النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ باب ٢ / ح ٢٧٤٢ كتاب الوصايا وفيه إباحة جَمْع المال بشَرْطِه لأنَّ التنوين في قوله: ((وأنا ذو مال)) للكَثْرة، وقد وقع في بعض طرقه صريحاً: ((وأنا ذو مالٍ كثير)) (١)، والحثّ على صِلة الرَّحِم والإحسان إلى الأقارب، وأنَّ صِلة الأقرب أفضل من صِلة الأبعَد، والإنفاق في وجوه الخير؛ لأنَّ المباح إذا قُصِدَ به وَجْهَ الله صار طاعةً؛ وقد نَبِّه على ذلك بأقلّ الحُظوظ الدُّنيَوية العادية، وهو وضع اللَّقمة في فَم الَّوجَة، إذ لا يكون ذلك غالباً إلَّ عند المُلاعَبَة والمُمازَحة، ومَعَ ذلك فيُؤْجَر فاعِلُه إذا قَصَدَ به قَصْداً صحيحاً، فكيف بما هو فوق ذلك. وفيه مَنْع نَقل المَيِّت من بَلَد إلى بَلَد، إذ لو كان ذلك مشروعاً لَأمَرَ بنَقْلِ سعد ابن خَوْلة، قاله الخطَّابي، وبأنَّ مَن لا وارثَ له تجوز له الوصيّة بأكثر من الثُّلث لقوله ◌َّ: «أن تَذَر ورَثَتك أغنياء)» فمفهومُه أنَّ مَن لا وارثَ له لا يُبالي بالوصيّة بما زاد؛ لأنَّه لا يَترُكُ ورَثَةً يخشى عليهم الفَقر، وتُعُقِّبَ بأنَّه ليس تعليلاً مَخْضاً، وإنَّما فيه تَنبيهٌ على الأحَظّ الأنفَع، ولو كان تعليلاً تَخْضاً لاقتَضى جواز الوصيّة بأكثر من الثُّلث لمن كانت ورَثَته أغنياء، ولَنَفَذَ ذلك عليهم بغير إجازَتهم، ولا قائلَ بذلك، وعلى تقدير أن يكون تعليلاً مَخْضاً فهو للنَّقصِ عن الثُّلث، لا للزّيادة عليه، فكأنَّه لمَّا شَرَعَ الإيصاء بالثُّلثِ وأنَّه لا يُعتَرَض به على الموصى إلَّا أنَّ الانحِطاط عنه أوْلى، ولا سيّما لمن يَترُكُ وَرَثةً غير أغنياء، فَبَّهَ سعداً على ذلك. وفيه سدّ الذَّريعة لقوله ◌َّ: ((ولا تَرُدُّهم على أعقابهم)) لئلّا يَتذرَّع بالمرَضِ أحد لأجلِ حُبّ الوَطَن، قاله ابن عبد البَرِّ. وفيه تقييد مُطلَق القرآن بالسُّنَّة، لأنَّه قال سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْدَيْنٍ ﴾ [النساء: ١١] فأطلقَ، وقَيَّدَت السُّنَّة الوصيّة بالثُّلث، وأنَّ مَن تَرَكَ شيئاً لله لا ينبغي له الرُّجوع فيه ولا في شيء منه مُختاراً، وفيه التَّأْسُّف على فوت ما يُحُصِّل الثَّواب، وفيه حديث: ((مَن ساءَته سَيِّئْتُه))(٢)، وأنَّ مَن فاتَه ذلك بادر إلى جَبْره بغير ذلك. (١) هو عند عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٦٣٥٩)، والدارمي في «سننه)) (٣١٩٦). (٢) أخرجه أحمد (١١٤) من حديث عمر بن الخطاب، و(١٥٦٩٦) من حديث عامر بن ربيعة، و(١٩٥٦٥) من حديث أبي موسى، و(٢٢١٥٩) من حديث أبي أمامة، وأخرجه أبو يعلى (٢٠١) من حديث عمر. ٥٢٢ باب ٣ فتح الباري بشرح البخاري وفيه تَسْلية مَن فاتَه أمر من الأمور بتحصيل ما هو أَعلى منه، لمَا أشار ◌َّ لِسَعدٍ من عمله الصَّالح بعد ذلك. وفيه جواز التَّصَدُّق بجميع المال لمن عُرِفَ بالصَّيرِ ولم يكن له مَن تَلزَمُه نَفَقَتُه، وقد تقدَّمت المسألة في كتاب الزكاة (١٤٢٦). وفيه الاستفسار عن المحتَمَل إذا احتَمَلَ وجوهاً؛ لأنَّ سعداً لمَّا مُنِعَ من الوصيّة بجميعِ المال احتَمَلَ عنده المنْع فيما دُونَه والجواز، فاستَفسَرَ عمَّا دُون ذلك، وفيه النَّظَر في مَصالح الوَرَثة، وأنَّ خِطاب الشّارع للواحدِ يَعُمّ من كان بصِفَتِهِ من المكَلَّفينَ، لإطباق العلماء على الاحتجاج بحديثٍ سعد هذا وإن كان الخِطاب إنَّما وقع له بصِيغَة الإفراد، ٣٦٩/٥ ولقد أبعَدَ مَن قال: إنَّ ذلك يختصّ/ بسَعدٍ ومَن كان في مِثل حاله ممَّن يُخُلِّف وارثاً ضعيفاً أو كان ما يُحُلِّفه قليلاً؛ لأنَّ البِنت من شأنها أن يُطمَع فيها، وإن كانت بغير مال لم يُرغَب فيها. وفيه أنَّ مَن تَرَكَ مالاً قليلاً فالاختيار له بتَرْك الوصيّة وإبقاء المال للوَرَثة، واختلفَ السَّلَف في ذلك القليل كما تقدَّم في أوَّل الوصايا، واستَدَلَّ به التَّيْمي لفضلِ الغني على الفقير، وفيه نَظَر. وفيه مُراعاة العَدْل بين الوَرَثة، ومراعاة العَدْل في الوصيّة، وفيه أنَّ الثُّلث في حَدّ الكَثْرة، وقد اعتَبَرَه بعض الفقهاء في غير الوصيّة، ويحتاج الاحتجاج به إلى ثُبوت طلب الكَثْرة في الحُكْم المعَيَّن، واستَدَلَّ بقوله: ((ولا يَرِثُنِي إِلَّا ابنة لي)) مَن قال بالرّدِّ على ذَوي الأرحام للحَصْرِ في قوله: ((لا يَرِثُني إلَّ ابنة))، وتُعُقِّبَ بأنَّ المراد من ذَوي الفُروض كما تقدَّم، ومَن قال بالرَّدِّ لا يقول بظاهره لأنَّهم يُعطونَها فَرْضَها ثمَّ يَردُّون عليها الباقي، وظاهر الحديث أنَّها تَرِث الجميع ابتداءً. ٣- باب الوصيّة بالثُّلُث وقال الحسنُ: لا يجوزُ للذِّمِّيِّ وَصِيَّةٌ إلا القُلُثُ. ٥٢٣ باب ٣ / ح ٢٧٤٣ - ٢٧٤٤ كتاب الوصايا وقال الله عزّ وجلّ: ﴿ وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. ٢٧٤٣- حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: لو غَضَّ النّاسُ إلى الرُّبْع؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ لَّهِ قال: «القُّثُ، والقُّلُثُ كَثِرٌ)). ٢٧٤٤ - حدَّثنى محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيمِ، حدَّثنا زكريّا بنُ عَدِيٌّ، حدَّثنا مروانُ، عن هاشم ابنِ هاشمٍ، عن عامِرِ بنِ سعدٍ، عن أبيه عَظُه، قال: مَرِضْتُ، فعادَني النبيُّ ◌َّةِ، فقلتُ: يا رسولَ الله؛ ادْعُ الله أن لا يُرُدَّني على عَقِي، قال: ((لعلَّ اللهَ يَرْفَعُكَ ويَنْفَعُ بكَ ناساً)، قلتُ: أُرِيدُ أن أُوصِيَ، وإنَّما لي ابنةٌ، فقلتُ: أُوصي بالنِّصْفِ؟ قال: ((النِّصْفُ كَثِيرٌ)) قلتُ: فالثُّثِ؟ قال: ((الغُّثَ، والثُّلثُ كَثِيرٌ، أو كَبِيرٌ) قال: فَأَوْصَى النّاسُ بالثّلاثِ، فجازَ ذلك لهم. قوله: ((باب الوصيّة بالثُّلثِ)) أي: جوازها أو مشروعيَّتها، وقد سَبَقَ تقرير ذلك في الباب الذي قَبله، واستَقَرَّ الإجماع على مَنع الوصيّة بأزيَدَ من الثَّلث، لكن اختُلِفَ فيمَن کان له وارث، وسيأتي تحریره في ((باب لا وَصَّةً لوارثٍ))، وفیمَن لم یکن له وارث خاصّ، فمَنَعَه الجمهور، وجَوَّزَه الحنفية وإسحاق وشريك وأحمد في رواية، وهو قول عليّ وابن مسعود، واحتَجُّوا بأنَّ الوصيّة مُطلَقة بالآية فقَيَّدَتها السُّنَّة بمَن له وارثٌ، فيَبقى مَن لا وارثَ له على الإطلاق، وقد تقدَّم في الباب الذي قبله توجيهٌ لهم آخر. واختلفوا أيضاً: هل يُعتَبَرَ ثُلُث المال حالَ الوصيّة أو حالَ الموت؟ على قولَين، وهما وجهان للشّافعية، أصحُّهما: الثاني، فقال بالأوَّل مالك وأكثر العراقيينَ، وهو قول النَّخَعي وعُمر بن عبد العزيز، وقال بالثاني أبو حنيفة وأحمد والباقون، وهو قول عليّ بن أبي طالب ﴾ وجماعة من التابعين، وتَسَّكَ الأوَّلون بأنَّ الوصيّة عَقْد والعُقود تُعتَبَر بأوَّلها، وبأَنَّ لو نَذَرَ أن يَتَصَدَّق بُثُلُثِ ماله، اعتُبرَ ذلك حالة النَّذْرِ اتّفاقاً، وأُجيبَ بأنَّ الوصيّة ليست عَقْداً من كلّ جِهَة، ولذلك لا تُعتَبَر بها الفَوْريَّة ولا القَبُول، وبالفَرق بين النَّذْر والوصيّة بأنَّهَا يَصِحّ الرُّجوع عنها، والنَّذْر يَلزَم، وثَمَرة هذا الخلاف تَظهَر فيما لو ٥٢٤ باب ٣ / ح ٢٧٤٣ - ٢٧٤٤ فتح الباري بشرح البخاري حَدَثَ له مالٌ بعد الوصيّة. ٣٧٠/٥ واختلفوا أيضاً: هل يُحسَب الثُّلث من جميع المال، أو تُنفَّذ بما عَلِمَه الموصي دون ما خَفِيَ عليه، أو تَجدَّد له ولم يعلم به؟ وبالأوَّل قال الجمهور، وبالثاني قال مالك، وحُجَّة الجمهور أنَّه لا يُشتَرَط أن يَستَحِضِر تَعْداد مِقدار المال حالة الوصيّة اتِّفاقاً ولو كان عالماً بجنسِه، فلو كان العلم به شرطاً لَمَا جاز ذلك. فائدة: أوَّل مَن أَوصى بالثُّلثِ في الإسلامِ البَرَاء بن مَعْرور - بمُهمَلاتٍ - أَوصى به للنبيِّ ◌َّهِ وكان قد مات قبل أن يَدْخُل النبيُّوَهِ المدينة بشَهِرٍ، فَقَبِلَه النبيُّ نَ لِهِ ورَدَّه على ورَثَته، أخرجه الحاكم (٣٥٣/١ -٣٥٤) وابن المنذر(١) من طريق يحيى بن عبد الله بن أبي قَتَادة عن أبيه عن جَدّه. قوله: ((وقال الحسن) أي: البصري ((لا يجوز للذِّمّي وصية إلَّ بالثُّلثِ)) قال ابن بَطَّال: أراد البخاري بهذا الرَّدّ على مَن قال كالحنفية بجوازِ الوصيّة بالزيادة على الثُّلث لمن لا وارثَ له، قال: ولذلك احتَجَّ بقوله تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ﴾ والذي حَكمَ به النبي ◌َ ◌ّ من الثَّلث هو الحكم بما أنزلَ الله، فمَن تَجَاوَزَ ما حَدّه فقد أتى ما نُهيَ عنه. وقال ابن المنيِر: لم يُرِد البخاري هذا، وإنَّما أراد الاستشهاد بالآية على أنَّ الذِّمّي إذا تَحاكمَ إلينا ورَثْتُه، لا يُنفَّذ من وصيّتِه إلَّ الثُّلث؛ لأَنَّا لا نَحكُم فيهم إلَّ بحُكمِ الإسلام، لقوله تعالى: ﴿ وَأَنِ اعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ ﴾ الآية. قوله: ((حدَّثنا سفيان)) هو ابن عُيَينة، فإنَّ قُتَيبة لم يَلحَق الثَّوري. قوله: ((عن هشام بن عُزْوة)) وفي رواية الحميدي في ((مسنده)) (٥٢١) عن سفيان: حدّثنا هشام، وليس لعُزْوة بن الزُّبَير عن ابن عبّاس في البخاري سوى هذا الحديث الواحد. قوله: ((لو غَضَّ النّاسُ)) بِمُعجَمَتين، أي: نَقَصَ، و((لو)) للتَّمَنِّي، فلا يحتاج إلى جواب، (١) في ((الأوسط)) (٢٩٠٤). ٥٢٥ باب ٣ / ح ٢٧٤٣ - ٢٧٤٤ كتاب الوصايا أو شرطية والجواب محذوف، وقد وقع في رواية ابن أبي عمر في ((مسنده)) عن سفيان بلفظ: ((كان أحَبّ إليَّ)، أخرجه الإسماعيلي من طريقه ومن طريق أحمد بن عَبْدةَ أيضاً، وأخرجه من طريق العبّاس بن الوليد عن سفيان بلفظ: كان أحَبّ إلى رسول الله وَالت. قوله: ((إلى الرُّبُع)) زاد الحميدي: ((في الوصيّة))، وكذا رواه أحمد (٢٠٧٦) عن وكيع عن هشام بلفظ: ((وَدِدت أنَّ الناس غَضُّوا من الثُّلث إلى الرُّبُع في الوصيّة)) الحديث، وفي رواية ابن نُمَير عن هشام عند مسلم (١٦٢٩): «لو أنَّ الناس غَضّوا من الثُّلث إلى الرُّبُع)». قوله: («لأنَّ رسول الله وَّه قال)) هو كالتَّعليلِ لمَا اختارَه من النُّقْصان عن الثُّلث، وكأنَّ ابن عبّاس أخَذَ ذلك من وَصْفِهِ وَِّ الثَّلث بالكَثْرة، وقد قَدَّمنا الاختلاف في توجيه ذلك في الباب الذي قبله، ومَن أخَذَ بقولِ ابن عبّاس في ذلك كإسحاق بن راهويه، والمعروف في مذهب الشّافعي: استحباب النَّقص عن الثَّلث، وفي ((شرح مسلم)) للنَّوَوي: إن كان الوَرَثةِ فُقَراء استُحِبَّ أن يَنقُص منه، وإن كانوا أغنياءَ فلا. قوله: ((والثُّلث كَثير)) في رواية مسلم: ((كثير أو كبير)) بالشَّكِّ، هل هي بالموخَّدة أو بالمثلَّثة. قوله: ((حدَّثني محمد بن عبد الرحيم)) هو الحافظ المعروف بصاعِقة، وهو من أقران البخاري وأكبر منه قليلاً. قوله: ((حدَّثنا مروان)) هو ابن معاوية الفَزاري. قوله: ((عن هاشم بن هاشم)) أي: ابن عُتبة بن أبي وقَّاص، وقد نزلَ البخاري في هذا الإسناد دَرَجَتَين، لأنَّه يروي عن مَكّ بن إبراهيم، ومَكّي يروي عن هاشم المذكور، وسيأتي في مناقب سعد (٣٧٢٦) له بهذا الإسناد حديث عن مَكّي عن هاشم عن عامر بن سعد عن أبيه. قوله: ((فقلت: يا رسول الله، ادْعُ الله أن لا يَرُدَّني على عَقِبي) هو إشارة إلى ما تقدَّم من كراهية الموت بالأرضِ التي هاجَرَ منها، وقد تقدَّم توجيهه وشرحه في الباب الذي قبله. قوله: ((لعلَّ الله یَرفَعُك)) زاد أبو نعيم في «المستخرج)) في روايته من وجه آخر عن زكريا ابن عَدي: ((يعني يُقيمك من مرضك)). ٥٢٦ باب ٤ / ح ٢٧٤٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله في هذه الرِّواية: ((قلت: أُوصي بالنِّصْفِ؟ قال: النِّصْف كَثير)» لم أرَ في غيرها من طُرقه وَصْفَ النِّصف بالكَثْرة، وإنَّما فيها: ((قال: لا في كلّه، ولا في ثُلُثَيْه)) وليس في هذه الرِّواية إشكال إلَّا من جِهَة وَصْف النِّصف بالكَثْرة ووَصْف الثُّلث بالكَثْرة، فكيف امتَنَعَ ٣٧١/٥ النِّصف / دون الثُّلث؟! وجوابه أنَّ الرِّواية الأُخرى التي فيها جواب النِّصف، دَلَّت على مَنْع النِّصف ولم يأتِ مثلها في الثُّلث، بل اقتَصَرَ على وَصْفه بالكَثْرةِ، وعُلِّلَ بأنَّ إبقاءَ الوَرَثة أغنياءَ أوْلى، وعلى هذا فقوله: ((الثُّلث)) خبر مُبتَدَأ محذوف تقديره: مُباح، ودَلَّ قوله: ((والثُّلث كثير)) على أنَّ الأولى أن يَنقُص منه، والله أعلم. قوله: ((قال: وأوصى النّاس بالثُّثِ، فجازَ ذلك لهم)) ظاهره أنَّه من قول سعد بن أبي وقَّاص، ويحتمل أن يكون من قول مَن دُونَه، والله أعلم، وكأنَّ البخاري قَصَدَ بذلك الإشارة إلى أنَّ النَّقص من الثَّلث في حديث ابن عبّاس للاستحباب لا لِلمَنعِ منه، جمعاً بين الحديثَين، والله أعلم. ٤ - باب قول المُوصي لوَصِيِّ: تعاهَدْ ولدي، وما يجوز للوصِيِّ من الدَّغْوی ٢٧٤٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَ بنِ الزُّبیر، عن عائشةَ رضي الله عنها زوجِ النبيِّ ◌َِّ أنَّها قالت: كان عُثْبةُ بنُ أبي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلى أخِیه سعد ابنِ أبي وَقَّاصٍ: أنَّ ابنَ وَلِيدةِ زَمْعَةَ مِنِّي، فاقِضْه إليكَ، فلمَّا كان عامُ الفتح أخَذَه سعدٌ، فقال: ابنُ أخي، قد كان عَهِدَ إليّ فيه، فقامَ عَبْدُ بنُ زَمْعةَ فقال: أخي وابنُ أَمَةِ أبي، ◌ُلِدَ على فِراشه، فَتَساوَقا إلى رسولِ اللهِ وَ ﴿، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله، ابنُ أخي، كان عَهِدَ إليَّ فيه، فقال عَبْدُ ابنُ زَمْعةَ: أخي وابنُ وَلِيدةٍ أَبي، فقال رسولُ الله ◌ِّهِ: «هو لكَ يا عَبْدَ بنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ للْفِراش ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ)) ثمَّ قال لسَوْدَةَ بنت زَمْعةَ: ((احتَجِبي منه)) لِمَا رَأى من شَبَهِه بعُتْبَةَ، فما رآها حتَّى لَقِيَ اللهَ. قوله: ((باب قول الموصي لوَصيّه: تَعاهَد ولدي، وما يجوز للوَصيّ من الدَّعْوى)) أورَدَ فيه حديث عائشة في قِصَّة مُخَاصَمة سعد بن أبي وقَّاص وعبد بن زَمعة في ابن وليدة زَمعة، وقد ٥٢٧ باب ٥-٦ / ح ٢٧٤٦ -٢٧٤٧ كتاب الوصايا تَرجَمَ له (٢٤٢١) في كتاب الإشخاص: ((دعوى الموصي للميِّت)) أي: عن الميِّت، وانتزاع الأمرَينِ المذكورَينِ في التَّرجمة من الحديث المذكور واضح، وسيأتي الكلام عليه في الفرائض (٦٧٤٩) إن شاء الله تعالى. ٥ - باب إذا أَوماً المريضُ برأسه إشارةً بَيَِّةً تُعرَفُ ٢٧٤٦ - حدَّثْنَا حسَّانُ بنُ أبي عبَّادٍ، حدَّثنَا هَمَّاٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ ﴾: أنَّ يهوديّاً رَضَّ رَأْسَ جاريةٍ بين حَجَرَينٍ، فَقِيلَ لها: مَن فَعَلَ بكِ؟ أفلانٌ أو فلانٌ؟ حتَّى سُمِّيَ اليهوديُّ، فَأَوْمَت بَرَأْسِها، فجِي ءَ به، فلم يَزَلْ حَتَّى اعتَرَفَ، فأمَرَ النبيُّ ◌َّهِ فِرُضَّ رَأْسُه بالحِجارةِ. قوله: ((باب إذا أَوماً المريض بَرَأْسِه إشارةً بيِّنَةً تُعرَف)) أي: هل يُحكم بها؟ أورَدَ فيه حديث أنس في قِصَّة الجارية التي رَضَّ اليهوديُّ رأسَها، وسيأتي الكلام عليه في القصاص (٦٨٧٦) إن شاء الله تعالى. ٦- باب لا وصيّةً لوارثٍ ٣٧٢/٥ ٢٧٤٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجِيحِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان المالُ للوَلَدِ، وكانتِ الوَصِيَّةُ للوالدَينِ، فَتَسَخَ الله من ذلك ما أحَبَّ، فجَعَلَ الذَّكَرِ مثلَ حَظِّ الأُنثَينِ، وَجَعَلَ للأبوينِ لكلِّ واحدٍ منهما الشُّدُسَ، وجَعَلَ للمَرْأةِ الثُّمُنَ والرُّبُعَ، وللزَّوْجِ الشَّطرَ والرُّبُعَ. [طرفاه في: ٤٥٧٨، ٦٧٣٩] قوله: (باب لا وصيّة لوارثٍ)) هذه التَّرجمة لفظ حديث مرفوع، كأنَّه لم يَثْبُت على شرط البخاري فتَرجَمَ به كَعادتِهِ، واستَغنى بما يُعطي حكمه. وقد أخرجه أبو داود والتِّرمِذي وغيرهما (١) من حديث أبي أمامةَ: سمعت رسول الله وَ لَه يقول في خُطبَته في حَجَّة الوَدَاع: ((إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقِّ حقَّه، فلا وصيّةَ لوارثٍ))، وفي إسناده إسماعيل بن عَيّاش، (١) أخرجه أبو داود (٢٧٨٠) و(٣٥٦٥)، وابن ماجه (٢٧١٣)، والترمذي (٢١٢٠) وعبد الله بن أحمد في زوائدہ علی «المسند» (٢٢٢٩٤). ٥٢٨ باب ٦ / ح ٢٧٤٧ فتح الباري بشرح البخاري وقد قَوّى حديثه عن الشّاميينَ جماعة من الأئمّة منهم أحمد والبخاري، وهذا من روايته عن شُرَحبيل بن مسلم، وهو شامي ثقة، وصَرَّحَ في روايته بالتحديث عند التِّرمِذي، وقال التّرمِذي: حديث حسن. وفي الباب عن عَمْرو بن خارجَة عند التِّرمِذي (٢١٢١) والنَّسائي (٣٦٤١)، وعن أنس عند ابن ماجَهْ (٢٧١٤)، وعن عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جَدّه عند الدّارَقُطني (٤١٥٤)، وعن جابر عند الدّارَقُطني أيضاً (٤١٥١) وقال: الصواب إرساله، وعن عليٍّ عند ابن أبي شَيْبةٍ(١)، ولا يَخَلُو إسناد كلٍّ منها عن مقال، لكن مجموعها يقتضى أنَّ للحديثِ أصلاً، بل جَنَحَ الشّافعي في «الأُمّ)) (٤/ ١١٤) إلى أنَّ هذا المتن مُتَواتِرٍ فقال: وَجَدْنا أهل الفُتيا ومَن حَفِظْنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قُرَيش وغيرهم لا يختلفون في أنَّ النبي وَّر قال عام الفتح: ((لا وصيّةَ لوارثٍ)) ويَأْتُرُون عَمَّن حَفِظوه عنه مَمَّن لَقَوه من أهل العلم، فكان نَقْل كافَّة عن كافَّة، فهو أقوى من نَقل واحد. وقد نازَعَ الفَخرِ الرَّازي في كَون هذا الحديث مُتَواتِراً، وعلى تقدير تَسليم ذلك فالمشهور من مذهب الشّافعي: أنَّ القرآن لا يُنسَخ بالسُّنَّة، لكن الحُجَّة في هذا الإجماع على مُقْتَضاه كما صَرَّحَ به الشّافعي وغيره، والمراد بعَدَمِ صِحَّة وصية الوارث عَدَم اللُّزوم؛ لأَنَّ الأكثر على أنَّها مَوقوفة على إجازة الوَرَثة كما سيأتي بيانه، وروى الدّارَقُطني (٤١٥٠ و٤٢٩٥) من طريق ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عبّاس مرفوعاً: ((لا تجوز وصية لوارثٍ إلَّا أن يشاء الوَرَثة)) كما سيأتي بيانه، ورجاله ثقات، إلّا أنَّه معلول، فقد قيل: إنَّ عطاءً هو الُراساني، والله أعلم. وكأنَّ البخاري أشار إلى ذلك فتَرجَمَ بالحديث، وأخرج من طريق عطاء - وهو ابن أبي رباح - عن ابن عبّاس حديث الباب، وهو موقوف لفظاً، إلّا أنَّه في تفسیرہ إخبار بما كان من الحكم قبل نزول القرآن، فيكون في حُكْم المرفوع بهذا التَّقدير، ووجه دلالته للترجمة من جِهَة أنَّ نَسْخ الوصيّة للوالدين، وإثبات الميراث لهما بدلاً منها، يُشعِر بأنَّه لا يُجمَع لهما بين الميراث (١) في («مصنفه)) ١٤٩/١١، لكنه عنده موقوف على عليٍّ. ٥٢٩ باب ٦ / ح ٢٧٤٧ كتاب الوصايا والوصيّة، وإذا کان کذلك کان مَن دُونَهما أولى بأن لا يُجمع ذلك له، وقد أخرجه ابن جرير (١١٨/٢) من طريق مجاهد بن جَبْر، عن ابن عبّاس بلفظ: ((وكانت الوصيّة للوالدَينِ والأقربين ... )) إلى آخره، فظَهَرَت المناسَبة بهذه الزِّيادة؛ وقد وافقَ محمد بن يوسف - وهو الفِريابي - في روايته إياه عن وَرْقاء عيسى بنُ ميمون كما أخرجه ابن جرير (١١٨/٢)، وخالَفَ وَرْقاءَ شِبلٌ عن ابن أبي نَجِيح، فجَعَلَ مجاهداً موضعَ عطاء، أخرجه ابن جرير أيضاً (١١٨/٢)، ويحتمل أنَّه كان عند ابن أبي نَجِيح على الوجهَين، والله أعلم. قوله: ((وجَعَلَ / للمَرْأةِ الثُّمُن والرُُّع)) أي: في حالَينِ، وكذلك للَّوج، قال ◌ُمهور ٣٧٣/٥ العلماء: كانت هذه الوصيّة في أوَّل الإسلام واجبةً لوالدَي الميِّت وأقربائه على ما يَراه من المساواة والتَّفضيل، ثمَّ نُسِخَ ذلك بآية الفرائض، وقيل: كانت للوالدينِ والأقرَبينَ دون الأولاد، فإنَّهم كانوا يَرِثون ما يَبقى بعد الوصيّة، وأغرَبَ ابن شُرَيح فقال: كانوا مُكَلَّفينَ بالوصيّة للوالدَينِ والأقربين بمقدار الفريضة التي في عِلم الله قبل أن يُنزِلها، واشتَدَّ إنكار إمام الحرمینِ عليه في ذلك. وقيل: إنَّ الآية مخصوصَة؛ لأنَّ الأقربين أعمُّ من أن يكونوا وُرّاثاً، وكانت الوصيّة واجبة لجميعِهِم فَخُصَّ منها مَن ليس بوارثٍ بآية الفرائض، وبقوله بَّه: (لا وصية لوارثٍ)) وبَقيَ حقُّ مَن لا يَرِث من الأقربين من الوصيّة على حاله، قاله طاووسٌ وغيره، وقد تقدَّمت الإشارة إليه قبلُ. واختُلِفَ في تعيين ناسخ آية ﴿اَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، فقيل: آية الفرائض، وقيل: الحديث المذكور، وقيل: دَلَّ الإجماع على ذلك وإن لم يَتَعيَّن دليلُه. واستُدِلَّ بحديثِ ((لا وصَيَ لوارثٍ)) بأنَّه لا تَصِحّ الوصيّة للوارثِ أصلاً كما تقدَّم، وعلى تقدير نفاذها من الثُّلث لا تَصِحّ الوصيّة له ولا لغيره بما زاد على الثُّلث ولو أجازَت الوَرَثَةُ، وبه قال المُزَني وداود، وقَوّاه السُّبْكي، واحتَجَّ له بحديثٍ عِمران بن حُصَينٍ في الذي أعتَقَ ستَّة أَعبُد، فإنَّ فيه عند مسلم (٥٦/١٦٦٨): ((فقال له النبي ◌َّل قولاً شديداً)» وفَسََّ القول الشَّديد في رواية أُخرى بأنَّه قال: ((لو عَلِمتُ ذلك ما صَلَّيْتُ عليه)»، ولم يُنقَل ٥٣٠ باب ٧ / ح ٢٧٤٨ فتح الباري بشرح البخاري أنَّه راجَعَ الوَرَثة، فدَلَّ على مَنْعه مُطلَقاً، وبقوله في حديث سعد بن أبي وقّاص: ((وكان بعد ذلك الثُّلث جائزاً)، فإنَّ مفهومه أنَّ الزّائد على الثُّلث ليس بجائزٍ، وبأنَّه ◌ِلِّ مَنَعَ سعداً من الوصيّة بالشَّطِرِ ولم يَستَئنِ صورة الإجازة، واحتَجَّ مَن أجازَه بالزِّيادة المتقدِّمة وهي قوله: ((إلّا أن يَشاء الوَرَثة)) فإن صَخَّت هذه الزّيادة فهي حُجَّة واضحة. واحتَجُّوا من جِهَة المعنى بأنَّ المنْع إنَّما كان في الأصل لحقِّ الوَرَثة، فإذا أجازوه لم يَمتَنِعِ، واختلفوا بعد ذلك في وقت الإجازة، فالجمهور على أنَّهم إن أجازوا في حياة المُوصِي، كان لهم الرُّجوع متى شاؤوا، وإن أجازوا بعده نَفَذَ، وفَصَّلَ المالكية في الحياة بين مَرَض الموت وغيره، فألحَقوا مَرَض الموت بما بعده، واستثنى بعضهم ما إذا كان المُجيز في عائلة الموصي وخَشِيَ من امتناعه انقطاع معروفه عنه لو عاش، فإنَّ لِثلِ هذا الرُّجوع، وقال الزُّهْري وربيعة: ليس لهم الرُّجوع مُطلَقاً، واتَّفَقوا على اعتبار كَون الموصي له وارثاً بيومِ الموت، حتَّى لو أَوصى لأخيه الوارث حيثُ لا يكون له ابن يَحجُب الأخ المذكور فُوُلِدَ له ابنٌ قبل موته يَحَجُب الأخ، فالوصيّة للأخ المذكور صحيحة، ولو أوصى لأخيه وله ابنٌّ فمات الابن قبل موت الموصي، فهي وصيّةٌ لوارثٍ، واستُدِلّ به على مَنْع وَصيّة مَن لا وارثَ له سوى بيت المال؛ لأنَّه يَنتَقِل إرثاً للمسلمينَ، والوصيّة للوارثِ باطلة، وهو وَجْهٌ ضعيف جدّاً، حَكاه القاضي حُسَين، ويَلزَم قائلَه أن لا يُجيز الوصيّة للدِّمَي، أو يُقيِّد ما أطلقَ، والله أعلم. ٧- باب الصدقة عند الموت ٢٧٤٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ العَلَاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، عن عُمارةَ، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ ظُ، قال: قال رجلٌ للنبيِّ وَّ: يا رسولَ الله، أيُّ الصَّدَقةِ أفضلُ؟ قال: ((أن تَصَدَّقَ وأنتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ، تَأْمُلُ الغِنَى وَتَخْشَى الفَقْرَ، ولا تُهِلْ حَتَّى إذا بَلَغَتِ الخُلْقُومَ قلتَ: لفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا، وقد كان لفلانٍ». قوله: ((باب الصَّدَقة عند الموت)) أي: جوازها، وإن كانت في حال الصِّحَّة أفضل. ٣٧٤/٥ ٥٣١ باب ٧ / ح ٢٧٤٨ كتاب الوصايا أورَدَ فيه حديث أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، أيُّ الصَّدَقة أفضل؟ قال: ((أن تَصَدَّقَ وأنتَ صحيح)) الحديث، وقد تقدَّم في كتاب الزكاة (١٤١٩) من وجهٍ آخر، وبيَّنت هناك اختلاف ألفاظه. ووقع التصريح بالتحديث هناك في جميع إسناده بَدَلَ العَنعَنة هنا. قوله: ((أن تَصَدَّقَ)) بتخفيف الصَّاد على حذف إحدى التاءَين، وأصله: أن تَتصَدَّق، وبالتَّشديد على إدغامها. قوله: ((ولا تُهِل)) بالإسكان على أنَّه تَهِيٌّ، وبالرفع على أنَّ نَفيٌّ، ويجوز النَّصب. قوله: ((قلت لفلانٍ: كذا ولِفلانٍ كذا، وقد كان لفلانٍ» الظَّاهر أنَّ هذا المذكور على سبيل المثال، وقال الخطَّابي: فلان الأوَّل والثاني الموصى له، وفلان الأخير الوارث؛ لأنَّه إن شاءَ أبطَلَه، وإن شاءَ أجازَه. وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد بالجميع مَن يُوصَى له، وإنَّما أدخَلَ ((كان)) في الثالث إشارةً إلى تقدير القَدْر له بذلك، وقال الكِرْماني: يحتمل أن يكون الأوَّل الوارث، والثاني المورِّث، والثالث الموصَى له. قلت: ويحتمل أن يكون بعضها وصيةً، وبعضها إقراراً، وقد وقع في رواية ابن المبارك عن سفيان عند الإسماعيلي: ((قلت: اصنَعوا لفلانٍ كذا، وتَصَدَّقوا بكذا))، ووقع في حديث بُسْر بن جِحاش، وهو بضمِّ الموحّدة وسكون المهملة، وأبوه بكسر الجيم وتخفيف المهمَلة وآخره شين مُعجَمة، عند أحمد (١٧٨٤٢) وابن ماجَهْ (٢٧٠٧) وصَحَّحَه، واللَّفظ لابن ماجَهْ قال: بَزَقَ النبيُّ ◌َ ◌ّهِ فِي كَفِّه ثمَّ وَضَعَ إصبَعَه السَّبَّابة وقال: ((يقول الله: أنَّى يُعجِزُني ابنُ آدَمَ، وقد خَلَقتُك من قَبلُ من مثل هذه، فإذا بَلَغَت نفسُك إلى هذه - وأشار إلى حَلْقه - قلت: أتصَدَّق، وأنَّى أوانُ الصَّدَقة))، وزاد في رواية أبي اليَمَان (١): ((حتَّى إذا سَوَّيتُك وعَدَلتُك مَشَيتَ بين بُرْدَينٍ وللأرضِ مِنك وَئيدٌ، فجَمَعت ومَنَعت، حتَّى إذا بَلَغَت (١) هي إحدى روايات أحمد، ولم يسق لفظها. وقد رواه من طريق أخرى عن أبي النضر وعن حسن بن موسى وعن أبي المغيرة، ولم يسق رواية حسن بن موسى، وقد ذكر في رواية أبي النضر وأبي المغيرة القطعة التي ساقها الحافظ، فلا تعتبر زيادة في رواية أبي الیمان. ٥٣٢ باب ٨ فتح الباري بشرح البخاري التَّراقِيَ قلت: لفلانٍ كذا، وتَصَدَّقوا بكذا))، وفي الحديث أنَّ تَنجيز وفاء الدَّين والتَّصَدُّق في الحياة وفي الصِّحَّة أفضلُ منه بعد الموت وفي المرض، وأشار وَاليه إلى ذلك بقوله: ((وأنتَ صحيح حَريص تأمُل الغِنى ... )) إلى آخره، لأنَّه في حال الصِّحَّة يَصعُب عليه إخراج المال غالباً لمَا يُحُوِّفه به الشَّيطان ويُزيِّن له من إمكان طول العُمر والحاجة إلى المال، كما قال تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ اٌلْفَقْرَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٨]، وأيضاً فإنَّ الشَّيطان ربَّما زَيَّنَ له الحَيْف في الوصيّة أو الرُّجوع عن الوصيّة، فيَتَمَخَّض تفضيل الصدقة الناجزة، قال بعض السَّلَف عن بعض أهل التَّرف: يَعصُون الله في أموالهم مَرَّتین: يبخلون بها وهي في أيديهم، يعني: في الحياة، ويُسرِفون فيها إذا خَرَجَت عن أيديهم، يعني: بعد الموت. وأخرج التِّرمِذي (٢١٢٣) بإسنادٍ حسن وصَحَّحَه ابن حِبَّان (٣٣٣٦)، عن أبي الدَّرداء مرفوعاً قال: ((مَثَل الذي يُعتق ويَتَصَدَّق عند موته مَثَل الذي يُهدي إذا شَبعَ))، وهو يَرجِع إلی معنی حدیث الباب، وروى أبو داود (٢٨٦٦) وصحَّحه ابن حبّان (٣٣٣٤) من حديث أبي سعيد الخُذْري مرفوعاً: ((لَأنْ يَتَصَدَّق الرجل في حَياته وصِحَّته بدرهم، خير له من أن يَتَصَدَّق عند موته بمئةٍ». ٨ - باب قول الله عزّ وجلّ: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ [النساء: ١١] ويُذكّرُ أَنَّ شُرَيحاً وعُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ وطاوُوساً وعطاءَ وابنَ أَذَينَةَ أجازُوا إِقْرارَ المريضِ بِدَينٍ. وقال الحسنُ: أحقُّ ما تَصَدَّقَ به الرجلُ آخرَ يومٍ مِن الدُّنْيا، وأوَّلَ يومٍ مِن الآخرةِ. وقال إبراهيمُ والحَكَمُ: إذا أَبَرَأَ الوارثَ مِن الدَّينِ بَرِئَّ. وأوْصَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ: أن لا تُكْشَفَ امرأتُهُ الفَزاريَّةُ عَّا أُغْلِقَ علیه باُها. وقال الحسنُ: إذا قال لمملوكِهِ عندَ الموتِ: كنتُ أعتَقْتُكَ؛ جازَ. وقال الشَّعْبِيُّ: إذا قالتِ المرأةُ عندَ مَوْتِها: إنَّ زوجي / قَضَاني وقَبَضْتُ منه؛ جازَ. ٣٧٥/٥ وقال بعضُ النّاسِ: لا يجوزُ إِقْرَارُه لسُوءِ الظَّنِّ به للْوَرَثةِ، ثمَّ استَحْسَنَ فقال: يجوزُ إِقْرارُه ٥٣٣ باب ٨ / ح ٢٧٤٩ كتاب الوصايا بالوَدِيعةِ والبِضاعةِ والمضارَبةِ. وقد قال النبيُّ نَّهِ: ((إيّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أُكَذَبُ الحديثِ)). ولا يَجِلُّ مالُ المسلمِينَ لقولِ النبيِّ ◌َّ: («آيَةُ المنافقِ إذا اؤْتُمِنَ خانَ)). وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فلم يَخُصَّ وارثاً ولا غيرَه. فيه عبدُ الله بنُ عَمْرٍو، عن النبيِّ ◌َلَ. ٢٧٤٩- حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ أبو الرَّبِيع، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا نافعُ بنُ مالكِ بنِ أبي عامِرٍ أبو سُهَيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ عُ، عن النبيِّ وَ ل ◌َ قال: «آيَةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذا حَدَّث كَذَبَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ، وإذا وَعَدَ أَخلَفَ)». قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ أراد المصنّف - والله أعلم - بهذه التَّرجمة الاحتجاج بما اختارَه من جواز إقرار المريض بالدّينِ مُطلَقاً، سواء كان المقِرّ له وارثاً أو أجنبيّاً. ووجه الدّلالة أنَّه سبحانه وتعالى سوّى بين الوصيّة والدَّين في تقديمهما على الميراث ولم يَفصِل، فخَرَ جَت الوصيّة للوارثِ بالدَّليلِ الذي تقدَّم، ويَقِيَ الإقرار بالدَّينِ على حاله، وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ﴾ مُتَعَلِّق بما تقدَّم من المواريث كلّها، إلَّا بما يَليه وَحدَه، وكأنَّه قيل: قِسمة هذه الأشياء تَفَع من بعد وصية، والوصيّة هنا المال الموصى به. وقوله: ﴿يُوصِى بِهَا﴾ هذه الصِّفة تُقَيِّد الموصوف، وفائدته أن يُعلَم أنَّ للميِّتِ أن يُوصِيَ، قاله السُّهَيلي، قال: وأفاد تَنكير الوصيّة أنَّها مندوبة، إذ لو كانت واجبة لَقال: من بعد الوصيّة، کذا قال. قوله: ((ويُذكَر أنَّ شُرَيحاً وعُمر بن عبد العزيز وطاووساً وعطاء وابن أُذَينة أجازوا إقرار المريض بدَينٍ)) كأنَّه لم يَجِزِم بالنَّقلِ عنهم لضَعفِ الإسناد إلى بعضهم. ٥٣٤ باب ٨ / ح ٢٧٤٩ فتح الباري بشرح البخاري فأمَّا أثر شُرَيح، فَوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١٩٥/٦) عنه بلفظ: إذا أقرَّ في مرض الموت لوارثٍ بدَينٍ، لم يَجُزْ إلَّ بِّئَةٍ، وإذا أقرَّ لغير وارث جازَ، وفي إسناده جابر الجُعْفي، وهو ضعيف، وأخرجه من طريق آخر أضعَف من هذه، ولكن سيأتي له إسناد أصحّ من هذا بعدُ. وأمَّا عمر بن عبد العزيز، فلم أقف على مَن وَصَلَه عنه. وأمَّا طاووسٌ، فَوَصَلَه ابن أبي شَيْبة أيضاً (١٩٤/٦) عنه بلفظ: إذا أقرَّ لوارثٍ جازَ، وفي الإسناد ليث بن أبي سُلَيمٍ، وهو ضعيف. وأمَّا قول عطاء، فوَصَلَه ابن أبي شيبة (١٩٥/٦) عنه بمثله، ورجال إسناده ثقات. وأمَّا ابن أُذَينة، واسمُه عبد الرحمن، وكان قاضي البصرة، وأبوه بالمهمَلة مُصغَّر، وهو تابعي ثقة مات سنة خمس وتسعين من الهجرة، ووَهَمَ مَن ذكره في الصحابة، وأَثرُه هذا وَصَلَه ابن أبي شَيْبة أيضاً (٦/ ١٩٥) من طريق قَتَادة عنه: في الرجل يُقِرّ لوارثٍ بدَينٍ قال: يجوز، ورجال إسناده ثقات. قوله: ((وقال الحسن: أحقّ ما تَصَدَّقَ به الرجل آخرَ يوم من الدنيا، وأوَّلَ يوم من الآخرة» هذا أثر صحيح رُوّيناه بعُلوّ في ((مسند)) الدّارمي (٣٢٥٧) من طريق قَتَادة قال: قال ابن سيرينَ عن شُرَيح: لا يجوز إقرارٌ لوارثٍ، قال: وقال الحسن: أحقّ ما جازَ عليه عند موته أوَّل يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا. قوله: ((وقال إبراهيم والحَكَم: إذا أَبَرَأَ الوارثَ من الدَّين بَرِئَ)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢٦٦/٧) من طريق الثَّوري عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن إبراهيم: في المريض إذا أبرأ الوارثَ، بَرِئَّ، وعن مُطرِّف عن الحكم مثله. قوله: ((وأوصی رافع بن خَدیج: أن لا تُكْشَف امْرَأْته الفزاریة عَّا أُغلِقَ علیہ بابها» في رواية المُستَمْلي والسَّرَخسي: ((عن مال أغلَقَ عليه بابها»، ولم أقف على هذا الأثر موصولاً بعدُ. قوله: ((وقال/ الحسن: إذا قال لمَمْلوكِه عند الموت: كنت أعتَقْتُك، جازَ)» لم أقف على مَن ٣٧٦/٥ ٥٣٥ باب ٨ / ح ٢٧٤٩ كتاب الوصايا وصَلَه، وهو على طريقة الحسن في تنفيذ إقرار المريض مُطلَقاً. قوله: ((وقال الشَّعْبي: إذا قالت المرأة عند مَوْتها: إنَّ زوجي قَضاني وقَبَضْت منه، جازً»، قال ابن التِّين: وَجهُهُ أنَّها لا تُتَّهمُ بالميلِ إلى زوجها في تِلكَ الحال، ولا سيّما إذا كان لها ولدٌ من غيره. قوله ((وقال بعض النّاس: لا يجوز إقرارُه)) أي: المريض (لِسُوءِ الظَّنّ به للوَرَثَةِ)) وفي رواية المُستَمْلي: ((بسوءِ الظَّنّ) بالموخَّدة بدل اللّام. قوله: ((ثُمَّ استَحسَنَ فقال: يجوز إقرارُه بالوَديعةِ والبضاعة والمضاربة)) قال ابن التِّين: إن أراد هذا القائل ما إذا أقرَّ بالمضاربة مثلاً للوارث، لَزِمَه التَّنَاقُض وإلَّا فلا، وفَرَّقَ بعض الحنفية بأنَّ رِبح المال في المضاربة مُشتَرَك بين العامل والمالك، فلم يكن كالدَّينِ الَحْض. وقال ابن المنذر: أجْمَعوا على أنَّ إقرار المريض لغير الوارث جائز، لكن إن كان عليه دَين في الصِّحَّة، فقد قالت طائفة منهم النَّخَعي وأهل الكوفة: يُبدَأ بدَينِ الصِّحَّة ويَتَحَاصُ (١) أصحاب الإقرار في المَرَض، واختلفوا في إقرار المريض للوارثِ، فأجازَه مُطلَقاً الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور، وهو المَرَجَّح عند الشّافعية، وبه قال مالك، إلّا أنَّه استثنى ما إذا أقرَّ لبِنتِه ومعها مَن يُشاركها من غير الوَلَد كابن العَمّ مثلاً، قال: لأنَّه يُتَّهم في أن يزيد بنتَه ويَنقُصَ ابنَ عَمّه من غيرِ عَكس، واستثنى ما إذا أقرَّ لزوجتِه التي يُعرَف بمَحَيَّتِها والميل إليها، وكان بينه وبين ولده من غيرها تَباعُد، ولا سيّما إن كان له منها في تلك الحالة ولدٌ، وحاصل المنقول عن المالكية مَدار الأمر على التُّهمة وعَدَمها، فإن فُقِدَت جازَ وإلَّا فلا؛ وهو اختيار الرُّوياني من الشّافعية. وعن شُرَيح والحسن بن صالح: لا يجوز إقرارُه لوارثٍ إلَّا لزوجتِه بصَدَاقها، وعن القاسم وسالم والثَّوري والشّافعي في قولٍ زَعَمَ ابن المنذر أنَّ الشّافعي رَجَعَ عن الأوَّل إليه، وبه قال أحمد: لا يجوز إقرارُ المريض لوارثِه مُطلَقاً؛ لأنَّه مُنِعَ الوصيّةَ له، فلا يؤمَن أن (١) قوله: ((يتحاصّ)) من المخاصَّه: وهي اقتسام المال بينهم حصصاً. انظر ((اللسان)) (حصص). ٥٣٦ باب ٨ / ح ٢٧٤٩ فتح الباري بشرح البخاري يزيد الوصيّة له فيَجعَلها إقراراً. واحتَجَّ مَن أجازَ مُطلَقاً بما تقدَّم عن الحسن أنَّ التُّهمة في حقّ المحتَضَر بعيدة، وبالفَرْق بين الوصيّة والدّين؛ لأنَّهم اتَّفَقوا على أنَّه لو أَوصى في صِحَّته لوارثِه بوَصيّةٍ وأقرَّ له بدَینٍ ثمَّ رَجَعَ، أنَّ رُجوعه عن الإقرار لا يَصِحّ، بخلاف الوصيّة فيَصِحّ رُجوعه عنها، واتَّفَقوا على أنَّ المريض إذا أقرَّ بوارثٍ صَحَّ إقراره، مع أنَّه يَتَضَمَّن الإقرار له بالمال، وبأنَّ مَدار الأحكام على الظَّاهر، فلا يُترَك إقرارُه للظَّنِّ المحتَمَل، فإنَّ أمره فيه إلى الله تعالى. قوله: ((وقد قال النبي ◌َّه: إياكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنّ أكذَبُ الحديث)) هو طَرَف من حديث وَصَلَه المصنِّف في الأدب (٦٠٦٤ و٦٠٦٦) من وجهَينِ عن أبي هريرة، وقَصَدَ بذِكْره هنا الرّدّ على مَن أساءَ الظَّنّ بالمريضِ فمَنَعَ تَصَرُّفَه. ومعنى قوله: «أكذَبُ الحديث)) أي: أكذَبُ في الحديث من غيره؛ لأنَّ الصِّدق والكذب يوصَف بهما القول لا الظَّنُّ. قوله: ((ولا يَحِلّ مال المسلمينَ لقولِ النبي ◌َّ: آية المنافق إذا اؤْتُمِنَ خان)) هو طَرَف من حديث تقدَّم شرحه في كتاب الإيمان (٣٣)، ووجه تَعَلَّقْه بالرَّدِّ على مَن مَنَعَ إجازة إقرار المريض، من جِهَة أنَّه دالٌّ على ذَمّ الخيانة، فلو تَرَكَ ذِكْرَ ما عليه من الحقّ وكَتَمَه، لكان خائناً للمُستَحِقّ، فَلَزِمَ من وجوب تَرْك الخيانة وُجوب الإقرار؛ لأنَّه إذا كَتَمَ صار خائناً، ومَن لم يُعتبر إقرارُه كان حَملُه على الکِتمان. قوله: ((وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فلم يَخُصَّ وارثاً ولا غيرَه)) أي: لم يُفرِّق بين الوارث وغيره في الأمر بأداءِ الأمانة، فَيَصِحّ الإقرار، سواءً كان لوارثٍ أو غيره. قوله: ((فيه عبد الله بن عَمْرو عن النبي ◌َّ)) يعني حديث («آية المنافق)) الذي عَلَّقَه مختصراً، وقد تقدَّم موصولاً بتمامه في كتاب الإيمان (٣٤) ولفظه: ((أربع مَن كُنَّ فيه كان مُنافقاً خالصاً)) وفيه: ((وإذا اؤْتُمِنَ خان))، وحديث أبي هريرة الذي أورَدَه في هذا الباب بلفظ: («آيَةٌ ٥٣٧ باب ٩ / ح ٢٧٥٠ -٢٧٥١ كتاب الوصايا المنافق ثلاثٌ)) تقدَّم هناك أيضاً (٣٣) بإسناده/ ومتنه، وتقدَّم شرحه أيضاً، والله المستعان. ٣٧٧/٥ ٩- باب تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] ويُذكَّرُ أنَّ النبيَّوَِّ قَضَى بالدَّينِ قبلَ الوَصِيَّةِ. وقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٨٥] فأداءُ الأمانةِ أحقُّ من تَطَوُّعِ الوَصِيَّةِ. وقال النبيُّ ◌َّ: ((لا صَدَقَةَ إلا عن ظَهْرِ غِنِّى)). وقال ابنُ عبَّاسٍ: لا يُوصي العبدُ إلَّا بِإِذْنِ أهلِهِ. وقال النبيُّ وَّ: ((العبدُ راعٍ في مال سَيِّدِهِ)). ٢٧٥٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، أخبرَنا الأوْزاعيُّ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيد بنِ المسيّبِ، وعُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ، أَنَّ حَكِيمَ بنَ حِزامٍ عَّه قال: سألتُ رسولَ اللهَ وَّهِ فأعطاني، ثمَّ سألتُه فأعطاني، ثمَّ قال لي: ((يا حَكِيمُ، إنَّ هذا المالَ خَضِرٌ حُلْوٌّ، فمَن أَخَذَه بسَخاوةِ نَفْسٍ بُورِكَ له فيه، ومَن أخَذَه بإشْرافِ نفسٍ لم يُبارَكْ له فيه، وكان كالَّذي يأكُلُ ولا يَشْبَعُ، واليَدُ العُلْيا خيرٌ مِن اليَدِ السُّفْلَى)). قال حَكِيمٌ: فقلتُ: يا رسولَ الله، والَّذِي بَعَثَكَ بالحقِّ، لا أَرزَأُ أحداً بعدَكَ شيئاً حتَّى أُفارقَ الذُّنْيا، فكان أبو بكرٍ يَدْعُو حَكِيمً ليُعْطِيَه العطاءَ فيأَبَى أن يقبلَ منه شيئاً، ثمَّ إِنَّ عمرَ دَعاه ليُعْطِيَه فَأَبى أن يقبلَه، فقال: يا مَعْشَرَ المسلمِينَ، إنِّي أَعرِضُ عليه حقَّ الَّذِي قَسَمَ الله له من هذا الفَيءٍ فَأَبِى أن يأخُذَه. فلم يَرْزَأْ حَكِيمٌ أحداً مِن النّاسِ بعدَ النبيِّ ◌َّهِ حَتَّى تُوقِّيَ رحمه الله. ٢٧٥١ - حدَّثْنا بِشْرُ بنُ محمَّدِ السَّخْتِيانيُّ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرَني سالم، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسولَ الله وَ لَ يقول: ((كلُّكُم راعٍ ومَسؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والإمامُ راعٍ ومَسؤولٌ عن رَعِيَّتِه، والرجلُ راعٍ في أهلِهِ ومَسْؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمرأةُ في بيتِ زوجِها راعيةٌ ومَسؤولةٌ عن رَعِيَّتِّها، والخادِمُ في مال سَيِّدِه راعٍ ومَسؤولٌ ٥٣٨ باب ٩ / ح ٢٧٥١ فتح الباري بشرح البخاري عن رَعِيَّتِه)) قال: وأَحسَبُ أن قد قال: ((والرجلُ راع في مالِ أبيهِ)). قوله: ((باب تَأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾)) أي: بيان المراد بتقديمِ الوصيّة في الذِّكر على الدَّين مع أنَّ الدَّين هو المقدَّم في الأداء. وبهذا يَظهَر السَّرُّ في تكرار هذه التَّرجمة. قوله: ((ويُذكَر أنَّ النبيَّ ◌َِ﴿ قضى بالدَّينِ قبل الوصيّة)» هذا طَرَف من حديث أخرجه أحمد والتِّرمِذي وغيرهما (١) من طريق الحارث - وهو الأعوَر - عن عليّ بن أبي طالب قال: قضى محمد وَّ أنَّ الدَّين قبل الوصيّة، وأنتُم تَقرَؤون الوصيّة قبل الدَّين، لفظ أحمد، وهو إسناد ضعيف، لكن قال التِّرمِذي: إنَّ العمل عليه عند أهل العلم، وكأنَّ البخاري اعتَمَدَ عليه لاعتضاده بالاتّفاق على مُقتَضاه، وإلَّا فلم تَجِرِ عادته أن يُورِد الضَّعيف في مقام الاحتجاج به، وقد أورَدَ في الباب ما يَعضُدُه أيضاً. ٣٧٨ ولم يختلف العلماء في أنَّ الدَّين يُقدَّم على الوصيّة إلَّا في صورة واحدة: وهي ما لو أوصى لشَّخصٍ بألفٍ مثلاً، وصَدَّقَه الوارث وحَكمَ به، ثمَّ اذَّعى آخرُ أنَّ له في ذِمَّة الميّت دَيناً يَستَغرِق مَوجوده وصَدَّقَه الوارث، ففي وَجهِ للشّافعية: تُقَدَّم الوصيّة على الدَّين في هذه الصّورة الخاصَّة، ثمَّ قد نازَعَ بعضهم في إطلاق كَون الوصيّة مُقدَّمة على الدَّين في الآية؛ لأنَّه ليس فيها صيغَة ترتيب، بل المراد أنَّ المواريث إنَّما تَقَع بعد قضاء الدَّين وإنفاذ الوصيّة، وأتى بـ((أو)) للإباحة، وهي كقولِك: جالِسْ زيداً أو عَمراً، أي: لك ◌ُجالَسة كلِّ منهما اجتَمَعا أو افتَرَقا، وإنَّما قُدِّمَت لمعنَى اقتَضى الاهتمام لتقديمِها، واختُلِفَ في تعيين ذلك المعنى، وحاصل ما ذكره أهل العلم من مُقتَضَيات التَّقديم سنَّة أُمور: أحدها: الخِقَّة والثُّقَل كربيعة ومُضَر، فمُضَر أشرَفُ من ربيعة، لكن لفظ ربيعة لمَّا كان أخَفَّ قُدِّمَ في الذِّكر، وهذا يَرجِع إلى اللَّفظ. ثانيها: بحَسَبِ الَّمان کعادٍ وثمودَ. (١) أخرجه أحمد (٥٩٥)، وابن ماجه (٢٧١٥)، والترمذي (٢٠٩٤) و(٢١٢٢). ٥٣٩ باب ٩ / ح ٢٧٥١ كتاب الوصايا ثالثها: بحَسَبِ الطَّع کثلاثٍ ورُباعٍ. رابعها: بحَسَبِ الرُّتبة كالصلاة والزكاة؛ لأنَّ الصلاة حقّ البَدَن، والزكاةُ حقُّ المال، والبَدَنُ مُقدَّم على المال. خامسها: تقديم السَّبَب على المسَبَّب كقوله تعالى: ﴿عَرِزُ حَكِيمٌ﴾ قال بعض السَّلَف: عَزَّ فلمَّا عَّ حَكمَ. سادسها: بالشَّرَفِ والفضل كقوله تعالى: ﴿مِّنَ النَّبِِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. وإذا تَقرَّرَ ذلك، فقد ذكر السُّهَيلي أنَّ تقديم الوصيّة في الذِّكر على الدَّين؛ لأنَّ الوصيّة إِنَّمَا تَقَع على سبيل البِرّ والصِّلة، بخلاف الدَّين فإنَّه إنَّما يقع غالباً بعد الميِّت بنوعٍ تَفريط، فوقعت البداءة بالوصيّة لگونها أفضل. وقال غيره: قُدِّمَت الوصيّة لأنَّها شيء يُؤْخَذ بغير عِوَض، والدَّين يُؤخَذ بعِوَضٍ، فكان إخراج الوصيّة أشَقّ على الوارث من إخراج الدَّين، وكان أداؤُها مَظِنَّة التَّفريط، بخلاف الدَّين، فإنَّ الوارث مُطمَئِنّ بإخراجه، فقُدِّمَت الوصيّة لذلك. وأيضاً فهي حَظُّ فقير ومِسكينٍ غالباً، والدَّين حَظُّ غريمٍ يَطلُبه بقوّةٍ، وله مَقال، كما صَحَّ أنَّ لصاحبِ الدَّين مقالاً(١)، وأيضاً فالوصيّة يُنشِئها الموصي من قِبَل نَفْسِه، فَقُدِّمَت تحريضاً على العمل بها بخلاف الدَّين، فإنَّه ثابتٌ بنفسِه مطلوبٌ أداؤُه، سواء ذُكِرَ أو لم يُذكَر. وأيضاً فالوصيّة مُمكِنة من كلّ أحد ولا سيّما عند مَن يقول بوجوبها، فإنَّه يقول بلُزومِها لكلِّ أحد فيَشتَرِك فيها جميع المخاطَبين؛ لأنَّها تَقَع بالمال وتَقَع بالعَهدِ كما تقدَّم، وقَلَّ مَن يخَلُو عن شيء من ذلك، بخلاف الدَّين، فإنَّه يُمكِن أن يوجَد وأن لا يوجَد، وما يَكثُرُ وُقوعُه مُقدَّم على ما يَقِلّ وُقوعُه. وقال الزّين بن المنيِّر: تقديم الوصيّة على الدَّين في اللَّفظ لا يقتضي تقديمها في المعنى؛ لأَنَهما معاً قد ذُكِرا في سياق البَعْدِية، لكنَّ الميراث يَلي الوصيّة في البَعْدية، ولا يَلي الدَّين بل (١) جزء من حديث أخرجه البخاري (٢٣٠٦)، ومسلم (١٢٠) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((إن لصاحب الحق مقالاً). ٥٤٠ باب ٩ / ح ٢٧٥١ فتح الباري بشرح البخاري هو بَعدَ بَعِدِه، فيلزم أنَّ الدَّين يُقدَّم في الأداء ثمَّ الوصيّة ثمَّ الميراث، فيَتَحقَّق حينئذٍ أنَّ الوصيّة تَقَع بعد الدَّين حالَ الأداء باعتبار القَبْلية، فتقديم الدَّين على الوصيّة في اللَّفظ وباعتبار البَعْدية، فتُقَدَّم الوصيّة على الدَّين في المعنى، والله أعلم. قوله: ((وقال ابن عبّاس: لا يوصي العبد إلَّا بإذْنِ أهله)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١٨٩/١١) من طريق شَبيب بن غَرْقَدة عن جُندُبٍ قال: سألَ طَهْمَانُ ابن عبَّاس: أَيوصي العبدُ؟ قال: لا ، إلَّا بإذنِ أهله(١). قوله: ((وقال النبيُّ وَّ: العبد راع في مال سَيِّه)) هو طَرَف من حديث تقدَّم ذِكْره موصولاً في ((باب كراهية التطاول على الرَّقيق)) من كتاب العِثْق من حديث نافع عن ابن عمر (٢٥٥٤)، وأراد البخاري بذلك توجيه كلام ابن عبّاس المذكور. قال ابن المنيِر: لمَّا تَعارَضَ في مال العبد حقُّه وحقُّ سيِّده، قُدِّمَ الأقوى وهو حقّ السَّيِّد، وجُعِلَ العبد مسؤولاً عنه، وهو أحد الحَفَظَة فيه، فكذلك حقّ الدَّين لمَّا عارَضَه حقُّ الوصيّة - والدَّين واجبٌ والوصيّة تَطَوُّع - وَجَبَ تقديم الدَّين، فهذا وَجْهُ مُناسَبة هذا الأثر والحديث للترجمة. ثمّ أورد المصنِّفُ في الباب حدیثین: أحدهما: حديث حَكِيم بن حِزام: ((إنَّ هذا المال خَضِرٌ حُلوٌ)) الحديث، وقد تقدَّم مشروحاً في كتاب الزكاة (١٤٧٢). ٣٧٩/٥ قال ابن المنيِّر: وَجْه دخوله في هذا الباب من جِهَة أَنَّ وَجَ زَّدَه في قَبُول العَطيّة، وجَعَلَ يَدَ الآخِذِ سُفْلى تَنفيراً عن قَبُولها، ولم يقع مِثل ذلك في تَقاضي الدَّين، فالحاصل أنَّ قابِضَ الوصيّة يَده سُفلى، وقابِضَ الدَّين مُستَوفٍ لحقِّه، إمّا أن تكون يَده عُليا بما تَفَضَّلَ به من القَرْض، وإمَّا أن لا تكون يَده سُفلى، فيَتَحقَّق بذلك تقديم الدَّين على الوصيّة. (١) قوله: ((إلا بإذن أهله)) لم يقع في المطبوع من مصنف ابن أبي شيبة وهو عند عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٦٤٦٥) من الطريق نفسه بلفظ: ((إلا بإذن مواليه)».