النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ الفصل التاسع: أسماء من طعن فيه من رجال البخاري وعثمانُ صدوقٌ. وقال الأثرمُ عن أحمد: ما علمتُ إلا خيراً، وقال عبد الله بن أحمد: عرضتُ على أبي أحاديث لعثمان فأنكرها، وقال: ما كان أخوه - يعني أبا بكر - يُطنِّفُ(١) نفسَه بشيء من هذه الأحاديث، وتتبع الخطيبُ الأحاديثَ التي أنكرها أحمدُ على عثمانَ وبيَّن عذرَه فيها. وذكر له الدارقطني في ((كتاب التصحيف)) أشياءَ كثيرة صحَّفها من القرآن في تفسيره، كأنه ما كان يحفظُ القرآن. روی له الجماعةُ سوى الترمذيّ. (خ س) عثمانُ بن الهيثم بن الجُهْم المؤذِّن، أبو عَمرو البصري. قال أبو حاتم: كان صدوقاً غيرَ أنه كان يتلقَّن بأخَرَة. قال الدار قطني: كان صدوقاً كثيرَ الخطأ. وقال الساجي: ذُكِرَ عند أحمد فأومأ إليه أنه ليس بثبت، ولم يُحدِّث عنه. قلتُ: له في البخاري حديثُ أبي هريرة في فضل آية الكرسي، ذكره في مواضعَ عنه مطولاً ومختصراً، وروى له حديثاً آخرَ عن محمد - وهو الذُّهْلي - عنه عن ابن جُرَيج، وآخرَ في العلم صرَّح بسماعه منه، وهو متابعة. (ع) عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي التابعي المشهور. وثقه أحمدُ والنَّسائي والعِجْلي والدار قطني إلّا أنه قال: كان يغلو في التشُّع، وكذا قال ابنُ معين. وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وكان إمامَ مسجد الشِّيعة وقاصَّهم. وقال الجوزجاني: مائل عن القصد، وقال عفَّانُ عن شعبةَ: كان من الرَّفّاعينَ(٢). قلتُ: احتجَّ به الجماعةُ، وما أُخرِج له في ((الصحيح)) شيء مما يُقوِّي بدعته. (خ ٤) عطاءُ بنُ السائب بن مالك الثَّقفي الكوفي، وقيل: اسمُ جدِّه يزيد، من مشاهير الرُّواة الثقات إلا أنه اختَلَطَ فضعَّفوه بسبب ذلك، وتحصَّلَ لي من مجموع كلام الأئمة، أن روايةَ شعبةَ وسفيان الثوري وزهير بن معاوية وزائدةَ وأيوبَ وحمادِ بن زيد عنه قبلَ الاختلاط، وأنَّ جميعَ مَن روى عنه غير هؤلاء فحديثُه ضعيفٌ؛ لأنه بعد اختلاطه، إلّا حماد بن سلمة فاختلَفَ قوهُم فیه، له في البخاريِّ حديثه عن سعيد بن جُبیر عن ابن عباس في ذِکر الحَوْض (١) تحرَّف في (ع) إلى: يصف، وفي (س) إلى: تطيق. ومعنى طنَّ نفسه: رغَّبها وحملها على رواية شيء من هذه الأحاديث. (٢) أي: الذين يكثرون من رفع أحاديث موقوفة. ٤٢٢ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري مقرونٌ بأبي بِشر جعفر بن أبي وَحْشية أحدِ الأثبات، وهو في تفسير سورة الكوثر. (م ٤) عطاء بن أبي مسلم الخُرَاساني، مشهور. مختلف فيه، ما علمت من ذكره في رجال البخاري سوى المِّي، فإنه ذكره في ((التهذيب))، وتعلَّق بالقصة التي ذكرناها في الحديث الحادي والثمانين في الفصل الذي قبلَ هذا، وليس فيها ما يُقطَعُ به لما زعمه، والله أعلم. (خ م د س ق) عطاء بنُ أبي ميمونةَ البصري، أبو معاذ مولى أنس. وثقه ابنُ معين والنَّسائي وأبو زُرْعةَ، وقال ابنُ عدي: في أحاديثه بعضُ ما يُنكَر، وقال البخاريُّ وغيرُ واحد: کان یری القَدَر. قلتُ: احتجَّ به الجماعةُ سوی الترمذي، وليس له في البخاري سوی حدیثه عن أنس في الاستنجاء. (ع) عفَّان بنُ مسلم الصَّفَّار، من كِبار الثقات الأثبات. لقيه البخاريُّ وروى عنه شيئاً يسيراً، وحدَّث عن جماعةٍ من أصحابه عنه، اتفقوا على توثيقه حتى قال يحيى القطَّان: إذا وافقني عفَّان لا أبالي من خالفني. وقال أبو حاتم: ثقةٌ متقنٌّ متينٌ. وسُئل أحمدُ بن حنبل: من تابعَ عفانَ على كذا؟ فقال: وعفان يحتاجُ إلى متابع؟ وذكره ابنُ عدي في ((الكامل)) لقول سليمان بن حرب: ما كان عفانُ يَضِبِطُ عن شعبةَ، وقد قال أبو عمر الخَوْضي: رأيتُ شعبةَ أقامَ عفانَ من مجلسه مراراً من كثرة ما يُكرِّر عليه. قلت: فهذا يدلُّ على تثبّتُه في تحمُّلِه، وكأن قولَ سليمان: إنه كان لا يَضِطُ عن شعبة، بالنسبة إلى أقرانه الذين يحفظون بسرعة، وقد قال يحيى بن معين: ابنُ مهدي وإن كان أحفظَ من عَفَّن، فما هو من رجال عقَّان في الكتاب. وقال ابنُ المديني: ما أقول في رجل كان يشكُّ في حرف فيضربُ على خمسةِ أسطر؟ وقيل لابن معين: إذا اختلفَ عفانُ وأبو الوليد في حديث فالقولُ قولُ مَن؟ قال: القولُ قولُ عقَّان، والكلامُ في إتقانه كثيرٌ جداً. احتجَّ به الجماعة. (ع) عُقيل بن خالد الأَيلي، أحدُ الثقات الأثبات، من أصحاب الزُّهري. اعتمده الجماعةُ، وقد تقدَّم في ترجمة إبراهيم بن سعد حِكايةُ أحمدَ بن حنبل في إنكاره على يحيى بن سعيد القطَّان تليينَ عُقيل وإبراهيم. ٤٢٣ الفصل التاسع: أسماء من طَعن فيه من رجال البخاري (ع) عِكْرمة أبو عبد الله مولى ابن عباس، احتجَّ به البخاريُّ وأصحابُ ((السنن))، وتنكَّبَه(١) مسلمٌ فلم يُخْرِج له سوى حديثٍ واحدٍ في الحجِّ مقروناً بسعيد بن جُبَير، وإنما تركه مسلم لكلام مالكِ فيه، وقد تعقَّب جماعةٌ من الأئمة ذلك، وصنَّفوا في الذبِّ عن عِكْرمة، منهم: أبو جعفر بنُ جَرير الطبريُّ ومحمد بن نصر المَروزيُّ وأبو عبد الله بن منده وأبو حاتم بنُ حِبَّان وأبو عمر بنُ عبد البرِّ وغيرُهم، وقد رأيتُ أن أُلخصَ ما قيل فيه هنا، وإن كنتُ قد استوفيتُ ذلك في ترجمته من ((مختصري لتهذيب الكمال)). فأما أقوال من وَهَّاه فمدارها على ثلاثةِ أشياءً: على رميه بالكذب، وعلى الطَّعن فيه بأنه كان يَرَى رأيَ الخوارج، وعلى القَدْح فيه بأنه كان يقبلُ جوائزَ الأمراء، فهذه الأوجهُ الثلاثة يدور عليها جميعُ ما طُعِن به فيه، فأما البدعةُ فإن ثبتت عليه فلا تضرُّ حديثَه، لأنه لم يكن داعيةً مع أنها لم تثبت عليه. وأما قَبولُ الجوائز فلا يقدحُ أيضاً إلا عند أهل التشديد، وجمهورُ أهل العلم على الجواز كما صنَّف في ذلك ابنُ عبد البرِّ. وأما التكذيبُ فسنبيِّنُ ردَّه (٢) بعد حكاية أقوالهم، وأنه لا يلزمُ من شيء منه قدحٌ في روايته، فالوجهُ الأول فيه أقوالٌ فأشدُّها ما رُويَ عن ابن عمر أنه قال لنافع: لا تكذب عليَّ كما كَذَبَ عكرمةُ على ابن عباس، وكذا ما رُوي عن سعيد بن المسيّب أنه قال ذلك لبُرْدٍ مولاه، فقد رُوي ذلك عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب، وقال إسحاقُ بن عيسى بن الطبّاعِ: سألتُ مالكاً: أبلغك أن ابن عمر قال لنافع: لا تكذب عليَّ كما كَذَبَ عكرمةُ على ابن عباس؟ قال: لا، ولكن بلغني أنَّ سعيد بن المسيّب قال ذلك لبُرْدٍ مولاه. وقال جَریر ابنُ عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد: دخلتُ على عليٍّ بن عبد الله بن عباس وعكرمةُ مقيّدٌ، فقلتُ: ما لهذا؟ قال: إنه يكذبُ على أبي. ورُوي هذا أيضاً عن عبد الله بن الحارث أنه دخلَ على عليٍّ. وسُئِلَ ابنُ سِيرين عنه، فقال: ما يسوءني أن يدخل الجنةَ، ولكنه كذَّاب. وقال عطاءٌ الخُراساني: قلتُ لسعيد بن المسيّب: إن عِكرمةَ يزعمُ أنَّ رسول الله وَله تزوَّج ميمونةَ وهو (١) في (س): وتر که. (٢) في (ع) و(س): فسنبين وجوه رده. ٤٢٤ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري مُحُرِمٌ، فقال: كَذَبَ مَخْبَتانُ. وقال فِطرُ بن خليفة: قلت لعطاء: إن عكرمةَ يقولُ: سبقَ الكتابُ الخُفَّين، فقال: كذبَ، سمعتُ ابنَ عباس يقول: امسح على الخفين وإن خرجتَ من الخلاء، وقال عبدُ الكريم الجَزَري: قلت لسعيد بن جُبير(١): إن عكرمةَ كَرِهَ كِرَى الأرض، فقال: كذب، سمعت ابن عباس يقول: إنّ أمثل ما أنتم صانعون استئجار الأرض البيضاء. وقال وُهَيب بن خالد: كان يحيى بن سعيد الأنصاري يُكذِّبه. وقال إبراهيمُ بن المنذر عن مَعْن بن عيسى وغيرِهِ: كان مالكٌ لا يرى عكرمةَ ثقةً، ويأمر أن لا يُؤخذ عنه. وقال الرَّبيعُ: قال الشافعيُّ: وهو - يعني مَالكاً - سيِّئُ الرأي في عِكرمةَ، قال: لا أرى لأحد أن يقبلَ حديثه. وقال عثمان بن مُرَّةً: قلتُ للقاسم: إن عكرمة قال كذا، فقال: يا ابنَ أخي، إن عكرمةَ كذَّاب، يُحدِّث غُدوةً حديثاً يُخالفه عشيةً. وقال الأعمشُ عن إبراهيم: لقيتُ عِكرمةَ فسالتُه عن البطشة الكبرى، فقال: يومُ القيامة، فقلت: إنَّ عبد الله - يعني ابن مسعود - كان يقولُ: البطشةُ الکبری یومُ بدر، فبلغني بعد ذلك أنه سُئِلَ عن ذلك فقال: يومُ بدر. وقال القاسمُ بن مَعْن بن عبد الرحمن: حدثني أَبي، حدثني عبدُ الرحمن، قال: حدَّث عكرمةُ بحديث، فقال: سمعتُ ابنَ عباس يقول: كذا وكذا، قال: فقلتُ: يا غلام، هاتِ الدواةَ، قال: أعجبك؟ قلتُ: نعم، قال: تريدُ أن تكتبَه؟ قلتُ: نعم، قال: إنما قلتُه برأيي، وقال ابنُ سعد: كان عكرمةُ بحراً من البحور، ويتكلَّم الناسُ فیه، ولیس ◌ُتُ بحديثه. فهذا جميعُ ما نُقِل عن الأئمة في تكذيبه على الإبهام، وسنذكرُ إن شاء الله تعالى بيانَ ذلك، وتَصُّفَ وجوهِه، وأنه لا يلزم عكرمةً من شيء منه قدحٌ في حديثه. وأما الوجهُ الثاني: وهو الطعنُ فيه برأي الخوارج، فقال ابن لهيعة عن أبي الأسود محمدٍ ابن عبد الرحمن يتيمٍ عُروةً: كان عكرمةُ قد أتَى نجدةَ الحَرُوري، فأقام عنده ستةً(٢) أشهر، ثم رجع إلى ابن عباس فسلَّم عليه، فقال: قد جاء الخبيثُ، قال: فكان يُحدِّث برأي نجدةً. (١) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: سعيد بن المسيّب. (٢) تحرَّف في (ع) إلى: تسعة. ٤٢٥ الفصل التاسع: أسماء من طَعن فيه من رجال البخاري قال: وكان - يعني نجدة - أولَ من أحدثَ رأي الصُّفرية. وقال الجوزجاني: قلت لأحمد بن حنبل: أكان عكرمةُ إباضياً؟ فقال: يُقال: إنه كان صُفْرِيّاً. وقال أبو طالب عن أحمد: كان يَرَى رأيَ الخوارج الصُّفْرية، وعنه أخَذَ ذلك أهلُ إفريقية. وقال علي بن المديني: يُقال: إنه كان يرى رأيَ نجدةَ، وقال يحيى بنُ معين: كان ينتحِلُ مذهب الصُّفْرية، ولأجل هذا تركه مالكٌ. وقال مصعبٌ الزُّبيري: کان یری رأيَ الخوارج، وزعم أن عليَّ بن عبد الله بن عباس كان على هذا المذهب، قال مصعبٌ: وطلبه بعضُ الولاة بسبب ذلك، فتغيَّب عند داود بن الحُصين إلى أن مات. وقال خالدُ بن أبي عِمران المصري: دخل علينا عِكرمةُ إفريقيةَ وقتَ المَوْسِم، فقال: وَدِدتُ أني اليومَ بالموسم بيدي حَرْبةٌ أضربُ بها يميناً وشمالاً، وقال أبو سعيد بنُ يونس في ((تاريخ الغرباء)): وبالمغرب إلى وقتنا هذا قومٌ على مذهب الإباضية يُعرَفون بالصُّفْرية يزعمون أنهم أخذوا ذلك عن عِكرمةَ. وقال يحيى بنُ بُكير: قَدِمَ عكرمةُ مصرَ ونزل بها داراً، وخرج منها إلى المغرب، فالخوارجُ الذين بالمغرب عنه أخذوا. ورَوَى الحاكم في ((تاريخ نيسابور)) عن يزيدَ النحوي قال: كنت قاعداً عند عكرمة، فأقبل مقاتل بن حيّان وأخوه، فقال له مقاتل: يا أبا عبد الله، ما تقول في نبيذ الجرّ؟ فقال عكرمةُ: هو حرامٌ، قال: فما تقول فيمن يشربه؟ قال: أقول: إنّ كلَّ شربة منه كَفْرة. قال يزيد: فقلتُ: والله لا أدعُه أبداً، قال: فوثب مغضباً، قال: فلقيتُه بعد ذلك في مَفَازة يَزْد(١) فسلّمتُ عليه، وقلت له: كيف أنت؟ فقال: بخير ما لم أرَك. وقال الدَّراوَرْدي: توقّ عكرمةُ وكُثِيِّرْ عَزَّة في يوم واحدٍ، فعجب الناسُ لموتهما واختلافٍ رأيهما، عكرمةُ يُظَنُّ به رأي الخوارج، يُكفِّرُ بالذَّنب، وكُثِيِّر شِيعيٌّ يؤمن بالرّجعة إلى الدنيا. وأما الوجهُ الثالث، فقال أبو طالب: قلتُ لأحمد: ما كان شأنُ عكرمة، كان ابنُ سيرين لا يرضاه؟ قال: كان يرى رأيَ الخوارج، وكان يأتي الأمراءَ يطلبُ جوائزهم، ولم يترك موضعاً (١) تحرَّف في (س) إلى: فرد. ويَزد: مدينة متوسطة بين نيسابور وشيراز وأصبهان، من أعمال فارس. ٤٢٦ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري إلّا خرج إليه. وقال عبدُ العزيز بن أبي روَّاد: رأيتُ عكرمةَ بنيسابورَ، فقلتُ له: تركتَ الحرمين وجئتَ إلى خُراسان؟ قال: جئتُ أسعى على عيالي. وقال أبو نُعيم: قَدِمَ على الوالي بأصبهانَ، فأجازه بثلاثة آلافٍ درهم. هذا جميعُ ما قيل فيه من القَدْحِ، فأما الوجهُ الأول فقولُ ابنِ عمرَ لم يثبت عنه، لأنه من رواية أبي خَلَف الخَزَّاز عن يحيى البَّاء: أنه سمع ابنَ عمر يقولُ ذلك، ويحيى البكَّاء متروكُ الحديث، قال ابنُ حِبَّان: ومن المحال أن يُجرَّحَ العدلُ بكلام المجروح. وقال ابن جَرِير: إن ثبتَ هذا عن ابن عمر، فهو محتمِلٌ لأوجه کثیرة لا یتعیَّن منه القدحُ في جمیع روایته، فقد یمکن أن يكون أنكرَ عليه مسألةً من المسائل كذَّبه فيها. قلتُ: وهو احتمال صحيحٌ، لأنه رُويَ عن ابن عمر أنه أنكرَ عليه الروايةَ عن ابن عباس في الصَّرْف، ثم استدلَّ ابنُ جرير على أن ذلك لا يوجبُ قدحاً فيه، بما رواه الثقاتُ عن سالم بن عبد الله بن عمر أنه قال إذ قيل له: إن نافعاً مولى ابنِ عمر حدَّث عن ابنِ عمر في مسألة الإتيان في المحلِّ المكروه: كذبَ العبدُ على أبي. قال ابنُ جَرير: ولم يروا ذلك من قول سالم في نافع جرحاً، فينبغي أن لا يروا ذلك من ابن عمر في عكرمةَ جرحاً، وقال ابنُ حِبَّان: أهلُ الحِجاز يُطلقون كَذَبَ في موضع أَخطأً، ذكر هذا في ترجمة بُرْد من ((كتاب الثقات)). ويُؤيد ذلك إطلاقُ عُبادة بن الصامت قولَه: كَذَبَ أبو محمد، لما أُخبر أنه يقول: الوترُ واجبٌ، فإن أبا محمد لم يقله روايةً، إنما قاله اجتهاداً، والمجتهدُ لا يُقال: إنه كذبَ، إنما يُقال: أخطأ، وذكر ابنُ عبد البر لذلك أمثلةً كثيرة. وأما قولُ سعيد بن المسيّب، فقال ابنُ جرير: ليس ببعيد أن يكون الذي حُكي عنه نظيرَ الذي حُكي عن ابن عمر. قلت: وهو كما قال، فقد تبيَّن ذلك من حكاية عطاء الخُراساني عنه في تزويج النبيِّ وَّهِ بميمونةَ، ولقد ظُلِم عكرمةُ في ذلك، فإن هذا مروي عن ابن عباس من طُرق كثيرةٍ أنه كان يقول: إن النبيَّ وَّهَ تزوَّجها وهو محرمٌ، ونظيرُ ذلك ما تقدَّم عن عطاء وسعيد بن جُبير، ويُقوِّي صحةَ ما حكاه ابنُ حِبَّان أنهم يُطلقون الكذبَ في موضع الخطأ، ما سيأتي عن هؤلاء من الثناءِ عليه والتعظيم له، فإنه دالٌّ على أن طَعْنَهم عليه إنما هو في ٤٢٧ الفصل التاسع: أسماء من طعن فيه من رجال البخاري هذه المواضع المخصوصة، وكذلك قولُ ابنِ سِيرينَ: الظاهرُ أنه طَعَنَ عليه من حيث الرأي، وإلا فقد قال خالدٌ الحذَّاء: كلُّ ما قال محمدُ بن سِيرين: نُبئتُ عن ابن عباس، فإنما أخذَه عن عِكْرمة، وكان لا يُسمِّيه، لأنه لم يكن يرضاه. وأما روايةٌ يزيدَ بن أبي زياد عن علي بن عبد الله بن عباس في تكذيبه، فقد ردَّها أبو حاتم بنُ حِبَّان بضعف يزيدَ، وقال: إن يزيدَ لا يُحتجُّ بنقله، وهو كما قال. وأما ما رُوي عن يحيى بن سعيد في ذلك فالظاهرُ أنه قلَّد فيه سعيد بن المسيّب. وأما قصةُ القاسم بن محمد فقد بيَّن سببها وليس بقادح، لأنه لا مانعَ أن يكون عند المتبخِّر في العلم في المسألة القولان والثلاثةُ، فيخبر بما يستحضِرُ منها، ويُؤّد ذلك ما رواه ابنُ هُبيرة قال: قَدِمَ عليها عكرمةُ مصرَ فجعل يُحدِّثنا بالحديث عن الرجل من الصحابة، ثم يُحدِّثنا بذلك الحديث عن غيره، فأتينا إسماعيلَ بن عُبيد الأنصاري وكان قد سَمِعَ من ابن عباس، فذكرنا ذلك له، فقال: أنا أخبُرُه لكم، فأتاه فسأله عن أشياءَ كان سَمِعَها من ابن عباس فأخبره بها على مثلِ ما سَمِعَ، قال: ثم أتيناه فسألناه، فقال: الرجلُ صدوقٌ ولكنه سَمِعَ من العلم فأكثرَ، فكلما سَنَحَ له طريقٌ سَلَكَه. وقال أبو الأسود: كان عكرمةُ قليلَ العقل، وكان قد سَمِعَ الحديث من رجلين، فكان إذا سُئِلَ حدَّث به عن رجلٍ، ثم يُسأل ء عنه بعدَ حین فُحدِّث به عن الآخر، فيقولون: ما أكذبه! وهو صادق. وقال سليمانُ ابن حرب عن حماد بن زيد: قال أيوبُ: قال عكرمةُ: أرأيت هؤلاء الذين يكذِّبونني من خلفي، أفلا يكذِّبونني في وجهي؟ يعني أنهم إذا واجهوه بذلك أمكنه الجوابُ عنه والمخرجُ منه. وقال سليمان بن حرب: وجهُ هذا أنهم إذا قرَّروه(١) بالكذب لم يجدوا عليه حُجَّةً. وأما طعنُ إبراهيمَ عليه بسبب رجوعه عن قوله في تفسير البَطْشة الكبرى إلى ما أخبره به عن ابن مسعود، فالظاهرُ أن هذا يُوجب الثناءَ على عكرمةَ لا القدحَ، إذ كان يظنُّ شيئاً فبلغه عمَّن هو أَولى منه خلافُه، فترك قولَه لأجلِ قولِه. (١) تحرَّف في (س) إلى: رموه. ٤٢٨ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري وأما قصةُ القاسم بن مَعْن ففيها دلالةٌ على تحرِّيه، فإنه حدَّثه في المذاكرة بشيء فلما رآه قد أراد أن يكتبَه عنه شكَّ فيه، فأخبره أنه إنما قاله برأيه، فهذا أولى أن يُحِمَل عليه من أن يُظَنَّ به أنه تعمّد الكذب على ابنِ عباس برأيه. وأما ذُّ مالك له، فقد بيَّن سببه، وأنه لأجل ما رُمي به من القول ببدعة الخوارج، وقد جزمَ بذلك أبو حاتم، قال ابنُ أبي حاتم: سألتُ أبي عن عِكرمةَ، فقال: ثقةٌ، قلتُ: مُتِجُ بحديثه؟ قال: نعم إذا روى عنه الثقات، والذي أنكرَ عليه مالكٌ إنما هو بسبب رأيه. على أنه لم يثبت عنه من وجهٍ قاطع أنه كان يرى ذلك، وإنما كان يُوافِق في بعض المسائل فنسبوه إليهم، وقد برَّأه أحمدُ العِجْلي(١) من ذلك، فقال في ((كتاب الثقات)) له: عكرمةُ مولى ابن عباس مكيٌّ تابعي ثقةٌ، بريء مما يرميه الناسُ به من الحَرُورية. وقال ابنُ جَرير: لو كان كلُّ من ادُّعيَ عليه مذهبٌ من المذاهب الرديئة ثبتَ عليه ما ادُّعي به، وسقطت عدالتُه، وبطلت شهادتُه بذلك، للَزِمَ تركُ أكثرٍ محدِّئي الأمصار، لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قومٌ إلى ما يُرغَب به عنه. وأما قَبولُه لجوائز الأمراء، فليس ذلك بمانع من قَبول روايته، وهذا الزُّهري قد كان في ذلك أشهرَ من عكرمةَ، ومع ذلك فلم يترك أحدٌ الروايةَ عنه بسبب ذلك. وإذ فرغنا من الجواب عمّا طُعِنَ عليه به، فلنذكُرْ ثناءَ الناس عليه من أهلِ عصره وهلمَّ جرّاً: قال محمد بن فُضيل عن عثمانَ بن حكيم: كنت جالساً مع أبي أمامةَ بن سهل بن حُنَيف إذ جاء عكرمةُ فقال: يا أبا أمامة، أُذكِّرك الله، هل سمعتَ ابنَ عباس يقول: ما حدَّثكم عني عكرمةُ فصدِّقوه، فإنه لن يكذب عليَّ؟ فقال أبو أمامة: نعم. وهذا إسنادٌ صحيح. وقال يزيدُ النحويُّ عن عكرمةَ، قال لي ابن عباس: انطلق فأفْتِ الناسَ. وحكى البخاريُّ عن عمرو بن دينار، قال: أعطاني جابرُ بنُ زيد صحيفةً فيها مسائل عن عكرمةَ، فجعلتُ كأني أتباطأ، فانتزعها من يدي وقال: هذا عكرمةُ مولى ابن عباس، هذا أعلمُ الناس، وقال الشَّعبي: ما بقي أحدٌ أعلمُ (١) في (س): والعجلي، بزيادة الواو، وهو خطأ. ٤٢٩ الفصل التاسع: أسماء من طعن فيه من رجال البخاري بكتاب الله من عكرمةً، وقال حَبيبُ بن أبي ثابت: مرَّ عكرمةُ بعطاءٍ وسعيد بن جُبير قال: فحدَّثهم، فلما قام قلتُ لهما: تنكران مما حدَّث شيئاً؟ قالا: لا. وقال حبيبٌ أيضاً: اجتمعَ عندي خمسةٌ: طاووسٌ ومجاهدٌ وسعيد بن جُبير وعكرمةُ وعطاء، فأقبل مجاهدٌ وسعيد يُلقيان على عكرمة المسائل، فلم يسألاه عن آية إلا فسَّرها لهما، فلما نَفِدَ ما عندهما جعل يقولُ: أنزلت آية كذا في كذا، وأنزلت آيةُ كذا في كذا. وقال أيوبُ: حدثني فلانٌ قال: كنتُ جالساً إلى عكرمةَ وسعيد بن جُبير وطاووس - وأظنُّه قال: وعطاء - في نفر، فكان عكرمةُ صاحبَ الحديث يومئذ، وكأنَّ على رؤوسهم الطيرُ، فما خالفه أحدٌ منهم إلا أنَّ سعيداً خالفه في مسألةٍ واحدة، قال أيوبُ: أرى ابنَ عباس كان يقولُ القولين جميعاً. وقال ابنُ عُيَينة: كان عكرمةُ إذا تكلّم في المغازي فسمعه إنسانٌ قال: كأنه مشرفٌ عليهم يراهم. قال: وسمعتُ أيوبَ يقول: لو قلتُ لك: إن الحسنَ ترك كثيراً من التفسير حين دخلَ عِكرمةُ البصرةَ حتى خرج منها لصدقتُ. وقال عبدُ الصمد بنُ مَعْقِل: لما قَدِمَ عكرمةُ الجَنَدَ أهدى له طاووس نَجِيباً بستين ديناراً، فقيل له في ذلك، فقال: ألا أشتري علمَ ابن عباس لعبد الله بن طاووس بستين ديناراً؟ وقال الفَرَزدَقُ بن جَوَّاس (١): قَدِمَ علينا عكرمةُ مَرْوَ، فقال لنا شهرُ ابن حوشب: ائتوه، فإنه لم تكن أمةٌ إلّا كان لها حَبْر، وإنَّ مولى هذا حَبْر هذه الأمة. وقال جَرِيرٌ عن مغيرةَ: قيل لسعيد ابن جُبير: تعلم أحداً أعلمَ منك؟ قال: نعم، عِكرمةُ. وقال قتادةُ: كان أعلمُ التابعين أربعة، فذكره فيهم، قال: وكان أعلمَهم بالتفسير. وقال معمرٌ عن أيوب: كنت أريد أن أرحلَ إلى عكرمةَ، فإني لفي سوقِ البصرة إذ قيل لي: هذا عكرمةُ، فقمتُ إلى جنب حماره، فجعل الناسُ يسألونه وأنا أحفظُ. وقال حماد بنُ زيد: قال لي أيوب: لو لم يكن عندي ثقةً لم أكتب عنه. وقال يحيى بنُ أيوب: سألني ابنُ جُريج: هل كتبتم عن عكرمة؟ قلتُ: لا، قال: فاتكم ثُلُثا (٢) العلم. وقال حبيبُ بنُ الشَّهيد: كنتُ عند (١) تحرَّف في الأصول الخطية إلى: خراش، وفي (س) إلى: جراس. والتصويب من ضبط ابن نقطة له في كتابه ((إكمال الإكمال)» (١١٩٤). (٢) في (س) وحدها: ثلث. ٤٣٠ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري عَمرو بن دِينار، فقال: والله ما رأيتُ مثلَ عكرمة قطُّ، وقال سَلَّامُ بن مِسكين: كان عكرمةُ من أعلم الناس بالتفسير. وقال سفيان الثوري: خُذوا التفسيرَ من أربعةٍ، فبدأ به. وقال البخاريُّ: ليس أحدٌ من أصحابنا إلا احتجَّ بعكرمة. وقال جعفرٌ الطيالسي عن ابن معين: إذا رأيت إنساناً يقعُ في عكرمةَ فاتهمه على الإسلام. وقال عثمانُ الدَّارمي: قلتُ لابن معين: أيُّما أحبُّ إليك: عكرمة عن ابن عباس، أو عُبَيد الله بن عبد الله بن عُتبة عنه؟ قال: كلاهما، ولم يُیِرِ. فقلتُ: فعكرمة أو سعيد بن جُبير؟ قال: ثقة وثقة، ولم يُخيِّر. وقال النَّسائي في ((التمييز)) وغيره: ثقة. وتقدَّم توثيقُ أبي حاتم والعِجْلِي، وقال المَرُّوذي: قلتُ لأحمد بن حنبل: مُتُّ بحديثه؟ قال: نعم. وقال أبو عبد الله محمد بن نصر المَرْوزي: أجمعَ عامةُ أهل العلم على الاحتجاج بحديث عِكرمةَ، واتفق على ذلك رؤساءُ أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا، منهم: أحمدُ ابن حنبل وإسحاقُ بن راهويه وأبوثور ويحيى بنُ معين. ولقد سألتُ إسحاقَ عن الاحتجاج بحديثه، فقال: عكرمةُ عندنا إمامُ الدنيا، وتعجَّب من سؤالي إياه. قال: وحدثنا غيرُ واحد أنهم شَهِدوا يحيى بن معين وسأله بعضُ الناس عن الاحتجاج بعكرمة، فأظهرَ التعجُّب. وقال عليٌّ بن المديني: كان عِكرمةٌ من أهل العلم، ولم يكن في موالي ابنِ عباس أغزرُ علماً منه. وقال ابنُ منده: قال أبو حاتم: أصحابُ ابنِ عباس عيالٌ على عكرمةَ. وقال البزارُ: رَوَى عن عكرمةَ مئةٌ وثلاثون رجلاً من وجوه البلدان، كلَّهم رضوا به. وقال العباس بن مُصعَب المروزي: كان عكرمةُ أعلمَ موالي ابن عباس وأتباعِه بالتفسير، وقال أبو بكر بن أبي خَيْئمةَ: كان عكرمةُ من أثبتِ الناسِ فيما يروي، ولم يُحدِّث عن من هو دونه أو مثلَه، أكثرُ حديثه عن الصحابة. وقال أبو جعفر بنُ جَرير: ولم يكن أحدٌ يدفعُ عكرمةَ عن التقدُّم في العلم بالفقه والقرآن وتأويله وكثرةٍ الرواية للآثار، وأنه كان عالماً بمولاه. وفي تقريظ جِلَّة أصحاب ابن عباس إياه ووصفِهم له بالتقدم في العلم، وأمرِهم الناسَ بالأخذ عنه ما بشهادةِ بعضهم تَثبتُ عدالةُ الإنسان ويستحقُّ جواز الشهادة، ومن ثبتت عدالته لم يُقبل فيه الجَرح، وما تسقطُ العدالةُ بالظنِّ ويقولِ فلانٍ لمولاه: لا تكذبْ عليَّ، وما أشبهَه من ٤٣١ الفصل التاسع: أسماء من طعن فيه من رجال البخاري القول الذي له وجوهٌ وتصاريفُ ومعانٍ غير الذي وجهه إليه أهلُ الغباوة ومن لا علمَ له بتصاريف كلام العرب. وقال ابنُ حِبَّان: كان من علماء زمانِه بالفقه والقرآن، ولا أعلمُ أحداً ذمَّه بشيء، يعني يجب قَبوله والقطع به. وقال ابنُ عدي في ((الكامل))، ومن عادته فيه أن يُخرج الأحاديث التي أُنكرت على الثقة أو على غير الثقة، فقال فيه بعد أن ذكر كلامهم في عكرمة: ولم أخرج هنا من حديثه شيئاً، لأنَّ الثقات إذا رووا عنه فهو مستقيم الحديث، ولم يمتنع الأئمةُ وأصحابُ الصِّحاح من تخريج حديثه، وهو أشهرُ من أن أحتاج إلى أن أُخرج له شيئاً من حديثه. وقال الحاكم أبو أحمد في ((الكنى)): احتجَّ بحديثه الأئمةُ القدماء، لكنَّ بعضَ المتأخرين أخرج حديثه من حَيّز الصِّحاح احتجاجاً بما سنذكره، ثم ذكر حكايةً نافع. وقال ابنُ منده: أما حالُ عكرمةَ في نفسه فقد عدَّله أُمّةٌ(١) من التابعين، منهم زيادةٌ على سبعين رجلاً من خِيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلةٌ لا تكاد تُوجد لكبيرِ أحدٍ من التابعين، على أن من جرَّحه من الأئمة لم يُمسِك عن الرواية عنه، ولم يستغنِ عن حديثه، وكان حديثُه يُتلقَّى بالقَبول قرناً بعد قرن إلى زمنِ الأئمة الذين أخرجوا الصحيح، على أن مسلماً كان أسوأهم رأياً فيه، وقد أخرج له مع ذلك مقروناً. وقال أبو عمر بن عبد البرّ: كان عكرمة من جلّة العلماء ولا يقدح فيه كلام من تكلّم فيه؛ لأنه لا حُجَّةَ مع أحد تكلّم فيه، وكلامُ ابن سيرين فيه، لا خلاف بين أهل العلم أنه كان أعلمَ بكتاب الله من ابن سِيرين، وقد يظنُّ الإنسان ظناً يغضبُ له ولا يملِكُ نفسَه، قال: وزعموا أن مالكاً أسقطَ ذكرَ عكرمةَ من «الموطأ))، لا أدري ما صحتُه، لأنه قد ذكره في الحجِّ، وصرَّح باسمه ومال إلى روايته عن ابن عباس، وترك رواية عطاء في تلك المسألة مع كونِ عطاءٍ أجلَّ التابعين في علم المناسك، والله أعلم. وقد أطلنا القولَ في هذه الترجمة، وإنما أردنا بذلك جمعَ ما تفرَّق من كلام الأئمة في شأنه، (١) في (ع): أئمة من التابعين. ٤٣٢ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري والجوابَ عما قيل فيه، والاعتذار للبخاري في الاحتجاج بحديثه، وقد وَضَحَ صحةُ تصرُّفه في ذلك، والله أعلم. (خ د) عليُّ بن الجَعْد بن عُبيد الجوهري، أبو الحسن البغدادي، أحدُ الحقَّاظ. قال يحيى ابنُ معين: ما رَوَى عن شعبةَ من البغداديين أثبتُ منه، فقال له رجل: ولا أبو النَّضر؟ فقال: ولا أبو النضر، فقال: ولا شبابةٌ؟ فقال: ولا شبابة. وقال أبو حاتم: لم أرَ من المحدِّثين من يُحدِّث بالحديث على لفظٍ واحد لا يُغيِّرِه سوى عليٍّ بن الجعد، وذَكَرَ غيرَه. ووثقه آخرون، وتكلّم فيه أحمدُ من أجل التشيّع، ومن أجل وقوفه في القرآن. قلتُ: روى عنه البخاريُّ من حديثه عن شعبةً فقط أحاديثَ يسيرة، وروى عنه أبو داود أيضاً. (خ ٤) عليٌّ بن الحكم البُناني، من صِغار التابعين. وثقه أبو داود والنَّسائي والعِجلي وغيرُهم، وتكلّم فيه أبو الفتح الأزدي، فقال: فيه لِينٌ. قلتُ: ليس له عند البخاريّ سوى حديثه عن نافع عن ابن عمرَ في النهي عن عَسْب الفَحْل، وقد وافقه غيرُه. وروى له أصحابُ السُّنن. (ع) عليٌّ بن المبارك الهُنَائي البصري، صاحبُ يحيى بن أبي كثير: ذكره ابنُ عدي في ((الكامل))، وقال يحيى بن سعيد القطان: كان له كتابان، أحدُهما لم يسمعه، فرَوَیْنا عنه ما سمع، وأما الكوفيون فَرَوَوا عنه الكتابَ الذي لم يسمعه. قال عباس العَنْبري: الذي عند وکیع عنه من الكتاب الذي لم يسمعه، وقال يعقوب بن شيبة: في روايته عن يحيى بن أبي كثير وهاءٌ. وقال ابنُ المديني: هو أحبُّ إليَّ من أبان. ووثقه العِجليُّ وابنُ معين وأحمدُ وابن نُمير وآخرون. قلت: أخرج له البخاريُّ من رواية البصريين عنه خاصَّة، وأخرج من رواية و کیع عنه حديثاً واحداً تُوبع علیه. وروى له الباقون. (خ) عليٌّ بن أبي هاشم بن طِيْراخ البغدادي، من شيوخ البخاري. قال أبو حاتم: صدوقٌ، تركه الناسُ للوقف في القرآن. وقال الأزديُّ: ضعيف جداً. قلتُ: قدَّمتُ غير مرة أن الأزديَّ لا يُعتبر بتجريحه لضعفه هو، وقد بيَّن أبو حاتم السببَ في توقُّف من توقَّفَ عنه، وليس ذلك بمانع من قبول روایته. ٤٣٣ الفصل التاسع: أسماء من طَعن فيه من رجال البخاري (خ د ت س) عمرُ بن ذرّ الهَمْداني الكوفي، أحدُ الزُّهاد الكِبار. قال يحيى القطان: كان ثقةً في الحديث، ليس ينبغي أن يُترك حديثه لرأي أخطأ فيه. وقال العجلي: كان ثقةً، وكان يَرَى الإرجاء. وقال يعقوب بنُ سفيان: ثقةٌ مرجىء. وقال ابنُ خِراش: كان صدوقاً من خيار الناس، وكان مُرجئاً. وقال أبو حاتم: كان صدوقاً مُرجِئاً لا يُحتجُّ بحديثه. وقال ابنُ سعد: مات فلم يشهده الثوريُّ لأنه كان مرجئاً. وقال أبو داود: كان رأساً في الإرجاء. وثقه ابنُ معين والنَّسائي وآخرون. وروى له أيضاً أصحابُ السُّنن الثلاثة. (خ م س) عمرُ بن أبي زائدة الوادعي الكوفي، أخو زكريا، وكان الأكبرَ، وثقه ابنُ معين وغيره، وذكره العُقيلي في ((الضعفاء))، وقال: كان يَرَى القَدَر، وهو في الحديث مستقيم. قلتُ: له في البخاري حديثان، أحدُهما حديثُه عن عَوْن بن أبي جُحيفة عن أبيه قال: أتيتُ النبيَّ وَّ وهو في قُبَّة حمراءَ من أَدَم، فرأيتُ بلالاً ... الحديث، أخرجه في الصلاة، وفي اللباس بمتابعة أبي عُميس وسفيان الثوري وغيرهما. والثاني: حديثُه عن أبي إسحاق عن عَمْرو بن ميمون، حديث أبي أيوبَ الأنصاري في من قال: لا إله إلّا الله عشراً، فذكر الاختلافَ فيه على عمرو بن ميمون من طُرق. وروى له مسلمٌ والنَّسائي. (ع) عمرُ بنُ علي بن عطاء بن مُقدَّم المقدَّمي البصري، أثنى عليه أحمدُ وابنُ معين وغيرُهما، وعابوه بكثرة التدليس، وأما أبو حاتم فقال: لا يُحتجُّ به، وأورده ابنُ عدي في ((الكامل))، ولم أرَ له في ((الصحيح) إلّا ما تُوبِع عليه. واحتجَّ به الباقون. (خ س) عمرُ بنُ محمد بن الحسن بن الزُّبير الأَسدي، المعروفُ بابن الثَّلِ. قال النَّسائي وأبو حاتم: صدوقٌ، ووثقه الدار قطني وغيرُه، وقال ابنُ حِبَّان: في حديثه إذا حدَّث من حفظه بعضُ المناكير. قلتُ: سيأتي ذكرُ ما أخرج عنه البخاري في ترجمة أبيه محمد بن الحسن. وروى عنه النَّسائي أيضاً. ٤٣٤ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري (خم دس ق) عمرُ بن نافع، مولی ابن عمر: قال أبو حاتم: ليس به بأس، و کذا قال عباس الدُّوري عن ابن معين، وقال ابنُ عدي في ترجمته: حدثني ابنُ حماد عن عباس الدُّوري عن ابن معين قال: عمرُ بن نافع لیس حدیثُه بشيء، فوهم ابنُ عدي في ذلك، وإنما قال ابنُ معين ذلك في عمر بن نافع الثَّقفي. وقوله في هذا وفي هذا بَيِّنٌّ في ((تاريخ)) عباس، وأما مولى ابنِ عمر فقال أحمد: هو من أوثق ولد نافع، ووثقه النَّسائي أيضاً وغيره، وقال ابنُ سعد: کان ثبتاً قلیلَ الحدیث، ولا يحتجُّون بحديثه، کذا قال، وهو كلامٌ متهافت، کیف لا يحتجُّون به وهو ثبت؟! قلتُ: ليس له في البخاري سوى حديثين، أحدُهما: عن أبيه عن ابن عمر في زكاة الفِطر بمتابعةِ مالكٍ، والآخرُ بهذا الإسناد في النهي عن القَزَع، وله طُرق. وروی له الباقون سوی الترمذي. (ع) عَمرو بن أبي سلمة التَّنِّيسي الدِّمشقي، صاحبُ الأوزاعي. وثقه أبو سعيد بن يونس، وأثنى عليه أحمدُ، قال: إلا أنه رَوى عن زُهير بن محمد أحاديثَ بواطيل. وضعَّفه يحيى بنُ معين والساجي، وقال العُقيلي: في حديثه وهمٌّ، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثُه، ولا يحتجُّ به. قلت: ليس له في ((صحيح البخاري)) سوى حديثين، أحدهما: في التوحيد: حديثُه عن الأوزاعي، عن الزُّهري، عن عُبيد الله، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب في قِصة الخَضِر وموسى، وهو عنده في العلم من حديث محمد بن حرب عن الأوزاعي. والثاني: في الجنائز: حديثُه عن الأوزاعي، عن الزّهري، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة: حديثُ: ((حقُّ المسلم على المسلم خمسٌ)) الحديث، وقال بعده: تابعه مَعْمَرٌ عن الزُّهري. قلت: ولیس هو من أفراد عمرو بن أبي سلمة، فقد رواه الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعيُّ. أخرجه ابنُ حِبَّان في ((صحيحه)) من طريقه. وحديثُ مَعْمر أخرجه مسلمٌ. وأخرج لعَمرو باقي الجماعة. (ع) عَمرو بن سُليم الزّرقي الأنصاري، من ثقات التابعين وأئمتهم. وثقه النَّسائي والعِجلي وابنُ سعد وابنُ حِبَّان وآخرون. وقال ابنُ خِراش: ثقة في حديثه اختلاطُ. قلت: ابنُ خِراش مذكور بالرَّفض والبدعة، فلا يُلتفتُ إليه. ٤٣٥ الفصل التاسع: أسماء من طعن فيه من رجال البخاري (ع) عَمرو بن عاصم الكِلابي البصري. وثقه ابنُ معين والنَّسائي. وقال أبو داود: لا أنشطُ لحديثه، وقدَّم عليه الحوضي. قلتُ: قد احتجَّ أبو داود به في ((السُّنن)) والباقون. (ع) عَمرو بنُ عبد الله، أبو إسحاق السَّبيعي(١)، أحدُ الأعلام الأثبات، قيل: اختلط، ولم أرَ في البخاري من الرُّواة عنه إلا عن القُدماء من أصحابه، كالثوريِّ وشُعبةَ، لا عن المتأخرين كابن عُبينة وغيره. واحتجّ به الجماعة. (ع) عَمرو بنُ علي الفلاَّس، أحدُ الحفّاظ الأعلام، وروى عنه الأئمة الستة. طعن عليّ ابن المديني في روايته عن يزيد بن زُريع، لأنه استصغره فيه، ولم يُرج البخاريُّ عنه من روایته عن یزید بن زُریع شیئاً. (ع) عَمرو بن أبي عمرو، مولى المطَّلِب بن عبد الله بن حَنْطَب، أبو عثمان المدني، من صغار التابعين، وثقه أحمدُ وأبو زُرْعةَ وأبو حاتم والعِجلي، وضعفه ابنُ معين والنَّسائي وعثمانُ الدارمي لروايته عن عِكرمةَ حديثَ البَهيمة، وقال العِجلي: أنكروا عليه حديثَ البهيمة، يعني حديثه عن عكرمةَ عن ابنِ عباس: ((من أتى بهيمةً فاقتلوه، واقتلوا البهيمة))، وقال البخاري: لا أدري سمعه من عِكرمةَ أم لا؟ وقال أبو داود: ليس هو بذاك، حدَّث بحدیث البھیمة، وقد رَوَی عاصمٌ، عن أبي رَزِین، عن ابن عباس: ليس على من أتی بهيمةً حدٌّ. وقال الساجي: صدوقٌ إلا أنه يَهِم. قلت: لم يُرج له البخاريُّ من روايته عن عكرمةَ شيئاً، بل أخرجَ له من روايته عن أنسٍ أربعةَ أحاديث، ومن روايته عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس حديثاً واحداً، ومن روايته عن سعيد المَقْبُري عن أبي هريرة حديثاً واحداً. واحتجَ به الباقون. (خ م دس) عَمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغدادي. وثقه أحمدُ وأبو حاتم وأبو داود والحُسين بن فَهْم وجماعةٌ. وقال عبدُ الخالق بن منصور عن يحيى بن معين: وسألته عنه فقال: هو صدوق، فقيل له: إن خَلَفاً يقعُ فيه. فقال: ما هو من أهل الكذب. وأنكر عليه (١) وقع في (س): عمرو بن عبد الله بن أبي إسحاق، وهو خطأ. ٤٣٦ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري عليُّ بن المديني حديثاً أخطأ فيه عن ابن عيينة. قلتُ: روى عنه البخاريُّ ثلاثةَ أحاديث من روايته عن هُشيم ويعقوبَ بن إبراهيم بن سعد حسْبُ، وما أخرج عنه عن ابن عيينة شيئاً، وروى عنه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائي. (خ د) عَمرو بنُ مرزوق الباهلي، أبو عثمانَ البصري. أثنى عليه سليمانُ بن حرب وأحمد بن حنبل. وقال يحيى بن معين: ثقة مأمون، وثقه ابنُ سعد، وأما عليٌّ بنُ المديني فكان يقول: اتركوا حديثَه، وقال القَواريري: كان يحيى بنُ سعيد لا يرضَى عَمرو بن مرزوق، وقال الساجي: كان أبو الوليد يتكلّم فيه. وقال ابنُ عمار والعِجلي: ليس بشيء، وقال الدار قطني: كثيرُ الوهم. قلتُ: لم يُخْرِج عنه البخاري في ((الصحيح)) سوى حديثين، أحدُهما: حديثه عن شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن مُرَّةٍ (١)، عن أبي موسى في فضل عائشة، وهو عنده بمتابعةِ آدمَ بن أبي إياس وغُنْدَرِ وغيرِ هما عن شُعبةَ. والثاني: حديثُه عن شعبةً، عن ابن أبي بكر، عن أنس في ذكر الكبائر، مقروناً عنده بعبد الصَّمد عن شعبة، فَوَضَح أنه لم يُخْرج له احتجاجاً، والله أعلم. (ع) عَمرو بنُ مرَّة(٢) الجَمَلي الكوفي، أحدُ الأثبات من صِغار التابعين. متفق على توثيقه، إلّا أنَّ بعضَهم تكلَّم فيه لأنه كان يَرى الإرجاءَ. وقال شعبةُ: كان لا يُدلِّس، وقد احتجَّ به الجماعة. (ع) عَمُرُو بن يحيى بن عُمارة المازنيُّ الأنصاري المدني. وثقه الجمهور، وقال عثمان الدارمي عن يحيى بن معين: صُويلحٌ، وليس بالقوي. قلت: قد بيَّن معاويةٌ بن صالح عن يحيى بن معين سببَ تضعيفه له، فإنه قال: قال ابنُ معين: ثقة إلّا أنه اختُلِفَ علیه في حدیثین، حديث: ((الأرضُ كلُّها مسجدٌ)) وحديث: ((كان يُسلِّم عن يمينه)). قلت: لم يُخْرِج البخاريُّ له واحداً منهما، وقد قال أبو حاتم الرازيُّ فيه: ثقةٌ صالحٌ. واحتجَّ به الجماعة. (١) سقط ذكر الراوي مُّة في (ع) و(ف)، وتحرَّف في (س) إلى: عروة. (٢) في (س): عمرو بن أبي مرة، وهو خطأ. ٤٣٧ الفصل التاسع: أسماء من طعن فيه من رجال البخاري (خ ق) عَمرو بنُ يحيى بن سعيد بن عَمرو الأشدق بنٍ سعيد بن العاص الأُموي السَّعيدي، أبو أُميَّة. قال الدُّوري عن يحيى بن معين: لا بأس به. ووثقه الدار قطنيُّ، وذكره ابنُ عدي في ((الكامل)) إلّا أنه لم يقل فيه شيئاً يقتضي ضعفَه، بل أورد له حديثاً ذكر أنه تفرَّد به، وهذا لا يُوجب فيه قَدْحاً بعد أن ثبت توثيقُه. (خ دس) عِمِرانُ بنُ حطّان السَّدوسي، الشاعر المشهور، كان يرى رأي الخوارج، قال أبو العباس المبرِّد: كان عمران رأسَ القَعَد (١) من الصُّفْرية وخطيبَهم وشاعرَهم. انتهى. والقَعَدية: قومٌ من الخوارج كانوا يقولون بقولهم ولا يرون بالخروج، بل يُزيِّنونه، وكان عمرانُ داعيةً إلى مذهبه، وهو الذي رَنَى عبد الرحمن بن مُلجَمٍ قاتلَ عليٍّ عليه السلام بتلك الأبيات السائرة. وقد وثقه العجلي، وقال قتادة: کان لا يُتهم في الحديث، وقال أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصحُ حديثاً من الخوارج، ثم ذكر عِمرانَ هذا وغيرَه. وقال يعقوب بنُ شيبة: أدرك جماعةً من الصحابة وصار في آخر أمره إلى أن رأى رأي الخوارج. وقال العُقيلي: حدَّث عن عائشةَ ولم يتبيَّن سماعُه منها. قلت: لم يُخْرج له البخاريُّ سوى حديثٍ واحدٍ من رواية يحيى بن أبي كثير عنه، قال: سألتُ عائشةَ عن الحَرِير، فقالت: ائتِ ابنَ عباس فسَلْهُ، فقال: ائتِ ابنَ عمر فسَلْهُ، فقال: حدَّثني أبو حفص: أنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((إنما يَلْبَسُ الحريرَ في الدنيا من لا خلاقَ له في الآخرة)). انتهى، وهذا الحديثُ إنما أخرجه البخاريُّ في المتابعات، فللحديث عنده طرقٌ غير هذه من رواية عمرَ وغيره، وقد رواه مسلمٌ من طريقٍ أخرى عن ابن عمر نحوَه. ورأيتُ بعضَ الأئمة يزعمُ أن البخاريَّ إنما أخرجَ له ما ◌ُلَ عنه قبلَ أن يَرَى رأيَ الخوارج، وليس ذلك الاعتذارُ بقويّ؛ لأنَّ يحيى بن أبي کثیر إنما سَمِع منه باليمامة في حال مُروبه من الحجَّاج، وكان الحجَّاجُ يطلبُه ليقتلَه لرأيه، وقصتُه في ذلك مشهورةٌ مبسوطة في (الكامل)) للمبرِّد وفي غيره، على أنَّ أبا زكريا المَوصلي حَكَى في ((تاريخ المَوصل)) عن غيره أنَّ عِمرانَ هذا رجعَ في آخر عُمره عن رأي الخوارج. فإن صحَّ ذلك كان عُذراً جيداً، وإلّا فلا يضرُّ (١) كذا في الأصل المعتمد و(ف)، وفي (ع) و(س): القعدية. ٤٣٨ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري التخريج عن من هذا سبيله في المتابعات، والله أعلم. (خ م د ت س) عِمران بن مُسلم القَصير البصري، من صِغار التابعين. وثقه أحمدُ وابن معين وغيرهما، وذكره العُقيلي في ((الضعفاء))، وحكى عن يحيى القطان أنه قال: كان یَرَی القدر، وهو مستقيمُ الحديث. وأورد له ابنُ عدي في ((الكامل)) أحاديثَ تفرَّد بها. قلت: له في البخاري حديثان، أحدُهما: عن عطاء عن ابن عباس في قصة المرأة السوداء، وتابعه عليه عنده ابنُ جُريج، والثاني: عن أبي رجاء العُطاردي عن عمران بن حُصين في التمتع بالحجِّ إلى العمرة، وهو عنده أيضاً من طريق مُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخير عن عمران. واحتجَّ به الباقون(١). (ع) عُمير بن هانىء العَنْسي، أبو الوليد الدِّمشقي الدَّاراني، من كبار التابعين. وثقه العِجلي وغیرُه، وقال أبو داود: كان قدریّاً، وقتله مروان الحمار لكونه كان قائماً في بيعة یزید ابن الوليد. قلتُ: احتجَّ به الجماعةُ، وليس له في البخاري سوى ثلاثةِ أحاديثَ. (خ د) عَنْبسة بن خالد الأَيلي. عَظَّمه أبو داود وأحمد بنُ صالح المِصري ومحمد بن مسلم بن وَارة(٢)، وأما يحيى بن بُكير فكان يقعُ فيه. وقال الساجي: انفرد بأحاديثَ عن يونس بن يزيد، وكان أحمد بن حنبل يقول: ما روى عنه غيرُ أحمد بن صالح. قلتُ: بل روى عنه ابنُ وهب شيئاً قليلاً، وهو من أقرانه، ورجلان مُقِلاَّن وهما: محمدُ بن مَهْدي الإخميمي وهاشم بن محمد الرَّبَعي، وله عند البخاريِّ أربعةُ أحاديثَ قَرَنَه فيها بعبد الله بن وهب عن يونس. (ع) عَوفُ بن أبي جميلةَ الأعرابيُّ البصري، أبوسَهْل الهَجَري، من صِغار التابعين. وثقه أحمد وابنُ معين، وقال النَّسائي: ثقةٌ ثبت، وقال محمدُ بن عبد الله الأنصاري: كان من أثبتِهم جميعاً، ولكنه كان قَدَريّاً، وقال ابنُ المبارك: كان قَدَرياً وكان شِيعياً. قلتُ: احتجَّ به الجماعة. وقال مسلمٌ في مقدمة ((صحيحه): وإذا وازنتَ بين الأقران كابن عَون وأيوبَ مع (١) لم يرد له ابن ماجه، كما هو مبين في ترقيم من روى عنه، وزاد في نسخة (س) وحدها: سوى ابن ماجه. (٢) تحرَّف في (س) إلى: فزارة. ٤٣٩ الفصل التاسع: أسماء من طعن فيه من رجال البخاري عَوف بن أبي جميلةَ وأشعثَ الحُمْراني، وهما صاحبا الحسنِ وابنِ سيرين، كما أنَّ ابنَ عَون وأيوبَ صاحِباهما، كان البَوْنُ بينهما وبين هذين بعيداً في كمالِ الفضل وصحة النقل، وإن كان عوفٌ وأشعثُ غيرَ مدفوعين عن صِدق وأمانة. انتهى. (خ م د س ق) العلاءُ بنُ المسيّب بن رافع الأسدي الكوفي. وثقه ابنُ معين فقال: ثقةٌ مأمون، وابنُ عمار وأبو حاتم وغيرُهم. وقال الحاكم: له أوهامٌ، وقال الأزدي: في حديثه بعضُ نظر. قلت: ليس له في البخاري سوى حديثين عن أبيه عن البراء، أحدُهما: في القول عند النوم: ((اللهم أسلمتُ نفسي إليك)) الحديث، وقد أخرجه من طرق أُخرى. والآخرُ: قلتُ للبراء: ((صحبتَ رسولَ الله وَّه وبايعته تحتَ الشجرة، فقال: يا ابنَ أخي، إنك لا تدري ما أحدثْنا بعدَه))، وإنما أراد البخاريُّ منه إثباتَ كونِ البراء بايعَ تحتَ الشجرة، وقد أخرج من حديث أبي إسحاق عن البراء أنهم كانوا معَ النبيّ ◌ََّ يومَ الحُديبية ألفاً وأربع مئة أو أكثر، الحديث. وبيعةُ الشجرة كانت في الحُديبية، فصحَّ أنه ما أخرجَ إلّا ما تُوبِع علیه. (خ تم س) عيسى بنُ طَهْمان الجُشَمي، أبو بكر البصري، من صِغار التابعين. وثقه أحمدُ وابنُ معين والنَّسائي وأبو حاتم ويعقوب بنُ سفيان والدار قطني وغيرُهم. وقال العُقيلي: لا يُتابع، ولعله أتي من خالد بن عبد الرحمن، يعني الراوي عنه، وهو كما ظنَّ العُقيلي. وأما ابنُ حبان فأفحشَ القولَ فيه في كتاب ((الضعفاء))، فقال: ينفرد بالمناكير عن أنس، كأنه كان يُدلِّسُ عن أبان بن أبي عياش ويزيد الرَّقاشي عنه، لا يجوزُ الاحتجاجُ بخبره. ثم لم يسق له إلّا حديثاً واحداً، والآفةُ فيه ممن دونه. قلت: وليس له في البخاري سوى حديثين، أحدهما: في التوحيد عن خلاَّد بن يحيى عنه عن أنس في تزويج زينبَ بنت جَحْش، وله عنده طُرق من حديث ثابت وغيره. والآخر: أورده في اللباس وفي الخُمس من طريقين عنه عن أنس: ((أنه أخرج لهم نَعْلين جَرْداوين)). قال عيسى: فحدَّثَنا ثابتٌ بعدُ أنهما نعلا النبيِّ وَّ. ٤٤٠ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري حرف الغين (ع) غالبٌ القطان، أبو سليمان البصري. قال أحمدُ بن حنبل: ثقة ثقة، ووثقه ابنُ معين والنَّسائي وأبو حاتم وابنُ سعد وغيرهم، وأما ابنُ عدي فذكره في الضعفاء، وأورد له أحادیثَ الحملُ فيها على الراوي عنه عمر بن مختار البصري، وهو من عَجیب ما وقع لابن عدي، والكمال لله. وقد احتجّ به الجماعةُ، وليس له في ((الصحیحین)) سوی حدیثه عن بَكْر (١) بن عبد الله المزني عن أنس في السجود على الثوب، وله عند البخاريِّ موضعٌ آخرُ معلَّق عن ابن سِیرین. حرف الفاء (ع) فِراس بنُ يحيى الهَمْداني الكوفي، صاحبُ الشَّعبي، مشهور. وثقه أحمدُ ويحيى بنُ معين والنَّسائي والعِجلي وابنُ عمار وآخرون، وقال يعقوب بنُ شيبة: ثقةٌ في حديثه لین، وقال عليٌّ بن المديني عن يحيى بن سعيد القطَّان: ما أنكرتُ من حديثه إلا حديثَ الاستبراء. قلتُ: كفى بها شهادةً من مثلِ القطان. وقد احتجَّ به الجماعة، وحديثُه في الاستبراء لم يُرجه الشيخان. (ع) الفضلُ بن دُكَيْن، أبو نُعيم الكوفي، أحدُ الأثبات. قَرَنه أحمد بن حنبل في التثبت بعبد الرحمن بن مَهْدي، وقال: إنه كان أعلمَ بالشيوخ من وكيع، وقال مرةً: كان أقلَّ خطأً من وكيع. والثناء عليه في الحفظ والتثبت يكثُر إلا أن بعضَ الناس تكلّم فيه بسبب التشُّع، ومع ذلك فصحَّ أنه قال: ما كتَبَتْ عليَّ الْحَفَظةُ أني سببتُ معاويةَ احتَجَ به الجماعة. (ع) الفضلُ بن موسى السِّيناني المَرْوزي، أحدُ الثقات، وثقه وكيع وابنُ المبارك وابنُ معين وابنُ سعد وجماعةٌ. وقال ابنُ المديني: في حديثه مناكير، وقدَّم أبا تُميلة عليه. قلت: ليس له في البخاري سوى ثلاثةِ أحاديث، أحدها: في كتاب الغسل بمتابعة أبي حمزةَ وغيرِهِ عن الأعمش، عن سالم، عن كُريب، عن ابن عباس، عن ميمونةَ، والآخرُ: في الرِّقاق عن (١) تحرَّف في (س) إلى: بکیر.