النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري من كتاب البيوع (خ م) الحديث الثامن والعشرون: قال الدارقطني: أخرج البخاري (٢١٥٢) حديث الليث عن سعيد المَقْبُري عن أبيه عن أبي هريرة، أنه سمعه يقول: قال النبيُّ وَلَّه: ((إذا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِناها، فليَجلِدْها الحَّ ولا يُثْرِّبْ)) الحديث، وقد اختُلِفَ على سعيدِ فرواه عبيدُ الله بن عمر من رواية محمد بن عُبَيد ويحيى بن سعيد الأُمَوي عنه عن سعيد عن أبيه، ورواه عَبْدةُ بن سليمان عن ابن إسحاق عن سعيدٍ هكذا، وخالفه ابنُ المبارَك ومُعتمِرُ بن سليمان وعُقْبة بن خالد وأبو أسامة وغيرهم فَرَوَوْه عن عُبَيد الله بن عمر عن سعيد عن أبي هريرة، لم يقولوا: عن أبيه، وكذا قال غيرُ واحد عن ابن إسحاق، وكذا رواه أيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية وأسامة بن زيد وغيرهم عن سعيدٍ ليس فيه: عن أبيه، وأخرجها مسلمٌ على اختلافها واقتَصَرَ البخاريُّ على حديث الليث. قلت: الليثُ إمامٌ وقد زاد فيه: عن أبيه، فلا يضرُّه من نَقَصَه، على أنه في مثل هذا لا يَبعُدُ أن يكون الحديثَ عند سعيد على الوجهين لكثرة من رواه عنه دون ذِكْر أبيه، وإذا صحَّ أنه عنده على الوجهین، فلا يضرُّه الاختلافُ، مع أن الحديث عند الشيخين من غير طريق المَقبُري عن أبي هريرة أيضاً، والله أعلم. (خ م) الحديث التاسع والعشرون: قال الدار قطني: وأخرجا جميعاً (١) حديث مالك عن حُميد عن أنس: أن النبيِّلْ نَهَى عن بيع الثِّار حتى تُزهِيَ، فقيل: وما تُزهِي؟ قال: حتى تَحْمَرَّ، قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((أرأيتَ إذا مَنَعَ اللهُ الثَّمرَ بِمَ يأخذُ أحدُكم مال أخيه))، قال الدار قطني: خالف مالكاً جماعةٌ منهم: إسماعيلُ بن جعفر وابنُ المبارك وهُشَيم ومروان بن معاوية ويزيد بن هارون وغيرهم، قالوا فيه: قال أنسٌ: أرأيت إن مَنَعَ الله الثمرة، قال: وقد أخرجا جميعاً حديثَ إسماعيل بن جعفر وقد فَصَل كلامَ أنس من كلام النبي ◌َِّ. قلت: سَبَقَ الدار قطنيَّ إلى دعوى الإدراج في هذا الحديث أبو حاتم وأبو زُرْعة الرازيان وابن خُزيمة وغير (١) البخاري (٢١٩٨)، ومسلم (١٥٥٥). ٣٠٢ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري واحد من أئمة الحديث، كما أوضحتُه في كتابي ((تقريب المَنهَج بترتيب المُدْرَج)) وحكيتُ فيه عن ابن خُزيمة أنه قال: رأيتُ مالك بن أنس(١) في المنام فأخبَرني أنه مرفوعٌ، وأن مُعتمِر بن سليمان رواه عن حُميدٍ مُدرَجاً لكن قال في آخره: لا أدري: أنسٌ قال: بمَ يستحِلُّ، أو حَدَّثَ به عن النبي ◌َّرَ؟! والأمرُ في مثل هذا قريبٌ. (خ م) الحديث الثلاثون: قال الدار قطني: وأخرجا (٢) حديث عَمْرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس، قال: بَلَغَ عمرَ بن الخطاب أن سَمُرة باعَ خمراً، فقال: قاتَلَ الله سَمُرة ... الحديث، وقد رواه حماد بن زيد عن عمرو عن طاووس: أن عمر قالَ، وكذلك رواه الوليد بن مسلم عن حَنْظلة بن أبي سفيان عن طاووس: أنَّ عمر. قلت: صَرَّح ابن عُيَينة عن عمرو بسماع طاووس له من ابن عباس، وهو أحفظُ الناس لحديث عمرو، فروايتُه الراجحة، وقد تابعه رَوْحُ بن القاسم، أخرجه مسلم من طريقه. من الشُّفعة الحديث الحادي والثلاثون: قال الدار قطني: أخرج البخاريُّ (٢٢٥٨، ٦٩٧٧، ٦٩٨١) حديث إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشَّرِيد عن أبي رافع: ((الجارُ أحقُّ بسَقَبِه)) من رواية ابن ◌ُرَيج والثَّوْري وابن عُيَينة عن إبراهيم، وخالفهم محمدُ بن مسلم عن إبراهيم ابن مَيسَرة، ولا يُلْتَفَتُّ إليه، يعني لأنه ضعيفٌ، فلا تُعلِّلُ روايتُه الرواياتِ الثابتةَ. حديث كعب بن مالك، يأتي في الذبائح إن شاء الله تعالى. من الشِّرب الحديث الثاني والثلاثون: قال الدار قطنيُّ فيما نقلتُ من خطّه من جزءٍ مُفرَد وليس هو في كتاب ((التُّع)): أخرج البخاري (٢٣٥٩) عن التِّنِّيسي عن الليث عن الزّهْري عن عُرْوة عن عبد الله بن الزُّبير: أنَّ رجلاً خاصَمَ الزُّبير في شِرَاجِ الحَرَّة ... الحديث بطوله، وهو إسنادٌ متصِل لم (١) في (س): رأيت أنس بن مالك. (٢) البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢). ٣٠٣ الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري يَصِلْه هكذا غيرُ الليث، ورواه غير الليث عن الزُّهْري فلم يذكروا فيه عبدَ الله بن الزُّبیر، وأخرج البخاريُّ أيضاً من حديث مَعمَر، ومن حديث ابن جُرَيج، ومن حديث شعيب، كلّهم عن الزُّهْري عن عُرْوة، ولم يذكروا في حديثهم عبد الله بن الزبير كما ذكره الليث. انتهى، وإنما أخرجه البخاري بالوجهين على الاحتمال لأن عُرْوةَ صحَّ سماعُه من أبيه، فيجوزُ أن يكون سمعه من أبيه وثَبَّتَه فيه أخوه، والحديث مُشتمِلٌ على أمر يتعلّق بالزبير، فدواعي أولاده متوفّرةٌ على ضَبطِهِ، فاعتَمَدَ تصحيحَه لهذه القَرِينة القوية، وقد وافق البخاريَّ على تصحيح حديث الليثِ هذا، مسلمٌ وابن خُزَيمة وابن الجارود وابن حِبَّان وغيرُهم، مع أن في سياق ابن الجارود له التصريحَ بأن عبد الله بن الزُّبير رواه عن أبيه الزبير، وهي رواية يونس عن الزُّهْري، والله أعلم. (خ م) الحديث الثالث والثلاثون: قال الدار قطنيُّ: أخرجا جميعاً(١) حديث الزُّهْري عن سالم عن أبيه عن النبي وَالَ: «مَن باعَ عبداً وله مالٌ))، وقد خالفه نافعٌ عن ابن عمر عن عمر، وقال النسائي: سالمٌ أجلَّ في القلب، والقولُ قول نافع. قلت: الحديث عند البخاريِّ بهذا السِّياق عن عبد الله بن يوسف حدثنا الليثُ حدثني ابن شِهاب عن سالم عن أبيه سمعتُ رسولَ الله وَّه يقول: ((مَن ابتاعَ نَخلاً بعدَ أن تُؤَّر)) الحديث، وفيه: ((ومَن ابتاعَ عبداً وله مالٌ، فمالُه للذي باعه إلا أن يَشتِطَ المبتاعُ))، وعن مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر في العبد، وهو معطوفٌ على ((حدَّثنا الليث))، فقد أخرجه على الوجهين، ومقصودُه منه الاحتجاجُ بقصة النخل المؤَّرة، وهي مرفوعةٌ بلا خلاف، بدليل أنه أخرجَها في أبواب المزارَعَة، وأما قصة العبد فأخرجها على سبيل التَّبَع وبَيَّنَ ما فيها من الاختلاف، فلا اعتراضَ عليه، والله أعلم. حديث جابر في الجَمْع بين القتلى يوم أُحُدٍ، تقدَّم في الجنائز. حديث أبي هريرة: ((من أَعتَقَ شِرْكاً)) يأتي في العتق. حديث أنس عن أبي بكرٍ في الصَّدقات، مضى في الزكاة. (١) البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣) (٨٠). ٣٠٤ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري من العتق (خ م) الحديث الرابع والثلاثون: قال الدار قطني: وأخرَجا جميعاً (١) حديثَ قَتادة عن النَّضْر ابن أنس عن بشير بن تَهِيك عن أبي هريرة: ((من أعتقَ شَقِيصاً)) وذكرافيه الاستسعاء من حديث ابن أبي عَرُوبة وجَرير بن حازم، وقد رَوَى هذا الحديثَ شعبةُ وهشام، وهما أثبتُ الناس في قتادة فلم يَذكُرا في الحديثِ الاستسعاءَ، ووافَقَهما همامٌ وفَصَلَ الاستسعاء من الحديث فجعله من رأي قتادةَ لا من رواية أبي هريرة، قاله المقرِئ(٢) عن همام، وقال أبو مسعود: حدیثُ همام عندي حسن وعندي أنه لم يَقَعْ للشیخین، ولو وقع هما حكما بقوله وتابعه معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة، وكذا رواه أبو عامر عن هشام، قاله الدار قطنيُّ، قال: وهذا أوْلَى بالصواب من حديث ابن أبي عَرُوبة وجَرِير بن حازم. قلت: قد اختُلِفَ فيه على همام وعلى هشام، وأَشَبَعتُ الكلام عليه في ((تقريب المنهج بترتيب المُدرَج)) ولله الحمد. من الهبة الحديث الخامس والثلاثون: قال الدار قطنيُّ: وأخرج البخاري (٢٥٨٥) حديث عيسى بن يونس عن هشام عن أبيه عن عائشة: أن النبيَّ ◌ََّ كان يَقبَلُ الهديةَ ويُثِيبُ عليها. قال: ورواه وكيعٌ ومُحاضِر ولم يَذْكُرًا: عن عائشة. قلت: رَجَحَ البخاريُّ الرواية الموصولة بحِفْظ راويها. حديث عمر في الطاعون، تقدَّم في الجنائز(٣). حديث أبي بَكْرة: ((إن ابني هذا سيِّدٌ)) يأتي في المناقب. من کتاب الجهاد (خم) الحديث السادس والثلاثون: قال الدار قطنيُّ: وأَخرجا جميعاً(٤) حديث موسى بن عُقْبة عن أبي النَّصْرِ مولى عمر بن عُبَيد الله قال: كتَبَ إليه عبدُ الله بن أبي أوفى فقرأته: أنَّ (١) البخاري (٢٥٢٧)، ومسلم (١٥٠٣). (٢) تحرَّف في الأصل و(ع) و(س) إلى: المقبري، ووقع في (ف) على الصواب، والمقرئ: هو عبد الله بن یزید. (٣) لم يتقدم في الجنائز، وهو عند البخاري برقم (٥٧٢٩). (٤) البخاري (٢٩٦٥) و(٣٠٢٤)، ومسلم (١٧٤٢). ٣٠٥ الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري النبيِ وَي﴿ قال: ((لا تتمنَّوْا لقاءَ العدو، وإذا لَقِيتُموهم فاصبِرُوا)) الحديث، قال: وأبو النَّصْر لم يسمع من ابن أبي أوفى، وإنما رواه عن كتابه، فهو حُجَّةٌ في رواية المكاتَبة. قلت: فلا عِلَّة فيه، لكنه ينبني عن أن شَرْطَ المكاتبة: هل هو من المكاتِبِ إلى المكتوب إليه فقط، أم لكلِّ مَن عَرَفَ الخطِّ أن يرويَ به، وإن لم يكن مقصوداً بالكتابة؟ الأول هو المتبادِرُ إلى الفَهْم من المصطلح، وأما الثاني فهو عندهم من صور الوِجَادة، لكن يمكن أن يقال هنا: إن رواية أبي النَّضْر هنا تكون عن مولاه عمر بن عُبَيد الله عن كتاب ابن أبي أوفى إليه، ويكون أَخْذُه لذلك عن مولاه عَرْضاً لأنه قرأه عليه لأنه كان كاتِبَه، فتصيرُ - والحالة هذه - من الرواية بالمكاتبة كما قال الدار قطني، والله أعلم. الحديث السابع والثلاثون: قال الدار قطني: وأخرج البخاري (٢٨٥٥) حديث أُبيّ بن عباس ابن سهل بن سعد عن أبيه عن جدِّه، قال: كان للنبيّ وَ له فرس يقال له: اللحيف، قال: وأبيُّ هذا ضعيف. قلت: سيأتي الكلام عليه في الفصل الآتي. الحديث الثامن والثلاثون: قال أبو مسعود في حديث أبي إسحاق الفَزَاري عن عبد الله ابن عبد الرحمن الأنصاريِّ - هو أبو طُوَالة - سمعتُ أنساً يقول: دخل النبيُّ وَ ل﴿ على بنت مِلْحان فاتَّكأ عندها ثم ضحك ... الحديث، وفيه: ((ناسٌ من أُمَّتِي يَركَبُون البحرَ الأخضر))، قال أبو مسعود: هكذا في كتاب البخاري (٢٨٧٧): أبو إسحاق عن أبي طُوَالة، وسَقَطَ عليه بينهما زائدةُ بن قُدامة، كذا قال أبو مسعود، واستَنَدَ في ذلك إلى رواية المسيَّب ابن واضح عن أبي إسحاق الفَزَاري عن زائدة عن أبي طُوَالة، وهو مُستنَدٌ في غاية الوَهاءِ، فإن المسيّب ضعيف، والحديث في كتاب ((السِّيَرَ)) لأبي إسحاق الفزاري من رواية عبد الملك بن حَبيب المِصِّيصي عنه، ليس فيه زائدة، وهكذا رواه الإمام أحمد في ((مسنده)) عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق الفزاري عن أبي طُوَالة، ليس فيه زائدة، كما رواه البخاريُّ عن عبد الله بن محمد عن معاوية بن عَمْرو سواء، حتى قال أبو عليِّ الجَيَّاني: تتبّعتُ طرقَ هذا الحديث عن أبي إسحاق فلم أجد فيها زائدة. انتهى، نَعم، الحديثُ محفوظٌ لزائدة عن أبي طُوَالة أيضاً بمتابعة أبي إسحاق عن أبي طُوَالة، لا من رواية أبي إسحاق الفَزاري عن زائدة، ٠٠ ٣٠٦ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري رواه عن زائدةً حسينُ بن علي الجُعْفيُّ ومعاويةُ بن عمرو أيضاً، ومن طريقهما أخرجه الإسماعيلي في ((مُستخرَجه)) وأبو عَوَانة في «صحيحه)) لا ذِكْرَ لأبي إسحاق الفزاري فيه، وقد رواه أحمد في «مسنده)) عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق، وعن معاويةً بن عمرو عن زائدة كلاهما عن أبي طُوَالة، فذكر هذا الحديث، وأخرجَ بهذا الإسناد عن معاويةً بن عمرو عنهما حديثاً آخر، وهو حديث أنس في فَضْل عائشة على النساء، فأظنُّ المسيَّبَ بن واضح إن كانت روايتُه محفوظةً يكون قد رواه عن أبي إسحاق الفَزاري وزائدة جميعاً عن أبي طُوَالة، فوقع(١) موضعَ واوِ العطف: عن، والله أعلم. الحديث التاسع والثلاثون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ (٢٨٩٢) حديث عبد الرحمن ابن عبد الله بن دينارٍ، عن أبي حازم، عن سَهْل بن سعد: «رِباطُ يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها)) الحديث، ولم يقل هذا غيرُ عبد الرحمن، وغيره أثبتُ منه، وباقي الحديث صحيح. قلت: عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار يأتي الكلامُ عليه في الفصل الذي بعد هذا، وقد تفرَّد بهذه الزيادة. الحديث الأربعون: قال الدارقطني: أخرج البخاري (٢٨٩٦) حديث محمد بن طَلْحة عن أبيه، عن مُصعَب بن سعد قال: رأى سعدٌ أنَّ له فَضْلاً على مَن دُونَه، فقال النبي ◌َّ: ((هل تُنصَرون وتُرزَقون إلّا بضعفائكم))، قال الدارقطني: وهذا مُرسَل. قلت: صورتُه صورة المرسَل إلّا أنه موصولٌ في الأصل معروف من رواية مُصعَب بن سعد عن أبيه، وقد اعتمدَ البخاريُّ كثيراً من أمثال هذا السِّياق، فأخرجه على أنه موصولٌ إذا كان الراوي معروفاً بالرواية عمَّن ذَكَرَه، وقد رُويناه في ((سنن)) النسائي، وفي ((مُستخرَجَي)) الإسماعيلي وأبي نُعَيم، وفي ((الحلية) لأبي نُعيم، في الجزء السادس من ((حديث)) أبي محمد بن صاعد، من حديث مُصعب بن سعد عن أبيه: أنه رأى ... فذكره، وقد تَرَكَ الدار قطنيُّ أحاديث في الكتاب من هذا الجنس لم يتبَّعْها. (١) في (س): فوضع. ٣٠٧ الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري الحديث الحادي والأربعون: قال الدارقطني: وأخرج البخاريُّ (٢٩٤٧، ٣٠٨٨) حديثَ توبةٍ كعب بن مالك، من طرق صحيحة عن عُقَيل وغيره، عن الزّهري، عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن كعب، وهو الصواب، وأخرجه - يعني في الجهاد (٢٩٤٨) مختصراً - عن أحمد بن محمد، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزّهْري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كَعْب عن كعب، قال: وهو مُرسَل، فقد رواه سُوَيْد بن نَصْر عن ابن المبارك فقال: عن أبيه عن كعب، كما قال الجماعةُ. قلت: وقع في رواية البخاري: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب قال: سمعتُ كعباً، فأخرجه على الاحتمال، لأنَّ من الجائز أن يكون عبدُ الرحمن سمعه من جدِّه وثَبَّتَه فيه أبوه، فكان في أكثر الأحوال يرويه عن أبيه عن جدِّه، وربما رواه عن جدِّه، لكن رواية سُوَيد بن نصر التي أشار إليها الدار قطنيُّ تُوجبُ أن يكون الخلاف فيها على عبد الله بن المبارك، وحينئذٍ فتكون روایةُ أحمد بن محمد شاذّة، ولا يترتَّب على تخريجها كبيرُ تعليل، فإنَّ الاعتماد إنَّما هو على الرواية المتصلة، والله أعلم. ثم وجدت الحديث في ((سنن)) أبي داود عن مَعمَر، عن الزُّهْري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن أبيه، قال: كان رسول الله مَ له ... فذكره، وقال محمد بن يحيى الذُّهْلي في ((عِلل حديث الزُّهْري)): ما أظنُّ عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب سمع من جدِّه شيئاً، وإنما يروي عن أبيه وعمه عُبَيد الله بن كعب، ثم ساق حديث مَعمَرٍ كما ذکره أبو داود سواءً. الحديث الثاني والأربعون: قال الدار قطني: وأخرج البخاري (٢٩٩٦) حديث العوَّام ابن حَوشَب، عن إبراهيم السَّكْسكي، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى، عن النبي ◌َِّ قال: ((إذا مَرِضَ العبدُ أو سافرَ، كَتَبَ اللهُ له مثلَ ما كان يعملُ صحيحاً مُقِيماً))، وهذا لم يُسنِدْهُ غيرُ العَوَّام وخالفه مِسعَرٌ فقال: عن إبراهيم السَّكْسَكي عن أبي بُردة قولَه، لم يذكر أبا موسى ولا النبيَّ نَ ◌ّه. قلت: مِسعَرٌ أحفظُ من العوَّام بلا شكٌّ، إلّا أنَّ مثل هذا لا يقال من قِبَل الرأي، فهو في حُكْم المرفوع، وفي السِّياق قصةٌ تَدُلُّ على أن العوّام حَفِظَه، فإن فيه: اصطَحَبَ يزيدُ بن أبي كَبشَة وأبو بُرْدة في سفر فكان يزيد يصومُ في السفر، فقال له أبو بُرْدة: ٣٠٨ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري أفطِرْ فإني سمعتُ أبا موسى مِراراً يقول؛ فذكره، وقد قال أحمد بن حنبل: إذا كان في الحديث قصة دلَّ على أنَّ راويه حَفِظَه، والله أعلم. الحديث الثالث والأربعون: قال الدار قطني فيما وجدتُ بخطّه: أخرج البخاريُّ (٣٠٥٩) حديث إسماعيل بن أبي أُوَيس، عن مالك، عن زيد بن أسلمَ، عن أبيه: أنَّ عمر استعمل مولّى له يُدعَى هُنّاً على الخُمْس ... الحديث بطوله، قال: وإسماعيلُ ضعيف. قلت: سيأتي الكلامُ عليه، وأظنُّ أن الدار قطني إنما ذَكَرَ هذا الموضع من حديث إسماعيل خاصة وأعرض عن الكثير من حديثه عند البخاري لكون غيرِه شارَكَه في تلك الأحاديث وتَفرَّدَ بهذا، فإنْ كان كذلك، فلم ينفرد به بل تابعه عليه مَعْنُ بن عيسى، فرواه عن مالكٍ کروایة إسماعيل سواءً، والله أعلم. الحديث الرابع والأربعون: قال الدار قطني: وأخرج البخاريُّ (٣٠٧٤) حديث عَمْرو ابن دينار عن سالم بن أبي الجَعْد عن عبد الله بن عمرو قال: كان على ثِقْل النبيِ وَ رجلٌ يقال له: کرکرة ... الحدیث، ولیس فیه سماعُ سالم من عبد الله بن عمرو، وقد روی سالم عن أخیه عن عبد الله بن عمرو غيرَ هذا. قلت: وهذا تعليلٌ لا يَرِدُ على البخاريِّ مع اشتراطه ثبوتَ اللقاء، ولا يَلزَمُ من كون سالم روى عن عبد الله بن عمرو حديثاً بواسطةٍ أن لا يروي عنه بلا واسطةٍ بعد أن ثَبَتَ لُقِيُّه له، والله أعلم. (خم) الحديث الخامس والأربعون: قال الدار قطني: وأخرجا جميعاً (١) حديثَ ابن جُرَيْج عن الزّهْري، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه وعمِّه عُبَيد الله بن كعب، عن كعبٍ: أن النبي ◌َّ كان إذا قَدِمَ من سفرٍ ضُحىّ بدأَ بالمسجد ... الحديث، وقد خالف مَعمَرٌ فقال: عن الزُّهري عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه، وقال عُقَيل عن الزُّهْري: عن ابن كعبٍ عن أبيه، وهي تُشبه روايةَ معمر، قال الدارقطني: ورواية ابن جُرَيج أصحُ ولا يَضُرُّه مَن خالفه. قلت: قولُ معمر وغيره: عبد الرحمن بن كعب يُحِمَل على أنه نَسَبه إلى جدِّه، فتكون (١) البخاري (٣٠٨٨)، ومسلم (٧١٦). ٣٠٩ الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري روايتُهم مُنقطِعةً، وهذا الجواب صحيح من الدار قطني في أن الاختلاف في مثل هذا لا يضرُّ كما قَرَّرْناه أولاً، والله أعلم. من الخمس والجزية الحديث السادس والأربعون: قال الدار قطني: أخرج البخاريُّ (٣١٤٤) حديث حماد ابن زيد عن أيوب عن نافع: أن عمرَ أصاب جاريتين من سَبْيٍ حُنَينٍ، وفي أوله: أنَّ عمر قال: نَذَرْتُ نَذْراً ... هكذا أخرجه مُرسَلاً، ووَصَلَ حديثَ النذر حماد بن سلمة وجَرِير بن حازم وجماعةٌ عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر، وهو صحيحٌ، ووَصَلَ حديثَ الجاريتين جَرِيرُ بن حازم عن أيوب، وقولُ حمادٍ أصحُّ. قلت: إذا صحّ أصلُ الحديث صحَّ قولُ من وَصَلَه، وقد بَيَّن البخاري الخلاف فيه، وقَدَّمنا أنه في مثل هذا يُعتمَدُ على القرائن، والله الموفّق. الحديث السابع والأربعون: قال الدار قطني: أخرج البخاريُّ (٣١٦٦) حديث عبد الواحد ابن زياد عن الحسن بن عمرو عن مجاهدٍ عن عبد الله بن عَمْرو عن النبيِّ: « من قَتَلَ مُعاهداً لم يَرِخْ رائحة الجنة)) الحديث. وقد خالفه مروانُ بن معاوية فرواه عن الحسن بن عمرو عن مجاهدٍ عن جُنَادة بن أبي أميّة عن عبد الله بن عمرو، وهو الصواب. قلت: مروان أثبت من عبد الواحد، وقد زاد في الإسناد رجلاً، ولكن قد تابَعَ عبدَ الواحد أبو معاوية، أخرجه ابنُ ماجه من طريقه، وعمرُو بن عبد الغفار الفُقَيمي ومن طريقه أخرجه الإسماعيليُّ، فالظاهر أن رواية عبد الواحد أرجحُ لمن تابعه، وأما روايةٌ مروان بن معاوية التي زاد فيها جُنادة فأخرجها النسائي وغيره، ووَهِمَ الحاكمُ فاستدركه، ويحتمل أن يكون مجاهدٌ سمعه من عبد الله بن عمرو بعد أن سمعه من جُنادة عنه، فالله أعلم. من بَدْء الخلق الحديث الثامن والأربعون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ (٣٣١٧) من حديث إسرائيل عن الأعمش ومنصور جميعاً عن إبراهيم عن عَلْقمة عن عبد الله قال: كنّا مع النبيّ ◌َّ فِي غارٍ ٣١٠ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري فَنَزَلَت ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾ الحديث. ولم يُتَابَع إسرائيل عن الأعمش على عَلقَمة، أما عن منصور فتابَعَه شَيْبَانُ عنه، وكذا رواه مُغيرة عن إبراهيم. انتهى، وقد حكى البخاريُّ الخلافَ فيه، وهو تعليل لا يَضُرُّ، والله أعلم. من أحاديث الأنبياء الحديث التاسع والأربعون: قال الدار قطني: أخرج البخاريُّ (٣٣٥٠) حديث ابن أبي أُوَيْس عن أخيه عن ابن أبي ذِئْب عن سعيدِ المَقْبُري عن أبي هريرة قال: يَلْقى إبراهيمَ عليه السلام أباه آزرَ يوم القيامة وعلى وجه آزرَ قَتَرة ... الحديث، قال: وهذا رواه إبراهيم ابن طَهْمان عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة. قلت: قد علَّق البخاري حديث إبراهيم بن طهمان في التفسير فلم يُهمِلْ حكايةَ الخلاف فيه، ولكن أعلَّه الإسماعيلي من وجه آخر فقال بعد أن أورده: هذا خبرٌ في صحته نظرٌ من جهة أن إبراهيم عالمٌ أَنَّ الله لا يُخْلِفُ المِيعادَ، فكيف يجعلُ ما بأبيه خِزْياً له مع خُبْرِه بأن الله قد وَعَدَه أن لا يُخْزِيَه يوم يُبعَثون، وعِلْمِه بأنه لا خُلْفَ لَوَعْده؟ انتهى، وسيأتي جوابُ ذلك إن شاء الله في موضعه. الحديث الخمسون: قال الدار قطني: أخرج البخاريُّ (٣٣٥٣) حديث يحيى القَطَّانِ عن عُبَيد الله عن (١) سعيد عن أبيه عن أبي هريرة قيل: يا رسولَ الله، من أكرمُ الناس؟ قال: ((أتقاهم)) الحديث، ووافقه مسلم (٢٣٧٨) على إخراجه، وقد خالفه فيه جماعةٌ منهم أبو أسامة وعبد الله بن نُمَير ومُعتمِر بن سليمان وآخرون قالوا: عن عُبَيد الله عن سعيدٍ(١) عن أبي هريرة، لم يقولوا: عن أبيه. قلت: قد أخرج البخاريُّ حديثَ مُعتمِر وأبي أسامة وغيرهما، فهو عنده على الاحتمال، ولم يُهمِلْ حكايةً الخلاف فيه. الحديث الحادي والخمسون: قال أبو عليٍّ الجَيَّاني: أخرج البخاري (٣٣٦٢) عن أحمد ابن سعید الدارميِّ حدثنا وَهْبُ بن جریر عن أبيه عن أیوب عن عبد الله بن سعید بن جُبیر عن (١) تحرَّف في (س) في الموضعين إلى: بن. ٣١١ الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري أبيه عن ابن عباس عن النبي وَله قصةَ زَمْزَمَ، قال: وتَعقَّبه أبو مسعود الدمشقيُّ بأن قال: اختلَفُوا في هذا الإسناد على وَهْب بن جَرِير؛ كأنه يَغمِزُ البخاريَّ إذ أخرجه في ((الصحيح))، قال أبو علي: رواه حَجَّاج بن الشاعر عن وهب بن جرير مثلَه سواء، لكن قال: عن ابن عباس عن أُبيِّ بن كعب، زاد فيه أُبيّاً، وأسنده من رواية أبي عليّ بنِ السَّكَن عن البَغَويّ عن حَجَّاج به، وعن محمد بن بَدْر الباهلي عن محمد بن أحمد بن نَيَزَك عن وهب بن جُرَير مثله، لكن قال: عن أيوب عن سعيد بن جُبَير، فأسقَطَ عبد الله بن سعيد، وكذا رواه عليُّبن المدِيني عن وهب بن جَرير، رواه النسائي في ((السنن)) من طريقه عن أحمد بن سعيد شيخ البخاريِّ مثلَ ذلك، وقال في آخر حديث ابن المديني: قال وهبٌ: وحدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الله بن سعيد عن أبيه نحوَه، ولم يذكر أُبيّاً، فتبيَّن بهذا أن وهب بن جرير كان إذا رواه عن أبيه أسقط عبد الله بن سعيد بن جُبير وأثبت أُبيَّ ابن كعب، وإذا رواه عن حماد بن زيد أسقطَ أُبيَّ بن كعب وأثبت عبد الله بن سعيد بن جبير، فبانَ أنَّ روايةَ البخاري فيها إدراجٌ یسیر. وفي الإسناد اختلافٌ آخر، فإن في آخره عند النسائي أيضاً: قال وهبُ بن جرير: فأتيتُ سَلَّامَ بن أبي مُطيع فحدَّثْتُه بهذا عن حماد فأنكره إنكاراً شديداً، ثم قال لي: فأبوك ما يقول؟ قلت: يقول: عن أيوب عن سعيد بن جبير، فقال: قد غَلِطَ إنما هو أيوبُ عن عِكْرمة بن خالد. انتهى، ورواه إسماعيل بن عُلَيَّة عن أيوب، قال: نُبِّتُ عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس: ولم يذكر أُبيَّ بن كعب، قال أبو عليٍّ الجَيَّاني: هذا الاختلاف إذا تأمَّلَه المتبخِّرُ في الصَّنْعة عَلِمَ أنه يعود إلى وفاقٍ وأنه لا يدفع بعضه بعضاً، وحَگمَ بصحته، ثم بيَّن طريقَ الجمع بين هذه الروايات، والله الموفق. الحديث الثاني والخمسون: قال أبو عليٍّ الجَيَّاني: قال البخاري (٣٤٣٨): حدثنا محمد ابن كَثير أخبرنا إسرائيلُ حدثنا عُثمانُ بن المغيرة عن مجاهدٍ عن ابن عمر قال: قال النبيُّ وَّ: ((رأيتُ عيسى وموسى وإبراهيم)) الحديث، قال: والمحفوظُ فيه: مجاهد، عن ابن عباسٍ، قال ٣١٢ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري أبو مسعود: أخطأَ البخاريُّ في قوله: عن ابن عمر، وإنما رواه محمدُ بن كثير عن إسرائيل بهذا الإسناد عن ابن عباس، وكذلك رواه إسحاق بن منصور السَّلُوليُّ ويحيى ابن آدم وابن أبي زائدة وغيرُهم عن إسرائيل، وكذلك نبّه على هذا الوَهْم أبو ذَرِّ الهَرَويُّ في نسخته فساق الحديث من طريق حَنبَل بن إسحاقَ عن محمد بن كثير فقال: عن ابن عباس، كذا قال أبو ذرّ، وكذا رواه عثمانُ الدارميُّ عن محمد بن كثير، وكذا رواه أبو أحمد الزُّبيريُّ عن إسرائيل. قلت: وكذا رواه أحمدُ في ((مسنده)) عن أسود بن عامرٍ شاذانَ عن إسرائيل، وكذا رواه الطبرانيُّ عن أحمد بن محمد الخُزَاعي عن محمد بن كثير، وكذا رواه سَمّويه في ((فوائده)) عن الحسين بن حَفْص عن إسرائيل، ويؤيد أنه من سَبْقِ القلم أن البخاري قد أخرجه في موضعٍ آخر من رواية ابن عَوْن عن مجاهد عن ابن عباس، وهو الصواب، وقد تَعَقَبه أبو عبد الله بن مَندَه أيضاً على البخاري فأخرجه في كتاب ((الإيمان)) من طريق محمد بن أيوب بن الضُّرَيْس وموسى بن سعيد الطَّرَسُوسي كلاهما عن محمد بن كثير به، وقال في آخره: قال البخاريُّ: عن ابن عمر، والصوابُ: ابن عباس، ثم رأيته في ((مُستخرَج)) الإسماعيلي من طريق أبي أحمد الزُّبيري عن إسرائيل، وقال فيه: عن ابن عباس، ولم يَتعقّبه كعادته، واستدللتُ بذلك على أن الوهمَ فيه من غير البخاري، والله أعلم، وكذا رواه أبو نُعيم في ((مُستخرَجه)) عن الطبراني(١) كما تقدم، وقال بعده: رواه البخاريُّ عن محمد بن كثير فقال: ابن عمر، ثم ساقه من طريق أبي أحمد الزُّبيري فقال: ابن عباس أيضاً، الحديث. من ذِكْر بني إسرائيل الحديث الثالث والخمسون: قال الدار قطني: أخرج البخاري (٣٤٦٩، ٣٦٨٩) عن يحيى بن قَزَعةَ وعن الأُوَيسي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ: (١) زادهنا في(ف) و(س): ((عن أحمد بن محمد بن علي الخزاعي عن محمد بن کثیر وقال: ابن عباس))، وهو تكرار لما سبق، ووقع في (ع) و(ف) و(س) تقديم تخريج رواية أبي نعيم على رواية الإسماعيلي. ٣١٣ الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري ((كان في الأُمم ناسٌ مُحدَّثون))، قال: وتابَعَهما سليمانُ بن داود الهاشميُّ وأبو مروان العُثْماني، وخالَفَهم ابنُ وَهْب فرواه عن إبراهيم بن سعد فقال: عن عائشة، بدَلَ: أبي هريرة، وقد رواه زكريا بن أبي زائدة عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ورواه يعقوبُ وسعدٌ ابنا إبراهيم بن سعد وأبو صالحٍ كاتبُ الليث ويزيدُ بن الهادِ عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبي سلمة قال: بَلَغني أن النبي ◌َّ قال، فذكره. قلت: تَقْوَى روايةُ الأُوَيسي ومن تابعه بمتابعة زكريا، وأما روايةٌ ابن الهادِ ومن تابعه فلا تُنافيها لأنها مُبهَمةٌ وتلك مُفسَّرة، فبقيت روايةُ ابن وَهْب وحدَه، وقد قال أبو مسعود في ((الأطراف)): لا أعلمُ أحداً تابع ابنَ وهبٍ في قوله عن إبراهيم بن سعد: عن عائشة، والمشهورُ من رواية إبراهيم بن سعد: عن أبي هريرة، لكن أخرجه مسلمٌ (٢٣٩٨) من حديث ابن عَجْلان عن سعد بن إبراهيم بن سعد كما قال ابن وَهْب، فيحتمل أن يقال: لَعلَّ أبا سلمة كان يرويه عن أبي هريرة وعن عائشة أيضاً، والله أعلم. من المناقب الحديث الرابع والخمسون: قال البخاري (٣٥٠٤): حدثنا أبو نُعیم، حدّثنا سفيان (ح) قال: وقال يعقوب بن إبراهيم - هو ابن سعد -: حدثنا أبي عن أبيه حدثني الأعرجُ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّه: «قريشٌ والأنصار وجُهَينةُ ومُزَينَةُ وأسلَمُ وأشجعُ وغِفَارُ مَوَالِيَّ ليس لهم مَولَّى دونَ الله ورسولِه)). وتعقَّبه أبو مسعود الدمشقي بأن رواية يعقوب تخالف روايةَ سفيان؛ لأن يعقوب إنما يرويه عن أبيه عن صالح بن كَيْسانَ عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: ((غفار وأسلمُ ومُزينة ومَن كان من جُهَينة خيرٌ عندَ الله من أسد وغطفان))، وكذا أخرجه مسلم (٢٥٢١/ ١٩١) قلت: وهو تعقّبٌ غير جيّد، لأن يعقوب يحتمل أن يكون روى الحديثين جميعاً عن أبيه، فالأول الذي أخرجه البخاريُّ، شاركه سفيانُ الثَّوري في روايته فرواه عن سَعْد بن إبراهيم والد إبراهيم بن سعد، والثاني الذي أخرجه مسلمٌ رواه عن أبيه عن صالح مُنفِرِداً به، والله أعلم. ٣١٤ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري الحديث الخامس والخمسون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ (٣٦٩٢) حديث ابن عُلِيَّة عن أيوب عن ابن أبي مُلَيكة عن المِسوَر بن مَخَرَمة: لما طُعِنَ عمرُ قال له ابن عباس: صحبتَ النبيَّ ◌َّهِ فأحسنتَ صُحبتَه ... الحديث، ورواه حمادٌ عن أيوب عن ابن أبي مُلَيكة عن ابن عباس، ليس فيه المِسوَر. قلت: طريق حمادٍ أسندها الإسماعيليُّ وغيره، وقد أشار إليها البخاريُّ، وابن أبي مُلَيكة قد صحَّ سماعه من ابن عباس ومن المِسوَر جميعاً، والمِسورُ قد حضر القصَّة، فالظاهر أن ابن أبي مُلَيكة رواه عن كلٌّ منهما، والله أعلم. الحديث السادس والخمسون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاري (٣٧١٧، ٣٧١٨) حديث مروانَ عن عثمان في فضيلة الزُّبير، وقد اختَلَفَ في لفظه عليٌّ بن مُسهِر وأبو أسامة. قلت: البخاري أخرجه من حديث علي بن مسهر وأبي أسامة جميعاً، وليس بينهما تبایُنُ يُوجِبُ تعليلاً كما سيأتي في مناقب الزُّبير إن شاء الله تعالى. الحديث السابع والخمسون: قال الدارقطني: أخرج البخاري (٣٧٢٦) عن مَكِّيّ بن إبراهيم عن هاشم بن هاشم عن عامر بن سعدٍ عن أبيه قال: لقد رأيتُني وأنا ثلثُ الإسلام. وقد خالفه ابنُ أبي زائدة ويحيى بن سعيد الأُموي وأبو أسامة، رَوَوْه عن هاشم ابن هاشم عن سعيد بن المسيّب عن سعد. قلت: قد أخرج البخاريُّ حديث ابن أبي زائدة إثرَ حديث مكيّ، وعلَّق حديثَ أبي أسامة، وطريقُ الأُموي أخرجها الإسماعيلي، والظاهر أنَّ البخاري أخرجه على الاحتمال لقرينة معرفة عامر بن سعد بحديث أبيه وصحةِ سماع هاشمٍ منه ومن سعيد(١) جميعاً. (خ م) الحديث الثامن والخمسون: قال الدار قطني: أخرجا جميعاً(٢) حديث شُعبة عن أبي إسحاق عن صِلةَ عن حُذيفة قصة مجيء أهل نَجْران، وفيها: ((لأبعَثَنَّ حقَّ أمين)) فَبَعَثَ أبا عُبيدة بن الجرّاح. قال: وأخرجه مسلمٌ للثّوري عن أبي إسحاق مثلَه، وخالفهما إسرائيلُ (١) تحرَّف في (س) إلی: سعد. (٢) البخاري (٣٧٤٥)، ومسلم (٢٤٢٠). ٣١٥ الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري فرواه عن أبي إسحاق عن صِلَة عن عبد الله بن مسعود، ولا يَثْبُتُّ قولُ إسرائيل. قلت: قد وافَقَهما على تصحيحه عن حذيفة. الحديث التاسع والخمسون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ أحاديثَ للحسن عن أبي بَكْرة، منها: حديث ((إنَّ ابني هذا سيِّدٌ)) الحديث، والحسنُ إنما يروي عن الأحنف عن أبي بَكْرة، يعني: فيكون ما أخرجه البخاريُّ مُنقطِعاً. قلت: الحديث مخرَّج عن الحسن من طرق عنه، والبخاريُّ إنما اعتَمَدَ روايةً أبي موسى عن الحسن أنه سمع أبا بَكْرة، وقد أخرجه مطوّلاً في كتاب الصُّلح (٢٧٠٤)، وقال في آخره: قال لي عليُّ بن عبد الله: إنما ثَبَتَ عندنا سماعُ الحسن من أبي بَكْرة بهذا الحديث، وأعرَضَ الدار قطنيُّ عن تعلیله بالاختلاف على الحسن، فقيل عنه هكذا، وقيل عنه: عن أم سَلَمة، وقيل عنه: عن النبي ◌َّ مرسَلاً؛ لأَنَّ الأسانيد بذلك لا تَقْوَى. وما زلتُ متعجِّباً من جَزْم الدارقطني بأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة، مع أن في هذا الحديثِ في البخاري: قال الحسنُ: سمعتُ أبا بَكْرة يقول، إلى أن رأيتُ في ((رجال البخاري)) لأبي الوليد الباجيِّ في أول حرف الحاء للحسن بن علي بن أبي طالبٍ ترجمةً وقال فيها: أخرج البخاريُّ قولَ الحسن: سمعتُ أبا بكرة، فتأوَّل أبو الحسن الدارقطني وغيرُه على أنه الحسن بن علي؛ لأن الحسن(١) عندهم لم يسمع من أبي بَكْرة، وحمله البخاريُّ وابن المديني على أنه الحسنُ البصري، وبهذا صحَّ عندهم سماعُه منه، قال الباجيُّ: وعندي أن الحسن الذي سمعه من أبي بَكْرة إنما هو الحسن بن علي بن أبي طالب. قلت: أوردتُ هذا مُتعجِّباً منه، لأني لم أرَه لغير الباجيِّ، وهو خَلٌ مخالفٌ للظاهر بلا مُستنَد، ثم إن راوي هذا الحديث عند البخاريِّ عن الحسن لم يدرك الحسن بن علي، فيلزم الانقطاعُ فيه، فما فَرَّ منه الباجيُّ من الانقطاع بين الحسن البصري وأبي بَكْرة وقع فيه بين الحسن بن علي والراوي عنه، ومن تأمَّل سياقه عند البخاري تحقَّق ضعفَ هذا الحَمْل، والله أعلم. وأما (١) أي: البصريّ. ٣١٦ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري احتجاجُه بأنَّ البخاري أخرج هذا الحديث(١) من طريق أخرى فقال فيها: عن الحسن عن الأحنف عن أبي بكرة، فليس بين الإسنادين تنافٍ؛ لأن في روايته له عن الأحتف عن أبي بكرة زيادةً بَيِّنَةً لم يشتمل عليها حديثُه عن أبي بكرة، وهذا بَيِّنٌّ من السياقين، والله الموفق. من السيرة النبوية والمغازي الحديث الستون: قال الدارقطني: أخرج البخاريُّ (٣٨٥٦) حديث محمد بن إبراهيم التَّيْمي، حدثني عُرْوةُ بن الزُّبير، قال: سألتُ ابنَ عمرو بن العاص: أخبِرْني بأشدِّ شيء صنعه المشركون بالنبي وَله ... الحديث، وتابعه ابن إسحاق عن يحيى بن عُرْوة عن عروة قلتُ لعبد الله بن عمرو، وقال هشامٌ عن أبيه: قيلَ لعمرو بن العاص، و کذا قال محمد بن عمرو عن أبي سَلَمة عن عمرو(٢). قلت: ذكر البخاريُّ الاختلاف فيه كما ترى، واقتضى صنيعُه ترجيحَ رواية محمد بن إبراهيم التَّيْمي، لأن يحيى وهشاماً ابني عُرْوة اختَلَفا على أبيهما، فوافَقَ محمدُ بن إبراهيم يحيى بنَ عروة على قوله: عن عبد الله بن عمرو، وأكَّدَ ذلك أن لقاء عروة لعبد الله بن عمرو بن العاص أثبتُ من لقائه لعمرو بن العاص، وقد صَرَّح في حديث محمد بن إبراهيم التَّيمي بأنه هو الذي سأل، وأما رواية هشام فليس فيها أنه سأل عمرو بن العاص، فيحتمل أنه كان بلغه ذلك عن عمرو بن العاص، لأن رواية أبي سلمة تدلُّ على أن عمرو بن العاص حدَّث بذلك، وكأنه بَلَغَ عروةَ عنه فأرسله عنه ثم لقيَ عبدَ الله بن عمرو فسأله فحدَّثَ بذلك عنه، ومقتضى ذلك تصويبُ صنيع البخاريِّ، وتبيَّن بهذا وأمثاله أنَّ الاختلاف عند النُّقّاد لا يضرُّ إذا قامت القرائنُ على ترجيح إحدى الروايات، أو أمكن الجمعُ على قواعدهم، والله أعلم. الحديث الحادي والستون: قال الدار قطني: أخرج البخاري (٣٨٦٤) حديث ابن وَهْب عن (١) بل هو حديث آخر، وهو حديث ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما))، وهو في ((الصحيح)) برقم (٣١)، وأما حديث ((إنَّ ابني هذا سيِّد)» لم يخرجه البخاري من طريق الحسن عن الأحنف عن أبي بكرة، إنما هو عنده في عدة مواضع من رواية الحسن عن أبي بكرة بلا واسطة. (٢) تحرَّف في (س) إلى: عروة. ٣١٧ الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري عُمر بن محمد قال: أخبرني جَدِّي زيدُ بن عبد الله بن عمر عن أبيه، قال: بينما هو في الدارِ خائفاً - يعني عمرَ - بعد أن أسلمَ، إذ جاءه العاصُ بن وائل السَّهْمي أبو عمرو فقال: ما بالُك؟ قال: زعم قومُك أنهم سيقتلوني ... الحديث، قال: وخالفه الوليد بن مسلم فرواه عن عمر بن محمد: حدثني أبي عن جدِّي عن ابن عمر، زاد فيه رجلاً. قلت: قد صَرَّح في رواية البخاري بسماعه من جدِّه، فالظاهر أنه سمعه منهما إن كان الوليدُ حَفِظَه. الحديث الثاني والستون: قال الدارقطني: وأخرج البخاري (٣٩١٢) حديث ابن جُرَيج عن عُبَيد الله بن عمر عن نافع: أن عمر فَرَضَ للمهاجرين الأوَّلين أربعةَ آلاف، وهذا مُرسَل، يعني أن نافعاً لم يُدرِكَ عمرَ بن الخطاب. قلت: لكن في سياق الخبر ما يدلُّ على أن نافعاً حمله عن عبد الله بن عمر، فقد قدَّمْنا مِراراً أن البخاري يعتمدُ مثلَ ذلك إذا تَرجَّحَ بالقرائن أن الراوي أخذه عن الشيخ المذكور في السِّياق، والله أعلم. وقد أورده أبو نُعيم من طريق أخرى عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، فذكر نحوَه وأتمَّ منه. الحديث الثالث والستون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ (٣٩٩٢) حديث جَرِیر عن يحيى بن سعيد عن معاذ بن رِفاعة عن أبيه، وكان أبوه من أهل بدرٍ، حديثَ: ((ما تَعُدُّون مَن شَهِدَ بدراً فيكم؟))، وأخرجه (٣٩٩٣، ٣٩٩٤) من حديث حمادٍ ويزيد بن هارون معاً عن يحيى بن سعيد عن معاذٍ مُرسلاً، ولم يُسنِدْه غيرُ جرير، وقد خالفه الثَّوْريُّ فقال: عن يحيى عن عَبَاية بن رِفاعة، عن رافع بن خَدِيج. قلت: سياقُ البخاري يُعطي أن طريق حماد مُتَّصلة، فإنه قال: حدثنا سليمانُ، يعني: ابن حَرْب، حدثنا حمادٌ، يعني: ابنَ زيد، عن يحيى: هو ابن سعيد، عن معاذ بن رِفاعة بن رافع، وكان رِفاعةٌ من أهل بدر وكان رافعٌ من أهل العَقَبة، وكان يقول لابنه، يعني لِرِفاعة: ما يَسُرُّني أني شهِدتُ بدراً بالعَقَبة، قال: سأل جبريلُ النبيَّ ◌َّة ... فذكر الحديث، وروى ابن مَندَه في ((المعرفة)) من طريق عُمارة بن غَزِيَّة عن يحيى بن سعيد عن رفاعة بن رافع؛ كذا عنده، ولعلَّه عن ابن رفاعة بن رافع، قال: سمعت أَبي يقول: إنَّ جبريل قال، وهذا يُقوِّي رواية جرير في الجُمْلة، والله أعلم. وأما حديث الثوريِّ الذي ٣١٨ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري أشار إليه فرواه ابن ماجه وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل والطَّبَراني وابن حِبَّان من طريقه، وكذا رواه أبو يعلى من حديث علي بن مُسهِر عن يحيى ابن سعيد به، وهو حديث آخرُ غيرُ حديث رفاعة بن رافع، والله أعلم. (خ م) الحديث الرابع والستون: قال الدارقطنيُّ: وأخرجا (١) حديثَ مالكٍ عن يزيد بن رُومانَ عن صالح بن خَوَّاتٍ عَمَّن صَلَّى مع النبي ◌َّ صلاةَ الخوف، وأخرجاه من حديث شُعْبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خَوَّات عن سهل بن أبي حَثْمة، وأخرجه البخاريُّ من حديث يحيى بن سعيد عن القاسم عن صالح عن سهلٍ موقوفاً. قلت: واختُلِفَ فيه على صالح اختلافاً آخر، فقيل: عنه عن أبيه، وهذه رواية أبي أُويس عن يزيد بن رُومان، أخرجها ابن مَندَه في ((المعرفة)، فيحتمل أن يُفسَّر به المُبهَم في رواية مالك، وأما تعارُضُ الرفع والوقف في حديث سهلٍ فالرفعُ مشهور عنه، والله أعلم. الحديث الخامس والستون: قال أبو عليٍّ الجَيَّاني: أخرج البخاريُّ (٤٢٠٣) حديث شعيبٍ عن الزُّهري: أخبرني سعيد بن المسيّب أنَّ أبا هريرة قال: شَهِدْنا خَيْبَر فقال رسولُ اللهِ وَ ل﴿ لرجلِ ممن يَدَّعي الإسلام: ((هذا مِن أهلِ النارِ)) الحديث، قال: وتابعه مَعمَرٌ، وقال شَبِيب(٢) عن يونس عن الزّهْري: أخبرني ابنُ المسيّب وعبدُ الرحمن بن عبد الله بن كعب أن أبا هريرة قال قال: وقال ابن المبارك عن الزُّهْري: عن سعيدٍ عن النبي ◌َّ - يعني مُرسَلاً - وتابعه صالحٌ عن الزُّهري، وقال الزُّبيدي: أخبرني الزُّهري أن عبد الرحمن بن كعب أخبره عن عبيد الله (٣) بن كعب قال: حدَّثني مَن شَهِدَ مع النبيِّهِ خيبرَ، قال الزُّهْرِيُّ: وأخبرني عبد الله بن عبد الله وسعيدٌ عن النبي وَلّهِ. انتهى، قال: وكلامه فيه اختصارٌ وحذفٌ لايُفهَمُ المراد منه، وفيه وهمٌّ في قوله: قال الزُّهْرِيُّ: وأخبرني عبد الله بن عبد الله وسعيدٌ عن النبي وَلّ؛ لأنَّ عبد الله بن عبد الله لا يُعرَف، والصواب إن شاء الله: عبد الرحمن بن (١) البخاري (٤١٢٩)، ومسلم (٨٤٢). (٢) تحرَّف في (س) إلى: شعيب، وشبيب هذا: هو ابن سعيد البصري. (٣) تحرَّف في (س) إلى: عبد الله. ٣١٩ الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري عبد الله - وهو ابن كعب - قال: وكنت أظنُّ أن الوهمَ فيه ممن دون البخاريِّ، إلى أن رأيتُه في ((التاريخ)) قد ساقه كما ساقه في ((الصحيح)) سواءً. قلت: الخَطْبُ فيه يسيرٌ مِن سَبْقِ القَلَم من عبد الرحمن إلى عبد الله، على أن يعقوب بن سفيان قد وافَقَ البخاريَّ على سياقه له، فرواه عن شيخه الذي أخرجه عنه في ((التاريخ)) وهو إسحاق بن العلاء بن زِبرِيق، فلعلَّ الوهمَ منه، والله أعلم، ثم ساق من ((حديث الزُّهْري)) لمحمد بن يحيى الذُّهلي طرقَ حديث شعيب ومعمر وصالح كما قال البخاريُّ، ثم ساق حديثَ الزُّبَيدي عن الزُّهْري أن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أخبره أن عمَّه عُبيد الله بن كعب قال: أخبرني من شَهِدَ ... فذكر الحديث إلى قوله: قد صَدَّقَ اللهُ حدیثَك، قد انتحَرَ فلانٌ فقَتَلَ نفسه. قال الزُّهري: وأخبرني عبد الرحمن أنّ عبد الله وسعيد بن المسيّب قالا: إن رسول الله وَل﴿ه قال: ((يا بلال، قُمْ فأَذِّن: إنه لا يدخلُ الجنَّة إلّا مؤمن)» الحديث، قال الذُّهلي: فمعمر وشعيب ساقا الحديثَ كلَّه وميَّزه الزُّبَيدِيُّ، قال الجَيَّاني: لا ◌َخالُفَ بين هذه الطرق؛ لأن الحديث جميعه عند سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة كما أسنده معمرٌ وشعيب، ولكنَّ الزُّهْري لما رواه للزّبَيدي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، ولم يكن آخِرُه عند(١) عبد الرحمن موصولاً، بَيَّنَ ذلك وقَرَنهما وأرسله عن ابن المسيّب، ولكن رواية شَبيب(٢) عن يونس غيرُ محفوظةٍ حيث جعله كلَّه موصولاً عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب وسعيد بن المسيّب جميعاً عن أبي هريرة، فوَهِمَ، قاله الذهليُّ، قال: ويدلُّ على ذلك أنَّ موسى بن عُقْبة وابن أخي الزُّهْرِي رَوَيَا عن الزُّهْري عن سعيد بن المسيّب وعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب القصة الأخيرة مرسَلاً لم يذكرا أبا هريرة. قلت: فهذا يُقوِّي أن في رواية شعيب ومعمر إدراجاً أيضاً في آخره. وحكى مسلمٌ في ((التمييز)): أنَّ الحُلْواني حدَّثهم بهذا الحديث عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كَيْسان عن ابن شِهاب أخبرني عبدُ الرحمن بن المسيّب أنَّ النبي ◌ِّ (١) تحرَّف في (س) إلى: أخبره عنه. (٢) تحرَّف في (س) إلى: شعيب. ٣٢٠ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري قال: ((يا بلال، قُمْ فأَذِّن: إنه لا يدخل الجنةَ إلّا مؤمنٌ))، قال الحُلْواني: قلنا ليعقوبَ: مَن عبدُ الرحمن بن المسيّب؟ قال: كان لسعيد بن المسيّب أخٌ يقال له: عبد الرحمن، وكان رجل من بني كِنانة يقال له: عبد الرحمن بن المسيّب أيضاً، فأظنُّ أن هذا هو الكِنانيّ. قال مسلم: وهذا الذي قاله يعقوبُ ليس بشيءٍ، وإنما هذا إسنادٌ سَقَطت منه لفظةٌ واحدة وهي الواو، ففحُشَ خطؤُه، والصواب: عن الزُّهْري أخبرني عبد الرحمن وابنُ المسيّب، فعبدُ الرحمن: هو ابنُ عبد الله بن كعب بن مالك، وابنُ المسيّب: هو سعيد، قال: وكذلك رواه موسى بن عُقْبة وابن أخي الزُّهْري عن الزهري، والوهمُ فیه ممن دونَ صالح بن کیْسان. انتهى، فاستَفَدْنا من هذا أن صالحاً وافَقَ موسى بنَ عُقْبة وابنَ أخي الزُّهْري على إرساله، وكذلك وافقهم يونسُ من رواية ابن المبارك عنه وهو الصواب، والله أعلم. ثم إنَّ في الحديث موضعاً آخرَ يتعلَّقُّ بوَهم في المتن، وهو قوله عن أبي هريرة: شَهِدْنا خيبرَ، وسيأتي شرحه في الحديث الذي بعدَ هذا، وقد صَرَّح بالوَهْم فیه موسى بن هارون وغيره، لأن أبا هريرة لم يَشْهَدْها، وإنما حضر عَقِبَ الفتح، والجوابُ عن ذلك: أنَّ المراد من الحديث أصلُ القصة، وقوله: شَهِدْنا، فيه مَجَازٌ، لأنه شَهِدَ قَسْمَ النبي وَلّ لغنائم خيبرَ بها بلا خلاف، والله أعلم. ووقع في رواية شبيب بن سعيد عن يونس التي تقدَّمت في هذا الموضع: شَهِدْنا حُنَيناً، وهو شذوذٌ منه، والصواب ما في رواية الجماعة. (خ م) الحديث السادس والستون: قال الدار قطنيُّ فيما تتبَّعه على كتاب مسلم: أخرج عن قُتيبة عن الدَّراوَرْدي عن ثَوْرٍ عن أبي الغَيْث عن أبي هريرة قال: خَرَجْنا مع النبي ◌َّ إلى خيبرَ فلم نَغْنَمْ ذهباً ولا وَرِقاً، فَذَكَر الحديث في قصة مِدْعَمِ، وقد أخرجَ هذا الحديث البخاري (٤٢٣٥) ومسلم (١١٥) من حديث مالكٍ عن ثَوْر به، وهو وهمٌّ، قال أبو مسعود: إنما أرادا منه قصةَ مِدعَم في غُلول الشَّمْلة، وأما حضور أبي هريرة عند النبي وَّ في خيبرَ فصحيحٌ من طرق أخرى، فإن كان ثورٌ وَهِمَ في قوله: خَرَجْنا، فإنَّ القصة المُرادة من نفس الحديث صحيحة. قلت: فقد اعتَرَفَ أبو مسعود بأن فيه وهماً ونسبه إلى ثورٍ، وفيه نظَر، لأنَّ إمام أهل المغازي محمد بن إسحاق رواه عن ثور بن يزيد بهذا الإسناد ولفظه: انصَرَفَ