النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
من ذلك: حدیثُ جابٍ في قصة الجمل، وحديثُه في وفاءِ دَیْن أبيه، وحديث رافع بن خَدیج
في المخابرة، وحديثُ أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديثُ سهل بن سعدٍ في الواهبةِ
نفسَها، وحديثُ أنس في افتتاح القراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾، وحديثُ ابن
عباس في قصة السائلةِ عن نَذْر أمِّها أو أختها، وغيرُ ذلك مما سنأتي إن شاء الله تعالى على
بيانه عند شرحِه في أماکنه.
فهذه جملةُ أقسام ما انتقَدَه الأئمةُ على ((الصحيح))، قد جرَّدتها وحَقَّقْتُها وقَسَّمتُها وفَصَّلتُها،
لا يَظْهَرُ منها ما يؤثِّرُ في أصل موضوع الكتاب بحمد الله إلا النادرُ، وهذا حينُ الشُّروع في
إيرادها على ترتيب ما وَقَعَ في الأصل ليَسهُلَ مراجعتُها إن شاء الله تعالى.
من كتاب الطهارة
الحديث الأول: قال الدار قطنيُّ: أخرجَ البخاري (١٥٦) عن أبي نُعَيم، عن زهير، عن أبي
إسحاق قال: ليس أبو عُبَيدة ذَكَرَه ولكن عبدُ الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله قال: أتيتُ
النبيَّ وَّ بَحَجَرين ورَوْثةٍ ... الحديث في الاستجمار، قال: وقال إبراهيم بن يوسف، عن أبيه،
عن أبي إسحاق: حدَّثني عبدُ الرحمن بن الأسود عن أبيه بهذا. انتهى، ثم ساق الدار قطنيُّ وجوهَ
الاختلاف فيه على أبي إسحاق، فمنها: روايةٌ إسرائيل عنه عن أبي عُبيدة عن أبيه، ومنها: روايةٌ
مالك بن مِغْوَلٍ وغيره عنه عن الأسود عن عبد الرحمن من غير ذِكْر عبد الرحمن، ومنها: رواية
زكريا بن أبي زائدة عنه عن عبد الرحمن (١) بن يزيد عن الأسود، ومنها: روايةٌ مَعمَر عنه، عن
عَلْقمة عن عبد الله، ومنها: روايةُ يونسَ بن أبي إسحاق عن أبيه عن أبي الأحوص عن عبد الله،
قال الدار قطنيُّ: وأحسنُها سياقاً الطريق الأولى التي أخرجها البخاريُّ، ولكنْ في النفس منها
شيءٌ لكثرة الاختلاف فيه على أبي إسحاق، انتهى.
وأخرج الترمذيُّ في ((جامعه)) حديثَ إسرائيل المذكور، وحكى بعضَ الخلاف فيه، ثم قال:
هذا حديثٌ فيه اضطراب، وسألتُ عبدَ الله بن عبد الرحمن - يعني الدارميَّ - عنه، فلم يَقْضِ
(١) تحرَّف في (س) إلى: عبد الله.

٢٨٢
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
فيه بشيء، وسألتُ محمداً - يعني البخاريَّ - عنه فلم يَقْضِ فيه بشيء، وكأنه رأی حدیثَ زهير
أشبه، ووضعه في ((الجامع))، قال الترمذي: والأصح عندي حدیث إسرائيل، وقد تابعه قيس بن
الربيع، قال الترمذي: وزهير إنما سمع من أبي إسحاق بأَخَرة، انتهى.
وحكى ابنُ أبي حاتم عن أبيه وأبي زُرْعة أنهما رَجَّحا روايةَ إسرائيل، فكأنَّ الترمذي
تَبِعهما في ذلك، والذي يَظهَرُ أن الذي رَجَّحه البخاري هو الأرجح، وبيان ذلك أن مجموع
كلام هؤلاء الأئمة مُشعِرٌ بأنَّ الراجح على الروايات كلِّها إما طريق إسرائيل: وهي عن أبي
عُبيدة عن أبيه، وأبو عبيدة لم يَسمَعْ من أبيه، فيكون الإسنادُ مُنقطِعاً، أو رواية زهيرٍ: وهي
عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود فيكون متَّصِلاً، وهو تصرُّف صحيح؛
لأن الأسانيد فيه إلى زهير وإلى إسرائيل أثبتُ من بقيةِ الأسانيد، وإذا تَقرَّرَ ذلك كانت
دعوى الاضطراب في هذا الحديث منتفيةً، لأن الاختلاف على الحفّاظ في الحديث لا
يُوجبُ أن يكون مُضطرباً إلّا بشرطين، أحدهما: استواءُ وجوه الاختلاف، فمتى رَجَحَ
أحدُ الأقوال قُدِّمَ، ولا يُعَلُّ الصحيحُ بالمرجوح، وثانيهما: مع الاستواء أن يَتعذَّرَ الجمعُ
على قواعد المحدِّثين، أو يَغْلِبَ على الظن أنَّ ذلك الحافظَ لم يَضِبِطْ ذلك الحديثَ بعَيْنِهِ،
فحينئذ يُحكَمْ على تلك الرواية وحدَها بالاضطراب، ويُتُوَقَّف عن الحُكم بصحة ذلك
الحديث لذلك، وهنا يَظهرُ عدمُ استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه؛ لأن الروايات
المختلفةَ عنه لا يَخْلُو إسنادٌ منها من مَقالٍ غير الطريقين المقدَّمِ ذِكرُهما عن زهير وعن إسرائيل،
مع أنه یمکن رَدُ أکثرِ الطرق إلى رواية زهير.
والذي يَظْهَرُ بعد ذلك تقديمُ رواية زهير، لأن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق قد
تابع زهيراً، وقد رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) من رواية يحيى بن أبي زائدة عن أبيه عن
أبي إسحاق كرواية زهيرٍ، ورواه أبو بكر بن أبي شَيْبة في ((مصنفه)) من طريق ليث بن أبي
سُلَيم عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعودٍ كروايةٍ زهير عن إبي إسحاق،
وليثٌ وإن كان ضعيفَ الِحِفْظ فإنه يُعتبَر به ويُستشهَد، فيُعرَف أن له من رواية عبد الرحمن

٢٨٣
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
ابن الأسود عن أبيه أصلاً، ثم إن ظاهرَ سياقِ زهير يُشعِرُ بأن أبا إسحاق كان يرويه أولاً
عن أبي عُبيدة عن أبيه، ثم رَجَعَ عن ذلك وصَيَّره عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه،
فهذا صريحٌ في أن أبا إسحاق كان مُستحضِراً للسَّندَينِ جميعاً عند إرادة التحديث، ثم
اختارَ طريقَ عبد الرحمن وأضرَبَ عن طريق أبي عُبيدة، فإما أن يكون تَذكَّر أنه لم يَسمَعْه
من أبي عبيدة، أو كان سَمِعَه منه وحدَّثَ به عنه ثم عَرَفَ أن أبا عبيدة لم يَسمَعْ من أبيه
فيكون الإسنادُ مُنقطِعاً، فأعلَمَهم أن عنده فيه إسناداً مُتَّصِلاً، أو كان حدَّث به عن أبي
عبيدة مُدلِّساً له ولم یکن سمعه منه.
فإن قيل: إذا كان أبو إسحاق عندكم مدلِّساً، فلِمَ تَحَكُمون لطريق عبد الرحمن بن
الأسود بالاتصالِ مع إمكان أن يكون دَلَّسَه عنه أيضاً، وقد صَرَّحَ بذلك أبو أيوب سليمان
ابن داود الشاذگُوني فیما حكاه الحاكمُ في ((علوم الحديث)) عنه، قال في قول أبي إسحاق:
ليس أبو عُبيدةَ ذكره ولكن عبدُ الرحمن عن أبيه، ولم يقل: حدَّثني عبدُ الرحمن، وأوهَمَ أنه
سمعه منه: تدليسُ، وما سمعتُ بتدليسٍ أعجبَ من هذا. انتهى كلامه، والجواب: أن هذا
هو السببُ الحامل لسِياقٍ البخاري للطريق الثانية عن إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن
أبي إسحاق التي قال فيها أبو إسحاق: حدَّثني عبدُ الرحمن، فانتَفَتْ ريبةُ التدليس عن أبي
إسحاق في هذا الحديث، وبيَّنَ حفيدُه عنه أنه صَرَّحَ عن عبد الرحمن بالتحديث، ويتأيَّدُ
ذلك بأن الإسماعيلي لما أخرجَ هذا الحديثَ في ((مُستخرَجه على الصحيح)) من طريق يحيى
ابن سعيد القَطَّن عن زهيرِ استَدلَّ بذلك على أن هذا مما لم يُدلِّسْ فيه أبو إسحاق، قال:
لأن يحيى بن سعيد لا يَرضَى أن يأخذَ عن زهيرٍ ما ليس بسماع لشيخه، وكأنه عرف هذا
بالاستقراءِ من حالٍ يحيى، والله أعلم.
وإذا تَقرَّرَ ذلك لم يَبْقَ لدعوى التعليل عليه مَجَالٌ، لأن روايتَي إسرائيل وزهير لا تَعارُضَ
بينهما، إلّا أنَّ رواية زهير أرجحُ لأنها اقتَضَت الإضرابَ عن رواية إسرائيل، ولم تَقْتَضِ ذلك
روایةُ إسرائیل، فتَرجَّحَت روایةُ زهیر.

٢٨٤
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
وأما متابعةٌ قيس بن الرَّبيع لرواية إسرائيل، فإن شَرِيكاً القاضي تابع زهيراً، وشريكٌ
أوتُ من قیس.
على أنَّ الذي حَرَّرناه لا يردُّ شيئاً من الطريقين إلا أنه يُوضح قوةَ طريق زهير واتصالها،
وتمكُّنَها من الصحة ويُعْدَ إعلالها، وبه يَظهَرُ نفوذُ رأي البخاري وثقوبُ ذهنه، والله أعلم،
وقد أخرج البخاريُّ من حديث أبي هريرة ما يَشْهَدُ لصحة حديث ابن مسعود، فازداد قوةً
بذلك، فانظُرُ إلى هذا الحديث كيف حَكَم عليه بالمرجوحية مثلُ أبي حاتم وأبي زُرْعة، وهما
أماما التعليل، وتَبِعهما الترمذيُّ، وتَوقَّفَ الدارميُّ، وحكم عليه بالتدليس الموجِبِ للانقطاع أبو
أيوب الشاذَكُونُّ، ومع ذلك فتَبَيَّن بالتنقيب والتُّع التامِّ أن الصواب في الحُكْم له بالراجحية،
فما ظنُّك بما يدَّعيه مَن هو دون هؤلاء الحفّاظِ النُّقَادِ من العِلل، هل يَسُوغُ أن يُقبَل منهم في
حق مثل هذا الإمام مُسلَّماً؟ كلّ والله، واللهُ الموفق.
(خ م) الحديث الثاني: قال الدار قطنيُّ: وأخرجا جميعاً - يعني البخاريَّ (٢١٨) ومسلماً
(٢٩٢) - حديثَ الأعمش عن مجاهدٍ عن طاووس عن ابن عباس، يعني في قصة القَبرَين
وأنَّ أحدَهما كان لا يَستبِئُ من بولِه، قال: وقد خالفه منصورٌ فقال: عن مجاهدٍ عن ابن
عباس، وأخرج البخاريُّ حديثَ منصور على إسقاطه طاووساً. انتهى، وهذا الحديث
أخرجه البخاري في الطهارة (٢١٦) عن عثمان بن أبي شيبة عن جَرير، وفي الأدب (٦٠٥٥) عن
محمد بن سَلام عن عَبِيدة بن حُميد، كلاهما عن منصور به، ورواه (٢١٨) من طريق أخرى
من حديث الأعمش، وأخرجه باقي الأئمةِ السِّتة من حديث الأعمش أيضاً، وأخرجه
أبو داود أيضاً والنسائي وابن خُزيمة في ((صحيحه)) من حديث منصور أيضاً، وقال الترمذي
بعد أن أخرجه: رواه منصورٌ عن مجاهد عن ابن عباس، وحديث الأعمش أصحُّ: يعني
المتضمِّن للزيادة. قلت: وهذا في التحقيق ليس بعلَّةٍ؛ لأنَّ مجاهداً لم يُوصَف بالتدليس،
وسماعُه من ابن عباس صحيحٌ في جُملةٍ من الأحاديث، ومنصورٌ عندهم أتقَنُ من الأعمش، مع
أنَّ الأعمش أيضاً من الحفّاظ، فالحديث كيف ما دار، دارَ على ثقة، والإسناد كيف ما دار،
كان متّصلاً، فمثلُ هذا لا يَقدَحُ في صحة الحديث إذا لم يكن راويهِ مُدلِّساً، وقد أكثَرَ الشيخانِ

٢٨٥
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
من تخريج مثل هذا، ولم يَستوعِب الدار قطنيُّ انتقادَه، والله الموفق.
(خ م) الحديث الثالث: قال الدار قطنيُّ فيما قرأتُ بخطّه: وأخرج البخاريُّ (٢٩٢) عن
أبي مَعْمَر، عن عبد الوارث، عن الحُسين المعلِّم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن
عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد الجُهَني: أنه سأل عثمانَ بن عفَّنَ عن الرجل يُجامِعُ أهلَه
ولا يُمْنِي، فقال عثمان: يتوضَّأ ويَغسِلُ ذَكَره، سمعته من رسول الله وَّةِ، قال: وسألتُ عن
ذلك عليّاً والزُّبير وطلحةَ وأبيّ بن كعب فأمروه بذلك، قال يحيى بن أبي كثير: وأخبرني
أبو سَلَمةَ أيضاً، أنَّ عُرْوة أخبره، أن أبا أيوبَ أخبره، أنه سمع ذلكَ من رسول الله وَلِّ. قال
الدار قطنيُّ: وهذا وهمٌ، وهو قولُه: إنَّ أبا أيوب أخبره أنه سمعَ ذلك من رسول الله وَّهِ، لأنّ
أبا أيوب لم يسمعه من رسول الله وَّ﴾، إنما سمعه من أَبيِّ بن كعب، كذلك رواه هشام بن
عُرْوة عن أبيه، وقد أخرجه البخاريُّ من حديث هشام على الصواب، انتهى.
وقد وافق البخاريَّ مسلمٌ على تخريجه على الوجهين، وقال الخطيب: قولُه: إنَّ أبا أيوب
سمع ذلك من النبي ◌َّه خطأٌ، فإن جماعة من الحقَّاظ رَوَوْه عن هشام عن أبيه عن أبي
أيوب، عن أبيِّ بن كعب. قلت: وغايةُ ما في هذا أن أبا سلمة وهشاماً اختلفا، فزاد هشامٌ
فيه ذِكر أُبيِّ بن كعب، ولا يَمْنَع ذلك أن يكون أبو أيوب سمعه من رسول الله وَلآه
وسمعه أيضاً من أبيّ بن كعب عن النبي ◌ََّ، مع أن أبا سلمة أجَلُّ وأَسَنُّ وأتقنُ من
هشام، بل هو من أقران عُرْوة والدِ هشام، فكيف يُقضَى لهشام عليه، بل الصواب أن
الطريقين صحيحان.
ويُحتمل أن يكون اللفظُ الذي سمعه أبو أيوب من أُبيِّ بن كعب غيرَ اللفظ الذي
سمعه من النبي ◌َّ؛ لأن سِياقَ حديث أُبيِّ بن كعب عند البخاريِّ يقتضي أنه هو الذي
سألَ النبيَّ وََّ عن هذه المسألة، فتضَمَّن زيادةَ فائدةٍ، وحديث أبي أيوب عنده لم يَسُقْ
لفظَه، بل أحال به على حديث عثمان كما تَرَى، وعلى تقدير أن يكون أبو أيوب في نَفْس
الأمر لم يسمعه إلّا من أُبيِّ بن كعب، فهو مُرسَل صحابيٍّ، وقد اتفقَ المحدِّثون على أنه في

٢٨٦
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
حُكْم الموصول، وقد أخرج مسلم في ((صحيحه)) (١٩) شبيهاً به، ولم يتعقَبه الدار قطنيُّ، وهو
حديثُ ابن عباس في قصة إرسال معاذ بن جَبَل إلى اليمن، فإن في بعض الروايات: عن ابن
عباس عن معاذٍ، وفي بعضها: عن ابن عباس قال: أَرسَلَ النبيُّ ◌َلِّ معاذاً.
وتَعقَّبَ القاضي أبو بكر بن العربي حديثَ زيد بن خالد وزَعَم أن فيه ثلاثَ عِللٍ،
فقال: الأولى: أن مَدَارَه على حُسين بن ذَكْوان المعلِّم، ولم يُصرِّح بسماعه له من يحيى بن أبي
كثير، وإنما جاء عن حسين قال: قال يحيى بنُ أبي كثير، الثانية: أنه خُولِف فيه فرواه غیرُه
عن يحيى بن أبي كثير موقوفاً غيرَ مرفوع، الثالثة: أن أبا سلمة أيضاً قد خُولِفَ فيه فرواه
زيدُ بن أسلمَ عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد موقوفاً عن جماعة من الصحابة. قلت:
والجواب عن الأُولى: أن ابن خُزيمة والسَّاج والإسماعيلي وغيرهم رَوَوُا الحديثَ من
طريق حسين المعلِّم فصَّحوا فيه بالإخبار، ولفظ السَّاج بسنده إلى حسين: أخبرنا يحيى
ابنُ أبي كثير أن أبا سلمة حدَّثه ... إلى آخره، وأما الجوابُ عن الثانية والثالثة: فالتعليل
المذكور بهما غيرُ قادح، لأن رواية حسين مُشتمِلةٌ على الرفع والوقف معاً، فإذا اشتَمَلَ
غيرُها على الموقوف فقط، كانت هي مُشتمِلةً على زيادة لا تُنافي الروايةَ الأخرى فتُقبَلُ من
الحفّاظ وهو كذلك، فتبيَّنَ أن التعليل بذلك ليس بقادحٍ، والله أعلم.
من كتاب الصلاة
الحديث الرابع: قال البخاريُّ: باب الخَوْخَة والمَمَرِّ في المسجد (٤٦٦): حدثنا محمد
ابن ◌ِنَان، حدثنا فُلَيح - هو ابن سليمان - حدَّثنا أبو النَّضر، عن عُبَيَد بن حُنَين، عن بُسْر
ابن سعيد، عن أبي سعيد الخدري قال: خطب النبيُّ وَّ فقال: ((إن الله خَيَّرَ عَبداً بين الدنيا وبين
ما عنده فاختارَ ما عندَه)) الحديث، قال الدار قطنيُّ: هذا السِّياق غيرُ محفوظ، واختُلِفَ فيه على
فُلَيح، فرواه محمد بن ◌ِنان هكذا، وتابعه المعافَى بن سليمان الحَرَّاني، ورواه سعيد بن منصور
ويونس بن محمد المؤذِّب(١) وأبو داود الطَّيالسي عن فُلَيح عن أبي النَّصْر عن عُبَيد بن حُنَين وبُسْر
(١) تحرَّف في (س) إلى: المؤذن.

٢٨٧
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
ابن سعيد جميعاً عن أبي سعيد. قلت: أخرجه مسلمٌ عن سعيد، وأبو بكر بن أبي شَيْبة عن
يونس، وابن حِبَّان في ((صحيحه)) من حديث الطَّيالسي، ورواه أبو عامر العَقَدي عن فُلَيح
عن أبي النضر عن بُشْر بن سعيد عن أبي سعيد، ولم يذكر عُبَيَدَ بن حُنَين، أخرجهما البخاري في
مناقب أبي بکر، فهذه ثلاثةُ أوجه مختلفة.
فأما روايةُ أبي عامر فيمكن ردُّها إلى رواية سعيد بن منصور، بأن يكون اقتَصَرَ فيها
على أحد شَيخَيْ أبي النضر دون الآخر، وقد رواه مالكٌ عن أبي النضر عنهما جميعاً، حَدَّثَ
به القَعْنَبِيُّ في ((الموطأ)) عنه، وتابعه جماعةٌ عن مالك خارج ((الموطأ))، وأخرجه البخاري
أيضاً عن ابن أبي أُوَيس عن مالكِ في الهجرة، لكنه اقتصر فيه على عُبَيد بن حُنين حَسْبُ.
وأما رواية محمد بن سِنان فوَهمٌ، لأنه صَيَّرَ بُسْرَ بن سعيد شيخاً لعُبيد بن حُنَين، وإنما هو
رفيقُه في رواية هذا الحديث، ويمكن أن تكون الواوُ سَقَطت قبل قوله: عن بُسْر، وقد
صَرَّحَ بذلك البخاريُّ فيما رواه أبو علي بن السَّكَن الحافظ في زوائده في ((الصحيح))، قال:
أخبرنا الفِرَبْري، قال: قال البخاريُّ: هکذا رواه محمد بن سنان عن فُلَیح، وإنما هو عن
عُبيد بن حُنين وعن بُسْر بن سعيد؛ يعني بواو العَطْف، فقد أَفصَحَ البخاريُّ بأن شيخه
سقطت عليه الواوُ من هذا السياق، وأن من إسقاطها نَشَأ هذا الوهمُ، وإذا رجعنا إلى الإنصاف
لم تكن هذه عِلَّةً قادحةً مع هذا الإيضاح، والله أعلم.
(خ م) الحديث الخامس: قال الدار قطنيُّ: أخرجا جميعاً(١) حديثَ مالك عن الزُّهري
عن أنس قال: كنا نُصلِّي العصر، ثم يذهبُ الذّاهبُ منَّا إلى قُبَاء فيأتيهم والشمسُ مرتفعةٌ،
وهذا مما يعتد(٢) به على مالك؛ لأنه رفعه وقال فيه: إلى قُباء، وخالفه عددٌ كثير، منهم:
عمرو ابن الحارث، والليث بن سعد، ويونس بن يزيد، ومعمر، وشعيب بن أبي حمزة،
وصالح بن كيسان، وابنُ أبي ذِئْب، وآخرون. انتهى، وقد تعقّبه النسائيُّ أيضاً على مالك،
وموضعُ التعقّب منه قوله: إلى قُباء، والجماعة كلُّهم قالوا: إلى العَوَالي، ومثلُ هذا الوَهْم اليسير لا
(١) البخاري (٥٥١)، ومسلم (٦٢١) (١٩٣).
(٢) في (س): ينتقد.

٢٨٨
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
يلزم منه القدحُ في صحة الحديث، لا سيّما وقد أخرَجَا الروايةَ المحفوظة، والله أعلم.
(خ م) الحديث السادس: روى البخاريُّ (٦٦٣) من طريق شُعْبة قال: أخبرني سعدُ بن
إبراهيم، سمعتُ حفصَ بن عاصم قال: سمعتُ رجلاً من الأَزد يقال له: مالك ابن
بُحَيْنة: أنَّ رسول الله وَّهِ رأى رجلاً وقد أُقِيمَت الصلاةُ يُصلِّي ركعتين، فلما انصرفَ
رسولُ اللهِ وََّ لاثَ به الناسُ، فقال له رسول الله وَّ: ((الصُّبحَ أربعاً، الصُّبحَ أربعاً))،
وقال حمادٌ عن سعدٍ عن حَفْص: عن مالك، وقال ابنُ إسحاق عن سعد عن حفص: عن
عبد الله بن مالك ابن بُحَيْنة، ورواه قبلَ ذلك عن عبد العزيز عن إبراهيم بن سَعْد عن أبيه
عن حَفْص عن عبد الله بن مالك به، قال أبو مسعود الدمشقيُّ: أهلُ العراق منهم شُعْبة
وحماد وأبو عَوَانة يقولون: مالك ابن بُحَينة، وأهلُ الحجاز يقولون: عبد الله بن مالك ابنُ
بُحَينة، وهو الصواب. وذكر البخاري في ((تاريخه)) ترجمةَ عبد الله بن مالك ابن بُحَينة ثم
قال: وقال بعضُهم: مالكُ ابن بُحَينة، والأول أصحُ. قلت: وهذا لا يُعِلَّ هذا الخبرَ، لأن
أهل النَّقد اتَّفقوا على أن رواية أهل العراق له عن سعدٍ فيها وهمٌّ، والظاهرُ أن ذلك من
سعد بن إبراهيم إذْ حَدَّثَ به بالعراق، وقد اغتَرَّ ابنُ عبد البرِّ بظاهر هذا الإسناد فقال:
لعبد الله ابن بُحَينة ولأبيه مالكِ صحبة، والله أعلم.
الحديث السابع: قال الدار قطنيُّ: أخرجَ البخاريُّ أحاديثَ للحسن عن أبي بَكْرة، منها
(٧٨٣): حديثُ ((زادَكَ الله حِرْصاً ولا تَعُدْ))، والحسن إنما يروي عن الأحنَف بن قيس عن
أبي بَكْرة، يعني فيكونُ الحديث مُنقطعاً، وسيأتي الكلام على ذلك قريباً في الكسوف إن
شاء الله تعالى.
(خ م) الحديث الثامن: قال الدار قطنيُّ: وأخرَجَا جميعاً(١) حديثَ يحيى بن سعيد القَطَّان
عن عُبَيد الله بن عُمر عن سعيدِ المقْبُري عن أبيه عن أبي هريرة، في قصَّة المسِيء صلاتَه،
وقول النبي ◌َّ له: ((ارجِعْ فصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ))، وقد خالَفَ يحيى القَطَّانُ أصحابَ عُبَيد الله
(١) البخاري (٧٥٧) و(٧٩٣)، ومسلم (٣٩٧).

٢٨٩
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
كلَّهم، منهم: أبو أسامة وعبد الله بن نُمَير وعيسى بن يونس وغيرهم، فَرَوَوْه عن عُبَيد الله
عن سعيدٍ عن أبي هريرة، ولم يذكروا أباه، ويحيى حافظٌ ويُشبِهُ أن يكون عُبَيْدُ الله حَدَّثَ به
على الوجهين، والله أعلم. قلت: ورجّحَ الترمذيُّ رواية يحيى القَطَّان، وهذا من قَبِيلِ الحديث
الثاني. وقد أوضحنا الجوابَ عن مثل ذلك هناك.
الحديث التاسع: قال الدار قطنيُّ: وأخرج البخاري (٨٨٣) عن آدمَ عن ابن أبي ذِئب
عن سعيد المقبُري عن أبيه عن ابن وَدِيعةَ عن سَلْمان عن النبيِ وََّ في غُسْل الجمعة، وقد
اختُلِفَ فيه على المقْبُريِّ فقال ابنُ عَجْلان: عن أبيه عن ابن وَديعة عن أَبي ذرٍّ، وأرسله أبو
مَعشَر عنه فلم يذكر أبا ذر ولا سلمان، ورواه الدَّراوَرْديُّ عن عُبيد الله بن عمر عن المقبُريِّ
عن النبي ◌َّةِ، ولم يَذكُرْ بينهما أحداً، وقال عبد الله بن رجاءٍ عن عُبيد الله بن عمر عن سعيد
المقبري عن أبي هريرة، انتھی.
ورواه البخاري أيضاً (٩١٠) من حديث ابن المبارك عن ابن أبي ذِئب به، وقد اختُلِفَ
فيه على ابن أبي ذئب أيضاً، فقال أبو عليٍّ الحنفي فيما رُويناه في ((مسند)) الدارمي عنه مثلَ
رواية آدم، وكذا رُويناه في ((صحيح)) ابن حِبَّان من طريق عثمان بن عمر عن ابن أبي ذئب،
ورواه أحمدُ في ((مسنده)) عن أبي النَّضْر وحَجَّاج بن محمد جميعاً عن ابن أبي ذئب كذلك،
وقال أبو داود الطَّيالسي في ((مسنده)) عن أبي أبي ذئب عن سعيد عن أبيه: عن عُبيد الله بن
عَدِيِّ بن الخيار عن سلمان، وهذه رواية شاذَّةٌ؛ لأن الجماعة خالَفُوه، ولأن الحديث محفوظٌ
لعبد الله بن وَدِيعة لا لعبيد الله بن عَدِي، وأما ابن عَجْلان فلا يقارب ابنَ أبي ذئب في
الحفظ ولا تُعلَّل رواية ابن أبي ذئب مع إتقانه في الحفظ برواية ابن عجلانَ مع سوءِ حفظه،
ولو كان ابن عجلانَ حافظاً لأمكن أن يكون ابنُ وَدیعة سمعه من سلمان ومن أبي ذر،
فحدَّثَ به مرةً عن هذا ومرةً عن هذا، وقد اختار ابنُ خُزيمة في ((صحيحه)) هذا الجمع
وأخرج الطريقين معاً: طريقَ ابن أبي ذئب من مسند سلمان، وطريقَ ابن عَجْلان من مسند
أبي ذر، رضي الله عنهما.

٢٩٠
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
وأما أبو معشَر فضعيفٌ لا معنی للتعلیل بروايته، وأما روايةُ مُبيد الله بن عمر فهو من
الحقَّاظ، إلّا أنه اختُلِفَ عليه كما ترى، فرواية الدَّرَاوَزْدي لا تنافي روايةَ ابن أبي ذئب لأنها
قَضَّرَت عنها، فدَلَّ على أنه لم يَضبِطْ إسناده فأرسله، ورواية عبد الله بن رجاءٍ إن كانت
محفوظةً فقد سَلَكَ الجادّةَ في أحاديث المقبري، فقال: عن أبي هريرة، ويجوزُ أن يكون
للمقبريِّ فيه إسنادٌ آخر، فقد وجدتُه في ((صحيح) ابن خُزيمة من رواية صالح بن كَيْسان
عن سعيد المقبريِّ عن أبيه عن أبي هريرة، وإذا تقرَّرَ ذلك عُرِفَ أن الرواية التي صحَّحها
البخاري أتقنُ الروايات، والله أعلم.
الحديث العاشر: قال الدار قطنيُّ: وأخرج البخاري (٩٥٣) عن محمد بن عبد الرحيم
عن سعيد بن سليمان عن هُشَيم عن عُبَيد الله بن أبي بكر عن أنس، أن النبيَّ ◌َّ كان لا
يَغْدُو يوم الفِطْر حتى يأكلَ تَرَاتٍ. قال: وقد أنكَرَ أحمدُ بن حنبل هذا من حديث هُشَيم
عن عُبَيد الله بن أبي بكر وقال: إنما رواه هشيم عن محمد بن إسحاقَ عن حَفْص بن
عُبَيد الله عن أنس، وقيل: إن هُشَيماً كان يُدلِّسه عن عبيد الله بن أبي بكر، وقد رواه مِسعَر
ومُرجَّى بن رجاءٍ وعلي بن عاصم عن عُبَيد الله، ولا يَثْبُتُّ منها شيءٌ. انتهى كلامه، وأحمدُ
ابن حنبل إنما استنگرَه لأنه لم یعرفه من حديث هُشَیم، لأن مُشَماً کان ◌ُحدِّث به قديماً هكذا، ثم
صار بعدُ لا يُحدِّث به إلا عن محمد بن إسحاق، ولهذا لم يسمعه منه إلّا كبار أصحابه.
وأما قوله: إن هُشَيماً كان يُدلِّسُ فيه، فمردودٌ، فرواية البخاريِّ نصُها (١) عن هُشَيمٍ:
قال: أخبرنا عبيدُ الله بن أبي بكر، فذَكَرَها، والعَجَبُ من الإسماعيليِّ أيضاً، فإنه أخرجه من
رواية أبي الرَّبيع الزَّهْراني عن هُشَيم عن عُبَيد الله، ثم قال: هشيمٌ مدلِّس، فكأنَّه لَّا رآه
عنده(٢) مُعنعَناً ظنَّ أن هشيماً دَلَّسه، ومن هنا يظهر شفوفُ نَظَرِ البخاري على غيره.
وأما روايةٌ مرجَى بن رجاء فعلَّقها البخاريُّ في الباب، ووَصَلها أحمدُ بن حنبل وابن خُزيمة
في (صحيحه) والإسماعيليُّ، ولا أدري ما معنى قولِ الدار قطني: لا يثبُتُّ منها شيءٌ وقد رواه
(١) في (س): نفسها.
(٢) في (س): لما رواه عنه.

٢٩١
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
غيرُ من ذَكَرَ، أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) والإسماعيليُّ في ((مستخرَجه)) والحاكم في
((مستدركه)) من طريق عُتْبة بن حُميد عن عُبَيد الله بن أبي بكر نحوَه. نعم، رواية مِسْعَرٍ لا
يصحُّ إسنادُها عنه، وعليُّ بن عاصم ضعيف. وأما الطريق التي ذكرها عن هُشَيم عن محمد
ابن إسحاق فرواها أحمدُ بن مَنيع في («مسنده)) والتِّرمذي في ((جامعه)) والإسماعيلي في
((مستخرجه) من طريق هُشيم به، وقد ظَهَرَ بما قَرَّرناه أنَّ إحدى الطريقين لا تُعِلُّ الأُخرى،
والله أعلم.
الحديث الحادي عشر: قال البخاريُّ (٩٨٦): حدثنا محمدٌ، حدَّثنا أبو تُمَيْلة يحيى بن واضح،
عن فُلَيْح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، عن جابر بن عبد الله قال: كان النبيُّ ◌َّ إذا
كان يومُ عيدٍ خالَفَ الطريقَ، تابَعَه يونُسُ بن محمد بن فُلَيح، وحديثُ جابٍ أصحُّ. هكذا
في جميع الروايات التي وَقَعَت لنا عن البخاريِّ، إلّا أنَّ في رواية أبي علي بن السَّكَن: تابَعَه
يونسُ بن محمد عن فُلَيح عن سعيد عن أبي هريرة، وحديثُ جابر أصُ، كذا وقع عنده،
قال أبو عليٍّ الجَيَّاني: والظاهرُ أنَّ هذا الإصلاح من قِبَله(١). قلتُ: والتخبيط (٢) فيه ممن
دون البخاريِّ، وقد ذكره أبو مسعود الدمشقي في ((الأطراف)) مُحرَّراً، فذكر حديث أبي
تُمَيلة وبعده تابعه يونسُ بن محمد عن فُلَيح، وقال محمد بن الصَّلْت عن فُلَيح: عن سعيد
عن أبي هريرة، قال البخاريُّ: وحديثُ جابر أصحُ، وكذا حكاه أبو نُعیم في ((مُستخرجه))،
وحكى البَرْقاني نحوَه، ثم قال أبو مسعود متعقّباً عليه: إنما رواه يونسُ بن محمد عن فليح
عن سعيد عن أبي هريرة لا عن جابر، قال: وكذا رواه الهيثمُ بن جَميل عن فُلَيح. قلت: ولم
يُصِبْ أبو مسعود في دعواه أنَّ رواية يونس بن محمد إنما هي من مسند أبي هريرة، فقد رواه
أبو بكر بن أبي شَيْبة في ((مسنده)) عن يونس بن محمد من مسند جابرٍ كما قال البخاريُّ،
ومن طريقه أخرجه الإسماعيليُّ، وكذا رواه أبو جعفر العُقَيلي في ((مصنفه)) من حديث
يونس، وكذا قال الترمذيُّ: أنَّ أبا تُمَيلة ويونسَ بن محمد رَوَياه عن فُلَيح عن سعيد عن
(١) ليس كذلك، فقد وقع هذا أيضاً في رواية أبي ذر الهروي.
(٢) في (س): والتخليط.

٢٩٢
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
جابر. نعم، رُويناه من طريق محمد بن عُبَيد الله بن المُنادَى وأحمد بن الأزهر وعلي بن مَعْبَد،
ثلاثتهم عن يونس بن محمد عن فُلَيح عن سعيد عن أبي هريرة، كما قال أبو مسعود، وقَوِيَ
بهذا أن لسعيد بن الحارث فيه شيخَينٍ، وقد ذكر أبو مسعود أيضاً أن محمد بن حُميد رواه
عن أبي تُميلة، فصيَّره من مسند أبي هريرة، ولكن محمد بن حُميد لا يُحْتَجِّ به، ورواية محمد بن
الصلت قد ذَكَرتُ مَن وَصَلَها في فصل التعليق، ولله الحمد.
الحديث الثاني عشر: قال الدار قطني: أخرج البخاريُّ أحاديثَ للحسن عن أبي بَكْرة، منها:
حديث الكسوف (١٠٤٠) والحسن إنما يروي عن الأحنف عن أبي بَكْرة. قلت: البخاريُّ
معروف أنه ممن كان يُشدِّد في مثل هذا، وقد أخرج البخاريُّ حديث الكسوف من طرقٍ عن
الحسن عَلَّق بعضها، ومن جملة ما علَّقه فيه: رواية موسى بن إسماعيل (١٠٤٨) عن مُبارَك بن
فَضَالة عن الحسن قال: أخبرني أبو بكرة، فهذا مُعتمَدُه في إخراج حديث الحسن، ورَدُّه على من
نفى أنه سمع من أبي بكرة باعتماده على إثبات من أثبته، وسيأتي مزيدٌ لذلك في فَضْل الحسن بن
علي بن أبي طالب إن شاء الله تعالى.
من قَصْر الصلاة
(خ م) الحديث الثالث عشر: قال الدار قطنيُّ: أخرجا جميعاً (١) حديث ابن أبي ذِئْب عن
سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي وَ لّ قال: ((لا يَحِلَّ لامرأةٍ تسافرُ وليس
معها مُحُرٌَ))، قال الدار قطني: وقد رواه مالك ويحيى بن أبي كثير وسُهَيل عن سعيد عن أبي
هريرة؛ يعني لم يقولوا: عن أبيه. قلت: لم يُهمِل البخاريُّ حكاية هذا الاختلاف، بل ذكره
عَقِبَ حديث ابن أبي ذِئْب، والجواب عن هذا الاختلاف كالجواب في الحديث الثاني، فإن
سعيداً المقبريَّ سمع من أبيه عن أبي هريرة، وسمع من أبي هريرة، فلا يكون هذا اختلافاً
قادحاً، وقد اختُلِفَ فيه على مالك، فرواه ابن خُزيمة في ((صحيحه)) من حديث بِشْر بن
عمر عنه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وقال بعده: لم يقل أحدٌ من أصحاب مالك في هذا
(١) البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٣٩).

٢٩٣
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
الحديث: عن سعيد عن أبيه، غيرُ بِشْر بن عمر. انتهى، وقد أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)
من حديث بشر بن عمر أيضاً، وصَحَّحَ ابنُ حبان الطريقين معاً، والله أعلم.
من قيام الليل
الحديث الرابع عشر: قال الدار قطني: أخرج البخاريُّ (١١٥٢) حديث الأوزاعي عن
يحيى عن أبي سَلَمة عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي النبيُّ ◌َّ: (( لا تكن مثلَ فلانٍ، كان
يقوم الليلَ فَتَرَكَ قيام الليل)). وقد اختُلِفَ فيه على الأوزاعيّ فقال عمرو بن أبي سَلَمة
والوليد بن مُسلم وغيرهما عنه عن يحيى: عن عُمر بن الحكم بن ثَوْبان عن أبي سلمة، زادوا
رجلاً. انتهى، وهذا القول فيه كالقول في الذي قبله، بل هنا صَرَّح الأوزاعي بالتحديث
عن يحيى، وصرَّح يحيى بالتحديث عن أبي سلمة، فانتفت تُهْمةُ التدليس، والراوي له
هكذا عنده عن الأوزاعيِّ عبد الله بن المبارك، وهو من الحفّاظ المتقنين، ومع ذلك فالبخاريُّ لم
يُهُمِلْ حكاية الخلاف في ذلك، بل ذكره تعليقاً، وأخرج مسلمٌ طريق عمرو بن أبي سلمة
کما أوضحتُه في («تغليق التعليق)).
(خ م) الحديث الخامس عشر: قال الدارقطني: وأخرجا جميعاً (١) حديث شُعبة عن
عمرو عن جابر: ((إذا جاء أحدكم والإمامُ يَخْطُبُ فليُصلِّ ركعتين))، وقد رواه ابن جُرَيْج
وابن عُيَينة وحماد بن زيد وأيوب ووَرْقاء وحبيب أبو(٢) يحيى، كلهم عن عمرو: أنَّ رجلاً
دخل المسجد فقال له: صَلَّتَ. قلت: هذا يُوهم أن هؤلاء أرسلوه، وليس كذلك، فقد
أخرجه الشيخانِ من رواية حماد بن زيد وسفيان بن عُيَينة، ومسلم من حديث أيوب وابن
جريج، كلهم عن عمرو بن دينار موصولاً، وإنما أراد الدار قطنيُّ أن شُعبةَ خالف هؤلاء
الجماعةَ في سياق المتن واختصره، وهم إنما أَورَدُوه على حكاية قصَّة الداخل وأمْرِ النبي ◌ِّ
له بصلاةِ ركعتين والنبيُّ وَّه يَخْطُب، وهي قصة محُتِمِلةٌ للخُصوص، وسياقُ شعبة يقتضي
العمومَ في حقِّ كل داخل، فهي مع اختصارها أَزْيدُ من روايتهم، وليست بشاذَّةٍ، فقد تابعه
(١) البخاري (١١٦٦)، ومسلم (٨٧٥) (٥٧).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: بن، ووقع في (ف): وحبيب وأبو يحيى، وهو خطأ.

٢٩٤
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
على ذلك رَوْحُ بن القاسم عن عمرو بن دينار، أخرجه الدار قطنيُّ في ((السنن)»، فهذا يدلُّ
على أنَّ عمرو بن دينار حَدَّثَ به على الوجهين، والله أعلم.
ووقع في هذا الموضع للمِزِّي في ((الأطراف)) شيءٌ ينبغي التنبيهُ عليه، وذلك أنه قال في أول
ترجمة شُعبة عن عمرو بن دينار عن جابر: حديث: أن رجلاً جاء والنبيُّ وَّهِ يَخْطُب فقال:
((أَصلَّيْتَ؟)) قال: لا ... الحديث: خ في الصلاة عن آدم، وم فيه عن بُندارٍ عن غُندَر، يعني كلاهما
عن شعبةً به. وهذا اللفظ الذي صَدَّر به الحديثَ ليس هو لفظَ شعبة كما ترى.
من كتاب الجنائز
الحديث السادس عشر: قال الدارقطنيُّ: وأخرج البخاريُّ (١٣٢٥) حديثَ ابن أبي ذِئْب
عن سعيدٍ عن أبيه أنه سأل أبا هريرة، فقال: سمعتُ النبيَّ وَلّه يقول: ((من صلَّى على الجنازة
فله قيراطٌ)) الحديث، قال: وقد رواه عُبَيد الله بن عمر عن سعيد عن أبي هريرة، لم يقل: عن
أبيه. قلتُ: وهذا نظيرُ الحديث الثالثَ عشرَ، لكن رواية عُبَيد الله بن عمر في هذا غيرُ
مشهورة، فرواية ابن أبي ذِئْب هي المعتمَدَة، وهي من أفراد ((الصحيح))، وإنما أورَدَها المصنف
مقرونةً برواية الأعرج عن أبي هريرة.
الحديث السابع عشر: قال الدارقطني: أخرج البخاريُّ (١٣٤٣) حديثَ الليث عن
الزُّهري عن عبد الرحمن بن كعب عن جابر: أن النبيَّ ◌َّ كان يَجمَعُ بين قتلى أُحدٍ ويُقدِّمُ
أقرأهم، وقد رواه ابنُ المبارك عن الأوزاعي عن الزُّهْري مرسلاً عن جابر، ورواه معمر
عن الزهري، عن ابن أبي صَغِيرة عن جابر، ورواه سليمان بن كثيرٍ عن الزّهْري: حدَّثني
من سمع جابراً، وهو حديث مُضطرِب. انتهى، أطلق الدار قطنيُّ القولَ في هذا الحديث بأنه
مُضطرِب مع إمكان نفي الاضطراب عنه بأن يفسَّر المبهم الذي في رواية سليمان بالمسمَّى
الذي في رواية الليث، وتُحمَل رواية معمر على أنَّ الزهريّ سمعه من شيخين، وأما رواية
الأوزاعي المرسلة فقصّر فيها بحذف الواسطة، فهذه طريقة من ينفي الاضطراب عنه، وقد
ساق البخاريُّ ذِكرَ الخلاف فيه، وإنما أخرج روايةَ الأوزاعي مع انقطاعها لأنَّ الحديث عنده

٢٩٥
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
عن عبد الله بن المبارك عن الليث والأوزاعي جميعاً عن الزُّهري، فأسقط الأوزاعيُّ عبدَ الرحمن
ابن كعب، وأثبَتَه الليثُ، وهما في الزُّهْري سواءٌ، وقد صَرَّحا جميعاً بسماعهما له منه، فقَبِلَ
زيادةَ الليث لثقته، ثم قال بعدَ ذلك: ورواه سليمانُ ابن كثير عن الزُّهْري عمَّن سمع
جابراً، وأراد بذلك إثباتَ الواسطة بين الزُّهْريِّ وبين جابرٍ فيه في الجُمْلة، وتأكيدَ رواية
الليث بذلك، ولم يَرَها عِلَّةً تُوجِب اضطراباً، وأما روايةُ مَعمَر فقد وافقه عليها سفيان بن
عُيَيْنة، فرواه عن الزُّهْري عن ابن أبي صَغيرة وقال: ثَبَّتني فيه معمر، فَرَجَعَت روايتُه إلى
رواية معمر.
وعن الزُّهْري فيه اختلافٌ لم يذكره الدار قطنيُّ، فقيل: عن أُسامة بن زيد عن الزُّهري عن
أنس، ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود والترمذي، ونقل في ((العلل)) عن البخاري أنه قال:
حديث أُسامة خطأٌ غَلِطَ فيه؛ يعني أن الصواب حديثُ الليث، ووَهِمَ الحاكمُ فأخرج حديثَ
أسامة هذا في ((مستدركه))، وعن الزُّهْري فيه اختلافٌ آخر، رواه البيهقيُّ من طريق عبد الرحمن
ابن عبد العزيز الأنصاري عن الزُّهْريّ عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه، وهو خطأ
أيضاً، وعبدُ الرحمن هذا ضعيف، ولا يَخْفَى على الحاذقِ أن رواية الليث أرجحُ هذه الروايات كما
قَرَّرْناه، وأن البخاري لا يُعِلُّ الحديثَ بمجرَّد الاختلاف.
حديث ابن عباس: مَرَّ النبيُّ وَل بقبرين، تقدَّم في الثاني.
الحديث الثامن عشر: قال الدَّار قطنيُّ: أخرج البخاري (١٣٦٨) حديث داود بن أبي
الفُرَات عن ابن بريدة عن أبي الأسود عن عمر: مُرَّ بجنازةٍ فقال: وَجَبَت ... الحديث، وقد
قال عليٌّ بن المديني: إنَّ ابن بُرَيْدة إنما يروي عن يحيى بن يَعمَر عن أبي الأسود، ولم يقل في
هذا الحديث: سمعتُ أبا الأسود، قال الدار قطني: وقلت أنا: وقد رواه وَكِيع عن عمر بن
الوليد الشَّنِّي عن ابن بريدة عن عمر، ولم يذكر بينهما أحداً. انتهى، ولم أرَه إلى الآن من
حديث عبد الله بن بُريدة إلا بالعنعنة، فعِلَّتُه باقية إلا أن يُعتذرَ للبخاري عن تخريجه بأن
اعتماده في الباب إنما هو على حديث عبد العزيز بن صُهَيب عن أنس، بهذه القصة سواءٌ، وقد
%

٢٩٦
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
وافقه مسلمٌ على تخريجه، وأخرج البخاريُّ حديث أبي الأسود كالمتابعة لحديث عبد العزيز بن
صُهيب، فلم يَستوفِ نَفْيَ العِلَّة عنه كما يستوفيها فيما يُخُرِّجه في الأصول، والله أعلم.
من الزَّكاة
(خ م) الحديث التاسع عشر: قال الدار قطني: وأخرجا جميعاً(١) حديث عَفَّان عن وُهَيب عن
أبي حيَّان عن أبي زُرْعة عن أبي هريرة: أن رجلاً قال للنبي ◌َّ: دُلَّني على عملٍ إذا أنا عملتُه
دخلتُ الجنة ... الحديث، وقد رواه يحيى القَطَّان عن أبي حيان فخالف وُهَيباً فأرسَلَه ولم يذكر أبا
هريرة. انتهى، وقد أخرج البخاري حديث يحيى القَطَّن عقبَ حديث وُهَيب، فَأَشْعَرَ بأن العِلَّة
ليست بقادحةٍ لأن وُهيباً حافظ، فقدَّم روايته لأن معه زيادة، وفي معنى روايته حديثٌ آخر اتفقا
عليه من هذا الوجه في كتاب الإيمان من طريق جَرِير وإسماعيل ابن عُليّة عن أبي حيان، وهو مما
يُقَوِّي روايةَ وُهَيب، والله أعلم.
الحديث العشرون: قال أبو مسعود: أخرج البخاريُّ (١٤٠٥) حديث شُعيب بن
إسحاق، عن الأوزاعي، قال: أخبرني يحيى بنُ أبي كثير، أنَّ عمرو بن يحيى بن عُمَارة
أخبره عن أبيه أنه سَمِعَ أبا سعيد يقول: قال النبيُّ وَّهِ: ((ليس فيما دُون خمسةِ أوْسُقٍ
صَدَقة)) الحديث، وقد رواه داود بن رُشَيْد وهشام بن خالد عن شُعَيب عن الأوزاعي عن
يحيى غير منسوب، ورواه الوليد بن مُسلِم عن الأوزاعي عن عبد الرحمن بن أبي اليَمان
عن يحيى ابن سعيد، ورواه عبد الوهاب بن نَجْدة عن شعيب عن الأوزاعي قال: حدثني
يحيى بن سعيد. انتهى كلامه، واقتضى أمرَينٍ، أحدهما: أن شيخ البُخاريِّ - وهو إسحاقُ
بن يزيد - وَهِمَ في نسبة يحيى فقال: ابن أبي كثير، وإنما هو يحيى بن سعيد، بدليل رواية
عبد الوهّاب، وأن داود وهشاماً لم يَنسُباه، ثانيهما: أنه اختُلِفَ فيه على الأوزاعي مع ذلك
بزيادة رجلٍ فيه بينَه وبينَ يحيى بن سعيد من رواية الوليد بن مسلم، وإذا تأمَّلتَ ما ذَكَرَه
لم تَجِدْ ما اختاره مستقيماً، بل روايةُ الوليد بن مسلم تدلُّ على أنه لم يكن عند الأوزاعي عن يحيى
(١) البخاري (١٣٩٧)، ومسلم (١٤).

٢٩٧
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
ابن سعيد إلّا بواسطةٍ، وقد صَرَّح شعيبٌ عنه بأن يحيى أخبره، فاقتَضَى ذلك أن رواية
عبد الوهاب ابن نَجْدة إمَّا موهومة وإما مُدلَّسة، ورواية إسحاق عن شعيبٍ صحيحة
صريحة.
وقد وجدتُ لإسحاق فیه متابعاً عن شعیب، وذلك فيما أخرجه أبو عوانة في «صحيحه))
قال: حدثنا أبو إبراهيم الزُّهري - وكان من الأبدال - حدثنا أبو أيوب سليمان بن
عبد الرحمن، حدثنا شعيبُ بن إسحاق حدثنا الأوزاعيُّ، أخبرني يحيى بن أبي كَثِير، فذكره
سواءً، وهكذا أخرجه الإسماعيلي في ((مُستخرجه)) من طريق سليمان بن عبد الرحمن، ثم
قال: الحديثُ مشهور عن يحيى بن سعيد رواه الخلقُ عنه، وقد رواه داود ابن رُشَيد عن
شعيب عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد. قلت: وهو يدلُّ لما قلناه، أنَّ رواية الأوزاعي له
عن يحيى بن سعيد مُدَّسة، وعن يحيى بن أبي كثير مسموعة، وكأنه كان عند شعيب بن
إسحاق عن الأوزاعيِّ على الوجهين، والله أعلم.
الحديث الحادي والعشرون: قال الدارقطني: وأخرج البخاري (١٤٤٨) حديثَ
الأنصاريِّ عن أبيه عن ثُمامة عن أنسٍ عن أبي بكر حديثَ الصَّدَقات، وهذا لم يسمعه ثمامةٌ
من أنس، ولا عبدُ الله بن المثنّى من ثُمامة، قال عليُّ بن المديني: حدثني عبدُ الصمد حدثني
عبدُ الله بن المثنَّى قال: دَفَعَ إليَّ ثمامةُ هذا الكتابَ، قال: وحَدَّثَنَا عَفّانُ، حدثنا حماد قال:
أخذتُ من ثمامة كتاباً عن أنس نحو هذا، وكذا قال حماد بن زيد عن أيوب: أَعطاني ثمامةٌ
كتاباً، فذكر هذا. قلت: ليس فيما ذَكَرَ ما يقتضي أن ثمامة لم يسمعه من أنس كما صَدَّرَ به
كلامه، فأما كَونُ عبد الله بن المثنى لم يسمعه من ثمامةَ، فلا يَدُلَّ علی قَدْح في هذا الإسناد، بل
فيه دليلٌ على صحة الرواية بالمناولة إن ثبت أنه لم يسمعه، مع أن في سياق البخاريِّ عن
عبد الله بن المثنى: حدثني ثمامةُ أن أنساً حَدَّثَه، وليس عبدُ الصمد فوقَ محمد بن عبد الله
الأنصاري في الثِّقة، ولا أعرفَ بحديث أبيه منه، والله أعلم.
حديث أنس في النهي عن بَيْع الثَّمَرة، يأتي في البيوع إن شاء الله تعالى.

٢٩٨
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
من كتاب الحج
(خ م) الحديث الثاني والعشرون: قال الدار قطنيُّ: اتَّفَقا (١) على حديث عطاءٍ عن صفوان
ابن يَعْلى عن أبيه حديث الجُبَّة في الإحرام، وفيه: ((واصنَعْ في عُمرَتك ما تَصنَعُ في
حَجِّكَ)) من حديث ابن جُرَيج وهَّام وغيرهما عن عطاء، ورواه الثَّوريُّ عن ابن جُرَيج
وابن أبي ليلى جميعاً عن عطاءٍ عن يعلى بن أُميَّة مُرسَلاً، وكذا قال قتادةُ ومَطَرِّ الورَّاق
ومنصور بن زاذان وعبد الملك بن أبي سليمان وغيرُ واحدٍ عن عطاءٍ ليس فيه صفوان. قلت: في
رواية ابن جُرَيج: أخبَرني عطاءٌ أن صفوان بن يعلى أخبره عن يعلى به، ورواية جَمِيع مَن
ذكره عن عطاء عن يعلى مُعَنعَنة، فدلَّ على أنه لم يَرْوِه عن يعلى إلّا بواسطة ابنه، وابنُ جُرَيج
من أعلم الناس بحديث عطاءٍ، وقد صَرَّح بسماعه منه، فالتعليل بمثل هذا غير مُتَّجِهٍ كما قدَّمنا
غيرَ مرة.
الحديث الثالث والعشرون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاريُّ (١٥٥٠) حديثَ الثَّوري
عن الأعمش عن عمارة عن أبي عَطِيَّة عن عائشة في التلبية، وتابعه أبو معاوية عن الأعمش،
وقال شعبةُ عن الأعمش: عن خَيْئمة عن أبي عطية به، وقال: ورُوِيَ عن يحيى القَطَّن عن
الأعمش عن خَيْئَمة أيضاً، ورواه إسرائيلُ وأبو الأحوص وزهيرُ بن معاوية ومحمد بن
فُضَيل وأبو خالد وغير واحد عن الأعمش كما قال الثَّوريُّ، ورواه عبد الله بن داود
الخُرَيْبي عن الأعمش، فأوضَحَه وبَيَّنَ عِلَّته، قال: حدثنا الأعمشُ عن عُمارة عن أبي عطيّة
عن عائشة، فَذَكَرَه، قال الأعمش: وذَكَر خَيْئمة عن الأسود: أنه كان يزيدُ: ((والمُلْك، لا
شَرِيكَ لك))، قال الدار قطنيُّ: فيُشبِهُ أن يكون الوهمُ دَخَلَ على شُعْبة من ذِكْر الأعمش
لخيثمة في آخره. قلت: وهو تحقيقٌ حَسَنٌ، ومقتضاه صحةُ ما اختاره البخاريُّ واعتمده من
رواية الأعمش، على أن البخاري لم يُهمِلْ حكايةَ الخلاف، بل حكاها عَقِبَ حديث الثوري،
والله أعلم.
(١) البخاري (١٥٣٦)، مسلم (١١٨٠).

٢٩٩
الفصل الثامن: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني على البخاري
الحديث الرابع والعشرون: قال الدار قطنيُّ: أخرج البخاري (١٦٢٦) حديثَ أبي
مروان عن هشام بن عُرْوة عن أبيه، عن أم سَلَمة، أن النبيَّ بِّه قال لها: ((إذا صُلِّيَت
الصُّبحُ فطُوفي على بَعِيرك والناسُ يُصَلُّون)) الحديث، وهذا مُنقطع، وقد وَصَلہ حفصُ بن
غِيَاث عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سَلَمة، ووَصَلَه مالكٌ عن أبي الأسود عن عُرْوة
كذلك في ((الموطأ)). قلت: حديث مالكٍ عند البخاري في هذا المكان مقرونٌ بحديث أبي
مروان، وقد وقع في بعض النُّسخ - وهي رواية الأصيليّ في هذا -: عن هشامٍ عن أبيه عن
زينبَ عن أم سلمة موصولاً، وعلى هذا اعتَمَدَ الِّي في ((الأطراف))، ولكن مُعظَم الروايات
على إسقاط زينب، قال أبو عليِّ الجَيَّاني: وهو الصحيحُ، ثم ساقه من طريق أبي علي بن
السَّكَن عن علي بن عبد الله بن مُبشّر عن محمد بن حَرْب شيخ البخاري فيه على الموافقة
وليس فيه زينبُ، وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من حديث عَبْدة بن سليمان ومُحاضِر وحسَّان
بن إبراهيم، كلّهم عن هشام ليس فيه زينب، وهو المحفوظُ من حديث هشام، وإنما اعتمد
البخاريُّ فيه روايةَ مالك التي أثبَتَ فيها ذكرَ زينب، ثم ساق معها روايةَ هشام التي
سَقَطَت منها، حاكياً للخلاف فيه على عُرْوة كعادته، مع أن أسماع عُرْوةَ من أمِّ سلمة ليس
بِمُستبعَدٍ، والله أعلم.
(خ م) الحديث الخامس والعشرون: قال الدار قطنيُّ: وأخرجا (١) حديث ابن جُرَيج عن
الزُّهْري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس عن الفضل في قصة الخَتَعَميَّة، قال: وقال
حَجَّاجْ في هذا الحديث عن ابن جُرَيج: حُدِّثتُ عن الزّهري. قلت: الحديث مُخرَّج عندهما
من رواية مالكٍ وغيره عن الزُّهْري، فليس الاعتمادُ فيه على ابن جُرَيج وحدَه، مع أن
حَجَّاجاً لم يُتَابَع على هذا السِّياق، إلّا أنه حافظٌ، وابن جريج مدلِّس، فتُعتَمدُ رواية حجاج
إلى أن يُوجَدَ من رواية غيره عن ابن جُرَيج مصرِّحاً فيه بالسَّماع من الزُّهْري، فإني لم أرَه من
حديثه إلّا مُعَنعَناً، والله أعلم.
(١) البخاري (١٨٥٣)، ومسلم (١٣٣٥).

٣٠٠
هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري
الحديث السادس والعشرون: قال الدارقطنيُّ: وأخرج البخاريُّ (١٨٩٠) حديث
الليث عن خالد عن سعيد بن أبي هِلالٍ عن زيد بن أسلمَ عن أبيه عن عمر: اللهمَّ ارزُقْني
شهادةً في سبيلك، واجعَلْ موتي في بلدِ رسولك. قال: وقال هشامُ بن سعد: عن زيد بن
أسلمَ عن أبيه عن حَفْصة عن عمر، وقال رَوْحُ بن القاسم: عن زيد بن أسلمَ عن أُمِّه عن
حفصة عن عمر. قلت: الظاهر أنه كان عند زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر وعن أمِّه عن حفصة
عن عمر؛ لأنَّ الليث ورَوْحَ بن القاسم حافظان، وأسلمُ مولى عمر من الملازِمِينَ له العارفين
بحديثه، وفي سياق حديث زيد بن أسلم عن أُمّه عن حفصة زیادٌ علی حدیثه عن أبيه عن
عمر، كما بيَّتُه في كتابي ((تغليق التعليق))، فدَلَّ على أنهما طريقانِ محفوظان، وأما روايةُ هشام بن
سعد فإنها غيرُ محفوظةٍ، لأنه غيرُ ضابطٍ، والله أعلم، وقد رواه مالكٌ عن زيد بن أسلم عن
عمر لم يَذْكُرْ بينَهما أحداً، ومالك كان يَصنَعُ ذلك كثيراً.
من كتاب الصيام
(خ م) الحديث السابع والعشرون: قال الدار قطنيُّ: أخرج مسلم (١١٤٨) حديث الأشجِّ
عن أبي خالدٍ عن الأعمش عن الحَكَم ومسلم البَطِين وسَلَمة بن كُهَيل عن سعيد وعطاء
ومجاهد عن ابن عباس: أن امرأةً زَعَمَتْ أن أختها ماتت وعليها صومٌ ... الحديث، قال:
وقال البخاري (١٩٥٣): ويُذكَرُ عن أبي خالدٍ، فذكره، قال الدارقطني: وخالفه جماعةٌ
منهم شعبةٌ وزائدة وابن نُمَيْرِ وأبو معاوية وجَرِير وغيرُ واحد عن الأعمش عن مسلم عن
سعيد بن جُبَير عن ابن عباس، وبيَّن زائدةٌ في روايته من أين دَخَلَ الوهمُ على أبي خالد،
فقال في آخر الحديث: فقال الحكمُ وسلمةُ بن كُهَيل، وكانا عند مُسلم حين حَدَّثَ بهذا
الحديث: ونحن سمعناه من مجاهدٍ عن ابن عباس. قلت: قد أَوضحتُ هذه الطرق في
كتابي ((تغليق التعليق)) وبَيَّنْتُ أنه لا يَلحَقُ الشيخين في ذِكْرِهما لطريق أبي خالد لومٌ، لأن
البخاري علّقه بصيغة تشير إلى وهْمِه فیه، وأما مسلم فأخرجه مُقتصِراً على إسناده دون سیاق
متنه، لكن للحديث عِلَّةٌ أخرى لم يتعرَّض لها الدارقطنيُّ، وهي اختلافُهم في سياق متنه،
وسنُوضح إن شاء الله تعالى في موضعه إذا يَسَّرَ اللهُ علينا الوصول بمنِّه وقُوَّته.