النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ باب ١ / ح ٢٧٣٨ كتاب الوصايا الثُّلث، وأقوى ما يردّ على هؤلاءِ ما احتَجَّ به الشّافعي من/ حدیث عمران بن حُصین في ٣٥٩/٥ قِصَّة الذي أعتَقَ عند موته ستَّة أَعْبُد له لم يكن له مال غيرهم، فدعاهم النبيُّ وَّلْ فِجَزَّأهم ستَّة أجزاء، فأعتَقَ اثنَيْنِ وأرَقٌّ أربعة(١)، قال: فجَعَلَ عِتْقَه في المرض وصيةً، ولا يقال: لعلَّهم كانوا أقارب المعتِقِ؛ لأنّا نَقول: لم تَكُن عادة العرب أن تَلِك مَن بينها وبينه قَرابة، وإِنَّمَا تَلِك مَن لا قَرابة له أو كان من العَجَم، فلو كانت الوصيّة تَبطُل لغير القَرابة لَبَطَلَت في هؤلاء، وهو استدلال قوي، والله أعلم. ونَقَلَ ابن المنذر عن أبي ثَور: أنَّ المراد بوجوب الوصيّة في الآية والحديث يختصّ بمَن عليه حقّ شَرعي يخشى أن يَضيع على صاحبه إن لم يُوصِ به، كَوَديعةٍ ودَين لله أو الآدمي، قال: ويدلّ على ذلك تقييده بقوله: ((له شيءٌ يريد أن يُوصِيَ فيه))؛ لأَنَّ فيه إشارة إلى قُدرَته علی تَنْجیزه ولو کان مؤجَّلاً: فإنّه إذا أراد ذلك ساغ له، وأن أراد أن يُوصي به ساغ له، وحاصله يَرجِع إلى قول الجمهور: إنَّ الوصيّة غير واجبة لعَينِها، وإنَّ الواجب لعَينِه الخروج من الحقوق الواجبة للغير، سواء كانت بتَتجيزِ أو وصية، ومَحَلّ وجوب الوصيّة إنّما هو فيما إذا كان عاجزاً عن تَنجيز ما عليه وكان لم يُعْلِمِ بذلك غيره ممَّن يَتْبُت الحقّ بشهادتِهِ، فأمَّا إذا كان قادراً أو عَلِمَ بها غيره فلا وجوب. وعُرِفَ من مجموع ما ذَكَرنا أَنَّ الوصيّة قد تكون واجبةً، وقد تكون مَنْدوبةً فیمَن رَجا منها كَثْرة الأَجْر، ومَكروهَةً في عَكسه، ومُباحةً فيمَن استَوى الأمرانِ فيه، ومُحَّمةً فيما إذا کان فيها إضرار كما ثبت عن ابن عبّاس: «الإضرار في الوصية من الكبائر))، رواه سعيد بن منصور موقوفاً بإسنادٍ صحيح، ورواه النَّسائي (ك١١٠٢٦) ورجاله ثقات. واحتَجَّ ابن بَطَّال تَبَعاً لغيره بأنَّ ابن عمر لم يُوصِ، فلو كانت الوصيّة واجبة لَمَا تَرَكَها وهو راوي الحديث، وتُعُقِّبَ بأنَّ ذلك إن ثبت عن ابن عمر فالعبرة بما روی لا بما رأى، على أنَّ الثابت عنه في ((صحيح)) مسلم (١٦٢٧ / ٤) كما تقدَّم أنَّه قال: ((لم أَبِتْ ليلةً إِلَّا (١) أخرجه مسلم (١٦٦٨)، وأبو داود (٣٩٥٨) و(٣٩٥٩)، وابن ماجه (٢٣٤٥)، والترمذي (١٣٦٤)، والنسائي (١٩٥٨). ٥٠٢ باب ١ / ح ٢٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري ووَصيَّتِي مَكتوبةٌ عندي))، والذي احتَجَّ بأنَّه لم يُوصِ اعتَمَدَ على ما رواه حَمَّاد بن زيد، عن أيوب عن نافع قال: «قيل لابن عمر في مَرَض موته: ألا تُوصي؟ قال: أمَّا مالي، فالله يعلم ما كُنت أصنَع فيه، وأمَّا رِباعي فلا أُحِبّ أن يُشارِكَ ولدي فيها أحد)) أخرجه ابن المنذر وغيره، وسنده صحيح، ويُجمَع بينه وبين ما رواه مسلم بالحَمْلِ على أنَّه كان يَكتُب وصيّتَه ويتعاهَدُها؛ ثمَّ صار يُنجز ما كان يوصي به مُعلَّقاً، وإليه الإشارة بقوله: ((فالله يعلم ما كُنت أصنَع في مالي))، ولعلَّ الحامل له على ذلك حديثه الذي سيأتي في الرِّقاق (٦٤١٦): (إذا أمسَيتَ فلا تَنْتَظِرِ الصَّباح)) الحديث، فصار يُنجِزُ ما يريد التَّصَدُّق به فلم يَحَتَج إلى تعليق، وسيأتي في آخر الوصايا أنَّه وقَفَ بعض دوره، فِهذا يَحَصُل التَّوفيق، والله أعلم. واستُدِلَّ بقوله: ((مَكتوبة عنده)) على جواز الاعتماد على الكتابة والخَطّ ولو لم يَقْتَرِن ذلك بالشَّهادة، وخَصَّ أحمد ومحمد بن نَصر من الشّافعية ذلك بالوصيّة لُبُوتِ الخبر فيها دون غيرها من الأحكام، وأجابَ الجمهور بأنَّ الكتابة ذُكِرَت لما فيها من ضَبط المشهود به، قالوا: ومعنى ((وَصيِّتُه مَكتوبة عنده)) أي: بشَرْطِها. وقال المحِبّ الطَّبَري: إضمار الإشهاد فيه بُعد، وأُجيب بأنَّهم استَدَلّوا على اشتراط الإشهاد بأمرٍ خارج كقوله تعالى: ﴿شَهْدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ ﴾ [المائدة: ١٠٦]، فإنَّه يدلّ على اعتبار الإشهاد في الوصيّة، وقال القُرطُبي: ذِكر الكتابة مُبالَغَة في زيادة التَّوَثُّق، وإلّا فالوصيّة المشهود بها مُتَّفَق عليها ولو لم تَكُن مَكتوبة، والله أعلم. واستُدِل بقوله: ((وَصيَّتَه مَكتوبة عنده)) على أنَّ الوصيّة تُنفَّذ إن كانت عند صاحبها ولم يَجَعَلها عند غيره، وكذلك لو جَعَلها عند غيره وارتَجَعَها، وفي الحديث مَنقَبة لابن عمر المُبادرَتِه لامتثال قول الشّارع ومواظَبته عليه. وفيه النَّذْب إلى التَّهُّب للموتِ والاحتراز قبل الفَوْت؛ لأَنَّ الإنسان لا يدري متى یفجَؤُه الموت، لأنّه ما من سِنّ يُفرَض إلا وقد مات فيه جمعٌ جمّ؛ و كلّ واحد بعينه جائز أن ٣٦٠/٥ يموت في الحال، فينبغي أن يكون مُتأهِّباً لذلك فيَكتُب/ وَصيَّته، ويجمع فيها ما تَحَصُل له به الأَجْر ويُحِبِط عنه الوِزْر من حقوق الله وحقوق عباده، والله المستعان. ٥٠٣ باب ١ / ح ٢٧٣٩ كتاب الوصايا واستُدِل بقوله: ((له شيء)) أو ((له مال)) على صِحَّة الوصيّة بالمنافع، وهو قول الجمهور. ومَنَعَه ابن أبي ليلى وابن شُبْرُمةَ وداود وأتباعه، واختاره ابن عبد البَرِّ. وفي الحديث الحَضّ على الوصيّة، ومُطلَقها يتناول الصحيح، لكنَّ السَّلَف خَصُّوها بالمريض، وإنَّما لم يُقيَّد به في الخبر لاطِّراد العادة به، وقوله: ((مَكتوبة)) أعمّ من أن تكون بخَطِّه أو بغير خطّه، ويُستَفاد منه أنَّ الأشياء المهمّة ينبغي أن تُضبط بالكتابة؛ لأنَّهَا أَثبَت من الضَّبط بالحفظ، لأنَّه يُون غالباً. الحديث الثاني: ٢٧٣٩ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ الحارثِ، حدَّثنا يحيى بنُ أبي بُكَيرٍ، حذَّثنا زُهَيرُ بنُ معاويةً الجُعْفِيُّ، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن عَمْرِو بنِ الحارثِ خَتَنِ رسولِ اللهِ وََّ أَخِي جُوَيِرِيةَ بنت الحارثِ، قال: ما تَرَكَ رسولُ اللهِ وَِّ عندَ مَوْتِهِ دِرْهَماً ولا دِيناراً، ولا عَبْداً ولا أَمَةً، ولا شيئاً، إِلَّا بَغْلَتَه البيضاءَ وسِلاحَه، وأرضاً جَعَلَها صَدَقةً. [أطرافه في: ٢٨٧٣، ٢٩١٢، ٣٠٩٨، ٤٤٦١] قوله: ((حدَّثنا إبراهيم بن الحارث)) هو بغدادي سكّنَ نَيسابور، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وشيخه يحيى بن أبي بُكَيرٍ - بالتَّصغير وأداة الكُنية -: هو الكِرْماني، وليس هو يحيى بن بُكَيرِ المِصري صاحب اللَّيث، وأبو إسحاق: هو السَّبيعي، وعَمْرو بن الحارث: هو الخُراعي المُصْطَلِقِي أخو جُوَيريةَ - بالجيمِ والتَّصغير - أُمّ المؤمنينَ، ووقع التصريح بسماع أبي إسحاق له من عَمْرو بن الحارث في الخُمُس من هذا الكتاب (٣٠٩٨). قوله: ((ولا عبداً ولا أَمَّةً)) أي: في الرِّقّ، وفيه دلالة على أنَّ مَن ذُكِرٍ من رَقيق النبي ◌ِّـ في جميع الأخبار كان إمَّا مات وإِمَّا أعتَقَه، واستُدِل به على ◌ِتق أُمّ الوَلَد بناءً على أنَّ مارية والدة إبراهيم ابن النبي ◌َِّ عاشَت بعد النبي ◌َّهَ، وأمَّا على قول مَن قال: إنَّها ماتَت في حَیاتە پَّل، فلا حُجَّة فيه. قوله: ((ولا شيئاً» في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ولا شاةً)) والأوَّل أصحّ، وهي رواية الإسماعيلي أيضاً من طريق زهير، نعم روى مسلم (١٦٣٥) وأبو داود (٢٨٦٣) والنَّسائي (٣٦٢٢) ٥٠٤ باب ١ / ح ٢٧٤٠ فتح الباري بشرح البخاري وغيرهم من طريق مَسروق عن عائشة قالت: ما تَرَكَ رسول اللهِ وَلَه درهماً ولا ديناراً ولا شاة ولا بعيراً ولا أوصى بشيءٍ. قوله: ((إلَّا بَغْلَتَه البيضاءَ وسِلاحَه وأرضاً جَعَلَها صدقة)) سيأتي ذِكرُ البغلة والسِّلاح في آخر المغازي (٤٤٦١)، وأمَّا الصَّدَقة ففي رواية أبي الأحوص عن أبي إسحاق في أواخر المغازي (٤٤٦١): وأرضاً جَعَلها لابن السَّبيل صدقة. قال ابن المنيِّر: أحاديث الباب مطابقة للترجمة إلَّا حديث عَمْرو بن الحارث هذا، فليس فيه للوصيّة ذِكرٌ، قال: لكنَّ الصَّدَقة المذكورة يحتمل أن تكون قبله، ويحتمل أن تكون موصى بها، فتُطابق التَّرجمة من هذه الحيثيّة، انتهى. ويَظهَر أنَّ المطابقة تَحصُل على الاحتمالَينِ؛ لأنَّه تَصَدَّقَ بمنفعة الأرض، فصار حكمها حكم الوَقف، وهو في هذه الصّورة في معنى الوصيّة لبقائها بعد الموت، ولعلَّ البخاري قَصَدَ ما وقع في حديث عائشة الذي هو شَبيهُ حديث عَمْرو بن الحارث، وهو نَفْيُ كَونِه ◌َالڼ أَوْصى. ٢٧٤٠ - حدَّثنا خَلّادُ بنُ يحيى، حدَّثنا مالكٌ - هو ابنُ مِغْوَلٍ - حدَّثنا طَلْحةُ بنُ مُصَرِّفٍ، قال: سألتُ عبدَ الله بنَ أبي أوْفَى رضي الله عنهما: هل كان النبيُّ نَ الَ أَوْصَى؟ فقال: لا. فقلتُ: كيفَ كُتِبَ على النّاسِ الوَصِيَّةُ، أو أُمِرُوا بالوَصِيَّةِ؟ قال: أوْصَى بكتاب الله. [طرفاه في: ٤٤٦٠، ٥٠٢٢] الحديث الثالث: حديث عبد الله بن أبي أوفى، وإسناده كلّه كوفیونَ. وقوله: ((حدَّثنا مالك)) هو ابن مِغْوَل، ظاهره أنَّ شيخ البخاري لم يَنسُبه، فلذلك قال البخاري: «هو ابن مِغْول)) وهو بكسر الميم وسكون المعجَمة وفتح الواو، وذكر التِّرمِذي أنَّ مالك بن مِغْوَل تفرَّد به. قوله: ((هل كان النبيُّ ◌َّلَأَوْصى؟ فقال: لا)) هكذا أطلقَ الجواب، وكأنَّه فَهِمَ أنَّ السُّؤال وقع عن وصية خاصَّة، فلذلك ساغَ نفيُها، لا أنَّه أراد نَفْيَ الوصيّة مُطلَقاً، لأنَّه أثبَتَ بعد ذلك أنَّه أَوْصى بكتاب الله. ٥٠٥ باب ١ / ح ٢٧٤٠ كتاب الوصايا قوله: ((أو أُمِروا بالوصيّةِ)) شكٌّ من الراوي: هل قال: كيف كُتِبَ على المسلمين الوصيّة، أو قال: كيف أُمِروا بها؟ زاد المصنِّف في فضائل القرآن (٥٠٢٢): ((ولم يُوصِ)) وبذلك يَتِمّ الاعتراض، أي: كيف يُؤمَر المسلمون بشيءٍ ولا يَفْعَله النبي ◌َّ؟ قال النَّوَوي: لعلَّ ابن أبي أوفى أراد لم يُوصِ بِثُلُثِ ماله؛ لأنَّه لم يَترُك بعده مالاً، وأمَّا الأرض فقد سَبَّلها في حياته، وأمَّا السِّلاح والبَغلة ونحو ذلك فقد أخبر بأنَّها لا تُورَث عنه، بل جميع ما يُخُلِّفه صدقة (١)، فلم يَبْقَ بعد ذلك ما يوصي به من الجِهَة المالية، وأمَّا الوصايا بغير ذلك فلم يُرِد ابن أبي أَوفى نفيها، ويحتمل أن يكون المنفيُّ وصيته إلى عليّ بالخلافة، كما وقع التصريح به في حديث عائشة الذي بعده، ويُؤيِّده ما وقع في رواية الدّارمي (٣١٨٠) عن محمد بن يوسف/ شيخ البخاري فيه، وكذلك عند ابن ماجهْ ٣٦١/٥ (٢٦٩٦) وأبي عَوَانة (٥٧٥٣) في آخر حديث الباب: ((قال طلحة: فقال هُزَيل بن شُرَ حبيل: أبو بكر كان يَتأمَّر على وَصِّ رسول الله بَّهِ؟! وَدَّ أبو بكر أنَّه كان وَجَدَ عَهداً من رسول الله بَّهِ فِخَزَمَ أَنْفَه بخِزامٍ))، وهُزَيل هذا بالزّائِ مُصغَّر: أحد كبار التابعين ومن ثِقات أهل الكوفة، فدَلَّ هذا على أنَّه كان في الحديث قَرِينة تُشعِر بتخصيصِ السُّؤال بالوصيّة بالخلافة ونحو ذلك، لا مُطلَقَ الوصيّة. قلت: أخرج ابن حِبَّان الحديث (٦٠٢٣) من طريق ابن عُيَينةَ عن مالك بن مِغْوَل بلفظِ يُزيل الإشكال فقال: سُئِلَ ابن أبي أَوْفى: هل أَوصى رسول الله وَ لَ؟ قال: ما تَرَكَ شيئاً يوصي فيه، قيل: فكيف أمَرَ الناس بالوصيّة ولم يُوصِ؟ قال: أَوْصی بکتاب الله. وقال القُرطُبي: استبعاد طلحة واضح؛ لأنَّه أطلقَ، فلو أراد شيئاً بعَينِهِ لخَصَّه به، فاعتَرَضَه بأنَّ الله كَتَبَ على المسلمين الوصيّة وأُمِروا بها، فكيف لم يَفعَلها النبيُّ ◌َلاَ؟ فأجابَه بما يدلّ على أنَّه أطلقَ في موضع التَّقييد، قال: وهذا يُشعِر بأنَّ ابن أبي أَوفى وطلحة بن مُصَرِّف كانا يَعتَقِدان أنَّ الوصيّة واجبة، كذا قال. (١) انظر ما سيأتي برقم (٣٠٩٢) و(٣٠٩٣). ٥٠٦ باب ١ / ح ٢٧٤٠ فتح الباري بشرح البخاري وقول ابن أبي أَوفى: ((أَوْصى بكتاب الله)) أي: بالتَّمَسُّك به والعمل بمُقتَضاه، ولعلَّه أشار لقوله ◌َّ: ((تَرَكتُ فيكم ما إن تَمَسَّكتُم به لم تَضِلَّوا: كتاب الله)(١)، وأمَّا ما صَحَّ في مسلم وغيره (٢) أنَّه ◌ِّ: ((أَوْصى عند موته بثلاثٍ: لا يَبِقَيَنَّ بجزيرة العرب دينان))، وفي لفظ: ((أخرجوا اليهود من جزيرة العرب))(٣)، وقوله: ((أجيزوا الوَفْدَ بنحوِ ما كنتُ أُجيزُهم به))، ولم يَذكُر الراوي الثالثة، وكذا ما ثبت في النَّسائي (ك٧٠٥٧) أَنَّه ◌ِّ: كان آخر ما تَكَلَّمَ به: ((الصلاةَ وما مَلَكَت أيمانكم)»، وغير ذلك من الأحاديث التي يُمكِن حَصْرِها بالتبُّع، فالظَّاهر أنَّ ابن أبي أَوْفى لم يُرِدْ نفيَه، ولعلَّه اقتَصَرَ على الوصيّة بكتاب الله الكَونِهِ أعظَمَ وأهمَّ، ولأنَّ فيه تِبيان كلّ شيء إمَّا بطريق النَّصِّ وإمَّا بطريق الاستنباط، فإذا أَبعَ الناس ما في الكتاب عَمِلوا بكلِّ ما أمَرَهم النبي ◌ََّ به، لقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية [الحشر: ٧]، أو يكون لم يَحَضُر شيئاً من الوصايا المذكورة، أو لم يَستَحضِرْها حالَ قوله. والأَوْلِى أَنَّه إنَّما أراد بالنَّفي الوصيّةَ بالخلافة أو بالمال، وساغَ إطلاقُ النَّفي أمَّا في الأوَّل فِقَرِينة الحال، وأمَّا في الثاني فلأنَّه المتبادر عُرفاً، وقد صَحَّ عن ابن عبَّاس: أنَّه ◌ِ لّه لم يُوصِ، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢٠٧/١١) من طريق أرقَم بن شُرَحبيل عنه، مع أنَّ ابن عبَّاس هو الذي روى حديث: أنَّه وَّهِ أَوْصى بثلاثٍ، والجمع بينهما على ما تقدَّم. (١) أخرجه مسلم (١٢١٨)، والترمذي (٣٧٨٦)، وابن ماجه (٣٠٧٤) من حديث جابر بن عبد الله. (٢) أخرجه مسلم (١٦٣٧) وقد سلف برقم (٣٠٥٣) من حديث ابن عباس بلفظ: وأوصى عند موته بثلاث: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم)) وقد نسيت الثالثة، وانظر ما سيأتي في ((باب إخراج اليهود من جزيرة العرب)) (٣١٦٨)، أما ما أورده الحافظ فهو رواية مرسلة عند البيهقي ٢٦٦/٦ من طريق عبيد الله بن عتبة، ومختصراً بلفظ: كان آخر ما عهد رسول الله ر أن قال: ((لا يترك في جزيرة العرب دينان)) من حديث عائشة عند أحمد (٢٦٣٥٢)، والطبراني في «الأوسط)) (١٠٦٦)، وعن عمر بن عبد العزيز مرسلاً في ((الموطأ)) ٢/ ٩٨٢. (٣) أخرجه الحميدي (٨٥)، وأحمد (١٦٩١) و(١٦٩٢) و(١٦٩٩)، والدارمي (٢٤٩٨) من حديث أبي عبيدة عامر بن الجراح. ٥٠٧ باب ١ / ح ٢٧٤١ كتاب الوصايا وقال الكِرْماني: قوله: ((أوصى بكتاب الله)) الباء زائدة، أي: أمَرَ بذلك، وأطلقَ الوصيّة على سبيل المشاكَلة، فلا مُنافاةً بين النَّفي والإثبات. قلت: ولا يخفى بُعْدُ ما قال وتَكَلَّفَه، ثمّ قال: أو المنفيُّ الوصيّة بالمال أو الإمامة، والمثبت الوصيّة بكتاب الله، أي: بما في كتاب الله أن يعمل به. انتهى، وهذا الأخير هو المعتَمَد. ٢٧٤١- حدَّثْنَا عَمْرُو بنُ زُرارةَ، أخبرنا إسماعيلُ، عن ابنِ عَوٍْ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ قال: ذَكَرُوا عندَ عائشةَ: أنَّ عليّاً رضي الله عنهما كان وَصِيّاً، فقالت: مَتَى أَوْصَى إليه وقد كنتُ مُسْنِدَتَه إلى صَدْري - أو قالت: حَجْرِي - فَدَعا بالطَّسْتِ، فلَقَدِ انخَنَثَ في حَجْري فما شَعَرْتُ أَنَّه قد ماتَ، فمَتَى أوْصَی إلیهِ؟! [طرفه في: ٤٤٥٩] قوله: «حدَّثْنَا عَمْرو بن زرارة» هو النَّيسابوري، وهو بفتح العين، وزُرارة بضمِّ الزّاي، وأمَّا عُمر بن زرارة بضمِّ العين فهو بغدادي، ولم يُخُرِّج عنه البخاري شيئاً. ووقع في رواية أبي عليّ بن السَّكَن بدل ((عَمْرو بن زرارة)) في هذا الحديث ((إسماعيل بن زرارة)) يعني: الرَّقيّ، قال أبو عليّ الجَيَّاني: لم أرَ ذلك لغيره، قال: وقد ذكر الدّارَقُطني وأبو عبد الله بن مَندَهْ في شُيوخ البخاري إسماعيل بن زرارة الثَّغري، ولم يَذْكُره الكلاباذي ولا الحاكم. قوله: ((أخبرنا إسماعيل)) هو المعروف بابن عُليَّة، وإبراهيم: هو النَّخَعي، والأسوَد: هو ابن یزید، خاله. قوله: ((ذَكَروا عند عائشة: أنَّ عليّاً رضي الله عَنْهما كان وَصيّاً)) قال القُرطُبي: كانت الشّيعة قد وَضَعُوا أحاديث في أنَّ النبي ◌َّ أوصى بالخلافة لعليٍّ، فرَدَّ عليهم جماعة من الصحابة ذلك، وكذا مَن بَعدَهم، فمِن ذلك ما استَدَلَّت به عائشة كما سيأتي، ومن ذلك أنَّ عليّاً لم يَدَّعِ ذلك لنفسِه، ولا بعد أن وَلِيَ الخلافة، ولا ذكره أحد من الصحابة يوم/ ٣٦٢/٥ السَّقيفة. وهؤلاءِ تَنَقَّصوا عليّاً من حيثُ قَصَدوا تَعظيمَه؛ لأَنَّهم نَسَبوه - مع شَجاعته العُظمى وصلابته في الدّين - إلى المُداهَنة والتَّقِيَّة والإعراض عن طلب حقّه مع قُدرَته على ذلك. وقال غيره: الذي يَظهَر أنَّهم ذكروا عندها أنَّه أَوصى له بالخلافة في مَرَض موته، ٥٠٨ باب ١ / ح ٢٧٤١ فتح الباري بشرح البخاري فلذلك ساغَ لها إنكار ذلك، واستَنَدَت إلى مُلازَمَتها له في مَرَض موته إلى أن مات في حَجْرها ولم يقع منه شيء من ذلك. فساغَ لها نَفْيُ ذلك، لكونه مُنحَصِراً في مجالس مُعيَّنَة لم تَغِب عن شيء منها. وقد أخرج أحمد (٣٣٥٦) وابن ماجَهْ (١٢٣٥) بسندٍ قوي وصَخَّحَه من رواية أرقم بن شُرَحبيل عن ابن عبّاس، في أثناء حديث فيه أمرُ النبيِّ وَّه في مرضه أبا بكر أن يُصلّيَ بالناس، قال في آخر الحديث: مات رسول الله وَ له ولم يُوصِ(١)، وسيأتي في الوفاة النَّوية (٤٤٢٨-٤٤٥٨) عن عمر: مات رسول الله وَّه ولم يَستَخلِف(٢)، وأخرج أحمد (٩٢١) والبيهقي في ((الدَّلائل)) (٧/ ٢٢٣) من طريق الأسوَد بن قيس، عن عَمْرو بن أبي سفيان، عن عليّ: أنَّه لمَّا ظَهَرَ يوم الجمل قال: يا أيها الناس، إنَّ رسول الله وَ ل﴿ لم يَعهَد إلينا في هذه الإمارة شيئاً، الحديث(٣). وأمَّا الوصايا بغير الخلافة فوَرَدَت في عِدَّة أحاديث يَجتَمِع منها أشياءُ: منها حديث أخرجه أحمد (٢٤٢٢٢ و٢٥٤٩٢) وهَنّاد بن السَّري في «الزّهد)» (٦٢٢) وابن سعد في ((الطَّبَقات)) (٢/ ٢٣٧) وابن خُزيمةَ، كلّهم من طريق محمد بن عَمْرو، عن أبي سَلَمة، عن عائشة: أنَّ النبي ◌َّ قال في وجَعه الذي مات فيه: ((ما فعَلت الذَّهَيبة؟ قلت: عندي. فقال: أنفِقيها)) الحديث(٤). وأخرج ابن سعد (٢/ ٢٣٨) من طريق أبي حازم عن أبي سَلَمة عن عائشة نحوه، ومن وجه آخر عن أبي حازم، عن سهل بن سعد (٢٣٩/٢) وزاد فيه: ((ابعَثي بها إلى عليّ بن أبي طالب ليتَصَدَّقَ بها)). (١) الحديث عند ابن ماجه بطوله إلا هذه العبارة، وقال البوصيري في ((الزوائد)): إسناده صحيح ورجاله ثقات إلا أن أبا إسحاق اختلط بآخر عمره و کان مدلساً، وقد رواه بالعنعنة، وقد قال البخاري: لا نذكر لأبي إسحاق سماعاً من أرقم بن شرحبيل. (٢) لم يتكلم الحافظ في هذه المسألة عند الوفاة النبوية، وإنما تكلم عليها عند الحديث (٣٦٦٨): تحت باب قول النبي ويتلقى: ((لو كنت متخذاً خليلاً)) من كتاب فضائل الصحابة، وفيه معنى ما ذكره عن عمر. (٣) وإسناده عند أحمد: عن الأسود بن قيس عن رجل عن علي، وليس فيه عمرو بن أبي سفيان. (٤) وهو عند الحميدي (٢٨٣)، وابن حبان (٣٢١٢)، ولم نقف عليه في المطبوع من ((صحيح)) ابن خزيمة. ٥٠٩ باب ١ / ح ٢٧٤١ كتاب الوصايا وفي ((المغازي)) لابن إسحاق رواية يونس بن بُكَيرٍ عنه: حدَّثني صالح بن کَیْسان، عن الزُّهري، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال: لم يُوصِ رسول الله وَّهِ عند موته إلَّا بثلاثٍ: لكلِّ من الدّارِيِّينَ والزَّهاويِّينَ والأشعَرِيِّينَ بجادٌ (١) مئةِ وَسْقٍ من خَيْبَرَ، وأن لا يُتْرَك في جزيرة العرب دِينانٍ، وأن يُنفَذ بَعْثُ أُسامة(٢). وأخرج مسلم (١٦٣٧) في حديث ابن عبّاس: وأوصى بثلاثٍ: ((أن تُجيزوا الوفدَ بنَحْوِ ما كنتُ أُجيزُهم)) الحديث، وفي حديث ابن أبي أَوْفى الذي قبل هذا: ((أَوصی بكتاب الله))، وفي حديث أنس عنه عند النَّسائي (ك٧٠٥٧) وأحمد (١٢١٦٩) وابن سعد (٢٥٣/٢) واللَّفظ له: ((كانت عامَّة وصية رسول الله وَ لَه حين حَضَرَه الموت: الصلاةَ وما مَلَكَت أيمانكم))، وله شاهد من حديث عليّ عند أبي داود (٥١٥٦) وابن ماجَهْ (٢٦٩٨)، وآخر من رواية نُعيم بن يزيد عن عليّ: ((وأدّوا الزكاة بعد الصلاة)) أخرجه أحمد (٦٩٣)، ولحديثٍ أنس شاهد آخر من حديث أُمّ سَلَمة عند النَّسائي (ك٧٠٦٠- ٧٠٦٣) بسندٍ جيِّد. وأخرج سيف بن عمر في ((الفُتوح)) من طريق ابن أبي مُلَيكةَ عن عائشة: أنَّ النبي ◌ِّله حَذَّرَ من الفِتَن في مَرَض موته، ولُزوم الجماعة والطاعة. وأخرج الواقدي من مُرسَل العَلاء ابن عبد الرحمن: أنَّه وَله أوصى فاطمة فقال: ((قولي إذا مِتُّ: إنّا لله وإنّا إليه راجعون)). وأخرج الطبراني في «الأوسَط)) (٨٧٤) من حديث عبد الرحمن بن عوف: قالوا: يا رسول الله، أوصِنا - يعني: في مَرَض موته - فقال: ((أوصيكُم بالسَّابقينَ الأوَّلينَ من المهاجرينَ وأبنائهم من بعدهم)) وقال: لا يُروى عن عبد الرحمن إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به عَتِيق بن يعقوب. انتھی، وفیه مَن لا يُعرَف حاله. وفي ((سُنَن ابن ماجَهْ)) (١٤٦٨) من حديث عليّ قال: قال رسول الله وَّ: ((إذا أنا مِتُّ (١) في (س): ((بحاد)» بالحاء المهملة، وهو تصحيف. والجادُّ هنا بمعنى المجدود؛ أي: نخل یُجَدُّ منه ما يبلغ مئة وَسْقِ. انظر ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (جدد). (٢) أخرجه البيهقي ٦/ ٢٦٦. ٥١٠ باب ٢ / ح ٢٧٤٢ فتح الباري بشرح البخاري فَغَسِّلوني بسبعٍ قِرَبٍ من بئر غَرْسٍ)»(١) وكانت بقُباء، وكان يَشرَب منها، وسيأتي ضبطُها ٣٦٣/٥ وزيادة في حالها في / الوفاة النَّبوية. وفي ((مسند البزّار)) و((مُستدرَك الحاكم)) (٦٠/٣) بسندٍ ضعيف: أنَّه ◌َِّ أوصى أن يُصلّوا عليه أرسالاً بغير إمام. ومن أكاذيب الرَّافضة ما رواه كثير بن يحيى، وهو من كبارهم، عن أبي عَوَانة، عن الأجْلَح، عن زيد بن عليّ بن الحسين قال: ((لمَّا كان اليومُ الذي تُوفِّيَ فيه رسول الله وَلِّل - فذكر قِصَّة طويلة فيها - فدَخَلَ عليٌّ فقامت عائشة، فأكَبَّ عليه فأخبره بألفٍ باب ممّاً يكون قبل يوم القيامة، يَفتَح كلَّ بابٍ منها ألفَ باب)) وهذا مُرسَل أو مُعضَل، وله طريق أُخرى موصولة عند ابن عَدي في كتاب ((الضُّعَفاء)) من حديث عبد الله بن عمر بسندٍ واهٍ. وقولها: ((انخَتَثَ)) بالنّون والخاء المعجَمة ثمَّ نون مُثَلَّئة، أي: انثَنِى ومالَ، وسيأتي بقية ما يَتعلَّق بشرحِه في باب الوفاة من آخر المغازي (٤٤٥٩) إن شاء الله تعالى. ٢ - باب أن يَترُك ورثتَه أغنياءَ خيرٌ من أن يَتكفَّفوا الناسَ ٢٧٤٢ - حذَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن عامِرِ بنِ سعدٍ، عن سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ ◌َُه، قال: جاء النبيُّوَهِ يَعُودُني وأنا بمكََّ، وهو يَكْرَه أن يَمُوتَ بالأرضِ التي هاجَرَ منها، قال: ((يَرْحَمُ الله ابنَ عَفْراءَ» قلتُ: يا رسولَ الله، أُوصي بمالي كلِّ؟ قال: ((لا)) قلتُ: فالشَّطرِ؟ قال: ((لا)) قلتُ: الثُّلُثِ؟ قال: «فالثُّلُثَ، والقُّلُثُ كَثِيرٌ؛ إِنَّكَ أن تَدَعَ وَرَفَتَكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تَدَعَهم عالةٌ يَتَكَفَّقُونَ النّاسَ في أيدِيهم، وإِنَّكَ مَهْمَا أَنفَقْتَ من نَفَقةٍ فإنََّا صَدَقةٌ، حتَّى اللُّقْمَةَ التي تَرْفَعُها إلى في امرأتِكَ، وعَسَى اللهُ أن يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بكَ ناسٌ، ويُضَرَّ بكَ آخَرُونَ)». ولم یکن له يومئذٍ إلا ابنهٌ. قوله: ((باب أن يَترُكُ وَرَثَتَه أغنياءَ خيرٌ من أن يَتَكَفَّفوا النّاسَ)) هكذا اقتَصَرَ على لفظ الحديث فتَرجَمَ به، ولعلَّه أشار إلى أنَّ مَن لم يكن له من المال إلَّا القليل لم تُندَب له الوصيّة کما مضى. (١) وإسناده ضعيف. ٥١١ باب ٢ / ح ٢٧٤٢ كتاب الوصايا قوله: ((عن سعد بن إبراهيم)) أي: ابن عبد الرحمن بن عوف، وعامر بن سعد شيخه: هو خاله؛ لأنَّ أُمّ سعد بن إبراهيم هي أُمّ كُلثوم بنت سعد بن أبي وقَّاص، وسَعد وعامر زُهْریّان مدنيان تابعیان، ووقع في رواية مِسعَر عن سعد بن إبراهيم: «حدَّثني بعض آل سعد قال: مَرِضَ سعد))(١)، وقد حَفِظَ سفيان اسمَه ووَصَلَه، فروايتُه مُقدَّمة، وقد روى هذا الحديث عن عامر أيضاً جماعة منهم الزُّهْري، وتقدَّم سياق حديثه في الجنائز (١٢٩٥)، ويأتي في الهجرة (٣٩٣٦) وغيرها(٢)، ورواه عن سعد بن أبي وقّاص جماعة غير ابنه عامر کما سأُشیرُ إليه. قوله: (جاء النبي ◌ِّهِ يَعُودني وأنا بمَكَّة)) زاد الزُّهري في روايته: ((في حَجَّة الوداع من وَجَع اشتَدَّ بي))، وله في الهجرة (٣٩٣٦): ((من وَجَع أَشفيتُ منه على الموت)). واتَّفَقَ أصحاب الزُّهري على أنَّ ذلك كان في حَجَّة الوداع، إلَّا ابن عُبَينَةَ فقال: ((في فتح مَكَّة)» أخرجه التِّرمِذي (٢١١٦) وغيره من طريقه (٣)، واتَّفَقَ الْحُفّاظ على أنَّه وَهِمَ فيه. وقد أخرجه البخاري في الفرائض (٦٧٣٣) من طريقه فقال: ((بمَكَّة)) ولم يَذكُر الفتْحَ، وقد وجَدت لابن عُيَينةَ مُستَنَداً فيه، وذلك فيما أخرجه أحمد (١٦٥٨٤) والبَزّار والطبراني والبخاري في ((التاريخ)) وابن سعد (١٤٦/٣) من حديث عَمْرو بن القاريّ: ((أَنَّ رسول الله وَلٍ قَدِمَ فخَلَّفَ سعداً مريضاً حيثُ خَرَجَ إلى حُنَينٍ، فلمَّا قَدِمَ من الجِعرانة مُعتَمِراً دَخَلَ عليه وهو مَغلوب فقال: يا رسول الله، إنَّ لي مالاً، وإنّ أُورَث كلالٌ، أفَأُوصي بمالي)) الحديث، وفيه: «قلت: يا رسول الله، أمّيِّت أنا بالدّار التي خَرَجت منها مُهاجراً؟ قال: لا، إنّ لَأرجو أن يَرفَعك الله حتَّى يَنتفعَ بك أقوام)»/ الحديث، فلعلَّ ابن ٣٦٤/٥ عُيَینَ انتَقَلَ ذِهنُه من حدیث إلی حدیث، ويُمكِن الجمع بين الرِّوایتین بأن یکون ذلك وقع (١) أخرجه أحمد (١٤٨٢). (٢) سيأتي من طريق الزهري في المغازي (٤٤٠٩)، وفي الطب (٥٦٦٨) وفي الدعوات (٦٣٧٣)، وفي الفرائض (٦٧٣٣). (٣) هو بهذا اللفظ عند أحمد (١٥٤٦)، وابن حبان (٤٢٤٩). ٥١٢ باب ٢ / ح ٢٧٤٢ فتح الباري بشرح البخاري له مَرَّتين، مرَّة عام الفتح ومرَّة عام حَجَّة الوَدَاع، ففي الأولى لم يكن له وارث من الأولاد أصلاً، وفي الثانية كانت له ابنة فقط، فالله أعلم. قوله: ((وهو يَكْرَه أن يموت بالأرضِ التي هاجَرَ منها)» يحتمل أن تكون الجملة حالاً من الفاعِل أو من المفعول، وكلٌّ منهما مُحُتَمَل؛ لأَنَّ كلَّا من النبي وَ لَه ومن سعد كان يَكره ذلك، لكن إن كان حالاً من المفعول وهو سعد، ففيه التِفات؛ لأنَّ السّياق يقتضي أن يقول: ((وأنا أكره))، وقد أخرجه مسلم (٨/١٦٢٨) من طريق حُميد بن عبد الرحمن عن ثلاثة من ولد سعد عن سعد بلفظ: ((فقال: يا رسول الله، خَشيت أن أموت بالأرضِ التي هاجَرت منها كما مات سعد ابن خَوْلة))، وللنَّسائي (ك١٠٨٦٢) من طريق جَرِير بن زيد عن عامر بن سعد(١): ((لكنَّ البائسَ سعدَ ابن خَوْلَةَ مات في الأرض التي هاجَرَ منها»، وله (٣٦٣٠) من طريق بُكَيرٍ بن مِسمار، عن عامر بن سعد في هذا الحديث: فقال سعد: يا رسول الله، أموت بالأرضِ التي هاجَرت منها؟ قال: ((لا، إن شاء الله تعالى)). وسيأتي بقية ما يَتعلَّق بكراهة الموت بالأرضِ التي هاجَرَ منها في كتاب الهجرة إن شاء الله تعالى. قوله: ((قال: يَرْحَم الله ابن عَفْراء)» كذا وقع في هذه الرّواية وفي رواية أحمد (١٤٨٨) والنَّسائي (٣٦٢٨) من طريق عبد الرحمن بن مَهدي عن سفيان: فقال النبي ◌َّ: ((يَرحَم الله سعد ابن عَفراء)) ثلاث مَرّات(٢). قال الدَّاوُودي: ((ابن عَفراء)) غير محفوظ، وقال الدِّمياطي: هو وَهْمٌ، والمعروف ((ابن خَوْلة)) قال: ولعلَّ الوَهْم من سعد بن إبراهيم، فإنَّ الزُّهري أحفَظ منه وقال فيه: ((سعد ابن خَولة)) يشير إلى ما وقع في روايته بلفظ: ((لكنَّ البائس سعد بن خَوْلة)) يَرثي له رسول الله وَلّ أن مات بمَكَّة. (١) بل هو عنده من طريق ابن شهاب عن عامر بن سعد، وسيأتي عند البخاري برقم (٦٧٣٣)، وأما رواية جرير بن زيد فهي عند أحمد (١٥٩٩) وليس فيها ما ذكره الحافظ رحمه الله، وستأتي الإشارة إليها بعد قليل. (٢) في المطبوع من ((المسند)) قالها مرتين، وفي النسائي مرة. ٥١٣ باب ٢ / ح ٢٧٤٢ كتاب الوصايا قلت: وقد ذكرت آنِفاً مَن وافقَ الزُّهريَّ، وهو الذي ذكره أصحاب المغازي وذكروا أنَّه شَهِدَ بدراً ومات في حَجَّة الوَداعِ، وقال بعضهم في اسمه: ((خَوْلِيّ)) بكسر اللّام وتشديد التَّحتانية، واتَّفَقوا على سكون الواو، وأغرَبَ ابن التِّين فحَكَى عن القابِسي فَتحَها، ووقع في رواية ابن عُيَينةَ في الفرائض (٦٧٣٣): قال سفيان: وسعد ابن خَوْلة رجل من بني عامر بن لُؤَيّ، انتهى. وذكر ابن إسحاق أنَّه كان حَليفاً لهم ثمَّ لأبي رُهْم بن عبد العُزّى منهم، وقيل: كان من الفُرس الذين نزلوا اليمن، وسيأتي شيء من خبره في غزوة بدر من كتاب المغازي (٣٩٩١) إن شاء الله تعالى في حديث سُبَيعة الأسلَمية، ويأتي شرح حديث سُبَيعة في كتاب العُدَد من آخر كتاب النِّكاح (٥٣١٨)، وجَزَمَ اللَّيث بن سعد في ((تاريخه)) عن يزيد بن أبي حَبيب بأنَّ سعد ابن خَوْلة مات في حَجَّة الوَداع، وهو الثابت في ((الصحيح))، خلافاً لمن قال: إنَّه مات في مُدَّة الهُدْنة مع قُرَيش سنة سبع، وجَوَّزَ أبو عبد الله بن أبي الخِصال الكاتِب المشهور في حَواشيه على البخاري: أنَّ المراد بابن عَفْراء: عَوْف بن الحارث أخو معاذ ومُعَوِّذ أولاد عَفْراء، وهي أُمُهم. والحِكمة في ذِكْرِه ما ذَكَره ابن إسحاق أنَّه قال يوم بدر: ما يُضحِك الرَّبَّ من عبده؟ قال: أن يَغمِسَ يدَه في العدوّ حاسِراً، فألقى الدِّرع التي هي عليه فقاتَلَ حتَّى قُتِلَ، قال: فيحتمل أن يكون لمَّا رأى اشتياق سعد بن أبي وقَّاص للموتِ وعَلِمَ أنَّه يبقى حتَّى يَلِيَ الولايات، ذكر ابنَ عَفْراء وحُبَّه للموتِ ورغبته في الشَّهادة كما يُذكَر الشيء بالشيء، فذكر سعدَ ابن خَوْلة لكَونِه مات بمَكَّة، وهي دار هِجَرَته، وذكر ابنَ عَفْراء مُستَحسِنَاً لِيَتِهِ. انتهى مُلخَّصاً، وهو مردود بالتَّنصيصِ على قوله: ((سعد ابن عَفراء)) فانتَفى أن يكون المراد عَوْفاً، وأيضاً فليس في شيء من طرق حديث سعد بن أبي وقَّاص أنَّه كان راغِباً في الموت، بل في بعضها عكسُ ذلك: وهو أنَّه بكى، فقال له رسول الله وَلّ: ((ما يُبكيك؟)) فقال: خشيتُ أن أموت بالأرضِ التي هاجَرتُ منها كما مات سعد ابن خَوْلة، وهو عند ٥١٤ باب ٢ / ح ٢٧٤٢ فتح الباري بشرح البخاري النَّسائي(١)، وأيضاً فمَخرَج الحديث مُتَّحِد، والأصل عَدَمِ التَّعَدُّد، فالاحتمال بعيد لو صَرَّحَ بأنَّه عوف ابن عَفْراء، والله أعلم. وقال التَّيْمي: / يحتمل أن يكون لأُمِّه اسمانٍ، خَوْلة وعَفْراء. انتهى، ويحتمل أن يكون ٣٦٥/٥ أحدهما اسماً والآخر لَقَباً، أو أحدهما اسم أُمّه والآخر اسم أبيه، أو والآخر اسم جَدَّةٍ له، والأقَرَب أنَّ عَفْراء اسم ◌ُمّه، والآخر اسم أبيه، لاختلافهم في أنَّه خَوْلة أو خَوْلي. وقول الزُّهري في روايته: ((يَرْئي له ... )) إلى آخره، قال ابن عبد البَرّ: زَعَمَ أهل الحديث أنَّ قوله: ((يَرئي ... )) إلى آخره، من كلام الزُّهْري، وقال ابن الجوزي وغيره: هو مُدَرَج من قول الزُّهري. قلت: وكأنَّهم استَنَدوا إلى ما وقع في رواية أبي داود الطَّيالسي (١٩٤) عن إبراهيم بن سعد عن الزُّهري فإنَّه فَصَّلَ ذلك، لكن وقع عند المصنّف في الدَّعوات (٦٣٧٣) عن موسى بن إسماعيل عن إبراهيم بن سعد في آخره: «لكنَّ البائس سعد ابن خَوْلة)) قال سعد: رَثى له رسول الله وَله ... إلى آخره، فهذا صريح في وَصْله، فلا ينبغي الجَزم بإدراجه، ووقع في رواية عائشة بنت سعد عن أبيها في الطِّبّ (٥٦٥٩) من الزِّيادة: ثُمَّ وَضَعَ يَده على جَبِهَتي ثمَّ مَسَحَ وجهي وبطني ثمَّ قال: ((اللهمَّ اشفِ سعداً وأَتمِمْ له هِجَرَته)) قال: فما زِلت أجِد بَرْدَها، ولمسلم (٨/١٦٢٨) من طريق حُميدٍ بن عبد الرحمن المذكورة: قلت: فادعُ الله أن يَشفيَني، فقال: ((اللهمَّ اشفِ سعداً)) ثلاث مَرّات. قوله: ((قلت: يا رسول الله، أُوصي بمالي كلِّه؟)) في رواية عائشة بنت سعد عن أبيها في الطِّبّ: ((أَفَأْتصَدَّق بِثُلُثَي مالي؟)) وكذا وقع في رواية الزُّهري، فأمَّا التَّعبير بقوله: ((أفَأْتصَدَّق)) فيحتمل التَّنجيز والتَّعليق بخلاف: ((أفَأُوصي)) لكنَّ المخرَج مُتَّحِد، فيُحمَل على التَّعليق للجمعِ بين الرِّوايَتَين، وقد تَمَسَّكَ بقوله: ((أتصَدَّق)) مَن جَعَلَ تَبَرُّعات المريض من الثُّلث، وحَمَلُوه على المُنجَزة، وفيه نظر لمَا بَيَّنَتُهُ، وأمَّا الاختلاف في السُّؤال فكأنَّه سألَ أوَّلاً عن الكلّ ثمَّ سألَ عن الثُّثَين، ثمّ سألَ عن النِّصف، ثمّ سألَ عن الثُّلث، وقد وقع مجموع ذلك (١) هو بهذا اللفظ عند مسلم (١٨٢٨) (٨)، وهو عند النسائي (٣٦٣٠) بنحوه. ٥١٥ باب ٢ / ح ٢٧٤٢ كتاب الوصايا في رواية جَرِير بن زيد عند أحمد (١٥٩٩)، وفي رواية بُكَير بن مِسمار عند النَّسائي (٣٦٣٠) كلاهما عن عامر بن سعد، وكذا لهما (١٤٨٥ و ٣٦٣٥) من طريق محمد بن سعد عن أبيه، و(١٤٧٩ و٢٦٣٢) مِن طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه عن سعد. وقوله في هذه الرِّواية: ((قلت: فالشَّطِ)) هو بالجرِّ عَطفاً على قوله: ((بمالي كلِّه)) أي: فأوصي بالنِّصف، وهذا رَجَّحَه السُّهَيلي، وقال الزََّشَري: هو بالنَّصبِ على تقدير فعل، أي: أُسَمّي الشَّطَرَ، أو أُعَيِّن الشَّطرَ، ويجوز الرفع على تقدير: أيجوز الشَّطرُ. قوله: ((قلت: الثُّلث؟ قال: فالثُّلث، والثُّلث كَثِير)) كذا في أكثر الرِّوايات، وفي رواية الزُّهري في الهجرة (٣٩٣٦): ((قال: الثُّلث يا سعد، والثُّلث كثير))، وفي رواية مُصعَب بن سعد عن أبيه عند مسلم (٦/١٦٢٨): ((قلت: فالثُّلث؟ قال: نعم، والثُّلث كثير))، وفي رواية عائشة بنت سعد عن أبيها في الباب الذي يليه: ((قال: الثُّلث، والثُّلث كبير أو كثير))، وكذا للنَّسائي (٣٦٣١) من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميّ عن سعد وفيه: «فقال: أوصَيتَ؟ فقلت: نعم، قال: بكم؟ قلت: بمالي كلِّه، قال: فما تَرَكت لوَلَدِك؟)) وفيه: ((أَوصِ بالعُشْرِ، قال: فما زالَ يقول وأقول، حتَّى قال: أَوصِ بالثُّلثِ والثُّلث كثير، أو كبير)) يعني: بالمثلَّثة أو بالموحّدة، وهو شكٍّ من الراوي، والمحفوظ في أكثر الرّوايات بالمثلَّثة، ومعناه: كثير بالنّسبة إلى ما دونه، وسأذكُرُ الاختلاف فيه في الباب الذي بعد هذا. وقوله: ((قال: فالثُّلثَ، والثُّلث كثير)) بنصبِ الأوَّل على الإغراء، أو بفعلِ مُضمَر نحو: عَيَّن الثُّلث، وبالرفع على أنَّه خبر مُبتَدَأ محذوف، أو المبتَدَأ والخبر محذوف والتَّقدير: يَكفيك الثُّلُثُ، أو الثُّلثُ كافٍ، ويحتمل أن يكون قوله: ((والثُّلث كثير)) مَسوقاً لبيان الجواز بالقُّلث، وأنَّ الأَوْلِى أن يَنقُصَ عنه ولا يزيد عليه وهو ما يَبْتَدِرُه الفَهْمُ، ويحتمل أن يكون لبيان أنَّ التَّصَدُّق بالثُّلثِ هو الأكمل، أي: كثير أجرُه، ويحتمل أن يكون معناه: کثیر غیر قليل، قال الشّافعي رحمه الله: وهذا أَوْلِى مَعانيهِ، يعني: أنَّ الكَثْرة أمرٌ نِسْبي، وعلى الأوَّل عَوَّلَ ابنُ عبّاس كما سيأتي في حديث الباب الذي بعده. ٥١٦ باب ٢ / ح ٢٧٤٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((إِنَّك أن تَدَعَ)) بفتح ((أن)) على التَّعليل، وبكسرها على الشَّرطية، قال النَّوَوي: ٣٦٦/٥ هما:/ صحيحان صُوريان، وقال القُرطُبي: لا معنى للشَّرطِ هنا؛ لأنَّه يصير لا جوابَ له، ويَبقى ((خير)) لا رافعَ له. وقال ابن الجوزي: سمعناه من رواة الحديث بالكسر، وأنكَرَه شيخنا عبد الله بن أحمد - يعني: ابن الحَشّاب - وقال: لا يجوز الكسر؛ لأنَّه لا جواب له خُلُوِّ لفظ ((خير)) من الفاء وغيرها مَّ اشتُرِطَ في الجواب، وتُعُقِّبَ بأَنَّه لا مانع من تقديره. وقال ابن مالك: جزاء الشَّرط قوله: ((خيرٌ)) أي: فهو خير، وحذف الفاء جائز، وهو كقراءة طاووسٍ: ((ويَسأَلُونَكَ عنِ اليَتَامَى قُلْ أَصلِحْ إليهِمْ خَيرٌ)) [البقرة: ٢٢٠] قال: ومَن خَصَّ ذلك بالشِّعرِ بَعُدَ عن الثَّحقيق، وضَيَّقَ حيثُ لا تضييق، لأنَّه كثير في الشِّعر قليل في غيره، وأشار بذلك إلى ما وقع في الشِّعر فيما أنشَدَه سِيبَوَیه: مَن يَفعَلِ الحسناتِ اللهُ يَشْكُرُها (١) أي: فالله يَشكُرُها، وإلى الرَّدّ على مَن زَعَمَ أنَّ ذلك خاصٍّ بالشِّعرِ، قال: ونَظِيره قوله في حديث الُّقَطة: ((فإن جاء صاحبها وإلَّا استَمتِعْ بها))(٢) بحذف الفاء، وقوله في حديث اللِّعان: ((البَيِّنَة وإلَّ حَدٌّ في ظَهْرِكَ))(٣). قوله: ((وَرَثَتَك)) قال الزَّين بن المنيِّرِ: إِنَّمَا عَبَّرَ له وَ له بلفظ الوَرَثة ولم يقل: أن تَّدَع بنتك، مع أنَّه لم يكن له يومئذٍ إلَّا ابنة واحدة، لكَونِ الوارث حينئذٍ لم يَتَحقَّق؛ لأَنَّ سعداً إنَّما قال ذلك بناءً على موته في ذلك المرض وبقائها بعده حتَّى تَرِثَه، وكان من الجائز أن تموت هي قبله، فأجابَ رَ ﴿ بكلام كُلّي مطابقٍ لكلِّ حالة، وهي قوله: ((وَرَثَتَك)) ولم يَخُصَّ بنتاً من غيرها. (١) هذا صدر بيت وعجزه: والشَّرُّ بالشَّر عند الله مِثْلانِ، وقد اختلف في قائله، فنسبه سيبويه في ((الكتاب)) ٦٥/٣ لحسان بن ثابت، ونسبه بعضهم لعبد الرحمن بن حسان، وبعضهم لكعب بن مالك. وانظر «اللسان» (بجل). (٢) سلف برقم (٢٤٣٧) من حديث أبي بن كعب. (٣) سلف برقم (٢٦٧١) من حديث ابن عباس. ٥١٧ باب ٢ / ح ٢٧٤٢ كتاب الوصايا وقال الفاكهي شارح ((العُمدة)): إنَّما عَبَّرَ نَّهِ بِالوَرَثة؛ لأنَّه الطَّلَعَ على أنَّ سعداً سيَعيشُ ويأتيه أولاد غير البِنت المذكورة، فكان كذلك، ووُلِدَ له بعد ذلك أربعة بَنِينَ ولا أعرِف أسماءَهم، ولعلَّ الله أن يَفتَح بذلك. قلت: وليس قوله: ((أن تَدَع بنتَك)) مُتَعيِّناً؛ لأَنَّ ميراثه لم يكن مُنحَصِراً فيها، فقد كان لأخيه عُتبة بن أبي وقّاص أولاد إذ ذاكَ، منهم هاشم بن عُتبة الصحابي الذي قُتِلَ بصِفِّين، وسأذكُرُ بَسط ذلك، فجازَ التَّعبير بالوَرَثة لتَدخُل البِنت وغيرها ممَّن يَرِث لو وقع موته إذ ذاكَ أو بعد ذلك. وأمَّا قول الفاكهي: إنَّه وُلِدَ له بعد ذلك أربعة بنينَ، وإنَّه لا يعرِف أسماءهم، ففيه قُصور شديد، فإنَّ أسماءَهم في رواية هذا الحديث بعَينِه عند مسلم من طريق عامر ومُصعَب ومحمد ثلاثتهم عن سعد(١)، ووقع ذِكر عمر بن سعد فيه في موضع آخر (٢٩٦٥)، ولمَّا وقع ذِكر هؤلاءِ في هذا الحديث عند مسلم اقتَصَرَ القُرطُبي على ذِكر الثلاثة. ووقع في كلام بعض شيوخنا تَعَقُّب عليه بأنَّ له أربعة من الذُّكور غير الثلاثة: وهم عمر وإبراهيم ويحيى وإسحاق، وعَزا ذِكْرهم لابن المديني وغيره، وفاتَه أنَّ ابن سعد ذكر له من الذُّكور غير السَّبعة أكثر من عشرة: وهم عبد الله وعبد الرحمن وعَمْرو وعِمران وصالح وعثمان وإسحاق الأصغَر وعُمر الأصغر وعُمَير مُصغَّراً وغيرهم، وذكر له من البَنات ثِنتَي عشرة بنتاً. وكأنَّ ابن المديني اقتَصَرَ على ذِكر مَن روى الحديث منهم، والله أعلم. قوله: ((عالَةً)) أي: فُقَراء، وهو جمع عائلٍ، وهو الفقير، والفعل منه: عالَ يَعِيل، إذا افتَقَرَ. قوله: (يَتَكَفَّفونَ النّاس)) أي: يسألون الناس بأَكُفِّهم، يقال: تَكَفَّفَ الناسَ واستَكَفَّ: إذا بَسَطَ كَفَّه للسُّؤال، أو سألَ ما يَكُفُّ عنه الجوعَ، أو سألَ كفّاً كفّاً من طعام. (١) هو عنده من طريق عامر (١٨٢٨) (٥)، ومن طريق مصعب (١٨٢٨) (٦) (٧)، وعنده أيضاً (١٨٢٨) (٨) و(٩) من طريق ثلاثة من ولد سعد كلهم يحدِّث عن أبيه، ولم يعيِّنهم، أما رواية محمد ابن سعد عن أبيه فهي ليست عند مسلم، ورواها أحمد (١٤٨٥) و(١٤٨٦)، والنسائي (٣٦٣٥)، وهو من رجال الشیخین. ٥١٨ باب ٢ / ح ٢٧٤٢ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((في أيديهم)) أي: بأيديهم، أو سألوا بأَكُفِّهم وضع المسؤول في أيديهم. وقع في رواية الزُّهري (١٢٥٩) أنَّ سعداً قال: ((وأنا ذو مال))، ونحوه في رواية عائشة بنت سعد في الطِّبّ (٥٦٥٩)، وهذا اللَّفظ يُؤْذِن بمالٍ كثير، وذو المال إذا تَصدَّقَ بِثُلُثِه أو بشَطره وأَبقى ثُلثَه بين ابنتِهِ وغيرها لا يصيرون عالَةً، لكن الجواب أنَّ ذلك خَرَجَ على التَّقدير؛ لأنَّ بَقاء المال الكثير إنَّما هو على سبيل التَّقدير، وإلَّ فلو تَصدَّقَ المريض بثُلُثَيَه مثلاً ثمَّ طالَت حَياته ونَقَصَ وفَنِيَ المال، فقد تُجِف الوصيّة بالوَرَثة، فَرَدَّ الشّارعِ الأمر إلى شيء مُعتَدِل، وهو الثُّلك. قوله: ((وإنَّك مهما أنفَقْتَ من نَفَقة فإنَّها صدقة)) هو معطوف على قوله: ((إنَّك أن تَدَع)) ٣٦٧/٥ وهو عِلَّة للنَّهي عن الوصيّة / بأكثر من الثُّلث، كأنَّه قيل: لا تَفعَل لأنَّك إن مِتَّ تَرَكت ورَثَتك أغنياءَ، وإن عِشتَ تَصَدَّقت وأنفَقت، فالأجر حاصل لك في الحالَين. وقوله: ((فإنَّهَا صدقة)) كذا أطلقَ في هذه الرِّواية، وفي رواية الزُّهري: ((وإِنَّك لَن تُنْفِق نَفَقَة تَبْتَغي بها وَجْهَ الله إلَّا أُجِرتَ بها)) مُقِيَّدةً بابتِغَاءِ وَجْهِ الله، وعَلَّقَ حصول الأجر بذلك، وهو المعتَبَرَ، ويُستَفاد منه أنَّ أَجْر الواجب يزداد بالنِّية؛ لأنَّ الإنفاق على الزَّوجَة واجب وفي فِعْله الأجر، فإذا نَوى به ابتغاء وجه الله ازداد أجرُه بذلك، قاله ابن أبي جَمرة، قال: ونَبّه بالنَّفَقة على غيرها من وجوه البِرّ والإحسان. قوله: ((حتَّى اللُّقْمة)) بالنَّصب عطفاً على (نَفَقة))، ويجوز الرفع على أنَّه مُبْتَدَأ، و ((تَجَعَلها)) الخبر، وسيأتي الكلام على حكم نَفَقة الزَّوجَة في كتاب النَّفَقات(١) إن شاء الله تعالى. ووجه تَعَلُّق قوله: ((وإِنَّك لَن تُنفِقِ نَفَقة ... )) إلى آخره، بقِصَّة الوصيّة أنَّ سؤال سعد يُشعِر بأنَّه رَغِبَ في تكثير الأجر، فلمَّا مَنَعَه الشّارع من الزِّيادة على الثُّلث قال له على سبيل التَّسلية: إنَّ جميع ما تَفعَله في مالك من صدقة ناجزَة، ومن نَفَقة ولو كانت واجبةً، تُؤْجَر بها إذا ابْتَغَيْتَ بذلك وَجْهَ الله تعالى، ولعلَّه خَصَّ المرأة بالذِّكرِ؛ لأنَّ نَفَقَتها مُستَمِرَّة بخلاف غيرها. (١) عند الحديث رقم (٥٣٦٤). ٥١٩ باب ٢ / ح ٢٧٤٢ كتاب الوصايا. قال ابن دقيق العيد: فيه أنَّ الثَّواب في الإنفاق مشروط بصِحَّة النِّية وابتِغاء وَجْهِ الله، وهذا عُسْرٌ إذا عارَضَه مُقتَضى الشَّهوَة، فإنَّ ذلك لا يُحصِّل الغَرَض من الثَّواب حتَّى يَبْتَغِيَ به وَجْهَ الله، وسَبَقَ تخليص هذا المقصود ممَّا يَشُوبُه، قال: وقد يكون فيه دليل على أنَّ الواجبات إذا أُدّيت على قَصْد أداء الواجب ابتغاءَ وَجْهِ الله أُثيبَ عليها، فإنَّ قوله: ((حَتَّى ما تَجعَل في في امرأتك)) لا تخصيص له بغير الواجب، ولفظَة ((حَتَّى)) هنا تَقتَضي المبالَغَة في تحصيل هذا الأجر بالنِّسبة إلى المعنى، كما يقال: جاء الحاجّ حتَّى المشاةُ. قوله: ((وعَسى الله أن يَرْفَعك)) أي: يُطيل عُمرك، وكذلك اتَّفقَ، فإنَّه عاش بعد ذلك أزيدَ من أربعينَ سنةً، بل قريباً من خمسينَ، لأنّه مات سنة خمس وخمسينَ من الهجرة، وقيل: سنة ثَمان وخمسينَ وهو المشهور، فيكون عاش بعد حَجَّة الوداع خمساً وأربعينَ أو ثمانياً وأربعينَ. قوله: ((فيَنتَفِع بك ناس ويُضَرّ بك آخرونَ)) أي: ينتفع بك المسلمون بالغَنائم ممّا سيقتَحُ الله على يَدَيك من بلاد الشِّرك، ويُضَرّ بك المشركون الذين يَهَلَكون على يَدَیك. وزَعَمَ ابن التِّينِ: أنَّ المراد بالنَّفْعِ به ما وقع من الفُتوح على يَدَيه كالقادسية وغيرها، وبالضَّرَرِ ما وقع من تأمير ولده عمر بن سعد على الجيش الذين قَتَلوا الحسين بن عليّ ومَن معه، وهو كلام مردود لتكلَّفِه لغير ضَرُورة تَحمِل على إرادة الضَّرَر الصَّادر من ولده، وقد وقع منه هو الضَّرَر المذكور بالنّسبة إلى الكُفّار. وأقوى من ذلك ما رواه الطَّحَاوي(١) من طريق بُكَير بن عبد الله بن الأشَجّ، عن أبيه: أنَّه سألَ عامر بن سعد عن معنى قول النبي ◌َّ هذا، فقال: لمَّا أُمِّرَ سعد على العراق أُنيَ يقوم ارتَدُّوا فاستَتَابَهم فتابَ بعضُهم وامتَنَعَ بعضُهم فقَتَلهم، فانتَفَع به مَن تابَ، وحَصَلَ الضَّرَر للآخرينَ. قال بعض العلماء: (لعلَّ)) وإن كانت للتَّرجّي، لكنَّها من الله للأمر الواقع، وكذلك إذا وَرَدَت على لسان رسوله غالباً. (١) في ((شرح المشكل)) ٢٢٢/١٣. ٥٢٠ باب ٢ / ح ٢٧٤٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ولم يكن له يومئذٍ إلَّا ابنةٌ» في رواية الزّهري ونحوه في رواية عائشة بنت سعد أنَّ سعداً قال: ولا يَرِثني إلَّا ابنة واحدة. قال النَّوَوي وغيره: معناه: لا يَرِثُني من الوَلَد أو من خَواصّ الوَرَثة أو من النِّساءِ، وإلَّا فقد كان لسَعدٍ عَصَبات؛ لأنَّه من بني زُهْرة وكانوا كثيراً. وقيل: معناه: لا يَرِثُني من أصحاب الفُروض، أو خَصَّها بالذِّكر على تقدير: لا يَرِثُني ممَّن أخاف عليه الضَّياعِ والعَجْزِ إلَّا هي، أو ظَنَّ أنَّهَا تَرِث جميع المال، أو استكثَرَ لها نصف التِّكة. وهذه البنت زَعَمَ بعضُ من أدرَكْناه أنَّ اسمها عائشة، فإن كان محفوظاً فهي غير عائشة بنت سعد التي رَوَتْ هذا الحديث عنده في الباب الذي يَليه وفي الطِّبّ (٥٦٥٩)، ٣٦٨/٥ وهي تابعية عُمِّرَت حتَّى أدرَكَها مالكٌ وروى عنها، وماتت سنة سبعَ عشرةَ،/ لكن لم يَذكر أحد من النَّسّابين لسَعدٍ بنتاً تُسمّى عائشة غير هذه، وذكروا أنَّ أكبَرَ بَناته أُمّ الحُكم الكُبرى، وأُمّها بنت شِهَاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرة، وذكروا له بنات أُخرى أُمَّهاتُهنَّ مُتأخّرات الإسلام بعد الوفاة النَّبوية، فالظَّهر أنَّ البنت المشار إليها هي أُمّ الحُكم المذكورة لتَقَدُّم تَزويج سعد بأُمِّها، ولم أرَمَن حَرَّرَ ذلك. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: مشروعيَّة زيارة المريض للإمام فمَن دُونَه، وتَتأكَّد باشتداد المرض، وفيه وَضْعُ اليَد على جَبهَة المريض ومَسْحُ وَجهِه ومَسْحِ العُضْو الذي يُؤلِه والفَسْح له في طول العُمر، وجواز إخبار المريض بشِدَّة مَرَضه وقوَّة ألمه، إذا لم يَقْتَرِن بذلك شيء ممَّا يُمنَعِ أو يُكرَه من التَّبُّم وعَدَم الرِّضا، بل حيثُ يكون ذلك لطلبٍ دُعاء أو دَواء، وربَّما استُحِبَّ، وأنَّ ذلك لا يُنافي الاتِّصاف بالصَّيِ المحمود، وإذا جازَ ذلك في أثناء المَرَض كان الإخبار به بَعد البُرْء أجْوَز، وأنَّ أعمال البِرّ والطاعة إذا كان منها ما لا يُمكِن استدراكه قام غيره في الثَّواب والأجْر مقامَه، وربَّما زاد عليه، وذلك أنَّ سعداً خاف أن يموت بالدّار التي هاجَرَ منها فيُقوِّت عليه بعض أَجْر هِجرَته، فأخبره وَلِّ بأنَّه إن تَخَلَّفَ عن دار هِجرَته فعَمِلَ عملاً صالحاً من حَجّ أو جهاد أو غير ذلك، كان له به اَجْر يُعَوِّض ما فاته من الجِھَة الأُخرى.