النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ باب ١٥ / ح ٢٧٣٣ كتاب الشروط عن الصحابة أنَّه احْتَمَلَ عندهم أن يكون النبي ◌ِّهِ أَمَرَهم بالتَّحَلَّلِ أخذاً بالرُّخصَة في حقّهم، وأنَّه هو يَستَمِرّ على الإحرام أخذاً بالعَزيمة في حقّ نفسه، فأشارت عليه أن يَتَحَلَّل لينتَفيَ عنهم هذا الاحتمال، وعَرَفَ النبيِ نَّهِ صَوابَ ما أشارت به ففَعَلَه، فلمَّا رأى الصحابة ذلك بادروا إلى فعل ما أمَرَهم به، إذ لم يَبَقَ بعد ذلك غايةٌ تُنْتَظَر. وفيه فَضْل المَشُورة، وأنَّ الفعل إذا انضَمَّ إلى القول كان أبلَغَ من القول المجَرَّد، وليس فيه أنَّ الفعل مُطلَقاً أبلغ من القول، وجواز مُشاوَرة المرأة الفاضلة، وفَضْل أُمّ سَلَمة ووُفور عَقْلها، حتَّى قال إمام الحَرَمَين: لا نَعلم امرأةً أشارت برأيٍ فأصابَت إلَّا أُمَ سَلَمة. كذا قال. وقد استَدرَكَ بعضهم عليه بنت شعيب في أمر موسى. ونَظِير هذا ما وقع لهم في غَزْوة الفتح كما سيأتي هناك من أمره لهم بالفِطْرِ في رمضان، فلمَّا استَمَرّوا على الامتناع تَنَاوَلَ القَدَحِ فَشَرِبَ، فلمَّا رأوه شَرِبَ شَرِبوا. قوله: (نَحَرَ بُدْنَه)) في رواية الكُشْمِيهني: ((هَذْیه))، زاد ابن إسحاق عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد عن ابن عبّاس: أنَّه كان سبعينَ بَدَنة كان فيها جمل لأبي جَهل في رأسه بُرَة من فِضَّة ليغيظَ به المشركينَ، وكان غَنِمَه منه في غزوة بدر. قوله: ((ودَعَا حالِقَه فحَلَقَه)) قال ابن إسحاق: بَلَغَني أنَّ الذي حَلَقَه في ذلك اليوم هو خِرَاش - بمُعجَمَتين - بن أُميَّة بن الفضل الُزاعي. / قال ابن إسحاق: فحدَّثني عبد الله ٣٤٨/٥ ابن أبي نَجِيح عن مجاهد عن ابن عبّاس قال: حَلَقَ رجال يومئذٍ وقَصَّرَ آخرونَ، فقال رسول الله وَله: ((يَرحَمُ الله المحَلِّقِينَ)) قالوا: والمقَصِّرينَ ... الحديث، وفي آخره: قالوا: يا رسول الله، لِمَ ظاهَرْتَ للمُحَلِّقِينَ دون المقَصِّرِينَ؟ قال: ((لأنَّهم لم يَشُكّوا))(١). قال ابن إسحاق: قال الزّهري في حديثه: ثمَّ انصَرَفَ رسول الله ﴿ ﴿ قافلاً حتَّی إذا کان بين مَكَّة والمدينة ونزلَت سورة الفتح ... فذكر الحديث في تفسيرها إلى أن قال: قال الزُّهري: فما فُتِحَ في الإسلام فَتحٌّ قبلَه كان أعظَمَ من فتح الحُدَيبية، إنَّما كان القتال حيثُ (١) رواية ابن إسحاق بهذه الطريق أخرجها الطحاوي في ((شرح المشكل)) (١٣٦٦). ٤٨٢ باب ١٥ / ح ٢٧٣٣ فتح الباري بشرح البخاري التَّقى الناس، ولمَّا كانت الهُدنة ووَضَعَت الحرب وأَمِن الناس، كَلَّمَ بعضهم بعضاً والتَّقوا وتَفاوَضوا في الحديث والمنازَعة، ولم يُكَلَّم أحد بالإسلام يَعِقِل شيئاً في تِلكَ المدَّة إلَّا دَخَلَ فيه، ولقد دَخَلَ في تَيْنِكَ السَّنَتين مِثْل مَن كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر؛ يعني: من صَنادید قُریش. وممّا ظَهَرَ من مَصلَحة الصُّلح المذكور غير ما ذكره الزُّهري: أنَّه كان مُقدِّمةً بين يَدَي الفتح الأعظم الذي دَخَلَ الناس عَقِبَه في دين الله أفواجاً، وكانت الهُدنة مِفتاحاً لذلك. ولمَّا كانت قِصَّة الْحُدَيبية مُقدِّمةً للفتح سُمّيت فتحاً كما سيأتي في المغازي، فإنَّ الفتح في اللُّغة: فَتْح المغلَق، والصُلح كان مُغلَقاً حتَّى فَتَحَه الله، وكان من أسباب فَتْحه صَدُّ المسلمين عن البيت، وكان في الصُّورة الظَّاهرة ضَيْماً للمسلمينَ، وفي الصّورة الباطنة عِزّاً لهم، فإنَّ الناس لأجلِ الأمن الذي وقع بينهم اختَلَطَ بعضهم ببعضٍ من غير نكير، وأسمَعَ المسلمون المشركينَ القرآن، وناظَرُوهم على الإسلام جَهرةً آمنينَ، وكانوا قبل ذلك لا يَتَكَلَّمون عندهم بذلك إلَّا خُفْيَةً، وظَهَرَ مَن كان يُحُفي إسلامه فذَلَّ المشركون من حيثُ أرادوا العِزَّة، وقُهِرُوا من حيثُ أرادوا الغَلَبة. قوله: ((ثُمَّ جاءه نِسْوَة مُؤْمِنات ... )) إلى آخره، ظاهره أَهَنَّ جِئنَ إليه وهو بالحُدَيبية، وليس كذلك، وإنَّا جِئْنَ إليه بعدُ في أثناء المدَّة، وقد تقدَّم في أوَّل الشُّروط (٢٧١١ و٢٧١٢) من رواية عُقَيل عن الزُّهري ما يَشهَد لذلك حيثُ قال: ((ولم يأتِه أحد من الرّجال إلَّا رَدَّه في تِلكَ المدَّة ولو كان مسلماً، وجاء المؤمنات مُهاجرات، وكانت أُمّ كُلثوم بنت عُقْبةَ ممّن خَرَجَ)) ويقال: إنَّها كانت تحت عَمْرو بن العاص، وسُمِّيَ من المؤمنات المذكورات أُمَيمة بنت بشر وكانت تحت حسَّان - ويقال ابن دَحْداحة - قبل أن يُسلِم، فتزوَّجها سهل بن حُنَيَفٍ فَوَلَدَت له ابنه عبد الله بن سهل، ذكر ذلك ابن أبي حاتم من طريق يزيد بن أبي حَبيب مُرسلاً، والطََّري من طريق ابن إسحاق عن الزُّهري. وسُبيعة بنت الحارث الأسلَمية، وكانت تحت مُسافر المخزومي، ويقال: صَيْفي بن الرَّاهب، والأوَّل أوْلى، فقد ذكر ابن أبي حاتم من طريق مُقاتِل بن حَيّان: أنَّ امرأة صَيفي اسمها ٤٨٣ باب ١٥ / ح ٢٧٣٣ كتاب الشروط ◌ُعَيدة فتزوَّجها عُمر. وأُمّ الحَكم بنت أبي سفيان كانت تحت عِيَاض بن شَدّاد فارتَدَت كما سيأتي بيانه في آخر الشُّروط (٢٧٣٣). وبَرْوَع بنت عُقْبةَ كانت تحت شَّاس بن عثمان، وعَبْدة بنت عبد العُزّی بن نَضلة كانت تحت عَمْرو بن عبدِ وُدّ. قلت: لكن عَمْرو قُتِلَ بالخَندَق وكأنَّهَا فَرَّت بعد قتله، وكان من سُنَّة الجاهلية أنَّ مَن مات زوجها كان أهلُه أحقّ بها. وكان مَمَّن خَرج من النِّساء في تِلكَ المدّة بنت حمزة بن عبد المطَّلِب كما سيأتي بيانه في عمرة القَضية (٤٢٥١)، ويأتي تفصيل ذلك في المغازي، وشَرَحَ قِصَّة الامتحان في أواخر كتاب النِّكاح في ((باب نِكاح مَن أسلَمَ من المشركات)» (٥٢٨٧) مع بقية فوائده إن شاء الله تعالى. قوله: ((ثُمَّ رَجَعَ النبي ◌ِّه إلى المدينة فجاءه أبو بَصير)) بفتح الموحّدة وكسر المهمَلة، رجل من قُرَيش: هو عُتبة، بضمِّ المهمَلة وسكون المثنَّة، وقيل فيه: عُبيد بموخَّدةٍ مُصغَّر - وهو وَهْمٌ - ابن أَسيد، بفتح الهمزة على / الصحيح، ابن جارية - بالجيم - الثّقَفي، حَليف بني ٣٤٩/٥ زُهْرة، سمَّه ونَسَبَه ابن إسحاق في روايته، وعُرِفَ بهذا أنَّ قوله في حديث الباب: ((رجل من قُرَيش)) أي: بالحِلْفِ؛ لأنَّ بني زُهْرة من قُرَيش. قوله: ((فأرسَلوا في طَلَبه رجلَينٍ)) سَّاهما ابن سعد في ((الطَّبَقات)) في ترجمة أبي بصير خُنَيَس، وهو بمُعجَمةٍ ونون وآخره مُهَمَلة مُصغَّر، ابن جابر، ومولَّى له يقال له: كَوثَر، وفي الرّواية الآتية آخر الباب أنَّ الأخنَس بن شَرِيق هو الذي أرسَلَ في طلبه، زاد ابن إسحاق: فكَتَبَ الأختَس بن شَرِيق والأزهَر بن عبد عوف إلى رسول الله وَ ل كتاباً وبَعَثا به مع مولّى لهما ورجل من بني عامر استأجَراه بَكرَينِ. انتهى. والأخنَس من ثَقيف رَهْط أبي بَصير، وأزهَر من بني زُهْرَة حُلَفاء أبي بَصير، فلِكلِّ منهما المطالبة برَدِّه، ويُستَفاد منه أنَّ المطالبة بالرَّدِّ تَخْتَصّ بمَن كان من عَشيرة المطلوب بالأصالة أو الحِلْفِ، وقيل: إنَّ اسم أحد الرجلَينِ مَرَد بن حُمْران، زاد الواقدي: فقَدِما بعد أبي بصير بثلاثة أيام. ٤٨٤ باب ١٥ / ح ٢٧٣٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فَفَعَه إلى الرجلَينِ)) في رواية ابن إسحاق: فقال رسول الله وَلَهُ: ((يا أبا بصير، إنَّ هؤلاءِ القوم قد صالحَونا على ما عَلِمت، وإنّا لا نَغِدِر، فالْحَق بقومِك)) فقال: أترُدُّني إلى المشركينَ يَفْتِنوني عن ديني ويُعَذِّبونَني؟ قال: ((اصبِرِ واحتَسِب، فإنَّ الله جاعِلٌ لك فَرَجاً وَخَرَجاً))، وفي رواية أبي المليح من الزّيادة: فقال له عمر: أنتَ رجل وهو رجل ومَعَك السَّيف، وهذا أوضح في التَّعريض بقتلِه. واستَدَلَّ بعض الشّافعية بهذه القِصَّة على جواز دَفْع المطلوب لمن ليس من عَشيرَته إذا كان لا يُخشى عليه منه، لكَونِه ◌َِّ دَفَعَ أبا بصير للعامري ورفيقه ولم يكونا من عَشيرَته ولم يكونا من رَهطه، لكنَّه أَمِن عليه منهما لعلمِه بأنَّه كان أقوى منهما، ولهذا آلَ الأمر إلى أنَّه قَتَلَ أحدهما وأراد قتل الآخر. وفيما استَدَلَّ به من ذلك نظر؛ لأَنَّ العامري ورفيقه إنَّما كانا رسولَين، ولو أنَّ فيهما رِيبةٌ لَمَا أرسَلَهما مَن هو مِن عَشيرَته. وأيضاً فقبيلة قُرَيش تَجمَع الجميع؛ لأنَّ بني زُهْرة وبَني عامر جميعاً من قُرَيش، وأبو بَصير كان من حُلَفاء بني زُهْرة كما تقدَّم، وقد وقع في رواية أبي المليح: ((جاء أبو بَصير مسلماً وجاء وليُّه خَلفه فقال: يا محمد، رُدَّه عليّ، فَرَدَّه))، ويُجمَع بأنَّ فيه مجازاً والتَّقدير: جاء رسول وَليِّه، ورسول اسم جنس يَشمَل الواحد فصاعداً، أو يُحِمَل على أنَّ الآخر كان رفيقاً للرّسول، ولم يكن رسولاً بالأصالة. قوله: ((فنزلوا يأكلونَ من تَمْر لهم)) في رواية الواقدي: فلمَّا كانوا بذي الحُلَيفة دَخَلَ أبو بَصير المسجد فصَلّى ركعتين وجَلَسَ يَتَغَدّى، ودَعاهما فقَدَّمَ سُفرةً لهما فأكَلوا جميعاً. قوله: ((فقال أبو بَصير لأحدِ الرجلَينِ)» في رواية ابن إسحاق: للعامريّ، وفي رواية ابن سعد: ◌ُنیس بن جابر. قوله: ((فاستَلَّه الآخر)) أي: صاحب السَّيف أخرجه من غِمْده. قوله: «فأمگنَه به» أي: بيدِه، وفي رواية الگُشْمِيهني: فأَمكّنَه منه. قوله: ((فضَرَبَه حتَّى بَرَدَ)) بفتح الموخَّدة والراء، أي: خَدَت حَواسُّه، وهي كِناية عن الموت؛ لأَنَّ الميّت تَسكُن حَرَكَته، وأصل البَرَد السُّكون، قاله الخطّابي، وفي رواية ابن إسحاق: ٤٨٥ باب ١٥ / ح ٢٧٣٣ كتاب الشروط فعَلَاه حتَّى قتله. قوله: ((وفَرَّ الآخَر)) في رواية ابن إسحاق: ((وخَرَجَ المولى يَشْتَدّ)) أي: هرباً. قوله: ((ذُعْراً)) أي: خوفاً، وفي رواية ابن إسحاق: ((فَزَعاً)، وقد عرفتَ أن اسمَه كَوْثر، وزَعَم بعضُهم أنه یزید بن ◌ُمْران. قوله: «قُتِلَ صاحبي) بضمِ القاف، في رواية ابن إسحاق: قَتَلَ صاحبگُم صاحبي. قوله: ((وإنّ ◌َقْتول)) أي: إن لم تَرُدّوه عنِّي، وعند الواقدي: ((وقد أفلَتَ منه ولم أَكَدْ))، ووقع في رواية أبي الأسوَد، عن عُرْوة: ((فَرَدَّه رسول الله وَّه إليهما فأوثَقَاه، حتَّى إذا كان ببعضِ الطَّريق ناما فتَناوَلَ السَّيف بفيه فأمَرَّه على الإسار(١) فقَطَعَه وضَرَبَ أحدَهما بالسَّيفِ وطلبَ الآخَرَ فهَرَبَ))، والأوَّل أصحّ، وفي رواية الأوزاعي عن الزُّهري عند ابن عائذ في ((المغازي)): وجَمَزَ الآخَرُ واتَّبَعَه أبو بَصير حتَّى دُفِعَ إلى رسول الله ◌َعليه في أصحابه وهو عاضٍّ على أسفَل ثَوبه، وقد بَدَا طَرَفُ ذَكَره/ والحصى يطير من تحت قَدَمَيه من شِدَّة ٣٥٠/٥ عَدْوه، وأبو بَصير يَتَبَعُه. قوله: ((قد والله أَوفى الله ذِمَّتَك)) أي: فليس عليك منهم عِقاب فيما صَنَعتُ أنا، زاد الأوزاعي عن الزُّهري: فقال أبو بَصير: يا رسول الله، عَرَفتُ أنّي إن قَدِمت عليهم فَتَنُوني عن ديني، ففَعَلتُ ما فعَلتُ، وليس بيني وبينهم عهد ولا عقد. انتهى. وفيه أنَّ للمسلمِ الذي يَجيء من دار الحرب في زَمَن الهُدْنة قَتْلَ مَن جاء في طلب رَدّه إذا شُرِطَ لهم ذلك؛ لأَنَّ النبي ◌َّه لم يُنكِرِ على أبي بَصير قتلَه العامريَّ، ولا أمَرَ فيه بقَوَدٍ ولا دِيَةٍ، والله أعلم. قوله: ((وَيْلُ امِّهِ) بضمِّ اللّام ووَصل الهمزة وكسر الميم المشَدَّدة، وهي كلمة ذمِّ تقولها العرب في المدح ولا يَقصِدون معنى ما فيها من الذَّمّ؛ لأَنَّ الوَيْل: الهلاكُ، فهو كقولهم: (لأُمِّه الوَيلُ))، قال بديع الزَّمان في رسالة له: والعرب تُطلِقِ (تَرِبَت يَمِينُهُ)) في الأمر إذا أهمَّ، (١) أي: الرِّباط، أو ما شُدَّ به الشيء. ((اللسان)) (أسر). ٤٨٦ باب ١٥ / ح ٢٧٣٣ فتح الباري بشرح البخاري ويقولون: ((ويلُ امِّه)) ولا يَقصِدون الذَّمَّ. والوَيْل يُطلَق على العذاب والحرب والَّجر، وقد تقدَّم شيء من ذلك في الحجّ (١٦٨٩) في قوله للأعرابي: ((ويلك)). وقال الفَرّاء: أصل قولهم: ((وَيلُ فلان)): وَيْ لفلانٍ، أي: حَزْنٌ له (١)، فَكَثُرَ الاستعمال فألحَقوا بها اللّام فصارت كأنَّها منها وأعرَبوها، وتَبِعَه ابن مالك إلَّا أنَّه قال تَبَعاً للخَليل: إنَّ ((وَيْ)) كلمة تَعجُّب، وهي من أسماء الأفعال، واللّام بعدها مكسورة ويجوز ضَمّها إتباعاً للهمزة، وحُذِفَت الهمزة تخفيفاً، والله أعلم. قوله: (مِسْعَرَ حَرْب)) بكسر الميم وسكون المهمَلة وفتح العين المهمَلة وبالنَّصبِ على التَّمييز، وأصله: من مُسعِّر حَرب، أي: يُسعِّرها. قال الخطَّابي: كأنَّه يَصِفه بالإقدام في الحرب والتَّسعير لنارها، ووقع في رواية ابن إسحاق: ((مِحَشَّ)) بحاءٍ مُهمَلة وشين مُعجَمة، وهو بمعنى مُسعِّر، وهو العُود الذي يُحرَّك به النار. قوله: ((لو كان له أحد)) أي: يَنصُرُه ويُعاضده ويُناصره، وفي رواية الأوزاعي: ((لو كان له رجال)» فَلَقِنَها أبو بَصير فانطَلَقَ، وفيه إشارة إليه بالفِرار لئلّا يردّه إلى المشركينَ، ورَمْزٌ إلى مَن بَلَغَه ذلك من المسلمين أن يَلحَقوا به، قال ◌ُمهور العلماء من الشّافعية وغيرهم: يجوز التَّعريض بذلك لا التصريح، كما في هذه القِصَّة، والله أعلم. قوله: ((حتَّى أتى ◌ِيْفَ البَحْر)) بكسر المهمَلة وسكون التَّحتانية بعدها فاء، أي: ساحله، وعَيَّنَ ابن إسحاق المكان فقال: ((حتَّى نزلَ العِيْصَ)) وهو بكسر المهمَلة وسكون التَّحتانية بعدها مُهمَلة، قال: وكان طريق أهل مَكَّة إذا قَصَدوا الشّام. قلت: وهو يُحاذي المدينة إلى جِهَة السَّاحل، وهو قريب من بلاد بني سُلَيمٍ. قوله: ((ويَنفَلِت منهم أبو جَنْدَل)) أي: من أبيه وأهله، وفي تَعبيره بالصِّيغة المستقبلة إشارةٌ إلى إرادة مُشاهَدة الحال، كقوله تعالى: ﴿ اَللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِيَحَ فَنُشِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم: ٤٨]، وفي رواية أبي الأسوَد عن عُرْوة: وانفَلَتَ أبو جَندَل في سبعينَ راكباً مسلمينَ فلَحِقوا (١) قوله: ((حَزْن له)) سقط من (س). وانظر ((مشارق الأنوار)) ٢٩٨/٢. ٤٨٧ باب ١٥ / ح ٢٧٣٣ كتاب الشروط بأبي بَصير فنزلوا قريباً من ذي المَرْوَة على طريق عِير قُرَيش، فقَطَعوا مادَّتَهم. قوله: ((حتَّى اجتَمعَت منهم عِصابة)) أي: جماعة، ولا واحدَ لها من لفظها، وهي تُطلَق على الأربعينَ فما دُونَها. وهذا الحديث يدلّ على أنَّها تُطلَق على أكثر من ذلك، ففي رواية ابن إسحاق: أنَّهم بَلَغوا نحواً من سبعينَ نفساً، وفي رواية أبي المليح: بَلَغوا أربعينَ أو سبعينَ، وجَزَمَ عُرْوة في ((المغازي)): بأنَّهم بَلَغوا سبعينَ، وزَعَمَ السُّهَيلي: أنَّهم بَلَغوا ثلاث مئة رجل، وزاد عُرْوة: ((فلَحِقوا بأبي بَصير وكَرهوا أن يَقدَمُوا المدينة في مُدَّة الهُدنة خَشْية أن يُعادوا إلى المشركينَ))، وسَمّى الواقدي منهم الوليد بن الوليد بن المغيرة. قوله: ((ما يَسمَعونَ بعِيرٍ)) أي: بخبر عِير - بالمهمَلة المكسورة - أي: قافلة. قوله: ((إلَّ اعتَرَضوا لها)) أي: وقَفوا في طريقها بالعَرْض، وهي كِناية عن مَنْعهم لها من السّیر. قوله: ((فأرسَلَت قريش)) في رواية أبي الأسوَد عن عُرْوة: فأرسَلوا أبا سفيان بن حَرْب إلى رسول الله ◌َله يسألونَه ويَتَضَرَّعون إليه أن يَبعَث إلى أبي جَندَل ومَن معه وقالوا: ومَن خَرَجَ مِنّا إلیك فهو لك حَلال غیر حَرِج. قوله: ((فأرسَلَ النبيُّ نَّه إليهم)) في / رواية أبي الأسوَد المذكورة: ((فبَعَثَ إليهم فقَدِموا ٣٥١/٥ عليه))، وفي رواية موسى بن عُقْبةَ عن الزّهري: فَكَتَبَ رسول الله وَله إلى أبي بَصير، فَقَدِمَ كتابه وأبو بَصِير يموت، فمات وكتاب رسول الله بَّه فِي يَدِه، فَدَفَنَه أبو جَندَل مكانه وجَعَلَ عند قبره مسجداً(١). قال: وقَدِمَ أبو جَندَل ومَن معه إلى المدينة فلم يَزَل بها إلى أن خَرج إلى الشّام مجاهداً فاستُشهِدَ في خلافة عُمر، قال: فعَلِمَ الذين كانوا أشاروا بأن لا يُسَلَّم أبا جَندَل إلى أبيه أنَّ طاعة رسول الله وَّ﴾ خير ممَّا كَرهوا. وفي قِصَّة أبي بَصير من الفوائد: جوازُ قَتْل المشرك المعتَدي غِيْلةً، ولا يُعَدّ ما وقع من (١) روى هذا البيهقي في ((الدلائل)) ١٧٥/٤ بسنده إلى موسى بن عقبة عن الزهري، وهذا من مراسيل الزهري، ومراسيله ليست بشيء، والجمهور على تضعيفها. ٤٨٨ فتح الباري بشرح البخاري أبي بصير غَدْراً؛ لأنَّه لم يكن في جُملة مَن دَخَلَ في المعاقَدة التي بين النبيِّهِ وبين قُرَيش، لأنَّه إذ ذاكَ كان محبوساً بمَكَّة، لكنّه لمَّا خَشِيَ أنَّ المشرك يُعيده إلى المشركينَ دَراً عن نفسه بقَتلِه، ودافَعَ عن دِينه بذلك، ولم يُنكِرِ النبي ◌ِّ ذلك(١). وفيه أنَّ مَن فَعَلَ مِثَ فِعْل أبي بَصِیر، لم یکن علیه قَوَد ولا دِیّة، وقد وقع عند ابن إسحاق: أنَّ سُهَيل بن عَمْرو لمَّا بَلَغَه قَتْلُ العامريِّ طالَبَ بدِيَتِه؛ لأنَّه من رَهْطه، فقال له أبو سفيان: ليس على محمد مُطالَبة بذلك؛ لأنَّه وَفَى بما عليه وأَسلَمَه لرسولِكُم، ولم يَقتُلْه بأمره، ولا على آل أبي بَصير أيضاً شيء؛ لأنَّه ليس على دينهم. وفيه أنَّه كان لا يُرَدّ على المشركينَ مَن جاء منهم إلَّا بطلبٍ منهم؛ لأَنَهم لمَّا طلبوا أبا بَصير أوَّل مرَّة أسلَمَه لهم، ولمَّا حَضَرَ إليه ثانياً لم يُرسِلْه لهم، بل لو أرسَلوا إليه وهو عنده لَأرسَلَه، فلمَّا خَشِيَ أبو بَصير من ذلك نَجابَنفْسِه. وفيه أنَّ شرط الرّدّ أن يكون الذي حَضَرَ من دار الشِّرك باقياً في بَلَد الإمام، ولا يتناول مَن لم يكن تحت يد الإمام ولا مُتَحَيِّزاً إليه. واستَنْبَطَ منه بعض المتأخِّرينَ: أنَّ بعض مُلوك المسلمين مثلاً لو هادنَ بعض مُلوك الشِّرك، فغَزاهم مَلِك آخَر من المسلمين فقَتَلهم وغَنِمَ أموالهم جازَ له ذلك؛ لأَنَّ عَهد الذي هادَنَهم لم يتناول مَن لم يُهادنهم، ولا يخفى أنَّ مَحَلّ ذلك ما إذا لم يكن هناك قَرِينة تَعميم. قوله: ((فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنَكُمْ ﴾)» كذا هنا، ظاهره أنَّها نزلَت في شأن أبي بصير، وفيه نظر، والمشهور في سبب نزولها ما أخرجه مسلم (١٨٠٧ و١٨٠٨) من حديث سَلَمة بن الأكوع ومن حديث أنس بن مالك أيضاً، وأخرجه أحمد (١٦٨٠٠) والنَّسائي (ك١١٤٤٧) من حديث عبد الله بن مُغَفَّل بإسنادٍ صحيحٍ: أنَّها نزلَت بسببٍ القوم الذين أرادوا من قُرَيش أن يأخُذوا من المسلمين غِرَّة فظَفِروا بهم، فعَفا عنهم النبي وَلَّ، فنزلَت الآية. وقيل في نزولها غير ذلك. قوله: ﴿مَعَرَّةٌ ﴾ العَرُّ: الجَرَب)) يعني: أنَّ المَعَرَّة مُشتَقَّة من العَرّ، بفتح المهمَلة وتشديد (١) في (س): ولم ينكر النبي ◌َّل قوله ذلك. ٤٨٩ باب ١٥ / ح ٢٧٣٣ كتاب الشروط الراء. قوله: ﴿تَزَيُّواْ﴾: تَيَّزوا، حَيَتُ القومَ: مَنَعتُهم حِمايَةً ... )) إلى آخره، هذا القَدْر من تفسير سورة الفتح في ((المجاز)) لأبي عبيدة، وهو في رواية المُستَمْلي وحده. قوله: ((قال عُقَيل عن الزُّهْري)) تقدَّم موصولاً بتمامه في أوَّل الشُّروط (٢٧١١ و٢٧١٢)، وأراد المصنّف بإيراده بيان ما وقع في رواية مَعمَر من الإدراج. قوله: ((وَبَلَغَنا)) هو مَقول الزّهري، وَصَلَه ابن مَرْدويه في «تفسيره)) من طريق عُقَيل. وقوله: ((وبَلَغَنا أنَّ أبا بصير ... )) إلى آخره، هو من قول الزُّهري أيضاً، والمراد به أنَّ قِصَّة أبي بَصير في رواية عُقَيل من مُرسَل الزُّهري، وفي رواية مَعمَر موصولة إلى المِسوَر، لكن قد تَابَعَ مَعمَراً على وَصْلها ابنُ إسحاق كما تقدَّم، وتابَعَ عُقَيلاً الأوزاعيُّ على إرسالها. فلعلَّ الزُّهري كان يُرسِلها تارةً ويوُصِلها أُخرى، والله أعلم. ووقع في هذه الرِّواية الأخيرة من الزِّيادة: «وما نَعلم أنَّ أحداً من المهاجرات ارتَدَّت بعد إيمانها))، وفيها قوله: ((أنَّ أبا بَصير بن أَسيد - بفتح الهمزة - قَدِمَ مؤمنا)) كذا للأكثر، وفي رواية السَّرَخسي والمُستَمْلِي: ((قَدِمَ من مِنِّى)) وهو تصحيف. قوله: ((أنَّ عُمر طَلَّقَ امرأتينٍ: قُرَيبة)) يأتي ضبطُها وبيان الحُكم في ذلك في كتاب النِّكاح في ((باب نِكاح مَن أسلَمَ من المشركات)» (٥٢٨٧). وقوله: ((فلمَّا أبى الكُفّار أن يُقِرّوا بأداءِ ما أَنفَقَ المسلمونَ على أزواجهم)) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَسْئَلُواْ مَآ أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْتَلُواْ مَآ أَنْفَقُواْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقد بيَّنْه عبد الرَّزّاق(١) في روايته ٣٥٢/٥ عن مَعمَر عن الزُّهري، فذكر القِصَّة، وفيها: «لمَّا نزلَت حَكَمَ على المشركينَ بمِثلِ ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن يُرَدَّ الصَّداق إلى زوجها، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُقْسِكُواْ بِعِصَمِ اُلْكَوَافِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فأتاه المؤمنون فأقرُّوا بحُكم الله، وأمَّا المشركون فأبوا أن يُقِرّوا، فأنزل الله: ﴿ وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَّبُ﴾ [الممتحنة: ١١]. (١) في ((تفسيره)) ٢٨٨/٢. ٤٩٠ باب ١٥ / ح ٢٧٣٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((والعَقِب ... )) إلى آخره، بفتح العين المهمَلة وكسر القاف(١). قوله: ((وما نَعْلم أحداً من المهاجرات ارتَدَّت بعد إيمانها)) هو كلام الزُّهري، وأراد بذلك الإشارة إلى أنَّ المعاقبة المذكورة بالنّسبة إلى الجانبينِ إنَّما وقعت في الجانب الواحد، لأنَّه لم يَعرِف أحداً من المؤمنات فَرَّت من المسلمین إلى المشرکینَ بخلاف عَكْسِه، وقد ذكر ابن أبي حاتم من طريق الحسن: أنَّ أُمّ الحكم بنت أبي سفيان ارتَدَّت وفَرَّت من زوجها عياض بن شَدّاد، فتزوَّجها رجل من ثَقيف، ولم يَرتَدّ من قُرَيش غيرُها، ولكنَّها أسلَمَت بعد ذلك مع ثَقيف حين أسلموا، فإن ثبت ذلك فيُجمَع بينه وبين قول الزُّهري بأنَّها لم تَكُن هاجَرَت فیما قبل ذلك. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم أشياء تَتَعَلَّق بالمناسك: منها أنَّ ذا الحُلَيفة ميقات أهل المدينة للحاجِّ والمعتَمِر، وأنَّ تَقليد الهَدْي وسَوْقه سُنَّة للحاجِّ والمعتَمِرِ فَرْضاً كان أو سُنَّةً، وأنَّ الإشعار سُنَّة لا مُثْلة، وأنَّ الحَلْق أفضل من التَّقصير، وأنَّهِ نُسُك في حقّ المعتَمِر محصوراً كان أو غير محصور، وأنَّ المُحصَر يَنحَرِ هَذْيه حيثُ أُحصِرَ ولو لم يَصِل إلى الحَرَم، ويُقاتِل مَن صَدَّه عن البيت، وأنَّ الأَوْلى في حقّه تَركُ المقاتلة إذا وَجَدَ إلى المُسالَمة طريقاً، وغير ذلك مما تقدَّم بسطُ أكثرِه في كتاب الحجّ. وفيه أشياء تَتَعَلَّق بالجهاد: منها جواز سَبْي ذَرَاريٌّ الكُفّار إذا انفَرَدوا عن المقاتلة، ولو كان قبل القتال. وفيه الاستتار عن طلائع المشركين، ومُفاجَأتهم بالجيشِ لطلبٍ غِرَّتهم، وجواز التَّكُّب عن الطَّريق السَّهل إلى الطَّريق الوَعْر لدَفع المفسَدة وتحصيل المصلحة، واستحباب تقديم الطَّلائع والعُيون بين يَدَي الجيش، والأخذ بالحَزْمِ في أمر العَدوّ لئلّا ينالوا غِرَّة المسلمين، وجواز الخداع في الحرب، والتَّعريض بذلك من النبي ◌َّ وإن كان من خصائصه أنَّه مَنهيٌّ عن خائنة الأعين. وفي الحديث أيضاً فَضْل الاستشارة لاستخراج وَجْه الرَّأي، واستطابة قلوب الأتباع، وجواز بعض المسامحة في أمر الدِّين، واحتمال الضَّيم فيه ما لم يكن قادحاً في أصله إذا تَعيَّنَ (١) كذا ضبطه الحافظ، وضُبِط في اليونينية بسكون القاف وفتحها مصخَّحاً عليه دون خلافٍ. ٤٩١ باب ١٦-١٧ / ح ٢٧٣٤ كتاب الشروط ذلك طريقاً للسَّلامة في الحال، والصلاح في المآل، سواء كان ذلك في حال ضَعف المسلمين أو قوَّتهم، وأنَّ التابع لا يَليق به الاعتراض على المتبوع بمُجرَّدِ ما يَظهَر في الحال، بل عليه التَّسليم؛ لأَنَّ المتبوع أعرَف بمَآلِ الأُمور غالباً بكَثْرة التَّجرِبة، ولا سيَّما مع مَن هو مُؤَيَّد بالوخي. وفيه جواز الاعتماد على خبر الكافر إذا قامت القَرِينة على صِدْقه، قاله الخطَّبي مُستدِلًّا بأنَّ الُزاعيَّ الذي بَعَثَه النبيُّ وَّهَ عَيناً له ليأتيه بخيرٍ قُرَيش كان حينِئِذٍ كافراً، قال: وإنَّما اختارَه لذلك مع كُفره ليكون أمكَنَ له في الدُّخول فیھم، والاختلاط بهم، والاطلاع على أسرارهم، قال: ويُستَفاد من ذلك جواز قَبُول قول الطَّبيب الكافر. قلت: ويحتمل أن يكون الُراعيَّ المذكور كان قد أسلم ولم يَشتَهِر إسلامُه حينئذٍ، فليس ما قاله دليلاً على ما اذَّعاه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ١٦ - باب الشُّروط في القَرْض ٢٧٣٤- وقال اللَّيثُ: حدَّثني جعفرُ بنُ رَبِيعةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ هُرْمُزَ، عن أبي هريرةَ رَّ، / عن رسولِ اللهِ وََّ: أَنَّهَ ذَكَرَ رجلاً سألَ بعضَ بني إسرائيلَ أن يُسلِفَه الفَ دِینارٍ، فدَفَعَها ٣٥٣/٥ إليه إلى أجَلٍ مُسَمَّی. وقال ابن عمر رضي الله عنهما وعطاءٌ: إذا أَجَّلَه في القَرْض جاز. قوله: ((باب الشُّروط في القَرْض)) ذكر فيه طَرَفاً من حديث أبي هريرة في قِصَّة الذي أَقرضَ الألف الدّينار، وأثرُ ابن عمر وعطاء في تأجيل القَرض، وقد مضى جميع ذلك والكلام عليه في كتاب القَرْض (٢٤٠٤)، وسَقَطَ جميع ذلك هنا للنَّسَفي، لكن زاد في التَرجمة التي تَليه فقال: ((باب الشُّروط في القَرض والمكاتَب)) إلى آخره. ١٧ - باب المُكاتَب وما لا يَحِلُّ من الشُّروط التي تُخالفُ كتابَ الله وقال جابرُ بنُ عبدِ الله رضي الله عنهما في المكاتَبِ: شُرُوطُهم بَينَهم. ٤٩٢ باب ١٧ / ح ٢٧٣٥ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابنُ عمرَ أو عمرُ: كلُّ شَرْطٍ خالَفَ كتابَ الله فهو باطلٌ، وإنِ اشتَرَطَ مِئَةَ شَرٍْ. وقال أبو عبد الله: يقال عن كِلَيهما: عن عمرَ وابنِ عمرَ. ٢٧٣٥- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن يحيى، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: أَتَتْها بَرِيرةُ تسألها في كتابَتِها، فقالت: إن شِئْتِ أعطَيتُ أهلَكِ ويكونُ الولاءُ لي، فلمَّا جاء رسولُ اللهِوَّهَ ذَكَّرْتُه ذلك، قال النبيُّ ◌َّهِ: ((ابتاعيها فَأَعْتِقِيها، فإنَّما الولاءُ لِمَن أَعتَقَ)) ثَّ قامَ رسولُ الله ◌ِ له على المِثْبرِ، فقال: ((ما بالُ أقوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً ليسَت في كتاب الله؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً ليسَ في كتاب الله فليسَ له، وإنِ اشْتَرَطَ مِئَةَ شَرْطٍ)). قوله: ((باب المكاتَب، وما لا يَحِلّ من الشُّروط التي تُخالف كتاب الله)) تقدَّم في هذه الأبواب ((باب ما يجوز من شُروط المكاتَب))، وهذه التَّرجمة أعمّ من تِلكَ وإن كان حديثهما واحداً، وتقدَّم في كتاب العِثْق أيضاً ((ما يجوز من شُروط المكاتَب، ومَن اشتَرَطَ شرطاً ليس في كتاب الله)) (٢٥٦١)، وتقدَّم أنَّ قَصَدَ تفسير الأوَّل بالثاني، وهنا أراد تفسير قوله: ((ليس في كتاب الله)) وأنَّ المراد به ما خالَفَ كتاب الله، ثمَّ اسْتَظهَرَ على ذلك بما نَقَلَه عن عمر أو ابن عمر، وتوجيهُ ذلك أن يقال: المراد بكتاب الله في الحديث المرفوع: حُكْمُه، وهو أعمّ من أن يكون نصّاً أو مُستَنْبَطاً، وكلّ ما كان ليس من ذلك فهو مُخالف لمَا في كتاب الله، والله أعلم. قوله: ((وقال جابر بن عبد الله في المكاتَب: شُروطهم بينهم)) وَصَلَه سفيان الثَّوري في كتاب الفرائض له من طريق مجاهد عن جابر؛ ووقع لنا مَروّاً من طريق قَبِيصَة عنه. قوله: ((وقال ابن عُمر أو عُمر: كلّ شَرْط خالَفَ كتاب الله فهو باطل ... )) إلى آخره، كذا للأكثر، وفي رواية النَّسَفي: ((وقال ابن عمر)) فقَط ولم يقل: أو عمر؛ لكن في رواية كَرِيمة من الزِّيادة: ((قال أبو عبد الله - أي: المصنّف - يقال: عن كِلَیهما عن عمر وعن ابن عمر ))، فالله أعلم. ثُمَّ ذكر حديث عائشة في قِصَّة بَرِيرة، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوفَّى في أواخر العِثْق (٢٥٦٠ -٢٥٦٥). ٤٩٣ باب ١٨ / ح ٢٧٣٦ كتاب الشروط ٣٥٤/٥ ١٨ - باب ما يجوز من الاشتراط والثُّنْيا في الإقرار والشّروط التي يتعارَفُها الناسُ بینھم وإذا قال: مِئَةٌ إلّا واحدةً أو ثِنْتَينِ وقال ابنُ عَوْنٍ، عن ابنِ سِيرِينَ: قال رجلٌ لكَرِيِّه: أَدْخِلْ رِكابَكَ، فإن لم أرحَلْ مَعَكَ يومَ كذا وكذا فلَكَ مِئَةُ دِرْهَم، فلم يَخْرُجْ، فقال شُرَيحُ: مَن شَرَطَ على نَفْسِه طائعاً غيرَ مُكْرَهٍ فهو عليه. وقال أيوبُ، عن ابنِ ◌ِيرِينَ: إنَّ رجلاً باعَ طعاماً، وقال: إن لم آتِّكَ الأربعاءَ فليسَ بيني وبينَكَ بيعُ، فلم يَجِئْ، فقال شُرَيحٌ للمُشْتَري: أنتَ أخلَفْتَ، فقَضَى عليه. ٢٧٣٦- حدَّثْنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شُعيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ ظُ، أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((إنَّ لله تِسْعةً وتِسْعينَ اسماً، مِئةً إلَّ واحداً، مَن أحصاها دَخَلَ الجنَّةَ)). [طرفاه في: ٦٤١٠، ٧٣٩٢] قوله: ((باب ما يجوز من الاشتراط والثُّنْيا)) بضمِّ المثلَّثة وسكون النّون بعدها تحتانية مقصور، أي: الاستثناء ((في الإقْرار)) أي: سواء كان استثناء قليلٍ من كثيرٍ، أو كثيرٍ من قليلٍ، واستثناء القليل من الكثير لا خلاف في جوازه، وعَكسُه مُتَلَف فيه، فذهب الجمهور إلى جوازه أيضاً، وأقوى حُجَجِهِم قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتََّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ [الحجر: ٤٢] مع قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٤٠]؛ لأَنَّ أحدهما أكثر من الآخر لا محالة، وقد استثنى كلَّ منهما من الآخر. وذهب بعض المالكية كابن الماجشونِ إلى فساده، وإليه ذهب ابن قُتَيبة، وزَعَمَ أنَّه مذهب البصريينَ من أهل اللُّغة، وأنَّ الجواز مذهب الكوفيينَ، وثمَّن حَكاه عنهم الفَرّاء، وسيأتي بَسط هذا عند الكلام على الحديث المرفوع في الباب في كتاب الدَّعوات (٦٤١٠) إن شاء الله تعالى. قوله: ((وقال ابن عَوْن ... )) إلى آخرِه، وَصَلَه سعيد بن منصور عن هُشَيم عنه ولفظه: ((أنَّ رجلاً تَكارَى من آخر فقال: اخرُج يوم الاثْنَينِ)) فذكر نحوه. ٤٩٤ باب ١٩ / ح ٢٧٣٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال أيوب عن ابن ◌ِيرين ... )) إلى آخره، وَصَلَه سعيد بن منصور أيضاً عن سفيان عن أيوب، وحاصلُه أنَّ شُرَيحاً في المسألتين قضى على المشتَرِط بما اشتَرَطَه على نفسه بغير إكراه، ووافقَه على المسألة الثانية أبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وقال مالك والأكثر: يَصِحّ البيع ويَبطُل الشَرط، وخالَفَه الناس في المسألة الأولى، ووَجَّهَه بعضهم بأنَّ العادة أنَّ صاحب الجِمال يُرسِلها إلى المرعى، فإذا اتَّفَقَ مع التاجر على يوم بعَينِهِ فأحضَرَ له الإبل، فلم يَتَهَيَّا للتّاجِرِ السَّفَرُ، أضَرّ ذلك بحال الجِمال لمَا يحتاج إليه من العَلَف، فوقع بينهم التَّعارُف على مالٍ مُعيَّن يَشتَرِطه التاجر على نفسه إذا أخَلَفَ، ليستَعينَ به الجمَّال على العَلَف. وقال الجمهور: هي عِدَة فلا يَلَزَمِ الوَفاءُ بها، والله أعلم. ١٩ - باب الشُّروط في الوَقْف ٢٧٣٧ - حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ، حدّثنا ابنُ عَوْنٍ، قال: أَنْبَأني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أن عمرَ بنَ الخطّاب أصابَ أرضاً بخَيِيرَ، فأتى النبيَّ وَّلـ يَسْتَأمِّرُه فيها، فقال: يا رسولَ الله، إنّ أصَبتُ أرضاً بخَيرَ لم أُصِبْ مالاً قَطُّ أَنفَسَ عندي منه، ٣٥٥/٥ فما تَأْمُرُ به؟ قال: ((إن شِئْتَ/ حَبَسْتَ أصلَها وتَصَدَّقْتَ بها)) قال: فتَصَدَّقَ بها عمرُ أَنَّه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ، وتَصَدَّقَ بها في الفُقَراءِ، وفي القُرْبَى، وفي الرِّقاب، وفي سبيلِ الله، وابنِ السَّبِيلِ، والضَّيفِ، ولا جُناحَ على مَن وَلِيَها أن يأْكُلَ منها بالمعرُوفِ، ويَطْعَمَ غيرَ مُتَمَوِّلٍ. قال: فحدَّثْتُ به ابنَ سِيرِينَ، فقال: غيرَ مُتَاثَّلِ مالاً. قوله: ((باب الشُّروط في الوقف» ذکر فیه حديث ابن عمر في قِصَّة وَقْف عُمر، وسيأتي الكلام عليه في أثناء الكتاب الذي يليه (٢٧٦٤ و٢٧٧٢ و ٢٧٧٣ و٢٧٧٧) إن شاء الله تعالى. خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الشُّروط من الأحاديث المرفوعة على سبعة وأربعينَ حديثاً، الخالص منها خمسة أحاديث، والبقية مُكرَّرة، والمعَلَّق منها سبعة وعشرون طريقاً، وكلّها عند مسلم سوى بلاغ الزُّهري. وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن بعدَهم أحدَ عشرَ أثراً، والله أعلم. ٤٩٥ باب ١ كتاب الوصايا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الوَصَايا قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب الوصايا)) كذا للنَّسَفي، وأخَّرَ الباقون البسملة. والوصايا: جمع وصيّة، كالهَدَايا، وتُطلَق على فعل المُوصِي وعلى ما يُوصِي به من مال أو غيره من عَهْد ونحوه، فتكون بمعنى المصدر وهو الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول وهو الاسم. وفي الشَرع: عهدٌ خاصٌّ مُضاف إلى ما بعد الموت، وقد يَصحَبه التَّرُّع. قال الأزهَري: الوصيّة من وَصَيت الشيءَ بالتَّخفيفِ أُوصِيه: إذا وَصَلتُه، وسُمّيت وصيّةً؛ لأنَّ المِيِّت يَصِل بها ما كان في حياته بعد تَماته، ويقال: وصيّة بالتَّشديد، ووَصَاة بالتَّخفيفِ بغير هَمز. وتُطلَق شَرعاً أيضاً على ما يقع به الزَّجر عن المنهيَّات، والحثّ على المأمورات. ١ - باب الوصايا، وقولِ النبيِّ وَّ: «وصِيَّةُ الرجلِ مَكْتُوبٌ عندَه)). وقال الله عزَّ وجلّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَّكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ ﴿ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ، فَإِنَّمَا إِثْمُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ؟ إِنَّ اللّه سَمِيعُ عَلِيمٌ (٥) فَمَنْ خَفَ مِن ◌ُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٠ - ١٨٢]. ﴿جَنَفًا﴾: مَيلاً، مُتَجَانِفٌ: متمايلٌ. قوله: «باب الوصايا» أي: حُكْم الوصايا. ٣٥٦/٥ قوله: ((وقول النبي ◌َّ: وَصَّة الرَّجل مَكْتوبة عنده) لم أقف على هذا الحديث باللَّفْظِ المذكور، وكأنَّه بالمعنى، فإنَّ المرء هو الرجل، لكنَّ التَّعبير به خَرَجَ مَخَرَج الغالب، وإلا فلا فَرْق في الوصيّة الصحيحة بين الرجل والمرأة، ولا يُشتَرَط فيها إسلام ولا رُشْد ولا تُيُوبة ولا إذْنُ زوج، وإنَّما يُشتَرَط في صِحتها العقل والحُرّية، وأمَّا وصية الصَّبي المميِّز ففيها ٤٩٦ باب ١ فتح الباري بشرح البخاري خلاف: مَنَعَها الحنفية والشّافعي في الأظهَر، وصَحَّحَها مالك وأحمد والشّافعي في قول رَجَّحَه ابن أبي عَصْرون وغيره، ومال إليه السُّبكي وأَيَّدَه بأنَّ الوارث لا حقّ له في الثُّلث، فلا وَجْهَ لمنْع وصيّة المميِّز، قال: والمعتَبَر فيه أن يَعقِل ما يوصي به. وروى (الموطَّ)) (٢/ ٧٦٢) فيه أثراً عن عمر: أنَّه أجازَ وصية غلام لم يَحَتَلِم، وذكر البيهقي أنَّ الشّافعي عَلَّقَ القول به على صِحَّة الأثر المذكور، وهو قوي، فإنَّ رجاله ثقات، وله شاهد، وقَيَّدَ مالك صِحَّتَها بما إذا عَقَلَ ولم يَخْلِط، وأحمد: بسبعٍ، وعنه: بعشرٍ. قوله: ((وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا اَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ إلى ﴿جَنَفًا﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وللنَّسَفي الآية، وساق الباقون الآيات الثلاث إلى ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وتقدير الآية: كُتِبَ عليكُم الوصيّة وقت حُضور الموت، ويجوز أن تكون الوصيّة مَفعول كَتَبَ، أو الوصيّة مُبتَدَأ وخبره للوالدين، ودَلَّ قوله: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا ﴾ بعد الاتِّفاق على أنَّ المراد به المال، على أنَّ مَن لم يَتْرُك مالاً لا تُشرَع له الوصيّة بالمال، وقيل: المراد بالخير المال الكثير، فلا تُشرَع لمن له مال قليل. قال ابن عبد البَرّ: أجمعوا على أنَّ مَن لم يكن عنده إلَّا اليَسير التافه من المال أنَّه لا تُندَبُ له الوصية (١)، وفي نَقل الإجماع نظر، فالثابت عن الزّهري أنَّه قال: جَعَلَ الله الوصية ٣٥٧/٥ حقّاً فيما قَلَّ أو كَثُرَ، والمصَرَّح به عند الشّافعية: نَدبيَّة الوصيّة من / غير تَفريق بين قليل وكثير. نعم قال أبو الفَرَج السَّرَخسي منهم: إن كان المال قليلاً والعيال كثيراً استُحِبَّ له تَوفِرَتُه عليهم، وقد تكون الوصيّة بغير المال كأن يُعَيِّن مَن يَنظُر في مصالح ولده، أو يَعهَد إليهم بما يَفعَلونَه من بعده من مَصالح دينهم ودُنياهم، وهذا لا يَدِفَع أحد نَذْبيَّته. واختُلِفَ في حَدّ المال الكثير في الوصيّة، فعن عليٍّ: سبع مئة مالٌ قليل، وعنه: ثمان مئة مالٌ قليل، وعن ابن عبّاس نحوه، وعن عائشة فيمَن تَرَكَ عيالاً كثيراً وتَرَكَ ثلاثة آلاف: ليس هذا بمالٍ كثير. وحاصله أنَّه أمر نِسبيٌّ يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، والله أعلم. (١) انظر ((التمهيد)) لابن عبد البر ١٤/ ٢٩١. ٤٩٧ باب ١ / ح ٢٧٣٨ كتاب الوصايا قوله: (﴿َجَنَفًا﴾: مَيلاً)) هو تفسير عطاء، رواه الطََّري (١٢٦/٢) عنه بإسنادٍ صحيح، ونحوه قول أبي عُبيدة في ((المجاز)): الجَنَف: العُدول عن الحقّ، وأخرج السُّدّي وغيره أنَّ الجَنَف: الخطأ والإثم العَمْد. قوله: ((مُتَجَانِفُ: مُتَمايِل)) كذا للأكثر، ولأبي ذرّ: ((مائل)»، قال أبو عُبيدة في ((المجاز)): قوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لَإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] أي: غير متعوِّج مائل للإثم، ونَقَلَ الطََّري (٨٦/٦) عن ابن عبّاس وغيره أنَّ معناه: غير مُتَعمِّد لإثمٍ. ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب أربعة أحاديث: أحدها: حديثُ ابن عمر من وجهين: ٢٧٣٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمَرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((ما حقُّ امِرِئٍ مُسلِمٍ له شيءٌ يُوصِي فيه يَبِيتُ ليلتَينِ، إلا ووَصِيَّتُهُ مَكْتُوبةٌ عندَه)). تَابَعَه محمَّدُ بنُ مُسلِمٍ، عن عَمْرٍو، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ يَّ. قوله: ((ما حقُّ امْرِئٍ مسلم)) كذا في أكثر الرِّوايات، وسَقَطَ لفظ ((مسلم)) من رواية أحمد (٥٩٣٠) عن إسحاق بن عيسى عن مالك، والوَصْف بالمسلمِ خَرج تَخَرَج الغالب، فلا مفهوم له، أو ذُكِرَ للتَّهييج لتَقَع المبادرة لامتثاله لمَا يُشعِر به من نَفْي الإسلام عن تارك ذلك، ووصيّة الكافر جائزة في الجملة، وحَكَى ابن المنذر فيه الإجماع، وقد بَحَثَ فيه السُّبْكي من جِهَة أنَّ الوصيّة شُرِعَت زيادةً في العمل الصَّالِح، والكافر لا عملَ له بعد الموت، وأجاب بأنَّهِم نَظَروا إلى أنَّ الوصيّة كالإعتاق، وهو يَصِحّ من الذِّمّي والحربي، والله أعلم. قوله: ((شيء يُوصي فيه)) قال ابن عبد البَرّ: لم يختلف الرُّواة عن مالك في هذا اللَّفظ، ورواه أيوب عن نافع بلفظ: ((له شيء يريد أن يُوصِيَ فيه))، ورواه عُبيد الله بن عمر عن نافع مثل أيوب أخرجهما مسلم (١٦٢٧/ ١ و٢ و٣)، ورواه أحمد (٤٥٧٨) عن سفيان عن ٤٩٨ باب ١ / ح ٢٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري أيوب بلفظ: ((حقّ على كلّ مسلم أن لا يَبيتَ ليلَتين وله ما يُوصي فيه)) الحديث(١). ورواه الشّافعي(٢) عن سفيان بلفظ: ((ما حقّ امرئٍ يُؤمِن بالوصيّة)) الحديث، قال ابن عبد البَرّ: فسَّرَه ابن عُيَينةً، أي: يُؤمِن بأنَّها حقّ، انتهى. وأخرجه أبو عَوَانة (٥٧٣٩) من طريق هشام بن الغازِ، عن نافع بلفظ: ((لا ينبغي لمسلمٍ أن يَبيت ليلَتين)) الحديث، وذكره ابن عبد البَرِّ (٢٩١/١٤) عن سليمان بن موسى عن نافع مثله، وأخرجه الطبراني(٣) من طريق الحسن عن ابن عمر مثله، وأخرجه الإسماعيلي من طريق رَوح بن عُبادةَ عن مالك وابن عَوْن جميعاً عن نافع بلفظ: ((ما حقٌّ امرِئٍ مسلم له مال يريد أن يُوصِيَ فيه)»، وذكره ابن عبد البَرِّ (٢٩١/١٤) من طريق ابن عَوْن بلفظ: ((لا يَحِلّ لامرِئٍ مسلم له مال)»، وأخرجه الطَّحَاوي أيضاً(٤)، وقد أخرجه النَّسائي (٣٦١٧) من هذا الوجه ولم يَسُق لفظه(٥)، قال أبو عُمر (٦): لم يُتابع ابن عَوْن على هذه اللَّفْظَة. قلت: إن عَنى: عن نافع بلفظها فمسلَّم، ولكنَّ المعنى يُمكِن أن يكون مُتَّحِداً كما سيأتي، وإن عَنى: عن ابن عمر فمردودٌ لما سيأتي قريباً ذِكْرُ مَن رواه عن ابن عمر أيضاً بهذا اللَّفظ. قال ابن عبد البَرّ: قوله: ((له مال)) أَوْلى عندي من قول مَن روى: ((له شيء))؛ لأنَّ الشيء يُطلَق على القليل والكثير بخلاف المال، كذا قال، وهي دعوى لا دليل عليها، وعلى تسليمها فروايةُ ((شيء)) أشمَلُ؛ لأنَّها تَعُمّ ما يُتْمَوَّل وما لا يُتْمَوَّل كالمختَصّاتِ، والله أعلم. (١) الرواية عند أحمد موقوفة، وأخرجه الترمذي (٢١١٨) من طريق سفيان بن عيينة مرفوعاً، وقال: حديث حسن صحيح. (٢) في ((السنن المأثورة)) له برقم (٤٩٢). (٣) لم نقف على هذه الطريق في المطبوع من مصنفاته ولا عند غيره فيما بين أيدينا من المصادر. (٤) في ((شرح المشكل)) (٣٦٢٧). (٥) رواية النسائي موقوفة. (٦) أي: ابن عبد البر، انظر ((التمهيد)) (١٤ /٢٩١). ٤٩٩ باب ١ / ح ٢٧٣٨ كتاب الوصايا قوله: ((يَبيت)» كأنَّ فيه حذفاً تقديره: أن يَبيت، وهو كقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَئِهِ، يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]. ويجوز أن يكون ((يَبيت)) صِفة لمسلمٍ، وبه جَزَمَ الطِّيبِيّ قال: هي صِفة ثانية، وقوله: ((يُوصي فيه)) صِفة شيء، ومفعول ((يَبيت)) محذوف تقديره: آمِناً أو ذاكراً، وقال ابن التِّين: تقديره: مَوْعوكاً، والأوَّل أوْلى؛ لأنَّ استحباب الوصيّة لا يختصّ بالمريض. نعم قال العلماء: لا يُندَب أن يَكتُب جميع الأشياء المحقَّرة، ولا ما جَرَت/ العادة ٣٥٨/٥ بالخروجِ منه والوَفاء له عن قُرب، والله أعلم. قوله: ((ليلتَينِ)) كذا لأكثر الرُّواة، ولأبي عَوَانة (٥٧٤٥) والبيهقي (٢٧٢/٦) من طريق حمّاد بن زيد عن أيوب: (يَبيت ليلةً أو ليلَتين))، ولمسلمٍ (١٦٢٧ / ٤) والنَّسائي (٣٦١٨) من طريق الزُّهري، عن سالم، عن أبيه: (يَبيت ثلاث لَيَالٍ))، وكأنَّ ذِكر اللَّيلَتين والثلاث لرفعٍ الخَرَجِ لتَزاحُمِ أشغال المرء التي يحتاج إلى ذِكْرِها، ففُسِحَ له هذا القَدْر ليتَذَكَّر ما يحتاج إليه، واختلاف الرّوايات فيه دالٌّ على أنَّه للتَّقريبِ لا للتَّحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلاً إلَّا ووَصيته مَكتوبة، وفيه إشارة إلى اغتِفار الَّمَن اليَسير، وكأنَّ الثلاث غايةٌ للتّأخير، ولذلك قال ابن عمر في رواية سالم المذكورة: ((لم أَبِتْ ليلةً مُنذُ سمعت رسول الله وَ﴾ يقول ذلك، إلَّ ووَصيتي عندي)). قال الطِّيبِي: في تخصيص اللَّيلَتين والثلاث بالذِّكرِ تَسامُح في إرادة المبالَغَة، أي: لا ينبغي أن يَبيت زماناً ما، وقد سامحناه في اللَّيلَتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يَتَجاوز ذلك. قوله: (تابَعَه محمد بن مسلم)) هو الطائفي، ((عن عَمْرو)) هو ابن دينار، ((عن ابن عُمر)) يعني: في أصل الحديث، ورواية محمد بن مسلم هذه أخرجها الدّارَ قُطني في ((الأفراد)) من طريقه وقال: تفرَّد به ◌ِمرانُ بن أَبان - يعني: الواسطي - عن محمد بن مسلم، وعِمران أخرج له النَّسائي وضَعَّفَه، قال ابن عدي: له غرائب عن محمد بن مسلم ولا أعلم به بأساً، ولفظه عند الدّارَقُطني: ((لا يَحِلّ لمسلم أن يَبيت ليلَتين إلَّا ووصيَّتُهُ مَكتوبةٌ عنده)). واستُدِلَّ بهذا الحديث مع ظاهر الآية على وجوب الوصيّة، وبه قال الزُّهري وأبو مِجْلَز وعطاء وطلحة بن مُصَرِّف في آخرينَ، وحَكاه البيهقي عن الشّافعي في القديم، وبه قال ٥٠٠ باب ١ / ح ٢٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري إسحاق وداود، واختارَه أبو عَوَانة الإسفراييني وابن جَرِير وآخرونَ، ونَسَبَ ابن عبد البَرِّ القول بعَدَمِ الوجوب إلى الإجماع سوى مَن شَذَّ، كذا قال، واستَدَلَّ لعَدَم الوجوب من حيثُ المعنى؛ لأنَّه لو لم يُوصِ لَقُسِمَ جميع ماله بين ورَثَته بالإجماع، فلو كانت الوصيّة واجبة لَأُخرجَ من ماله سهم يَنُوب عن الوصيّة، وأجابوا عن الآية بأنَّها منسوخة كما قال ابن عبّاس على ما سيأتي بعد أربعة أبواب (٢٧٤٧): ((كان المال للوَلَد، وكانت الوصيّة للوالدين، فَنَسَخَ الله من ذلك ما أحَبَّ، فجَعَلَ لكلِّ واحد من الأبَوَينِ السُّدُس)) الحديث. وأجابَ مَن قال بالوجوب: بأنَّ الذي نُسِخَ الوصيّة للوالدَينِ والأقارب الذين يَرِثون، وأمَّا الذي لا يَرِث فليس في الآية ولا في تفسير ابن عبّاس ما يقتضي النَّسخ في حقّه. وأجابَ مَن قال بعَدَمِ الوجوب عن الحديث: بأنَّ قوله: ((ما حقُّ امِرِئٍ)) بأنَّ المراد الحَزْم والاحتياط، لأنَّه قد يَفجَؤُه الموت وهو على غير وصية، ولا ينبغي للمؤمنِ أن يَغفُلَ عن ذكر الموت والاستعداد له، وهذا عن الشّافعي، وقال غيره: الحقّ لُغَةً: الشيء الثابت، ويُطلَق شَرعاً على ما ثبت به الحُكم، والحكم الثابت أعمّ من أن يكون واجباً أو مندوباً، وقد يُطلَق على المباح أيضاً لكن بقِلَّةٍ، قاله القُرطُبي، قال: فإن اقتَرَنَ به ((على)) أو نحوها كان ظاهراً في الوجوب، وإلّا فهو على الاحتمال، وعلى هذا التَّقَدير فلا حُجَّة في هذا الحديث لمن قال بالوجوب، بل اقتَرَنَ هذا الحقّ بما يدلّ على النَّدْب، وهو تَفويض الوصيّة إلى إرادة الموصِي حيثُ قال: ((له شيء يريد أن يُوصِيَ فيه))، فلو كانت واجبة لما عَلَّقَها بإرادتِهِ، وأمَّا الجواب عن الرِّواية التي بلفظ: ((لا يَحِلّ)) فلاحتمال أن يكون راويها ذَكَرها وأراد بنَفْي الِحِلّ ثبوتَ الجواز بالمعنى الأعمّ الذي يَدخُل تحته الواجب والمندوب والمباح. واختلفَ القائلون بوجوب الوصيّة، فأكثرهم ذهب إلى وجوبها في الجملة، وعن طاووسٍ وقَتَادة والحسن وجابر بن زيد في آخرينَ: تَجب للقَرابة الذين لا يَرِثون خاصَّة، أخرجه ابن جَرِير وغيره عنهم، قالوا: فإن أوصى لغير قَرابَته لم تُنفَّذ، ويُرَدُّ الثُّلث كلّه إلى قَرابَته، وهذا قول طاووسٍ، وقال الحسن وجابر بن زيد: ثُلُثا الثُّلث، وقال قَتَادة: ثُلُث