النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ الفصل العاشر: في عدّ أحاديث ((الجامع)) حديثاً، حَزْن بن أبي وَهْب المخزومي: حديثان، حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري الشاعر: حديث واحد، حَكِيم بن حِزَام بن خُوَيلد الأسدي: أربعة أحاديث. خالد بن زيدٍ أبو أيوب الأنصاري: سبعة أحادیث، خالد بن الوليد المخزومي: حدیثان، خَبَّاب بن الأَرَتِّ الخُزَاعي: خمسة أحاديث، خُفَاف بن إيماءِ الغِفَاري الخُزاعي، ذكر المِّي في (الأطراف)): أنَّ البخاري أخرج له حديثاً، والحديثُ الذي أشار إليه إنما هو من مُسنَد ابنته. رافع بن خَدِيج بن رافع الأنصاري: ستةُ أحاديث، ووَهِمَ الحميديُّ فَأَسقط حديثاً، رافع بن مالك بن عَجْلان الأنصاري: حديث واحد في المغازي: أنه كان يقول لابنه رِفاعة - وكان رفاعةُ شَهِدَ بدراً وأبوه رافعٌ شهد العَقَبَةَ ولم يشهد بدراً -: ما يَسرُّني أني شهدتُ بدراً بالعَقَبة، وهذا الحديثُ لم يذكره أصحاب ((الأطراف)) في كتبهم، ولا أفرَدَ مَن صنَّفَ في رجال البخاري لرافع هذا ترجمةً، وهو على شرطهم، رفاعةُ بن رافع بن مالك، وَلَدُ الذي قبلَه: ثلاثة أحاديث. الُّبير بن العَوَّام بن خُوَيلد الأسدي: تسعة أحاديث، زيد بن أرقم الأنصاري: ستة أحاديث، زيد بن ثابت الأنصاري: ثمانية أحاديث، زيد بن خالد الجُهَني: خمسة أحاديث، زيد بن الخطاب العَدَوي، أخو عمرَ: له حديثٌ واحد، زيد بن سهل أبو طَلْحة الأنصاري: ثلاثةُ أحاديث. السائب بن يزيد الکندي: ستة أحاديث، سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم: حدیث واحد، سعد بن أبي وَقَّاص الزُّهري: عشرون حديثاً، سعد بن مالك أبو سعيد الخُدْري: ستة وستون حديثاً، سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نُفَيْل العَدَوي: ثلاثة أحاديث، سفيان بن أبي زُهَير الأزدي: حديثان، سلمان بن عامر الضَّبِّي: حديث واحد، سلمان الفارسي: أربعة أحاديث، سَلَمة بن الأكوَعِ الأسلمي: عشرون حديثاً، سَلِمَة الجَرْمي والدُ عمرو: حديث واحد، سليمان بن صُرَد الخُراعي: حديث واحد، سَمُرة بن جُنَادة السُّوَائي: حديث واحد، سَمُرة بن جُنْدُب الفَزاري: ثلاثة أحاديث، سُنَين أبو جميلة السُّلَمي: حديث واحد، سهل ابن أبي حَثْمة الأنصاري: ثلاثة ٥٢٢ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري أحاديث، سهل بن حُنَيَف الأنصاري: أربعة أحاديث، سهل بن سعد الساعدي: أحدٌ وأربعون حديثاً، سُوَید بن النعمان الأنصاري: حديث واحد. شَدَّاد بن أوس بن ثابت الأنصاري: حديث واحد، شَيْبة بن عثمان بن أبي طلحة العَبْدَري: حدیث واحد. صَخْر بن حرب، أبو سفيان الأُموي: حديث واحد، صُدَيُّ بن عَجْلان أبو أُمامة الباهلي: ثلاثة أحاديث، الصَّعبُ بن جَثَّامة الليثي: ثلاثة أحاديث. طلحة بن عُبيد الله التَّيْمِي أحدُ العَشَرة: أربعةُ أحاديث. ظُهیر بن رافع الأنصاري: حدیث واحد. عامر بن ربيعة العَنَزيُّ: حديثان، عائذ بن عمرو المُزَني: حديث واحد، عُبادة بن الصامت الأنصاري: تسعةُ أحاديث، العباس بن عبد المطّلب بن هاشم عَمُّ رسول الله وَّ: خمسة أحاديث، عبد الله بن أبي أوفى: خمسةَ عشرَ حديثاً، عبد الله بن بُسر المازني: حديث واحد، عبد الله بن ثَعْلبة بن صُعَير: حديث واحد، عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي: حديثان، عبد الله بن رَوَاحة بن ثعلبة الأنصاري: حديث واحد، عبد الله بن الزُّبير بن العَوَّام الأسدي: عشرة أحاديث، عبد الله بن زَمْعة بن الأَسود الأسدي: حديث واحد، عبد الله بن زيد بن عاصم المازني: تسعة أحاديث، عبد الله بن سَلام: حدیثان، عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي: مئتا حديثٍ وسبعةً عشَرَ حديثاً، عبد الله بن عثمان أبو بكر الصِّدِّيق بن أبي قُحَافةَ: اثنان وعشرون حديثاً، عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي: مئتان وسبعون حديثاً، عبد الله بن عمرو بن العاص: ستة وعشرون حديثاً، عبد الله بن قيسٍ أبو موسى الأشعري: سبعة وخمسون حديثاً، عبد الله بن مالك الأزدي، المعروف بابن بُحَينة: أربعة أحاديث، عبد الله بن مسعود بن غافل الهُذَلي أبو عبد الرحمن: خمسة وثمانون حديثاً، عبد الله بن مُغفَّل المزَني: ثمانية أحاديث، عبد الله بن هشام بن زُهْرة التَّيْمي: ثلاثة أحاديث، عبد الله بن يزيد الخَطْمي: حديثان. عبد الرحمن بن أبْزَى الخُراعي: حديث ٥٢٣ الفصل العاشر: في عدّ أحاديث ((الجامع)) واحد، عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق: ثلاثة أحاديث، أبوعَبْس بن جَبْر الأنصاري، واسمه عبد الرحمن: حديث واحد، عبد الرحمن بن سَمُرة بن حَبيب العَبْشَمي: حديث واحد، عبد الرحمن بن عَوْف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زُهْرة الزُّهْري، أحدُ العشرة: تسعة أحاديث، عِثْبان بن مالك الأنصاري: حديث واحد، عثمان ابن عَفَّان بن أبي العاص بن أمية الأُمَوي: تسعة أحاديث، عَدِيُّ بن حاتم الطائي: سبعة أحاديث، عُرْوة بن أبي الجعد البارِقي: حديثان، عُقْبة بن الحارث بن عامر بن نوفل النَّوفلي: ثلاثة أحاديث، عُقْبة بن عامر الجُهَني: تسعة أحاديث، عُقْبة بن عمرو أبو مسعود الأنصاري البَدْري: أحدَ عشرَ حديثاً، علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي: تسعة وعشرون حديثاً، عمار ابن ياسر العَنْسي: أربعة أحاديث، عمر بن الخطاب بن نُفَيل العَدَوي أمير المؤمنين: ستون حديثاً، عُمر بن أبي سَلَمة بن عبد الأسد المخزومي: حديثان، عَمْرو ابن أُمية الضَّمْري: حديثان، عمرو بن تَغْلِبَ النَّمِري: حديثان، عمرو بن الحارث المُصطَلِقِيُّ: حديث واحد، عمرو بن العاص السَّهْمي: ثلاثة أحاديث، عمرو بن عوف الأنصاري: حديث واحد، عِمْران ابن حُصَين الُراعي: اثنا عشر حديثاً، عوف بن مالك الأشجعي: حديث واحد، عُوَيمر أبو الدَّرداء الأنصاري: أربعة أحاديث، العلاء بن الحضرمي: حدیث واحد. الفضل بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي: ثلاثة أحاديث. قَتَادة بن النعمان الأنصاري: حديثٌ واحد، قيس بن سعد بن عُبَادة الخَزْرَجي: حدیثان. كعب بن عُجْرة البَلَوي حليفُ الأنصار: حديثان، كعب بن مالك الأنصاري: أربعة أحادیث. مالك بن الحُوَيرِث اللَّيثي: أربعة أحاديث، مالك بن ربيعة أبو أُسَيْد الساعدي: أربعة أحاديث، مالك بن صَعصَعة الأنصاري: حديث واحد، مُجاشِع بن مسعود السُّلَمي: حديث واحد، أخوه مُجَالِد: حديث واحد، محمد بن مَسْلَمة الأنصاري: حديث واحد، محمود بن الرَّبيع ٥٢٤ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري الأنصاري: حديث واحد، مِرْداس بن مالك الأسلمي: حديثٌ واحد، مروان بن الحكم الأُموي: حديثان، المِسْوَر بن مَرَمة بن نوفل الزُّهْري: ثمانية أحاديث، المسيّب بن حَزْن والد سعيدٍ المخزومي: ثلاثة أحاديث، معاذ بن جَبَل الأنصاري: ستة أحاديث، معاوية بن أبي سفيان الأموي: ثمانية أحاديث، مَعقِل بن يسار المزني: حديثان، مَعْن بن يزيد السُّلمي: حديث واحد، مُعيقِيبٌ الدَّوْسي: حديث واحد، المغيرة بن شُعبة ابن أبي عامر بن مسعود الثقفي: أحدَ عشرَ حديثاً، المقداد بن الأسود الكِنْدي: حديث واحد، المِقْدام بن مَعْدي كَرِبَ الکندي: حدیثان. نَضْلة بن عُبيد أبو بَرْزة الأسلمي: أربعة أحاديث، النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري: ستة أحاديث، النعمان بن مقرِّن الُزَني: حديث واحد، نُفَيع بن الحارث أبو بَكْرة الثقفي: أربعة عشرَ حديثاً، نوفل بن معاوية الدِّيلي: حديث واحد. هانئٌ أبو بُرْدة بن نِيَار الأنصاري: حدیث واحد. واثلة بن الأسقَع الليثي: حديثٌ واحد، وَحْشُّ بن حَرْب الحَبَشي: حديث واحد، وَهْب بن عبد الله أبو جُحَيفة السُّوائي: سبعة أحاديث. يعلى بن أُمية التميمي: ثلاثة أحاديث. من لا يُعرَف اسمه أو اختُلِف فيه أبو بَشِير الأنصاري: حديث واحد، أبو ثَعْلبة الحُشَني: ثلاثة أحاديث، أبو جُهَيم بن الحارث ابن الصِّمَّة الأنصاري: حديثان، أبو حُميد الساعدي: أربعة أحاديث، أبو ذر الغِفاري: أربعة عشر حديثاً، أبو رافع مولى النبي وَّ: حديثٌ واحد، أبو سعيد بن المعلّ الأنصاري: حديث واحد، أبو شُرَيْح الخزاعي: ثلاثة أحاديث، أبو قَتَادة الأنصاري: ثلاثة عشرَ حديثاً، أبو لُبَابة الأنصاري: حديث واحد، أبو هُرَيرة الدَّوْسي: أربع مئة وستة وأربعون حديثاً، أبو واقدٍ الليثي: حدیث واحد. ٥٢٥ الفصل العاشر: في عدّ أحاديث ((الجامع)) النساء أسماءُ بنت أبي بكر الصِّدِّيق: ستةَ عشرَ حديثاً، أسماءُ بنت عُمَيْس: حديث واحد، أَمَة(١) بنت خالد بن سعيد بن العاص أمُّ خالد: حديثان، حَفْصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين: خمسة أحاديث، خَنْساء بنت خِذَام: حديث واحد، خولة بنت قيس الأنصارية: حديثٌ واحد، الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ الأنصارية: ثلاثة أحاديث، رَمْلة بنت أبي سفيان أمُّ حَبيبة أمُّ المؤمنين: حديثان، زينبُ بنت جَحْش أمُّ المؤمنين: حديثان، زينب بنت أبي سَلَمة بن عبد الأسد: حديثان، زينبُ الثَّقفية امرأة ابن مسعود: حديث واحد، سُبَيعة بنت الحارث الأسلمية: حديث واحد، سَوْدَةُ بنت زَمْعة العامرية أُّ المؤمنين: حديث واحد، صَفِيَّة بنت حُبَيٍّ أمّ المؤمنين: حديث واحد، صَفِيَّة بنت شَيْبة العَبْدَریة: حديث واحد، عائشة بنت أبي بكر الصِّدِّيق أم المؤمنين: مئتان واثنان وأربعون حديثاً، فاختةُ أم هانئ بنت أبي طالب الهاشمية: حديثان، فاطمة بنت قيس الفِهْرية: حديث واحد، فاطمةُ الزهراء ابنة سيدنا رسول الله وَ له: حديث واحد، لُبَابة أم الفضل: حديثان، ميمونة بنت الحارث الهِلالية أمُّ المؤمنين: سبعة أحاديث، نُسَيْبة أم عطيّة الأنصارية: خمسة أحاديث، هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية أمُّ سلمة أم المؤمنين: ستةَ عشرَ حديثاً، أُّ حَرَام بنت مِلْحان: حديثان، أم رُومانَ والدةُ عائشة: حديثان، أمُّ سُلَيم الأنصارية: حديثان، أم شَرِيك العامريَّة: حديث واحد، أمُّ العلاء الأنصارية: حديث واحد، أم قيس بنت مِحصَن الأسدية: حديثان، أمُّ كُلْتُوم بنت عُقْبة بن أبي مُعَيط: حدیث واحد، بنت خُفَاف بن إيماءٍ: حديث واحد. فجميعُ ما في ((صحيح البخاري)) من المتون الموصولة بلا تكريرٍ على التحرير ألفا حديثٍ وست مئة حديث وحديثان، ومن المتون المعلّقة المرفوعة التي لم يُوصِلْها في موضع آخر من ((الجامع)) المذكور: مئة وتسعة وخمسون حديثاً، فجميعُ ذلك ألفا حديثٍ وسبع مئة وأحدٌ وستون حديثاً، وبين هذا العدد الذي حَرَّرتُه والعدد الذي ذكره ابنُ الصلاح وغيرُه (١) في (ع) و(س): أميمة، وهو خطأ، وأُميمة أمُّها. ٥٢٦ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري تفاوتٌ كثير، وما عرفتُ من أين أتَى الوهمُ في ذلك، ثم تأوَّلتُه على أنه يحتمل أن يكون العادُّ الأول الذي قَلَّدوه في ذلك، كان إذا رأى الحديثَ مطوَّلاً في موضع ومختصراً في موضع آخر، يظنُّ أن المختَصَرَ غيرُ المطوّل، إما لبُعدِ العهد به، أو لِقِلَّة المعرفة بالصناعة، ففي الكتاب من هذا النَّمط شيءٌ كثير، وحينئذٍ يتبيَّنُ السببُ في تفاوت ما بين العَدَدينِ، والله الموفق. وإذا انتهى ما أردتُ تحريرَه من فصول هذه المقدمة، فلنرجع إلى ما تقدَّمَ الوعدُ به من تحرير الترجمة، فأقول: ٥٢٧ الفصل العاشر: في عدّ أحاديث ((الجامع)) ذکر نسبه ومولده ومنشئه ومبدأ طلبه للحديث هو أبو عبد الله محمدُ بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه الْجُعْفيُّ، وُلِدَ يومَ الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخَارَى، قال المستنير بن عَتِيق: أخرج لي ذلك محمدُ بن إسماعيل بخطِّ أبيه. وجاء ذلك عنه من طرقٍ. وجدُّه بَردِزْبَه: بفتح الباء الموحّدة وسكون الراء المهملة وكسر الدال المهملة وسكون الزاي المعجمة وفتح الباء الموحّدة بعدَها هاءُ، هذا هو المشهور في ضبطه، وبه جَزَمَ ابن ماكُولا. وقيل في ضبطه غيرُ ذلك. وبَردِزْبَه بالفارسية: الَّرّاع، كذا يقوله أهلُ بخارى، وكان بَردِزْبَه فارسياً على دِين قومه، ثم أسلم ولدُه المغيرةُ على يد اليَمان الجُعْفي وأتى بخاری فنُسِبَ إلیه نسبةً ولاءٍ، عملاً بمذهب من یری أن من أسلم على يده شخصٍ كان ولاؤه له، فإنما قيل له: الجُعْفي، لذلك. وأما ولدُه إبراهيم بن المغيرة فلم نقف على شيءٍ من أخباره. وأمَّا والد محمدٍ فقد ذُكِرَت له ترجمة في كتاب ((الثقات)) لابن حِبَّان، فقال في الطبقة الرابعة: إسماعيلُ بن إبراهيم، والدُ البخاريِّ: يروي عن حماد بن زيد ومالك، روى عنه العراقيون. وذَكَره ولدُه في ((التاريخ الكبير)) فقال: إسماعيلُ بن إبراهيم بن المغيرة، سمع من مالكٍ وحماد بن زيد وصحب ابن المبارك(١). ومات إسماعيلُ وَمحمدٌ صغير، فنشأ في حَجْرِ أُمه. ثم حَجَّ مع أمه وأخيه أحمد وكان أسنَّ منه، فأقام هو بمكة مجاوراً یطلبُ العلم، ورجع أخوه أحمدُ إلى بخاری فمات بها. (١) كذا وقع في الأصول، وفي (س): وصافح ابن المبارك، وكلاهما خطأ، والصواب كما في ((التاريخ الكبير)) ٣٤٣/١: رأَى حماد بن زيد صافحَ ابنَ المبارك، وتتمته: بكلتا يديه. وقد علَّق البخاري هذا الأثر عن والده في ((صحيحه)) بين يدي الحديث (٦٢٦٥) إلّا أنه لم يُسمِّه. ٥٢٨ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري فروى غُنْجارٌ في (تاريخ بُخارى)) واللَّالكائي في ((شرح السنة)) في باب كرامات الأولياء منه: أنَّ محمد بن إسماعيل ذَهَبت عيناه في صغره، فرأت والدتُه إبراهيم الخليل في المنام فقال لها: يا هذه، قد رَدَّ اللهُ على ابنك بصرَه بكثرة دعائك، قال: فأصبح وقد ردَّ اللهُ علیه بصره. وقال الفِرَبْري: سمعتُ محمد بن أبي حاتم وَرَّاق البخاري يقول: سمعت البخاريَّ يقول: أُلهمتُ حِفظَ الحديث وأنا في الكُتَّاب. قلتُ: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشرُ سنين أو أقلُّ، ثم خرجتُ من الكُتّاب فجعلت أختلفُ إلى الداخليِّ وغيره، فقال يوماً فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزُّبير عن إبراهيم، فقلتُ: إن أبا الزّبير لم يرو عن إبراهيم، فانتَهَرني فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل فنظر فیه، ثم رجع فقال لي: كيف هو يا غلامُ؟ فقلت: هو الزُّبير - وهو ابن عَدِيٍّ - عن إبراهيم، فأخذ القلم وأصلح كتابه وقال لي: صدقتَ، قال: فقال له إنسان: ابنُ كم حين رَدَدْتَ عليه؟ فقال: ابنُ إحدى عشرة سنةً، قال: فلما طَعَنتُ في ستَّ عشرةَ سنة حفظتُ كتبَ ابن المبارك ووكيع، وعرفتُ كلام هؤلاء؛ يعني أصحابَ الرأي، قال: ثم خرجتُ مع أمي وأخي إلى الحج. قلت: فكان أولُ رحلته على هذا سنة عشٍ ومئتين، ولو رَحَلَ أولَ مَا طَلَبَ لأدركَ ما أدركه أقرانُه من طبقةٍ عاليةٍ ما أدركها وإن كان أدرك ما قارَبَها كيزيدَ بنِ هارون وأبي داود الطَّيالسي، وقد أدركَ عبدَ الرزاق وأراد أن يرحل إليه، وكان يُمكِّنُه ذلك، فقيل له: إنه مات، فتأخّر عن التوجه إلى اليمن، ثم تبيَّن أنَّ عبد الرزاق كان حياً فصار يروي عنه بواسطة، قال: فلما طَعنتُ في ثمانيَ عشرةَ صنَّفَتُ كتابَ ((قضايا الصّحابة والتابعين)) ثم صنَّفْتُ ((التاريخ)) في المدينة عند قبر النبيِّ وَّهَ، وكنت أكتبه في الليالي المُقمِرةِ، قال: وقَلَّ اسمٌ في ((التاريخ)) إلّا وله عندي قصة، إلّا أني كرهتُ أن يَطُولَ الكتاب. وقال سهل بن السَّرِيِّ: قال البخاريُّ: رحلتُ إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربعَ مراتٍ، وأقمتُ بالحجازِ ستة أعوام، ولا أُحصي كم دخلتُ إلى الكوفةِ وبغدادَ مع المحدِّثين. ٥٢٩ الفصل العاشر: في عدّ أحاديث ((الجامع)» وقال حاشدُ بن إسماعيل: كان البخاريُّ يختلفُ معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلامٌ، فلا يكتُبُ حتى أَتى على ذلك أيامٌ، فَلُمْناه بعد ستةَ عشرَ يوماً، فقال: قد أكثرتُم عليَّ، فاعْرِضُوا عليَّ ما كتبتم، فأخرجناه فزاد على خمسةَ عشرَ ألف حديثٍ، فقرأها كلَّها عن ظَهْر قلب، حتى جعلنا نُحکِم کتبنا من حفظه. وقال أبو بكر بن أبي عتّاب(١) الأعيَّن: كتبنا عن محمد بن إسماعيل وهو أمرَدُ على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي. قلت: كان موتُ الفِرْيابي سنة اثنتي عشرة ومئتين، فكان سِنُّ البخاري إذ ذاك نحواً من ثمانية عشر عاماً أو دونها. وقال محمد بن الأزهر السِّجِسْتاني: كنتُ في مجلس سليمان بن حَرْب والبخاري معنا يسمع ولا يكتبُ، فقيل لبعضهم: ما له لا يكتبُ؟ فقال: يرجع إلى بُخارى فيكتب من حفظه. وقال محمد بن أبي حاتم عن البخاري: كنتُ في مجلس الفِرْيابي فقال: حدَّثنا سفيان، عن أبي عُرْوة، عن أبي الخطّاب، عن أبي حمزة، فلم يَعرِف أحدٌ في المجلس مَن فوقَ سفيان، فقلت لهم: أبو عُرْوة هو مَعمَر بن راشد، وأبو الخَطَّاب هو قَتَادة بن دِعامة، وأبو حمزة هو أنس بن مالك، قال: وكان الثوريُّ فَعُولاً لذلك يَكْني المشهورين. ذكر مراتب مشايخه الذين كَتَبَ عنهم وحدَّثَ عنهم قد تقدَّم التنبيه على كَثْرتهم، وعن محمد بن أبي حاتم عنه قال: كتبتُ عن ألفٍ وثمانين نفساً ليس فيهم إلّا صاحبُ حديث. وقال أيضاً: لم أكتُبْ إلّا عمَّن قال: الإيمانُ قولٌ وعمل. قلت: وينحصرون في خمس طبقاتٍ: الطبقة الأولى: من حَدَّثه عن التابعين، مثلُ: محمد بن عبد الله الأنصاري حدَّثه عن حُميدٍ، ومثل: مَكِّيٍّ بن إبراهيم حدَّثه عن يزيد بن أبي عُبيد، ومثل أبي عاصم النَّبيل حدَّثه عن يزيد بن أبي عُبيد أيضاً، ومثل: عُبيد الله بن موسى حدَّثه عن إسماعيل بن أبي خالد، ومثل: أبي نُعَيم (١) تحرَّف في (س) إلى: عياش. ٥٣٠ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري حدَّثه عن الأعمش، ومثل: خَلَّاد بن يحيى حدَّثه عن عيسى بن طَهْمان، ومثل: عليٍّ بن عيَّاش وعصام بن خالد حدَّثاه عن حَرِيز بن عثمان، وشيوخُ هؤلاء كلهم من التابعين. الطبقة الثانية: مَن کان في عصر هؤلاء لكن لم يسمعْ من ثِقاتِ التابعین: کآدم بن أبي إياس، وأبي مُسهِر عبد الأعلى بن مُسهِر، وسعيد بن أبي مريم، وأيوبَ بن سليمان بن بلال، وأمثالهِم. الطبقة الثالثة: هي الوُسْطى من مشايخه، وهم من لم يَلْقَ التابعين بل أَخذ عن کِیار تَبَعِ الأتباع كسليمان بن حَرْب، وقُتَيبة بن سعيد، ونُعَيم بن حَمَّاد، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حَنبَل، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر وعثمان ابنَيْ أبي شَيْبة، وأمثالِ هؤلاء، وهذه الطبقة قد شاركه مسلمٌ في الأخذ عنهم. الطبقة الرابعة: رُفَقاؤه في الطَّلب ومن سمع قبله قليلاً: کمحمد بن یحیی الذّهلي، وأبي حاتم الرازي، ومحمد بن عبد الرحيم صاعقةَ، وعَبْدِ بن حُميد، وأحمد بن النَّضْرِ، وجماعةٍ من نظرائهم، وإنما يُرِّجُ عَن هؤلاء ما فاته عن مشايخه، أو ما لم يَجِدْه عند غيرهم. الطبقة الخامسة: قومٌ في عِدَاد طلبته في السِّنِّ والإسناد سمع منهم للفائدة: كعبد الله بن حمّاد الآمُليِّ، وعبد الله بن أبيِّ القاضي(١) الخُوارِزْمي، وحُسين بن محمد القَبَّاني، وغيرهم، وقد روى عنهم أشياء يسيرةً، وعَمِلَ في الرواية عنهم بما روى عثمان بن أبي شَيْبة عن وكيع قال: لا يكون الرجلُ عالماً حتى يُحدِّثَ عمَّن هو فوقَه وعمَّن هو مثلُه وعمَّن هو دونَه. وعن البخاريِّ أنه قال: لا یکون المحدِّثُ کاملاً حتی یکتبَ عمَّن هو فوقَه وعمَّن هو مثله وعمَّن هو دونه. ذکر سيرته وشمائله وزهده وفضائله قال وَرَّاقُه: سمعتُ محمدَ بن خِدَاش يقول: سمعتُ أحمد بن حفص(٢) يقول: دخلتُ على إسماعيلَ والد أبي عبد الله عند موته فقال: لا أعلمُ في مالي درهماً من حرام ولا درهماً من شُبْهة. (١) تحرَّف في (س) إلى: عبد الله بن أبي العاصي. (٢) في الأصول و(س): ((محمد بن خراش يقول: سمعت أحيد بن حفص))، والمثبت من ((سير أعلام النبلاء)) ٤٤٧/١٢، ويغلب على ظننا أنه الصواب. ٥٣١ الفصل العاشر: في عدّ أحاديث ((الجامع)» قلت: وحَكَى ورَّاقُه: أنه وَرِثَ من أبيه مالاً جليلاً، فكان يُعطيه مُضارَبَةً، فقطَعَ له غريمٌ خمسة وعشرين ألفاً، فقيل له: استعِنْ بكُتَّاب الوالي، فقال: إن أخذتُ منهم كتاباً طَمِعُوا، ولن أبيع ديني بدنياي. ثم صالح غريمه على أن يُعطيَه كلَّ شهر عشرة دراهمَ، وذهب ذلك المالُ ءُ کلَّه. وقال: سمعتُه يقول: ما تولَّيتُ شراءَ شيء قطُّ ولا بيعَه، كنت آمُرُ إنساناً فيشتري لي، قيل له: ولِمَ؟ قال: لِما فيه من الزيادة والنُّقْصان والتخليط. وقال غُنْجار في (تاريخه)): حدَّثنا أحمدُ بن محمد بن عمر المقرئُ، حدثنا أبو سعيد بكر ابن مُثِير قال: كان ◌ُملَ إلى محمد بن إسماعيل بضاعةٌ أَنفَذَها إليه أبو حفص، فاجتمع بعضُ التجار إليه بالعَشِيَّة وطلبوها منه بِرِبْح خمسة آلاف درهم، فقال لهم: انصرفوا الليلة، فجاءه من الغد تجار آخرون فطلبوا منه البضاعة بربح عشرة آلاف، فَرَدَّهم وقال: إني نويتُ البارحةَ أن أدفع إلى الأوَّلين، ودفعها إليهم وقال: لا أُحبُّ أن أَنْقُضَ نَيَّتِي. وقال ورَّاقُ البخاري: سمعتُه يقول: خرجتُ إلى آدم بن أبي إياس، فتأخّرَتْ نَفَقتي حتى جعلتُ أتناول حشيشَ الأرض، فلما كان في اليوم الثالث أتاني رجلٌ لا أعرفُه فأعطاني صُرَّةً فيها دنانير. قال: وسمعته يقول: كنتُ أستغلَّ في كل شهر خمس مئة درهم فأُنفِقُها في الطَّلَب، وما عندَ الله خيرٌ وأبقى. وقال عبد الله بن محمد الصَّارفي: كنت عند محمد بن إسماعيل في منزله فجاءته جاريتُه وأرادَتْ دخولَ المنزل، فعَثَرَت على مِحْبرةٍ بين يديه، فقال لها: كيف تمشينَ؟ قالت: إذا لم يكن طريقٌ كيف أمشي؟ فَبَسَطَ يديه وقال: اذهبي فقد أَعتقتُكِ، قيل له: يا أبا عبد الله، أَغْضَبَتَكَ؟ قال: فقد أرضیتُ نفسي بما فعلتُ. وقال ورَّاق البخاري: رأيتُه استلقى ونحن بفِرَبْر في تصنيف كتاب التفسير، وكان أتعَبَ نفسَه في ذلك اليوم في التخريج، فقلت له: إني سمعتُك تقول: ما أتيتُ شيئاً بغير علم، فما الفائدةُ في الاستلقاء؟ قال: أتعبتُ نفسي اليومَ، وهذا ثَغْرٌ خَشِيتُ أن يَحَدُثَ حَدَثٌ من أمر العدو، ٥٣٢ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري فأحببتُ أن أستريحَ وآخذَ أُهْبةً، فإن غافَصَنا(١) العدوُّ كان بنا حَرَاكٌ. قال: وكان يركبُ إلى الرَّمي كثيراً، فما أعلمُ أني رأيته في طُولٍ ما صَحِبتُه أخطأ سهمُه الهدفَ إلّا مرتين، بل كان يصيب في كل ذلك ولا يُسبَق، قال: وركبنا يوماً إلى الرمي ونحن بِرَبْر، فخرجنا إلى الدَّرْب الذي يؤدِّي إلى الفُرْضة، فجَعَلْنا نَرْمي فأصاب سهمُ أبي عبد الله وَتِدَ القَنطَرة التي على النَّهر، فانشقَّ الوتدُ، فلما رأَى ذلك نزل عن دابته فأخرجَ السهمَ من الوتدٍ وترك الرميَ وقال لنا: ارجِعُوا، فَرَجَعْنا: فقال لي: يا أبا جعفر، لي إليك حاجةٌ، وهو يتنفَّس الصُّعَداء، فقلت: نعم، فقال: تذهبُ إلى صاحب القَنطَرة فتقول: إنّا أخْلَلنا بالوَتِد، فنحبُّ أن تأذنَ لنا في إقامة بَدَلِه أو تأخذ ثمنه أو تجعلنا في حِلِّ مما كان منا، وكان صاحبُ القَنطرة حميدَ بن الأخضر، فقال لي: أبلِغْ أبا عبد الله السلامَ، وقل له: أنت في حِلِّ مما كان منك، فإنَّ جميع مِلْكي لك الفِداءُ، فأبلغت الرسالةَ فتهلَّل وجهُه وأظهر سروراً كثيراً، وقرأ ذلك اليومَ للغرباء خمس مئة حديث، وتصدَّق بثلاث مئة درهم. قال: وسمعته يقول لأبي مَعشَرِ الضرير: اجعَلْني في حِلِّ يا أبا مَعْشر، فقال: مِن أيِّ شيء؟ فقال: رَوَيتُ حديثاً يوماً فنظرتُ إليك وقد أُعجِبتَ به وأنت تُحرِّكُ رأسَك ويديك، فتبسَّمتُ من ذلك، قال: أنت في حِلُّ رحمك الله يا أبا عبد الله. قال: وسمعته يقول: دعوتُ ربّ مرّتين فاستجاب لي - يعني: في الحال - فلن أحبَّ أن أدعوَ بعدُ، فلعله ينقص حسناتي. قال: وسمعته مرّةً يقول: لا يكونُ لِي خَصْمٌ في الآخرة، فقلت: إن بعض الناس يَنْقِمُونَ عليك ((التاريخَ)) يقولون: فيه اغتيابُ الناس، فقال: إنما رَوَینا ذلك روايةً ولم نَقُلْه من عند أنفسنا، وقد قال النبيُّ ◌َّ: ((بئْسَ أخو العَشِيرة)(٢). قال: وسمعته يقول: ما اغتبتُ أحداً قطُّ منذ علمتُ أنَّ الغِيبةَ حرام. قلت: وللبخاري في كلامه على الرجال تَوَقِّ زائدٌ، وتحرٍّ بليغ، يَظهرُ لمن تأمَّل كلامه في الجَرح والتعديل، فإنه أكثرُ ما يقول: سَكَتُوا عنه، فيه نظرٌ، تركوه، ونحو هذا، وقَلَّ أن يقول: (١) غافَصَنا: فاجأنا وأخَذَنا على غِرَّةٍ منّا. (٢) أخرجه البخاري في ((الصحيح)) برقم (٦٠٣٢). ٥٣٣ الفصل العاشر: في عدّ أحاديث ((الجامع)) كذَّاب أو وضَّاعِ، وإنما يقول: كذَّبه فلانٌ، رَمَاه فلان؛ يعني بالكذب. أخبرني أحمد ابن عمر اللُّؤْلؤي، عن الحافظ أبي الحجَّاجِ المِّي، أن أبا الفتح الشَّيباني أخبره: أخبرنا أبو اليُمْن الكِنْدي، أخبرنا أبو منصور القَزَّاز، أخبرنا الخطيب أبو بكر بن ثابتٍ، أخبرني أبو الوليد الدَّربندي، أخبرنا محمد بن أحمد بن سلیمان، حدثنا أحمد بن محمد بن عمر، سمعتُ بَكْر بن مُنِير يقول: سمعتُ محمد بن إسماعيل البخاريَّ يقول: إني لأرجو أن أَلقى الله ولا يُحاسِبُني أني اغتَبتُ أحداً. وبه إلى بكر بن مُنير قال: كان محمد بن إسماعيل البخاريُّ ذات يوم يصلّي، فلَسَعَه الُّنْبُور سبعَ عشرةَ مرةً، فلما قضى صلاته قال: انظُرُوا أيشٍ هذا الذي آذاني في صلاتي؟ فنظروا فإذا الُّنْبُور قد ورَّمه في سبعة عشر موضعاً ولم يَقطَعْ صلاته. قلت: ورُوِّيناها عن محمد بن أبي حاتم وَرَّاقِه، وقال في آخرها: كنتُ في آيةٍ فأحببتُ أن أُتْمَّهَا. وقال ورَّاقُه أيضاً: كان يفِرَبْر، وكان أبو عبد الله يبني رِباطاً مما يلي بُخارَى، فاجتمع بشرٌّ كثير يُعِينونُه على ذلك، وكان يَنْقُل اللَِّن، فكنت أقول له: يا أبا عبد الله، إنك تُكفَى ذلك، فيقول: هذا الذي يَنفعُني. قال: وكان ذَبَحَ لهم بقرةً، فلما أدرَكَت القُدورُ دعا الناسَ إلى الطعام، وكان معه مئة نفس أو أكثر، ولم يكن عَلِمَ أنه يجتمع ما اجتمع، وكنا أخرَجْنا معه من فِرَبْر خبزاً بثلاثة دراهم، وكان الخبز إذ ذاك خمسةٌ أَمْناءٍ بدرهم، فألقينا بين أيديهم، فأكل جميعُ مَن حَضَرَ وفَضَلَت أرغفةٌ صالحة. قال: وكان قليلَ الأكل جداً، كثيرَ الإحسان إلى الطلبة، مُفِرِطَ الكَرَم. وحَكَى أبو الحسن يوسف بن أبي ذر البخاري: أن محمد بن إسماعيل مَرِضَ، فعرضوا ماءَه على الأطبّاء، فقالوا: إنَّ هذا الماء يُشبِهُ ماء بعض أساقفة النصارى، فإنهم لا يأْتَدِمُون، فصَدَّقهم محمدُ بن إسماعيل وقال: لم أأتِدِمْ منذ أربعين سنةً، فسُئلوا عن علاجه فقالوا: علاجُه الأُدُم، فامتنع حتى ألحّ عليه المشايخُ وأهلُ العلم، فأجابهم إلى أن يأكل مع الخبز سُكَّرةً. ٥٣٤ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري وقال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: أخبرني محمد بن خالد، حدثنا مُسبِّح(١) بن سعيد قال: كان محمد بن إسماعيل البخاري إذا كان أوَّلُ ليلة من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابُه فيصلِّ بهم، ويقرأُ في كل ركعةٍ عشرين آيةً، وكذلك إلى أن يَخْتِم القرآن، وكان يقرأ في السَّحَر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيَختِم عند السَّحَر في كلِّ ثلاث ليال، وكان يَخْتِمُ بالنهار في كل يوم خَتْمةً، ويكون خَتْمه عند الإفطار كلَّ ليلة ويقول: عند كل خَتمَةٍ دعوةٌ مستجابة. وقال محمد بن أبي حاتم الوَرَّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفرٍ يجمعُنا بيتٌ واحد إلّا في القَيْظ، فكنت أراه يقوم في الليلة الواحدة خمسَ عشرةَ مرةً إلى عشرين مرةً، في كل ذلك يأخذ القَدَّاحة فيُورِي ناراً بيده ويُسرِجُ ويُخْرِجُ أحاديث فُيُعلِّم عليها، ثم يضعُ رأسه، فقلت له: إنك تَحمِلُ على نفسك، كلُّ هذا ولا توقظني؟ قال: أنت شابٌّ فلا أحِبُّ أن أُفسِدَ عليك نومك، قال: وكان يُصلِّي في وقت السَّحَر ثلاث عشرة ركعةً ويُوِرُ منها بواحدة. قال: وكان معه شيءٌ من شَعَرِ النبي ◌ُّ فجعله في ملبوسه. قال: وسمعته يقول وقد سُئِلَ عن خبرِ حديثٍ(٢): يا أبا فلان، تُراني أُدلِّسُ وقد تركتُ عشرةَ آلاف حديث لرجلٍ لي فيه نظرٌ، وتركتُ مثلَها أو أكثرَ منها لغيره لي فيه نظرٌ؟! وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي السُّلَيماني: سمعت علي بن محمد بن منصور يقول: سمعت أبي يقول: كنا في مجلس أبي عبد الله البخاري، فرفع إنسانٌ من لحيته قَذَاةً فطَرَحَها إلى الأرض، قال: فرأيتُ محمد بن إسماعيل ينظر إليها وإلى الناس، فلما غَفَلَ الناسُ رأيتُه مدَّ يده فرفع القذاةَ من الأرض فأدخلها في كُمِّه، فلما خرج من المسجد رأيته أخرجها فطرحها على الأرض، فكأنه صانَ المسجدَ عمّا يُصانُ عنه لحيتُه. (١) تحرَّف في (س) إلى: مقسم. (٢) هاهنا في حاشية الأصل ما نصُّه: يعني: عن الإخبار بحديث، بمعنى: أنه يرويه بصيغة غير محتملة للتدليس، كأخبرنا مثلاً. ٥٣٥ الفصل العاشر: في عدّ أحاديث ((الجامع)) وأخرج الحاكم في ((تاريخه)) من شِعْره قوله: اغتنمْ في الفراغِ فضلَ ركوعٍ فعسى أن يكون موتُك بَغْتَهْ كم صحيحِ رأيتُ من غير سُقٍ ذهَبَتْ نفسُه الصحيحةُ فَلْتَهْ قلت: وكان من العجائب أنه هو وَقَعَ له ذلك أو قریب منه كما سيأتي في ذِكْر وفاته، ولما نُعِيَ إليه عبدُ الله بن عبد الرحمن الدارميُّ الحافظ أنشد: إنْ عشتَ تُفْجَعُ بالأحبَّةِ كلِّهمْ وبقاءُ نفسِك لا أبالكَ أَفجَعُ ذکر ثناء الناس عليه وتعظیمهم له فأوَّلهُم مشائخُه، قال سليمان بن حَرْب - ونَظَر إليه يوماً - فقال: هذا يكون له صِيتُ. وكذا قال أحمد بن حفص نحوه، وقال البخاري: كنت إذا دخلتُ على سليمان بن حرب يقول: بَيِّنَ لنا غلطَ شُعْبة. وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت البخاريَّ يقول: كان إسماعيل بن أبي أُوَيْس إذا انتخبتُ من كتابه، نَسَخَ تلك الأحاديث لنفسه وقال: هذه الأحاديث انتخبها محمدُ بن إسماعيل من حديثي. قال: وسمعتُهُ يقول: اجتمعَ أصحابُ الحديث فسألوني أن أكلِّم لهم إسماعيلَ بن أبي أُويس ليزيد لهم في القراءة، ففعلتُ فدعا الجاريةَ فأمرها أن تُخرِجَ صُرَّةَ دنانیر وقال: يا أبا عبد الله، فَرِّقْها عليهم، قلتُ: إنما أرادوا الحديثَ، قال: قد أجبتُكَ إلى ما طلبوا من الزيادة، غيرَ أني أُحبُّ أن يُضَمَّ هذا إلى ذاك. قال: وقال لي ابنُ أبي أُويس: انظُر في كتبي، وجميعُ ما أملِك لك، وأنا شاكرٌ لك أبداً ما دمتُ حيّاً. وقال حاشد بن إسماعيل: قال لي أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزُّهري: محمد بن إسماعيل أفقهُ عندنا وأبصرُ بالحديث من أحمد بن حنبل، فقال له رجلٌ من جلسائه: جاوزت الحدَّ! فقال ٥٣٦ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري له أبو مصعب: لو أدركتَ مالكاً، ونظرتَ إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل لقلتَ: كلاهما واحدٌ في الحديث والفقه. قلت: عَبَّرَ بقوله: ونظرتَ إلى وجهه، عن التأمّل في معارفه. وقال عَبْدانُ بن عثمان المَرْوزي: ما رأيتُ بعينيَّ شاباً أبصرَ من هذا؛ وأشار إلى محمد ابن إسماعيل. وقال محمد بن قُتيبة البخاري: كنتُ عند أبي عاصم النَّبيل، فرأيت عنده غلاماً فقلتُ له: من أين؟ قال: من بُخارى، قلت: ابنُ مَن؟ قال: ابنُ إسماعيل، فقلتُ: أنت من قَرَابتي، فقال لي رجلٌ بحَضْرة أبي عاصم: هذا الغلامُ يناطحُ الكِياش، يعني: يقاوم الشيوخَ. وقال قُتيبة بن سعيد: جالستُ الفقهاء والزُّهَّاد والعُبَّاد، ما رأيتُ منذ عَقَلتُ مثلَ محمد ابن إسماعيل، وهو في زمانه كعمرَ في الصّحابة. وعن قتيبة أيضاً قال: لو كان محمد بن إسماعيل في الصّحابة لكان آية. وقال محمد بن يوسف الهَمْداني: كنّا عند قتيبة، فجاء رجل شعراني يقال له: أبو يعقوب، فسأله عن محمد بن إسماعيل، فقال: يا هؤلاء، نظرتُ في الحديث ونظرتُ في الرأي، وجالست الفقهاء والزهاد والعُبّاد، ما رأيت منذ عَقَلتُ مثل محمد بن إسماعيل. قال: وسُئِلَ قتيبةُ عن طلاق السَّكْران، فدخل محمدُ بن إسماعيل فقال للسائل: هذا أحمدُ بن حَنبل وإسحاق بن راهويه وعليُّ بن المديني قد ساقهم اللهُ إليك؛ وأشار إلى البخاري. وقال أبو عمرو الكِرْماني: حكيتُ لِهْيار بالبصرة عن قتيبة بن سعيد أنه قال: لقد رُحِلَ إليَّ من شرق الأرض وغربها، فما رَحَلَ إليَّ مثل محمد بن إسماعيل، فقال مِهيارٌ: صدق قتيبةٌ، أنا رأيته مع يحيى بن معين وهما جميعاً يختلفان إلى محمد بن إسماعيل، فرأيتُ يحيى ينقادُ له في المعرفة. وقال إبراهيم بن محمد بن سَلَام: كان الرُّتُوت من أصحاب الحديث مثلُ سعيد بن أبي مريم وحَجَّاج بن مِنهال وإسماعيل بن أبي أُويس والحُمَيدي ونُعَيم بن حماد والعَدَني: يعني محمد بن يحيى بن أبي عمر، والخلّال: يعني الحسن بن علي الحُلْواني، ومحمد بن ميمون - هو الخيّاط - وإبراهيم بن المنذر وأبي كُرَيب محمد بن العلاء وأبي سعيد ٥٣٧ الفصل العاشر: في عدّ أحاديث ((الجامع)) عبد الله بن سعيد الأشجّ وإبراهيم بن موسى - هو الفَرَّاء - وأمثالهم، يَقْضُون لمحمد بن إسماعيل البخاري على أنفسهم في النَّظَر والمعرفة. قلت: الرُّتُوت بالراء المهملة والتاء المثناة فوقُ، وبعدَ الواو مثنَّةٌ أخرى: هم الرُّؤَساء، قاله ابن الأعرابي وغيره. وقال أحمدُ بن حنبل: ما أخرَجَت خراسانُ مثلَ محمد بن إسماعيل. رواه الخطيبُ بسندٍ صحيح عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، ولما سأله ابنُهُ عبدُ الله عن الحُفَّاظ فقال: شبابٌ من خُراسان، فعدّه فيهم فبدأ به. وقال يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي ونُعَيم بن حماد الخُزَاعي: محمد بن إسماعيل البخاري فقيهُ هذه الأمة. وقال بُندَارٌ محمدُ بن بشار: هو أفقه خلق الله في زماننا. وقال الفِرَبْري: سمعتُ محمد بنَ أبي حاتم يقول: سمعتُ حاشدَ بن إسماعيل يقول: كنتُ بالبصرة فسمعت بقدوم محمد بن إسماعيل، فلما قَدِمَ قال محمدُ بن بشَّار: دَخَل اليومَ سيدُ الفقهاء. وقال محمدُ بن إبراهيم البُوشَنْجي: سمعتُ بُنْداراً سنة ثمان وعشرين يقول: ما قَدِمَ علينا مثلُ محمد بن إسماعيل. وقال بُندارٌ: أنا أفتَخِرُ به منذ سنين. وقال موسى بن قُريش: قال عبد الله بن يوسف التِّنِّيسي للبخاري: يا أبا عبد الله، انظُر في كتبي وأخبرني بما فيها من السَّقْط، فقال: نعم. وقال البخاري: دخلتُ على الحُمَيدي وأنا ابنُ ثمان عشرة سنة، يعني أولَ سنةٍ حجَّ، فإذا بينه وبين آخرَ اختلافٌ في حديث، فلما بَصُرَ بي قال: جاءَ من يَفصِلُ بيننا، فعَرَضا عليَّ الخصومةَ، فقضيتُ للحمیدي، وکان الحقُّ معه. وقال البخاري: قال لي محمد بن سَلَام البِيكَندي: انظُرُ في كتبي، فما وَجَدْتَ فيها من خطأ فاضرب عليه، وقال له بعضُ أصحابه: مَن هذا الفتى؟ فقال: هذا الذي ليس مثلُه. وكان محمدُ بن سَلَام المذكور يقول: كلَّما دخل عليَّ محمدُ بن إسماعيل تحيَّرت، ولا أزال خائفاً منه؛ يعني يخشى أن يخطئ بحَضْرته، وقال سُلَيم بن مجاهد: كنت عند محمد بن سَلَام فقال: لو جئتَ قبلُ، ٥٣٨ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري لرأيت صبياً يحفظ سبعين ألفَ حديث. وقال حاشد بن إسماعيل: رأيتُ إسحاق بن راهويه جالساً على المنبر والبخاريُّ جالس معه، وإسحاق يُحدِّثُ، فمَرَّ بحديثٍ فأنكره محمد، فرجع إسحاقُ إلى قوله، وقال: يا مَعشرَ أصحابِ الحديث، انظُرُوا إلى هذا الشاب واكتُبُوا عنه، فإنه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن البَصْري لاحتاجَ إليه لمعرفته بالحديث وفِقْهه. وقال البخاريُّ: أخذَ إسحاقُ بن راهويه كتاب ((التاريخ)) الذي صنَّفْتُه، فأدخله على عبد الله بن طاهرِ الأمير فقال: أيُّها الأميرُ، ألا أُريك سِحْراً؟ وقال أبو بكر المديني: كنا يوماً عند إسحاق بن راهويه ومحمدُ بن إسماعيل حاضرٌ، فمرَّ إسحاقُ بحديث ودُونَ صحابيِّه عطاءُ الكَيْخاراني، فقال له إسحاقُ: يا أبا عبد الله، أَيشٍ هي كَيْخارانُ؟ قال: قريةٌ باليمن، كان معاويةُ بَعَثَ هذا الرجل الصحابي إلى اليمن فسمع منه عطاءٌ هذا حديثين، فقال له إسحاق: يا أبا عبد الله، كأنك شَهِدتَ القوم. وقال البخاري: كنتُ عند إسحاق بن راهويه فسُئِلَ عمَّن طَلَّقَ ناسِياً، فسكتَ طويلاً مفكِّراً، فقلتُ أنا: قال النبي ◌َِّ: ((إنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عن أُمَّتِي ما حَدَّتْ به أنفُسَها ما لم تَعْمَل به أو تكَلَّمْ)) (١)، وإنما يُرَادُ مُباشرةُ هؤلاء الثلاث: العمل والقلب أو الكلام والقلب، وهذا لم يَعْتِقِدْ بقلبه، فقال لي إسحاقُ: قوَّيتَني قوَّاك الله، وأفتَى به. وقال أبوالفضل أحمد بن سلمة النَّيسابوري: حدَّثني فتحُ بن نوح النَّيسابوري قال: أتيت عليَّ بن المديني فرأيتُ محمد بن إسماعيل جالساً عن يمينه، وكان إذا حَدَّث التَّفَتَ إلیه مهابةً له. وقال البخاري: ما استَصغَرتُ نفسي عند أحدٍ إلا عند عليّ بن المديني، وربما كنتُ أُغرِبُ عليه. قال حامدُ بن أحمد: فذكرتُ هذا الكلام لعلي بن المديني، فقال لي: دَعْ قوله، هو ما رأى مثلَ نَفْسِه. (١) أخرجه البخاري في ((الصحيح)) برقم (٢٥٢٨) و(٥٢٦٩) و(٦٦٦٤) من حديث أبي هريرة . ٥٣٩ الفصل العاشر: في عدّ أحاديث ((الجامع)» وقال البخاري أيضاً: كان عليٌّ بن المديني يسألني عن شيوخ خُراسان، فكنتُ أذكُر له محمد بن سَلَام فلا يعرفُه، إلى أن قال لي يوماً: يا أبا عبد الله، كلٌّ من أثنيتَ عليه فهو عندنا الرِّضا. وقال البخاريُّ: ذاكَرَني أصحابُ عَمْرو بن على الفَلَّس بحديثٍ فقلتُ: لا أعرفُه، فسُرُوا بذلك، وصاروا إلى عمرو بن علي فقالوا له: ذاكَرْنا محمد بن إسماعيل بحديث فلم يعرفه، فقال عمرو بن علي: حديثٌ لا يعرفُه محمد بن إسماعيل ليس بحديثٍ. وقال أبو عمرو الكِرْماني: سمعتُ عمرو بن علي الفَلَّاس يقول: صديقي أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ليس بخُراسان مثلُه. وقال رجاءُ بن مُرَجّى: فَضْلُ محمدٍ بن إسماعيل على العلماء كفَضْل الرِّجال على النساء. وقال أيضاً: هو آيةٌ من الآيات تمشي على ظَهْر الأرض. وقال الحسين بن حُرَيث: لا أعلمُ أني رأيت مثل محمد بن إسماعيل، كأنه لم يُخْلَق إلا للحديث، وقال أحمد بن الضَّوْء: سمعتُ أبا بكر بن أبي شَيْبة ومحمد بن عبد الله بن نُمَیر يقولان: ما رأينا مثلَ محمد بن إسماعيل، وكان أبو بكر بن أبي شيبة يسمِّيه البازِلَ؛ يعني الكامل. وقال أبو عیسی التِّرمدي: کان محمدُ بن إسماعيل عند عبد الله بن مُنیر، فقال له لما قام : يا أبا عبد الله، جعلَك اللهُ زَيْنَ هذه الأمة، قال أبو عيسى: فاستجابَ الله له فيه. وقال أبو عبد الله الفِرَبْري: رأيتُ عبد الله بن مُنير يكتب عن البخاري، وسمعته يقول: أنا من تلامذته. قلت: عبد الله بن مُنِير من شيوخ البخاري، فقد حَدَّث عنه في ((الجامع الصحيح))، وقال: لم أرَ مثلَه، وكانت وفاته سنةَ مات أحمدُ بن حنبل. وقال محمد بن أبي حاتم الوَرَّاق: سمعتُ يحيى بن جعفر البيكندي يقول: لو قَدَرتُ أن أزيدَ من عمري في عمر محمد بن إسماعيل لفعلتُ، فإن موتي يكون موتَ رجلٍ واحدٍ، وموتُ محمد ابن إسماعيل فيه ذهابُ العلم. وقال أيضاً: سمعتُه يقول له: لولا أنت ما استَطَبتُ العيشَ ٥٤٠ هُدَى الساري المقدّمة فتح الباري بُيُخارى. وقال عبد الله بن محمد المُسنَدي: محمد بن إسماعيل إمامٌ، فمن لم يجعله إماماً فاتَّهِمْه. وقال أيضاً: حُفَّاظ زماننا ثلاثة، فبدأ بالبخاري. وقال علي بن حُجْر: أخرجَتْ خُراسانُ ثلاثةً: البخاريَّ، فبدأ به، قال: وهو أبصرُهم وأعلمهم بالحديث وأفقههم، قال: ولا أعلمُ أحداً مثلَه. وقال أحمد بن إسحاق السُّرْماري: مَن أرادَ أن ينظر إلى فقيهِ بحقٌّه وصِدْقِه، فلينظُر إلى محمد بن إسماعيل. وقال حاشدٌ: رأيت عمرو بن زُرَارة ومحمد بن رافع عند محمد بن إسماعيل وهما يسألانه عن عِلَلِ الحديث، فلما قاما قالا لمن حضر المجلِسَ: لا تُخْدَعُوا عن أبي عبد الله، فإنه أفقهُ منَّا وأبصرُ. قال: وكنا يوماً عند إسحاق بن راهويه وعمرو بن زُرَارة وهو يَستَملي على أبي عبد الله، وأصحابُ الحديث يكتبون عنه، وإسحاقُ يقول: هو أبصرُ منِّي، وكان أبو عبد الله إذ ذاك شابّاً. وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: أخبرني عبد الله بن محمد الفَرْهَياني قال: حضرتُ مجلسَ ابن إشْكاب، فجاءه رجلٌ - ذكر اسمه - من الحفّاظ فقال: ما لنا بمحمد بن إسماعيل طاقة، فقام ابنُ إِشْكاب وترك المجلس غضباً من التكلم في حق محمد بن إسماعيل. وقال عبد الله بن محمد بن سعيد بن جعفر: لما مات أحمدُ بن حرب النَّيسابوري، رَكِبَ إسحاقُ بن راهويه ومحمدُ بن إسماعيل يُشيِّعانِ جنازته، فكنت أسمعُ أهلَ المعرفة ينظرون ويقولون: محمد أفقهُ من إسحاق. ذكر طرفٍ من ثناء أقرانه وطائفةٍ من أتباعِه تنبيهاً بالبعض على الكلِّ قال أبو حاتم الرازي: لم تُخرِجْ خُراسانُ قطُّ أحفظَ من محمد بن إسماعيل، ولا قَدِمَ منها إلى العراق أعلمُ منه. وقال محمد بن حُرَيث: سألتُ أبا زُرْعة عن ابن لَهِيعة، فقال لي: تَرَكَه أبو عبد الله؛ يعني البخاريَّ.