النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
باب ٢٩ / ح ٢٧٧٣
كتاب الوصايا
إلَّا الضَّيف هم المذكورون في آية الزكاة(١)، وقد تقدَّم بيانهم في كتاب الزكاة(٢).
وقوله: ((ولِذي القُربى)) يحتمل أن يكون في مَن ذُكِرَ في الخمس كما سيأتي بيانهم،
ويحتمل أن يكون المراد بهم قُرْبى الواقِف، وبهذا الثاني جَزَم القُرطُبي، والضَّيف معروف:
وهو مَن نزلَ بقومٍ يريد القِرى، وقد تقدَّم القول فيه في الهِبَة(٣).
قوله: ((أن يأكُل منها بالمعروفِ)) تقدَّم البحث فيه قبل أبواب (٢٧٦٤)، قال القُرطُبي:
جَرَت العادة بأنَّ العامل يأكُل من ثَمَرة الوَقْف، حتَّى لو اشتَرَطَ الواقف أنَّ العامل لا
يأكُل منه، يُستَقْبَح ذلك منه، والمراد بالمعروفِ القَدْر الذي جَرَت به العادة، وقيل: القَدْر
الذي يَدِفَع به الشَّهوَة، وقيل: المراد أن يأخذ منه بقَدْرٍ عمله، والأول أوْلى.
قوله: ((أو يُطْعِم)) في رواية صَخر: ((أو يُؤْكِل)) بإسكان الواو، وهي بمعنى يُطعِم.
قوله: ((غير مُتَمَوِّل فيه)) وفي رواية الأنصاري الماضية في آخر الشُّروط (٢٧٣٧): ((غير
مُتَمَوِّل به))، والمعنى غير مُتَّخِذ منها مالاً، أي: مِلكاً، والمراد أنَّه لا يَتَمَلَّك شيئاً من رِقابها،
و ((مالاً) منصوب على التَّمييز، وزاد الأنصاري وسُلَيم: «قال: فحدَّثتُ به ابن سيرينَ
فقال: غير مُتَأَثِّل مالاً)) والقائل ((فحدَّثت به)) هو ابن عَوْن راويهِ عن نافع، بَيَّنَ ذلك
الدّارَقُطني من طريق أبي أسامة، عن ابن عَوْن قال: ذكرت حديث نافع لابن سيرينَ
فَذَكره، زاد سُلَيم: قال ابن عَوْن: وأنبَني مَن قَرأ هذا الكتاب أنَّ فيه: ((غير مُتأثّل مالاً))،
وفي رواية التِّرمِذي (١٣٧٥) من طريق ابن عُليَّة عن ابن عَوْن: ((حدَّثني رجل أنَّه قَرأها
في قِطعة أَديم أَحمر. قال ابن عُليَّة: وأنا قَرأتها عند ابن عُبيد الله بن عمر كذلك)). وقد
أخرج أبو داود (٢٨٧٩) صِفة كتاب وَقْف عمر من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري قال:
نَسَخَها لي عبد الله بن عبد الحميد بن عبد الله بن عمر، فذكره وفيه: غیر مُتأثّل.
(١) وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِى الْرِقَابِ
وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللّهُ عَلِيةٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
(٢) قبل الحديث (٢٣٣٤).
(٣) لم نقف عليه في الموضع المذكور، وانظر المظالم (٢٤٦١)، والأدب (٦١٣٧).

٥٨٢
باب ٢٩ / ح ٢٧٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
٤٠٢/٥
والمُتأثِّل، بمُثنَّةٍ ثمَّ مُثَلَّثة مُشدَّدة بينهما همزة: هو المُتَّخِذ، والتَّأْثُّل: اتّخاذ أصل/ المال
حتَّى كأنَّه عنده قديم، وأَثْلة كلّ شيءٍ: أصلُه، قال الشّاعر:
وقد يُدرِكُ المجدَ المؤَثَّل أمثالي(١)
واشتراط نَفْي التَّأَثُّل يُقوِّي ما ذهب إليه مَن قال: المراد من قوله: ((يأكُل بالمعروفِ»
حَقيقة الأكل، لا الأَخذ من مال الوَقْف بقَدْرِ العُمالة، قاله القُرطُبي، وزاد أحمد (٦٠٧٨)
من طريق حمّاد بن زيد عن أيوب، فذكر الحديث، قال حمّاد: وزَعَمَ عَمْرو بن دينار أنَّ عبد الله
ابن عمر كان يُهدِي إلى عبد الله بن صَفوان من صدقة عُمر، وكذا رواه عمر بن شَبَّة من
طريق حمّاد بن زيد عن عمر؛ وزاد عمر بن شَبَّة عن يزيد بن هارون عن ابن عَوْن في آخر
هذا الحديث: وأوصى بها عمر إلى حفصَة أُمّ المؤمنينَ، ثمَّ إلى الأكابر من آل عمر، ونحوه
في رواية عُبيد الله بن عمر عند الدّارَقُطني (٤٤٢٥)، وفي رواية أيوب عن نافع عند أحمد:
يَليه ذَوُو الرَّأي من آل عمر، فكأنَّه كان أوَّلاً شَرَطَ أنَّ النَّظَر فيه لذَوي الرَّأي من أهله، ثمَّ
عَيَّنَ عند وصيته لحفصَةَ، وقد بَيَّنَ ذلك عمر بن شَبَّة عن أبي غسَّان المدني قال: هذه نُسخَة
صدقة عمر أخَذتُها من كتابه الذي عند آل عمر فنَسَختُها حَرفاً حَرفاً: هذا ما كَتَبَ عبدُ الله
عمرُ أمير المؤمنينَ في تَمْغ، أنَّه إلى حفصة ما عاشَت تُنفِقِ ثَمَره حيثُ أَراها الله، فإن تُوُفّيت
فإلى ذَوِي الرَّأي من أهلها.
قلت: فذَكَر الشَّرط كلَّه نحو الذي تقدَّم في الحديث المرفوع، ثمَّ قال: والمئة وَسْقِ الذي
أطعَمَني النبيُّ ◌َّ فإِنَّها مع ثَمْع على سَنَنَه الذي أمَرَت به، وإن شاءَ ولِيُّ تَمْغ أن يشتريَ من
ثَمَره رَقيقاً يعملون فيه فَعَلَ. وكَتَبَ مُعَيَقِيب، وشَهِدَ عبدُ الله بن الأرقم، وكذا أخرج أبو
داود (٢٨٧٩) في روایته نحو هذا.
وذَكَرا جميعاً كتاباً آخر نحو هذا الكتاب، وفيه من الزِّيادة: (( وصِرْمة بن الأكوع والعَبدَ
الذي فيه صدقة كذلك))، وهذا يقتضي أنَّ عمر إنَّمَا كَتَبَ كتاب وَقْفِه في خلافَتَه؛ لأنَّ
(١) هذا عجز بيت لامرىء القيس، وصدره: ولكنَّا أَسعى لمجدٍ مؤثّلِ. انظر ((اللسان)) (أَثل).

٥٨٣
باب ٢٩ / ح ٢٧٧٣
كتاب الوصايا
مُعَيَقِيباً كان كاتِبِه في زَمَن خلافَته، وقد وصَفَه فيه بأنَّه أمير المؤمنينَ، فيحتمل أن يكون
وقَفَه في زَمَن النبيِّي ◌َّهِ بِاللَّفْظِ وتَوَلّى هو النَّظَرِ عليه إلى أن حَضَرَته الوصيّة فَكَتَبَ حينئذٍ
الكتابَ، ويحتمل أن يكون أخَّرَ وَقْفيَّته ولم يقع منه قبل ذلك إلَّ استشارتُه في كيفيَتَه. وقد
روى الطَّحَاوي (٩٦/٤) وابن عبد البَرِّ (٢١٤/١) من طريق مالك عن ابن شِهَاب قال:
قال عُمر: لولا أنّ ذكرتُ صَدَقَتِي لرسولِ الله وَّه لَرَدَدتها، فهذا يُشعُر بالاحتمال الثاني،
وأنَّه لم يُنجِزِ الوَقف إلَّا عند وصيّته.
واستَدَلَّ الطَّحَاوي بقولِ عمر هذا لأبي حنيفة وزُفَر في أنَّ إيقاف الأرض لا يَمنَع من
الرُّجوع فيها، وأنَّ الذي مَنَعَ عمر من الرُّجوع كَونه ذكره للنبيِّوَّهِ فِكَرهَ أن يُفارقَه على
أمر ثمَّ يخالفه إلى غيره.
ولا حُجَّة فيما ذكره من وجهَين: أحدهما: أنَّه مُنقَطِع؛ لأَنَّ ابن شِهَاب لم يُدرِك عُمر.
ثانيهما: أنَّه يحتمل ما قَدَّمتُه، ويحتمل أن يكون عمر كان يَرى بصِحَّة الوَقْف ولُزومه إلَّا إن
شَرَطَ الواقف الرُّجوع، فَلَه أن يَرجِع. وقد روى الطَّحَاوي عن عليّ مِثل ذلك، فلا حُجَّة
فیه لمن قال بأنَّ الوَقْف غير لازم مع إمكان هذا الاحتمال، وإن ثبت هذا الاحتمال كان
حُجَّةً لمن قال بصِحَّة تعليق الوَقْف، وهو عند المالكية، وبه قال ابن سُرَيج، وقال: تعود
مَنافعُه بعد المدَّة المعَيَّنة إليه ثمَّ إلى وَرَثَتَه، فلو كان التَّعليق مَآَلاً صَحَّ اتِّفاقاً، كما لو قال:
وَقَفتُه على زيد سنةً ثمَّ على الفُقَراء.
وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوَقْف، قال أحمد (٦٤٦٠): حدّثنا حمّاد، هو ابن
خالد، حدَّثنا عبد الله، هو العُمَري، عن نافع عن ابن عمر قال: أوَّل صدقة - أي: موقوفة -
كانت في الإسلام صدقة عمر، وروى عمر بن شَبَّة، عن عَمْرو بن سعد بن معاذ قال:
سألنا عن أوَّل حَبْس في الإسلام، فقال المهاجرونَ: صدقة عُمر، وقال الأنصار: صدقة
رسول الله ژڼ، وفي إسناده الواقدي.
وفي ((مَغازي)) الواقدي: أنَّ أوَّل صدقة مَوقوفة كانت في الإسلام أراضي مُخَيريق

٥٨٤
باب ٢٩ / ح ٢٧٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
- بالمعجَمة مُصغَّر - التي أَوصى بها النبيُّ وََّ، فَوَقَفَها النبيُّنَزِ، قال التِّرمِذي(١): لا نَعلم
بين الصحابة والمتقدِّمينَ من أهل العلم خلافاً في جواز وَقْف الأَرَضِينَ. وجاء عن شُرَيح:
٤٠٣/٥ أنَّه أنكَرَ الحَبْس، ومنهم مَن تأوَّلَه، وقال أبو حنيفة:/ لا يَلزَم، وخالَفَه جميع أصحابه إلَّا
زُفَر بن الهُذَيل، فحَكَى الطَّحَاوي (٩٦/٤) عن عيسى بن أبانَ قال: كان أبو يوسف يجيز
بيع الوَقف، فبَلَغَه حديث عمر هذا فقال: مَن سمِعَ هذا من ابن عَوْن؟ فحدَّثه به ابن
عُليَّة، فقال: هذا لا يَسَع أحداً خلافُه، ولو بَلَغَ أبا حنيفة لَقال به، فَرَجَعَ عن بيع الوَقْف
حتَّى صار كأنَّه لا خلاف فيه بين أحد. انتهى، ومَعَ حِكاية الطَّحَاوي هذا فقد انتَصَرَ
كَعادتِه فقال: قوله في قِصَّة عمر: حَبِّس الأصل، وسَبِّل الثَّمَرة، لا يَستَلِزِمِ التَّأبيد، بل
يحتمل أن يكون أراد مُدَّةَ اختياره لذلك. انتهى، ولا يخفى ضَعف هذا التَّأويل، ولا يُفهم
من قوله: ((وَقَفْتُ وحَبَّستُ)) إلَّا التَّبيد حتَّى يُصرِّح بالشَّرطِ عند مَن يذهب إليه، وكأنَّه لم
يَقِف على الرِّواية التي فيها: حَبيسٌ ما دامت السَّماوات والأرض(٢).
قال القُرطُبي: رَدُّ الوَقْف مخالفٌ للإجماع، فلا يُلتَفَت إليه، وأحسن ما يُعتَذَر به
عَمَّن رَدَّه ما قاله أبو يوسف، فإنَّه أعلم بأبي حنيفة من غيره. وأشار الشّافعي إلى أنَّ
الوَقف من خصائص أهل الإسلام، أي: وَقْف الأراضي والعَقار، قال: ولا نَعرِف أنَّ
ذلك وقع في الجاهلية.
وحقيقة الوَقْف شرعاً وُرودُ صِيغَة تَقطَع تَصرُّفَ الواقف في رَقَبة الموقوف الذي يدوم
الانتفاعُ به، وتُثبت صَرْفَ منفعته في چِهَة خيرٍ.
وفي حديث الباب من الفوائد: جواز ذِكر الوَلَد أباه باسمِه المجَرَّد من غير كُنية ولا لَقَب.
وفيه جواز إسناد الوصيّة، والنَّظَر على الوَقْف للمرأة وتقديمها على مَن هو من أقرانها
من الرِّجال.
(١) عقب الحديث (١٣٧٥).
(٢) سلف تخريجها قبل قليل.

٥٨٥
باب ٢٩ / ح ٢٧٧٣
كتاب الوصايا
وفيه إسناد النَّظَر إلى مَن لم يُسَمَّ إذا وُصِفَ بصِفةٍ مُعيَّنَة تُميِّزْه، وأنَّ الواقف يَلِي النَّظَر
على وَقْفه إذا لم يُسنِده لغيره، قال الشّافعي: لم يَزَل العدد الكثير من الصحابة فمَن بعدَهم
يَلُون أوقافهم، نَقَلَ ذلك الكَوَافُّ عن الكَوَافِّ (١) لا يختلفون فیه.
وفيه استشارة أهل العلم والدّين والفضل في طرق الخير سواء كانت دينيّةً أو دُنيَويّةً،
وأنَّ المشير يشير بأحسن ما يَظهَر له في جميع الأُمور. وفيه فضيلة ظاهرة العُمر لرَغبَتِه في
امتثال قوله تعالى: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وفيه فَضْل الصَّدَقة الجارية، وصِحَّة شُروط الواقف واتِّباعه فيها، وأنَّه لا يُشتَرَط
تعيين المَصْرِف لفظاً.
وفيه أنَّ الوَقْف لا يكون إلَّا فيما له أصل يَدوم الانتفاع به، فلا يَصِحّ وَقْف ما لا يَدوم
الانتفاع به كالطَّعام.
وفيه أنَّه لا يَكفي في الوَقْف لفظ الصَّدَقة سواءٌ قال: تَصَدَّقت بكذا، أو جَعَلته صدقةً
حتَّى يُضيف إليها شيئاً آخر لتَرَدُّد الصَّدَقة بين أن تكون تمليكَ الرَّقَبة أو وَقْفَ المنفَعة،
فإذا أضافَ إليها ما يُميِّز أحد المحتَمَلَينِ صَحَّ، بخلاف ما لو قال: وَقَفت أو حَبَست، فإنَّه
صريح في ذلك على الرَّاجح، وقيل: الصَّريح الوَقف خاصَّة، وفيه نَظَر لُبُوتِ التَّحبيس في
قِصَّة عمر هذه، نعم لو قال: تَصَدَّقت بكذا على كذا، وذكر جِهَة عامَّة صَحَّ، وَسَّكَ مَن
أجازَ الاكتِفاء بقوله: تَصَدَّقت بكذا بما وقع في حديث الباب من قوله: ((فَتَصَدَّقَ بها عمر))
ولا حُجَّة في ذلك لمَا قَدَّمتُه من أنَّه أضافَ إليها: ((لا تُباع ولا تُوهَب))، ويحتمل أيضاً أن
يكون قوله: ((فَتَصَدَّقَ بها عمر)) راجعاً إلى الثَّمَرة على حذف مُضافٍ، أي: فَتَصَدَّقَ
بِثَمَرَتِها، فليس فيه مُتَعَلَّق لمن أثبَتَ الوَقف بلفظ الصَّدَقة ◌ُجرَّداً، وبهذا الاحتمال الثاني
جَزَمَ القُرطُبي.
وفيه جواز الوقف على الأغنياء؛ لأنَّ ذوي القُربى والضَّيف لم يُقيَّد بالحاجة، وهو
(١) في (س): الألوف عن الألوف. والكوافّ: جمع الكافّة بمعنى الجماعة من الناس.

٥٨٦
باب ٢٩ / ح ٢٧٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
الأصحّ عند الشّافعية. وفيه أنَّ للواقفِ أن يَشتَرِط لنفسِه جُزءاً من رَيْع الموقوف؛ لأَنَّ عمر
شَرَطَ لمن وَلِيَ وَقْفَه أن يأْكُل منه بالمعروفِ ولم يَستَئنِ إن كان هو الناظِرِ أو غيره، فدَلَّ على
صِحَّة الشَّرط، وإذا جازَ في المُبهَم الذي تُعَيِّنْه العادة كان فيما يُعَيِّنْه هو أجوَز، ويُستَنْبَط
منه صِحَّة الوقف على النَّس، وهو قول ابن أبي ليلى وأبي يوسف وأحمد في الأرجح عنه،
وقال به من المالكية ابن شَعبان، وجمهورهم على المنع إلَّا إذا استَئنى لنفسِه شيئاً يَسيراً
بحيثُ لا يُتَّهَم أنَّه قَصَدَ حِرْمان وَرَثَته، ومن الشّافعية ابن سُرَيچ وطائفة، وصَنَّفَ فيه محمد
٤٠٤/٥ ابن عبد الله الأنصاري شيخ البخاري / جُزءاً ضَخماً، واستَدَلَّ له بقِصَّة عمر هذه، ويقِصَّة
راكب البَدَنة(١)، وبحديثٍ أنس في أنَّهِ وَهِ أَعتَقَ صَفيَّة وجَعَلَ عِتقَها صَدَاقها(٢)، ووجه
الاستدلال به أنَّه أخرجها عن مِلكه بالعِثْق ورَدَّها إليه بالشَرط، وسيأتي البحث فيه في
النِّكاح، وبقِصَّة عثمان الآتية بعد أبواب (٢٧٧٨).
واحتَجَّ المانعون بقوله في حديث الباب: ((سبِّل الثَّمَرة))، وتسبيل الثَّمَرة تمليكها للغير،
والإنسان لا يَتمكَّن من تمليك نفسه لنفسِه، وتُعُقِّبَ بأنَّ امتناع ذلك غير مُستَحيل، ومَنعَه
تمليكه لنفسِه إنَّما هو لعَدَم الفائدة، والفائدةُ في الوَقف حاصلة؛ لأَنَّ استحقاقه إياه مِلكاً
غير استحقاقه إيّاه وَقْفاً، ولا سيَّما إذا ذكر له مالاً آخر، فإنَّه حُكْم آخر يُستَفاد من ذلك
الوَقف، واحتَجْوا أيضاً بأنَّ الذي يدلّ عليه حديث الباب أنَّ عمر اشتَرَطَ لناظِرِ وَقْفِه أن
يأكُل منه بقَدْرِ عُمَالَته، ولذلك مَنَعَه أن يَتَّخِذ لنفسِه منه مالاً، فلو كان يُؤْخَذ منه صِحَّة
الوَقف على النَّفْس لم يَمنَعْه من الاتِّخاذ، وكأنَّه اشتَرَطَ لنفسِه أمراً لو سكَتَ عنه لكان
يَستَحِقّه لقيامه، وهذا على أرجَح قولي العلماء: أنَّ الواقف إذا لم يَشتَرِط للنّاظِرِ قَدْر عمله
جازَ له أن يأخُذ بقَدْرٍ عمله، ولو اشتَرَطَ الواقف لنفسِه النَّظَرِ واشتَرَطَ أُجرةً، ففي صِحَّة
هذا الشَرط عند الشّافعية خلاف، كالهاشمي إذا عَمِلَ في الزكاة: هل يأخُذ من سَهْم
العاملينَ؟ والرَّاجح: الجواز، ويُؤْيِّده حديث عثمان الآتي بعدُ.
(١) سلفت برقم (١٦٩٠).
(٢) سيأتي برقم (٥٠٨٦).

٥٨٧
باب ٣٠ / ح ٢٧٧٤
كتاب الوصايا
واستُدِلَّ به على جواز الوَقف على الوارث في مَرَض الموت، فإن زاد على الثُّلث رُدَّ،
وإن خَرَجَ منه لَزِمَ، وهو إحدى الرِّوايتين عن أحمد؛ لأَنَّ عمر جَعَلَ النَّظَر بعده لحفصَةَ،
وهي ثمَّن يَرِثه، وجَعَلَ لمن وَلِيَ وَقْفه أن يأكل منه، وتُعُقِّبَ بأنَّ وَقْفَ عمر صَدَرَ منه في حياة
النبي ◌ََّ، والذي أَوصى به إنَّما هو شرط النَّظَر.
واستُدِلَّ به على أنَّ الواقف إذا شَرَطَ للنّاظِرِ شيئاً أخَذَه، وإن لم يَشتَرِطه له لم يَجُزْ إلَّا إن
دَخَلَ في صِفة أهل الوَقْف، كالفُقَراءِ والمساكين. فإن كان على مُعيَّنِينَ ورَضوا بذلك جازَ.
واستُدِلَّ به على أنَّ تعليق الوَقف لا يَصِحّ؛ لأنَّ قوله: ((حَبِّس الأصل) يناقض تأقِيتَه، وعن
مالك وابن سُریج: يَصِحّ.
واستُدِلَّ بقوله: ((لا تُباع)) على أنَّ الوَقف لا يُناقَل به، وعن أبي يوسف: إن شَرَط
الواقف أنَّه إذا تَعَطَّلَت مَنافعه بِيْعَ وصُرِفَ ثمنُه في غيره ويُوقَف في ما سَمّى في الأوَّل،
وكذا إن شَرَطَ البيع إذا رأى الحَظّ في نَقْله إلى موضع آخر.
واستُدِلَّ به على وَقْف المُشاع؛ لأنَّ المئة سهم التي كانت لعُمر بخَيبَر لم تَكُن مُنقَسِمة.
وفيه أنَّه لا ◌ِرايةَ في الأرض الموقوفة بخلاف العِثْق، ولم يُنقَل أنَّ الوَقف سَرى من حِصَّة
عمر إلى غيرها من باقي الأرض، وحَكَى بعض المتأخِّرينَ عن بعض الشّافعية أنَّه حَكمَ فيه
بالسِّرایة، وهو شاذٌ مُنكَر.
واستُدِلَّ به على أنَّ خَيْبَرَ فُتِحَت عَنوَةً، وسيأتي البحث فيه في كتاب المغازي (٤١٩٥-
٤٢٣٢) إن شاء الله تعالى.
٣٠- باب وَقْف الأرض للمسجد
٢٧٧٤ - حذَّثني إسحاقُ، أخبرنا عبدُ الصَّمَدِ، قال: سمعتُ أبي، حدَّثنا أبو التَّاح، قال:
حدَّثني أنسُ بنُ مالكِ عُ: لَّا قَدِمَ رسولُ الله وَِّ المدينةَ أمَرَ بالمسجد وقال: ((يا بني النَّجّار،
ثامِنُوني حائطَكُم هذا)) قالوا: لا والله لا نَطْلُبُ ثَمَنَهَ إلّا إلى الله.

٥٨٨
باب ٣١ / ح ٢٧٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب وَقْف الأرض للمسجدِ» لم يختلف العلماء في مشروعية ذلك لا مَن أنكَرَ
الوَقْف ولا مَن نَفاه، إلَّا أنَّ في الجُزء المُشاع احتمالاً لبعضِ الشّافعية، قال ابن الرِّفْعة:
٤٠٥/٥ يَظهَر أنَّ المُشاع فيما لا يُمكِن الانتفاع به لا يَصِحّ، / وجَزَمَ ابن الصَّلاحِ بالصِّحَّة حتَّى
◌َحرم على الجُنُب المُكث فيه، ونُوزِعَ في ذلك.
قال الزَّين بن المنيِر: لعلَّ البخاري أراد الرَّدّ على مَن خَصَّ جواز الوَقف بالمسجد،
وكأنَّه قال: قد نَفَذَ وَقْف الأرض المذكورة قبل أن تكون مَسجِداً، فدَلَّ على أنَّ صِحَّة
الوَقف لا تَخْتَصّ بالمسجد، ووَجْه أخذِه من حديث الباب أنَّ الذين قالوا: لا نَطلُب ثَمَنها إلَّا
إلى الله، كأنَهم تَصَدَّقوا بالأرضِ المذكورة، فَتَمَّ انعقاد الوَقْف قبل البناء، فيُؤْخَذ منه أنَّ مَن وَقَفَ
أرضاً على أن يَبنِيَها مَسجِداً، انعَقَدَ الوقف قبل البناء. قلت: ولا يخفى تكلُّفه.
قوله: ((حدَّثني إسحاق)) كذا للجميع إلَّ الأَصِيلي فنَسَبه فقال: حدّثنا إسحاق بن منصور،
ووقع في رواية أبي عليّ بن شَبّويه: حدَّثنا إسحاق هو ابن منصور، وأمَّا عبد الصَّمَد فهو
ابن عبد الوارث، والإسناد كلّه بصریون.
قوله: ((بالمسجدِ)) في رواية الكُشْمِيهني: ((ببناءِ المسجد))، وستأتي بقيّة مباحث الحديث
في أوائل الهجرة (٣٩٣٢) إن شاء الله تعالى.
٣١- باب وَقْف الدّواب والكُراع والعُروض والصامت
وقال الزُّهْرِيُّ فيمَن جَعَلَ ألفَ دِينارٍ في سبيلِ الله، ودَفَعَها إلى غلامِ له تاجٍِ يَتَّخِرُ بها،
وجَعَلَ رِبْحَه صَدَقَةً لِلْمَساكينِ والأَقَرَبِينَ: هل للرَّجُلِ أن يَأْكُلَ من رِبْحِ تلك الألفِ شيئاً،
وإن لم يكن جَعَلَ رِبْحَها صَدَقَةً في المساكينِ؟ قال: ليسَ له أن يأْكُلَ منها.
٢٧٧٥ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدّثنا يحيى، حدَّثنا عُبيدُ الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ
رضي الله عنهما: أنَّ عمرَ ◌َلَ على فَرَسٍ له في سبيلِ الله أَعطاها رسولَ الله ◌َّهَ لَيَحمِلَ عليها
رجلاً، فأُخبِرَ عمرُ أنَّه قد وَقَفَها يَبِيعُها، فسألَ رسولَ الله وَّهِ أَن يَبْتَاعَها، فقال: ((لا تَبْتَاعُها ولا
تَرْجِعَنَّ فِي صَدَقَتِكَ)).

٥٨٩
باب ٣١ / ح ٢٧٧٥
كتاب الوصايا
قوله: ((باب وَقْف الدَّوابّ والكُراع والعُروض والصّامِت)) هذه التَّرجمة معقودة لبيان
وَقْف المنقولات. والكُراع - بضمِّ الكاف وتخفيف الراء -: اسمٌ لجميعِ الخيل، فهو بَعد
الدَّواب من عَطف الخاصّ على العامّ، والعُروض - بضمِّ المهمَلة -: جمع عَرْض، بالسُّكونِ
وهو جميع ما عَدَا النَّقد من المال، والصَّامت، بالمهمَلة بلفظِ ضِدِّ الناطق، والمراد من النَّقَد
الذَّهَب والفِضَّة. ووَجْه أَخْذ ذلك من حديث الباب المشتَمِل على قِصَّة فرس عمر: أنَّها
دالَّة على صِحَّة وَقْف المَنْقولات، فيَلحَق به ما في معناه من المَنْقولات إذا وُجِدَ الشَّرط:
وهو تَحبيس العَين، فلا تُباع ولا تُوهَب بل يُنتَفَع بها، والانتفاع في كلّ شيء بحَسَبِهِ.
قوله: ((وقال الزُّهْري ... )) إلى آخره، هو ذهابٌ من الزُّهري إلى جواز مِثل ذلك، وقد
أخرجه عنه هكذا ابن وَهْب في ((مَوَطَّئِه)) عن يونس عن الزُّهري.
ثمَّ ذكر المصنِّف حديث ابن عمر في قِصَّة عمر في حَمْله على الفرس في سبيل الله ثمَّ
وَجَدَه يُباعِ، وقد تقدَّم شرحه مُستَوَى في كتاب الهِبَةِ (٢٦٢٣).
واعتَرَضَه الإسماعيلي فقال: لم يَذكُر في الباب إلَّ الأثر عن الزُّهري، والحديث في قِصَّة
الفَرس التي ◌َلَ عليها عمر فقَط، وأثر الزُّهري خلاف ما تقدَّم من الوَقْف الذي أذِنَ فيه
النبيُّ وَّ لِعُمر بأن يُحِبِّسَ أصله وينتفع بثَمَرَتِهِ، والصَّامت إِنَّا يُنْتَفَع به بأن يَخْرُج بعَينِه إلى
شيء غيرِهِ، وليس هذا بتحبيسِ الأصل والانتفاع بالثَّمَرة، بل المأذون فيه ما عاد منه نَفْعٌ
بفضلٍ كالثَّمَرة والغَلَّةِ والارتفاق والعينُ قائمةٌ، فأمَّا ما لا يُنتَفَع به إلَّا بإفاتَة عَيْنِهِ (١) فلا.
انتهى مُلخَّصاً.
وجواب هذا الاعتراض / أنَّ الذي حَصَرَه في الانتفاع بالصَّامتِ ليس بمُسلِّم، بل ٤٠٦/٥
يُمكِن الانتفاع بالصَّامتِ بطريق الارتفاق بأن يُحبّسَ مثلاً منه ما يجوز لُبْسُه للمرأة،
فيَصِحّ بأن يُحِبّسَ أصله وينتفع به النِّساء باللَّبسِ عند الحاجة إليه، كما قَدَّمت توجيهه،
والله أعلم.
(١) أي: بذهابه وفقدانه واستهلاكه.

٥٩٠
باب ٣٢ / ح ٢٧٧٦ - ٢٧٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
٣٢ - باب نفقة القيِّم للوَقْف
٢٧٧٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي
هريرةَ عَّه، أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((لا تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِيناراً ولادِرْهماً، ما تَرَكْتُ بعدَ نَفَقَةٍ
نسائي ومُؤْنةٍ عامِلي فهو صَدَقةٌ)).
[طرفاه في: ٣٠٩٦، ٦٧٢٩]
٢٧٧٧ - حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حَمَّادٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله
عنهما: أنَّ عمرَ اشتَرَطَ في وَقْفِه أن يأْكُلَ مَن وَلِيَه، ويُؤْكِلَ صَدِيقَه غيرَ مُتَمَوِّلٍ مالاً.
قوله: ((باب نَفَقة القَيِّم للوَقْفِ)) في رواية الْحَمُّوِيّ: (نَفَقة بقيَّةِ الوَقْف)) والأوَّل أظهَر،
فإِنه أورَدَ فيه حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تَقتَسِمُ ورَثَتي ديناراً ولا درهماً، ما تَرَكت بعد
نَفَقة نسائي ومُؤنة عاملي فهو صدقة))، وهو دالٌّ على مشروعية أُجرة العامل على الوَقْف،
والمراد بالعاملِ في هذا الحديث: القَيِّم على الأرض والأجير ونحوهما، أو الخليفة بعده وَ لته
ووَهِمَ مَن قال: إنَّ المراد به أُجرة حافر قبره.
وقوله: ((لا تَقتَسِم ورَثَتَي)) بإسكان الميم على النَّهي، وبضمِّها على النَّفي، وهو الأشهَر،
وبه يَستَقيم المعنى حتَّى لا يُعارض ما تقدَّم عن عائشة وغيرها (١): أنَّه لم يَترُك وَلِّ مالاً
يُورَث عنه، وتوجيه رواية النَّهي أنَّه لم يَقطَع بأنَّه لا يُحُلِّفُ شيئاً، بل كان ذلك مُحْتَمَلاً،
فنَهاهم عن قِسمة ما يُحُلِّف إن اتَّفَقَ أنَّه خَلَّفَ. وقوله ◌ِ: ((ورَثَتِي)) سمَّاهم وَرَثةً باعتبار
أنَّهم كذلك بالقوّة، لكن مَنَعَهم من الميراث الدَّليل الشَّرعي، وهو قوله: ((لا نورَث، ما
تَرَكنا صدقةٌ))، وسيأتي شرحه مُستَوفّى في كتاب الخُمُس (٣٠٩٤) إن شاء الله تعالى.
ثم أورَدَ المصنفُ حديث ابن عمر في وَقْف عمر مختصراً، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى قبلُ
ببابٍ، وقد اعتَرَضَه الإسماعيلي بأنَّ المحفوظ عن حمّاد بن زيد عن أيوب عن نافع: ((أنَّ عمر»
لیس فیه ابن عمر، ثمَّ أوردہ کذلك من طریق سلیمان بن حرب وغیر واحد عن حمّاد.
(١) انظر ما سلف برقم (٢٧٣٩).

٥٩١
باب ٣٣ / ح ٢٧٧٨
كتاب الوصايا
قلت: لكنَّ البخاري أخرجه عن قُتَيبة عنه، وقُتَيبة من الحفاظ، وقد تابَعَه یونس بن
محمد عن حماد بن زيد فوَصَلَه، أخرجه أحمد (٦٠٧٨) عنه مُطوَّلاً، ووَصَلَه أيضاً يزيد بن
زُرَيع عن أيوب، أخرجه الإسماعيلي، وقال الحُميدي: لم أقف على طريق قُتَيبة في
((صحيح)) البخاري، وهو ذُهول شديد منه، فإنَّه ثابت في جميع النُّسَخ.
٣٣- باب إذا وَقَف أرضاً أو بئراً أو اشترط لنفسه مثل دِلاء المسلمين
وأوْقَفَ أنسُ داراً، فكان إذا قَدِمَ نزلهَا.
وتَصَدَّقَ الزُّبَيرُ بُدُورِه وقال للْمَرْدُودةِ من بَناتِهِ: أن تَسْكُنَ غيرَ مُضِرَّةٍ ولا مُضَرِّ بها، فإنِ
استَغْنَت بِزَوْجِ فليسَ ها حقٌّ.
وجَعَلَ ابنُ عمرَ نَصِيبَه من دار عمرَ سُكْنَى لذوي الحاجات من آلِ عبدِ الله.
٢٧٧٨ - وقال عَبْدانُ: أخبرني أبي، عن شُعْبةَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ: أنَّ
عثمانَ ◌َُه / حيثُ حُوصِرَ أشرَفَ عليهم وقال: أَنْشُدُكُمُ اللهَ، ولا أنشُدُ إلَّا أصحابَ النبيِّ وَّ: ٤٠٧/٥
أَسْتُمْ تَعْلَمونَ أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: «مَن حَفَرَ رُومَةَ فَلَه الجنَّةُ)) فحَفَرْتُها؟ ألستُم تَعْلَمونَ أنَّه
قال: ((مَن جَهَّزَ جيشَ العُسْرةِ فَلَه الجنَّةُ» فجَهَّزتُه؟ قال: فصَدَّقُوه بما قال.
وقال عمرُ في وَقْقِه: لا جُناحَ على مَن وَلِيَه أن يأكُلَ، وقد يَلِهِ الواقِفُ وغیرُه، فهو واسِعٌ
لكلِّ.
قوله: ((باب إذا وقَفَ أرضاً أو بئراً أو اشتَرَطَ لنفسِهِ مِثْل دِلاءِ المسلمينَ)) هذه التَّرجمة
مَعقودة لمن يَشتَرِط لنفسِه من وَقْفه منفعة، وقد قَيَّدَ بعض العلماء الجواز بما إذا كانت المنفَعة
عامَّةً كما تقدَّم.
قوله: ((وَوَقَفَ أنس)) هو ابن مالك، «داراً فكان إذا قَدِمَ نزلهَا)) وَصَلَه البيهقي (١٦١/٦)
من طريق الأنصاري: حدَّثني أبى عن ثُمامة عن أنس أنَّه وقَفَ داراً له بالمدينة، فكان إذا
حَجَّ مَرَّ بالمدينة فنزلَ داره، وهو موافق لما تقدَّم عن المالكية: أنَّه يجوز أن يَقِف الدّار ويَستَثنيَ
لنفسِه منها بيتاً.

٥٩٢
باب ٣٣ / ح ٢٧٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وتَصَدَّقَ الزُّبَيرِ بُدُورِهِ: وقال للمَرْدودَةِ من بَناته: أن تَسْكُن غير مُضِرَّة ولا مُضَرِّ
بها، فإن استَغْنَت بزَوْجِ فليس لها حقّ)) وَصَلَه الدّارمي في «مسنده)) (٣٣٠٠) من طريق
هشام بن عُرْوة عن أبيه: أنَّ الزُّبَيرِ جَعَلَ دُورَه صدقةً على بَنِيه، لا تُباع ولا تُوهَب ولا
تُورَث، وأنَّ للمردودة من بناته، فذكر نحوه، ووقع في بعض النُّسَخ: ((من نِسائه)» وصَوَّبها
بعض المتأخِّرينَ فوَهَمَ، فإنَّ الواقع بخلافها، وقوله: ((غير مُضِرَّة ولا مُضَرِّ بها)) بكسر
الضَّاد الأولى وفتح الثانية.
قوله: ((وجَعَلَ ابن عُمر نصيبه من دار عُمر سُكْنى لذوي الحاجات من آل عبد الله بن
عُمر)) وَصَلَه ابن سعد (١٦٢/٤) بمعناه وفيه: أنَّه تَصَدَّقَ بداره مَحَبوسةً لا تُباع ولا توهَب.
قوله: ((وقال عَبْدان ... )) إلى آخره، كذا للجميع، قال أبو نُعيم: ذكره عن عَبْدان بلا
رواية، وقد وَصَلَه الدّارَقُطني (٤٤٤٧) والإسماعيلي وغيرهما من طريق القاسم بن محمد
المروَزي عن عَبْدان بتمامه، وأبو إسحاق المذكور في إسناده: هو السَّبِيعي، وأبو عبد الرحمن:
هو السُّلَميّ، قال الدّارَقُطني: تفرَّد بهذا الحديث عثمان والد عَبْدان عن شُعْبة، وقد اختُلِفَ
فيه على أبي إسحاق، فرواه زيد بن أبي أنيسة عنه كَهذه الرِّواية، أخرجه الثِّرمِذي (٣٦٩٩)
والنَّسائي (٣٦١٠)، ورواه عيسى بن يونس عن أبيه عن أبي إسحاق عن أبي سَلَمة عن عثمان،
أخرجه النَّسائي أيضاً (٣٦٠٩)، وتابَعَه أبو قَطْنَ عن يونس، أخرجه أحمد (٤٢٠).
قلت: وتَفَرُّد عثمان والد عَبْدان لا يَضُرّه، فإنَّه ثقة، واتِّفاق شُعْبة وزيد بن أبي أُنيسة
على روايته هكذا أرجَح من انفراد يونس عن أبي إسحاق، إلّا أنَّ آل الرجل أعرَف به من
غیرهم فيتعارض الثَّرجیح، فلعلَّ لأبي إسحاق فيه إسنادین.
قوله: ((أنَّ عثمان)) أي: ابن عَفّان.
قوله: ((حَيث)) في رواية الكُشْمِيهني: حين، ((حُوصِرَ)) أي: لمَّا حاصَرَه المصريون الذين
أنكروا عليه تَوليةَ عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، والقِصَّة مشهورة، وقد وقع في رواية
النَّسائي من طريق زيد بن أبي أُنيسة المذكورة قال: ((لمَّا حُصِرَ عثمان في داره واجتَمَعَ

٥٩٣
باب ٣٣ / ح ٢٧٧٨
كتاب الوصايا
الناس قام فأشرَفَ عليهم)) الحديث.
قوله: ((أَنشُدُكُم الله) في رواية الأحنَف عند النَّسائي (٣٦٠٧): «أنشُدُم بالله الذي لا
إله إلَّا هو))، زاد التِّرمِذي (٣٧٠٣) والنَّسائي (٣٦٠٨) من رواية تُمامة بن حَزْن عن عثمان:
أنشُدَكُم اللهَ والإسلامَ.
قوله: ((مَن حَفَرَ رُومة)) قال ابن بَطَّال: هذا وَهْمٌ من بعض رواته، والمعروف أنَّ عثمان
اشتراها لا أنَّه حَفَرَها. قلت: هو المشهور في الرّوايات، فقد أخرجه الترمذي (٣٦٩٩) من
رواية زيد بن أبي أُنيسة عن أبي إسحاق فقال فيه: «هل تَعلَمون أنَّ رُومةً لم يكن يُشرَب من
مائها إلَّا بِثَمَنٍ؟))، لكن لا يَتَعيَّن الوَهْم، فقد روى البَغَوي في ((الصحابة)) من طريق بشر بن
بَشير الأسلمي عن أبيه قال: لمَّا قَدِمَ المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجلٍ من
بني غِفار عَينٌ يقال: لها رُومة، وكان يَبيع منها القِرْبة/ بمُدٍّ، فقال له النبيُّ وَلَه: (تَبيعُنيها ٤٠٨/٥
بعَينٍ في الجنَّة؟» فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لِعِيالي غيرها، فبَلَغَ ذلك عثمان ◌ُ
فاشتراها بخمسةٍ وثلاثينَ ألف درهم، ثمَّ أتى النبيَّ وَّه فقال: أتجعَلُ لي فيها ما جَعَلت لَه؟
قال: ((نعم). قال: قد جَعَلتها للمسلمينَ؛ وإن كانت أوَّلاً عَيناً فلا مانعَ أن يَحِفِر فيها عثمان
بئراً، ولعلَّ العين كانت تجري إلى بئر فوَسَّعَها وطَواها فنُسِبَ حَفرها إليه.
قوله: ((فصَدَّقوه بما قال)) في رواية صَعصَعة بن معاوية التَّميميِّ(١) قال: أرسَلَ عثمان
وهو تَحَصور إلى عليّ وطلحة والزُّبَير وغيرهم فقال: احضُروا غَداً، فأشرَفَ عليهم، فذكر
الحديث بطولِه، أخرجه سيف في ((الفُتوح))، وللنَّسائي من طريق الأحنَف بن قيس: أنَّ
الذين صَدَّقوه بذلك هم عليّ بن أبي طالب وطلحة والزُّبَير وسَعد بن أبي وقَّاص، وزاد
التِّرمِذي في رواية زيد بن أبي أُنيسة، أي: عن أبي إسحاق في روايته: هل تَعلَمون أنَّ حِراءً
حين انتَفَضَ قال رسول الله وَلِّ: ((اثبُتْ حِراءُ، فليس عليك إلَّا نبيَ أو صِدّيق أو شهيد))؟
(١) في (س): التَّيمي، وهو خطأ.

٥٩٤
باب ٣٣ / ح ٢٧٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
قالوا: نعم؛ وسيأتي هذا من حديث أنس(١) في مناقب عثمان إن شاء الله تعالى.
وفي رواية زيد أيضاً ذِكر رُومة: لم يكن يُشرَب منها إلَّا بِثَمَنٍ، فابتَعتُها فجَعَلتها للفقير
والغني وابن السَّبيل، وزاد النَّسائي (٣١٨٢) من طريق الأحتَف عن عثمان: ((فقال:
اجعَلها سِقايةً للمسلمينَ وأجرُها لك))، وزاد في روايته أيضاً: ((وأشياء عَدَّدها)» فمِن تِلكَ
الأشياء ما وقع في رواية ثُمامة بن حَزْن المذكورة: هل تَعلَمون أنَّ المسجد ضاقَ بأهلِه فقال
رسول الله وَلّ: ((مَن يشتري بُقعةَ آل فلان فيزيدُها في المسجد بخيرٍ منها في الجنَّة؟)»
فاشتَرَيتها من صُلب مالي، فأنتُم اليوم تَعوني أن أُصلّيَ فيها، ونحوه لإسحاق بن راهويه
وابن خُزَيمةَ (٢٤٩٣) وابن حِبَّان (٦٩١٩) من طريق أبي سعيد مولى أبي أسيد عن عثمان في
قِصَّة مَقتَله مُطوَّلاً، وزاد النَّسائي (٣١٨٢) من رواية الأحنَف بن قيس عن عثمان: أنَّه
اشتراها بعشرينَ ألفاً أو بخمسةٍ وعشرينَ ألفاً، وزاد في ذِكر جيش العُسرة: فجَهَّزتُهم حتَّى
لم يَفِقِدوا عِقالاً ولا خِطاماً، وللِّرمِذي (٣٧٠٠) من حديث عبد الرحمن بن حُبَاب
السُّلَمَيّ: أنَّه جَهَّزَهم بثلاثِ مئة بعير، ولأحمد (٢٠٦٣٠) من حديث عبد الرحمن بن
سمُرة: أنَّه جاء بألف دينار في ثَوبه فصَبَّها في حِجْر النبيِّ وَ لَ حين جَهَّزَ جيش العُسرة فقال ◌َلّ:
((ما على عثمان ما عَمِلَ به بعدَ اليوم)»، وأخرج أسَد بن موسى في ((فضائل الصحابة)) من
مُرسَل قَتَادة: حَمَلَ عثمانُ على ألف بعير وسبعينَ فرساً في العُسرة، وعند أبي يَعْلى (٨٥٢)
من وجه آخر ضعيف: فجاء عثمان بسبع مئة أُوقيةٌ ذَهَب، وعند ابن عَديٍّ (١/ ٣٤٠) بسندٍ
ضعيف جِدّاً عن حُذَيفة: أنَّ النبي ◌َِّ استَعان عثمان في جيش العُسرة فجاء بعشرة آلاف
دينار، ولعلَّها كانت عشرة آلاف درهم، فتوافق رواية عبد الرحمن بن سَمُرة من صَرْف
الدّينار بعشرة دراهم.
ومن تلكَ الأشياء ما وقع في رواية أبي سَلَمة بن عبد الرحمن عن عثمان عند أحمد
(٤٢٠) والنَّسائي (٣٦٠٩): أنشُد الله رجلاً شَهِدَ رسول الله وَل يوم بيعة الرِّضوان يقول:
(١) حديث أنس سيأتي (٣٦٩٧)، وفيه: أنه صعد النبيُّ ◌َيل أُحداً، لا حراء.

٥٩٥
باب ٣٣ / ح ٢٧٧٨
كتاب الوصايا
((هذه يد الله وهذه يد عثمان))(١) الحديث، وسيأتي بيان ذلك في مناقب عثمان من حديث ابن
عمر (٣٦٩٨) إن شاءً تعالى.
ومنها ما روى الدّارَقُطني (٤٤٣٨) من طريق ثُمامة بن حَزْن عن عثمان أنَّه قال: هل
تَعلَمون أنَّ رسول الله ◌َِّ زَوَّجَني ابنتَه واحدة بعد أُخرى، رَضِيَ بي ورَضِيَ عنِّي؟ قالوا:
نعم.
ومنها ما أخرجه ابن مَندَهْ من طريق عُبيد الحِميَري قال: ((أشرَفَ عثمان فقال: يا طلحة
أنشُدك الله، أما سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((ليأخذ كلّ رجل منكم بيد جَليسِه))، فأخَذَ
بيدي فقال: ((هذا جَليسي في الدنيا والآخرة))؟ قال: نعم، وللحاكمِ في ((المستدرَك))
(٩٧/٣ -٩٨) من طريق أسلَمَ: أنَّ عثمان حين حُصِرَ قال لطلحةَ: أتذكُرُ إذ قال النبيُّ ◌َل:
((إنَّ عثمان رفيقي في الجنَّة))؟ قال: نعم.
وفي هذا الحديث من الفوائد: مناقبُ ظاهرة لعثمان ﴾، وفيها جواز تَحدُّث الرجل
بمَناقِه عند الاحتياج إلى ذلك لدَفْع مَضَرَّة، أو تحصيل منفعة، وإنَّما يُكرَه ذلك عند
المفاخَرة والمكاثَرة والعُجْب.
قوله: ((وقال عمر في وَقْفه)) تقدَّم شرحه مُستَوَى قبل ثلاثة أبواب (٢٧٧٢).
وقد ادَّعى الإسماعيلي وغيره أنَّه ليس في أحاديث الباب شيء يوافق ما تَرجَمَ به إلَّا أثر ٤٠٩/٥
أنس، وليس كذلك، فإنَّ جميع ما ذكره مطابق لها، فأمَّا قِصَّة أنس فظاهرة في التَّرجمة، وأمَّا
قِصَّة الزُّبَير فمِن جِهَة أنَّ الِنت ربّما كانت بِكْراً فطُلِّقت قبل الدُّخول، فتكون مُؤنَتها على
أبيها، فيَلَزَمه إسكانها، فإذا أسكَنَها في وَقْفه فكأنَّه اشتَرَطَ على نفسه رفع كَلَفه. وأمَّا قِصَّة
ابن عمر فتُخَرَّج على هذا المعنى؛ لأنَّ الآل يَدخُل فيهم الأولادُ كبارُهم وصِغارُهم.
وأمَّا قِصَّة عثمان فأشار إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه وهو قوله فيما أخرجه التِّرمِذي
(٣٧٠٣) من طريق تُمامة بن حَزْن قال: شَهِدت الدّار حين أشرَفَ عليهم عثمان فقال:
(١) هذه رواية النسائي، وفي رواية أحمد: ((هذه يدي)) بدل: ((هذه يد الله)).

٥٩٦
باب ٣٤-٣٥ / ح ٢٧٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
أنشُدُكم بالله وبالإسلام، هل تَعلَمون أنَّ رسول الله وَِّ قَدِمَ المدينة وليس فيها ماء
يُستَعَذَب غير بئر رُومة فقال: ((مَن يشتري بئر رُومة يَجعَل دَلْوه مع دلاء المسلمين بخيرٍ
له منها في الجنَّة؟)) فاشتريتها من صُلب مالي، الحديث، وقد تقدَّم شيء من ذلك في
كتاب الشِّرب(١).
وأمَّا قِصَّة عمر فقد ترجم لها بخصوصِها، وقد تقدَّم توجيه ذلك قبل أبواب.
٣٤- باب إذا قال الواقف: لا نَطلب ثَمنَه إلّا إلى الله، فهو جائزٌ
٢٧٧٩ - حدَّثْنَا مُسَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن أبي التَّاح، عن أنسٍ عَّه قال: قال النبيُّ ◌َلَّه .
((يا بني النَّجّار، ثامِنُوني بحائطِكُمْ)) قالوا: لا نَطلُبُ ثَمَنَه إلّا إلى الله.
قوله: ((باب إذا قال الواقف: لا نَطْلُب ثَمَنه إلَّا إلى الله تعالى)) أورَدَ فیه حدیث أنس في
قول بني النَّجّار: لا نَطلُب ثمنه إلَّا إلى الله، أورَدَه مختصراً چِدّاً، وقد تقدَّم بسنده وزيادة في
مَتْنه قبل خمسة أبواب (٢٧٧٤)، قال الإسماعيلي: المعنى أنَّهم لم يَبيعوه ثمَّ جَعَلوه مَسجِداً،
إلَّا أنَّ قول المالك: لا أطلُب ثَمنَه إِلَّ إلى الله، لا يُصَيِّه وَقْفاً، وقد يقول الرجل هذا لعبدٍ،
فلا يُصِرُه وَقْفاً، ويقوله للمُدَبَّرِ فيجوز بيعُه.
وقال ابن المنيِّرِ: مُراد البخاري أنَّ الوَقف يَصِحّ بأيِّ لفظ دَلَّ عليه، إمَّا بمُجرَّدِهِ، وإمَّا
بقَرِينةٍ، والله أعلم. كذا قال، وفي الجزم بأنَّ هذا مُراده نَظَر، بل يحتمل أنَّه أراد أنَّه لا يصير
بمُجرَّدِ ذلك وَقْفاً.
٣٥- باب قول الله عزّ وجلّ:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ ذَوَا
عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَاخَرَانٍ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللّهُلَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْفَسِمِينَ﴾
﴿اَلْأَوْلَيَنِ﴾ [المائدة: ١٠٧]: واحدهما أَوْلَى، ومنه: أَوْلى به.
(١) بين يدي الحديث رقم (٢٣٥١).

٥٩٧
باب ٣٥ / ح ٢٧٨٠
كتاب الوصايا
﴿ُعُثِرَ﴾ [المائدة: ١٠٧]: ظُهِرَ، ﴿أَعْثَرْنَا﴾ [الكهف: ٢١]: أظهَرْنا.
٢٧٨٠ - وقال لي عليُّ بنُ عبدِ الله: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، حدَّثنا ابنُ أبي زائدةً، عن محمَّدِ بنِ
أبي القاسِمِ، عن عبدِ الملِكِ بنِ سعيد بنِ جُبَيرٍ، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال:
خَرَجَ رجلٌ من بني سَهْمٍ معَ تميمٍ / الدّارِيِّ وعَدِيٍّ بنِ بَدّاءٍ، فمات السَّهْمِيُّ بأرضٍ ليسَ بها ٤١٠/٥
مُسلِمٌ، فلمَّا قَدِما بتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جاماً من فِضّةٍ مُخَوَّصاً من ذَهَبٍ، فَأَحَلَفَهما رسولُ الله ◌َلِّ، ثمَّ
وُجِدَ الجامُ بمكَّةَ، فقالوا: ابْتَعْناه من تميمٍ وعَدِيٌّ، فقامَ رجلانٍ من أولياء السَّهْميِّ فحَلَفا:
لَشَهادتُنَا أَحقُّ من شَهادَتهما، وإنَّ الجامَ لِصاحبِهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآيةُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ ﴾.
قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ
اُلْفَسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦- ١٠٨])) كذا لأبي ذرٍّ، وساق في رواية الأَصِيلي وكَرِيمة الآيات
الثلاث، قال الزَّجّاج في ((المعاني)): هذه الآيات الثلاث من أشكل ما في القرآن إعراباً
وحكماً ومعنَى.
قوله: ((﴿اَلْأَوْلَيَانِ﴾: واحدُهما أَوْلى، ومنه: أَوْلى به)) أي: أحقّ به، ووقع هذا في رواية
الكُشْمِيهني لأبي ذرِّ وحده، وكذا الذي بعده، والمعنى: وآخران، أي: شاهدان آخران
يقومان مقام الشّاهدَينِ الأوَّلَين، ﴿مِنَ الَّذِينَ أَسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾، أي: من الذين حقّ عليهم
وهم أهل الميّت وعَشيرَته، والأَوْلَيان، أي: الأحقّان بالشَّهادة لقَرابَتِهما ومَعرِفَتهما، وارتَفَعَ
(الأَوْلَيان)) بتقديرهما، كأنَّه قيل: مَن الشّاهدانِ؟ فأُجيبَ: الأَوْلَيان، أو هما بَدَلِّ من الضَّمير
في ((يقومان)) أو من ((آخران))، ويجوز أن يَرتَفِعا بـ(استَحقَّ)) أي: من الذين استَحقَّ عليهم
انتداب الأُولَيَينِ منهم للشَّهادة لاطِّلاعِهم على حقيقة الحال، ولهذا قال أبو إسحاق
الزَّجّاج: هذا الموضع من أصعَب ما في القرآن إعراباً، قال الشِّهاب السَّمين: ولقد صَدَقَ
والله فيما قال. ثمَّ بَسَطَ القول في ذلك وخَتَمَه بأن قال: وقد ◌َعَ الَّتَشَري ما قلته بأوجَز

٥٩٨
باب ٣٥ / ح ٢٧٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
عِبارة فقال - فذكر ما تقدَّم - فلذلك اقتَصَرت عليه.
قوله: ﴿عُثِرَ﴾: ظُهِرَ، ﴿أَعْثَرَنَا﴾: أَظْهَرْنا)) قال أبو عبيدة في ((المجاز)) قوله: ((﴿ فَإِنْ عُثِرَ
عَ أَنَّهُمَا اُسْتَحَقًّا إِثْمًا﴾، أي: فإن ظُهِرَ عليه. وروى الطََّري من طريق سعيد عن قَتَادة:
﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا أَسْتَحَقًّاَ إِثْمًا﴾ أي: الطَّلِعَ منهما على خيانة.
وأمَّا تفسير ((أَعثَرْنا)) فقال الفَرّاء: قوله: ﴿أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أظهَرْنا وَأَطْلَعْنا، قال:
وكذلك قوله: ﴿فَإِنّ عُثِرَ﴾ أي: الطُّلِعَ.
قوله: ((وقال لي عليّ بن عبد الله)) أي: ابن المَديني، كذا لأبي ذرِّ والأكثر، وفي رواية
النَّسَفي: ((وقال عليّ)) بحذف المحاورة، وكذا جَزَمَ به أبو نُعيم، لكن أخرجه المصنّف في
((التاريخ)) (٢١٥/١) فقال: ((حدَّثنا عليّ بن المديني))، وهذا ممّا يُقوِّي ما قَرَّرته غير مرَّةٍ من
أَنَّه يُعَبِّر بقوله: ((وقال لي)) في الأحاديث التي سَمِعَها، لكن حيثُ يكون في إسنادها عنده
نَظَر، أو حيثُ تكون مَوقوفة، وأمَّ مَن زَعَمَ أنَّه يُعَبِّر بها فيما أخَذَه في المذاكرة أو بالمناوَلة،
فليس عليه دلیل.
قوله: ((ابن أبي زائدة)) هو يحيى بن زكريّا، ومحمد بن أبي القاسم يقال له: الطَّويل، ولا
يُعرَف اسم أبيه، وَثَّقَه يحيى بن معين وأبو حاتم، وتَوَقَّفَ فيه البخاري مع كونه أخرج
حديثه هذا هنا، فروى النَّسَفي عن البخاري قال: لا أعرِف محمد بن أبي القاسم هذا كما
ينبغي، وفي نُسخَة الصَّغَاني: كما أشتَهي، وقد روى عنه أيضاً أبو أُسامة، وكان عليّ بن
عبد الله - يعني: ابن المديني - استَحسَنَه. وزاد في نُسخَة الصَّغَاني أنَّ الفِرَبري قال: قلت
للبخاري: رواه غير محمد بن أبي القاسم؟ قال: لا. وقد روى عنه أبو أسامة أيضاً لكنَّه
ليس بمشهورٍ. وروى عمر البُجَيري - بالموخَّدة والجيم مُصغَّراً - عن البخاري نحو هذا
وزاد: قيل له: رواه - يعني: هذا الحديث - غير محمد بن أبي القاسم؟ فقال: لا، وهو غير
مشهور. قلت: وما له في البخاري ولا لشيخه عبد الملك بن سعيد بن جُبَير غير هذا
الحديث الواحد، ورجال الإسناد ما بين عليّ بن عبد الله وابن عبّاس كوفيُّونَ.

٥٩٩
باب ٣٥ / ح ٢٧٨٠
كتاب الوصايا
قوله: ((خَرَجَ رجل من بني سَهْم)» هو بُزَيل، بموخَّدةٍ وزاي / مُصغّر، وكذا ضَبَطَه ابن ٤١١/٥
ماكُولا، ووقع في رواية الكَلْبِي عن أبي صالح عن ابن عبّاس عن تميم نفسه، عند التِّرمِذي
(٣٠٥٩) والطََّري (١١٤/٧): بُدَيل، بدال بدل الزّاي، ورأيته في نُسخَة صحيحة من
(تفسير)) الطَّبَري: بُرَيل براءٍ بغير نُقطة، ولابن مَندَهْ من طريق السُّدّي عن الكلبي: بُدَيل
ابن أبي مارية، ومثله في رواية عِكرِمة وغيره عند الطَّبَري (١١٥/٧-١١٦) مُرسلاً لكنَّه لم
يُسَمِّه، ووَهِمَ مَن قال فيه: بُدَيل بن وَرْقاء، فإنَّه خُزاعي وهذا سَهْمي، وكذا وَهَمَ مَن
ضَبَطَه: بُذَيل، بالذّال المعجَمة، ووقع في رواية ابن جُرَيج: أنَّه كان مسلماً، وكذا أخرجه
سُنَيْدٌ(١) في ((تفسيره)).
قوله: ((مع تميم الدّاري)) أي: الصحابي المشهور وذلك قبل أن يُسلِم تميم كما سيأتي،
وعلى هذا فهو من مُرسَل الصحابي؛ لأَنَّ ابن عبّاس لم يَحَضُر هذه القِصَّة، وقد جاء في
بعض الطَّرُق أنَّه رواها عن تميم نفسه، بَيَّنَ ذلك الكلبي في روايته المذكورة فقال: ((عن
ابن عبّاس، عن تميم الدّاري قال: بَرِئَ الناس من هذه الآية غيري وغير عَديّ بن بَدّاء.
وكانا نَصرانيَّينِ يختلفان إلى الشّام قبل الإسلام، فأتيا الشّام في تِجارَتهما وقَدِمَ عليهما مولَّى
لبَنِي سَهْم))، ويحتمل أن تكون القِصَّة وقعت قبل الإسلام ثمَّ تأخّرَت المحاكمة حتَّى
أسلموا كلّهم، فإنَّ في القِصَّة ما يُشعِر بأنَّ الجميع تَحاكموا إلى النبي ◌ِِّ، فلعلَّها كانت
بمَكَّة سنة الفتح.
قوله: ((وعَدِي بن بَدّاء)) بفتح الموحّدة وتشديد المهمَلة مع المدّ، لم تَخْتَلِفِ الرِّوايات في
ذلك إلَّا ما رأيته في ((كتاب القضاء)) للكَرَابيسي فإنَّه سَّاه البَدّاء بن عاصم، وأخرجه عن
مُعلّ بن منصور عن يحيى بن أبي زائدة، ووقع عند الواقدي أنَّ عَدي بن بَدّاء كان أخاتميم
الدّاري، فإن ثبت فلعلَّه أخوه لأُمِّه أو من الرَّضاعة، لكن في ((تفسير)» مُقاتِل بن حيّان: أنَّ
رجلَينِ نصرانيَّينِ من أهل دارِينَ، أحدهما تميم والآخر يماني.
(١) في (س): ((بسنده)) وهو خطأ، وسنيد هذا: هو ابن داود الحافظ أبو علي المصيصي، صاحب التفسير، مشهور.

٦٠٠
باب ٣٥ / ح ٢٧٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فمات السَّهْمي بأرضٍ ليس بها مسلم)) في رواية الكلبي: ((فمَرِضَ السَّهمي فأوصى
إليهما وأمَرَهما أن يُبَلِّغا ما تَرَكَ أهله، قال تميم: فلمَّا مات أخَذنا من تَرِكَته جاماً وهو أعظَم
تِجَارَته، فِعناه بألفِ درهم، فاقتَسَمتها أنا وعَديّ)).
قوله: «فلمَّا قَدِما بَرِكَتِهِ فقَدوا جاماً» في رواية ابن جُرَيجِ عن ◌ِكرِمة: أنَّ السَّهمي
المذكور مَرِضَ فَكَتَبَ وَصَّتَه بيدِه ثمَّ دَسَّها في متاعه ثمّ أوصی إليهما، فلمَّا مات فتَحا متاعه
ثمَّ قَدِما على أهله فدَفَعا إليهم ما أرادا، ففَتَحَ أهله مَتاعه فَوَجَدوا الوصيّة وفَقَدوا أشياء،
فسألوهما عنها فجَحَدا، فَرَفَعوهما إلى النبيِ وَلِّ، فنزلَت هذه الآية إلى قوله: ﴿اُلْأَثِمِينَ﴾،
فأمَرَهم أن يَستَحلِفوهما.
قوله: ((جاماً)) بالجيمِ وتخفيف الميم، أي: إناءً.
قوله: ((مُوَّصاً)) بخاءٍ مُعجَمة وواو ثقيلة بعدها مُهمَلة، أي: منقوشاً فيه صِفَة الخُوص،
ووقع في بعض نُسَخ أبي داود: ((مُوَّضاً)) بالضَّاد المعجَمة، أي: مُمُوَّهاً، والأوَّل أشهَر، ووقع
في رواية ابن جُرَيجٍ عن عِكرِمة: إناء من فِضَّة منقوش بذَهَبٍ، وزاد في روايته: أنَّ تميماً
وعَدِيّاً لمَّا سُئِلا عنه قالا: اشتَرَيناه منه، فارتَفَعوا إلى النبيِوَ سَلِفَنزِلَت: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَ أَنَّهُمَا
اُسْتَحَقًّا إِثْمًا﴾، ووقع في رواية الكلبي عن تميم: فلمَّا أسلَمتُ تأثَّمتُ، فأتيت أهله فأخبرتهم
الخبر، وأدَّيت إليهم خمس مئة درهم، وأخبرتهم أنَّ عند صاحبي مثلها.
قوله: ((فقام رجلان من أولياء السَّهْمي)) أي: الميّت، وقع في رواية الكلبي: فقام عَمْرو
ابن العاص ورجل آخر منهم، وسَمّى مُقاتِل بن سليمان في تفسير الآخَر: المطَّلِب بن أبي
وَدَاعة، وهو سَهْمي أيضاً، لكنَّه سمّى الأوَّل عبد الله بن عَمْرو بن العاص، وكذا جَزَمَ به
يحيى بن سلام في ((تفسيره))، وقول مَن قال: عَمْرو بن العاص أظهَر، والله أعلم.
واستُدِلَّ بهذا الحديث لجوازِ رَدّ اليمين على المدَّعي فيَحلِف ويَستَحِقّ، وسيأتي البحث
فيه. واستَدَلَّ به ابن سُرَيج الشّافعي المشهور للحكمِ بالشّاهدِ واليمين، وتَكَلَّفَ في انتزاعه
فقال: إنَّ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقًّا إِثْمًا﴾ لا يَخْلو إمَّا أن يُقِرّا، أو يَشهَد عليهما