النص المفهرس
صفحات 1-20
هُلَ كُ الشَرِي لمقُدّمُة فتْح الْبَارِيُ تأليف الِكَامِالْحَافِظِ بِهَابِالِّينِ أُحَ بْ عَلِيِّ بْ حَمِالعَسَّقَدَانِيّ ٧٧٣ - ٨٥٢ هـ أُشرفَ على تحقيق الكتَّابُ ورَاجَعه شُغَيْبُ الأُوُوَطَ عَادكٌ مُّشْد اعتنى بتحقيق هذا الجزء وتصحيحّة كاول مبسترُ عَاتِ غضبٌَ الجزء الأوّكُ - . ٣ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري مح القر الرحمن الرحيم وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم الحمد لله الذي شرح صدورَ أهلِ الإسلام بالسُّنّة، فانقادت لاتّباعها وارتاحت لسماعها، وأمات نُفوسَ أُولي الطغيان بالبدعة بعد أن تَمَادَت في نِزاعها إذ تغالت في ابتداعها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العالِمُ بانقيادِ الأفئدة وامتناعها، المطَّلِعُ على ضمائر القلوب في حالتَي افتراقها واجتماعها، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه، الذي انخفضت بحقه كلمةُ الباطل بعد ارتفاعها واتَّصلت بإرساله أنوارُ الهُدى فظهرت حجتها بعد انقطاعها، صلى الله عليه وسلم ما دامت السماءُ والأرض، هذه في سُمُوِّها، وهذه في اتِّساعها، وعلى آله وصحبه الذين كَسَروا جيوشَ المَرَدة، وفتحوا حُصُون قِلاعها، وهَجَروا في محبة داعيهم إلى الله الأقطار(١) والأوطان، فلم يعاودوها بعد وداعها، وحَفِظوا على أتباعهم أقوالَه وأَفعالَه وأحوالَه، حتى أَمِنَت بهم السنن الشريفة مِن ضَيَاعها. أما بعد: فإن أَوْلى ما صُرِفت فيه نفائِسُ الأيام، وأعلى ما خُصَّ بمزيد الاهتمام الاشتغالُ بالعلوم الشرعية المُتَلَقَّة عن خَيرِ البرية، ولا يرتابُ عاقلٌ في أن مَدارَها على كتابِ الله المُقتَفَى، وسنة نبيه المصطفى، وأن باقي العلوم إما آلاتٌ لفَهْمهما وهي الضالّة المطلوبة، أو أَجنبية عنهما وهي الضارّة المغلوبة. وقد رأيتُ الإمام أبا عبد الله البخاري في ((جامعه الصحیح)) قد تصدَّی للاقتباس مِن أنوارهما البهيّة تقريراً واستنباطاً، وكَرَع مِن مناهلهما الرَّوِيَّة انتزاعاً وانتشاطاً، ورُزِق بحسن نيته السعادةَ فيما جَمَع حتَّى أذعَنَ له المُخالف والموافق، وتلقى كلامه في التصحيح بالتسليم المطاوع والمُفارِق، وقد استخَرتُ اللهَ تعالى أن أضم إليه نُبَذاً شارحةً لفوائدِهِ، مُوضحةً لمقاصدِه، كاشفةً عن مغزاه في تقیید أوابده واقتناص شواردِه، وأُقدِّم بين يدي (١) في (ف) و(س): الأوطار. ٤ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري ذلك كلمة مُقدمةً في تبيين قواعِدِه وتزيين فرائِدِه، جامعةً وَجِيزةً، دون الإسهاب وفَوقَ القُصُور، سهلةَ المأخذ، تَفتَح المُستَغلِقِ وتُذلِّل الصعاب، تشرحُ الصدور، ينحصر القولُ فيها إن شاء الله تعالى في عشرة فصول: الأول: في بيان السبب الباعث له على تصنيف هذا الكتاب. الثاني: في بيان موضوعه والكشف عن مغزاه فيه، والكلام على تحقيق شروطه، وتقرير كونه أصَّ الكتب المصنَّفة في الحديث النبوي، ويلتحق به الكلام على تراجمه البديعة المثال، المنيعةِ المنال التي انفرد بتدقيقه فيها عن نُظَرائه واشتهر بتحقيقه لها عن قُرَنائه. الثالث: في بيان الحكمة في تقطيعه للحديث واختصاره، وفائدةِ إعادتِه للحديث وتكراره. الرابع: في بيان السبب في إيراده للأحاديث المُعلَّقة، والآثار الموقوفة، مع أنها تُباين أصلَ موضوع الكتاب، وألحقتُ فيه سياقَ الأحاديث المرفوعة المعلقة، والإشارة لمن وَصَلها على سبيل الاختصار. الخامس: في ضبط الغريب الواقع في مُتونه مرتِّباً له على حروف المعجم، بأَلْخَصِ عِبارة وأخلَصِ إشارة، لتسهُل مراجعتُه ويَخِفَّ تكراره. السادس: في ضبط الأسماء المُشكلةِ التي فيه، وكذا الكنى والأنساب، وهي على قسمین: الأول: المُؤتَلِفة والمختلفة الواقعة فيه، حيثُ تدخُل تحتَ ضابطٍ كلي لتَسهُل مراجَعتُها ويِخِفَّ تَكرارُها، وما عدا ذلك فيُذكر في الأصل. والثاني: المفردات مِن ذلك. السابع: في التعریف لشيوخه الذین أهَمَل نسبتهم إذا کانت یکثر اشتراكها کمحمد، لا من يقلُّ اشتراكُه كمُسدَّد، وفيه الكلام على جميع ما فيه من مُهمَل ومُبهَم على سياقٍ الكتاب مختصراً. ٥ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري الثامن: في سياقٍ الأحاديث التي انتقدها عليه حافظُ عَصرِه أبو الحسن الدارَقُطني وغيرُه من النقاد، والجواب عنها حديثاً حديثاً، وإيضاح أنه ليس فيها ما يُحِلّ بشرطه الذي حققناه. التاسع: في سياق أسماء جميع مَن طُعِن فيه من رجاله على ترتيب الحروف، والجواب عن ذلك الطعن بطريق الإنصاف والعدل، والاعتذار عن المصنّف في التخريج لبعضهم ممن يَقْوَى جانبُ القدح فيه، إما لكونه تجنَّب ما طُعِن فيه بسببه، وإما لكونه أخرج ما وافَقَه عليه مَن هو أقوى منه، وإما لغير ذلك من الأسباب. العاشر: في سياق فهرست كتابه المذكور باباً باباً، وعِدَّة ما في كل باب من الحديث، ومنه تظهر عِدَّةُ أَحاديثه بالمُكرر، أَوردتُه تبعاً لشيخ الإسلام أبي زكريا النووي رضي الله عنه تَبرُّكاً به، ثم أضفتُ إليه مناسبةَ ذلك مما استفدتُه من شيخ الإسلام أبي حفص عُمر البُلقِيني رضي الله عنه، ثم أردفتُه بسياقِ أسماءِ الصحابة الذين اشتمل عليهم كتابُه مُرتِّباً لهم على الحروف، وعَدّ ما لكلِّ واحدٍ منهم عنده مِن الحديث، ومنه يظهر تحرير ما اشتمل علیه کتابهُ مِن غیر تکریر. ثم ختمتُ هذه المقدمة بترجمةٍ كاشفةٍ عن خصائصه ومَنَاقبه، جامعةٍ لمآثره ومَقَانبه، ليكون ذكره واسطةَ عِقْدِ نِظامِها، وسُرَّةَ مِسْكِ ختامها. فإذا تحرَّرَت هذه الفصول، وتقرَّرت هذه الأصول، افتَتَحتُ شرح الكتاب مستعيناً بالفتاح الوهاب، فَأَسُوق إن شاء الله البابَ وحديثَه أولاً، ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية. ثم أستخرجُ ثانياً ما يتعلق به غَرضٌ صحيحٌ في ذلك الحديث من الفوائد المَتْنَّة والإسنادية مِن تتمات وزيادات، وكشفِ غامضٍ، وتصريح مُدلِّسٍ بسماعٍ، ومُتَابَعَة سامعٍ من شيخ اختلط قبل ذلك، مُنتِرِعاً كل ذلك من أمهات المسانيد والجوامع والمُستَخْرَجات والأجزاء والفوائد بشرط الصِّحة أو الحُسْن فيما أُورِدُه من ذلك. ٦ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري وثالثاً أصِلُ ما انقطعَ مِن مُعلَّقاته وموقوفاته، وهناك تلتئم زوائدُ الفوائد، وتنتظمُ شَوَارِدُ الفرائد. ورابعاً أضبِط ما يُشكِل من جميع ما تقدم أسماءً وأوصافاً، مع إيضاح معاني الألفاظ اللغوية، والتنبيه على النُّكَت البيانية ونحو ذلك. وخامساً أُورد ما استفدتُه من كلام الأئمة مما استنبطوه مِن ذلك الخبر مِن الأحكام الفقهية، والمواعظ الزُّهْدِيّة، والآداب المَرْعِيَّة، مُقتصِراً على الراجح مِن ذلك، مُتحرِّياً للواضح دون المُستَغلِق في تلك المسالك، مع الاعتناء بالجمع بين ما ظاهرُه التعارض مع غيره. والتنصيص على المنسوخ بناسِخِه، والعام بمُخصِّصِه، والمطلَق بمُقيِّده، والمُجمَل بِمُبَيِّنْه، والظاهر بمُؤَوَّله، والإشارة إلى نُكتٍ من القواعد الأصولية، ونُبَذٍ من فوائد العربية، ونُخَبٍ من الخِلافيّات المَذهَبِية بحَسَب ما اتصل بي مِن كلام الأئمة، واتَّسَع له فَهْمي مِن المقاصد المهمة، وأُراعي هذا الأسلوبَ إن شاء الله تعالى في کل باب، فإن تكرَّر المتنُ في باب غير بابٍ تَقدَّم، نَبَّهتُ على حكمةِ التِّكرار مِن غير إعادة له إلا أن يَتَغاير لفظُه أو معناه، فأُنبِّه على الموضع المُغايِرِ خاصَّة، فإن تكرَّر في بابٍ آخر اقتصرتُ فيما بعدَ الأول على المُناسَبة شارحاً لما لم يَتقدَّم له ذِكرٌ مُنِّهاً على الموضع الذي تقدم بَسْطُ القول فيه، فإن كانت الدّلالةُ لا تظهر في الباب المُقدَّم إلا على بُعدٍ، غَيَّرت هذا الاصطلاح بالاقتصار في الأول على المُناسَبة، وفي الثاني على سياقِ الأساليب المُتعاقِية مُراعياً في جميعها مصلحةً الاختصار دون اھذْر والإكثار. واللهَ أسالُ أن يَمُنَّ عليَّ بالعَون على إكماله بگرِمه ومَنِّه، وأن يهدِیني لما اختلف فيه مِن الحق بإذنه، وأن يُحِزِل لي على الاشتغال بآثار نَبِيِّه الثوابَ في الدار الأُخرى، وأن يُسْبِغَ عليَّ وعلى مَن طالَعَه أو قَرأَه أو كَتَبه النِّعمَ الوافِرِة تَثْرَى، إنه سميع مجيب. ٧ الفصل الأول: السبب الباعث على تصنيف الجامع المقدّمة الفصل الأول في بيان السبب الباعث لأبي عبد الله البخاري على تصنيفٍ ((جامعِه)» وبيان حُسْنِ نِيَّتِه في ذلك اعلم - عَلَّمني اللهُ وإياك - أنَّ آثارَ النبي ◌َّ لم تكن في عصرِ أَصحابه وكبارٍ تَبَعِهم مُدوَّنةً في الجوامع ولا مُرتَبة، لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك، كما ثبت في ((صحيح)) مسلم(١) خشية أن يختلط ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَة حِفظهم وسَيَلان أذهانهم، ولأنَّ أكثَرَهم كانوا لا يَعرِفون الكتابة. ثم حَدَث في أواخر عصرَ التابعين تدوينُ الآثار، وتبويبُ الأخبار، لَمَّا انتشر العلماء في الأمصار، وكَثُر الابتداع مِن الخوارج والرَّوَافِض ومنكري الأقدار، فأول مَن جمع في ذلك الرَّبِيعُ بن صَبيحَ وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، وكانوا يُصَنَّفون كلَّ بابٍ على حِدَة إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمامُ مالك ((الموطأ))، وتوخَّى فيه القوي مِن حديث أهلِ الحِجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابةِ، وفتاوى التابعين ومن بعدهم، وصَنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيج بمكة، وأبوعمرو عبد الرحمن بن عَمرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سُفيان بن سعيد الثوري بالكوفة، وأبو سَلَمة حماد ابن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ مِن أهل عَصرِهم في النَّسْجِ على مِنْوالِهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة مِنهم أن يُفرد حديثَ النبي ◌َّ خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عبيد الله بن موسى العَبْسي (١) برقم (٢٤٩٣) من حديث أبي سعيد الخدري: أنَّ رسول الله وَ ل﴾ قال: ((لا تكتُبُوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحُه)). ٨ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري الكوفي مُسنداً، وصنَّفَ مُسدَّد بن مُسَرْهَد البصري مُسنداً، وصنَّف أَسد بن موسى الأُمَوي مُسنداً، وصنَّف نُعيم بن حَمّاد الخزاعي نزيلُ مِصر مُسنداً. ثم اقتفى الأئمةُ بعد ذلك أَثرهم، فقَلَّ إمامٌ مِن الحفاظ إلا وصَنَّف حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعُثْمان بن أبي شيبة وغيرهم مِن النُّبلاء، ومنهم مَن صَنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معاً كأبي بكر بن أبي شيبة. فلما رأى البخاري رضي الله عنه هذه التصانيف ورواها، وانْتَشَقَ رَيَّاها، واستَجْلى مُحَيَّاها، وجَدَها بحَسْب الوضع جامعةً بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يَشملُه التضعيف، فلا يُقال لغَثِّه: سمين، فحرَّك هِمَّته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يَرْتاب فيه أَمين، وقَوَّى عَزْمَه على ذلك ما سَمِعه مِن أُستاذه أمير المؤمنين في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه. وذلك فيما أخبرنا أبو العباس أحمد بن عُمر اللؤلؤي، عن الحافظ أبي الحَجّاجِ المِزّي، أخبرنا يوسف بن يعقوب، أَخبرنا أبو اليُمْن الكِنْدي، أخبرنا أبو منصور القَزّاز، أخبرنا الحافظ أبو بكر الخطيب، أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن نُعيم، سمعت خَلَف بن محمد البخاري بها يقول: سمعت إبراهيم بن مَعقِل النَّسَفي يقول: قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنةِ النبي ◌َّ. قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع ((الجامع الصحيح)). ورُوينا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارسٍ قال: سمعتُ البخاري يقول: رأيتُ النبيِّه وكأنني واقفٌ بين يديه، وبيدي مِرْوَحَة، أَذُبُّ بها عنه، فسألت بعضَ المعَبِّرين، فقال لي: أنت تَذُبُّ عنه الكذب. فهو الذي حملني على إخراج ((الجامع الصحيح)). وقال الحافظ أبو ذر الهَرَوي: سمعت أبا الهيثم محمد بن مكي الكُشْمِيهَني يقول: سمعتُ محمد بن يوسف الفِرَبري يقول: قال البخاري: ما كتبتُ في كتاب ((الصحيح)) حديثاً إلّا اغتسلت قبل ذلك وصلیتُ ركعتين. ٩ الفصل الأول: السبب الباعث على تصنيف الجامع وقال أبو علي الغَسّاني: روي عنه أنه قال: خرَّجت ((الصحيح)) مِن ست مئة ألف حدیث. وروى الإسماعيلي عنه قال: لم أخرِّج في هذا الكتاب إلا صحيحاً، وما تركت من الصحيح أكثر. قال الإسماعيلي: لأنه لو أخرج كلَّ صحيح عنده لجمع في الباب الواحد حديثَ جماعةٍ مِن الصحابة، ولذكرَ طريق كل واحدٍ منهم إذا صَحَّت فيصير كتاباً كبيراً جداً. وقال أبو أحمد بن عَدي: سمعت الحسن بن الحسين البزاز يقول: سمعت إبراهيم بن مَعِقِل النَّسَفي يقول: سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتابي ((الجامع)) إلا ما صح، وترکت من الصحیح حتی لا يطول. وقال الفِرَبري أيضاً: سمعت محمد بن أبي حاتم البخاريَّ الوَرّاق يقول: رأيت محمد ابن إسماعيل البخاري في المنام يمشي خلفَ النبي ◌َِّ، والنبي ◌َّل يمشي، فكلما رفع النبي ◌َّ قَدَمِه وَضَعَ البخاريُّ قَدَمه في ذلك الموضع. وقال الحافظ أبو أحمد بن عدي: سمعت الفِرَبري يقول: سمعت نجمَ بن فُضَيل - وكان من أهل الفَهم - يقول ... فذكر نحو هذا المنام أنه رآه أيضاً. وقال أبو جعفر محمد بن عَمرو العُقَيلي: لما أَلَّفَ البخاري كتاب ((الصحيح)) عرضه على أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهم، فاستحسنوه وشَهِدوا له بالصِّحَّة إلّا في أربعةِ أحاديث، قال العُقَيلي: والقول فيها قولُ البخاري، وهي صحيحة. ١١ الفصل الثاني: بيان موضوعه والكشف عن مغزاه فيه الفصل الثاني في بیان موضوعه والکشف عن مَغْزاه فیه تَقرَّر أنه التزم فيه الصحّة، وأنه لا یورد فيه إلّا حديثاً صحيحاً، هذا أصل موضوعه، وهو مُستفادٌ مِن تسميته إياه ((الجامع الصحيح المسند مِن حديث رسول الله وَّله وسُنَتِهِ وأيامه))، ومما نقلناه عنه من رواية الأئمة عنه صريحاً، ثم رأى أن لا يُخْلِيه مِن الفوائد الفقهية، والنكت الحُكمِيَّة، فاستخرج بفَهمِه من المتُون معاني كثيرة فرَّقها في أبواب الكتاب بحَسْب تناسُبِها، واعتنى فيه بآيات الأحكام، وانتزع منها الدَّلالات البديعة، وسَلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة. قال الشيخ محيي الدين نفع الله به: ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط، بل مُراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أَرادَها، ولهذا المعنى أَخْلى كثيراً من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: ((فيه فلان عن النبي وَّ)) أو نحو ذلك، وقد يَذكُر المَتنُ بغير إسناده، وقد يورِدهُ مُعلَّقاً، وإنما يفعل هذا لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي تَرجَم لها وأشار إلى الحديث لكونه معلوماً، وقد يكون مما تقدم، وربما تقدم قريباً، ويقع في كثير مِن أبوابه الأحاديث الكثيرة، وفي بعضها ما فيه حديث واحد، وفي بعضها ما فيه آية مِن كتاب الله، وبعضُها لا شيء فيه البتة، وقد ادعى قومٌ أنه صنع ذلك عمداً، وغَرَضُه أن يُبيِّن أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه في المعنى الذي تَرجَم عليه. ومِن ثَمَّ وقع في بعضٍ من نُسَخ الكتاب ضَمُّ بابٍ لم يُذكر فيه حديث إلى حديثٍ لم يُذكر فيه باب، فأشكل فهمُّه على الناظرِ فيه، وقد أوضح السبب في ذلك الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في مقدمة كتابه في ((أسماء رجال البخاري))، فقال: أخبرني الحافظ أبو ذَرِّ عبدُ بن أحمد الفَرَوي، قال: حدثنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المُستَمْلِي، قال: انتسخت كتابَ البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفِربري، ١٢ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري فرأيتُ فيه أشياءَ لم تتمَّ، وأشياءَ مُبيَّضة، منها تراجم لم يُثبِت بعدها شيئاً، ومنها أحاديث لم يُترجم لها، فأضفنا بعضَ ذلك إلى بعض. قال أبو الوليد الباجي: ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق المُستَمْلي ورواية أبي محمد السَّرَخْسي، ورواية أبي الهيثم الكُشْمِيهَني، ورواية أبي زيد المروزي مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا مِن أصلٍ واحد، وإنما ذلك بحسب ما قَدَّرَ كلُّ واحد منهم فيما كان في طُرَّةٍ أو رُقعةٍ مُضافة أنه من موضعٍ ما، فأضافه إليه، ويُبيِّن ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر مِن ذلك متصلة ليس بينها أحاديث. قال الباجي: وإنما أوردتُ هذا هنا لما عُنيَ به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها وتكلفهم في ذلك مِن تعسُّفِ التأويل ما لا يسوغ. انتهى. قلت: وهذه قاعدة حَسَنة يُفزَعُ إليها حيث يتعسر وجهُ الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جداً، ستظهر کما سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. ثم ظهر لي أن البخاري مع ذلك فيما يورده من تراجم الأبواب على أطوارٍ: إن وَجَدَ حديثاً يناسب ذلك الباب ولو على وجهٍ خفي ووافق شَرْطَه أورده فيه بالصيغة التي جعلها مصطلحةً لموضوع كتابه، وهي ((حدثنا)) وما قام مقام ذلك، والعنعنة بشرطها عنده. وإن لم يجد فيه إلا حديثاً لا يوافق شَرطَه مع صلاحيته للحُجَّة كَتَبَه في الباب مُغايراً للصيغة التي يسوق بها ما هو مِن شرطه. ومن ثَمَّ أورد التعاليقَ كما سيأتي في ((فصل حكم التعلیق)). وإن لم يجد فيه حديثاً صحيحاً لا على شرطه، ولا على شرط غيره، وكان مما يُستأنس به، ويُقدِّمُه قومٌ على القياس، استعملَ لفظ ذلك الحديث أو معناه ترجمةً بابٍ، ثم أورد في ذلك إما آيةً مِن كتاب الله تشهدُ له، أو حديثاً يؤيِّد عمومَ ما دَلَّ عليه ذلك الخبر. وعلى هذا فالأحاديث التي فيه على ثلاثة أقسام، وسيأتي تفاصيلُ ذلك مشروحاً إن ١٣ الفصل الثاني: بيان موضوعه والكشف عن مغزاه فيه شاء الله تعالى. ولنَشْرع الآن في تحقيق شرطه فيه، وتقرير كونه أصحَّ الكتب المصنَّفة في الحديث النبوي: قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر فيما قرأت على الثقة أبي الفَرَج بن حَمّاد: أن يونس بن إبراهيم بن عبد القوي أخبره، عن أبي الحسن بن المُقَيَّر، عن أبي المُعمَّر المبارك بن أحمد، عنه: شرط البخاري أن يُخُرِّج الحديث المتَّفَق على ثقة نَقَلَتِه إلى الصحابي المشهور، مِن غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ویکون إسناده متصلاً غير مقطوع، وإن کان للصحابي راويان فصاعداً فحَسَن، وإن لم يكن إلّا راوٍ واحدٌ وصَحَّ الطريق إليه كفى. قال: وما ادعاه الحاكم أبو عبد الله أنَّ شرط البخاري ومسلم أن يكون للصحابي راويان فصاعداً، ثم يكون للتابعي المشهور راويان ثقتان، إلى آخر كلامه، فمُنتقَضٌّ عليه بأنهما أخرجا أحاديث جماعةٍ مِن الصحابة ليس لهم إلا راوٍ واحد، انتهى. والشرط الذي ذكره الحاكم وإن كان مُنتقَضاً في حق بعض الصحابة الذين أَخرَج لهم، فإنه مُعتبَر في حق مَن بَعدهم، فليس في الكتاب حدیثٌ أصلٌ مِن روایةِ مَن ليس له إلا راوٍ واحدٌ قط. وقال الحافظ أبو بكر الحازمي رحمه الله: هذا الذي قاله الحاكم قولُ مَن لم يُمعِن الغَوصَ في خبايا ((الصحيح))، ولو استقرأ الكتاب حقَّ استقرائِه، لوجد جملةً مِن الكتاب ناقِضَةً دعواه. ثم قال ما حاصله: إن شرط الصحيح أن يكون إسنادُه متصلاً، وأن يكون راويه مُسلِماً صادقاً غير مُدلِّس ولا مُختلِط، متصفاً بصفات العدالة، ضابطاً مُتَحَفِّظاً، سليمَ الذهن قلیل الوَهْم، سلیم الاعتقاد. قال: ومذهب مَن يُرِّج الصحيح أن يَعتبِ حالَ الراوي العدل في مشايخه العدول، فبعضُهم حدیثُه صحیح ثابت، وبعضُهم حديثه مدخول. قال: وهذا باب فيه غُموض، وطريقُ إيضاحه معرفةُ طبقات الرواة عن راوي الأصل ١٤ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري ومراتبٍ مَدَارِكهم، فلنوضح ذلك بمثال، وهو: أن يُعلم أن أصحابَ الزهري مثلاً على خمسٍ طَبَقات، ولكل طبقة منها مَزِيَّة على التي تليها، فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة وهو مَقصِد البُخَاري، والطبقة الثانية شاركت الأولى في التثُّت إلا أن الأُولى جمعت بين الحِفظ والإتقان، وبين طولِ الملازمة للزهري، حتّى كان فيهم مَن يُزَامله في السفر ويلازِمه في الحَضَر، والطبقة الثانية لم تلازِمِ الزُّهري إلا مُدّةً يسيرة، فلم تمارِس حديثَه، فكانوا في الإتقان دون الأولى، وهم شَرطُ مسلم. ثم مَثَّلَ الطبقة الأولى بيونس بن يزيد وعُقَيل بن خالد الأَيْلِيَّينِ، ومالك بن أنسٍ، وسفيان بن عُيَينة، وشُعيب بن أبي حمزة. والثانية: بالأوزاعي، والليث بن سعد، وعبد الرحمن بن خالد بن مُسافر، وابن أبي ذئب. قال: والطبقة الثالثة نحو جعفر بن بُرْقان، وسفيان بن حُسَين، وإسحاق بن يحيى الكلبي. والرابعة: نحو زَمْعة بن صالح، ومعاوية بن يحيى الصَّدَفي، والمثنى بن الصبَّاح. والخامسة: نحو عبد القُدُّوس بن حَبيب، والحكم بن عبد الله الأيلي، ومحمد بن سعيد المصْلوب. فأما الطبقة الأولى فهم شرط البخاري، وقد يُخُرِّج مِن حديث أهلِ الطبقة الثانية ما يعتمده مِن غير استيعاب، وأما مسلم فيخرج أحاديث الطبقتين على سبيل الاستيعاب، ويُخرَّج أحاديثَ أهل الطبقة الثالثة على النحو الذي يصنعه البخاري في الثانية، وأما الرابعة والخامسة فلا يُعرِّجان علیھما. قلت: وأكثر ما يُخُرِّج البخاري حديثَ الطبقة الثانية تعليقاً، وربما أخرج اليسيرَ مِن حديث الطبقة الثالثة تعليقاً أيضاً، وهذا المثال الذي ذكرناه هو في حق المُكثِرِین، فيُقاس على هذا أصحابُ نافع وأصحابُ الأعمش وأصحاب قَتَادة وغيرهم، فأما غير المكثرين ١٥ الفصل الثاني: بيان موضوعه والكشف عن مغزاه فيه فإنها اعتمد الشيخان في تخريج أحاديثهم على الثِّقةِ والعَدَالة وقلّة الخطأ، لكن منهم مَن قَويَ الاعتمادُ عليه، فأخرجا ما تفرد به كيحيى بن سعيد الأنصاري، ومِنهم مَن لم يَقْوَ الاعتمادُ علیه، فأخر جا له ما شاركه فيه غیرُه، وهو الأكثر. وقال الإمام أبو عمرو بن الصَّلاح في كتابه في علوم الحديث فيما أخبرنا أبو الحَسَن بن الجَوْزي، عن محمد بن يوسف الشافعي عنه سماعاً عليه، قال: أولُ مَن صنَّف في الصحيح البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، وتلاه أبو الحسين مُسلِمٍ بن الحجَّاجِ القُشَيري، ومسلم مع أنه أخَذَ عن البخاري واستفاد منه، فإنه يُشارك البخاري في كثيرٍ من شيوخِه، و کتاباهما أصحُ الكتب بعد كتاب الله العزيز. وأما ما رُوِّيناه عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: ما أعلم في الأرض كتاباً في العلم أكثرَ صواباً من كتاب مالك. قال: ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ، يعني بلفظ: أصح مِن ((الموطأ))، فإنما قال ذلك قبل وجود كتابي البخاري ومسلم، ثم إن كتاب البخاري أصحُ الکتابین صحيحاً وأكثرُهما فوائد. وأما ما رُوِّيناه عن أبي علي الحافظ النيسابوري أستاذ الحاكم أبي عبد الله الحافظ من أنه قال: ما تحت أديم السماء كتابٌ أصحُّ مِن كتاب مُسلِمٍ بن الحَجَّاج، فهذا وقولُ مَن فَضَّلَ مِن شيوخ المغرب كتابَ مُسلِمٍ على كتاب البخاري إن كان المراد به أنَّ كتاب مسلم يترجَّح بأنه لم يُمازِجه غير الصحيح، فإنه ليس فيه بعد خُطبته إلا الحديث الصحيح مَسروداً، غير ممزوج بمثلٍ ما في كتاب البخاري في تراجم أبوابه مِن الأشياء التي لم يُسنِدِها على الوصف المشروط في الصحيح، فهذا لا بأس به. وليس يلزم منه أن كتابَ مُسلِمٍ أرجح فيما يَرجِع إلى نَفسِ الصحيح على كتاب البخاري. وإن كان المراد به أن كتاب مسلم أصح صحيحاً فهذا مردود على مَن يقوله، والله أعلم. انتھی کلامه. وفيه أشياء تحتاج إلى أدلة وبيان فقد استشكل بعضُ الأئمة إطلاقَ أَصَحِّيَّة كتاب ١٦ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري البخاري على كتاب مالك مع اشتراكهما في اشتراط الصحة والمبالغة في التحري والتثُّت، وكون البخاري أكثرَ حديثاً لا يلزم منه أفضلية الصحّة. والجواب عن ذلك أن ذلك محمولٌ على أصلِ اشتراط الصحة، فمالك لا يَرَى الانقطاع في الإسناد قادِحاً، فلذلك يُخْرِّج المراسيل والمنقَطِعات والبلاغات في أصلِ موضوع كتابه، والبخاري يَرَى أن الانقطاع عِلةٌ فلا يُخْرِّج ما هذا سبيله إلا في غير أصلٍ موضوعٍ كتابه كالتعليقات والتراجم، ولا شك أن المُنقَطِع وإن كان عند قومٍ مِن قبيل ما يُحتجّ به، فالمتصل أقوى منه إذا اشترك كلٌّ مِن رُواتهما في العدالة والحفظ، فبان بذلك شُفُوف كتاب البخاري، وعُلِم أن الشافعي إنما أطلق على ((الموطأ)) أفضلية الصحة بالنسبة إلى الجوامع الموجودة في زَمَنه، كَـ((جامِع سفيان الثوري))، و((مصنف)) حماد بن سلمة، وغير ذلك، وهو تفضيلٌ مُسَلَّم لا نِزاع فيه. واقتضى كلامُ ابن الصلاح أن العلماء متفقون على القولِ بأفضلية البخاري في الصحة على كتاب مُسلِمٍ إلا ما حكاه عن أبي علي النيسابوري من قوله المتقدم، وعن بعض شيوخ المغاربة أن كتاب مسلم أفضلُ مِن كتاب البخاري من غير تعرُّض للصحة. فنقول: روينا بالسند الصحيح عن أبي عبد الرحمن النسائي - وهو شيخ أبي علي النيسابوري - أنه قال: ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل. والنسائي لا يعني بالجَوْدة إلا جَوْدة الأسانيد كما هو المتبادِر إلى الفهم مِن اصطلاح أهل الحديث، ومثل هذا من مثل النسائي غاية في الوصف مع شِدَّة تَحرِّيه وتَوقِّيه وتَثبُتِه في نقدٍ الرجال، وتقدُّمِه في ذلك على أهل عصره، حتى قدَّمه قوم مِن الحُذَّاق في معرفة ذلك على مسلم بن الحجّاج، وقَدَّمه الدار قطني في ذلك وغيرِه على إمام الأئمة أبي بكر بن خُزيمة صاحب ((الصحیح)). وقال الإسماعيلي في ((المدخل)) له: أما بعد، فإني نظرت في كتاب ((الجامع)) الذي ألفه أبو عبدِ الله البخاري، فرأيتُهُ جامعاً - كما سُمِّي - لكثيرٍ من السنن الصحيحة، ودالاً على ◌ُلِ من المعاني الحَسَنة المستَنْبَطَة التي لا يكمل لمثلها إلّا مَن جَمَع إلى معرفة الحديث ونَقَلَتِهِ ١٧ الفصل الثاني: بيان موضوعه والكشف عن مغزاه فيه والعِلم بالروايات وعِلَلها عِلماً بالفقه واللغة، وتمكُّناً منها كلها، وتبخُّراً فيها، وكان يرحمه الله الرجلَ الذي قَصَرَ زمانَه على ذلك، فبرع وبَلَغ الغايةَ، فحاز السَّبْقَ، وجمع إلى ذلك حسن النية والقصد إلى الخير، فنَفَعَه الله ونَفَع به. قال: وقد نَحَا نحوَه في التصنيف جماعةٌ: منهم الحسن بن علي الحُلْواني لكنه اقتصر على اليسير(١). ومنهم أبو داود السِّجِسْتاني وكان في عصر أبي عبد الله البُخارِي فسَلَكَ فیما سماه ((سُنَنَاً)) ذِكْرَ ما روي في الشيء وإن كان في السند ضعف إذا لم يجد في الباب غيره. ومنهم مسلم بن الحَجَّاج، وكان يُقاربه في العصر، فرام مَرَامه، وكان يأخذ عنه أو عن كُتُبُه، إلا أنه لم يُضايق نفسه مُضايَقَة أبي عبد الله، وروى عن جماعةٍ كثيرةٍ لم يَتعرَّض أبو عبد الله للرِّواية عنهم. وكلِّ قَصَدَ الخيرَ، غير أن أحداً منهم لم يبلغ مِن التشدُّد مَبلَغَ أبي عبد الله، ولا تَسبَّبَ إلى استنباط المعاني واستخراج لطائفٍ فِقْه الحديث وتراجم الأبواب الدالّة على ما له وَصْلةٌ بالحديث المروي فيه تَسْبُّبَه، ولله الفضلُ يختصُّ به مَن يشاء. وقال الحاكم أبو أحمد النيسابوري وهو عَضْريُّ أبي علي النيسابوري، ومُقدَّم عليه في معرفة الرجال فيما حكاه أبو يعلى الخليلي الحافظ في ((الإرشاد)) ما ملخّصه: رحم الله محمد ابن إسماعيل فإنه ألف الأصول - يعني أصول الأحكام - من الأحاديث، وبيَّن للناس، وكلُّ من عمل بعده فإنما أخَذَه مِن كتابه، كمسلم بن الحجاج. وقال الدار قطني لما ذُكر عنده الصحيحان: لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء. وقال مرة أخرى: وأي شيءٍ وصنع مُسلِمٍ؟! إنما أخذ كتابَ البخاري فعَمِل عليه مُستخرجاً، وزاد فيه زيادات. وهذا الذي حكيناه عن الدار قطني جَزَم به أبو العباس القُرطُبي في أول كتاب ((المفهم في شرح صحيح مسلم)). والكلام في نقل كلام الأئمة في تفضيله كثير، ويكفي منه اتفاقُهم على أنه كان أعلم بهذا الفن مِن مسلم، وأنَّ مسلماً كان يشهد له بالتقدم في ذلك والإمامة فيه والتفرد بمعرفة (١) في الأصول الخطية: على اليسير، وفي (س) وحدها: على السنن. ١٨ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري ذلك في عصره، حتى هَجَرَ مِن أجله شيخَه محمد بن يحيى الذَّهْلي في قصةٍ مشهورة سنذكرها مبسوطة إن شاء الله تعالى في ترجمة البخاري، فهذا مِن حيث الجملة، وأما من حيث التفصيل فقد قررنا أن مدار الحديث الصحيح على الاتصال وإتقان الرجال وعَدَم العِلل، وعند التأمل يظهر أن كتاب البخاري أتقَنُ رجالاً وأشدُّ اتصالاً، وبيانُ ذلك مِن أوجه: أحدها: أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربع مئة وبضعة وثلاثون رجلاً: المتكلم فيه بالضعف منهم ثمانون رجلاً، والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري ست مئة وعشرون رجلاً، المتكلم فيه بالضعف منهم مئة وستون رجلاً، ولا شك أن التخريج عمن لم يتكلم فيه أصلاً أولی مِن التخريج عمن تكلم فيه، وإن لم یکن ذلك الكلام قادحاً. ثانيها: أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تکلم فیہ لم يُكثِر من تخريج أحاديثهم، وليس لواحدٍ منهم نسخة كبيرة أخرجها كلَّها أو أكثرها إلّا ترجمة عكرمة عن ابن عباس، بخلاف مسلم، فإنه أخرج أكثر تلك النسخ: كأبي الزبير عن جابر، وسُهَيل عن أبيه، والعلاء بن عبدالرحمن عن أبيه، وحماد بن سلمة عن ثابت وغير ذلك. ثالثها: أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تُكُلِّم فيه أكثرهم مِن شيوخه الذين لَقِيَهم وجالَسَهم وعَرَف أحوالهم واطّلع على أحاديثهم ومَيَّز جيدها مِن موهومها، بخلاف مسلم فإن أكثر مَن تفَرَّد بتخريج حديثه ممن تُكُلِّم فيه ممن تقدم عن عَصرِهِ مِن التابعين ومَن بَعدَهم، ولا شك أن المحدِّث أَعرفُ بحديث شيوخه ممن تقدم منهم. رابعها: أن البخاري يُرِّج من أحاديث أهل الطبقة الثانية انتقاءً، ومسلم يُرِّجها أُصولاً كما تقدم ذلك مِن تقرير الحافظ أبي بكر الحازمي. فهذه الأوجه الأربعة تتعلق بإتقان الرواة. وبقي ما يتعلق بالاتصال، وهو الوجه الخامس، وذلك أن مسلماً كان مَذهبُه على ما ١٩ الفصل الثاني: بيان موضوعه والكشف عن مغزاه فيه صَرَّح به في مقدمة ((صحيحه)) وبالغ في الرد على مَن خالفه أن الإسناد المُعَنْعَن له حكم الاتصال إذا تعاصَرَ المُعنْعِن ومَن عَنَعَن عنه، وإن لم يثبت اجتماعُهما، إلا إن كان المُعنْعِن مُدلِّساً، والبخاري لا يحمل ذلك على الاتصال حتى يَثْبُتَ اجتماعُهما ولو مرة، وقد أظهرَ البخاري هذا المذهب في «تاريخه)) وجرى عليه في ((صحیحه)) وأكثر منه، حتى إنه ربما خَرَّج الحديث الذي لا تعلق له بالباب جُملةً إلا ليُبيِّن سماع راوٍ من شيخه، لكونه قد أخرج له قبل ذلك شيئاً مُعنعَناً، وسترى ذلك واضحاً في أماكنه إن شاء الله تعالى، وهذا مما يُرَجَّح به كتابُه، لأنا وإن سَلَّمنا ما ذكره مسلم مِن الحكم بالاتصال، فلا يخفى أن شرطَ البخاري أوضحُ في الاتصال، والله أعلم. وأما ما يتعلق بعدم العلة وهو الوجه السادس، فإن الأحاديث التي انتقدٍت عليهما بلغت مئتي حدیث وعشرة أحادیث، کما سيأتي ذِكرُ ذلك مُفصّلاً في فصلِ مُفرد، اختص البخاري منها بأقلَّ مِن ثمانين، وباقي ذلك يختص بمسلم، ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كَثُر، والله أعلم. وأما قول أبي علي النيسابوري فلم نَقِفْ قط على تصريحِه بأن كتاب مسلم أصحُ مِن كتاب البخاري، بخلاف ما يقتضيه إطلاقُ الشيخ محبي الدين في ((مختصره)) في علوم الحديث وفي مقدمة ((شرح البخاري))، حيث يقول: اتَّفَق الجُمهور على أن ((صحيح البخاري)) أصحهما صحيحاً وأكثرهما فوائد، وقال أبو علي النيسابوري وبعض علماء المغرب: ((صحيح مسلم)) أصح، انتھی. ومقتضى كلام أبي علي نفي الأصحِّيَّة عن غير كتاب مُسلِمٍ عليه، أما إثباتُها له فلا، لأنَّ إطلاقه يحتمل أن يريد ذلك، ويحتمل أن يريد المساواة، والله أعلم. والذي يظهر لي من كلام أبي علي أنه قدم ((صحيح مسلم)) لمعنى غير ما يَرجع إلى ما نحن بصَدَدِهِ مِن الشرائط المطلوبة في الصحة، بل ذلك لأن مسلماً صنف كتابَه في بلده بُحضور أُصُوله في حياةٍ كثيرٍ مِن مشايخه، وكان يَتحرَّز في الألفاظ ويَتحرَّى في السِّياق، ٢٠ هُدَى الساري لمقدّمة فتح الباري ولا يتصدَّى لما تَصدَّى له البخاري من استنباط الأحكام ليُبُوِّب عليها، ولزم من ذلك تقطيعه للحديث في أبوابه، بل جَمَع مسلمٌ الطرق كلها في مكانٍ واحدٍ، واقتصر على الأحاديث دون الموقوفات، فلم يُعرِّج عليها إلا في بعض المواضع على سبيل النُّدُور تبعاً لا مقصوداً، فلهذا قال أبو علي ما قال، مع أني رأيت بعضَ أئمتنا يُجَوِّز أن يكون أبو علي ما رأى «صحيح البخاري))، وعندي في ذلك بُعد، والأقرب ما ذکرته، وأبوعلي لو صرح بما نُسِب إليه لكان محجوجاً بما قدمناه مُجملاً ومُفصَّلاً، والله الموفِّق. وأما بعضُ شيوخ المغاربة فلا يُحفظ عن أحدٍ منهم تقييد الأفضلية بالأصحِيَّة، بل أطلقَ بعضُهم الأفضَلِيَّة، وذلك فيما حكاه القاضي أبو الفضل عياض في ((الإلماع)) عن أبي مروان الطَّبْني - بضم الطاء المهملة ثم إسكان الباء الموحدة بعدها نون - قال: كان بعضُ شیوخي یفضِّل «صحيح مسلم» على «صحيح البخاري))، انتهى. وقد وجدت تفسير هذا التفضيل عن بعض المغاربة، فقرأت في ((فهرست)) أبي محمد القاسم ابن القاسم التُّجيبي قال: كان أبو محمد بن حزم يفضل كتاب مسلم على كتاب البخاري، لأنه لیس فیه بعد خطبته إلا الحدیث السرد، انتھی. وعندي أن ابن حزم هذا هو شيخ أبي مروان الطَّبْني الذي أبهمه القاضي عياض، ويجوز أن يكون غيره، ومَحْمَل تفضيلهما واحد، ومن ذلك قول مَسْلَمة بن قاسم القُرطُبي - وهو مِن أقران الدارقطني - لما ذَكَر في ((تاريخه)) ((صحيح مسلم)) قال: لم يضع أحد مِثلَه، فهذا محمول على حُسن الوضع وجَوْدة الترتيب. وقد رأيتُ كثيراً مِن المغاربة ممن صنف في الأحكام بحذف الأسانيد، كعبدِ الحق في ((أحكامه)) و((جَمعه)» يعتمدون على كتاب مسلم في نقل المتُون وسياقها دون البخاري، لوجودها عند مسلم تامةً وتقطيع البخاري لها. فهذه جِهَة أُخرى مِن التفضيل لا ترجع إلى ما يتعلق بنفس التصحيح، والله أعلم. وإذا تقرر ذلك فلنُقابِل هذا التفضيلَ بجهة أخرى مِن وجوه التفضيل غير ما يرجع إلى