النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
باب ٢٠ / ح ٢٧٦٢
كتاب الوصايا
ماتَت وعليها صومٌ، الحديث، ثمَّ رَدَّه بأنَّ في بعض الرِّوايات عن ابن عبّاس: جاءت امرأة
فقالت: إنَّ أُختي ماتَت(١).
قلت: والحقّ أنَّهَا قِصَّة أُخرى، وقد أوضحت ذلك في كتاب الصّيام (١٩٥٣)(٢).
وفي حديث الباب من الفوائد: جواز الصَّدَقة عن الميِّت، وأنَّ ذلك يَنفَعه بوُصولِ
ثواب الصَّدَقة إليه، ولا سيّما إن كان من الوَلَد، وهو مُخُصِّص لعُموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ
لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، ويَلتَحِقِ بالصَّدَقة العِثْق عنه عند الجمهور، خلافاً
للمشهورِ عند المالكية، وقد اختُلِفَ في غير الصَّدَقة من أعمال البِرّ، هل تَصِل إلى المَيِّت
كالحجِّ والصوم؟ وقد تقدَّم شيء من ذلك في الصّيام.
وفيه أنَّ تَرْكَ الوصيّة جائز؛ لأنَّهِ وَلِّ لم يَذُمَّ أُمَّ سعد على تَرْك الوصيّة، قاله ابن المنذر،
وتُعُقِّبَ بأنَّ الإنكار عليها قد تَعذَّرَ لموتها، وسَقَطَ عنها التَّكليف، وأُجيبَ بأنَّ فائدة إنكار
ذلك لو كان مُنكَراً ليتَّعِظ غيرها ثَمَّن سَمِعَه، فلمَّا أُقِرَّ على ذلك، دَلَّ على الجواز.
وفيه ما كان الصحابة عليه من استشارة النبيِّ وَّهِ فِي أُمور الدّين، وفيه العمل بالظَّنِّ
الغالب، وفيه الجهاد في حَياة الأُمّ، وهو محمول على أنَّه استأذَتَها، وفيه السُّؤال عن التَّحَمُّل
والمسارَعة إلى عمل البِرّ والمبادرة إلى بِّ الوالدين، وأنَّ إظهار الصَّدَقة قد يكون خيراً من
إخفائها، وهو عند اغتنام صِدْق النِّية فيه، وأنَّ للحاكم تَحمُّل الشَّهادة في غير مَجَلِس
الحكم، نَبَّهَ على أكثر ذلك أبو محمد بن أبي جَمرة رحمه الله تعالى، وفي بعضه نَظَرٌ لا يَخْفى،
وكلامه على أصل الحديث وهو في الباب الذي يَليه أبسط من هذا الباب.
٢٠ - باب الإشهادِ في الوَقْف والصَّدقة
٢٧٦٢ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامُ بنُ يوسفَ، أَنَّ ابنَ جُرَيج أخبَرَهم،
(١) أخرجه الترمذي (٧١٦)، وابن ماجه (١٧٥٨)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢٠٥٥)، وابن حبان في
((صحيحه)) (٣٥٣٠) وإسناده صحيح.
(٢) وفي كتاب الحج في شرح الحديث (١٨٥٢).

٥٦٢
باب ٢١ / ح ٢٧٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
قال: أخبرني يَعْلَى، أنَّه سمعَ عِكْرِمةَ مَوْلَى ابنِ عبَّاسٍ يقول: أَنْبَأنا ابنُ عبَّاسِ: أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ
﴾ - أخا بني ساعدةَ - تُوُقَِّت أُمُّه وهو غائبٌ، فأتى النبيَّ ◌َِّ، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ أُمّي
تُوُفِّيَت وأنا غائبٌ عَنْها، فَهَل يَنْفَعُها شيءٌ إن تَصَدَّقْتُ به عَنْها؟ قال: ((نعمْ)) قال: فإنّ أُشْهِدُكَ
أنَّ حائطِي المِخْرافَ صَدَقةٌ عليها.
٣٩١/٥ قوله: ((باب الإِشْهاد في الوَقْف والصَّدَقة)) أورَدَ فيه حديث ابن عبّاس المذكور آنِفاً لقوله فيه:
(أُشهِدك أنَّ حائطي المِخْرافَ صدقةٌ))، وأَلحَقَ المصنِّف الوَقْف بالصَّدَقة، لكن في الاستدلال
لذلك بقِصَّة سعد نظرٌ؛ لأَنَّ قوله: ((أُشهِدك)) يحتمل إرادة الإشهاد المعتبر، ويحتمل أن يكون
معناه الإعلام، واستَدَلَّ المهلَّب للإشهاد في الوَقف بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾
[البقرة: ٢٨٢]، قال: فإذا أمَرَ بالإشهاد في البيع وله عِوَض، فَلأن يُشرَع في الوَقْف الذي لا
عِوَض له أوْلى.
وقال ابن المنيِر: كأنَّ البخاري أراد دَفْع التَّوَهُم عَمَّن يَظُنّ أنَّ الوَقْف من أعمال البِرّ،
فِيُنْدَب إخفاؤه، فبَّنَ أنَّه يُشرَع إظهاره، لأنَّه بصَدَدِ أن يُنازَع فيه، ولا سيّما من الوَرَثة.
٢١ - باب قوله عزَّ وجلّ: ﴿ وَءَاتُواْ الَْ أَمْوَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَيْثَ بِالَّيِّبِّ وَلَ
تَأْكُلُواْ أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَ لِكُمْ إِنَُّ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ
اٌلْيَى فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢ -٣].
٢٧٦٣ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شُعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: كان عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ يُحدِّثُ:
أَنَّه سألَ عائشةَ رضي الله عنها: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ الْيَى فَأَنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ
اٌلْنِسَاءِ﴾! قالت: هي اليَتِيمةُ في حَجْرٍ وَلِيِّها، فَرْغَبُ في ◌َمالها ومالها، ويُرِيدُ أن يَتَزَوَّجَها بأَدْنَى
من سُنِّ نِسائها، فنُهُوا عن نِكاحهنَّ إلا أن يُقْسِطُوا لَنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّداقِ، وأُمِرُوا بنكاح من
سِواهنَّ مِن النِّساءِ، قالت عائشةُ: ثُمَّ اسْتَفْتَى النّاسُ رسولَ الله وَّهِ بعدُ، فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ الْنِسَاءِ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] قالت: فَبَيَّنَ الله في هذه أنَّ
الْيَتِيمةَ إذا كانت ذاتَ جَمالٍ ومالٍ رَغِبُوا في نِكاحها، ولم يُلْحِقُوها بسُتَّتِها بإكْمالِ الصَّداقِ، فإذا

٥٦٣
باب ٢٢ / ح ٢٧٦٤
كتاب الوصايا
كانت مَرْغُوبةً عَنْها في قِلّةِ المال والجَمال تَرَكُوها، والتَمَسُوا غيرَها مِن النِّساءِ، قال: فكما
يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْها، فليسَ لهم أن يَنْكِحُوها إذا رَغِبُوا فيها، إلا أن يُقْسِطُوا لها الأوْنَى
مِن الصَّداقِ ويُعْطُوها حقَّها.
قوله: ((باب قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَءَاتُوْاَلْيَ ◌َهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالَِّبِّ وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَهُمْ
إَِ أَمْوَلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ ﴾» أورَدَ فيه حديث عائشة في تفسیر
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىِ اُلْيَ﴾، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى
النِّسَاءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، وسيأتي الكلام على هذا الحديث مُستَوفَى في التفسير
(٤٥٧٣ و٤٥٧٤)، وقد أغفَلَ المِزِّيُّ عَزْوَ هذا الحدیث إلی کتاب الوصايا.
٢٢ - باب قول الله تعالى:
﴿وَبْلُواْ الْيَى حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشِّدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمَّ وَلَا تَأْكُلُهَاَ
إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌْ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلّ ◌ِاَلْمَعْرُوفِ، فَإِذَا دَفَعْتُمْ
إِلَّهِمْ أَمْوَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِبًا ) لِلِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَاُلْأَقْرَبُونَ
وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: ٦ -٧]
﴿حَسِيبًا﴾: يعني: كافياً.
وما للوَصِيِّ أن يَعْمل في مال اليتيم وما يأكل منه بَقدْر عُمَالته
٢٧٦٤ - حدَّثنا هارُونُ بن الأَشْعَثِ، حدَّثنا أبو سعيدٍ مَوْلَى بني هاشم، حدَّثنا صَخْرُ بنُ
مجُوَيرِيةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ عمرَ تَصَدَّقَ بمالٍ له على عَهْدِ رسولِ الله ◌َّ
- وكان يقالُ له: ثَمْغٌ، وكان نَخْلاً - فقال عمرُ: يا رسولَ الله، إنّي اسْتَفَدْتُ مالاً وهو عندي
نَفِيسٌ، فأرَدْتُ أن أتصَدَّقَ به؟ فقال النبيُّ ◌َّهِ: («تَصَدَّقِ بَأَصْلِه، لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ،
ولكن يُنْفَقُ ثَمَرُه)). فَتَصَدَّقَ به عمرُ، فصَدَقَتُه تلك في سبيلِ الله، وفي الرِّقاب، والمساكينِ،
والضَّيفِ، وابنِ السَّبِيلِ، ولِذي القُرْبَى، ولا جُناحَ على مَن وَلِيَه أن يأكُلَ منه بالمعُرُوفِ، أو يُوكِلَ
صَدِيقَه غیرَ مُتَمَوِّلٍ به.

٥٦٤
باب ٢٢ / ح ٢٧٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
٢٧٦٥- حدَّثنا عُبِيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً
رضي الله عنها: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]
قالت: أُنزِلَت في والي اليَتِيم أن يُصِيبَ من ماله، إذا كان تُخْتاجاً بقَدْرِ ماله بالمعُرُوفِ.
٣٩٢/٥
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَيْثَلُواْ الْيَنَ حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُ مِّنْهُمْ رُشْدًا
فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ﴾)) ساق في رواية الأَصِيلي وكَرِيمة إلى قوله: ﴿نَصِيبًا مَّغْرُوضًا﴾، وأمَّا في
رواية أبي ذرِّ فقال بعد قوله: ﴿رُشْدًا﴾: إلى قوله: ﴿مِمَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرُ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾.
قوله: ((﴿حَسِيبًا﴾ يعني: كافياً)) كذا للأكثر، وسَقَطَ ((يعني)) لأبي ذرٍّ. قال ابن التِّين:
فسَّرَه غيرُه عالماً، وقيل: مُحاسباً، وقيل: مُقْتَدِراً، وفي ((تفسير الطَّبَري)) (٢٦١/٤) عن السُّدّي:
﴿وَكَفَى بِلَّهِ حَسِيبًا ﴾ أي: شهيداً.
قوله: ((وما للوَصِيّ أن يَعْمَل في مال اليتيم وما يأكُل منه بقَدْرِ عُمالَتَه)) كذا للأكثر،
وسَقَطَت ((ما)) الأولى لأبي ذرّ. وهذه من مسائل الخلاف: فقيل: يجوز للوَصِيِّ أن يأخذ من
مال اليتيم قَدْر عُمُالَته، وهو قول عائشة كما في ثاني حديثَي الباب وعِكرِمة والحسن
وغيرهم، وقيل: لا يأكُل منه إلَّا عند الحاجة. ثمَّ اختلفوا فقال عُبيدة بن عَمْرو وسعيد بن
جُبَير ومجاهد: إذا أكَلَ ثمَّ أيسَر قَضى، وقيل: لا يَجِب القضاء، وقيل: إن كان ذَهَباً أو فِضَّة لم
يَجْز أن يأخذ منه شيئاً إلَّا على سبيل القَرْض، وإن كان غير ذلك جازَ بقَدْرِ الحاجة، وهذا
أصحّ الأقوال عن ابن عبّاس، وبه قال الشَّعبي وأبو العالية وغير هما، أخرج جميع ذلك ابن
جَرِير في «تفسيره)) (٢٥٤/٤-٢٥٦)، وقال هو بوجوب القضاء مُطلَقاً وانتَصَرَ له
(٢٥٩/٤ -٢٦٠)، ومذهب الشّافعي: يأخُذ أقلّ الأمرَينِ من أُجرته ونَفَقَته، ولا يَجِب الرَّدُّ
على الصحيح، وحَكَى ابن التِّين عن ربيعة: أنَّ المراد بالفقير والغَنيِّ في هذه الآية اليتيم،
أي: إن كان غَنِيّاً فلا يُسرِف في الإنفاق عليه، وإن كان فقيراً فليُطعِمْه من ماله بالمعروف،
ولا دلالةَ فيها على الأكل من مال اليتيم أصلاً، والمشهور ما تقدَّم.
ثمَّ أورَدَ المصنِّفُ في الباب حدیثین:

٥٦٥
باب ٢٢ / ح ٢٧٦٥
كتاب الوصايا
أحدهما: حديث عُمر.
قوله: ((حدَّثنا هارون بن الأشْعَث)) هو الهَمْداني بسكونِ الميم، أصلُه من الكوفة ثمَّ
سكَنَ بُخارى، ولم يُخُرِّج عنه البخاري في هذا الكتاب سوى هذا الموضع، ووقع في بعض
الرِّوايات/ كرواية النَّسَفي: ((حدَّثنا هارون)) غير منسوب، فَزَعَمَ ابن عَدي أنَّه هارون بن ٣٩٣/٥
يحيى المكّي الزُّبَيري، ولم يُعرَف من حاله شيء، والمعتَمَد ما وقع عند أبي ذرٍّ وغيره منسوباً.
قوله: (تَصَدَّقَ بمالٍ له)) هو من إطلاق العامّ على الخاصّ؛ لأنَّ المراد بالمال هنا الأرض
التي لها غَلَّة.
قوله: ((يقال له: ثَمْغ)) بفتح المثلَّثة وسكون الميم بعدها مُعجَمة، ومنهم مَن فَتَحَ الميمَ،
حَكاه المُنذِري، قال أبو عُبيد البَكْري: هي أرض تِلْقاءَ المدينة كانت لعُمر. قلت: وسأذكُرُ
في («باب الوَقف كيف يُكتَب» (٢٧٧٢) كيفية مَصيره إلى عمر مع بيان الاختلاف في ذلك
إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فصَدَقَتُه تلك)» کذا للگُشمهني، ولغيره: ذلك.
قوله: ((ولا جُناح على مَن وَلِيَه أن يأكُل منه بالمعروفِ)) قال المهلَّب: شَبَّهَ البخاري
الوَصِيَّ بناظِرِ الوَقْف، ووَجْه الشَّبَه أنَّ النَّظَر للمَوقوفِ عليهم من الفُقَراء وغيرهم كالنَّظَرِ
لليَتَامى. وتَعَقَّبَه ابن المنيِرِ بأنَّ الواقف هو المالك لمنافع ما وَقَفَه، فإن شَرَطَ لمن يَلي نظره
شيئاً ساغَ له ذلك، والموصِي ليس كذلك؛ لأنَّ ولده يَملِكون المال بعده بقِسْمة الله لهم، فلم
یکن في ذلك کالواقفٍ. انتھی.
ومُقْتَضاه أنَّ الموصِي إذا جَعَلَ للوَصِيّ أن يأكُل من مال الموصَى عليهم لا يَصِحّ ذلك،
وليس كذلك، بل هو سائغ إذا عَيَّنَه، وإنَّما اختلفَ السَّلَف فيما إذا أَوصى ولم يُعَيِّن للوَصِيِّ
شيئاً: هل له أن يأخُذ بقَدْرٍ عمله أم لا؟
وقال الكِرْماني: وَجْه المطابقة هو من جِهَة أنَّ القَصْد أنَّ الوَصِيَّ يأخذ من مال اليتيم
أَجرَه، بدليلٍ قول عمر: لا جُناح على مَن وَلِيَه أن يأْكُل بالمعروفِ.
:

٥٦٦
باب ٢٣ -٢٤ / ح ٢٧٦٦ -٢٧٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
ثانيهما: حديث عائشة في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ الآية، قالت عائشة:
أُنزِلَت في والي اليتيم، وفي رواية المُستَمْلي: ((في والي مال اليتيم ... )) إلى آخره، وقد
قَدَّمت بيان الاختلاف في ذلك، ويأتي بقية شرحه في تفسير سورة النِّساء (٤٥٧٥) إِن
شاء الله تعالى.
٢٣ - باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ
فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَبَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: ١٠]
٢٧٦٦- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدثني سلیمانُ بنُ بلالٍ، عن ثَوْرِ بنِ زید
المدَنِّ، عن أبي الفَيثِ، عن أبي هريرةَ عُ، عن النبيِّ وَِّقال: ((اجْتَنِيُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ)) قالوا:
يا رسولَ الله، وما هُنَّ؟ قال: «الشِّرْكُ بالله، والسِّخْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ التي حَرَّمَ الله إلَّا بالحقِّ، وأَكْلُ
الرِّبا، وأَكْلُ مال اليَيِمِ، والتَّوَلِّ يومَ الزَّحْفِ، وَذْفُ المُحْصَناتِ المُؤْمِنَاتِ الغافلاتِ)).
[طرفاه في: ٥٧٦٤، ٦٨٥٧]
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَىّ ◌ُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى
بُطُونِهِمْ نَارًاً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾)) أورَدَ فيه حديث أبي هريرة في السَّبع الموبقات، وفيه:
((وأَكْل مال اليتيم)) وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب الحدود (٦٨٥٧) إن شاء الله تعالى،
وكُنْت قَدَّمت في الشَّهادات (٢٦٥٣) أنَّني أشرح هذا الحديث هنا، ثمَّ حَصَلَ ذُهول،
فاستَدرَكته في الموضع الذي أعاده فيه المصنِّف من كتاب الحدود (٦٨٥٧)، وذكرت
الاختلاف في ضابط الكبيرة وفي عددها في أوائل كتاب الأدب (٥٩٧٦).
٣٩٤/٥
٢٤ - بابٌ ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ
اُلْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِيَحْ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]
﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾: لَأَخْرَ جَكُمُ وضَيَّقَ، ﴿وَعَنَتِ ﴾ [طه: ١١١]: خَضَعَت.
٢٧٦٧ - وقال لنا سُليمانُ بنُ حَرْبٍ: حدَّثنا حَمّادٌ، عن أيوبَ، عن نافع، قال: ما رَدَّ ابنُ
عمرَ على أحدٍ وَصِيَّتَه.

٥٦٧
باب ٢٤ / ح ٢٧٦٧
كتاب الوصايا
وكان ابنُ سِيرِينَ أحَبَّ الأَشْياءِ إليه في مال اليَتِيمِ أن يَخْتَمِعَ إليه نُصَحاؤُه وأوْلِیاؤُه،
فيَنظُرُوا الَّذي هو خيرٌ له.
وكان طاؤُوسٌ إذا سُئِلَ عن شيءٍ من أَمرِ اليَتَامَى قَرأَ: ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ
[البقرة: ٢٢٠]
وقال عطاءٌ في يَتامَى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ: يُنفِقُ الوَلِيُّ على كلِّ إنسانٍ بقَدْرِه من حِصَّتِهِ.
قوله: ((باب ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَىّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، إلى
آخر الآية» كذا لأبي ذرِّ، وساق غيره الآية.
قوله: (﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾: لأحْرجَكم وضيَّق)) هو تفسير ابن عبّاس أخرجه ابن المنذر
(١٤٣٠) من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه، وزاد بعد قوله: ((ضَيَّقَ)): عليكُم، ولكنَّه وسَّعَ
ويَسَّرَ فقال: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: ٦]، يقول:
يأكُل الفقير إذا وَليَ مال اليتيم بقَدْرٍ قيامه على ماله ومنفعَته ما لم يُسِف أو يُبَذِّر، ثمَّ
أخرج من طريق سعيد بن جُبَير قال في قوله: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لَأَحرَ جَكُم. انتهى، وقوله:
﴿لَأَعْنَتَّكُمْ﴾ فعل ماضٍ من العَنَت - بفتح المهمَلة والنّون بعدها مُثنّة والهمزة للتَّعدية -
أي: أوقَعكُم في العَنَت.
قوله: (﴿ وَعَنَتِ﴾: خَضَعَتْ)) كذا وقع هنا، واستُغرِبَ، لأنَّه لا تَعَلُّق له بقوله:
﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ بل هو فعل ماضٍ من العُنُوّ، بضمِّ المهملة والنّون وتشديد الواو، وليس هو
من العَنَت في شيء؛ لأنَّ التاء في العَنَت أصلية، وفي ((عَنَتْ)) للتََّنيثِ ولام الفعل منه واو،
لكنَّها ذهبت في الوَصل، فلعلَّ المصنّف ذكر ذلك هنا استطراداً، وتفسيرُ ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾
[طه: ١١١] بخَضَعَت أخرجه ابن المنذر أيضاً من طريق مجاهد، وأَخرجَ من طريق عليّ بن أبي
طلحة عن ابن عبّاس قال: قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ أي: ذَلَّت، ومن طريق أبي عُبيدة قال:
﴿وَعَنَتِ ﴾: استأسَرَت؛ لأَنَّ العاني هو الأسير، فكأنَّ مَن فَسَّرَه بخَضَعَت فسَّرَه بلازِمِه؛ لأَنَّ
من لازِمِ الأَسْر الذّلَّة والخُضوع غالباً.

٥٦٨
باب ٢٤ / ح ٢٧٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال لنا سليمان بن حَرْب ... )) إلى آخره، هو موصول، وسليمان من شُيوخ
البخاري، وجَرَت عادة البخاري الإتيان بهذه الصِّيغة في الموقوفات غالباً وفي المتابعات
نادراً، ولم يُصِبْ مَن قال: إِنَّه لا يأتي بها إلَّا في المذاكرة، وأبعَدَ مَن قال: إنَّ ذلك للإجازة.
قوله: ((ما رَدّ ابن عُمر على أحد وَصِيَّتَه)) يعني: أنَّه كان يقبل وصيّة مَن يوصي إليه، قال
ابن التِّين: كأنَّه كان يَبْتَغِي الأَجر بذلك لحديث: ((أنا وكافلُ اليتيم كَهاتينِ)) الحديث.
انتهى، وسيأتي في كتاب الأدب (٦٠٠٥) مع الكلام عليه، ومَحَلّ كراهة الدُّخول في
الوصايا أن يخشى التُّهمة أو الضَّعف عن القيام بحقّها.
قوله: ((وكان ابن سيرينَ أحَبَّ الأشياء إليه ... )) إلى آخره، لم أقف عليه موصولاً عنه.
قوله: ((وكان طاووس ... )) إلى آخره، وَصَلَه سفيان بن عُيَينةً في ((تفسيره) عن هشام بن حُجَیر
- بمُهمَلةٍ ثمَّ جيم مُصغَّر - عن طاووس: أنَّه كان إذا سُئِلَ عن مال اليتيم يَقرأ ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ
الْيَتَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَمُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.
قوله: ((وقال عطاء ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن أبي شَيْبة من رواية عبد الملك بن أبي
٣٩٥/٥ سليمان عنه: أنَّه سُئِلَ عن الرجل يَلي أموال أيتامٍ فيهم الصَّغير والكبير ومالهُم/ جميعٌ لم
يُقْسَم، قال: يُنفِقِ على كلّ إنسان منهم من ماله على قَدْره. وقد روى عبد بن حُميدٍ من
طريق قَتَادة قال: لمَّا نزلَت ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيمِ إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]
كانوا لا يُخالطونَهم في مَطعَم ولا غيره، فاشتَدَّ عليهم، فأنزلَ الله الرُّخصَة ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ
فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. وروى الثَّوري في ((تفسيره)) عن سالم الأفطَس
عن سعيد بن جُبَير: أنَّ سبب نزول الآية المذكورة لمَّا نَزِلَت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
اُلْيَتَمَى ◌ُظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] عَزَلوا أموالهم عن أموالهم، فنزلَت ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن
تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ قال: فخَلَطوا أموالهم بأموالهم، وهذا هو المحفوظ مع إرساله، وقد
وَصَلَه عطاء بن السَّائب بذِكرِ ابن عبّاس فيه، أخرجه أبو داود (٢٨٧١) والنَّسائي (٣٦٦٩)
واللَّفظ له، وصَحَّحَه الحاكم (١٠٣/٢ و٢٧٨ -٢٧٩ و ٣٠٣) من طريق عطاء بن السَّائب

٥٦٩
باب ٢٥ / ح ٢٧٦٨
كتاب الوصايا
عن سعيد ابن جُبَير عن ابن عبّاس قال: لمَّا نزلَت هذه الآية ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيِ إِلَّا
بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ و﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ظُلْمًا﴾ اجتَنَبَ الناس مال اليتيم
وطعامه فشَقَّ ذلك عليهم، فشكَوا إلى النبيِّ وَِّ ذلك فنزلَت ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَى﴾
الآية. ورواه النَّسائي (٣٦٧٠) من وجه آخر عن عطاء بن السَّائب موصولاً أيضاً: وزاد
فيه: ((وأحَلَّ لهم خُلْطَتَهُم))، وروى عبد بن حُميدٍ من طريق السُّدّي عَمَّن حدَّثه عن ابن
عبَّاس قال: المخالطة: أن تَشَرَب من لَبَنه ويَشرَب من لَبَنك، وتأكُل من قَصعَته ويأكُل من
قَصعَتِكَ ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِيحِ﴾ مَن يَتَعَمَّد أَكلَ مال اليتيم ومَن يَتَجَنَّبُه.
وقال أبو عُبيد: المراد بالمخالَطة أن يكون اليتيم بين عِيال المَوْلِيِّ عليه فيَشُقّ عليه إفراز
طعامه، فيأخُذ من مال اليتيم قَدْر ما يَرى أنَّه كافِيهِ بِالتَّحَرّي، فَيَخْلِطه بنَفَقة عياله، ولمَّا
كان ذلك قد تَقَع فيه الزِّيادة والنُّقْصان خَشَوْا من ذلك، فوَسَّعَ الله عليهم، وهو نَظِير
النَّهْد، حيثُ وسِّعَ عليهم في خَلط الأزواد في الأسفار كما تقدَّم في الشَّرِكة (٢٤٨٣
و٢٤٨٦)، والله أعلم.
٢٥ - باب استخدام اليتيم في السَّفر والحَضَر إذا كان صلاحاً له،
ونَظَرِ الأُمّ أو زوجها لليتيم
٢٧٦٨ - حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ كَثِيرٍ، حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن
أنسِ عُ، قال: قَدِمَ رسولُ اللهِوَّهُ المدينةَ ليسَ له خادِمٌ، فَأَخَذَ أبو طَلْحةَ بَيَدي، فانطَلَقَ بي إلى
رسولِ اللهِ وَّه، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ أَنساً غُلامٌ كَيِّسٌٌ فَلْيَخْدُمْكَ، قال: فخَدَمْتُه في السَّفَرِ
والحَضَرِ، ما قال لي لشيءٍ صَنَعْتُهُ: لَمَ صَنَعْتَ هذا هكذا؟ ولا لشيءٍ لم أصنَعْه: لمَ لم تَصْنَعْ هذا
هکذا؟
[طرفاه في: ٦٩١١،٦٠٣٨]
قوله: ((باب استخدام اليتيم في السَّفَر والحَضَر إذا كان صلاحاً له، ونَظَرِ الأُمّ أو زوجها
لليتيمِ)) أورَدَ فيه حديث أنس قال: ((قَدِمَ رسول الله وَّرَ المدينة وليس له خادم، فأخَذَ

٥٧٠
باب ٢٦ / ح ٢٧٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
أبو طلحة بيدي فانطَلَقَ بي)) الحديث، وسيأتي الكلام على شرحه مُستَوفَّى: أمَّا صَدْره ففي
الجهاد (٢٨٩٣)، وأمَّا بَقيَّته ففي كتاب الأدب (٦٠٣٨).
وعبد العزيز المذكور في الإسناد: هو ابن صُهَيب، والإسناد كلّه بصريُّون. وأبو طلحة
كان زوج أُمّ سُلَيمٍ والدة أنس، فالحديث مطابق لأحدٍ رُكنَي التَّرجمة، وأمَّا الرُّكن الذي
قبلَه، وهو نَظَرِ الأُمّ، فكأنَّه استُفيدَ من كَون أبي طلحة لم يَفعَل ذلك إلَّا بعد رِضا أُمّ سُلَيم،
أو أشار إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه: ((أنَّ أُمّ سُلَيمٍ هي التي أحضَرَته إلى النبيِّ ◌َّهِ أَوَّل ما
قَدِمَ المدينة))، وأمَّا أبو طلحة فأحضَرَه إليه لمَّا أراد الخروج إلى غَزْوة خَيْبَر كما سيأتي ذلك
٣٩٦/٥ صريحاً في ((باب مَن غَزا بصَبيٍّ للخدمة)» من كتاب الجهاد (٢٨٩٣)/ من طريق عَمْرو بن
أبي عَمْرو عن أنس.
وقد اختُلِفَ في حكم ما تَرجَمَ به: فعن المالكية: للأُمِّ وغيرها النَّصَرُّف في مَصالح مَن
في كَفَالَتِهِم من الأيتام وإن لم يكونوا أوصياء، واستَشكَلَ بعضهم جواز ذلك، فإنَّه يُفضي
إلى أنَّ اليتيم يَشتَغِل بالخدمة عن التَّأديب، وهو ضِدّ المطلوب، وجوابه أنَّ انتزاع الحكم
المذكور من هذا الخبر يقتضي التَّقييد بما وَرَدَ في الخبر المستَدَلّ به، وهو أن يكون عند مَن
يُؤَدِّبه ويَنتفع بتأديبِه، كما وقع لأنسٍ في الخدمة النَّبوية، فإنَّه استَفاد بالمواظبة عليها من
الآداب ما فاقَ غيره ممَّن أذَبه أبوه.
٢٦ - باب إذا وَقَف أرضاً ولم يُبيِّ الحدود فهو جائزٌ، وكذلك الصّدقة
٢٧٦٩ - حذَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ، أنَّه
سمعَ أَنْسَ بنَ مالكِ ﴾ يقول: كان أبو طَلْحةَ أكثرَ الأنصارِ بالمدينةِ مالاً من نَخْلٍ، وكان
أَحَبُّ ماله إليه بَيْرُحاءَ مُسْتَقْبِلَةَ المسجدِ، وكان النبيُّ ◌َّهِ يَدخُلُها ويَشْرَبُ من ماءٍ فيها طَيِّبِ،
قال أنسُ: فلمَّا نزلَت: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قامَ أبو
طَلْحةَ فقال: يا رسولَ الله، إنَّ الله يقول: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾، وإِنَّ أحَبَّ

٥٧١
باب ٢٦ / ح ٢٧٧٠
كتاب الوصايا
أموالي إليَّ بَيرُحاءُ، وإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله أرجو بِرَّها وذُخْرَها عندَ الله، فضَعْها حيثُ أراكَ الله، فقال:
(بَخْ، ذلك مالٌّ رابِحٌ - أو رايحٌ شَكَّ ابنُ مَسْلَمَةَ - وقد سمعتُ ما قلتَ، وإنّي أَرَى أن تَجْعَلَها في
الأقَرَبِينَ)) قال أبو طَلْحةَ: أَفعَلُ ذلك يا رسولَ الله، فقَسَمَها أبو طَلْحَةَ في أقاربِهِ وبَنِي عَمِّه.
وقال إسماعيلُ وعبدُ الله بنُ يوسفَ ويحيى بنُ يحيى عن مالكٍ: ((رایحٌ)).
٢٧٧٠ - حدَّثنى محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيمِ، أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، حدَّثنا زكريّا بنُ إسحاقَ،
قال: حدَّثَنِي عَمْرُو بنُ دِينارٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رجلاً قال
لرسولِ اللهِ وَّ﴾: إِنَّ أُمَّه تُوُفِّيَت، أيَنْفَعُها إن تَصَدَّقْتُ عَنْها؟ قال: ((نعم)) قال: فإنَّ لي مِخْرافاً،
فأنا أُشْهِدُكَ أَنّي قد تَصَدَّقْتُ بِه عَنْها.
قوله: ((باب إذا وقَفَ أرضاً ولم يُبيِّن الحدود فهو جائز، وكذلك الصَّدَقة)) كذا أطلقَ
الجواز، وهو محمولٌ على ما إذا كان الموقوف أو المتصَدِّق به مشهوراً مُتَميِّزاً بحيثُ يُؤمَّن أن
يَلْتَبِس بغيره، وإلَّ فلا بُدّ من التَّحديد اتِّفاقاً، لكن ذَكَر الغَزالي في ((فتاويه)) أنَّ مَن قال:
اشهدوا على أنَّ جميع أملاكي وَقْفٌ على كذا، وذكر مَصرِفَها ولم يُحدِّد شيئاً منها، صارت
جميعها وَقْفاً، ولا يَضُرّ جَهلُ الشُّهود بالحدود.
ويحتمل أن يكون مُراد البخاري أنَّ الوَقْف يَصِحّ بالصِّيغة التي لا تحديد فيها بالنِّسبة
إلى اعتقاد الواقف وإرادته لشيءٍ مُعيَّن في نفسه، وإنَّما يُعتَبَرَ التَّحديد لأجلِ الإشهاد عليه
ليُبيِّن حقَّ الغير، والله أعلم.
قوله: ((أكثرَ الأنصار)) في رواية الكُشْمِيهني: ((أكثر أنصاريّ)) أي: أکثر كلِّ واحدٍ من
الأنصار، والإضافة إلى المفرَد النَّكِرة عند إرادة التَّفضيل سائغ.
قوله: ((مالاً من نَخْل)) تقدَّم في رواية عبد العزيز الماحِشُون عن إسحاق تَسمية حَدائق
أبي طلحة قريباً (٢٧٥٨).
قوله: ((وكان النبيُّ وَل﴿ يَدخُلها)) زاد في رواية/ عبد العزيز: ويَسْتَظِلّ فيها.
٣٩٧/٥

٥٧٢
باب ٢٦ / ح ٢٧٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بَيرُحاء)) تقدَّم شيء من ضَبطها في الزكاة (١٤٦١)، ومنه عند مسلم (٩٩٨/ ٤٣):
(بَرِيحاء)) بفتح الموحَّدة وكسر الراء وتقديمها على التَّحتانية السَّاكنة ثمَّ حاء مُهمَلة، ورَجَّحَ
هذا صاحب ((الفائق)) وقال: هي وزن فَعِيلاء، من البَراح: وهي الأرض الظَّاهرة المنكَشِفة،
وعند أبي داود (١٦٨٩): ((بارِيحاء)» وهو بإشباعِ الموحّدة والباقي مثله، ووَهِمَ مَن ضَبَطَه
بكسر الموحّدة وفتح الهمزة، فإنَّ أريِجاء من الأرض المقدَّسة، ويحتمل إن كان محفوظاً أن
تكون سُمّيت باسمِها. قال عِيَاض: رواية المغاربة إعراب الراء والقَصْر في حاء، وخطَّأ هذا
الصُّوريُّ.
وقال الباجي: أدركت أهل العلم ومنهم أبو ذرِّ يَفتَحون الراء في كلّ حال، زاد
الصُّوريُّ: وكذلك الباء، أي: أوَّله، وقد قَدَّمت في الزكاة أنَّه انتهى الخلاف في النُّطق بها
إلى عشرة أَوجُه، ونَقَلَ أبو عليّ الصَّدَفي عن أبي ذرِّ الهَرَوي: أنَّ جَزَمَ أنَّهَا مُرَكَّبة من كَلِمَتين
(بير)) كلمة، و((حاء)) كلمة، ثمَّ صارت كلمة واحدة، واختُلِفَ في ((حاء)» هل هي اسم
رجل أو امرأة أو مكان أُضيفَت إليه البئر، أو هي كلمة زَجْر للإبل، وكأنَّ الإبل كانت
تَرعى هناك وتُزجَر بهذه اللَّفظَة، فأُضيفَت البئر إلى اللَّفظَة المذكورة.
قوله: ((بَحْ)) بفتح الموخَّدة وسكون المعجَمة، وقد تُنَوَّن مع التَّعقيل والتَّخفيف بالكسر
والرفع والسُّكون ويجوز التنوين، لُغاتٌ، ولو كُرِّرَت فالاختيار أن تُنَوَّنَ الأُولِى وتُسَكَّن
الثانیة، وقد يُسَكَّنان جمیعاً كما قال الشّاعر:
بَخْ بَخْ لوالدِه وللمَولودِ (١)
ومعناها: تفخیم الأمر والإعجاب به.
قوله: ((رابحٌ - أو رايحٌ - شكَّ ابن مَسْلَمة)) أي: القَعْنَبي، أي: هل هو بالتَّحتانية أو بالموحّدة.
(١) هذا عجز بيت من الشعر، قائله أعشی همدان، وصدره:
بين الأَشَجِّ وبين قيسٍ باذخٌ
انظر ((معجم مقاييس اللغة)) لابن فارس ١/ ١٧٥.

٥٧٣
باب ٢٦ / ح ٢٧٧٠
كتاب الوصايا
قوله: (أَفعَلُ)) بضمِّ اللّام على أنَّه قول أبي طلحة.
قوله: ((فَقَسَمَها أبو طَلْحة)) فيه تعيين أحد الاحتمالَينِ في رواية غيره حيثُ وقع فيها
((أَفْعَلِ. فَقَسَمَها)) فإنَّه احتَمَلَ الأوَّل، واحتَمَلَ أن يكون ((افعَلْ)) صيغَة أمر، وفاعِل
((قَسَمَها)) النبيُّ وَّهَ، وانتفى هذا الاحتمال الثاني بهذه الرِّواية. وذكر ابن عبد البَرِّ أنَّ
إسماعيل القاضي رواه عن القَعْنَبي عن مالك فقال في روايته: ((فقَسَمَها رسول الله وَّهِ في
أقاربه وبَنِي عَمّه))، قال: وقوله: ((في أقاربه)) أي: أقارب أبي طلحة.
قلت: ووقع في رواية ثابت عن أنس كما تقدَّم(١)، وكذا في رواية همَّام، عن إسحاق بن
أبي طلحة: فقال ◌َّ: ((ضَعها في قَرابَتك))، فجَعَلها حدائق بين حسَّان بن ثابت وأُبَيّ بن
کعب، لفظ إسحاق، أخرجه أبو داود الطَّیالسي في «مسنده)) (٢١٩٣) عنه، وحديث ثابت
نحوه، قال ابن عبد البَرّ: إضافة القَسْم إلى رسول الله وَّ وإن كان سائغاً شائعاً في لسان
العرب على معنى أنَّه الآمِر به لكن أكثر الرُّواة لم يقولوا ذلك، والصواب رواية مَن قال:
فَقَسَمَها أبو طلحة.
قوله: ((في أقاربه وبَنِي عَمّه)) في رواية ثابت المتقدِّمة: ((فجَعَلها لحسَّان وأُبَيّ))، وكذا في
رواية همَّام عن إسحاق كما تَرى، وكذا في رواية الأنصاري عن أبيه عن ثُمامة، وقد تَسَّكَ
به مَن قال: أقلّ مَن يُعطى من الأقارب إذا لم يكونوا مُنحَصِرينَ اثنان، وفيه نظر؛ لأنَّه
وقع في رواية الماحِشُونِ عن إسحاق المتقدِّمة (٢٧٥٨): ((فجَعَلها أبو طلحة في ذي رَحِمِه،
وكان منهم حسَّان وأُبَيّ بن كعب))، فدَلَّ على أنَّه أعطى غيرهما معهما، ثمَّ رأيت في
مُرسَل أبي بكر بن حَزْم المتقدِّم: فَرَدَّه على أقاربه أُبَيِّ بن كعب وحسَّانَ بنِ ثابت وأخيه
- أو ابن أخيه - شَدّاد بن أوس ونُبَيط بن جابر، فتَقاوَموه، فباع حسَّان حِصَّته من معاوية
بمئة ألف درهم.
قوله: ((وقال إسماعيل)) أي: ابن أبي أُوَيس ((وعبد الله بن يوسف ويحيى بن يحيى عن مالك))
(١) سلف تخريجها بين يدي الحديث (٢٧٥٢).

٥٧٤
باب ٢٦ / ح ٢٧٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
أي: بهذا الإسناد، ((رايحٌ)) أي: بالتَّحتانية، وقد وصَلَ حديث إسماعيل في التفسير (٤٥٥٤)،
وحديث عبد الله بن يوسف في الزكاة (١٤٦١)، وحديث يحيى بن يحيى في الوكالة
(٢٣١٨)، وقد تقدَّم توجيه الرِّوايَتين في كتاب الزكاة.
وفي قِصَّة أبي طلحة من الفوائد غير ما تقدَّم: أنَّ مُنقَطِع الآخِرِ في الوَقف(١) يُصرَف
لأقرَب الناس إلى الواقف، وأنَّ الوَقف لا يحتاج في انعِقاده إلى قَبُول الموقوف عليه.
٣٩٨/٥ واستَدَلَّ به بعض المالكية على صِحَّة/ الصَّدَقة المطلقة، ثمَّ يُعَيِّنها المتصَدِّق لمن يريد،
واستُدِلَّ به للجمهورِ في أنَّ مَن أوصى أن يُفرَّق ثُلُث ماله حيثُ أَرَى اللهُ الوَصِيَّ، صَخَّت
وَصِيَّتَه، ويُفرِّقه الوَصُّ في سُبُل الخير ولا يأكُل منه شيئاً ولا يُعطي منه وارثاً للميِّت،
وخالَفَ في ذلك أبو ثَوْر وفاقاً للحنفية في الأوَّل دون الثاني.
وفيه جواز التَّصَدُّق من الحيّ في غير مَرَض الموت بأكثر من ثُلُث ماله؛ لأنَّه وَّه لم
يَستَفْصِل أبا طلحة عن قَدْر ما تَصَدَّقَ به، وقال لسَعدِ بن أبي وقَّاص: ((الثُّلث كثير)).
وفيه تقديم الأقرَب من الأقارب على غيرهم، وفيه جواز إضافة حُبّ المال إلى الرَّجل
الفاضل العالم، ولا نَقْصَ عليه في ذلك، وقد أخبر تعالى عن الإنسان: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ
لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، والخير هنا المال اتِّفاقاً.
وفيه اتِّخاذ الحوائط والبساتين، ودخول أهل الفَضْل والعلم فيها والاستظلال بظِلِّها
والأكل من ثَمَرها والرّاحة والتنزُّه فيها، وقد يكون ذلك مُستَحَبّاً يَتَرتَّب عليه الأجر إذا
قَصَدَ به إجمام النَّفْس من تَعَب العبادة، وتَنشيطها للطّاعة.
وفيه كَسْب العَقَار، وإباحة الشُّرب من دار الصَّديق ولو لم يكن حاضراً إذا عَلِمَ طِيبَ
نَفْسِه. وفيه إباحة استعذاب الماء وتفضيل بعضه على بعض، وفيه التَّمَسُّك بالعُموم؛ لأنَّ
(١) وذلك أن الوقف عند الفقهاء باعتبار الانقطاع ثلاثة أقسام، وهي: منقطع الأول، كقول الواقف:
وقفتُ كذا على مَن سيولد لي، ومنقطع الوسط كقوله: وقفته على أولادي ثم على زيد ثم على الفقراء،
ومنقطع الآخِر كقوله: وقفته على أولادي أو على زيد ثم نسله، ولم يزد. وتفصيل ذلك وبيانه مدوَّن في
کتب الفقه.

٥٧٥
باب ٢٦ / ح ٢٧٧٠
كتاب الوصايا
أبا طلحة فَهِمَ من قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تَناوَلَ ذلك بجميعِ
أفراده، فلم يَقِف حتَّى يَرِدَ عليه البيان عن شيء بعَينِهِ، بل بَدَرَ إلى إنفاق ما يُحِبّه، وأقرَّه
النبيُّ ◌َآلټ على ذلك.
واستُدِلَّ به لمَا ذهب إليه مالكٌ من أنَّ الصَّدَقة تَصِحّ بالقولِ من قَبْل القَبْض، فإن
كانت لمُعيَّنِ اسْتَحقَّ المطالبة بقَبضِها، وإن كانت لِجِهَةٍ عامَّة خَرَجَت عن مِلك القائل، وكان
للإمام صَرفُه في سبيل الصَّدَقة، وكلّ هذا ما إذا لم يَظهَر مُرادِ المتصَدِّق، فإن ظَهَرَ أْتُبْعَ.
وفيه جواز تَوَلّي المتصَدِّق قَسْم صَدَقَته، وفيه جواز أَخْذ الغنيّ من صَدَقة التطوُّع إذا
حَصَلَتْ(١) له بغير مسألة، واستُدِلَّ به على مشروعية الحَبْس والوَقْف خلافاً لمن مَنَعَ ذلك
وأبطَلَه، ولا حُجَّة فيه لاحتمال أن تكون صدقة أبي طلحة صَدَقَةَ تمليكٍ(٢) وهو ظاهر سياق
الماِشُونِ عن إسحاق كما تقدَّم.
وفيه زيادة الصَّدَقة في التطَوُّع على قَدْر ◌ِنِصاب الزكاة، خلافاً لمن قَّدَها به، وفيه فضيلة
لأبي طلحة؛ لأَنَّ الآية تَضَمَّنَت الحثّ على الإنفاق من المحبوب، فتَرَقّى هو إلى إنفاق
أحَبّ المحبوب، فصَوَّبَ وَِّ رأيه وشكَرَ عن رَبّه فِعْلَه، ثمَّ أمَرَه أن يَخُصّ بها أهله، وكَنّی
عن رِضاه بذلك بقوله: (بَخْ)).
وفيه أنَّ الوَقْف يَتِمّ بقولِ الواقف: جعلتُ هذا وَقْفاً، وتقدَّم البحث فيه قبل أبواب،
وأنَّ الصَّدَقة على الجِهَة العامَّة لا تحتاج إلى قَبُول مُعيَّن، بل للإمام قَبُولها منه ووَضْعها فيما
يَراه كما في قِصَّة أبي طلحة. وفيه أنَّه لا يُعتَبَر في القَرابة مَن يَجمعُه والواقف أبٌّ مُعيَّن لا
رابعَ ولا غيره؛ لأَنَّ أُبَيّاً إِنَّمَا يَجْتَمِع مع أبي طلحة في الأب السَّادس، وأنَّه لا يَجِب تقديم
القريب على القريب الأبعَد؛ لأَنَّ حسَّاناً وأخاه أقرب إلى أبي طلحة من أُبَيّ ونُبَيط، ومَعَ
ذلك فقد أشرَكَ معهما أُبَيّاً ونُبَيط بن جابر، وفيه أنَّه لا يَجِب الاستيعاب؛ لأنَّ بني حَرَام
(١) في (س): حصل.
(٢) في (س): صدقة أبي طلحة تمليكاً.

٥٧٦
باب ٢٧ / ح ٢٧٧١
فتح الباري بشرح البخاري
الذي اجتَمَعَ فيه أبو طلحة وحسَّان كانوا بالمدينة كثيراً، فضلاً عن عَمْرو بن مالك الذي
يجمع أبا طلحة وأُبَيّاً.
قوله في حديث ابن عبّاس: ((أنَّ رجلاً)) هو سعد بن عُبادةَ كما تقدَّم قريباً (٢٧٦١).
٢٧ - بابٌ إذا وَقَف جماعةٌ أرضاً مُشاعاً فهو جائزٌ
٢٧٧١ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن أبي التَّاحِ، عن أنسٍ عَ﴾، قال: أمَرَ النبيُّ
وَلَه بيناءِ المسجدِ، فقال: ((يا بني النَّجّارِ ثامِنُوني بحائطِكُم هذا)» قالوا: لا والله لا نَطْلُبُ ثَمَنَه
إلَّا إلى الله.
٣٩٩/٥
قوله: ((باب إذا وَقَفَ جماعة أرضاً مُشاعاً فهو جائز)) قال ابن المنيِّرِ: احتَرَزَ عَّا إذا وَقَفَ
الواحد المُشاع، فإنَّ مالكاً لا يُجيزه لئلّا يَدخُلِ الضَّرَر على الشَّريك، وفي هذا نَظَر؛ لأَنَّ
الذي يَظهَر أنَّ البخاريَّ أراد الَّدَّ على مَن يُنكِرِ وَقْفَ المُشاعِ مُطلَقاً، وقد تقدَّم قبل أبوابٍ
(٢٧٥٧) أنَّه تَرجَم: ((إذا تَصَدَّقَ أو وَقَفَ بعض ماله فهو جائز)) وهو وَقْفُ الواحد المُشَاعِ،
وقد تقدَّم البحث فيه هناك.
وأورَدَ المصنِّف في الباب حديث أنس في قِصَّة بناء المسجد، وقد تقدَّم بهذا الإسناد
مُطوَّلاً في أبواب المساجد من أوائل كتاب الصلاة (٤٢٨).
والغَرَض منه هنا ما اقتَصَرَ عليه من قولهم: ((لا نَطلُب ثَمَنَه إلَّا إلى الله عزَّ وجلَّ)) فإِنَّ
ظاهره أنَّهم تَصَدَّقوا بالأرض لله عزَّ وجلّ، فقَبِلَ النبيُّ وَّ ذلك، ففيه دليل لمَا تَرجَم له،
وأمَّا ما ذكره الواقدي أنَّ أبا بكر دَفَعَ ثَمنَ الأرض لمالكِها منهم، وقَدْرُه عشرة دنانير، فإنْ
ثبت ذلك كانت الحُجَّة للترجمة من جِهَة تقرير النبيِّ وَّر على ذلك ولم يُنكِرِ قولهم ذلك،
فلو كان وَقفُ المُشاع لا يجوز لَأنكَرَ عليهم وبَيَّنَ لهم الحُكم.
واستُدِلَّ بهذه القِصَّة على أنَّ حُكم المسجد يَثْبُت للبناءِ إذا وقع بصورة المسجد ولو لم
يُصرِّح الباني بذلك، وعن بعض المالكية: إن أَذِنَ فيه ثَبَت له حكم المسجد، وعن الحنفية:
إن أَذِنَ للجماعة بالصلاة فيه ثَبَت، والمسألة مشهورة، ولا يَئُبُت عند الجمهور إلَّا إن صَرَّحَ

٥٧٧
باب ٢٨-٢٩ / ح ٢٧٧٢ - ٢٧٧٣
كتاب الوصايا
الباني بالوَقْفيَّة، أو ذَكَر صيغَة مُخْتَمَلة ونَوى معها. وجَزَمَ بعض الشّافعية بمِثلِ ما نُقِلَ عن
الحنفية لكن في المَوَات خاصَّة، والحقّ أنَّه ليس في حديث الباب ما يدلّ لإثباتِ ذلك ولا
نَفْيُّه، والله أعلم.
قوله: ((لا نَطْلُب ثَمَنه إلَّا إلى الله)) أي: لا نَطلُب ثَمنَه من أحد، لكن هو مَصروف إلى الله،
فالاستثناء على هذا التَّقدير مُنقَطِع، أو التَّقدير: لا نَطلُب ثَمنَه إِلَّ مَصروفاً إلى الله، فهو مُتَّصِل.
٢٨ - باب الوَقْفِ کیف یُکتب؟
٢٧٧٢- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ
رضي الله عنهما، قال: أصابَ عمرُ بخَييرَ أرضاً، فأتى النبيَّ نَّه فقال: أصَبتُ أرضاً لم أُصِبْ
مالاً قَطُّ أَنْفَسَ منه، فكيفَ تَأْمُرُني به؟ قال: ((إن شِئْتَ حَبَّسْتَ أصلَها وتَصَدَّقْتَ بها)). فتَصَدَّقَ
عمرُ أنَّه لا يُباعُ أصلُها ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ في الفُقَراءِ، والقُرْبَى، والرِّقاب، وفي سبيلِ الله،
والضَّيفِ، وابنِ السَّبِيلِ، لا جُنَاحَ على مَن وَلِيَها أن يأْكُلَ منها بالمعُرُوفِ، أو يُطْعِمَ صَدِيقاً غيرَ
مُتَمَوِّلٍ فیهِ.
٢٩ - باب الوَقْفِ للغنيِّ والفقير والضيف
٢٧٧٣ - حدَّثنا أبو عاصم، حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: أنَّ عمرَ عَ﴾ وَجَدَ
مالاً بِخَيبرَ، فأتى النبيَّ ◌َِّ فأخبَرَه، قال: ((إن شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بها)) فَتَصَدَّقَ بها في الفُقَراءِ
والمساكينِ وذي القُرْبَى والضَّيفِ.
قوله: ((باب الوَقْف كيف يُكتَب)) ذكر فيه حديث ابن عمر في قِصَّة وَقْف عُمر، وقد
تَرجَمَ له في آخر الشُّروط: ((الشروط في الوَقْف)) (٢٧٣٧)، وتَرجَمَ له بعد هذا: «الوَقْف
على الغني والفقير)) وبعد بابين: (نَفَقة قَيِّم الوَقْف)) ومن قبلُ بأبواب: ((ما للوَصي أن
يعمل في مال اليتيم)) (٢٧٦٤)، هذا جميع المواضع التي أورَدَه فيها موصولاً، طوَّله
في بعضها، واختصره في بعضها(١)، واستَدَلَّ منه بأطرافٍ / تعليقاً في مواضع منها في ٤٠٠/٥
(١) قوله: ((واختصره في بعضها)) سقط من (س).

٥٧٨
باب ٢٩ / ح ٢٧٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
المُزارَعة(١)، وفي: ((باب هل ينتفع الواقف بوَقِفِه؟))(٢)، وفي: ((باب إذا وقَفَ شيئاً قبل أن
يَدِفَعه إلى غيره))(٣).
قوله: ((حدَّثنا مُسدَّد، حذَّثنا يزيد بن زُرَیع)) كذا اقتَصَرَ علیه، وقد أخرجه أبو داود (٢٨٧٨)
عن مُسدَّد، عن يزيد بن زُرَيِع وبِشْر بن المفَضَّل ويحيى القطَّان ثلاثَتهم عن عبد الله بن عَوْن،
وقد زَعَمَ ابن عبد البَرِّ أنَّ ابن عَوْن تفرَّد به عن نافع، وليس كما قال، فقد أخرجه البخاري من
رواية صَخْر بن جُوَيرية عن نافع كما تقدَّم قبل أبواب (٢٧٦٤)، وأخرجه مختصراً (٢٧٧٧)،
وأحمد (٦٠٧٨) والدّارَ قُطني (٤٤٠٣) مُطوَّلاً من رواية أيوب، وأخرجه الطَّحَاوي (٤/ ٩٥)
من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، والنَّسائي (٣٦٠٣) من رواية عُبيد الله بن عمر الأكبر
المصَغَّر، وأحمد (٥٩٤٧) والدّارَقُطني (٤٤٠٣) من رواية عبد الله بن عمر الأصغر المكبّر،
كلّهم عن نافع، وسأذكُرُ ما في روايتهم من الفوائد مُفصَّلاً إن شاء الله تعالى.
قوله: ((عن نافع)) في رواية الأنصاري عن ابن عَوْن الماضية في آخر الشُّروط عن ابن
عَوْن: ((أنبأني نافع)) والإنباء بمعنى الإخبار عند المتقدِّمينَ جَزْماً، وقد وقع عند الطَّحَاوي
من وجه آخر عن ابن عَوْن: ((أخبرني نافع))، والأنصاري المذكور أحد شيوخ البخاري
أخرج عنه عِدَّة أحاديث بغير واسطة منها حديث أبي بكر في أَنصِبة الزكاة، وأخرج عنه في
مواضع بواسطةٍ، وكان الأنصاري المذكور قاضي البصرة، وقد تَمَذهبَ للكوفيينَ في
الأوقاف، وصَنَّفَ في الكلام على هذا الحديث جُزءاً مُفرَداً.
قوله: ((عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أصابَ عُمر)) كذا لأكثر الرُّواة عن نافع، ثمَّ
عن ابن عَوْن جَعَلوه في مسند ابن عمر، لكن أخرجه مسلم (١٦٣٤) والنَّسائي (٣٥٩٧)
من رواية سفيان الثَّوري، والنَّسائي (٣٥٩٨) من رواية أبي إسحاق الفَزاري كلاهما عن
عبد الله بن عَوْن، والنَّسائي (٣٦٠٥) من رواية سعيد بن سالم عن عبيد الله بن عمر، كلاهما
(١) بين يدي الحديث رقم (٢٣٣٤).
(٢) بين يدي الحديث رقم (٢٧٥٤).
(٣) بعد الحدیث رقم (٢٧٥٥).

٥٧٩
باب ٢٩ / ح ٢٧٧٣
كتاب الوصايا
عن نافع عن ابن عمر عن عمر، جَعَلَه من مسند عُمر، والمشهور الأوَّل.
قوله: ((بخَيبَرَ أرضاً)) تقدَّم في رواية صخر بن جُوَيرية (٢٧٦٤): أنَّ اسمها ثَمْغ، وكذا
لأحمد (٦٠٧٨) من رواية أيوب: ((أنَّ عمر أصابَ أرضاً من يهود بني حارثة يقال لها:
ثَمْغٌ))، ونحوه في رواية سعيد بن سالم المذكورة، وكذا للدّارَقُطْني (٤٤٠) من طريق
الدَّراوَرْدي عن عبيد الله بن عمر، وللطَّحاوي (٩٥/٤) من رواية يحيى بن سعيد، وروى
عمر بن شَبَّة بإسنادٍ صحيح، عن أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْمِ: أنَّ عمر رأى في
المنام ثلاث لَيالٍ أن يَتَصَدَّق بِثَمْغ، وللنَّسائي (٣٦٠٤) من رواية سفيان عن عبيد الله بن
عمر: جاء عمر فقال: يا رسول الله، إنّ أصَبتْ مالاً لم أُصِبْ مالاً مثلَه قَطُّ، كان لي مئةُ
رأسٍ فاشتَرَيت بها مئةَ سَهْم من خَيبَرَ من أهلها، فيحتمل أن تكون ثَمْغٌ من ◌ُملة أراضي
خَيْبَرَ، وأنَّ مِقدارها كان مِقدار مئة سَهْم من السِّهام التي قَسَمَها النبيِّ بين مَن شَهِدَ
◌َخَيَبَ، وهذه المئة سَهْمٍ غير المئة سَهْمِ التي كانت لعُمر بن الخطّاب بخَيبَرَ التي حَصَّلها من
جُزئه من الغنيمة وغيره، وسيأتي بيان ذلك في صِفة كتاب وَقْف عمر من عند أبي داود
(٢٨٧٩) وغيره، وذكر عمر بن شَبَّة بإسنادٍ ضعيف عن محمد بن كعب: أنَّ قِصَّة عمر هذه
كانت في سنة سبع من الهجرة.
قوله: ((أَنفَس منه)) أي: أجود، والنَّفيس: الجَيِّد المغتَبَط به، يقال: نَفُسَ - بفتح النّون
وضَمّ الفاء - نَفاسةً، وقال الدَّاوُودي: سُمّي نَفيساً؛ لأنَّه يأخُذ بالنَّفس، وفي رواية صَخْر بن
جُوَيرية: إنّي اسْتَفَدت مالاً وهو عندي نَفيس فأرَدت أن أتصَدَّق به، وقد تقدَّم في مُرسَل أبي
بكر بن حَزْم أنَّه رأى في المنام الأمر بذلك، ووقع في رواية للدّارَقُطني (٤٤٠٩) إسنادها
ضعيف: أنَّ عمر قال: يا رسول الله، إنّ نَذَرت أن أتصَدَّق بمالي، ولم يَثبُت هذا، وإنَّما كان
صدقة تَطَوِّع كما سأوَضِّحُه من حِكاية لفظ كتاب الوَقْف المذكور إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فكيف تَأْمُرني به؟» في رواية يحيى بن سعيد: أنَّ عمر استشار رسول الله وَ له في
أن يَتَصَدَّق.
قوله: ((إن شِئْتَ حَبَّستَ أصلها وتَصَدَّقْت بها))/ أي: بمنفعَتِها، وبَيَّنَ ذلك ما في رواية ٤٠١/٥

٥٨٠
باب ٢٩ / ح ٢٧٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
عُبيد الله بن عمر: ((احبِس أصلها وسَبِّل ثَمَرَتها))، وفي رواية يحيى بن سعيد: «تَصَدَّق بِثَمَره
وحَبِّس أصلَه))(١).
قوله: ((فتَصَدَّقَ عمر أنَّه لا يُباع أصلها، ولا يُوهَب ولا یُورَث)) زاد في رواية مسلم
(١٦٣٢) من هذا الوجه: ((ولا يُبتاع))، زاد الدّارَ قُطني (٤٤٢٥) من طريق عُبيد الله بن عمر
عن نافع: ((حَبيسٌ ما دامت السَّماوات والأرض))(٢) كذا لأكثر الزُّواة عن نافع، ولم يختلف
فيه عن ابن عَوْن إلَّا ما وقع عند الطَّحَاوي (٩٥/٤) من طريق سعيد بن سفيان الجَحْدَري
عن ابن عَوْن، فذكره بلفظ صَخر بن جُوَيرية الآتي، والجَحْدَري إنَّما رواه عن صَخر لا عن
ابن عَوْن، قال السُّبكي: اغتَبَطتُ بما وقع في رواية يحيى بن سعيد عن نافع عند البيهقي
(٦/ ١٦٠): (تَصَدَّق بِثَمَره وحَبِّس أصله لا يُباع ولا يُورَث))، وهذا ظاهره أنَّ الشَّرط من
كلام النبيِّ وَّه بخلاف بقيَّةِ الرِّوايات، فإنَّ الشَّرط فيها ظاهره أنَّه من كلام عُمر.
قلت: قد تقدَّم قبل خمسة أبواب من طريق صَخر بن جُوَيريةَ، عن نافع بلفظ: فقال
النبيِ وَّ: «تَصَدَّق بأصلِه، لا يُباع ولا يُوهَب ولا يُورَث، ولكن يُنفَق ثَمَره))، وهي أتمّ
الرِّوايات وأصرَحها في المقصود، فعَزؤُها إلى البخاري أَولى، وقد عَلَّقَه البخاري في
المزارَعة بلفظ: قال النبيِ وَّ لعُمر: «تَصَدَّق بأصلِه لا يُباع ولا يُوهَب، ولكن ليُنفَق
ثَمَره)) فَتَصَدَّقَ به، وحَكَيت هناك أنَّ الدَّاوُودي الشّارح أنكَرَ هذا اللَّفظ، ولم يَظهَر لي إذ
ذاكَ سَببُ إنكاره، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّه بسببِ التصريح برفع الشَّرط إلى النبيِ وََّ، على أنَّه
ولو كان الشَّرط من قول عمر، فما فعَلَه إلَّا لمَا فَهمَه من النبي ◌َِّ حيثُ قال له:
((احبِسْ أَصلَها، وسَبِّل ثَمَرَتها)) وقوله: ((تَصَدَّق)) صيغَة أمر، وقوله: ((فَتَصَدَّقَ)) بصيغَة
الفعل الماضي.
قوله: ((في سبيل الله وفي الرِّقاب والمساكين والضَّيف وابن السَّبيل)) جميع هؤلاءِ الأصناف
(١) هذا لفظها عند البيهقي ٦/ ١٦٠، وفي المطبوع منه: ((واحبس))، أما ما سلفت الإشارة إليه عند الطحاوي
٤/ ٩٥ فلفظه: «تقسم ثمره وتحبس أصله)).
(٢) وهو في المطبوع بلفظ: ((ما قامت السماوات والأرض)) ودون قوله: ((حبيس)).