النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
باب ١٠
كتاب الوصايا
ثانيهما: حديث: ((کلّگُم راع ومسؤول عن رعيته)) من طريق سالم بن عبد الله بن عمر
عن أبيه، وقد تقدَّم من وَجْهٍ آخرَ في العِثْق (٢٥٥٤)، ويأتي الكلام عليه في كتاب الأحكام
(٧١٣٨) إن شاء الله تعالى.
وقد خالَفَ الطَّحَاويُّ في هذه المسألة أصحابَه، فذكر اختلاف العلماء نحو ما سبَقَ، ثمَّ
ذكر أنَّ الصحيح ما ذهب إليه الجماعة، وصَرَّحَ بتَزييفٍ ما تقدَّم عن أبي حنيفة وزُفَر وأبي
يوسف ومحمد في هذه المسألة.
تنبيه: وقع في شرح مُغَلْطاي أنَّ البخاري قال هنا: ((وقال إسماعيل بن جعفر: أخبرني
عبد العزيز، عن إسحاق، عن أنس في قِصَّة بَيْرُحاء)) ونُقِلَت عن أبي العبّاس الطَّرْقِي أَنَّ
البخاري وَصَلَه عن الحسن بن شَوْكَر عن إسماعيل، وقال شيخنا ابن المُلَقِّن: إنَّ هذا
وَهْمٌ، وإِنَّمَا ذَكرِه البخاري في ((باب مَن تَصَدَّقَ إلى وكيله)) كما سيأتي (٢٧٥٨).
١٠ - باب إذا وَقف أو أَوصى لأقاربه، ومَنِ الأقاربُ؟
وقال ثابتٌ عن أنسٍ: قال النبيُّ ◌َِّ لأبي طَلْحةَ: ((اجْعَلْها لِفُقَراءِ أقاربِكَ)) فجَعَلَها لحسَّانَ
وأُبيِّبنِ كَعْبٍ.
وقال الأنصاريُّ: حدَّثني أبي، عن ثُمامةَ، عن أنسٍ، بمثلِ حديثٍ ثابتٍ، قال: «اجْعَلْها
لِفُقَراءٍ قَرابَتِكَ» قال أنس: فجَعَلَها لحسَّانَ وأَبِيِّ بنِ كَعْبٍ وكانا أقرَبَ إليه منّي.
وكان قَرابةُ حسَّانٍ وَأُبَيٍّ من أبي طَلْحةَ: واسمُه زيدُ بنُ سَهْلٍ بنِ الأسوَدِ بنِ حَرامِ بنِ
عَمْرِو بنِ زيد مَناةَ بنِ عَدِيٍّ بنِ عَمْرِو بنِ مالكِ بنِ النَّجّارِ، وحسَّانُ بنُ ثابتِ بنِ المنذِرِ بنِ
حَرَامٍ، فَيَجْتَمِعانِ إلى حَرَامِ، وهو الأبُ الثّالثُ، وحَرامُ بنُ عَمْرِو بنِ زيد مناةَ بنِ عَدِيٌّ بنِ
عَمْرِو بنِ مالكِ بنِ النَّجَارِ، وهو يُجامِعُ حسَّانَ وَأَبَا طَلْحةَ وأُبيّاً، إلى سِتّةِ آبَاءٍ إلى عَمْرِو بنٍ
مالكٍ، وهو أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ بنِ قيسِ بنِ عُبيد بنِ زيد بنِ معاويةَ بنِ عَمْرِو بنِ مالكِ بنِ النَّجّارِ،
فِعَمْرُو بنُ مالكٍ يَجِمَعُ حسَّانَ وأبا طَلْحَةَ وأُبِيّاً.

٥٤٢
باب ١٠ / ح ٢٧٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقال بعضُهمْ: إذا أوْصَى لقَرابَتِه فهو إلى آبائه في الإسلامِ.
٢٧٥٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةً،
أنَّه سمعَ أنساً بعضُه قال: قال النبيُّ ◌ََّ لأَبِي طَلْحَةَ: ((أَرَى أَن تَجْعَلَها فِي الأَقْرَبِينَ))، فقال أبو
طَلْحَةَ: أَفعَلُ يا رسولَ الله، فقَسَمَها أبو طَلْحةَ في أقاربِهِ وبَنِي عَمِّهِ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: لمَّا نزلَت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جَعَلَ النبيُّ ◌َّل
يُنادي: ((يا بني فِهْرٍ، يا بني عَدِيٍّ)) لِبُطُونِ قُرَیشٍ.
وقال أبو هريرةَ: لمَّا نزلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ﴾ قال النبيُّمَ: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ)).
قوله: ((باب إذا وقَفَ أو أَوصى لأقارِهِ، ومَن الأقاربُ؟» وقع في بعض النُّسَخ: «أوقَفَ))
بزيادة ألف، وهي لُغَة قليلة، وحَذَفَ المصنِّف جواب قوله: ((إذا)) إشارةً إلى الخلاف في
٣٨٠/٥ ذلك، أي: هل يَصِحّ أم لا؟ وأورَدَ المصنّف / المسألة الأُخرى مَورِد الاستفهام لذلك أيضاً،
وتَضَمَّنَت التَرجمة التَّسوية بين الوَقف والوصيّة فيما يتعلَّق بالأقارب.
وقد استَطَرَدَ المصنّف من هنا إلى مسائل الوَقف فتَرَجَمَ لمَا ظَهَرَ له منها، ثمَّ رَجَعَ
أخيراً إلى تَكمِلة كتاب الوصايا، وقد قال الماوردي: تجوز الوصيّة لكلِّ مَن جازَ الوَقف
عليه من صغير وكبير، وعاقل ومجنون، وموجود ومعدوم، إذا لم يكن وارثاً ولا قاتِلاً،
والوَقف: مَنْع بَيْعِ الرَّقَبة والتَّصَدُّق بالمنفَعة على وَجْهٍ مخصوص، وقد اختلفَ العلماء في
الأقارب، فقال أبو حنيفة: القَرابة كلّ ذي رَحِم مُحرَّم من قِبَل الأب أو الأُمّ، ولكن يُبدَأ
بقَرابة الأب قبل الأُمّ. وقال أبو يوسف ومحمد: مَن جَمَعهم أَبٌّ مُنذُ الهجرة من قِبَل أبٍ أو
أُمّ من غير تفصيل، زاد زُفَر: ويُقدَّم مَن قَرُبَ منهم، وهي رواية عن أبي حنيفة أيضاً. وأقلّ
مَن يُدفَع إليه: ثلاثة، وعند محمد: اثنان، وعند أبي يوسف: واحد، ولا يُصرَف للأغنياءِ
عندهم إلّا أن يَشرُط ذلك.
وقالت الشّافعية: القريب مَن اجتَمَعَ في النَّسَب، سواء قَرُبَ أم بَعُدَ، مسلماً كان أو
كافراً، غَنِيّاً كان أو فقيراً، ذَكَراً كان أو أُنثى، وارثاً أو غير وارثٍ، مَحَرْماً أو غير تَحَرَمٍ.

٥٤٣
باب ١٠ / ح ٢٧٥٢
كتاب الوصايا
واختلفوا في الأصول والفروع على وجهَينٍ، وقالوا: إن وُجِدَ جَمعٌ مَحصورون أكثر من
ثلاثة استوعَبوا، وقيل: يَقْتَصِر على ثلاثة، وإن كانوا غير محصورينَ، فَقَلَ الطَّحَاوي
الاتّفاق على البُطْلان، وفيه نظر؛ لأنَّ عند الشّافعية وَجْهاً بالجواز، ويُصرَف منهم لثلاثة
ولا تَجِبُ التَّسويةُ، وقال أحمد في القَرابة كالشّافعي، إلّا أنَّه أخرجَ الكافرَ، وفي رواية عنه:
القَرابة كلّ مَن جَمَعَه، والموصِي الأَبُ الرَّابع إلى ما هو أسفَل منه، وقال مالك: يختصّ
بالعَصَبة سواء كان يَرِثه أو لا، ويَبدَأ بفُقَرائهم حتَّى يَغْنُوا ثمَّ يُعطى الأغنياء، وحديث
الباب يدلّ لمَا قاله الشّافعي سوى اشتراط ثلاثةٍ، فظاهره الاكتفاء باثنين، وسأذكُرُ بيان
ذلك إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وقال ثابت عن أنس، قال النبيُّ نَّهِ لأبي طَلْحة: اجعَلْها لفُقَراء أقاربك))، فجَعَلها
لحسّانَ وأُيَّ بن كَعْب)) هو طَرَف من حديث أخرجه أحمد ومسلم والنَّسائي وغيرهم(١) من
طريق حمّاد بن سَلَمة عن ثابت، وسأذكُرُ ما فيه من زيادة بعد أبواب (٢٧٦٩).
قوله: ((وقال الأنصاري)» هو محمد بن عبد الله بن المثنَّى، وتُمامة: هو ابن عبد الله بن أنس
ابن مالك، والإسناد كلّه أَنَسِيُّونَ بَصْريون، وقد سمِعَ البخاري من الأنصاري هذا كثيراً.
قوله: ((بمِثْلِ حديث ثابت قال: اجْعَلْها لفُقَراء قَرابَتك، قال أنس: فجَعَلها لحسَّانَ وأُبَيِّ
ابن كَعْب)) كذا اختصره هنا، وقد وَصَلَه في تفسير آل عمران (٤٥٥٥) مختصراً أيضاً عَقِب
رواية إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس في هذه القِصَّة قال: ((حدَّثنا الأنصاري)) فذكر هذا
الإسناد قال: ((فجَعَلها لحسَّان وأُبَيّ، وكانا أقرَب إليه، ولم يَجعَل لي منها شيئاً)) وسَقَطَ هذا
القَدْر من رواية أبي ذرٍّ، وقد أخرجه ابن خُزَيمةَ(٢) والطَّحَاوي (٢٨٩/٣) جميعاً عن ابن
مرزوق، وأبو نُعيم في ((المستخرَج)) من طريقه، والبيهقي (٦/ ٢٨٠) من طريق أبي حاتم
(١) أحمد (١٤٠٣٦)، ومسلم (٩٩٨) (٤٣)، وأبو داود (١٦٨٩)، والنسائي (٣٦٠٢)، وابن خزيمة (٢٤٦٠)،
وابن حبان (٧١٨٣).
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة)) بهذه الطريق، ولكنه وقع عنده (٢٤٥٨) و(٢٤٥٩)
من طريقين عن حميد بنحو ما ذكره الحافظ دون ذكر حسان وأُبيّ.

٥٤٤
باب ١٠ / ح ٢٧٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
الرَّازي، كلاهما عن الأنصاري بتمامه، ولفظُه: لمَّا نزلت: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبرَّ﴾ الآية [آل عمران:
٩٢]، أو ﴿ مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، جاء أبو طلحة فقال: يا
رسول الله، حائطي لله، فلو استَطَعت أن أُسِرّه لم أُعلِنْه، فقال: ((اجعَلْه في قَرابَتِك وفُقَراء
أهلك)) قال أنس: فجَعَلها لحسَّان ولأُبَيّ، ولم يَجعَل لي منها شيئاً؛ لأنَّهما كانا أقرَبَ إليه
مِنّي، لفظ أبي نُعيم، وفي رواية الطَّحَاوي: ((كانت لأبي طلحة أرض فجَعَلها لله، فأتى
النبيَّ وَِّ فقال له: ((اجعَلْها في فُقَراء قَرابَتك)) فجَعَلها لحسَّانَ وأُبَيٍّ، وكانا أقرَبَ إليه
مِنّي))، وفي رواية أبي حاتم الرَّازي فقال: حائطي بكذا وكذا، وقال فيه: فقال: ((اجعَلْها
في فقراء أهل بيتك)) قال: فجَعَلها في حسَّان بن ثابت وأُبَيّ بن كعب، وأخرجه
الدّارَ قُطني (١٢) من طريق صاعِقةً عن الأنصاري، فذكر فيه للأنصاري شيخاً آخرَ،
فقال: حدَّثنا حُميدٌ عن أنس قال: ((لمَّا نزلت: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبرّ﴾ الآية، أو ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ
٣٨١/٥ اُللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، قال/ أبو طلحة: يا رسول الله، حائطي في مكان كذا وكذا صدقةٌ لله
تعالى، والباقي مِثل رواية أبي حاتم إلَّا أنَّه قال: ((اجعَلْها في فُقَراء أهل بيتِكَ وأقاربِكَ)) ثمَّ
ساقه بالإسناد الأوَّل قال: مثله، وزاد فيه: فجَعَلها لأَبَيّ بن كعب وحسَّان بن ثابت،
وكانا أقرَبَ إليه مِنّي.
وإنَّما أورَدتُ هذه الطُّرُّق لأني رأيت بعض الشَُّّاحِ ظَنَّ أنَّ الذي وقع في البخاري
من شرح قرابة أبي طلحة من حسَّان وأُبَيّ بقيَّةٌ من الحديث المذكور، ولیس کذلك، بل
انتهى الحديث إلى قوله: ((وكانا أقرَبَ إليه مِنّي)) ومن قوله: ((وكان قَرابةُ حسَّان وأُبَيّ
من أبي طلحة ... )) إلى آخره، من كلام البخاري أو من شيخه، فقال: ((واسمُه ـــ أي:
اسم أبي طلحة - زيد بن سهل بن الأسوَد بن حرام - وهو بالمهمَلتين - ابن عَمْرو بن
زيد مَناة - وهو بالإضافة - ابن عَديٍّ بن عَمْرو بن مالك بن النَّجّار. وحسَّان بن ثابت
ابن المنذر بن حرام - يعني: ابن عَمْرو المذكور - فيَجتَمِعان إلى حَرام وهو الأب
الثالث)).
ووقع هنا في رواية أبي ذرٍّ: ((وحرام بن عَمْرو)) وساق النَّسَب ثانياً إلى النَّجّار، وهو

٥٤٥
باب ١٠ / ح ٢٧٥٢
كتاب الوصايا
زيادةٌ لا معنى لها، ثمّ قال: ((وهو يُجامع حسَّان وأبا طلحة وأُبَيّاً إلى سنَّة آباء إلى عَمْرو بن
مالك)) هكذا أطلقَ في مُعظَم الرِّوايات، فقال الدِّمْياطي ومَن تَبِعَهُ: هو مُلِبِس مُشكِل،
وشَرَعَ الدِّمْياطي في بيانه، ويُغني عن ذلك ما وقع في رواية المُستَمْلِي حيثُ قال عَقِب
ذلك: ((وأُبَيّ بن كعب: هو ابن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عَمْرو بن مالك بن
النَّجّار، فعَمْرو بن مالك يجمع حسَّان وأبا طلحة وأُبَيّا))، انتهى.
وقال أبو داود في ((السُّنَن)) (١٦٨٩): بَلَغَني عن محمَّد بن عبد الله الأنصاري أنَّه قال:
((أبو طلحة: هو زيد بن سهل)) فساق نَسَبه ونَسَب حسَّان بن ثابت وأُبَيّ بن كعب كما
تقدَّم، ثمَّ قال الأنصاري: فبَيْن أَبي طلحة وأُبَيّ بن كعب ستَّة آباء، قال: ((وعَمْرو بن مالك
يَجمع حسَّاناً وأُبَيّاً وأبا طلحة)) فظَهَرَ من هذا أنَّ الذي وقع في البخاري من كلام شيخه
الأنصاريِّ، والله أعلم.
وذَكَر محمد بن الحسن بن زَبَالة في ((كتاب المدينة)) من مُرسَل أبي بكر بن حَزْم زيادةً على
ما في حديث أنس، ولفظُه: ((أنَّ أبا طلحة تَصَدَّقَ بماله، وكان موضعُهُ قَصْرَ بني حُدَيلة،
فَدَفَعَه إلى رسول الله فَرَدَّه على أقاربه أُبَيِّ بن كعب وحسَّانَ بن ثابت ونُبَيط(١) بن جابر
وشَدّاد بن أوس، أو ابنه أوس بن ثابت، فتَقاوموه، فصار لحسَّان، فباعه من معاوية بمئة
ألف فابتَنَى قَصْر بني حُدَيلة في موضعها». انتهى، وجَدُّ نُبَيط بن جابر مالك بن عَدي بن
زيد مناة بن عَديّ بن مالك بن النَّجَار، يَجِتَمِع مع أُبَيّ بن كعب في مالك بن النَّجّار، فهو أبعَدُ
من أُبَيّ بن كعب بواحدٍ، وابنُ زَبَالة ضعيف، فلا يُحْتَجّ بما يَنْفَرِد به، فكيف إذا خالَفَ.
ومُلخَّص ذلك أنَّ أحد الرَّجلَينِ اللَّذَينِ خَصَّهما أبو طلحة بذلك أقرَبُ إليه من
الآخر، فحسَّان يَجِتَمِع معه في الأب الثالث، وأُبَيّ يَجَتَمِع معه في الأب السَّادس، فلو
كانت الأقرَبية مُعتبَرَةً لخَصَّ بذلك حسَّان بن ثابت دون غيره، فدَلَّ على أنَّها غير مُعتَبَرَة،
وإنَّما قال أنس: ((لأنَّهما كانا أقرَبَ إليه مِنّي)) لأنَّ الذي يجمع أبا طَلحْة وأنساً النَّجّارُ؛ لأنَّه
(١) في (س): ثبيط، بالثاء، وهو تصحيف.

٥٤٦
باب ١٠ / ح ٢٧٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
من بني عَديَّ بن النَّجّار، وأبو طلحة وأُبَيّ بن كعب كما تقدَّم من بني مالك بن النَّجّار،
فلهذا كان أُبَيّ بن كعب أقرَبَ إلى أبي طلحة من أنس. ويحتمل أن يكون أبو طلحة راعى
فيمَن أعطاه من قَرابَته الفقر، لكن استَئنى مَن كان مَكْفّاً ممَّن ◌َجِبُ عليه نَفَقَتُه، فلذلك لم
يُدخِل أنساً، فظَنَّ أنسٌ أنَّ ذلك لبُعدِ قَرابَته منه، والله أعلم.
واستُدِلَّ لأحمد بأنَّ المراد بذي القُربى في قوله تعالى: ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِّذِى الْقُرْبَى﴾ [الأنفال:
٤١] بنو هاشم وبنو المطَّلِب، لتخصيصِ النبيِّ وََّ إياهم بسَهْمِ ذي القُربى، وإنَّما يَجْتَمِع مع
بني عبد المطَّلِّب في الأب الرَّابع، وتَعَقَّبَه الطَّحَاوي بأنَّه لو كان المراد ذلك لَشَرَك معهم بني
نَوفَل وبَني عبد شَمس؛ لأنَّمَا وَلدا عبدِ مَنافٍ كالمطَّلِبِ وهاشم، فلمَّا خَصَّ بني هاشم
وبَني المطَّلِب دون بني نَوفَل وعبد شَمس، دَلَّ على أنَّ المراد بسَهْمِ ذَوي القُربی دَفعُه لناسٍ
٣٨٢/٥ مخصوصينَ بَيِّنَه النبيُّنَّه بتخصيصِه/ بني هاشم وبني المطَّلِّب، فلا يُقاسُ عليه مَن وَقَفَ
أو أَوصى لقَرابَتِه، بل يُحمَل اللَّفظ على مُطلَقه وعُمومه حتَّى يَثْبُت ما يُقيِّده أو يُخَصِّصه،
والله أعلم.
قوله: ((وقال بعضُهم)) هو قول أبي يوسف ومَن وافَقَه كما تقدَّم، ثمَّ ذكر المصنّف قِصَّة
أبي طلحة من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، أورَدَها مختصرة، وستأتي
بتمامها في ((باب إذا وقَفَ أرضاً ولم يُبيِّن الحدود)) (٢٧٦٩).
قوله: ((وقال ابن عبّاس: لَمّا نزلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ جَعَلَ النبيُّ ◌َّه يُنادي:
يا بني فِهْر، يا بني عَدي. لبُطُونٍ من قُرَيش)) هكذا أورَدَه مختصراً، وقد وَصَلَه في مَناقب
قُرَيش (٣٥٢٥) وتفسير سورة الشَّعَراء (٤٧٧٠) بتمامه من طريق عَمْرو بن مُرَّة عن سعيد
ابن جُبَير عن ابن عبّاس، وأورَدَ في آخر الجنائز (١٣٩٤) طَرَفاً منه في قِصَّة أبي ◌َب موصولة،
وسيأتي شرحه وشرح الذي بعده في تفسير سورة الشُّعَراء إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وقال أبو هريرة: لَمّا نزلَتْ: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ﴾ قال النبيُّ نَّه يَا مَعشَر
قُرَیش)) هو طَرَف من حديث وَصَلَه في الباب الذي بعده.

٥٤٧
باب ١١ / ح ٢٧٥٣
كتاب الوصايا
١١ - بابٌ هل يَدخُل النساء والولد في الأقارب؟
٢٧٥٣ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شُعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسیّبِ
وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ ﴾ قال: قامَ رسولُ اللهِ وَّةِ حِينَ أنزلَ الله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ﴾ قال: ((يا مَعْشَرَ قريشٍ - أو كلمةً نَحْوَها - اشتَرُوا أَنفُسَكُم، لا
أُغْني عنكُم مِن الله شيئاً، يا بني عَبْدِ مَنافٍ، لا أُغْني عنكُم مِن الله شيئاً، يا عبَّاسَ بنَ عبدٍ
المطَّلِبِ لا أُغْني عنكَ مِن الله شيئاً، ويا صَفِيَّةُ عَمَّ رسولِ الله، لا أُغْني عنكِ مِن الله شيئاً، ويا
فاطمةُ بنتَ محمَّدٍ، سَلِيني ما شِئْتِ من مالٍ، لا أُغْني عنكِ مِن الله شيئاً)).
تَابَعَه أصبَغُ، عن ابنِ وَهْب، عن يونسَ، عن ابنِ شِهَابٍ.
[طرفاه في: ٣٥٢٧، ٤٧٧١]
قوله: ((بابٌّ هل يَدخُل النِّساءُ والوَلَد في الأقارب؟)) هكذا أورَدَ التَّرجمة بالاستفهام لمَا
في المسألة من الاختلاف كما تقدَّم.
ثم أورد في الباب حديث أبي هريرة قال: ((قام رسول الله وَ ل حين أنزَلَ الله عزَّ وجلَّ:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال: يا مَعشَر قُرَيش، أو كلمة نحوها))، الحديث
بطولِهِ، وموضع الشّاهد منه قوله فيه: ((ويا صَفيَّةُ، ويا فاطمةُ)) فإنَّه سَوّى وَلِ في ذلك بين
عَشيرَته فعَمَّهم أوَّلاً، ثمَّ خَصَّ بعض البُطون، ثمَّ ذكر عَمّه العبّاس وعَمَّتَه صَفية وابنته
فاطمة، فدَلَّ على دخول النِّساء في الأقارب، وعلى دخول الفروع أيضاً، وعلى عَدَم
التَّخصيص بمَن يَرِث ولا بمَن كان مسلماً.
ويحتمل أن يكون لفظ الأقرَبينَ صِفةً لازمة للعَشيرة، والمراد بعَشيرَتِه قَومُه وهم
قُرَيش، وقد روى ابن مَرْدَوَيه من حديث عَدي بن حاتم: ((أنَّ النبيَّ وَلِّ ذكر قُرَيشاً فقال:
﴿ وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَیِنَ ﴾ يعني: قومه))، وعلى هذا فیکون قد أُمِرَ بإنذار قومه، فلا يختصّ
ذلك بالأقرَبِ منهم دون الأبعد، فلا حُجَّة فيه في مسألة الوَقْف؛ لأنَّ صُورَتها ما إذا وَقَفَ
على قَرابَته أو على أقرب الناس إليه مثلاً، والآية تَتَعَلَّق بإنذار العَشيرة، فافتَرَقا، والله أعلم.

٥٤٨
باب ١٢ / ح ٢٧٥٤ - ٢٧٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن المنيِر: لعلَّه كان هناك قَرِينَةٌ فَهِمَ بها النبيُّ نَّالْ تَعميم الإنذار، فلذلك عَمَّهم.
انتھی.
ويحتمل أن يكون/ أوَّلاً خَصَّ اتِّباعاً بظاهرِ القَرابة، ثمَّ عَمَّ لمَا عنده من الدَّليل على
٣٨٣/٥
التَّعميم لكَونِه أُرسِلَ إلى الناس كافَّةً.
تنبيه: يجوز في ((يا عبَّاس)) وفي ((يا صَفية)) وفي ((يا فاطمة)) الضَّمّ والنَّصب.
قوله: ((تابَعَه أَصْبَغُ عن ابن وَهْب عن يونس عن ابن شِهَاب)) وَصَلَه الذُّهْلِ فِي
((الزّهريات)) عن أَصْبَغَ، وهو عند مسلم (٢٠٦) عن حَرْمَلة عن ابن وَهْب.
١٢ - بابٌ هل يَنتَفع الواقف بوَتْفِه؟
وقدِ اشتَرَطَ عمرُ ﴾: لا جُناحَ على مَن وَلِيَه أن يأْكُلَ منها، وقد يَلي الواقِفُ وغيرُه.
وكذلك مَن جَعَلَ بَدَنةً أو شيئاً لله، فلَه أن يَنْتَفِعَ بها كما يَنتَفِعُ غيرُه، وإن لم يَشَرِطْ.
٢٧٥٤ - حذَّثنا قُتَيةُ بنُ سعيدٍ، حَدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ - ه ـ: أنَّ النبيَّ ◌َّ
رَأْىِ رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنةً فقال له: ((ارْكَبْها)) فقال: يا رسولَ الله، إنَّهَا بَدَنةٌ! قال في الثّالثةِ أو في
الرّابعةِ: ((ارْكَبْها وَيْلَكَ)) أو ((وَيْحكَ)).
٢٧٥٥ - حذَّثنا إسماعيلُ، حذَّثنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ﴾: أنَّ
رسولَ الله ◌َّهِ رَأى رجلاً يَسُوقُ بَدَنَةً، فقال: ((ارْكَبْها)) قال: يا رسولَ الله، إنَّهَا بَدَنةٌ! قال:
((ارْكَبْها وَيْلَكَ)) في الثّانيةِ أو في الثّالثةِ.
قوله: ((بابٌ هل يَنتَفِعِ الواقف بوَقْفِهِ؟)) أي: بأن يَقِفَ على نفسه ثمَّ على غيره، أو بأن
يَشرُطَ لنفسِه من المنفَعة جُزءاً مُعيَّناً، أو يَجِعَل للنّاظِرِ على وَقْفه شيئاً ويكون هو الناظِر؟
وفي هذا كلّه خلاف، فأمَّا الوَقْف على النَّفس فسيأتي البحث فيه في ((باب الوَقْف كيف
يُكتَب)) (٢٧٧٢)، وأمَّا شرطُ شيءٍ من المنفَعة فسيأتي في ((باب قوله تعالى: ﴿وَبُواْالْيَمَ﴾(١)
(١) بعد الحديث رقم (٢٧٦٣).

٥٤٩
باب ١٢ / ح ٢٧٥٥
كتاب الوصايا
[النساء: ٦]))، وأمَّا ما يَتعلَّق بالنَّظَرِ فأذكُرُه هنا. ووقع قبل الباب في ((المستخرَج)) لأبي نعيم
((كتاب الأوقاف، باب هل يَنتفع الواقف بوَقْفِه؟)) ولم أرَ ذلك لغيره.
قوله: ((وقد اشتَرَطَ عُمر ... )) إلى آخره، هو طَرَف من قِصَّة وَقْف عُمر، وقد تقدَّمت
موصولة في آخر الشُّروط (٢٧٣٧).
وقوله: ((وقد يَلي الواقِفُ وغيرُه .. )) إلى آخره، هو من تَفَقُّه المصنّف، وهو يقتضي أنَّ
ولاية النَّظَر للواقفِ لانِزاعَ فيها، وليس كذلك، وكأنَّه فَرَّعَه على المختار عنده، وإلَّا فعند
المالكية: أنَّه لا يجوز، وقيل: إنْ دَفَعَه الواقف لغيره ليجمع غَلَّته ولا يَتَولّى تَفرِقَتها إلَّا
الواقفُ جاز.
قال ابن بَطَّل: وإِنَّا مَنَعَ مالكٌ من ذلك سَدّاً للذَّريعة؛ لئلا يصيرَ كأنَّه وقَفَ على
نفسه، أو يَطول العَهد فيُنْتَسى الوَقف، أو يُفلِسَ الواقف فيَتَصَرَّف فيه لنفسِه، أو يموت
فَيَتَصَرَّف فيه ورَثَته، وهذا لا يَمنَع الجواز إذا حَصَلَ الأَمْنُ من ذلك، لكن لا يَلزَم من أنَّ
النَّظَر يجوز للواقفِ أن ينتفع به. نعم إن شَرَطَ ذلك جازَ على الرَّاجح، والذي احتَجَّ به
المصنّف من قِصَّة عمر ظاهرٌ في الجواز، ثمَّ قَوّاه بقوله: وكذلك كلّ مَن جَعَلَ بَدَنةً أو شيئاً
لله فله أن ينتفع به کما ينتفع غیرُه وإن لم يَشتَرِطْه.
ثمَّ أورَدَ حديثَي أنس وأبي هريرة في قِصَّة الذي ساق البَدَنة وأمَرَه ◌َّ بُرُكوبها، وقد
قَدَّمت الكلام عليه في الحجّ مُستَوفَّى (١٦٨٩ و١٦٩٠) وبيَّنت هناك مَن أجازَ ذلك مُطلَقاً
ومَن مَنَعَ، ومَن قَيَّدَ بالضّرورة والحاجة، وقد تَسّك به مَن أجازَ الوَقْف على النَّفْس من جِهَة أَنَّه
إذا جاز له الانتفاع بما أَهداه بعد خروجه عن مِلْكِهِ بغير شرطٍ، فجوازه بالشَّرطِ أَوْلى.
وقد اعتَرَضَه ابن / المنيِّر بأنَّ الحديث لا يُطابق التَّرجمة إلَّا عند مَن يقول: إنَّ المتكَلِّم ٣٨٤/٥
داخلٌ في عُموم خطابه، وهي من مسائل الخلاف في الأصول، قال: والرَّاجح عند المالكية:
تَحكيم العُرْف حتَّى يَخْرُج غير المخاطَب من العُموم بالقَرِينة.
وقال ابن بَطَّال: لا يجوز للواقفِ أن يَنتفع بوَقْفِه؛ لأنَّه أخرجَه لله وقَطَعَه عن مِلْكه،
فانتفاعه بشيءٍ منه رُجوع في صَدَقَته، ثمَّ قال: وإنَّما يجوز له ذلك إن شَرَطَه في الوَقْف، أو

٥٥٠
باب ١٣
فتح الباري بشرح البخاري
افتَقَرَ هو أو ورَثَته. انتهى، والذي عند الجمهور جواز ذلك إذا وَقَفَه على الجِهَة العامَّة دون
الخاصَّة كما سيأتي في أواخر كتاب الوصايا في ترجمة مُفْرَدة (٢٧٧٨).
ومن فروع المسألة: لو وَقَفَ على الفُقَراء مثلاً ثمَّ صار فقيراً أو أحدٌ من ذُرِّيَّته: هل
يتناول ذلك؟ والمختار أنَّه يجوز بشرطِ أن لا يختصَّ به، لئلّا يَدَّعي أنَّه مِلْکه بعد ذلك.
١٣ - بابٌ إذا أَوقَفَ شيئاً قبلَ أن يَدفعَه إلى غيره فهو جائزٌ
لأَنَّ عمَرَ ضَّ أَوْقَفَ فقال: لا جُناحَ على مَن وَلِيَه أن يأْكُلَ، ولم يَخُصَّ إِنْ وَلِيَه عمرُ أو غيرُه.
وقال النبيُّ ◌َّه لأبي طَلْحَةَ: ((أَرَى أن تَجْعَلَها فِي الأَقْرَبِينَ)) فقال: أَفعَلُ، فقَسَمَها في أقاربِهِ
وبَني عَمِّه.
قوله: («بابٌ إذا أَوقَفَ شيئاً قبل أن يَدْفَعه إلى غيره فهو جائز)) أي: صحيح، وهو قول
الجمهور، وعن مالك: لا يَتِمّ الوَقْف إلَّا بالقَبْض، وبه قال محمد بن الحسن والشّافعي في
قول، واحتَجَّ الطَّحَاوي للصِّحَّة بأنَّ الوَقف شَبيهٌ بالعِثْق لاشتراكهما في أنَّهما تمليك لله
تعالى، فيَنفُذْ بالقولِ المجَرَّد عن القَبض، ويُفارق الهِبَة في أنَّها تمليك لآدميٍّ فلا تَتِمّ إلَّا
بقَبضِه، واستَدَلَّ البخاري في ذلك بقِصَّة عمر فقال: لأنَّ عمر أَوقَفَ وقال: لا جُناح على
مَنْ وَلِيَه أن يأكُل (١)، ولم يُخُصَّ إِن وَلِيَه عمرُ أو غيرُه.
وفي وجه الدّلالة منه غُموض، وقد تُعُقِّبَ بأنَّ غاية ما ذُكِرَ عن عمر هو أنَّ كلّ مَن
وَلِيَ الوَقْف أُبِيحَ له التَّنَاوُل، وقد تقدَّم ذلك في التَرجمة التي قبلها، ولا يَلزَم من ذلك أنَّ
كلّ أحد يَسوغ له أن يَتَولّى الوَقف المذكور، بل الوَقف لا بُدّ له من مُتَوَلٌّ: فيحتمل أن
يكون صاحبه، ويحتمل أن يكون غيره، فليس في قِصَّة عمر ما يُعَيِّن أحد الاحتمالَين،
والذي يَظهَر أنَّ مُراده أنَّ عمر لمَّا وَقَفَ ثمَّ شَرَطَ لم يأمُرُه النبي ◌َِّ بإخراجه عن يده،
فكان تقريره لذلك دالًّا على صِحَّة الوقف وإن لم يَقِضْه الموقوف عليه، وأمَّا ما زَعَمَه ابن
(١) وقد سلف برقم (٢٧٣٧).

٥٥١
باب ١٣
كتاب الوصايا
التِّين من أنَّ عمر دَفَعَ الوَقْف لحفصَةَ، فمردود كما سأوَضِّحُه في ((باب الوَقف كيف
يُكتَب)» (٢٧٧٢) إن شاء الله تعالی.
تنبيه: قوله: ((أَوقَفَ)) كذا ثبت للأكثر، وهي لُغَة نادرة، والفصيح المشهور: ((وَقَفَ))
بغير ألف، ووَهَمَ مَن زَعَمَ أنَّ ((أَوقَفَ)) لَنٌّ، قال ابن التِّين: قد ضُرِبَ على الألف في بعض
النَّسَخ، وإسقاطها صواب، قال: ولا يقال: أَوقَفَ إلَّا لمن فعَلَ شيئاً ثمَّ نَزَعَ عنه.
قوله: ((وقال النبيُّ نَّه لأبي طَلْحة: أَرى أن تَجعَلَها في الأَقْرَبينَ)) الحديث، تقدَّم موصولاً
قريباً (٢٧٥٢)، وهذا لفظ إسحاق بن أبي طلحة، قال الدَّاوُودي: ما استَدَلَّ به البخاري
على صِحَّة الوَقْف قبل القَبْض من قِصَّة عمر وأبي طلحة حَمْلٌ (١) للشيء على ضِدّه، وتمثيلُه
بغير جِنْسه، ودَفْعٌ للظّاهِرِ عِن وَجْهه، لأنَّه هو رَوى أنَّ عمر دَفَعَ الوَقف لابنَتِهِ، وأنَّ أبا
طلحة دَفَعَ صَدَقَته إلى أُبَيّ بن كعب وحسَّان.
وأجابَ ابن التِّين بأنَّ البخاري إنَّما أراد أنَّ النبيَّ وَ أَخرجَ عن أبي طلحة مِلْكه
بِمُجرَّدٍ قوله: ((هي لله صدقة)) ولهذا يقول مالك: إنَّ الصَّدَقة تَلزَم بالقولِ وإن كان يقول:
إنَّها لا تَتِمّ إلَّا بالقَبْض، نعم استدلاله بقِصَّة عمر مُعتَرَضٌ، وانتقاد الدَّاوُودي صحيح.
انتھی، وقد قَدَّمت توجیهه.
وأمَّا ابن بَطَّال فنازَعَ في الاستدلال بقِصَّة أبي طلحة بأنَّه يحتمل أن تكون خَرَجَت من
يَده، ويحتمل أنَّهَا استَمَرَّت فلا دلالة فيها،/ وأجابَ ابن المنيِّر بأنَّ أبا طلحة أطلقَ صدقة ٣٨٥/٥
أَرْضِه وفَوَّضَ إلى النبيِِّ مَصِرٍ فَها، فلمَّا قال له: ((أَرى أن تَجَعَلها في الأقرَبين)) ففَوَّضَ له
قِسمَتها بينهم، صار كأنَّه أقرَّها في يَده بعد أن مَضَت الصَّدَقة.
قلت: وسيأتي التصريح بأنَّ أبا طلحة هو الذي تَوَلّى قِسمَتها (٢٧٦٩) وبذلك يَتِمّ
الجواب، وقد باشَرَ أبو طلحة تعيين مَصِرِ فها تفصيلاً، فإنَّ النبيَّ ◌َّه وإن كان عَيَّنَ له جِهَة
(١) قوله: ((حملٌ)) سقط من (س).

٥٥٢
باب ١٤ - ١٥ / ح ٢٧٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
المَصْرِف، لكنَّه أجَمَلَ فاقتَصَرَ على الأقرَبينَ، فلمَّا لم يُمكِن أبا طلحة أن يَعُمّ بها الأقرَبينَ
لانتشارهم، اقتَصَرَ على بعضهم فخَصَّ بها مَن اختارَ منهم.
١٤ - باب إذا قال: داري صدقةٌ لله، ولم يبيِّنْ للفقراء أو غيرهم،
فهو جائزٌ، ويُعطيها للأَقربينَ أو حيث أراد
قال النبيُّ ◌َّهِ لأبي طَلْحَةَ حينَ قال: أحَبُّ أموالي إليَّ بَيْرُحاءَ، وإِنَّهَا صَدَقةٌ لله، فأجازَ
النبيُّ ◌َێ ذلك.
وقال بعضُهم: لا يجوزُ حتَّى يُيِّنَ لِمَن، والأوَّلُ أُصُ.
قوله: («باب إذا قال: داري صدقة لله، ولم يُبيِّ للفُقَراءِ أو غيرهم، فهو جائز، ويُعْطيها
للأقرَبين أو حيثُ أراد)) أي: تَتِمّ الصَّدَقة قَبَلَ تعيين جِهَة مَصرِفها ثمَّ يُعَيِّن بعد ذلك فيما
شاءَ.
قوله: ((قال النبيُّ ◌َله لأبي طَلْحة ... )) إلى آخره، هو من سياق إسحاق بن أبي طلحة أيضاً.
وقوله: ((فأجازَ النبيُّنَّ ذلك)) هو من تَفَقُّه المصنِّف.
وقوله: (وقال بعضهم: لا يجوز حتَی ◌ُبيِّن لمن)) أي: حتَّى يُعَيِّن، وسيأتي بيانه في الباب
الذي یلیه.
١٥ - باب إذا قال: أَرضي أو بُستاني صدقةٌ لله عن أمّي فهو جائزٌ،
وإن لم يُِین من ذلك
٢٧٥٦ - حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا تَخَلَدُ بنُ يزيدَ، أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني يَعْلَى، أنَّه
سمعَ عِكْرِمةَ يقول: أنْبَأنا ابنُ عبّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ ◌ّ تُوُفِيَت أُمّه وهو
غائبٌ عَنْها، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ أُمَي تُوُفِّيَت وأنا غائبٌ عَنْها، أَيُنْفَعُها شيءٌ إن تَصَدَّقْتُ
به عَنْها؟ قال: ((نعمْ)) قال: فإنّ أُشْهِدُكَ أنَّ حائطِيَ الِخْرافَ صَدَقةٌ عليها.
[طرفاه في: ٢٧٦٢، ٢٧٧٠]

٥٥٣
باب ١٥ / ح ٢٧٥٦
كتاب الوصايا
قوله: ((باب إذا قال: أرضي أو بُسْتاني صدقة لله عن أُمّي، فهو جائز، وإن لم ◌ُبِّن لمن ذلك))
فهذه التَّرجمة أخَصّ من التي قبلها؛ لأَنَّ الأُولى فيما إذا لم يُعَيِّن المتصَدَّق عنه ولا المتصَدَّق
عليه، وهذه فيما إذا عَيَّنَ المتصَدَّق عنه فقَط.
قال ابن بَطَّل: ذهب مالكٌ إلى صِحَّة الوَقْف وإن لم يُعَيِّن مَصرِفَه، ووافقَه أبو يوسف
ومحمد والشّافعي في قولٍ، قال ابن القَصّار: وَجهُه أنَّه إذا قال: وَقْف أو صدقة، فإنَّما أراد
به البِرَّ والقُرْبة، وأَولى الناس بِرِّه أقاربه، ولا سيّما إذا كانوا فُقَراء، وهو كمَن أَوصى بثُلُثِ
ماله ولم يُعَيِّنْ مَصِرِفَه، فإنَّه يَصِحّ ويُصرَف في الفُقَراء. والقول الآخر للشّافعي: أنَّ الوَقف
لا يَصِحّ حتَّى يُعَيِّ جِهَة مَصِرِ فه، وإلّا فهو باقٍ على مِلْكه، وقال بعض الشّافعية: إن قال:
وَقَفْتُه، وأطلقَ فهو مَحَلّ الخلاف، وإن قال: وَقَفْتُه لله، خَرَجَ عن مِلكه جَزماً، ودليله قِصَّة
أبي طلحة.
قوله: ((حدَّثنا محمد)) كذا للأكثر غير منسوب، وفي رواية أبي ذرِّ وابن شَبّويه: حدَّثنا
محمد بن سلام.
قوله: ((أخبرني یعلی)) هو ابن مسلم،/ سمّاه عبد الرزاق في روايته عن ابن ◌ُریج(١) عنه، ٣٨٦/٥
وهو مَكّ أصله من البصرة، ووَهِمَ الطَّرْقي في زَعْمه أنَّه ابن حَكِيم، وليس ليَعلى بن
مسلم عن عِكرمة في البخاري سوى هذا الموضع، ورجال الإسناد ما بين مَكّ وبَصْري.
قوله: ((أنَّ سعد بن عُبادةَ)) هو الأنصاري الخَزْرَجي سيِّد الخَزْرَج، وسيأتي بعد أبواب
(٢٧٦٢) من هذا الوجه: ((أنَّ سعد بن عُبادةَ أخي بني ساعِدة))، وبنو ساعِدةَ بَطنٌ من
الخَزْرَج شَهیر.
قوله: «تُنّیت أُمّه وهو غائبٌ عنها)) هي عمرة بنت مسعود، وقيل: سعد بن قيس بن
عَمْرو، أنصاريّة خَزرَجية، ذكر ابن سعد أنَّها أسلَمَت وبايَعَت وماتَت سنة خمس والنبيُّ وَلِّ في
غَزْوة دَومة الجندَل، وابنها سعد بن عُبادةَ معه، قالا: فلمَّا رَجَعوا جاء النبيِ نَّهِ فِصَلّى على
(١) هو عند عبد الرزاق (١٦٣٣٧) ولم يُسمَّ.

٥٥٤
باب ١٦ / ح ٢٧٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
قبرِها، وعلى هذا فهذا الحديث مُرسَلُ صَحابِيٍّ؛ لأنَّ ابن عبّاس كان حينئذٍ مع أبَوَيِه بمَكَّة؛
والذي يَظهَر أنَّه سمِعَه من سعد بن عُبادةَ كما سأُبيِّنُه بعد ثلاثة أبواب.
قوله: ((الِخْراف)) بكسر أوَّله وسكون المعجَمة وآخره فاء، أي: المكان المُثْمِرِ، سُمّيَ
بذلك لمَا يُحُرَف منه، أي: يُجْنى من الثَّمَرة، تقول: شجرةٌ مِخْرافٌ وِمِثْمار، قاله الخطّابي،
ووقع في رواية عبد الرَّزّاق: ((الِخْرَف)) بغير ألف(١)، وهو اسم الحائط المذكور، والحائطُ:
البُستان.
١٦- باب إذا تصدَّق أو وَقَف بعض ماله أو بعض رقيقه أو دوابه فهو جائزٌ
٢٧٥٧- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرِ، حدّثنا اللَّيِثُ، عن عُقَلٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: أخبرني
عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ كَعْبٍ بن مالكٍ، أنَّ عبدَ الله بنَ كَعْبٍ قال: سمعتُ كَعْبَ بنَ مالكٍ ﴾:
قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ من توبتي أن أنْخَلِعَ من ماليٍ صَدَقَةً إلى الله وإلى رسولِهِ وَّةِ، قال: ((أَمسِكْ
عليكَ بعضَ مالِكَ فهو خيرٌ لكَ)) قلتُ: أُمْسِكُ سَهْمي الَّذِي بِخَييرَ.
[أطرافه في: ٢٩٤٧، ٢٩٤٩،٢٩٤٨، ٢٩٥٠، ٣٠٨٨، ٣٥٥٦، ٢٨٨٩، ٣٩٥١، ٤٤١٨، ٤٦٧٣، ٤٦٧٦،
٤٦٧٧، ٤٦٧٨، ٦٢٥٥، ٧٢٢٥،٦٦٩٠]
قوله: ((باب إذا تَصَدَّقَ، أو وَقَفَ بعض ماله أو بعض رقيقه أو دوابّه فهو جائز)) هذه
التَّرجمة مَعقودة لجوازٍ وَقْف المنقول، والمخالف فيه أبو حنيفة، ويُؤخَذ منها جواز وَقْف
المُشَاعِ، والمخالف فيه محمد بن الحسن، لكن خَصَّ المَنْعَ بما يُمكِن قِسمَته، واحتَجَّ له
الجُوري - بضمِّ الجيم - وهو من الشّافعية بأنَّ القِسمة بيعٌ، وبيعُ الوَقْف لا يجوز، وتُعُقّبَ
بأنَّ القِسمة إفراز فلا محذورَ، ووَجْه كونه يُؤْخَذ منه وَقْف المُشاع، ووَقْف المنقول هو من
قوله: ((أو بعض رَقيقه أو دَوابّه)) فإنَّه يَدخُل فيه ما إذا وقَفَ جُزءاً من العبد أو الدّابَّة، أو
وَقَفَ أحدَ عبْدَيهِ أو فَرَسَيهِ مثلاً، فيَصِحّ كلّ ذلك عند مَن يُجيز وَقْف المنقول ويَرجِع إليه
في التَّعیین.
(١) ولكنه في المطبوع في الموضع المشار إليه قبل قليل بالألف.

٥٥٥
باب ١٧ / ح ٢٧٥٨
كتاب الوصايا
قوله: ((قلت: يا رسول الله، إنَّ مَن توبتي ... )) إلى آخره، هذا طَرَف من حدیث کعب بن
مالك في قِصَّة تَخَلَّفه عن غَزْوة تَبوك، وسيأتي الحديث بطوله في كتاب المغازي مع استيفاء
شرحه (٤٤١٨).
وشاهد التَّرجمة منه قوله: ((أَمسِكْ عليك بعض مالِكَ)) فإنَّه ظاهر في أَمْره بإخراج
بعض ماله، وإمساكِ بعض ماله من غير تفصيل بين أن يكون مَقسوماً أو مُشاعاً، فيحتاج
مَن مَنَعَ وَقْفَ المُشَاعِ إلى دليل المنع، والله أعلم.
واستُدِلَّ به على كراهة التَّصَدُّق بجميع المال؛ وقد تقدَّم البحث فيه في كتاب الزكاة
(١٤٢٦)، ويأتي شيء منه في كتاب الأيمان والنُّذور (٦٦٨٩) إن شاء الله تعالى.
١٧ - باب من تصدّق إلی و کیله ثم ردًّ الو کیلُ إلیه
٣٨٧/٥
٢٧٥٨ - وقال إسماعيلُ: أخبرني عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله بنِ أبي سَلَمَةَ، عن إسحاقَ بنِ
عبدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ، لا أعلمُه إلّ عن أنسٍ عَظُ، قال: لما نزلَت: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ
مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] جاء أبو طَلْحةَ إلى رسولِ الله وَّةِ، فقال: يا رسولَ الله، يقول
الله تَبَارَكَ وتعالى في كتابه: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإنَّ أحَبَّ أموالي إليَّ
بَيْرُحاءُ - قال: وكانت حَدِيقةً كان رسولُ اللهِوَّةِ يَدخُلُها ويَسْتَظِلُّ بها ويَشْرَبُ من مائها - فهي
إلى الله عزَّ وجلَّ وإلى رسولِهِ وَّ أرجو بِرَّهُ وذُخْرَه، فضَعْها أَيْ رسولَ الله حيثُ أراكَ الله، فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: (بَخْ يا أبا طَلْحَةَ، ذلك مالٌ رابحٌ، قَبِلْناه منكَ وَرَدَدْناه عليكَ، فاجْعَلْه في
الأَقْرَبِينَ)). فتَصَدَّقَ به أبو طَلْحَةَ على ذَوي رَحِه، قال: وكان منهم أَبَيُّ وحسَّانُ، قال: وباعَ
حسَّانُ حِصَّتَهَ منه من معاويةً، فقِيلَ له: تَبِيعُ صَدَقَةَ أبي طَلْحةَ؟ فقال: أَلا أبِيعُ صاعاً من تَمْرٍ بصاعٍ
من دَراهمَ؟! قال: وكانت تلكَ الحديقةُ في موضع قَصْرِ بني حُدَيلَةَ الَّذِي بَناه معاويةُ.
قوله: ((باب مَن تَصَدَّقَ إلى وكيله ثمَّ رَدّ الوَكيلُ إليه)) هذه التَّرجمة وحديثها سقط من أکثر
الأُصول ولم يَشرَحْه ابن بَطَّل، وثبت في رواية أبي ذرِّ عن الكُشْمِيهني خاصَّةً، لكن في
روايته: ((على وكيله))، وثبتت التَرجمة وبعض الحديث في رواية الحَقُّوِيّ، وقد نُوزِعَ البخاري

٥٥٦
باب ١٧ / ح ٢٧٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
في انتزاع هذه التَّرجمة من قِصَّة أبي طلحة، وأُجيبَ: بأنَّ مُرادَه أنَّ أبا طلحة لمَّا أطلقَ أنَّه
تَصَدَّقَ وفَوَّضَ إلى النبيِّ وََّ تعيين المَصْرِف وقال له النبي ◌َّ: ((دَعْها في الأقربينَ)) كان
شَبيهاً بما تَرجَمَ به، ومُقتَضى ذلك الصِّحَّة.
قوله: ((وقال إسماعيل: أخبرني عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمة)) يعني: الماحِشُون،
كذا ثبت في أصل أبي ذرٍّ، ووقع في ((الأطراف)) لأبي مسعود وخَلَف جميعاً أنَّ إسماعيل
المذكور: هو ابن جعفر، وبه جَزَمَ أبو نُعيم في ((المستخرَج)) وقال: رأيته في نُسخَة أبي عَمْرو؛
يعني: الجِيزِي: قال إسماعيل بن جعفر ولم يوصِلْهُ أبو نُعيم ولا الإسماعيلي، وزاد الطَّرْقي
في ((الأطراف)): أنَّ البخاري أخرجه عن الحسن بن شَوْكَر عن إسماعيل بن جعفر، وانفَرَدَ
بذلك، فإنَّ الحسن بن شَوْكَر لم يَذكره أحد في شُيوخ البخاري، وهو ثقة، وأبوه بالمعجمة
وزن جعفر.
وجَزَمَ الِزّي بأنَّ إسماعيل هو ابن أبي أُوَيس، ولم يَذكُر لذلك دليلاً، إلّا أنَّه وقع في
أصل الدِّمياطي بخَطِّه في البخاري: ((حدَّثنا إسماعيل)) فإن كان محفوظاً تَعيَّنَ أنَّه ابن أبي
أُوَيس، وإلَّا فالقول ما قال خَلَف ومَن تَبِعَه، وعبد العزيز بن أبي سَلَمة، وإن كان من
أقران إسماعيل بن جعفر، فلا يَمتَنِعِ أن يَروي إسماعيل عنه، والله أعلم. وقد تقدَّمت
الإشارة إلى شيء من هذا في («باب إذا وَقَفَ أو أَوصى لأقاربِه)) (٢٧٥٣).
قوله: ((عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طَلْحة لا أعلَمه إلَّا عن أنس)) كذا وقع عند
البخاري، وذكره ابن عبد البَرِّ في ((التَّمهيد)) (١٩٩/١) فقال: روى هذا الحديث
عبد العزيز بن أبي سَلَمة الماحِشُون عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن
٣٨٨/٥ مالك، فذكره بطُولِه جازماً، والذي يَظهَر أنَّ الذي / قال: لا أعلمه إلَّا عن أنس، هو
البخاري.
قوله: ((لّا نزلَتْ: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ جاء أبوطلحة)) زاد ابن
عبد البَرّ: ورسول الله وَّ﴿ه على المِنْبَرَ، قال: وكانت دار أبي جعفر والدّار التي تَليها إلى قَصْر

٥٥٧
باب ١٧ / ح ٢٧٥٨
كتاب الوصايا
بني حُدَيلة حوائط لأبي طلحة، قال: وكان قصر بني حُدَيلة حائطاً لأبي طلحة يقال لها
بَيرُحاء، فذكر الحديث، ومُراده بدار أبي جعفر: التي صارت إليه بعد ذلك وعُرِفَت به،
وهو أبو جعفر المنصور الخليفة المشهور العبّاسي.
وأمَّا قَصْر بني حُدَيلة: وهو بالمهمَلة مُصغَّر، ووَهِمَ مَن قاله بالجيمِ فَنَسَبَ إليهم القَصْر
بسببٍ المجاورة، وإلّا فالذي بَناه هو معاوية بن أبي سفيان؛ وبنو حُدَيلة بالمهمَلة مُصغَّر:
بَطنٌّ من الأنصار، وهم بنو معاوية بن عَمْرو بن مالك بن النَّجّار، وكانوا بتِلكَ البُقعة
فعُرِفَت بهم، فلمَّا اشتَرَى معاوية حِصَّة حسَّان بَنى فيها هذا القَصرِ، فَعُرِفَ بقَصْرِ بني
حُدَيلة، ذكر ذلك عمرُ بن شَبَّة وغيره في ((أخبار المدينة)) (١/ ١٦٤) قالوا: وبَنى معاوية
القَصر المذكور ليكون له حِصناً لما كانوا يَتَحدَّثون به بينهم ممَّا يقع لبَني أُميَّة، أي: من
قيام أهل المدينة عليهم، قال أبو غسّان المدني: وكان لذلك القَصر بابان: أحدهما شارع على
خَطّ بني حُدَيلة، والآخر في الزّاوية الشَّرقية، وكان الذي وَلِيَ بناءَه لمعاوية الطَّفَيل بن أُبَيّ
ابن کعب. انتھی.
وأغرَبَ الكِرْماني فَزَعَمَ أنَّ معاوية الذي بَنى القَصر المذكور هو معاوية بن عَمْرو بن
مالك بن النَّجّار، أحد أجداد أبي طلحة وغيره، وما ذكرته عَمَّن صَنَّفَ في أخبار المدينة يَردُّ
علیه، وهم أعلم بذلك من غيرهم.
قوله: ((وباع حسَّان حِصَّته منه من معاوية)) هذا يدلّ على أنَّ أبا طلحة مَلَّكَهم الحديقة
المذكورة ولم يَقِفْها عليهم، إذ لو وَقَفَها ما ساغَ لحسَّان أن يَبيعها، فيُعكِّر على مَن استَدَلَّ
بشيءٍ من قِصَّة أبي طلحة في مَسائل الوقف، إلّا فيما لا تُخالِفُ فيه الصَّدَقَةُ الوَقْفَ، ويحتمل
أن يقال: شَرَطَ أبو طلحة عليهم لمَّا وَقَفَها عليهم أنَّ مَن احتاجَ إلى بيع حِصَّته منهم جازَ
له بيعها، وقد قال بجوازٍ هذا الشَّرط بعض العلماء كَعليّ وغيره، والله أعلم. ووقع في
((أخبار المدينة)) لمحمدٍ بن الحسن المخزومي من طريق أبي بكر بن حَزْم: أنَّ ثمن حِصَّة
حسَّان مئة ألف درهم، قَبَضَها من معاوية بن أبي سفيان.

٥٥٨
باب ١٨-١٩ / ح ٢٧٥٩ -٢٧٦١
فتح الباري بشرح البخاري
١٨ - باب قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَمَى
وَالْمَسَكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ ﴾ [النساء:٨]
٢٧٥٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ الفَضْلِ أبو النُّعْمانِ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن سعيد بنِ
◌ُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: إنَّ ناساً يَزْعُمونَ أنَّ هذه الآيةَ نُسِخَت، ولا والله ما
نُسِخَت، ولكنَّها ممَّ تَهَاوَنَ النّاسُ، هما واليانِ: والٍ يَرِثُ وذاكَ الَّذِي يَرْزُقُ، ووالٍ لا يَرِثُ فذاكَ
الَّذِي يقول بالمعرُوفِ، يقول: لا أَملِكُ لكَ أن أُعطِيَكَ.
[طرفه في: ٤٥٧٦]
قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ ... ﴾ الآية)) وذكر فيه حديث ابن
عبَّاس قال: إنَّ ناساً يَزْعُمون أنَّ هذه الآية نُسِخَت، الحديث، وسيأتي الكلام عليه في
التفسير (٤٥٧٦)، وذِكْر مَن أراد ابن عبّاس بقوله: إنَّ ناساً يَزْعُمون، وأنَّ منهم عائشة
رضي الله عنها، وغير ذلك من الأقوال في دعوى كَونِها مُحكَمةً أو منسوخةً.
١٩ - باب ما يستحب لمَن تُوقّ فُجاءةً أن يتصدقوا عنه، وقضاء التُّذور عن الميّت
٢٧٦٠- حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله
٣٨٩/٥ عنها، أنَّ رجلاً قال للنبيِّ ◌َّهِ: إِنَّ أُمّي افتُلِتَت نَفْسُها، وأُراها لو تَكَلَّمَت تَصَدَّقَت، أَفْتصَدَّقُ
عنها؟ قال: ((نعم، تَصَدَّق عَنْها)).
٢٧٦١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُبيد الله بنِ
عبدِ الله، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ ﴾ اسْتَفْتَى رسولَ الله ◌َِّ، فقال:
إِنَّ أُمّي ماتَت وعليها نَذْرٌ، فقال: ((اقْضِه عَنْها)).
[طرفاه في: ٦٩٥٩،٦٦٩٨]
قوله: ((باب ما يُستَحَبّ لمن تؤُفّي فُجاءةً)) بضمِّ الفاء وبالجيمِ الخفيفة والمدّ، ويجوز فتح
الفاء وسكون الجيم بغير مَدِّ((أن يَتَصَدَّقوا عنه، وقَضاء التُّذور عن الميِّت)) أورَدَ فيه حديث
عائشة: ((أنَّ رجلاً قال: إنَّ أُمّي افتُلِتَت نفسُها))، وحديث ابن عبّاس: ((أنَّ سعد بن عُبادةَ

٥٥٩
باب ١٩ / ح ٢٧٦١
كتاب الوصايا
قال: إنَّ أُمّي ماتَت وعليها نَذْر))، وكأنَّه رَمَزَ إلى أنَّ المبهم في حديث عائشة هو سعد بن
عُبادةَ، وقد تقدَّم حديث ابن عبّاس في قِصَّة سعد بن عُبادةَ بلفظِ آخر (٢٧٥٦).
ولا تَنافي بين قوله: ((إنَّ أُمَّي ماتَت وعليها نَذْرٌ)) وبين قوله: ((إنَّ أُمّي تُوُفّيت وأنا غائب
عنها فهل يَنفَعها شيء إن تَصَدَّقت به عنها))، لاحتمال أن يكون سألَ عن النَّذْر وعن
الصَّدَقة عنها، وبَيَّنَ النَّسائي (٣٦٦٤) من وجه آخر جهة الصَّدَقة المذكورة، فأخرج من
طريق سعيد ابن المسيّب عن سعد بن عُبادةَ قال: قلت: يا رسول الله، إنَّ أُمّي ماتَت،
أَفأتصَدَّق عنها؟ قال: ((نعم)) قلت: فأيُّ الصَّدَقة أفضل؟ قال: ((سَقْيُ الماءِ)، وأخرجه
الدّارَ قُطني في ((غرائب مالك)) من طريق حمّاد بن خالد عنه بإسناد الحديث الثاني في هذا
الباب لكن بلفظ: إنَّ سعداً قال: يا رسول الله، أَنتَفِعُ أُمّي إن تَصَدَّقت عنها وقد ماتَت؟
قال: ((نعم)) قال: فما تأمرني؟ قال: ((اسْقِ الماءَ))، والمحفوظ عن مالك ما وقع في هذا الباب،
والله أعلم، وقد تقدَّمت تسمية أُمّ سعد قريباً.
قوله: ((افتُلِتَتْ)) بضمِّ المثنَّة بعد الفاء السَّاكنة وكسر اللّام، أي: أُخِذَت فَلْتً، أي: بَغتةً.
وقوله: (نَفْسُها) بالضَّمِّ على الأشهَر، وبالفتح أيضاً: وهو موت الفجأة، والمراد بالنَّفسِ هنا
الرُّوح.
قوله: ((وأُرَّاها لو تَكَلَّمَت تَصدَّقَتْ)) بضمِّ همزة ((أُراها)) وقد تقدَّم في الجنائز (١٣٨٨) من
وجه آخر عن هشام بلفظ: («وأَظنُّها»، وهو يُشعِر بأنَّ رواية ابن القاسم عن مالك عند النَّسائي
(٣٦٤٩) بلفظ: ((وإنَّها لو تَكَلَّمَت)) تصحيف، وظاهره أنَّها لم تَتَكَلَّم فلم تَتَصَدَّق، لكن في
((الموطَّأ) (٢/ ٧٦٠) عن سعيد بن عَمْرو بن شُرَحبيل بن سعيد بن سعد بن عُبادةً عن أبيه عن
جَدّه قال: خَرَج سعد بن عُبادةَ مع النبيِّ وَّه في بعض مَغازيه، وحَضَرَت أُمَّه الوَفاءُ بالمدينة،
فقيل لها: أَوصي، فقالت: فيمَ أَوصي؟ المالُ مالُ سعدٍ، فتوُفّيت قبل أن يَقدَم سعد، فذكر
الحديث، فإن أمكَنَ تأويل رواية الباب بأنَّ المراد أنَّها لم تَتَكَلَّم، أي: بالصَّدَقة ((ولو تَكَلَّمَت
لَتَصَدَّقَت)) أي: فكيف أُمِضِي ذلك؟ أو يُحِمَل على أنَّ سعداً ما عَرَفَ بما وقع منها، فإنَّ الذي
روى هذا الكلام في ((الموطَّأ)» هو سعيد بن سعد بن عُبادةَ، أو ولده شُرَحبیل مُرسلاً، فعلى

٥٦٠
باب ١٩ / ح ٢٧٦١
فتح الباري بشرح البخاري
التَّقديرَينِ لم يَتَّحِد راوي الإثبات وراوي النَّفْي، فيُمكِن الجمع بينهما بذلك، والله أعلم.
قوله: ((أفَأْتصَدَّق عنها)) في الرّواية المتقدِّمة في الجنائز: فهل لها أَجرٌ إن تَصَدَّقت عنها؟
قال: ((نعم)) ولبعضِهم: أتصَدَّق عليها أو أصِفُه على مَصلَحَتها؟
قوله: ((أنَّ سعد بن عُبادةَ؟)) كذا رواه مالك وتابَعَه اللَّيث وبكر بن وائل وغيرهما عن
٣٩٠/٥ الزُّهري(١)، وقال سليمان بن كثير عن الزُّهري، عن عُبيد الله،/ عن ابن عبّاس، عن سعد
ابن عُبادةَ: أنَّه استَفتى، جَعَلَه من مسند سعد، أخرج جميع ذلك النَّسائي(٢)، وأخرجه أيضاً
من رواية الأوزاعي (٣٦٥٧) ومن رواية سفيان بن عُيَينةَ (٣٦٦٠ و٣٨١٧) كلاهما عن
الزُّهري على الوجهَين، وقد قَدَّمت أنَّ ابن عبّاس لم يُدرِك القِصَّة، فَتَعَّنَ ترجيح رواية مَن
زاد فيه: ((عن سعد بن عُبادة)) ويكون ابن عبّاس قد أخَذَه عنه، ويحتمل أن يكون أخَذَه عن
غيره، ويكون قول مَن قال: ((عن سعد بن عُبادةً)) لم يَقصِد به الرِّواية، وإنَّما أراد: عن قِصَّة
سعد بن عُبادةَ، فتَتَّحِد الرِّوايَتان.
قوله: ((وعليها نَذْر، فقال: اقْضِه عنها)) في رواية قُتَيبة عن مالك: ((لم تَقْضِه))(٣)، وفي
رواية سليمان بن كثير المذكورة: ((أَفَيُجزِئ عنها أن أُعْتِق عنها؟ قال: أَعتَقْ عن أُمّك))،
فأفادت هذه الرِّواية بيان ما هو النَّذْر المذكور، وهو أنَّهَا نَذَرَت أن تَعتق رَقَبة، فماتَت قبل
أن تَفْعَل، ويحتمل أن تكون نَذَرَت نَذراً مُطلَقاً غير مُعيَّن، فيكون في الحديث حُجَّة لمن أَفتى
في النَّذْر المطلَق بكفَّارة يَمين، والعِثْق أعلى كفَّارات الأيمان، فلذلك أمَرَه أن يُعتق عنها.
وحَكَى ابن عبد البَرِّ عن بعضهم: أنَّ النَّذْر الذي كان على والدة سعد صيام، واستَنَدَ
إلى حديث ابن عبّاس المتقدِّم في الصوم (١٩٥٣): أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّ أُمّي
(١) رواية الليث ستأتي برقم (٦٩٥٩)، وهي عند مسلم (١٦٣٨)، وابن ماجه (٢١٣٢)، والترمذي (١٥٤٦)،
والنسائي (٣٦٦٢) و(٣٨١٨)، ورواية بكر بن وائل عند مسلم (١٦٣٨)، والنسائي (٣٦٦٣) و(٣٨١٩).
وقد أخرجه أحمد (١٨٩٣) من طريق سفيان و(٣٠٤٩) من طريق الأوزاعي و(٣٥٠٦) من طريق ابن أبي
حفصة. وانظر تتمة تخريجه في ((المسند)).
(٢) رواية سليمان بن كثير عند النسائي (٣٦٥٦)، وأحمد (٢٣٨٤٦).
(٣) بل هي رواية قتيبة عن الليث الآتية برقم (٦٩٥٩) ولفظها: توفيت قبل أن تقضيه.