدايته بعد ما وجده ضالاً - أي: وجده غافلاً عن الشرائع التي
لا تستبد العقول بدركها، كما في قوله تعالى: ﴿ما كنت تدري ما الكتب ولا
الإيمان﴾ [سورة الشورى، آية: ٥٢] - فهداه إلى مناهجها في تضاعيف ما أوحى إليه من الكتاب
المبين، وعلمه ما لم يكن يعلم، ثم رتب على هذه المتن الثلاثة أموراً ثلاثة: أي: النهي

٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عن قهر اليتيم، والنهي عن نهر السائل، والأمر بتحديث النعمة. والأقرب إلى الذوق
السليم أن هذا الترتيب بطريق اللف والنشر المشوش، دون المرتب، كما زعمه بعضهم.
وحاصل المعنى: أنك كنت يتيماً، وضالاً، وعائلاً: فآواك، وهداك، وأغناك؛
فمهما يكن من شيء فلا تنسى نعمة الله تعالى عليك في هذه الثلاث، واقتد بالله تعالى،
فتعطف على اليتيم، وترحم على السائل، فقد ذقت اليتم والفقر. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا
بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾﴾ هو في مقابلة قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَلَكَ ضَآَلًا فَهَدَى ®)﴾ أي: حق
هذه النعمة الجسيمة التي هي الهداية بعد الضلال (وكأن ليس ما سواها في جنبها نعمة)
ليس إلا أن تحدث بها عباد الله تعالى، وتشيعها فيهم، وتبين لهم ما نُزِّل إليهم. وظاهر أن
أقواله وأفعاله ربَّلر - التي سميناها أحاديث - إنما جلها شرح وتبيين لما هداه الله تعالى بها،
وتحديث وتنويه لما أنعم الله عليه من صنوف الهداية، وفنون الإرشاد، والله تعالى أعلم
بالصواب .
قال العلماء رحمهم الله تعالى: ((الحديث: أقوال النبيّ وَليّ وأفعاله)). ويدخل في
أفعاله تقريره، وهو عدم إنكاره لأمر رآه أو بلغه عمن يكون منقاداً للشرع.
وأما ما يتعلق به وَ﴿ من الأحوال: فإن كانت اختيارية، فهي داخلة في الأفعال،
وإن كانت غير اختيارية - كالحلية - لم تدخل فيه، إذ لا يتعلق بها حكم يتعلق بنا، وهذا
التعريف هو المشهور عند علماء أصول الفقه، وهو الموافق لفنهم.
وذهب بعض العلماء إلى إدخال كل ما يضاف إلى النبيّ وَّ في الحديث، فقال في
تعريفه: ((علم الحديث أقوال النبيّ وَ طير وأفعاله وأحواله)). وهذا التعريف هو المشهور عند
علماء الحديث، وهو الموافق لفنهم؛ فيدخل في ذلك أكثر ما يذكره في كتب السير:
کوقت ميلاده ګ ومكانه ونحو ذلك.
وقد رأيت أن أذكر هنا فائدة تنفع المطالع في كثير من المواضع، وهي: أن مثل
هذا يعد من قبيل اختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات، وهو ليس من قبيل الاختلاف
في الحقيقة، كما يتوهمه الذين لا يمعنون النظر؛ فإنهم كلما رأوا اختلافاً في العبارة عن
شيء ما - سواء كان في تعريف أو تقسيم أو غير ذلك - حكموا بأن هناك اختلافاً في
الحقيقة، وإن لم تكن تلك العبارات مختلفة في المآل، وقد نشأ عن ذلك أغلاط لا
تحصى. وقد أشار إلى نحو ما ذكرنا الإمام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية في
رسالته في قواعد التفسير فقال:
((الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع

٧
مقدمة
إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد)).
ولنرجع إلى المقصود فنقول: قد عرفت أن الحديث ما أضيف إلى النبيّ وَّر،
فيختص بالمرفوع عند الإطلاق، ولا يراد به الموقوف إلا بقرينة.
وأما الخبر: فإنه أعم؛ لأنه يطلق على المرفوع والموقوف، فيشمل ما أضيف إلى
الصحابة والتابعين، وعليه يسمى كل حديث خبراً، ولا يسمى كل خبر حديثاً.
وقد أطلق بعض العلماء الحديث على المرفوع والموقوف؛ فيكون مرادفاً للخبر.
وقد خص بعضهم الحديث بما جاء عن النبيّ وَّ، والخبر بما جاء عن غيره؛ فيكون مبايناً
للخبر.
وأما الأثر: فإنه مرادف للخبر؛ فيطلق على المرفوع والموقوف. وفقهاء خراسان
يسمون الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر
وأما السنة: فتطلق في الأكثر على ما أضيف إلى النبيّ وَلجر من: قول، أو فعل، أو
تقرير فهي مرادفة للحديث عند علماء الأصول، وهي أعم منه عند من خص الحديث بما
أضيف إلى النبيّ وَّر من قول فقط.
وبما ذكرنا من أن بعض المحدثين قد يطلق الحديث على المرفوع والموقوف يزول
الإشكال الذي يعرض لكثير من الناس عند ما يحكى لهم أن فلاناً كان يحفظ سبعمائة
ألف حديث صحيح، فإنهم مع استبعادهم ذلك يقولون: أين ثلث الأحاديث؟ ولِمَ لم
تصل إلينا؟ وهلا نقل الحافظ ولو مقدار عشرها؟ وكيف ساغ لهم أن يهملوا أكثر ما ثبت
عنه وَّ ر مع أن ما اشتهروا به من فرط العناية بالحديث يقتضي أن لا يتركوا مع الإمكان
شيئاً منه؟.
ولنذكر لك شيئاً مما روي في قَدْرِ حفظ الحفاظ:
نقل عن الإمام أحمد أنه قال: ((صح من الحديث سبعمائة ألف وكسر، وهذا الفتى
- يعني أبا زرعة - قد حفظ سبعمائة ألف)).
قال البيهقي: ((أراد ما صح من الأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين)).
وقال أبو بكر محمد بن عمر الرازي الحافظ: ((كان أبو زرعة يحفظ سبعمائة ألف
حديث، وكان يحفظ مائة وأربعين ألفاً في التفسير)).
ونقل عن البخاري أنه قال: ((أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث
غیر صحیح)).

٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ونقل عن مسلم أنه قال: ((صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث
مسموعة)) .
ومما يرفع استغرابك لما نقل عن أبي زرعة من أنه كان يحفظ مائة وأربعين ألف
حديث في التفسير أن ((النعيم)) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُتْثَلُنَّ يَؤْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
[سورة
التكاثر، آية: ٨] قد ذكر المفسرون فيه عشرة أقوال، كل قول منها يسمى حديثاً في عرف من
جعله بالمعنى الأعم، وأن ((الماعون)) في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿﴿ الَّذِينَ هُمْ عَن
الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ
صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ
(٧)﴾ [سورة الماعون، آية: ٤- ٧]
وَيَمْتَعُونَ الْمَاعُونَ (®
قد ذكروا فيه ستة أقوال، كل قول منها - ما عدا الواحد - يعد حديثاً كذلك.
علم الحديث :
قال الشيخ عز الدين بن جماعة: ((علم الحديث علم بقوانين يعرف بها أحوال السند
والمتن. وموضوعه: السند والمتن. وغايته: معرفة الصحيح من غيره)).
وقال شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر: ((أولى التعاريف له أن يقال: معرفة
القواعد المعرفة بحال الراوي والمروي، وإن شئت حذفت لفظة ((معرفة)) فقلت: القواعد
إلخ)).
قال الجلال السيوطي في ألفيته:
يدرى بها أحوال متن وسند
علم الحديث ذو قوانين تحد
أن يعرف المقبول والمردود
فذلك الموضوع والمقصود
وقال الجزائري: ((قد قسموا علم الحديث إلى قسمين: قسم يتعلق بروايته وقسم
يتعلق بدرایته)).
وأما علم رواية الحديث فقال ابن الأكفاني في إرشاد القاصد: ((هو علم بنقل أقوال
النبيّ وَ ل وأفعاله بالسماع المتصل وضبطها وتحريرها.
وأما علم دراية الحديث: فهو علم يتعرف منه أنواع الرواية، وأحكامها، وشروط
الرواة، وأصناف المرويات، واستخراج معانيها)). والأولى تسمية هذا القسم - أي: علم
دراية الحديث - باسمه المشهور: أعني مصطلح أهل الأثر؛ فإنه أدل على المقصود،
وليس فيه شيء من الإبهام والإيهام، وقد جرى على ذلك الحافظ ابن حجر فسمى رسالته
المشهورة فيه نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر. و((الفكر)) بللكسر الفاء وفتح الكاف،
جمع «فكرة» كما في شرح القاري.

٩
مقدمة
المحدث والحافظ :
قال السيوطي: ((قد كان السلف يطلقون المحدث والحافظ بمعنى)).
والحق أن الحافظ أخص؛ قال الشيخ أبو الفتح بن سيد الناس: ((أما المحدث في
عصرنا: فهو من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجَمْعَ رواة، واطلع على كثير من الرواة
والروايات في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف حظه، واشتهر فيه ضبطه، فإن توسع
حتى عرف شيوخه وشيخ شيوخه طبقة بعد طبقة، بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر
مما يجهله منها، فهذا هو الحافظ)).
وقال بعض الأعلام: إن هذا التحديد يرجعُ إلى أهل العُرف، ويختلف باختلاف
غلبة الظن ببلوغ بعضهم للحفظ في وقت دون وقت.
وقال علي القاري في شرح النخبة: ((إن ((الحافظ)) هو من أحاط علمه بمائة ألف
حديث. ثم بعده ((الحجة)) وهو: من أحاط علمه بثلثمائة ألف حديث. ثم ((الحاكم)) وهو
الذي أحاط علمه بجميع الأحاديث المروية متناً، وإسناداً، وجرحاً، وتعديلاً، وتاريخاً،
كذا قاله جماعة من المحققين)).
أشرف علوم الحديث :
قال الإمام الحافظ أبو شامة: ((علوم الحديث الآن ثلاثة: أشرفها حفظ متونه،
ومعرفة غريبها - أي: غريب لغتها - وفقهها)).
والثاني: حفظ أسانيده، ومعرفة رجالها، وتمييز صحيحها من سقيمها. وهذا كان
مهماً، وقد كفيه المشتغل بالعلم بما صنف فيه وألف فيه من الكتب؛ فلا فائدة إلى
تحصيل ما هو حاصل.
والثالث: جمعه، وكتابته، وسماعه، وتطريقه، وطلب العلو فيه، والرحلة إلى
البلدان والمشتغل بهذا مشتغل عما هو الأهم من العلوم النافعة، فضلاً عن العمل به الذي
هو المطلوب الأصلي، إلا أنه لا بأس به لأهل البطالة؛ لما فيه من بقاء سلسلة الإسناد،
المتصلة بأشرف البشر .
قال: ومما يزهد في ذلك أن فيه يتشارك الكبير والصَّغير، والعَزْمُ(١) والفاهم،
والجاهل والعالم.
(١) قوله: ((العزم)) كذا في الطبعتين لهذه المقدمة، وفي ((التدريب)) للسيوطي (١: ٤٤): ((الفدم)) بالفاء ثم الدال
الساكنة. والفدم من الناس: العيي عن الحجة والكلام مع ثقل ورخاوة وقلة فهم وهو أيضاً الغليظ السمين
الأحمق الجافي. كذا في اللسان لابن منظور (١٢ : ٤٥).

١٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقد قال الأعمش: ((حديث يتداوله الفقهاء خير من حديث يتداوله الشيوخ)).
ولام إنسان أحمد في حضور مجلس الشافعي وتركه مجلس سفيان بن عيينة، فقال
له أحمد: ((اسكت، فإن فاتك حديث بعلو تجده بنزول ولا يضرك، وإن فاتك عقل هذا
الفتى أخاف أن لا تجده)).
وهذا الكلام وإن نظر في بعضه الحافظ، إلا أنه أقرب إلى ما هو الواقع في زماننا .
والله الموفق.
أقسام الحديث :
اعلم أن بعض العلماء قد سلك في بيان هذا الفن وحصر أقسامه المشهورة
وتعريفها : مسلكاً صار به قريب المدرك فقال:
الخبر إما أن يرويه جماعة يبلغون في الكثرة مبلغاً تحيل العادة تواطئهم على الكذب
فيه أولا، فالأول: المتواتر، والثاني: خبر الآحاد.
والمتواتر ليس من مباحث علم الإسناد؛ لأن علم الإسناد علم يبحث فيه عن صحة
الحديث أو ضعفه من حيث صفات رواته وصيغ أدائهم؛ ليعمل به أو يترك، والمتواتر
صحيح قطعاً، فيجب الأخذ به من غير توقف، وهو يفيد العلم بطريق اليقين، والمتواتر
يندر أن يكون له إسناد مخصوص كما يكون لأخبار الآحاد؛ لاستغنائه بالتواتر عن ذلك،
وإذا وجد له إسناد معيّن لم يبحث عن أحوال رجاله، بخلاف خبر الآحاد فإن فيه
الصحيح وغير الصحيح، والصحيح منه لا يحكم له بالصحة على طريق اليقين. نعم، قد
تقترن به قرائن تفيد العلم بالصحة.
ولا بد في خبر الآحاد أن يكون له إسناد معيّن يبحث فيه عن أحوال رجاله وصيغ
أدائهم ونحو ذلك؛ ليعلم المقبول منه من غيره، فانحصر البحث هنا في خبر الآحاد.
وخبر الآحاد إن كانت رواته في كل طبقة ثلاثة فأكثر: يسمى مشهوراً .
وإن كانت رواته في بعض الطبقات اثنين ولم ينقص في سائرها عن ذلك: يسمى
عزيزاً .
وإن انفرد في بعض الطبقات أو كلها راوٍ واحد: يسمى غريباً.
والمشهور عندهم أنه لا يشترط في ((المشهور)) و((العزيز)) التعدد في الطبقة الأولى؛
فيسمون الحديث مشهوراً إذا رواه في كل طبقة ثلاثة فأكثر، وإن كان من رواه من الصحابة
أقل من ثلاثة. ويسمون الحديث عزيزاً إذا رواه في بعض الطبقات اثنان ولم تنقص رواته

١١
مقدمة
في سائرها عن ذلك وإن كان الراوي له من الصحابة واحداً فقط.
والغريب إن كانت الغرابة فيه في أصل السند يسمى ((الفرد المطلق)) ويقال له أيضاً:
((الغريب المطلق)). وإن كانت الغرابة فيه في غير أصل السند يسمى ((الفرد النِسْبِيَّ)) ويقال
له أيضاً: ((الغريب النسبي)). والمراد بأصل السند أوله. وقد عرفت آنفاً أن ((الغريب)) ما
ينفرد بروايته شخص في أيّ موضع كان من مواضع السند، وإن انفرد الصحابي فقط
بالحديث لا يوجب الحكم له بالغرابة.
فالفرد المطلق: هو ما ينفرد بروايته عن الصحابي واحد من التابعين، وذلك
كحديث النهي عن بيع الولاء؛ فإنه تفرد به عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، وقد
ينفرد به راو عن ذلك المنفرد، وذلك كحديث شعب الإيمان؛ قد تفرد به أبو صالح عن
أبي هريرة، وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وقد يستمر التفرّد في جميع رواته
أو أكثرهم، وفي مسند البزار والمعجم الأوسط للطبراني أمثلة كثيرة لذلك.
والفرد النسبي: هو ما ينفرد بروايته واحد ممن بعد التابعين، وذلك بأن يرويه عن
الصحابي أكثر من واحد، ثم ينفرد بالرواية عن واحد منهم أو أكثر من واحد. ويقل
إطلاق اسم ((الفرد)) على ((الفرد النسبي)) وإنما يطلق عليه في الغالب اسم ((الغريب)).
قال الحافظ ابن حجر: ((إن أهل الاصطلاح قد غايروا بين ((الفرد)) و((الغريب)) من
حيث كثرة الإستعمال وقلته، ((فالفرد)) أكثر ما يطلقونه على ((الفرد المطلق))، و((الغريب))
أكثر ما يطلقونه على ((الفرد النسبي)). وهذا من حيث إطلاق الاسم عليها، وأما من حيث
استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون، فيقولون في المطلق والنسبي: تفرد به فلان، أو
أغرب به فلان)) .
ولا يسوغ الحكم بالتفرد إلا بعد الاعتبار.
والاعتبار هو: تتبع الطرق من الجوامع والمسانيد والأجزاء لذلك الحديث الذي
يظن أنه فرد؛ ليعلم: هل لراويه متابع؟ أو هل له شاهد أم لا؟ ومظنة معرفة الطرق التي
يحصل بها المتابعات وينتفى بها التفرد: كتب الأطراف.
قال العراقي: ((الاعتبار أن تأتي إلى حديث لبعض الرواة، فتعتبره بروايات غيره من
الرواة بسبر طرق الحديث؛ لتعرف: هل شاركه في ذلك الحديث راوٍ غيره، فرواه عن
شيخه أم لا؟ فإن يكن شاركه أحد ممن يعتبره بحديثه - أي: يصلح أن يخرج حديثه
للاعتبار به والاستشهاد به - سمي حديث هذا الذي شاركه ((تابعاً))، وسيأتي بيان من يعتبر
بحديثه في مراتب الجرح والتعديل - وإن لم تجد أحداً تابعه عليه عن شيخه فانظر: هل

١٢
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تابع أحد شيخ شيخه فرواه متابعاً له أم لا؟ فإن وجدت أحداً تابع شيخ شيخه عليه فرواه
كما رواه فسمه أيضاً ((تابعاً)) وقد يسمونه ((شاهداً))، وإن لم تجد فافعل ذلك فيمن فوقه إلى
آخر الاسناد حتى في الصحابي، فكل من وجد له متابع فسم حديث الذي شاركه ((تابعاً»
وقد يسمونه (شاهداً))، فإن لم تجد لأحد ممن فوقه متابعاً عليه فانظر: هل أتى بمعناه
حديث آخر؟ فسم ذلك الحديث ((شاهداً))، وإن لم تجد حديثاً آخر يؤدي معناه فقد عرى
عن المتابعات والشواهد، فالحديث إذاً ((فرد)).
قال ابن حبان: ((وطريق الاعتبار في الأخبار مثاله: أن يروي حماد بن سلمة حديثاً
لم يتابع عليه، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّر، فينظر: هل
روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين؟ فإن وجد علم أن للخبر أصلاً يرجع إليه، وإن لم
يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلا فصاحبي(١) غير أبي هريرة رواه
عن النبيّ ◌َّر. فأي ذلك وجد يعلم به أن للحديث أصلاً يرجع إليه، وإلا فلا)) انتهى.
قلت: فمثال ما عدمت فيه المتابعات من هذا الوجه من وجه يثبت ما رواه الترمذي
من رواية حماد بن سلمة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أراه رفعه: ((أحبب
حبيبك هوناً ما)) الحديث. قال الترمذي: ((حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا
الوجه)).
قلت: أي: من وجه يثبت؛ وقد رواه الحسن بن دينار - وهو متروك الحديث - عن
ابن سيرين عن أبي هريرة.
ثم ((المتابعة)) إن حصلت للراوي نفسه فهي: ((المتابعة التامة))، وإن حصلت لشيخه
فمن فوقه فهي: ((المتابعة القاصرة)).
والشاهد إن كان يشبه متن الحديث الفرد في اللفظ والمعنى فهو ((الشاهد باللفظ))،
وإن كان يشبه في المعنى فقط فهو: ((الشاهد بالمعنى)).
والشاهد: متن يروى عن صحابي آخر يشبه متن الحديث الفرد. وقد أورد الحافظ
ابن حجر مثالاً تجتمع فيه ((المتابعة التامة)) و((المتابعة القاصرة)) و((الشاهد باللفظ))
و «الشاهد بالمعنى)) وهو :
((ما رواه الشافعي في ((الأم)) عن مالك: عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن
رسول الله وَلير قال: ((الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا
(١) لعل الصواب ((فصحابي)) كما في ((التقريب)) النواوي بشرح ((التدريب)) للسيوطي (١: ٤٢).

١٣
مقدمة
حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)). وقد ظن قوم أن هذا الحديث بهذا
اللفظ قد تفرد به الشافعي عن مالك، فعدوه في غرائبه؛ لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا
الإسناد بلفظ: ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) فنظرنا فوجدنا للشافعي متابعاً، وهو عبد الله
القعنبي، أخرجه البخاري عنه عن مالك بلفظ الشافعي، فهذه متابعة تامة، وقد دل هذا أن
ملكاً رواه عن عبد الله بن دينار باللفظين معاً، ووجدنا عبد الله بن دينار قد توبع فيه عن
ابن عمر من وجھین:
أحدهما: ما أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر، فذكر الحديث، وفي آخره: ((فإن غمى عليكم فاقدروا ثلاثين)).
والثاني: ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه من طريق عاصم بن محمد بن زيد، عن
أبيه، عن جده عن ابن عمر، بلفظ: ((فإن غم عليكم فكملوا ثلاثين)) فهذه متابعة قاصرة.
وله شاهدان :
أحدهما: من حديث أبي هريرة رواه البخاري عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن
زياد عن أبي هريرة بلفظ: ((فإن غمى عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)).
وثانيهما: من حديث ابن عباس أخرجه النسائي من رواية عمرو بن دينار عن
محمد بن حنين عن ابن عباس بلفظ حديث ابن دينار عن ابن عمر سواء، وهو: «فأكملوا
العدة ثلاثين)) فهذا شاهد باللفظ، وما قبله شاهد بالمعنى)).
وهذا التقسيم إنما كان بالنظر إلى عدد الرواة، ولما كان كل قسم من هذه الأقسام
لا يخلو من صحيح وغير صحيح: عادوا ثانياً، فقسموه بالنظر إلى هذه الجهة إلى:
مقبول، ومرود، ثم قسموا كل واحد منهما إلى أقسام، فقالوا:
إن خبر الآحاد ينقسم إلى قسمين: مقبول ومردود.
فالمقبول هو: ما دل دليل على رجحان ثبوته في نفس الأمر.
والمردود: ما لم يدل دليل على رجحان ثبوته في نفس الأمر.
فإن قلت: يدخل في تعريف المردود الخبر الذي لا يترجح ثبوته ولا عدم ثبوته، بل
يتساوى فيه الأمران.
قلت: نعم، واعتذر عن ذلك من أدخله فيه بإن موجبه لما كان التوقف صار
كالمردود، فألحق به، لا لوجود ما يوجب الرد، بل لعدم وجود ما يوجب القبول.
ومن جعله قسماً مستقلاً عرف المردود بأنه: الخبر الذي دل دليل على رجحان عدم

١٤
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثبوته في نفس الأمر. وعرف الخبر المتوقف فيه بأنه: الخبر الذي لم يدل دليل على
رجحان ثبوته ولا على رجحان عدم ثبوته. وهذا هو الخبر المشكوك فيه، وهو كثير جداً
تكاد تكون أفراده أكثر من أفراد القسمين الآخرين، وحكم هذا القسم: التوقف فيه البتة
إلى أن يوجد ما يلحقه بأحد القسمين المذكورين.
والمقبول ينقسم إلى أربعة أقسام: الأول: صحيح لذاته. والثاني: صحيح لغيره.
والثالث: حسن لذاته. والرابع: حسن لغيره.
وذلك: لأن الحديث إن اشتمل من صفات القبول على أعلى مراتبها فهو:
((الصحيح لذاته)).
وإن لم يشتمل على أعلى مراتبها، فإن وجد فيه ما يجبر ذلك القصور الواقع فيه فهو
((الصحيح لا لذاته)) بل ((لغيره)) وهو العاضد. وقد مثل ذلك ابن الصلاح بحديث محمد بن
عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبيّ وَّ قال: ((لولا أن أشق على
أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)) فإن محمد بن عمرو من المشهورين بالصدق
والصيانة. لكنه لم يكن من أهل الإتقان، حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه، ووثقه
بعضهم لصدقه وجلالته، فلما انضم إلى ذلك كونه روي من وجه آخر أمنًا بذلك ما كنا
نخشاه من جهة سوء حفظه، وانجبر به ذلك النقص اليسير، فالتحق الإسناد بدرجة
الصحيح.
وإن لم يوجد فيه ما يجبر ذلك القصور الواقع فيه فهو ((الحسن لذاته)).
وإن كان في الحديث ما يقتضي التوقف فيه، لكن وجد ما يرجح جانب قبوله فهو
((الحسن لا لذاته)) بل ((لغيره)) وهو العاضد. وذلك نحو أن يكون في الإسناد مستور الحال
إذا كان غير مغفل، ولا كثير الخطأ في الرواية، ولا متهم بالكذب، ونحوها من منافيات
العدالة. فإذا ورد من طريق آخر زال التوقف فيه: حكم بحسنه لا لذاته، بل للعاضد.
ومن الألفاظ المستعملة عند أهل الحديث في المقبول: الجيد، والقوي،
والصالح، والمعروف، والمحفوظ، والمجود، والثابت، والمشبه.
فأما ((الجيد)» فقد سوى بعضهم بينه وبين الصحيح، وقد وقع في كلام الترمذي حيث
قال في الطب: «هذا حدیث جید حسن)).
وقال بعضهم: إنه وإن كان بمعنى ((صحيح)) لكن الجِهْبِذ من المحدثين لا يعدل عن
((صحيح)) إلى ((جيد)) إلا لنكتة: كأن يرتقي الحديث عنده عن ((الحسن لذاته)) ويتردد في
بلوغه درجة ((الصحيح)) فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح. وكذا القوي.

١٥
مقدمة
وأما ((الصالح)) فإنه شامل للصحيح والحسن؛ لصلاحيتهما للاحتجاج، ويستعمل
أيضاً في ضعيف يصلح للاعتبار.
وأما ((المعروف)) فهو مقابل ((المنكر)).
وأما ((المحفوظ)) فهو مقابل ((الشاذ)).
وأما ((المجود)) و((الثابت)) فيشملان الصحيح والحسن.
وأما ((المشبه)) فيطلق على الحسن وما يقاربه، فهو بالنسبة إليه كنسبة الجيد إلى
الصحيح.
قال أبو حاتم: ((أخرج عمرو بن حصين الكلابي أول شيء أحاديث مشبهة حساناً،
ثم أخرج بعد أحاديث موضوعة، فأفسد علينا ما كتبنا)).
المتواتر :
قال العلامة الجزائري: ((الخبر المتواتر هو: خبر عن محسوس أخبر به جماعة بلغوا
في الكثرة مبلغاً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب)).
وقال الإمام فخر الإسلام: ((الخبر المتواتر الذي اتصل بك من رسول الله وعليه
اتصالاً بلا شبهة حتى صار كالمعاين المسموع منه، ومن الناس من أنكر العلم بطريق
الخبر أصلاً، وهذا رجل سفيه لم يعرف نفسه، ولا دينه، ولا دنياه، ولا أمه، ولا أباه،
مثل من أنكر العيان)) اهـ.
ولما كانت الأخبار المتواترة في الغالب متعددة الطبقات قال العلماء: لا بد في
الخبر المتواتر من استواء الطرفين. فالطرفان هما الطبقة الأولى والطبقة الأخيرة، والوسط
هو ما بينهما. والمراد بالاستواء: الاستواء في الكثرة المذكورة، لا الاستواء في العدد.
قال الغزالي كَُّ في المستصفى: ((عدد المخبرين ينقسم إلى: ما هو ناقص، فلا
يفيد العلم، وإلى ما هو كامل وهو الذي يفيد العلم، وإلى ما هو زائد وهو الذي يحصل
العلم ببعضه وتقع الزيادة فضلاً عن الكفاية. والكامل وهو أقل عدد يورث العلم ليس
معلوماً لنا. لكنا بحصول العلم الضروري نتبين كمال العدد. لا أنا بكمال العدد نستدل
على حصول العلم. فإذا عرفت هذا فالعدد الكامل الذي يحصل التصديق به في واقعة هل
يتصور أن لا يفيد العلم في بعض الوقائع؟ قال القاضي تقذفه: ذلك محال، بل كل ما يفيد
العلم في واقعة يفيده في كل واقعة، وإذا حصل العلم للشخص فلا بد وأن يحصل لكل
شخص يشاركه في السماع، ولا يتصور أن يختلف. وهذا صحيح إن تجرد الخبر عن

١٦
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
القرائن؛ فإن العلم لا يستند إلى مجرد العدد، ونسبة كثرة العدد إلى سائر الوقائع وسائر
الأشخاص واحدة، أما إذا اقترنت به قرائن تدل على التصديق فهذا يجوز أن تختلف فيه
الوقائع والأشخاص. وأنكر القاضي ذلك، ولم يلتفت إلى القرائن، ولم يجعل لها أثراً،
وهذا غير مرضي؛ لأن مجرد الإخبار يجوز أن يورث العلم عند كثرة المخبرين، وإن لم
تكن قرينة، ومجرد القرائن أيضاً قد يورث العلم وإن لم يكن فيه إخبار، فلا يبعد أن تنضم
القرائن إلى الإخبار فيقوم بعض القرائن مقام بعض العدد من المخبرين)).
وقال علي القاري كثّفُ: ((التحقيق أن إحالة العادة تواطؤهم على الكذب في التواتر
قد يكون من حيثية الكثرة من غير الملاحظة الوصفية، وقد تكون بانضمامها، كما إذا روى
عن العشرة المبشرة مثلاً عشرون من التابعين، فإنه لا شك أن العادة تحيل اتفاق الأولين
على الكذب، ولا تحيل اتفاق العشرة من التابعين عليه، ولو كانوا عدولاً، وكذا إذا نقل
عشرون من المفتين والمدرسين مسألة يحصل العلم بهم ما لا يحصل بما ينقل عشرون من
الطلبة أو خمسون من غيرهم. فالمدار الأصلي في باب التواتر على الإحالة والإفادة دون
اعتبار العدد والعدالة)).
فالمتواتر قد يفيد العلم بمحض كثرة رواته وناقليه، وقد يكون لكل من الكثرة
وأوصاف الرواة أو القرائن المتصلة مدخل في إفادته العلم.
ومن لههنا رد الحافظ ابن حجر كَُّ على ما ادعاه ابن الصلاح من عزة المتواتر
وقال: ((من أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجوداً وجود كثرة في الأحاديث: أن الكتب
المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً، المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى
مؤلفيها، إذا اجتمعت على إخراج حديث، وتعددت طرقه تعدداً تحيل العادة تواطؤهم
على الكذب: أفاد العلم اليقيني بصحته إلى قائله. قال: ومثل ذلك في الكتب المشهورة
کثیر)» .
تنبيه :
قلت: قد نبه الله سبحانه وتعالى في مواضع من كتابه على إفادة التواتر العلم
اليقيني، كالرؤية البصرية، حيث خاطب رسوله * أو المؤمنين أو غيرهم بأمثال قوله:
[سورة الفيل، آية: ١] الآية. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيَّفَ فَعَلَ
﴿أَلَمَـ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ الْفِيلِ (®
﴾ [سورة الفجر، آية: ٦] الآية. وقوله: ﴿أَمَّ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ [سورة
رَبُّكَ بِعَادٍ (
الأنعام، آية: ٦] إلخ. فإن هذه الوقائع كانت معلومة عندهم بالتواتر، فعبر علمها برؤيتها، وفيه
إشارة إلى أنه جعل العلم الحاصل من التواتر بمنزلة المشاهدة في القطعية. والله أعلم.

١٧
مقدمة
أقسام التواتر:
التواتر على أربعة :
أحدها: تواتر الإسناد، وهو: أن يروي الحديث من أول الإسناد إلى آخره جماعة
يستحيل اجتماعهم على الكذب، وهذا تواتر المحدثين، كحديث: ((من كذب على متعمداً
فليتبوأ مقعده من النار)).
قال ابن الصلاح: رواه اثنان وستون من الصحابة. وقال غيره: رواه أكثر من مائة
نفس .
وقال النووي في شرح مسلم: ((رواه نحو مائتين)).
قال العراقي: ((ليس في هذا المتن بعينه، ولكنه في مطلق الكذب، والخاص بهذا
المتن رواية بضعة وسبعين صحابياً)).
وقال السخاوي كَُّهُ بعد نقل ما قاله النووي: ((ولعله - كما قال شيخنا - سبق قلم
من مائة، وفيها المقبول والمردود، فقد ثبت صحيحاً وحسناً من طريق أحد وثلاثين نفساً
من الصحابة، وورد عن نحو خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة متماسكة، وعن نحو من
عشرين آخرين بأسانيد ساقطة)).
وكذا أحاديث ختم النبوة قد جمعها بعض الفضلاء، فبلغت أزيد من مائة وخمسين،
منها نحو ثلاثين من الصحاح الستة.
والقسم الثاني من التواتر: تواتر الطبقة، كتواتر القرآن تواتر على البسيطة شرقاً
وغرباً، درساً وتلاوة، حفظاً وقراءة، وتلقاه الكافة عن الكافة، طبقة عن طبقة، اقرأ وارق
إلى حضرة الرسالة، ولا تحتاج إلى إسناد يكون عن فلان عن فلان، بل هو شيء ينقله
أهل المشرق والمغرب عن أمثالهم جيلاً جيلاً، ولا يختلف فيه مؤمن ولا كافر منصف
غير معاند للمشاهدة. وهو القرآن المكتوب في المصاحف في شرق الأرض وغربها، لا
يشكون ولا يختلفون في أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أتى به، وأخبر أن الله عز
وجل أوحى به إليه، وأن من اتبعه أخذه عنه كذلك، ثم أخذ عن أولئك حتى بلغ إلينا .
وهذا القسم من المتواتر يعسر إيراد إسناد له على قواعد المحدثين فضلاً عن أسانيد.
وذلك أن الإسناد إنما يحرص عليه في أخبار الآحاد لما يعرض فيها من الشك.
وإذا ترددت فيما قلنا فارجع إلى نفسك، وانظر: هل يمكنك أن تورد إسناداً لما

١٨
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
علمته وتيقنته من الأمور المتواترة التي لا تحصى، ولو كانت قريبة العهد بك؟ وإنما ذكرنا
ذلك مع ظهوره لأنه قد يكون من شدة الظهور الخفاء.
والقسم الثالث: تواتر عمل وتواتر توارث، وهو أن يعمل به في كل قرن من عهد
صاحب الشريعة إلى يومنا هذا جم غفير من العاملين، بحيث يستحيل عادة تواطؤهم على
كذب أو غلط، كالسواك في الوضوء مثلاً، فهو سنة، واعتقاد سنيته فرض؛ لأنه ثابت
بالتواتر العملي، وجحودها كفر، وجهله حرمان، وتركه عتاب أو عقاب. ومن ذلك:
الصلوات الخمس؛ فإنه لا يختلف مؤمن ولا كافر، ولا يشك أحد أنه صلاها بأصحابه
كل يوم وليلة في أوقاتها المعهودة، وصلاها كذلك كل من اتبعه على دينه حيث كانوا كل
يوم، وهكذا إلى اليوم لا يشك أحد أن أهل السند يصلونها كما يصليها أهل الأندلس،
وأن أهل أرمينية يصلونها كما يصليها أهل اليمن، وكصيام رمضان؛ فإنه لا يختلف مؤمن
ولا كافر، ولا يشك أحد في أنه صامه رسول الله و للر وصامه معه كل من اتبعه في كل بلد
كل عام، ثم كذلك جيلاً جيلاً إلى يومنا هذا.
قال صاحب الكشف ـ في نسخ آية الوصية بحديث: ((لا وصية لوارث)) -: ((وهذا
الحديث في قوة المتواتر، إذ التواتر نوعان: متواتر من حيث الرواية، ومتواتر من حيث
ظهور العمل به من غير نكير؛ فإن ظهوره يغني الناس عن روايته وهو بهذه المثابة، فإن
العمل ظهر به مع القول من أئمة الفتوة بلا تنازع، فيجوز النسخ به)).
والقسم الرابع: تواتر القدر المشترك، وهو ما تختلف فيه ألفاظ الرواة بأن يروي
قسم منهم واقعة، وغيره واقعة أخرى: وهلم جرا، غير أن هذه الوقائع تكون مشتملة على
قدر مشترك، فهذا القدر المشترك يسمى بـ ((المتواتر المعنوي)) أو ((المتواتر من جهة
المعنى))، وذلك مثل أن يروي واحد: أن حاتماً وهب مائة دينار، وآخر: أنه وهب مائة
من الإبل، وآخر: أنه وهب عشرين فرساً. وهلم جرا، حتى يبلغ الرواة حد التواتر، فهذه
الأخبار تشترك في شيء واحد وهو هبة حاتم شيئاً من ماله. وهو دليل على سخائه، وهو
ثابت بطريق التواتر المعنوي، ووجه ذلك أن يقال: إن هذه الأخبار مشتركة في أمر
واحد، وهو: كونه سخياً، فإن الراوي لخبر منها صريحاً: راوٍ لهذا المشترك بطريق
الإيماء، فإذا بلغوا حد التواتر كان هذا المشترك - وهو سخاؤه - مروياً بطريق التواتر، إلا
أنه من قبيل التواتر المعنوي.
قال ابن الحاجب في كتابه ((منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل)):
((إذا اختلف أخبار المخبرين في التواتر في الوقائع، واشتملت على معنى كلي مشترك

١٩
مقدمة
بجهة التضمن، أو الالتزام: حصل العلم به، كوقائع عنترة في حروبه، وحاتم في سخائه،
وعلي رَُّه في شجاعته)).
قال الشيخ الأنور: ((وهذا كتواتر المعجزة؛ فإن مفرداتها ولو كانت آحاداً لكن القدر
المشترك متواتر قطعاً)).
وهذه الأقسام الأربعة للتواتر، وإن كانت جزئياتها منتشرة في كتبهم، لكنهم لم
يكونوا يذكرونها عند التقسيم، وأول من ربع القسمة وسمى كل قسم باسمه فيما نعلم:
الشيخ العلامة الأنور - أطال الله بقاءه - وهو تقسيم حسن. والله أعلم.
المشهور والعزيز:
قد عرفت في بيان أقسام الحديث أن خبر الآحاد إن كانت رواته في كل طبقة ثلاثة
فأكثر يسمى ((مشهوراً)) وإن كانت رواته في بعض الطبقات اثنين ولم تنقص في سائرها عن
ذلك يسمى ((عزيزاً)) وهذا هو المختار عند الحافظ ابن حجر تَغْفُهُ وغيره من المحققين في
تعریفهما .
مثاله: ما رواه الشيخان من حديث أنس، والبخاري من حديث أبي هريرة، أن
رسول الله ◌َّ﴾ قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده)) الحديث.
ورواه عن أنس قتادة، وعبد العزيز بن صهيب، ورواه عن قتادة شعبة، وسعيد، وعن عبد
العزيز إسماعيل بن علية، وعبد الوارث، ورواه عن كل جماعة.
وقال العراقي في ألفيته، كما قال ابن الصلاح تبعاً لابن مندة: ((إن ما يرويه اثنان أو
ثلاثة يسمى ((عزيزاً))، وما يرويه ثلاثة فأكثر يسمى ((مشهوراً)) وحينئذٍ يجتمعان في ما رواه
ثلاثة، ويختص العزيز بالاثنين. والمشهور بأكثر من الثلاثة، كما في فتح المغيث)).
قلت: وليتهم سموا ما رواه الثلاثة بالعزيز لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ
أَثْنَيْنِ فَكَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [سورة يس، آية: ١٤]، وما رواه الاثنان بالمؤزر لقوله تعالى حكاية
عن موسى عليَّ: ﴿وَأَجْعَل لِ وَزِيْرًا مِّنْ أَهْلِى
٢٩
هَرُونَ أَخِىِ ﴿٣) أَشْدُدْ بِهِ- أَزْرِى
٣١
﴾ [سورة طه،
الآيات: ٢٩ و٣٠ و٣١] إلخ. فإن الاصطلاح مهما يكن أقرب إلى الاستعمال القرآني كان أحسن
وأليق.
قال النووي كلّلهُ: ((المشهور قسمان: صحيح، وغيره، أي: حسن وضعيف،
ومشهور بين أهل الحديث خاصة، ومشهور بينهم وبين غيرهم، أي: من العلماء
والعامة)).

٢٠
الجزء الأول من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قال السيوطي كَّتُهُ: ((وقد يراد به - أي بالمشهور - ما اشتهر على الألسنة، وهذا
يطلق على ما له إسناد فصاعداً، بل ما لا يوجد له إسناد أصلاً)) ثم مثل كل قسم منه
بأمثلة .
قال الحافظ ابن حجر كَّهُ بعد الكلام على حديث الإيلاء: ((وفيه أن الأخبار التي
تشاع - ولو كثر ناقلوها - إن لم يكن مرجعها إلى أمر حسي من مشاهدة أو سماع: لا
تستلزم الصدق، فإن جزم الأنصاري في رواية بوقوع التطليق، وكذا جزم الناس الذين
رآهم عمر عند المنبر بذلك: محمول على أنهم شاع بينهم ذلك من شخص بناه على
التوهم الذي توهمه من اعتزال النبيّ وَّر نساءه، فظن - لكونه لم تجر عادته بذلك - أنه
طلقهن، فأشاع أنه طلقهن، فشاع ذلك، فتحدث الناس به، وأخلق بهذا الذي ابتدأ بإشاعة
ذلك أن يكون من المنافقين)). وقصة مولى أبي عوانة مشهورة في هذا المقام، مذكورة في
فتح المغيث وغيره.
وقد قسم بعض علماء الأصول من الحنفية: الخبرَ إلى ثلاثة أقسام: متواتر،
ومشهور، وآحاد، فجعلوا المشهور قسماً مستقلاً بنفسه، ولم يدخلوها في المتواتر كما
فعل الجصاص، ولا في خبر الآحاد كما فعل غيرهم. وقد عرفوا المشهور بما كان آحاد
الأصل، متواتراً في القرن الثاني والثالث، وقالوا: إن المشهور بهذا المعنى يوجب ظناً
فوق ظن خبر الآحاد قريباً من اليقين وهو ما سماه القوم ((علم طمأنينة)) إذ هي زيادة توطين
وتسكين يحصل للنفس على ما أدركته. فإن كان المدرك يقيناً فاطمئنانها زيادة اليقين
وكماله، كما يحصل للمتيقن بوجود مكة بعد ما يشاهدها، وإليه الإشارة بقوله تعالى
حكاية عن إبراهيم الّل: ﴿وَلَكِن لِيَظْمَيِنَّ قَلْبِىّ﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٦٠]، وإن كان ظنياً
فاطمئنانها رجحان جانب الظن، بحيث يكاد يدخل في حد اليقين، وهو المراد هنا.
وحاصله سكون النفس عن الاضطراب بشبهة إلا عند ملاحظة كونه آحاد الأصل.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن إفادة المشهور الأصولي: العلمَ يمكن استنباطه
من قوله تعالى: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول
وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم
الشيطان إلا قليلا﴾ [سورة النساء، آية: ٨٣]، يعني: أن الأمر المذاع المشاع إنما يتبين حقيقة
حاله، وصدقه من كذبه: برده إلى الرسول وإلى أولي الأمر من المسلمين، وهم الكبراء
البصراء الذين يستنبطون الأمور من مخارجها، والمسائل من مظانها، ويميزون سقيمها من
صحيحها، وكاسدها من جيدها، فعامة هؤلاء المستنبطين المنقحين مع عدالتهم وتصلبهم