النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
رسولُ الله ◌َّه إلى وادي القُرَى عُشَيْشِيَةً(١)، فَنَزَلَ غلامٌ يَخْطُّ رَحْلَه ... فذكر الحديث، فدَلَّ
على أن الوهم فیه ممن دون ثورٍ أو من ثورٍ لما حَدَّثَ به غیرَ محمد بن إسحاق، وحديث ابن
إسحاق هذا قد أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) وأبو عبد الله بن مَندَه في كتاب ((الإيمان))
له على شَرْط الصِّحَّة، وهو حُجَّةٌ في المغازي، وروايته هنا راجحةٌ على رواية غيره، والله
أعلم.
الحديث السابع والستون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ (٤٢٧٨) حديث مَعمَرٍ عن
أيوب عن عِكْرمة عن ابن عباس، قال: خرج النبيُّ وَّرَ في رمضان عامَ الفتح وأصحابُه
بين صائمٍ ومُفطِرٍ ... الحديث، وقد أرسله حمادُ بن زيد والثقفيُّ عن أيوب عن عِكْرمة. قلت:
قد ذكر البخاريُّ حديث حماد تعليقاً، واختلفت الرواياتُ عنه في وصله وإرساله، ولكنه
اعتمد الموصول، لروايته له موصولاً من حديث خالد عن عكرمة عن ابن عباس أيضاً،
على أنه لم يَذْكُر حديثَ معمر إلّا تعليقاً.
الحديث الثامن والستون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ (٤٣٤٢) عن موسى عن أبي
عَوَانة عن عبد الملك بن عُمَير عن أبي بُرْدة قال: بَعَثَ رسولُ اللهِ وَ يَ أبا موسى ومعاذَ بن
جبل إلى اليمن، قال: وبَعَثَ كلّ واحد منهما على ◌ِلاف ... الحديث، وفيه قصة قَتْل المرتدِّ،
وقصة: كيف تقرأ القرآن، وقد خالفه الهيثم بن جَميل فرواه عن أبي عَوَانة عن عبد الملك
عن أبي بُرْدة عن أبيه. قلت: هذا يُقوِّي حديث موسى، وذلك أن البخاريَّ أخرج هذا
الحديث من طرق فيها: عن أبي بردة عن أبي موسى، فاعتمد أن أبا بردة حَمَله عن أبيه،
وتَرجَّح ذلك عنده بقَرينة كونها قصّةً تختصُّ بأبيه، فدواعيهِ متوفّرة على حملها عنه كما
تقدّمت نظائره في حديث عُرْوة عن عائشة، وفي حديث نافع عن ابن عمر في غير موضع،
وحديثُ الهيثم المشار إليه وصله الإسماعيليُّ عنه فقال: حدثنا القاسم بن زكريا، حدثنا
فَضْل بن يعقوب، حدثنا الهيثم به موصولاً، وقد أخرج البخاريُّ لعِرَاكِ عن عُرْوة عن النبي ◌َِلـ
حديثاً في صلاته وَّهِ وعائشةُ معترضة، ثم أخرجه من حديث الزُّهْري عن عُرْوة عن عائشة،
(١) في (س): عشيّة. وعُشيسيةً: تصغير عُشيّة.

٣٢٢
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
فلم يَعُدَّ حديثَ عراك مُرسَلاً لما قرَّرناه، ولهذا لم يَتعقّبْه الدار قطني فيما تَعقَّب، والله أعلم.
طريق أخرى في هذا الحديث: قال الدارقطني: وأخرج البخاري (٤٣٤٤) عن مُسلمٍ
عن شُعْبة عن سعيد بن أبي بُرْدة عن أبيه قال: بَعَثَ النبيُّ وَّ أبا موسى ومعاذاً إلى
اليمن ... فذكر الحديث، وفيه سؤالُ أبي موسى عن الشراب المَتَّخَذ من الشَّعير، وقصة قتل
اليهوديِّ المرتدّ، وسؤالُ معاذٍ أبا موسى: كيف تقرأُ؟ وغير ذلك، وقال: تابعه العَقَديُّ
ووَهْب عن شعبة، ورواه النضر ووكيع وأبو داود عن شُعْبة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه
عن جده موصولاً، قال الدار قطني: وقد رواه مسلم من حديث وكيع موصولاً لكنه عنده
مُختصَر، فأحسَبُ أن شعبة كان إذا حَدَّث به بطوله أرسله، وإذا اختصره وصله. قلت: قد
رواه عليٌّ بن الجَعد وغيره عن شعبة موصولاً وبتمامه، أخرجه الإسماعيليُّ في ((صحيحه))
عن إبراهيم بن هاشم وغيره عن علي بن الجَعْد.
الحديث التاسع والستون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ أحاديثَ للحسن عن أبي بَكْرة،
منها حديث (٤٤٢٥): ((لن يُفْلِحَ قومٌ وَلَّوا أمرهم امرأةً»، والحسن إنما يروي عن الأحنف بن
قيس عن أبي بكرة. قلت: قد تقدم الجوابُ عن ذلك في الحديث التاسع والخمسين.
الحديث السبعون: قال الدار قطنيُّ: وأخرج البخاريُّ (٣١٠٠، ٤٢٥١) حديث أيوب
ونافع بن عمر كلاهما عن ابن أبي مُلَيكة عن عائشة أنها قالت: تُوفّيَّ النبي ◌َله في بيتي وفي
يومي وبين سَخْري ونَحْري ... الحديث، قال: وأخرجه أيضاً (٤٤٤٩) من حديث عمر بن
سعيد عن ابن أبي مُلَيكة، أن ذَكْوانَ مولى عائشة أخبره: أن عائشة كانت تقول، فذَكَره.
قلت: أخرج البخاريُّ الطريقين على الاحتمال لصحة سماع ابن أبي مُلَيكة من عائشة كما
تقدَّم في نظائره، ويؤيد ذلك أن قُتَيبة بن سعيد روى هذا الحديث عن حفص بن مَيْسَرة عن
ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة تقول، فذكره.
من كتاب التفسير
(خ م) الحديث الحادي والسبعون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ (٤٥٦٨) حديث
هشام بن يوسف عن ابن جُرَيج عن ابن أبي مليكة، أن عَلْقَمة بن وَقَّاص أخبره أن مروان

٣٢٣
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
قال لبوَّابه: اذهَبْ يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كلَّ امرِىء فرح بما أُوتيَ وأحبَّ أن
يُحمَدَ بما لم يفعل مُعذَّباً، لَنُعذَّبَنَّ أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه، إنما دعا النبيُّ ◌َّل
يهوداً فسألهم عن شيء ... الحديث، قال: وأخرجه أيضاً من حديث حَجَّاج عن ابن جُرَيج عن
ابن أبي مُلَيكة عن حُميد بن عبد الرحمن، أنه أخبره أن مروان، بهذا، قال: وأخرج مسلمٌ (٢٧٧٨)
حديث حَجَّاج وحدَه. قلت: وسياقه عند مسلم: أنَّ مروان قال: اذهب يا رافعُ - لبوابه -
إلى ابن عباس، فذكر مثله، إلى أن قال: إنما أُنزِلَت هذه الآية في أهل الكتاب، فذكره بنحوه،
فقد اختلف هشامُ بن يوسف وحَجَّاج بن محمد في شيخ ابن أبي مُلَيكة، هشامٌ يجعله علقمةً
ابن وَقَّاص، وحجاجٌ يجعله محُميدَ بن عبد الرحمن، وقد تابع عبدُ الرزاق هشام بن يوسف،
وتابع حجاجاً محمدُ بن عبد الملك بن ◌ُرَیْج عن أبيه، قال إسحاق بن راهويه في ((مسنده):
حدثنا رَوْح بن عُبَادة حدثنا محمد بن عبد الملك بن جُرَيج عن أبيه عن ابن أبي مُلَيكة، أن
حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره، أن مروانَ بَعَثَ إلى ابن عباس ... فذكره، والظاهر أن
هذا الاختلاف غيرُ قادح لاحتمال أن يكون ابنُ أبي مليكة سمعه منهما جميعاً، والله أعلم.
وسيأتي بَسْطُ الكلام إن شاء الله تعالى على هذا الحديث في آخر تفسير سورة آل عمران من
هذا الشرح بعَوْن الله تعالى.
(خ م) الحديث الثاني والسبعون: قال الدار قطنيُّ: وأخرجا(١) حديث الثوريِّ وهُشَيم
عن أبي هاشم عن أبي مِجْلَز عن قيس بن عُبَاد عن أبي ذرٍّ: أنه كان يُقْسِمُ قَسَماً أن قوله
تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٦] نزلت في السِّتة المُبارزين يومَ بدر، وأخرجاه أيضاً من
حديث سُليمان التَّيْمي عن أبي مِجَز عن قيس عن علي قال: أنا أولُ من يَجِثُو للخُصومة،
قال قيس: وفيهم نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾، قال البخاري: وقال عثمان عن جرير عن منصور
عن أبي هاشم عن أبي مِجلَز قوله، قال: فاضطرب الحديث. قلت: لا اضطرابَ فيه، بل
روايةُ منصور قَصَّرَ بها منصور، وقد وصلها الطَّبري عن ابن حُميد عن جَرير إن كان ابنُ
حميد حَفِظَ، ووصلها أيضاً الثَّورِيُّ وهُشَيم، وأما حديث سليمان التَّيْمي عن أبي مِجلَز فلا
(١) البخاري (٣٩٦٩) و(٤٧٤٣)، ومسلم (٣٠٣٣).

٣٢٤
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
مُخالفةَ بينه وبين حديث أبي هاشم عنه؛ لأن رواية التَّيمي لحديث عليٍّ غير رواية أبي هاشم
لحديث أبي ذر، فهما حديثان مختلفان، وبهذا يُجمَع بينهما وينتفي الاضطرابُ، والله أعلم.
تنبيه: قوله: وأخرجاه من حديث سليمان التَّيمي، وَهْمٌ، وإنما هو من أفراد البخاري
(٤٧٤٤).
الحديث الثالث والسبعون: قال الخطيب: أخرج البخاري (٤٦٩١، ٤٧٥١) عن
مسروق عن أم رُومَان رضي الله عنها - وهي أمُّ عائشة - طَرَفاً من حديث الإفك، وهو
وهمٌّ، لم يَسمَعْ مسروق من أم رومان لأنها تُوفِيت في عهد النبي ◌ََّ، وكان لمسروقٍ حین
تُوفِيت ستُّ سنين، قال: وخَفِيَت هذه العِلَّة على البخاري، وأظنُّ مُسْلماً فَطِنَ لهذه العِلَّة
فلم يُخْرِجِه، ولو صَحَّ هذا لكان مسروق صحابياً لا مانعَ له من السَّماع من النبي ◌ِّ،
والظاهر أنه مُرسَل، قال: ورأيته في تفسير سورة يوسف من ((الصحيح)) عن مسروق قال:
سألتُ أمَّ رُومان ... فذكره، قال: وهو من رواية حُصَين عن شَقيق عن مسروق، وحُصَين
اختُلَط، فلعلَّه حَدَّثَ به بعد اختلاطه، وقد رأيته من رواية أخرى عنه، عن شقيق عن
مسروق، قال: سُئِلَت أمُّ رُومان، فلعلَّ قوله في رواية البخاري: سألتُ، تصحيفٌ من:
سُئِلَت، وقال ابن عبد البرِّ: روايةُ مسروق عن أم رومان مُرسَلة، وتبعه القاضي عِیَاض،
وتبعهم جماعة من المتأخرين المقِّدين للخطيب وغيره وعندي أن الذي وقع في ((الصحيح))
هو الصواب والراجح، وذلك أن مُستنَد هؤلاء في انقطاع هذا الحديث إنما هو ما رُويَ عن
علي بن زيد بن جُدْعان - وهو ضعيف -: أنَّ أم رومان ماتت سنة ستٍّ، وأن النبيَّ ◌َّ
حَضَرَ دفنَها، وقد نَبَّه البخاريُّ في تاريخيه ((الأوسط)) و((الصغير)) على أنها رواية ضعيفة،
فقال في فصل من مات في خلافة عثمان: قال عليٌّ بن زيد عن القاسم: ماتت أمُّ رومان في
زمن النبي وَ ل﴿ سنة ستٍّ، قال البخاري: وفيه نظرٌ، وحديث مسروق أسندُ، أي: أصُ إسناداً،
وهو كما قال، وقد جَزَمَ إِبراهيم الحَرْبيُّ الحافظ بأن مسروقاً إنما سمع من أم رومان في خلافة
عمر، وقال أبو نُعيم الأصفهاني: عاشت أمُّ رُومان بعد النبي ◌َّ دهراً.

٣٢٥
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
قلت: ومما يدلُّ على ضعف رواية علي بن زيد بن جُدْعان ما ثبت في ((الصحيح)) (١) من
رواية أبي عثمان النَّهدي، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّدّيق: أن أصحاب الصُّفَّة كانوا
ناساً فقراء ... فذكر الحديث، في قصّة أضياف أبي بكر، وقال فيه: قال عبد الرحمن: إنّما هو
أنا وأمي وامرأتي وخادمٌ بينَنا، الحديث. وأم عبد الرحمن هي أُمُّ رُومان، لأنه شقيق عائشة،
وعبدُ الرحمن إنما أسلمَ بعد سنة ستٍّ، وقد ذكر الزبيرُ بن بَكَّار من طريق ابن عُيَيْنة عن علي
ابن زيد، أنَّ إسلام عبد الرحمن كان قُبيلَ الفتح، وكان الفتحُ في رمضان سنة ثمان، فبانَ
ضعفُ ما قال عليٌّ بن زيد في تقييد وفاةٍ أم رومان مع ما اشتَهَر من سُوءِ حِفْظه في غیر
ذلك، فكيف تُعَلُّ به الروايات الصحيحة المعتمَدة؟ والله أعلم.
الحديث الرابع والسبعون: قال الدارقطنيُّ: أخرج البخاري (٤١٧٧، ٤٨٣٣) عن
القَعْنَبي وعبد الله بن يوسف وغيرهما عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه: أنَّ النبي ◌َّ
كان يسيرُ وعمرُ معه ... الحديث في نزول سورة الفَتْح، مُرْسلاً، وقد وصله قُرَادٌ وغيره عن
مالك. قلت: بل ظاهر رواية البخاري الوصلُ، فإن أوله وإن كان صورتُه صورةَ المرسَل،
فإنَّ بعده ما يُصرِّح بأن الحديث لأسلمَ عن عمر، ففيه بعد قوله: ((فسأله عمرُ عن شيءٍ فلم
يُحِبْه): فقال عمر: نَزَرتَ رسولَ الله ◌َّهِ ثلاثَ مراتٍ كلَّ ذلك لا يحِيبُك، قال عمرُ:
فحَرَّكتُ بعيري ثم تقدَّمتُ أمامَ الناس وخشيتُ أن يَنزِل فيَّ قرآنٌ، وساقَ الحديث على
هذه الصورة حاكياً لمعظم القصة عن عمر، فكيف يكون مُرسَلاً؟! هذا من العَجَبِ، والله
المستعان.
الحديث الخامس والسبعون: قال أبو علي الغَسَّاني: أخرج البخاريُّ في تفسير سورة نوح
(٤٩٢٠): حدثنا إبراهيمُ بن موسى حدثنا هشامٌ عن ابن جُرَيْج، قال: قال عطاءٌ عن ابن
عباس: صارتِ الأوثانُ التي كانت في قوم نوحٍ في العرب بعدُ ... الحديثَ، وهذا الحديثُ
قال أبو مسعود الدمشقيُّ: هذا الحديث ثَبَتَ في تفسير ابن جُرَيج عن عطاء الخُّراساني عن
ابن عباس، وعطاءٌ لم يسمع من ابن عباس، وابنُ جُرَيج لم يسمع من عطاء، إنما أخذ الكتابَ من
(١) أخرجه البخاري (٦٠٢)، ومسلم (٢٠٥٧).

٣٢٦
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
ابنه ونَظَرَ فيه، ثم تكلّم على ذلك بما سيأتي في الطلاق إن شاء الله تعالى.
(خ م) الحديث السادس والسبعون: قال الدار قطنيُّ: وأخرجا جميعاً (١) حديث أيوب وعثمان
ابن الأسود عن ابن أبي مُلَيكة عن عائشة: ((من حُوسِب عُذِّب))، وأخرجه البخاري (١٠٣) من
حديث نافع بن عمر عن ابن أبي مُلَيكة كذلك، وأخرجاه من حديث حاتم بن أبي صَغيرة
عن ابن أبي مُلَيكة عن القاسم عن عائشة على الاختلاف. قلت: في رواية البخاريٌّ من
حديث عثمان بن الأسود عن ابن أبي مُلَيكة: سمعتُ عائشةَ، فالظاهر أنه أخرجه على الاحتمال
بأن يكون ابنُ أبي مُلَيكة سمعه من القاسم عن عائشة، ثم سمعه من عائشة، فحَدَّثَ به على
الوجهین کما في نظائره.
من فضائل القرآن
الحديث السابع والسبعون: قال الدار قطنيُّ فيما نقلت من خطّه: أخرج البخاري (٥٠٢٨)
حديث الثَّوْري عن عَلْقمة بن مَرْئَد عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي عن عثمان، أن النبي ◌َّ
قال: ((خَيرُكم مَن تَعلَّم القرآن وعَلَّمَه))، وأخرجه أيضاً (٥٠٢٧) من حديث شُعْبة عن
علقمة بن مرثد عن سعد بن عُبَيدة عن أبي عبد الرحمن عن عثمان، وقال فيه: وأَقرأ أبو
عبد الرحمن في إمْرة عثمان حتى كان الحَجَّاجُ، قال الدار قطني: فقد اختَلَفَ شعبةُ والثَّورِيُّ في
إسناده، فأدخل شعبةُ بين علقمة وبين أبي عبد الرحمن سعد بن عُبَيدة، وقد تابع شعبةً على
زيادته مَن لا يُحْتَجُّ به، وتابع الثوريَّ جماعةٌ ثقات. قلت: قد قدَّمنا أنَّ مثل هذا يُخْرِجُه
البخاريُّ على الاحتمال، لأنّ رواية الثَّوريِّ عند جماعة من الحفّاظ هي المحفوظة، وشعبةُ
زاد رجلاً فأمكن أن يكون علقمةُ سمعه من سعد عن أبي عبد الرحمن ثم لقي أبا عبد الرحمن
فسمعه منه، قال الدار قطنيُّ: وقال حَجّاج بن محمد عن شعبة: لم يسمع أبو عبد الرحمن من
عثمان شيئاً، قال: وقد أخرج البخاريُّ حديثاً من طريق أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن عن
عثمان. قلت: الحديث الذي أشار إليه ذكره البخاريُّ في كتاب الوقف تعليقاً، وهو مُناشدة عثمان
للصحابة عند حصاره في ذِكْر حَفْرِه بئرَ رُومةً وغير ذلك من مناقبه، والحديث عند البخاري من
(١) البخاري (٤٩٣٩)، ومسلم (٢٨٧٦).

٣٢٧
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
طرق غير هذا موصولة، فلهذا لم أُفِرِدْه بالذِّكر، لأنه إنما أورده اعتباراً.
وأخرج أبو عَوَانة في ((صحيحه)) حديث أبي عبد الرحمن السُّلَمي في القرآن من طريق
حَجَّاج عن شعبة بسنده، وقال في أثره: قال شعبةُ: ولم يسمع أبو عبد الرحمن من عثمان، ثم
أخرج أبو عوانة حديث الثوريِّ، ومتابعة عمرو بن قيس المُلائي ومحمد بن أبان وغيرهما
له على إسقاط سعد بن عُبَيدة، والحديث مُرَّجُ في الكتب الأربعة من ((السنن)) من هذا
الوجه، فرواه أبو داود من حديث شُعْبة فقط، ورواه النَّسائي والتِّرمذي وابنُ ماجه من
حديث شعبة وسفيان معاً، ونقل الترمذيُّ عن علي بن عبد الله ابن المَدِيني ترجيحَ
حديث سفيان على حديث شعبة، وأما كونُ أبي عبد الرحمن لم يسمع من عثمان فيما زَعَمَ
شعبةُ، فقد أثبت غیرُه سماعَه منه، وقال البخاري في ((التاريخ الكبير)): سمع من عثمان،
والله أعلم.
من كتاب النكاح
الحديث الثامن والسبعون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ (٥٠٨١) حدیث یزیدَ- هو
ابن أبي حَبيب - عن عِرَاك عن عُرْوة: أن النبي ◌َّهِ خَطَبَ عائشةَ إلى أبي بكر، قال: وهذا مُرسَل.
قلت: هو محمولٌ عند البخاريِّ على أن عُرْوة حَمَلَه عن عائشة، كما تقدم نظیرُه.
الحديث التاسع والسبعون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ (٥١٣٨) حديث خَنْساء
بنت خِدَام الأنصارية: أن أباها زَوَّجها وهي ثَيِّبٌ فكَرِهت ذلك ... الحديث، من رواية
مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عبد الرحمن ومُجُمِّع ابنيْ یزید بن جارية، عن
خنساء به، ومن رواية يزيد بن هارون (٥١٣٩) عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن
عبد الرحمن بن يزيد ومجمِّع بن يزيد أنهما حَدَّثاه: أن رجلاً يُدعَى خِدَاماً أنكحَ ابنةً له، نحوه.
قلت: عبدُ الرحمن بن القاسم أعرفُ بحديث أبيه من غيره، وقد وَصَلَه، ومالكٌ أتقنُ
لحديث أهل المدينة من غيرِهِ، ومع ذلك فأخرج البخاريُّ الطريقين، فأفهَمَ أنه رأى أنّ الموصولَ
أرجحُ، وهو المعتمد، والله أعلم.

٣٢٨
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
من كتاب الطلاق
الحديث الثمانون: قال الدار قطنيُّ: وأخرجَ البخاريُّ عن أزهرَ بن جَميلٍ عن الثقفي عن
أيوب(١) عن عِكْرمة عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس اختَلَعَت منه، ومن حديث
جَرِير بن حازم عن أيوب كذلك، قال: وأصحاب الثقفي غير أزهرَ يُرسِلونه، وكذا حمادُ
ابن سلمة، عن أيوب، وكذا أرسله أصحاب خالدٍ الحذّاء عن عكرمة. قلت: قد حكى
البخاري الاختلاف فيه، وعلّقه لإبراهيم بن طهمان عن خالدٍ الحذّاء مرسلاً، وعن أيوب
موصولاً، وذلك مّا يقوِّي روايةَ جَرير بن حازم، وفي رواية أبي ذَرِّ عن المُستملي من
الزيادة: قال البخاريُّ عَقِبَ حديث أزهرَ: لا يُتابَع فيه عن ابن عباس، وهذا معنى قول
الدار قطني: إنَّ أصحاب الثقفي يُرسِلونه. وقد ذكرتُ من وَصَلَ حديث إبراهيم بن
طَهْمان في ((تغليق التعليق)).
الحديث الحادي والثمانون: قال أبو علي الغَسَّاني: قال البخاري (٥٢٨٦): حدثنا إبراهيم
ابن موسى، حدثنا هشام - هو ابنُ يوسف - عن ابن جُرَيْج قال: قال عطاءٌ عن ابن عباس:
كان المشركون على مَنْزِلتين من النبي ◌ِّرَ ... الحديث، وفيه قصةٌ تطليق عمر بن الخطاب
قَرِيبة بنت أبي أُمية وغير ذلك، تَعقَّبه أبو مسعود الدمشقيّ فقال: ثَبَتَ هذا الحديث والذي
قبله - يعني بهذا الإسناد - سوى الحديث المتقدِّم في التفسير من تفسير ابن جُرَيج عن عطاء
الخُراساني عن ابن عباس، وابن جُرَيْج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني، وإنما أَخَذَ
الکتاب من ابنه عثمان ونظر فیه.
قال أبو علي: وهذا تنبيه بديع من أبي مسعودٍ رحمه الله، فقد رُوِّينا عن صالح بن أحمد
ابن حنبل عن عليّ بن المَدِيني قال: سمعتُ هشام بن يوسف يقول: قال لي ابن جُرَيج: سألتُ
عطاءً - يعني ابنَ أبي رباح - عن التفسير من البقرة وآل عمران، ثم قال: أعفني من هذا! قال
(١) كذا وقع للحافظ، وهو سبقُ قلم منه، ففي ((التتبع)) للدار قطني ص٤٨٨-٤٨٩: أزهر بن جميل عن الثقفي عن
خالد عن عكرمة ... وهو الصواب الذي عند البخاري برقم (٥٢٧٣)، أمّا رواية أيوب عند البخاري برقم
(٥٢٧٥) فهي معلّقة من طريق إبراهيم بن طهمان عنه.

٣٢٩
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
هشام: فكان بعدُ إذا قال: عطاءٌ عن ابن عباس، قال: الخُراساني، قال هشام: فكتبنا ما كَتَبْنا ثم
مَلِلْنا، يعني: كتبنا أنه عطاءُ الخُراساني، قال علي بن المديني: وإنّما كتبتُ أنا هذه القصة لأنَّ محمد
ابن ثَوْر كان يجعلها عطاءً عن ابن عباس، فظَنَّ الذين حَلُوها عنه أنه عطاء بن أبي رباح، قال
علي: وسألتُ يحيى القَطَّان عن حديث ابن جُرَيج عن عطاء الخراساني، فقال: ضعيف، فقلت
لیحیی: إنه يقول: أخبرنا، قال: لا شيء، کلَّه ضعيف، إنما هو کتاب دفعه إليه.
قلت: ففيه نوعُ اتصال، ولذلك استجاز ابنُ جُرَيْج أن يقول فيه: أخبرنا، لكن البخاري ما
أخرَجَه إلّا على أنه من رواية عطاء بن أبي رباح، وأما الخُراساني فليس من شرطه، لأنه لم
يَسمَعْ من ابن عباس، لكنْ لقائل أن يقول: هذا ليس بقاطع في أن عطاءً المذكور هو
الخُراساني، فإن ثبوتهما في تفسيره لا يَمنَعُ أن يكونا عند عطاء بن أبي رباح أيضاً، فيحتمل
أن يكون هذان الحديثان عن عطاء بن أبي رباح وعطاءِ الخُراساني جميعاً، والله أعلم. فهذا
جوابٌ إقناعي، وهذا عندي من المواضع العقيمة عن الجواب السَّديد، ولا بُدَّ للجواد من
كَبْوة، والله المستعان(١). وما ذكره أبو مسعود من التعقّب قد سَبَقَه إليه الإسماعيليُّ، ذَكَرَ
ذلك الحُميدي في ((الجَمْع)) عن البَرْقاني عنه، قال: وحَكاه عن علي بن المَدِيني؛ يشيرُ إلى
القصة التي ساقها الجَيَّاني، والله الموفق.
من كتاب الأطعمة
الحديث الثاني والثمانون: قال الدار قطنيُّ: أخرجَ البخاريُّ (٥٣٧٨) عن عبد الله بن
يوسف عن مالك عن وَهْب بن كَيْسان قال: أُتِيَ رسولُ الله ◌َ لّ بطعام ومعه ربيبُه عمر بن أبي
سَلَمة فقال: ((سَمِّ الله وكُلْ مما يَلِيك))، وهذا الحديث أرسله مالكٌ في ((الموطأ))، ووَصَلَه عنه خالد
ابن مَحَد ويحيى بن صالح، وهو صحيح مُتَصِل، وقد رواه محمد بن عمرو بن حلحلة وغیرُه عن
وَهْب بن كيسان عن عمر متّصلاً، أخرجه البخاريُّ، إلّا أنه لم يخرج حديث من وَصَلَه عن
مالك. قلت: إنما أخرج البخاريّ حديث مالك إثر حديث محمد بن عمرو بن حلحلة ليبيِّن
(١) انظر مقالة الحافظ رحمه الله في هذه المسألة عند شرح الحديث (٤٩٢٠) من ((الفتح)) وفي ترجمة عطاء بن أبي مسلم
الخراساني من كتابه ((تهذيب التهذيب)).

٣٣٠
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
موضعَ الخلاف فيه، وقد أخرجه النسائيُّ موصولاً عن خالد بن مخلد ومُرسلاً عن قُتِيبة،
كلاهما عن مالك، والمشهور عن مالكٍ إرسالُه كعادته.
من الذبائح
الحديث الثالث والثمانون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاري (٥٥٠٢، ٥٥٠٤، ٥٥٠٥) حديث
عُبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن كَعْب بن مالك عن أبيه: أنَّ جاريةً لكعب بن مالك،
وعن مالكِ عن نافع عن رجلٍ من الأنصار عن معاذ بن سَعْد أو سعد بن معاذ: أن جارية
لكعب، وعن جُوَيِرِيَة عن نافع عن رجل من بني سَلِمة أخبرَ عبد الله: أنَّ جاريةً لكعب بن
مالك، الحديث في الذبح بالمَرْوة، قال: ورواه الليثُ عن نافع سمع رجلاً من الأنصار يُخْبِرُ
عبدَ الله، وهذا اختلاف بيِّنٌ، وقد أخرجه، قال الدار قطني: وهذا قد اختُلِفَ فیه علی نافع وعلى
أصحابه: اختُلِفَ فيه على عُبَيد الله وعلى يحيى بن سعيد، وعلى أيوب وعلى إسماعيل بن أمية
وعلى موسى بن عُقْبة وعلى غيرهم، وقيل فيه: عن نافع عن ابن عمر، ولا يصحُّ، والاختلافُ
فيه كثير. قلت: هو كما قال، وعِلَّتُه ظاهرة، والجواب عنه فيه تكلّفٌ وتعشُّف.
(خ م) الحديث الرابع والثمانون: قال الدار قطنيُّ: وأخرجا (١) حديث أبي بِشْر عن سعيد
ابن جُبَير عن ابن عمر: لَعَنَ مَن الَّذ شيئاً فیه الروحُ غَرَضاً، ورواه عَدِيُّ بن ثابت عن
سعيد بن جُبَير عن ابن عباس، ولم يُتَابَعْ عليه عديٌّ، وتابَعَ أبا بِشْرِ المنهالُ بن عمرو وغيره،
وحديث عديّ وهمٍّ. قلت: قد ذكر البخاريُّ حديث عدي تعليقاً ووَصَلَه مسلم، وعندي
أنه حديث آخر غير حديث أبي بِشْر لاختلاف المتنَين لفظاً ومعنى.
الحديث الخامس والثمانون: قال عبد الغني بن سعيد الحافظ: روى البخاريُّ (٥٥٤٣)
عن مسدَّد عن أبي الأحْوَص عن سعيد بن مسروق عن عَبَاية بن رِفاعة عن أبيه عن جدِّه
رافع بن خَدِيج قال: قلت للنبي ◌ََّ: إنا نَلقَى العدوَّ غداً، وليس معنا مُدَى، أفنذبحُ
بالقَصَب؟ الحديث، قال: وأخطأ أبو الأحوص في هذا حيث قال: عن أبيه عن جدِّه، وقد
(١) البخاري (٥٥١٥)، ومسلم (١٩٥٨).

٣٣١
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
حذف البخاريُّ في ((الصّحيح)) قوله: عن أبيه، فصار: عن عَبَاية عن جدِّه رافع، وهو
الصواب، قال: وهذا أصلٌ يَعمَل عليه مَن بعدَ البخاري: إذا وَقَعَ له خطأٌ في حديثٍ أن
يُسقِطَه، وهذا إنما يَصلُحُ في النقصان لا في الزيادة، قال أبو علي الغَسَّاني: إنما تكلّم
عبدُ الغني على ما وقع له من رواية أبي عليّ بن السَّكَن، فظنَّ أنه من عمل البخاري، وإنما
هو من عمل ابن السَّكَن، فإنه في رواية أبي ذَرِّ عن شيوخه، وفي رواية الأصِيلي عن شيخَيْه(١)
بإثبات قوله: عن أبيه، وكذا هو في رواية إبراهيم بن مَعْقِل النَّسَفي عن البخاري، وقد
رواه أبو بكر بن أبي شَيْبة في ((مسنده)) عن أبي الأحوص، وقال: لم يقل أحدٌ: عن أبيه غیرُ
أبي الأحوص، ورواه الثَّوْريُّ وشُعْبة وزائدة وغيرهم عن سعيد بن مسروق فلم يقولوا:
عن أبيه. قلت: قد أخرج البخاريُّ الوجهين، ولا بُعْدَ في أن يكون عبايةُ سمعه من جدِّه
مع أبيه فذَكَرَ أباه فيه، والذي يجري على قواعد النُّقّاد أن حديث أبي الأحوص من المَزِيد
في مُتَّصِل الأسانيد، والله أعلم.
من كتاب الطب
(خ م) الحديث السادس والثمانون: قال الدارقطنيُّ: وأَخرجا جميعاً (٢) حديث الزُّبيدي
عن الزُّهْري عن عُرْوة عن زينب بنت أبي سَلَمة عن أم سلمة: أن النبي ◌َّ رأى في بيتها
جاريةً بها سَفْعَةٌ فقال: ((استَرقُوا لها))، وقد رواه عُقَيل عن الزُّهْري عن عُرْوة مرسَلاً،
ورواه يحيى بن سعيد عن سليمان بن يَسارٍ عن عُرْوة مرسلاً، وقال عبد الرحمن بن إسحاق
عن الزّهْري: عن سعيدٍ، ولم يَصنَعْ شيئاً. قلت: وهو ضعيف(٣)، وأما رواية عُقَيل فقد
أشار إليها البخاريُّ، إلّا أنَّ راويَها عنه ليس بحافظٍ، وحديث الزُّبَيدي رواه عنه ثقتانِ فكان
هو المعتمَدَ.
(١) في (ع) و(س): ((عن شيخه)). وللأصيلي في روايته للبخاري شيخان: هما أبو زيد المروزي وأبو أحمد الجرجاني.
(٢) البخاري (٥٧٣٩)، ومسلم (٢١٩٧).
(٣) يعني: عبد الرحمن بن إسحاق، وهو المدني، وقد أطلق هنا القول بتضعيفه، بينما قال في ((التقريب))
صدوق.

٣٣٢
هُدَى الساري المقدّمة فتح الباري
من کتاب اللباس
حديث نَقْش الخاتم: هو طرفٌ من حديث أنسٍ في الزكاة(١).
الحديث السابع والثمانون: قال الدار قطنيُّ: وأخرج البخاريُّ (٥٨٢٥) حديث الثقفي
عن أيوبَ عن عِكْرمة في قصة امرأة رِفاعة القُرَظي، وفيه ذِكرُ عائشة، ولكنه مُرسَل، وكذا
رواه حماد بن زيد عن أيوب. قلت: سياقُه يقتضي أنه من رواية عِكْرمة عن عائشة، فإن
لفظه عن عِكْرمة: أن رفاعةَ طَلَّق امرأته فتزوَّجها عبد الرحمن بن الزَّبِيرِ القُرَظي، قالت
عائشة: وعليها ◌ِمارٌ أخضر .. فذكره، فهذا ظاهرٌ في ذلك إلّا أنَّ أكثر السِّياق صورته
الإرسال، وإنما قصد البخاريُّ منه ذِكرَ الثياب الخُصْر لأنه أورده في باب الثياب الخضر، وأما
أصل قصة رفاعة وامرأته فمخرَّجةٌ عنده في النكاح (٥٢٦٠) في مكانها من طريق الزُّهْري
عن عُرْوة عن عائشة، والله أعلم.
(خم) الحديث الثامن والثمانون: قال الدار قطنيُّ: اتَّفَقا(٢) على إخراج حديث أبي عثمان، قال:
كتب إلينا عمرُ في الحرير، إلا موضعَ إصبعٍ، وهذا لم يسمعه أبو عثمان من عمر، لكنه حُجّةٌ في
قَبُول الإجازة. قلت: فقد تقدَّم نظيرُ هذا الكلام في حديث أبي النَّصْر عن ابن أبي أَوفى(٣).
الحديث التاسع والثمانون: قال الدار قطنيُّ: وأخرج البخاريُّ حديث ثابتٍ عن ابن
الزُّبير قال: قال محمدٌ وَلّ: ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة))، وهذا لم يسمعه
ابن الزبير من النبي وَلّه، إنما سمعه من عمر. قلت: هذا تعقّبٌ ضعيف، فإن ابن الزبير
صحابيٌّ، فَهَبْهُ أرسَلَ فكان ماذا؟ وكم في ((الصحيح)) من مُرسَل صحابي، وقد اتفق الأئمةُ
قاطبةً على قَبُول ذلك إلا من شَذَّ ممن تأخّر عصرُه عنهم، ولا يُعتَدُّ بمخالفته، والله أعلم.
وقد خرّجَ البخاريُّ حديث ابن الزُّبير عن عمر تِلوَ حديث ثابت عن ابن الزُّبير، فما بقيَ
للاعتراض وجهٌ.
(١) انظر الأرقام (٣١٠٦) و(٥٨٧٢). وراجع الحديث الحادي والعشرين من هذا الفصل.
(٢) البخاري (٥٨٢٩)، ومسلم (٢٠٦٩).
(٣) وهو السادس والثلاثون من هذا الفصل.

٣٣٣
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
من كتاب الأدب
الحديث التسعون: قال الدار قطنيُّ: وأخرج البخاريُّ (٥٩٧٥) عن سعد بن حفص عن
شَيْبان عن منصور عن المسيّب بن رافع عن وَرَّاد عن المغيرة عن النبيِ نَّه قال: ((إنَّ الله
حَزَّم عليكم عقوق الأُمَّهات)) الحديث، وهذا غيرُ محفوظٍ عن المسيّب، وإنما رواه شيبانُ
عن منصور عن الشَّعْبي عن وَرَّاد، كذا قال عُبَيْدُ الله بن موسى وحُسين بن محمد
المَرُّوذي، وغيرهما، وكذلك قال جَرِير: عن منصور عن الشعبي، والذي عند منصورٍ عن
المسيّب عن وَرَّاد حديثُ: كان يقول في دُبُرِ الصلاة والدعاء: ((لا إله إلّا الله)) الحديث،
فلعله اشتَبه على سعد بن حفص. قلت: أما حديثُ جرير عن منصور فهو كما قال عن الشعبي،
وأما حديث ◌ُبيد الله بن موسى عن شَيْبان فاختُلِفَ عليه فيه، فرواه مسلم في ((صحيحه)
من حديثه كما قال الدار قطنيُّ، وكذا رواه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) عن أبي أُمية عن عُبَيد الله بن
موسى، لكن قد رواه الإسماعيليُّ في «مُستخرَجه)) من طريقين عن عُبَيد الله ابن موسى عن
شَیْبَان عن منصور عن المسیّبِ ۔ کما قال البخاري ۔ عن سعد بن حفص، فعلى هذا يقوى
الظنُّ بأنه كان عند شيبان عن منصور عن الشعبي والمسيّب معاً، ولا يُنسَبُ سعدُ بن
حفص إلى الوَهْم مع متابعة إسحاق بن سَيَّار النَّصِيبِيِّ له عن عُبيد الله بن موسى عن شَيْبان،
والله أعلم.
الحديث الحادي والتسعون: قال الدار قطني: وأخرج البخاريُّ (٦٠١٦) حديث عاصم
ابن عليٍّ عن ابن أبي ذِئْب عن المَقْبُري عن أبي شُرَيْح: ((والله لا يُؤمِنُ الذي لا يَأمَنُ جارُه
بوائِقَه)) قال: وتابَعَه شَبَابٌ وأَسدُ بن موسى، وقال عثمان بن عمر وحُميد بن الأسود وغيرُ
واحد: عن ابن أبي ذئب عن المَقْبُري عن أبي هريرة، قال: ورواه يزيدُ بن هارون وحَجَّاج
ابن محمد وأبو النَّصْر عن ابن أبي ذِئْب، كما قال عاصم بن علي. قلت: ترجَّحَ عند البخاري
أنه عند ابن أبي ذِئْب على الوجهین فذكرهما.
الحديث الثاني والتسعون: قال الدار قطنيُّ: وأخرج البخاري (٦١٠٣) حديث علي بن المبارك

٣٣٤
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة، أن رسول الله وَّه قال: ((إذا قال الرجلُ
لأخيه: كافرٌ، فقد باءَ به أحدُهما))، وقال عِكْرمةٌ بن عمّار عن يحيى: عن عبد الله بن يزيد،
سمع أبا سَلَمة سمع أبا هريرة. قال الدار قطنيُّ: يحيى بنُ أبي كثير مُدلِّسٌ، ويُشبِه أن يكون
قولُ عِكْرمة أَوْلى، لأنه زاد رجلاً، وهو ثقةٌ. قلت: قد أخرج البخاريُّ طريقَ عكرمة تعليقاً،
فهو عنده على الاحتمال، والله أعلم.
الحديث الثالث والتسعون: قال الإسماعيلي: أخرج البخاريُّ (٦١٠٧) عن إسحاقَ عن
أبي المغيرة قال: حدثنا الأوزاعيُّ، قال: حدثنا الزُّهْرُّ، عن حُميد عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَله: ((من حَلَفَ منكم فقال في حَلِفِهِ: باللاتِ والعُزَّى، فليقل: لا إله إلّ الله،
ومن قال لصاحبه: تعالَ أُقامِرْكَ، فليتَصدَّقْ))، قال: ولم يقل فيه أحد عن الأوزاعي:
حدثني الزّهْريُّ، إلا أبو المغيرة، وقد رواه الوليد وعمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن
الزُّهْري مُعنعَناً، ورواه بِشْر بن بكر عن الأوزاعي قال: بَلَغَني عن الزُّهْري، قال: وأبو المغيرة
وبِشْر بن بكر صدوقان، إلّا أن بشراً كان يغوصُ على مِثل هذا(١). قلت: ورواه عُقْبة بن
علقمة البيروتي عن الأوزاعي كما قال بشرُ بن بكر سواء، رُوِّيناه في الجزء الثالث من
حديث أبي العباس الأصمِّ قال: حدثنا العباس بن الوليد بن مَزْيَد عن عُقْبة به، وهذا من
المواضع الدقيقة، ولكن الحديث في الأصل صحيحٌ عن الزُّهْري، قد أخرجه البخاريُّ من
حديث معمر وعُقَيل عنه، والله أعلم.
(خ م) الحديث الرابع والتسعون: قال الدار قطنيُّ ما مُلَخَّصُه: إن الشيخين أخرجا(٢) حديث
الأعمش عن أبي وائل عن أبي موسى الأشعريِّ. ((المَرْءُ معَ مَن أَحَبَّ))، وأخرجاه(٣) من
حديث الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله أيضاً، والطريقانِ محفوظانٍ عن الأعمش. قلت: فلا
معنی لاستدراكه.
(١) في (س): كان يعرض عن مثل هذا.
(٢) البخاري (٦١٧٠)، ومسلم (٢٦٤١).
(٣) البخاري (٦١٦٨) و(٦١٦٩)، ومسلم (٢٦٤٠).

٣٣٥
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
الحديث الخامس والتسعون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ (٦١٩٠) حديثَ معمر،
عن الزُّهْري عن ابن المسيّب عن أبيه عن جدِّه، أن النبيِ نَّه قال له: ((ما اسمُكَ؟)) قال:
حَزْنٌ، وأخرجه (٦١٩٣) من حديث هشام بن يوسف عن ابن جُرَيْج عن عبد الحميد بن
جُبَير عن سعيد بن المسيّب: أنَّ جدَّه حَزْناً، وهذا مُرسَل، وكذا قال قَتَادةُ وعلي بن زيد
وابن سعيد(١) بن المسيّب. قلت: هذا على ما قَرَّرْناه فيما قبلُ أن البخاري يَعتمِدُ هذه
الصِّيغة إذا حَفَّت بها قرينةٌ تقتضي الاتصال، ولا سيّما وقد وَصَلَه الزُّهْريُّ صريحاً، فأخرج
الوجهين على الاحتمال، والله أعلم. وقد رواه عبد الرزاق عن ابن جُريج فقال فيه: عن
أبيه عن جده أيضاً، أخرجه الإسماعيليُّ من طريقه.
من كتاب الدعوات
(خ م) الحديث السادس والتسعون: قال الدار قطنيُّ: وأخرجا(٢) حديث عبيد الله بن عمر عن
سعيدِ المَقْبُري عن أبيه عن أبي هريرة: ((إذا أوَى أحدُكم إلى فِراشِه فليَنقُضْه)»، وقد اختُلِفَ فيه
على عبيد الله، فرواه جماعةٌ من أصحابه هكذا، ورواه يحيى القَطَّن وابنُ المبارك وغيرُ واحد عن
عبيد الله، لم يقولوا: عن أبيه، وكذا رواه مالك وابن عَجْلان عن سعيدٍ عن أبي هريرة. قلت:
جوابُ مثل هذا التعلیل تقدَّم في الحديث الثاني، وقد أشار البخاريُّ إلى الاختلاف فيه على
عُبَيد الله وعلى سعیدِ، فلا استدراكَ عليه.
من کتاب الرِّقاق
الحديث السابع والتسعون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ (٦٤٩٣)، حديث أبي
غَسَّان عن أبي حازم عن سَهْل بن سعد، قال: نَظَرَ النبيُّ بَّه إلى رجلٍ يقاتل المشركين
فقال: ((هو مِن أهل النار)) الحديث، وفيه: ((إنَّ العبدَ لَيعمَلُ فيما يَرَى الناسُ عملَ أهل الجنة
وإنه لمن أهل النار، ويعملُ فيما يَرَى الناسُ عملَ أهل النار وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمالُ
بالخواتيم))، قال: وقد رواه ابن أبي حازم ويعقوب بن عبد الرحمن وسعيدٌ الجُمَحي عن أبي
(١) كذا وقع في الأصول، والذي في ((التتبع)) للدار قطني ص ٢٦١: وكذلك قال قتادة وعلي بن زيد عن ابن المسيّب.
(٢) البخاري (٦٣٢٠)، ومسلم (٣٧١٤).

٣٣٦
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
حازم فلم يقولوا في آخره: ((وإنما الأعمال بالخواتيم)). قلت: زادها أبو غَسَّان، وهو ثقةٌ
حافظ، فاعتَمَدَه البخاريُّ.
الحديث الثامن والتسعون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ (٦٥٨٥) حديث أحمد بن
شَبِيب عن أبيه عن يونس عن الزُّهْري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ: ((يَرِدُ عليَّ
الحوضَ رَهْطٌ من أصحابي)) الحديث، وعن أحمد بن صالح عن ابن وَهْب عن يونس مثلَه،
لكن قال: عن أصحاب النبيِّ وَّةِ، ولم يقل: عن أبي هريرة، وقال شعيب وعُقَيل عن
الزّهري: كان أبو هريرة يُحدِّث، وقال الزُّبَيدي عن الزُّهْري: عن أبي جعفر محمد بن علي
عن عُبيد الله بن أبي رافع عن أبي هريرة، قال الدار قطني: ورواه مَعمَرٌ عن الزُّهْري عن
رجل عن أبي هريرة، ولو كان عن سعيد بن المسيّب لم يُكَنِّ عنه الزُّهْرِيُّ وَلَصَرَّح به. قلت:
يحتمل أن يكون النسيانُ طرأ فيه على معمر، وأما رواية الزُّبَيدي فإنه إسنادٌ آخر للحديث،
وقد بَيَّنَ البخاريُّ وجوهَ الاختلاف فيه إلا طريقَ مَعمَرٍ فلم يَعتدَّ بها.
من النذور
الحديث التاسع والتسعون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ (٦٧٠٤) حديث وُهَيب
عن أيوب عن عِكْرمة عن ابن عباس: بينما النبيُّ وَ ل﴿ يَخْطُب إذ قام أبو إسرائيل ...
الحديث، وقد رواه الثقفيُّ وابن عُليَّة عن أيوب مُرسَلاً. قلت: قد أشار البخاريُّ إلى
الخلاف فيه واعتمد حدیثَ وُهَیبٍ لِحِفْظه.
من الحدود
(خ م) الحديث المئة: قال الدار قطنيُّ: أخرجا (١) حديث ابن وَهْب عن عمرو بن
الحارث عن بُكَيْرِ عن سليمان بن يسارٍ عن ابن جابرٍ عن أبيه عن أبي بُرْدة بن نِیَارٍ حدیثَ:
((لا يُحِلَدُ فوقَ عَشَرةِ أسواطٍ ... ))، وقد خالفه الليثُ بن سعد وسعيد بن أبي أيوب فروياه عن
یزید بن أبي حَبيب عن بُكَير فلم يقولا: عن أبيه، وقال مسلم بن أبي مريم عن ابن جابر: عمَّن
(١) البخاري (٦٨٥٠)، ومسلم (١٧٠٨).

٣٣٧
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
سمع النبيَّ ◌ََّ، قال: وقولُ عمرو بن الحارث صحيحٌ لأنه ثقةٌ وزاد رجلاً، وقد تابعه
أسامةُ بن زيد عن بُكَير. قلت: أخرج البخاريُّ الأوجه كلَّها إلّا روايةَ أسامة، واقتصَر مسلمٌ
علی حدیث عمرو بن الحارث عن بکیر.
من التعبير
الحديث الأول بعد المئة: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاري (٧٠٤٢) حدیث أيوب عن عكرمة
عن ابن عباس: ((مَنْ صَوَّر صُورةً))، ورواه خالدٌ وهشام عن عِكْرمة عن ابن عباس موقوفاً،
وقال قتادةً عن عكرمة عن أبي هريرة موقوفاً، واختُلِفَ عليهم فيه. قلت: تَعارُضُ الوقفِ
والرفع فیه لا أثر له؛ لأن ◌ُكمه الرفعُ، وقد أشار البخاريُّ إلى الخلاف فيه على عكرمة عن ابن
عباس أو عن أبي هريرة، والراجحُ عنده أنه عن ابن عباس، والله أعلم.
من الفتن
(خ م) الحديث الثاني بعد المئة: قال الدار قطنيُّ: وأخرجا(١) حديثَ عبد الأعلى عن
مَعْمَر عن الزُّهْري عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة عن النبي ◌َّه قال: «يَتَقاربُ الزمانُ
ويُلقَى الشُُّّ)) الحديث، وقد تابع حمادَ بن زيدٍ عبدُ الأعلى، وخالفهما عبدُ الرزاق عن معمرٍ
فأرسله ولم يَذكُر أبا هريرة، ويقال: إنَّ مَعمراً حَدَّثَ بالبصرة من حِفْظه بأحاديث وَهِمَ في
بعضها، وقد خالفه فيه شعيبٌ ويونس والليث بن سعد وابنُ أخي الزُّهْري، رَوَوْه عن
الزّهْري عن حُميد عن أبي هريرة، وقد أخرجا حديثَ حميد أيضاً. قلت: الزُّهْري صاحبُ
حديث فلا استبعادَ أن يكون عنده عن حميدٍ وسعيدٍ جميعاً، والظاهر أن البخاريَّ أخرجه على
الاحتمال کما تقدَّم في نظائره.
من كتاب الأحكام
الحديث الثالث والمئة: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ (٧١٤٨) حديث ابن أبي ذِئْب
عن سعيد عن أبي هريرة: ((إنكم ستَحرِصُون على الإمارة، وستكونُ خِزْياً ونَدامةً)) الحديث،
(١) البخاري (٧٠٦١)، ومسلم بإثر الحديث (٢٦٧٢) (١٢).

٣٣٨
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
وقد رواه عبدُ الحميد بن جعفر عن سعيدِ المَقْبُريِّ عن عمر بن الحَكَم عن أبي هريرة
موقوفاً. قلت: قد أخرجه البخاريُّ على أثر حديث ابن أبي ذِئْب، فهو عنده على الاحتمال،
لأن ابن أبي ذئب زاد على عبد الحميد في الرَّفْع، وعبد الحميد زاد على ابن أبي ذِئْب في الإسناد
رجلاً، لكن صَنیعه يُشعِرُ بترجیح رواية ابن أبي ذئب لحِفْظه.
الحديث الرابع والمئة: قال الدار قطنيُّ: وأخرج البخاريُّ (٧١٦٥) حديث ابن عيينة عن
الزُّهْري عن سهل بن سعد: ((فَرَّقَ بين المُتلاعنين))، وهذا مما وُهِّمَ فيه ابنُ عَبَيْنة، لأن
أصحاب الزّهْري قالوا: فطَلَّقَها قبل أن يأمُّرَه النبيُّ ◌َِّ، وكان فِراقُه إياها سُنّةً، لم يقل أحدٌ
منهم: إنَّ النبي ◌َّهِ فَرَّقَ بينهما. قلت: لم أره عند البخاري بتمامه، وإنما ذَكَرَ بهذا الإسناد طَرَفاً
منه، وكأنه اختصره لهذه العِلَّة، فبَطَلَ الاعتراضُ عليه.
الحديث الخامس والمئة: قال الدارقطني: وأخرج البخاريُّ (٧١٩٨) حديثَ يونُس عن
الزّهْري عن أبي سَلَمة عن أبي سعيد عن النبي ◌َّه قال: ((ما بعثَ الله من نبيٍّ إلا كان له
بِطانَتَان))، وتابعه يحيى وابنُ أبي عَتِيق، وكذا قال ابن أبي حُسَين وسعيد بن زياد عن أبي
سلمة، وقال شعيب عن الزُّهْري مثلَه إلا أنه وَقَفَه، وقال الأوزاعي ومعاوية بن سَلَّام عن
الزُّهْري: عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وقال صفوانُ بن سُلَيم: عن أبي سلمة عن أبي
أيوب. قلت: حكى البخاريُّ هذه الأوجه كلَّها، وكأنه تَرجَّحَ عنده طريقُ أبي سلمة عن
أبي سعيد، فإن أكثر أصحاب الزُّهْري رَوَوْه كذلك، ولأن الزُّهْري أحفظُ من صفوانَ بن
سُلَيم، فالله أعلم.
من کتاب التمنِّي
الحديث السادس والمئة: قال البخاريُّ (٧٢٤٢): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن
الزّهْري (ح) وقال الليث: حدثني عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب
أنَّ أبا هريرة أخبره قال: نَهَى رسول الله وَّل عن الوِصَال ... الحديث، قال أبو مسعود: هكذا في
((صحيح)) البخاري لم يَذكُر كيف يروي شعيبٌ هذا الحديث عن الزُّهْري، وإردافُه له بحديث

٣٣٩
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
الليث يُوهِمُ أنهما سواءٌ، وليس كذلك، بل شعيب يرويه عن الزُّهْريِّ عن أبي سلمة عن أبي
هريرة، وقد أخرجه البخاريُّ في الصيام (١٩٦٥) على الصواب، قال أبو علي الغَسَّاني: هذا
تنبيهٌ حسنٌ جداً، ويمكن أن يكون البخاريُّ اكتفى بما ذكره في الصيام، لكن هذا النَّظْم فيه
التباس. قلت: صدق أبو عليٍّ، والذي عندي أن الإسناد الأول سقطت منه كلمةٌ واحدة وهي
قوله: عن أبي سلمة، ثم حوَّله برواية الليث، وبهذا يرتفع اللَّبْس، والله أعلم.
من كتاب التوحيد
الحديث السابع والمئة: قال البخاريُّ (٧٤٢٨): وقال الماحِشُونُ عن عبد الله بن الفَضْل عن
أبي سَلَمة عن أبي هريرة في حديثٍ أولُه: ((لا تُقاضِلُوا بين الأنبياء، فإن الناس يَصعَقُون، فأكونُ
أولَ من يُقِيقُ فإذا موسى آخذٌ بالعرش)) اختصره، وتَعقبَّه أبو مسعود بأن المعروف روايةٌ
الماجشون عن عبد الله بن الفَضْل عن الأعرج عن أبي هريرة، وقد تكلَّمنا عليه في الفصل الذي
مضى في أحكام التعليق بما يغني عن الإعادة.
الحديث الثامن والمئة: قال البخاريُّ (٧٤٧٥): حدثنا يَسَرةُ بن صفوان حدَّثنا إبراهيمُ بن
سعد عن الزّهْري عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلّ: ((بَيْنا أنا نائمٌ
رأيتُني على قَلِيبٍ فَنَزَعتُ ما شاء الله)) الحديث، قال أبو مسعود: سَقَطَ منه رجلٌ بين إبراهيم بن
سعد والزُّهْري، وقد رواه مسلمٌ على الصواب عن عمرو بن محمد الناقدٍ وغيره عن يعقوب بن
إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان عن الزُّهري، والله أعلم.
(خ م) الحديث التاسع والمئة: حديثُ عمرو بن دينار عن أبي العباس الشاعرِ عن عبد الله في
قصة حصار الطائفِ، اختُلِفَ فيه على ابن عُيَينة في اسم والد عبد الله: هل هو عمرُ بن
الخطاب أو عمرو بن العاص؟ فوقع في أكثر النسخ من ((صحيح)) البخاري (٧٤٨٠):
عبد الله بن عمر، يعني: ابن الخطاب، وفي بعضها: ابنُ عَمْرو، وقال أبو نعيم الأصبهاني:
أخرجه الحُمَيدي وأبو خَيْئمة في ((مسندیهما)» في مسند ابن عمر بن الخطاب، وقال أبو عَوَانة
الإسفراييني: رواه جماعة ممن يَفهَمُ ويَضِطُ عن ابن عُيَينة كذلك، وكذا كان يقول قدماءُ

٣٤٠
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
أصحاب ابن عُيَينة عنه، والمتأخِّرون منهم يقولون: عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص،
ومنهم من لا يَنسُبه، كذا وقع عند النَّسائي، والاضطرابُ فيه من سفيان، وقال أبو عليٍّ
الجَيَّاني: حَدَّث به عليٌّ بن المديني عن سفيان فقال: عبدُ الله بن عَمْرو، فَرَدَّ ذلك عليه حامدُ بن
يحيى البَلْخي فرجع إليه، وصَوَّبَ الدار قطنيُّ في ((العلل)) قولَ من قال: ابنُ عمر. قلت: ليس في
التعليل بذلك كبيرُ تأثيرٍ، والله أعلم.
(خ م) الحديث العاشر والمئة: أخرج البخاريُّ في أواخر الكتاب (٧٥١٧) حديث
شَرِيك بن أبي نَمِر عن أنسٍ في الإسراء بطُوله، وقد خالف فيه شريكٌ أصحابَ أنس في
إسناده ومَتْنه، أما الإسناد فإن قتادة يجعله عن أنسٍ عن مالك بن صَعصَعة، والزُّهْرِيُّ
يجعله عن أنس عن أبي ذَرٍّ، وثابتٌ يجعله عن أنس من غير واسطةٍ، لكن سياق ثابت لا
مخالفةَ بينَه وبين سياق قتادة والزُّهْرِيِّ، وسياقُ شريكٍ يخالفهم في التقديم والتأخير
والزيادة المُنكَرة، وقد أخرج مسلم إسناده فقط تِلْوَ حديث ثابت، وقال في آخره: فزادَ
ونَقَصَ، وقدَّم وأَخَّر، وتكلّم ابنُ حَزْمٍ والقاضي عياض وغيرهما على حديث شريك هذا،
وانتصرَ له جماعةٌ منهم أبو الفضل بن طاهر فصَنَّفَ فيه جُزءاً، وسنذكر ما يتعلَّقُ به مُستوفَّى عند
الكلام علیه إن شاء الله تعالى في موضعه.
هذا جميعُ ما تَعقَّبه الحفّاظ النُّقاد العارفون بعِلَل الأسانيد، المطَّلِّعون على خفايا الطرق،
وليست كلها من أفراد البخاريِّ، بل شاركه مسلمٌ في كثير منها كما تراه واضحاً ومرقوماً
عليه رَقْمُ مسلمٍ وهو صورة (م)، وعِدَّة ذلك اثنان وثلاثون حديثاً، فأفراده منها ثمانيةٌ
وسبعون فقط، وليست كلَّها قادحةً، بل أكثرُها الجوابُ عنه ظاهر والقدحُ فيه مُندفِع،
وبعضها الجوابُ عنه مُحُتمَل، واليسير منه في الجواب عنه تَعسُّفٌ كما شرحته مُجُمَلاً في أول
الفصل، وأوضحته مبيّناً إثرَ كل حديث منها، وإذا تأمّل المنصِف ما حَرَّرتُه من ذلك عَظُمَ
مقدارُ هذا المصنّف في نفسه وجَلَّ تصنيفُه في عينه، وعَذَرَ الأئمة من أهل العلم في تَلقِّيه
بالقَبُول والتسليم، وتقديمهم له على كل مصنَّفٍ في الحديث والقديم، وليسا سواءً مَن يَدفَعُ
بالصدر فلا يأمن دعوى العصبية، ومَن يَدفَعُ بيد الإنصاف على القواعد المرضيَّة، والضوابط