النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
كتاب الشروط
قوله: ((فقال: إنّ تَرَكْت كَعب بن لُؤَيّ وعامِر بن لُؤَيّ) إِنَّمَا اقْتَصَرَ على ذِكر هذينٍ لِكَونِ
قُرَيش الذين كانوا بمَكَّة أجمَعَ تَرجِع أنسابهم إليهما، وبَقيَ من قُرَيش بنو سامة بن لُؤَيّ وبنو
عوف بن لُؤَيّ، ولم يكن بمَكَّة منهم أحد، وكذلك قُرَيش الظَّواهر الذين منهم بنو تَّيْم بن
غالب ومحارِب بن فِهْر. قال هشام بن الكلبي: بنو عامر بن لُؤَيّ وكعب بن لُؤَيّ هما الصَّريحان
لا شكَّ فيهما، بخلاف سامة وعوف، أي: ففيهما الخُلْف. قال: وهم قُرَيش البِطاح، أي:
بخلاف قُرَيش الظَّواهر. وقد وقع في رواية أبي المَليح: ((وجمعوا لك الأحابيش))(١) بحاءٍ
مُهمَلة وموخَّدة ثمَّ شين مُعجَمة، وهو مأخوذ من التَّحَبُّش: وهو التَّجَمُّع.
قوله: ((نزلوا أَعْداد مياه الحُدَيبية)) الأعداد بالفتح: جمع عِدّ بالكسر والتَّشديد، وهو الماء
الذي لا انقِطاع له، وغَفَلَ الدَّاوُودي فقال: هو موضع بمَكَّة، وقول بُدَيل هذا يُشعِر بأنَّه
كان بالحُدَيبية مياه كثيرة، وأنَّ قُرَيشاً سبقوا إلى التُّزول عليها، فلهذا عَطِشَ المسلمون حيثُ
نزلوا على الثَّمَد المذكور.
قوله: ((ومعهم العُوذ المَطافِيل)) العُوذ - بضمِّ المهمَلة وسكون الواو بعدها مُعجَمة -
جمع عائذ وهي الناقة ذات اللَّبَن، والمطافيل: الأُمَّهات اللّاتي معها أطفالها، يريد أنَّهم
خَرَجوا معهم بذواتِ الألبان من الإبل ليتَزَوَّدوا بألبانها ولا يَرجِعوا حتَّى يَمنَعوه، أو كَنّى
بذلك عن النِّساء معهنَّ الأطفال، والمراد أنَّهم خَرَجوا معهم بنسائهم وأولادهم لإرادة
طول المُقام، وليكون أَدْعى إلى عَدَم الفِرار، ويحتمل إرادة المعنى الأعمّ، قال ابن فارس:
كلّ أُنثى إذا وضَعَت فهي إلى سبعة أيام عائذ، والجمع عُوذٌ، كأنَّها سُمّيت بذلك؛ لأنَّها
تَعُوذ ولدَها وتَلزم الشُّغل به.
وقال السُّهَيلي: سُمّيت بذلك وإن كان الوَلَد هو الذي يَعُوذ بها، لأنَّهَا تَعطِف عليه
بالشَّفَقة والحُنوّ، كما قالوا: تجارة رابحة، وإن كانت مربو حاً فيها.
(١) أبو المليح: هو عامر، ويقال: زيد بن أسامة بن عُمير الهذلي، لم نقف على روايته فيما بين أيدينا من المصادر،
وروايته هذه هي أيضاً رواية سفيان ومعمر عن الزهري الآتية في المغازي (٤١٧٨ و٤١٧٩).

٤٦٢
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
ووقع عند ابن سعد (٩٥/٢-٩٨): ((معهم العُوذ المطافيل والنِّساء والصِّبيان)).
قوله: (شَهِكَتْهُم)) بفتح أوَّله وكسر الهاء، أي: أبلَغَت فيهم حتَّى أضعَفَتْهُم، إمَّا أضعَفَت
قوَّتهم، وإمَّا أضعَفَت أموالهم.
قوله: ((مادَدْتُهم)) أي: جَعَلت بيني وبينهم مُدَّة يُتَرَك الحرب بيننا وبينهم فيها.
قوله: ((ويُخُلُّوا بيني وبين النّاس)) أي: من كُفّار العرب وغيرهم.
قوله: ((فإن أَظْهَرْ، فإنْ شاؤوا)) هو شرط بعد الشَّرط، والتَّقدير: فإن ظَهَرَ غيرُهم عليّ
كَفاهم المُؤْنة، وإن أظهَر أنا على غيرهم فإن شاؤوا أطاعوني، وإلا فلا تَنْقَضي مُدَّة الصُّلح
إلَّا وقد جَمُّوا، أي: استَراحوا، وهو بفتح الجيم وتشديد الميم المضمومة، أي: قَوُوا. ووقع
في رواية ابن إسحاق: ((وإن لم يَفعَلوا قاتَلوا وبهم قوَّة))، وإنَّما رَدَّدَ الأمر مع أنَّه جازم بأنَّ
الله تعالى سَيَنصُرُه ويُظهِرُه لوَعِدِ الله تعالى له بذلك، على طريق التنُّل مع الخصم وفَرْض
الأمر على ما زَعَمَ الخصم، ولهذه النُّكتة حَذَفَ القِسم الأوَّل: وهو التصريح بظُهورِ غيره
عليه، لكن وقع التصريح به في رواية ابن إسحاق ولفظُه: ((فإن أصابوني كان الذي
أرادوا)»، ولابن عائذ من وَجهٍ آخرَ عن الزُّهري: «فإن ظَهَرَ الناس عليَّ فذلك الذي يَبتَغون»،
فالظَّاهر أنَّ الحذف وقع من بعض الرُّواة تأُّباً.
قوله: ((حتَّى تَنْفَرِد سالِفَتي)) السَّالفة - بالمهمَلة وكسر اللّام بعدها فاء -: صَفْحة
العُنُق، وكَنّى بذلك عن القتل؛ لأنَّ القتيل تَنَفَرِد مُقدِّمة عُنُقُه. وقال الدَّاوُودي: المراد
الموت، أي: حتَّى أموت وأبقى مُنْفَرِداً في قبري. ويحتمل أن يكون أراد أنَّه يُقاتِل حتَّى يَنفَرِدَ
وحدَه في مُقَاتَلَتهم.
٣٣٩/٥
وقال ابن المنيِر: لعلَّه وَلِّ نَبَّهَ بالأدنى على الأعلى، / أي: إنَّ لي من القوّة بالله والحَوْل به
ما يقتضى أن أُقاتِل عن دينه لو انفَرَدتُ، فكيف لا أُقاتِل عن دينه مع وجود المسلمين
وگثرتهم ونَفَاذ بصائرهم في نَصْر دين الله تعالی!
قوله: ((ولَيُّتِذَنَّ)) بضمِّ أوَّله وكسر الفاء، أي: لَيُمضيَنَّ ((اللهُ أمرَه)» في نَصْرِ دِينِهِ. وحَسُنَ

٤٦٣
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
كتاب الشروط
الإتيانُ بهذا الجزم - بعد ذلك التَّردُّد - للتَّنبيه على أنَّه لم يُورِده إلَّا على سبيل الفَرْض. وفي
هذا الفصل النَّدْب إلى صِلة الرَّحِم، والإبقاء على مَن كان من أهلها، وبَذْل النَّصيحة
للقَرابة، وما كان عليه النبي ◌َ ◌ّهِ من القوَّة والثَّبات في تنفيذ حُكم الله وتبليغ أمره.
قوله: ((فقال بُدَيل: سأُبلِّغُهم ما تقول)) أي: فأذِنَ له.
قوله: ((فقال سُفَهَاؤُهم)) سمّى الواقديُّ منهم عِكرمة بن أبي جهل والحكم بن أبي العاص.
قوله: ((فحدَّثهم بما قال)) زاد ابن إسحاق في روايته: فقال لهم بُدَيل: إنَّكُم تَعجلون على
محمد، إنَّه لم يأتِ لقتالٍ، إنَّما جاء مُعتَمِراً؛ فاتَّهَموه - أي: التَّهَموا بُدَيلاً، لأَنَّهم كانوا يَعرِفون
مَيْله إلى النبي ◌َّ - فقالوا: إن كان كما تقول فلا يَدخُلها علينا عَنْوَة.
قوله: ((فقام عُرْوة)) في رواية أبي الأسوَد عن عُرْوة عند الحاكم في ((الإكليل)) والبيهقي
في ((الدَّلائل)) (١٣٣/٤-١٣٥)، وذكر ذلك ابن إسحاق أيضاً من وجه آخر: «قالوا: لمَّا
نزلَ ﴿ بالحُدَيبية أحَبَّ أن يَبعَث رجلاً من أصحابه إلى قُرَيش يُعلِمهم بأنَّه إنَّما قَدِمَ
مُعتَمِراً، فدَعا عمر فاعتَذَرَ بأنَّه لا عَشيرة له بمَكَّة، فَدَعا عثمان فأرسَلَه بذلك، وأمَرَه أن
يُعلِمِ مَن بمَكَّة من المؤمنينَ بأنَّ الفَرَج قريب، فأعلمهم عثمان بذلك، فحَمَلَه أبان بن سعيد
ابن العاص على فَرَسه - فذكر القِصَّة - فقال المسلمونَ: هَنيئاً لعثمان، خَلُصَ إلى البيت
فطافَ به دوننا، فقال النبي ◌َّهِ: إِنَّ ظَنّي به أن لا يطوف حتَّى نَطوف معاً. فكان كذلك.
قال: ثمَّ جاء عُرْوة بن مسعود)) فذكر القِصَّة. وفي رواية ابن إسحاق أنَّ مَجَيء عُرْوة كان
قبل ذلك، وذكرها موسى بن عُقْبةَ في ((المغازي)) عن الزُّهري، وكذا أبو الأسوَد عن عُرْوة
قبل قِصَّة مَجَيء سُهَيل بن عَمْرو، فالله أعلم.
قوله: ((فقام عُرْوة بن مسعود)) أي: ابن مُعتِّب - بضمٍّ أوَّله وفتح المهمَلة وتشديد المثنَّاة
المكسورة بعدها موحَّدة - الثّقَفي، ووقع في رواية ابن إسحاق عند أحمد: عُرْوة بن عَمْرو
ابن مسعود (١)، والصواب الأوَّل، وهو الذي وقع في السِّيرة.
(١) بل هو عند أحمد (١٨٩١٠) في نسخنا على الصواب: عروة بن مسعود.

٤٦٤
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ألستُم بالوَلَدِ، وألستُ بالوالِدِ؟ قالوا: بَلَى)) كذا لأبي ذرٍّ، ولِغيره بالعكس:
((ألستُم بالوالدِ، وألستُ بالوَلَدِ؟)) وهو الصواب، وهو الذي في رواية أحمدَ (١٨٩٢٨)
وابنِ إسحاقَ وغيرهما، وزاد ابن إسحاق عن الزُّهري: أنَّ أُمّ عُرْوة هي سُبيعة بنت عبد
شمس بن عبد منافٍ، فأراد بقوله: ((ألستُم بالوالدِ؟)) أنَّكُم حَيّ قد وَلَدُوني في الجملة،
الكَونٍ أُمّي منكم. وجَرَى بعض الشُّاح على ما وقع في رواية أبي ذرِّ فقال: أراد بقوله:
((ألستُم بالولدِ؟)) أي: أنْتُم عندي في الشَّفَقة والنُّصح بمَنزِلة الولد، قال: ولعلَّه كان
يُخاطب بذلك قوماً هو أسَنّ منهم.
قوله: ((اسْتَنَفَرْتُ أهلَ عُكَاظ)) بضمِّ المهمَلة وتخفيف الكاف وآخره مُعجَمة، أي: دَعَوتهم
إلى نَصرِ كم.
قوله: ((فلمَّا بَلَّحوا)) بالموحَّدة وتشديد اللّام المفتوحتين ثمَّ مُهمَلة مَضمومة، أي:
امتَنَعوا، والتََّلَّحِ: التَّمَنُّع من الإجابة، وبَلَّحَ الغَريم: إذا امتَنَعَ من أداء ما عليه، زاد ابن
إسحاق: فقالوا: صَدَقتَ، ما أنتَ عندنا بمُتَّهَم.
قوله: (قد عَرَضَ عليكم)) في رواية الكُشْمِيهني: لكم ((خُطَّةَ رُشْد)) بضمِّ الخاء المعجمة
وتشديد المهمَلة، والرُّشد بضمِّ الراء وسكون المعجَمة وبفتحِهما، أي: خَصْلة خيرٍ وصلاحِ
وإنصافٍ، وبَيَّنَ ابن إسحاق في روايته: أنَّ سبب تقديم عُرْوة لهذا الكلام عند قُرَيش، ما
رآه من رَدّهم العنيف على مَن يجيءُ من عند المسلمين.
قوله: ((ودَعُوني آتِهِ)) بالمدّ، وهو مجزوم على جواب الأمر، وأصله: أثْتِهِ، أي: أَجيء إليه
((قالوا: اثْتِه)) بألفِ وصلٍ بعدها همزة ساكنة ثمَّ مُثنّاة مكسورة ثمَّ هاء ساكنة، ويجوز كسرها.
قوله: ((نحواً من قوله لبُدَيلٍ)) زاد ابن إسحاق: وأخبره أنَّه لم يأتِ يريد حرباً.
قوله: ((فقال عُرْوة عند ذلك)) أي: عند قوله: / لَأُقاتِلنَّهم.
٣٤٠/٥
قوله: ((اجْتَاحَ)) بجيمٍ ثمَّ مُهمَلة، أي: أهلَكَ أصلَه بالكُلِّية، وحَذَفَ الجَزاء من قوله: ((وإن
تَكُنِ الأُخرى)) تأذُّباً مع النبيِّ ◌َّهِ، والمعنى: وإن تَكُن الغَلَبَةُ لِقُرَيشٍ لا آمَنُهم عليك مثلاً.

٤٦٥
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
كتاب الشروط
وقوله: ((فإنّي والله لا أرى وُجوهاً ... )) إلى آخره، كالتَّعليلِ لهذا القَدْر المحذوف،
والحاصل أنَّ عُرْوة رَدَّدَ الأمر بين شيئَينٍ غير مُستَحسَنَينِ عادةً: وهو هلاكُ قومِه إن غَلَبَ،
وذهابُ أصحابه إن غُلِبَ، لكن كلٍّ من الأمرَينِ مُستَحسَن شَرعاً، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ
تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢].
قوله: ((أشْواباً)) بتقديم المعجَمة على الواو، كذا للأكثر، وعليها اقتَصَرَ صاحب ((المشارق))،
ووقع لأبي ذرِّ عن الكُشْمِيهني: ((أوشاباً) بتقديم الواو، والأَشْواب: الأَخلاط من أنواع
شَتَّى، والأَوْباش: الأخلاط من السَّفِلة، فالأَوْباش أخَصُّ من الأَشْواب.
قوله: ((خَليقا) بالخاء المعجمة والقاف، أي: حَقيقاً، وزناً ومعنَى، ويقال: خَلِيق للواحدِ
والجمع ولذلك وقع صِفةً لأَشْوابٍ.
قوله: (ويَدَعوك)) بفتح الدّال، أي: يَترُكوك، في رواية أبي المليح عن الزُّهري عند مَن
سمَّيتُه: ((وكأنّ بهم لو قد لَقيتُ قُرَيشاً قد أسلَموك فتُؤخَذ أسيراً، فأيّ شيء أشدّ عليك من
هذا؟))، وفيه أنَّ العادة جَرَت أنَّ الجيوش المجَمَّعة لا يُؤمَن عليها الفِرار بخلاف مَن كان
من قبيلة واحدة، فإنَّهم يأَنَفون الفِرار في العادة. وما دَرى عُرْوة أنَّ مَوَدَّة الإسلام أعظَمُ
من مَوَدَّة القَرابة، وقد ظَهَرَ له ذلك من مُبالَغَة المسلمين في تَعظيم النبيِّ ◌ُّټ كما سيأتي.
قوله: ((فقال له أبو بكر الصِّدّيق)) زاد ابن إسحاق(١): وأبو بكر الصِّدّيق خلفَ رسول الله
حَاجلة قاعد فقال.
قوله: ((امْصَصْ بَظَرَ اللّات)) زاد ابن عائذ من وجه آخر عن الزّهري: ((وهي - أي:
اللّت - طاغيته التي يَعبُد)) أي: طاغية عُرْوة. وقوله: ((امصَصْ)) بألفِ وصلٍ ومُهمَلتين
الأولى مفتوحة بصيغَة الأمر، وحَكَى ابن التِّين عن رواية القابِسِي ضَمّ الصَّاد الأولى
وخَطَّأها، والبَظْر - بفتح الموحّدة وسكون المعجَمة: قِطعة تبقى بعد الخِتان في فَرْج المرأة،
واللَّات: اسم أحد الأصنام التي كانت قُرَيش وثَقِيف يَعبُدونَها، وكانت عادة العرب
(١) هي عند أحمد في «مسنده)) (١٨٩١٠).

٤٦٦
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
الشَّتم بذلك، لكن بلفظ الأُمّ، فأراد أبو بكر المبالَغَة في سَبّ عُرْوة بإقامة مَن كان يَعْبُد مقام
أُمّه، وحَمَلَه على ذلك ما أغضَبَه به من نسبة المسلمين إلى الفِرار، وفيه جواز النُّطْق بما
يُستَبشَع من الألفاظ لإرادة زَجْر مَن بَدا منه ما يَستَحِقّ به ذلك.
وقال ابن المنيِّر: في قول أبي بكر تخسيسٌ للعدوِّ وتكذيبُهم، وتعريضٌ بإلزامهم من
قولهم: إنَّ اللّات بنتُ الله، تعالى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً، بأنَّها لو كانت بنتاً لكان لها ما
یکون للإناث.
قوله: «أَنحنُ نَفِرّ؟)) استفهام إنکار.
قوله: ((مَن ذا؟ قالوا: أبو بكر)) في رواية ابن إسحاق: فقال: مَن هذا يا محمد؟ قال: ((هذا
ابن أبي ◌ُحافة)).
قوله: «أما)» هو حرف استفتاح.
وقوله: ((والذي نفسي بيده)» يدلّ على أنَّ القَسَم بذلك كان عادةً للعَرَب.
قوله: (لولا يدٌ)) أي: نِعمة.
وقوله: ((لم أجْزِكَ بها)) أي: لم أُكافئك بها، زاد ابن إسحاق: ((ولكن هذه بها)) أي: جازاه
بِعَدَمِ إجابته عن شَتْمه بيدِه التي كان أحسنَ إليه بها، وبَيَّنَ [عبد الرحمن بن](١) عبد العزيز
الأُمَامي عن الزُّهري في هذا الحديث(٢): أنَّ اليد المذكورة أنَّ عُرْوة كان تَحمَّلَ بِدِيَةٍ فأعانَه
أبو بكر فيها بعَوْنٍ حَسَنٍ، وفي رواية الواقدي: عشر قَلائص.
قوله: ((قائم على رأس النبي ◌َّه بالسَّيفِ)) فيه جواز القيام على رأس الأمير بالسَّيفِ بقَصْدِ
الحِراسة ونحوها من ترهيب العدوّ، ولا يُعارِضه النَّهيُ عن القيام على رأس الجالس؛ لأنَّ
مَحَلّه ما إذا كان على وَجْه العَظَمة والکِبْر.
(١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س).
(٢) عند ابن أبي شيبة ١٤ / ٤٤٤-٤٥١.

٤٦٧
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
كتاب الشروط
قوله: ((فكلَّما تَكلَّمَ)) في رواية السَّرَخسي والكُشْمِيهني: «فكلّما كَلَّمَه أخَذَ بلِحِيَتِه)»، وفي
رواية ابن إسحاق: ((فَجَعَلَ يتناول لحية النبيِّ وَّل وهو يُكلِّمه)).
قوله: ((والمغيرة بن شُعْبة قائم)) في ((مَغازي عُرْوة بن الزُّبَير)) رواية أبي الأسوَد عنه: ((أنَّ ٣٤١/٥
المغيرة لمَّا رأى عُرْوة بن مسعود مُقبِلاً لَبِسَ لَأْمَتَه وجَعَلَ على رأسه المِغْفَر ليستخفيَ من
عُرْوة عَمِّه)).
قوله: ((بنَعْلِ السَّيف)) هو ما يكون أسفل القِراب من فِضَّة أو غيرها.
قوله: ((أخّرْ)) فعل أمر من التَّأخير، زاد ابن إسحاق في روايته: ((قبل أن لا تَصِل
إليك))، وزاد عُرْوة بن الزُّبَير: ((فإنَّه لا ينبغي لمشركٍ أن يَمَسَّه))، وفي رواية ابن إسحاق:
((فيقول عُرْوة: وَيُحَكَ ما أفَظَّك وأغلَظَك))، وكانت عادة العرب أن يتناول الرجل لحية
مَن يُكلِّمه ولا سيّما عند الملاطفة وفي الغالب إنَّما يصنع ذلك النَّظيرُ بالنَّظير، لكن كان
النبي ◌َّه يُغْضِي لعُرْوةَ عن ذلك استمالةً له وتأليفاً، والمغيرة يَمنَعه إجلالاً للنبي ◌ِيه
وتعظيماً.
قوله: ((فقال: مَن هذا؟ قالوا: المغيرة)) وفي رواية أبي الأسوَد عن عُرْوة: ((فلمَّا أكثرَ
المغيرة ممّا يَقرَع يَده غَضِبَ وقال: لَيتَ شِعري مَن هذا الذي قد آذاني من بين
أصحابك؟ والله لا أحسَب فيكُم أَلاَّم منه ولا أشرَّ مَنزِلةً))، وفي رواية ابن إسحاق: ((فَتَسَّمَ
رسول الله وَّه، فقال له عُرْوة: مَن هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شُعْبة)»،
وكذا أخرجه ابن أبي شَيْبة(١) من حديث المغيرة بن شُعْبة نفسه بإسنادٍ صحيح، وأخرجه
ابن حِيَّان (٤٥٨٣).
قوله: ((أَيْ غُدَرُ)) بالمعجَمة بوزن عُمَر، مَعْدولٌ عن غادرٍ مُبالَغةً في وَصْفه بالغَدْرِ.
قوله: ((ألستُ أَسْعى في غَدْرَتِك؟)) أي: ألستُ أَسْعى في دَفْع شرِّ غَدرَتك؟ وفي («مغازي
(١) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنفه))، وأخرجه أحمد في «مسنده)) (١٨٩١٠) من طريق ابن إسحاق عن
الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.

٤٦٨
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
عُرْوة)): والله ما غَسَلتُ يَدَيَّ من غَدَرَتك، لقد أورَثتَنا العداوةَ في ثقيف، وفي رواية ابن
إسحاق(١): وهل غَسَلتُ سَوْأَتَك إلَّا بالأمسِ؟
قال ابن هشام في ((السّيرة)): أشار عُرْوة بهذا إلى ما وقع للمغيرة قبل إسلامه، وذلك
أنَّه خَرَج مع ثلاثةَ عشرَ نَفَراً من ثَقيف من بني مالك، فغَدَرَ بهم وقَتَلهم وأخَذَ أموالهم،
فَتَهايَجَ الفريقان: بنو مالك والأحلاف رَهْط المغيرة، فسَعى عُرْوة بن مسعود عَمّ المغيرة
حتَّى أخَذوا منه دِيَّةَ ثلاثةَ عشرَ نَفْساً واصطَلَحوا. وفي القِصَّة طُول. وقد ساق ابن الكلبي
والواقدي القِصَّة، وحاصلُها: أنَّهم كانوا خَرَجوا زائرينَ المُقَوقِس بمِصرَ فأحسنَ إليهم
وأعطاهم وقَصَّرَ بالمغيرة فحَصَلَت له الغَيْرةُ منهم، فلمَّا كانوا بالطَّريق شَرِبوا الخمر، فلمَّا
سَكِروا وناموا وَثَبَ المغيرة عليهم فقَتَلهم ولَحِقَ بالمدينة فأسلَمَ.
قوله: ((أمَّا الإسلام فَأَقبَلُ» بلفظ المتكلِّم، أي: أقبَلُه.
قوله: ((وأمَّا المال فلستُ منه في شيء)) أي: لا أتعرَّض له، لكَونِهِ أَخَذَه غَدْراً.
ويُستَفاد منه أنَّه لا يَحِلّ أخذُ أموال الكُفّار في حال الأَمْن ◌َدراً؛ لأنَّ الرُّفْقة يُصطَحَبون
على الأمانة، والأمانة تُؤَدّى إلى أهلها مسلماً كان أو كافراً، وأنَّ أموال الكُفّار إنَّما تَحِلّ
بالمُحارَبة والمُغالَبة، ولعلَّ النبيَّ ◌َّرَ تَرَكَ المال في يده لإمكان أن يُسلِم قومُه فيردَّ إليهم
أموالهم، ويُستَفاد من القِصَّة أنَّ الحربي إذا أتَلَفَ مال الحربي لم يكن عليه ضَمان، وهذا أحد
الوجهَينِ للشّافعية.
قوله: ((فجَعَلَ يَرْمُق)) بضمِّ الميم، أي: يَلحَظ.
قوله: ((فذَلَكَ بها وجهَه وجِلْده)) زاد ابن إسحاق: ولا يَسقُط من شَعره شيء إلَّا أخَذوه.
وقوله: ((وما يُحِدُّون)) بضَمِّ أوَّله وكسر المهمَلة، أي: يُديمونَ.
وفيه طهارة النُّخامة والشَّعر المنفَصِل، والتَّبرُّك بفَضَلاتِ الصَّالِحِينَ الطاهرة(٣)، ولعلَّ
(١) عند أحمد في «مسنده)) (١٨٩١٠).
(٢) سبق مراراً التنويه بأنَّ ذلك خاصٌّ بالنبي وَّ ولا يتعدَّى إلى غيره إلا بدليل صحيح، ولا دليلَ على ذلك.

٤٦٩
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
كتاب الشروط
الصحابة فعلوا ذلك بحَضْرَة عُرْوة وبالَغوا في ذلك إشارةً منهم إلى الرَّدّ على ما خَشِيَه من
فِرارهم، وكأنَّهم قالوا بلسان الحال: مَن يُحِبّ إمامَه هذه المحَبَّة ويُعَظِّمه هذا التَّعظيم،
كيف يُظَنّ به أنَّه يَفِرّ عنه ويُسْلِمِه لعدوِّه؟ بل هم أشدّ اغتِباطاً به وبدِينِه وبنَصْره من
القبائل التي يُراعي بعضها بعضاً بمُجرَّدِ الرَّحِم، فيُستَفاد منه جواز التَّوَصُّل إلى المقصود
بكلِّ طریق سائغ.
قوله: ((ووَفَدْت على قَيصَر)) هو من الخاصّ بعد العامّ، وذكر الثلاثة لكونهم كانوا أعظَم
مُلوك ذلك الزّمان. وفي مُرسَل عليّ بن زيد عند ابن أبي شَيْبة: فقال عُرْوة: أيْ قوم، إنّي قد
رأيت الملوك، ما رأيت مِثل محمد، وما هو بمَلِكِ، ولكن رأيت الهَدْي مَعْكوفاً، وما أُراكُم
إِلَّا ستُصيبُكُم قارعةٌ، فانصَرَفَ هو ومَنِ اتَّبَعَه إلى الطائف(١).
وفي قِصَّة عُزْوة بن مسعود من الفوائد ما يدلّ على جودة عقله ويَقَظَتِه، وما كان علیه ٣٤٢/٥
الصحابة من المبالَغَة في تَعظيم النبيِّ وَّه وَتَوْقيره ومُراعاةٍ أُموره، ورَدْع مَن جَفا عليه بقولٍ
أو فعل، والتَّرُّك بآثاره.
قوله: ((فقال رجل من بني كِنانة)) في رواية الأمامي(٢): ((فقام الحُلَيس)) بمُهمَلتين
مُصغَّر، وسَمّى ابن إسحاق والزُّبَير بن بَكّار أباه عَلقَمة، وهو من بني الحارث بن عبد مَناة
ابن كِنانة، وكان من رُؤوس الأحابيش: وهم بنو الحارث بن عبد مناة بن كِنانة، وبنو
المصطَلِقِ بن خُزاعة، والقارَة وهم بنو الهُون بن خُزيمةَ. وفي رواية الزُّبَير بن بَكّار: أَبى الله
أن تَحُجّ لَخْم وجُذَام وكِنْدة وِيَرَ، ويُمنَع ابن عبد المطَّلِب.
قوله: ((فابْعَثوها له)) أي: أثيروها دفعةً واحدة، وزاد ابن إسحاق(٣): فلمَّا رأى الهَدْيَ
يَسيل عليه من عُرْض الوادي بقَلائِدِه قد حُبِسَ عن مَحِلّه، رَجَعَ ولم يَصِل إلى
(١) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنفه))، وأخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (١٥٨٩).
(٢) عند ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٤٤-٤٥١.
(٣) وهي عند أحمد في ((مسنده)) (١٨٩١٠).

٤٧٠
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
رسول الله وَّ، لكن في ((مَغازي عُرْوة)) عند الحاكم: فصاح الُلَيس فقال: هَلَكَت
قُرَيش وربّ الكعبة، إنَّ القوم إنَّما أتوا عُمَّاراً، فقال النبي ◌َّ: «أجَلْ يا أخا بني كِنانة،
فأعلِمْهم بذلك))، فيحتمل أن يكون خاطَبَه على بُعْد.
قوله: ((فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت)) زاد ابن إسحاق: وغَضِبَ وقال: يا مَعشَر قُرَيش،
ما على هذا عاقَدناكُم، أيُصَدُّ عن بيت الله مَن جاء مُعَظِّماً له؟ فقالوا: كُفَّ عَنّا يا حُلَيس
حتَّى نأخُذ لأَنفُسِنا ما نَرضى.
وفي هذه القِصَّة جواز المُخادَعَة في الحرب وإظهار إرادة الشيء والمقصود غيره (١).
وفيه أنَّ كثيراً من المشركينَ كانوا يُعَظِّمون حُرُمات الإحرام والحَرَم، ويُنكِرِون على مَن
يَصُدّ عن ذلك تَمَسُّكاً منهم ببقايا من دين إبراهيم عليه السَّلام.
قوله: ((فقام رجل منهم يقال له: مِكْرَز)) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء بعدها
زاي، ابن حَقْص، زاد ابن إسحاق: ((ابن الأخيَف)) وهو بالمعجَمة ثمَّ تحتانية ثمَّ الفاء، وهو
من بني عامر بن لُؤَيّ. ووقع بخَطِّ ابن عَبْدة النَّسّابة بفتح الميم، وبخَطِّ يوسف بن خَليل
الحافظ بضمِّها وكسر الراء، والأوَّل المعتَمَد.
قوله: ((وهو رجل فاجر)) في رواية ابن إسحاق: ((غادر)) وهو أرجَح، فإنّ مازِلت
مُتَعجِّباً من وَصْفه بالفُجورِ مع أنَّه لم يقع منه في قِصَّة الْحُدَيبية فُجور ظاهر، بل فيها ما
يُشعِر بخلاف ذلك كما سيأتي من كلامه في قِصَّة أبي جَندَل، إلى أن رأيت في مَغازي
الواقدَيّ في غَزْوة بدر: أنَّ عُتبة بن ربيعة قال لقُرَيشٍ: ((كيف نَخرُج من مَكَّة وبنو كِنانة
خَلفنا لا نأمَنُهم على ذَرارينا؟ قال: وذلك أنَّ حفص بن الأخیف، يعني: والدمِكْرَز كان
له ولد وَضيء، فَقَتَلَه رجل من بني بكر بن عبد مَناة بن كِنانة بدَمٍ له كان في قُرَیش،
فَتَكَلَّمَتِ قُرَيش في ذلك، ثمَّ اصطَلَحوا، فعَدا مِكْرَز بن حفص بعد ذلك على عامر بن
يزيد سيِّد بني بكر غِرَّة فقَتَلَه، فنَفَرَت من ذلك كِنانة، فجاءت وقعة بدر في أثناء ذلك،
(١) في أخذ هذا من الحديث بُعْد، بل هو خطأ، فإن النبي وَّ قد بيَّن لمن جاؤوه وصرح لهم بأنه ما جاء
لحرب ولا لقتال، بل جاء هو وأصحابه معتمرین.

٤٧١
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
كتاب الشروط
وكان مِكرَز معروفاً بالغَدْرِ))، وذكر الواقدي أيضاً: أنَّه أراد أن يُبيِّت المسلمين بالحُدَيبية،
فخَرَجَ في خمسينَ رجلاً فأخَذَهم محمد بن مَسَلَمة وهو على الحَرَس وانفَلَتَ منهم مِكرَز، فكأنَّه
وَ ل أشار إلى ذلك.
قوله: ((إذ جاء سُهَيل بن عَمْرو)) في رواية ابن إسحاق: فدَعَت قُرَيش سُهَيل بن عَمْرو
فقالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه، قال: فقال النبي وَ له: ((قد أرادت قُرَيش الصُّلح
حین بَعَثَت هذا».
قوله: ((قال مَعمَر: فأخبَرَني أيوب عن عِكْرِمة: أنَّه لَمّا جاء سُهَيل ... )) إلى آخره، هذا
موصول إلى مَعمَر بالإسناد المذكور أوَّلاً، وهو مُرسَل، ولم أقف على مَن وَصَلَه بذِكرِ ابن
عبَّاس فيه، لكن له شاهد موصول عند ابن أبي شَيْبة (١٤/ ٤٤٠-٤٤١) من حديث سَلَمة
ابن الأكوَع قال: بَعَثَت قُرَيش سُهَيل بن عَمْرو وحُوَيطِب بن عبد العُزّى إلى النبي ◌َِّـ
ليُصالحوه، فلمَّا رأى النبي ◌َ ◌ّسُهَيلاً قال: ((قد سَهُلَ لكم من أمرِكُم)»، وللطَّبَراني(١) نحوه
من حديث عبد الله بن السَّائب.
قوله: ((قال مَعمَر: قال الزُّهْري)» هو موصول بالإسناد الأوَّل إلى مَعمَر، وهو بَقيَّة
الحديث، وإنَّما اعتَرَضَ حديث عِكرِمة في أثنائه.
قوله: ((فقال: هاتِ اكْتُب بيننا وبينكُم كتاباً)) في رواية ابن/ إسحاق(٢): فلما انتهى إلى ٣٤٣/٥
النبي ◌َّه جَرى بينهما القول حتَّى وقع بينهما الصُّلح على أن تُوضَع الحرب بينهما عشر
سِنينَ، وأن يأمَن الناس بعضهم بعضاً، وأن يَرجِع عنهم عامَهم هذا.
تنبيه: هذا القَدْر الذي ذكره ابن إسحاق أنَّه مُدَّة الصُّلح هو المعتَمَد، وبه جَزَمَ ابن
سعد، وأخرجه الحاکم من حديث عليّ نفسه. ووقع في «مغازي) ابن عائذ في حديث ابن
عَبَّاس وغيره: أنَّه كان سنّتَين، وكذا وقع عند موسى بن عُقْبةَ، ويُجمَع بينهما بأنَّ الذي قاله
(١) لم نقف عليه في المطبوع من مصنفاته من حديث ابن السائب ولا عند غيره فيما بين أيدينا من المصادر.
(٢) في ((الدلائل)) للبيهقي ٤ /١٤٥.

٤٧٢
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
ابن إسحاق هي المدَّة التي وقع الصُّلح عليها، والذي ذكره ابن عائذ وغيره هي المدَّة التي
انتهى أمر الصُّلح فيها حتَّى وقع نَقْضُه على يد قُرَيش كما سيأتي بيانه في غَزْوة الفتح من
المغازي. وأمَّا ما وقع في ((كامل)) ابن عَدي (١٨٧١/٥)، و («مُستَدرَك)) الحاكم (٦٠/٢) و
((الأوسَط)) للطَّبَراني (٧٩٣٥) من حديث ابن عمر: أنَّ مُدَّة الصُّلح كانت أربع سِنِينَ، فهو
مع ضَعف إسناده مُنكَر مُخالف للصَّحيح.
وقد اختلفَ العلماء في المدَّة التي تجوز المُهادنة فيها مع المشركينَ: فقيل: لا تُجاوِز عشر
سِنِينَ على ما في هذا الحديث، وهو قول الشّافعي والجمهور. وقيل: تجوز الزيادة، وقيل: لا
تُّجاوِز أربع ◌ِنينَ، وقيل: ثلاثاً، وقيل: سنتين، والأوَّل هو الرَّاجح، والله أعلم.
قوله: ((فَدَعَا النبيُّ ◌َلِّ الكاتِب)) هو عليٌّ، بَيِّنَه إسحاق بن راهويه في («مسنده)) من هذا
الوجه عن الزُّهري، وكذا مضى في الصُّلح (٢٦٩٨) من حديث البراء بن عازب، وكذلك
أخرجه عمر بن شَبَّة من حديث سَلَمة بن الأكوع فيما يتعلَّق بهذا الفصل من هذه القِصَّة.
وسيأتي الكلام عليه مُستَوفَّى في المغازي (٤٢٥١) إن شاء الله تعالى، وأخرج عمر بن شَبَّة
من طريق عَمْرو بن سُهَيل بن عَمْرو عن أبيه: ((الكتاب عندنا، كاتِبُه محمد بن مَسَلَمة)).
انتهى، ويُجمَع بأنَّ أصل كتاب الصُّلح بخَطِّ عليّ كما هو في ((الصحيح))، ونَسَخَ مثله محمد
ابن مَسَلَمة لسُھیلِ بن عَمْرو.
ومن الأوهام ما ذكره عمر بن شَبَّة بعد أن حَكَى أنَّ اسم كاتِب الكتاب بين المسلمين
وقُريش عليّ بن أبي طالب من طرق، ثمَّ أخرج من طريق أُخرى أنَّ اسم الكاتب محمد بن
مَسَلَمة ثمّ قال: حدَّثنا ابن عائشة يزيدُ بن عُبيد الله بن محمد التَّيْمي قال: كان اسم هشام
ابن عِكرِمة بغيضاً، وهو الذي كَتَبَ الصَّحيفة فشَلَّت يَدُه، فسَمّاه رسول الله وَّ هشاماً.
قلت: وهو غَلَط فاحش، فإنَّ الصَّحيفة التي كَتَبَها هشام بن عِكرِمة هي التي اتَّفَقَت
عليها قُرَيش لمَّ حَصَروا بني هاشم في الشِّعب، وذلك بمَكَّة قبل الهجرة، والقِصَّة مشهورة
في السّيرة النَّبوية، فتَوَهَّمَ عمر بن شَبَّة أنَّ المراد بالصَّحيفة هنا كتاب القِصَّة التي وقعت

٤٧٣
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
كتاب الشروط
بالحُدَيبية، وليس كذلك، بل بينهما نحو عشر سِنينَ، وإنَّما كَتَبت ذلك هنا خَشْية أن يَغْتَرّ
بذلك مَن لا مَعرِفة له، فَيَعتَقِده اختلافاً في اسم كاتِب القِصَّة بالحُدَيبية، وبالله التَّوفيق.
قوله: ((هذا ما قاضى)) بوزن فاعَلَ، من قَضَيت الشيء، أي: فصَلتُ الحُكم فيه، وفيه
جواز كتابة مِثل ذلك في المعاقَدات، والرَّدّ على مَن مَنَعَه مُعتَلًا بخَشْية أن يَظُنّ فيها أنَّها
نافية، نبّهَ عليه الخطَّابي.
قوله: ((لا تَتَحدَّث العرب أنَّا أُخِذْنا ضُغْطةً)) بضمِّ الضَّاد وسكون الغين المعجَمَتين ثمَّ
طاء مُهمَلة، أي: قَهراً، وفي رواية ابن إسحاق: أنَّه دُخِلَ علينا عَنْوَةً.
قوله: ((فقال سُهَيل: وعلى أنَّه لا يأتيك مِنّا رجل - وإن كان على دينك - إلَّا رَدَدْته إلَينا)) في
رواية ابن إسحاق: ((على أنَّه مَن أتى محمداً من قُرَيش بغير إذن وَليِّه، رَدَّه عليهم، ومَن جاء
فُرَيشاً مَمَّن يَتْبِع محمداً، لم يَردُّوه عليه))، وهذه الرِّواية تَعُمّ الرِّجال والنِّساء، وكذا تقدَّم في
أوَّل الشُّروط (٢٧١١ و٢٧١٢) من رواية عُقَيل عن الزُّهري بلفظ: (ولا يأتيك مِنّا أحد)»،
وسيأتي البحث في ذلك في كتاب النِّكاح(١)، وهل دَخَلنَ في هذا الصُّلح ثمَّ نُسِخَ ذلك
الحكم فيهنَّ، أو لم يَدخُلنَ إلَّا بطريق العُموم فخُصِّصنَ؟
وزاد ابن إسحاق في قِصَّة الصُّلح بهذا الإسناد: ((وعلى أنَّ بيننا عَيبةً مَكفوفة)) أي: أمراً
مَطوّاً في صُدور سليمة، وهو إشارة إلى تَرْك المؤاخَذَة بما تقدَّم بينهم من أسباب الحرب
وغيرها، والمحافَظَة على / العَهْد الذي وقع بينهم. وقال ابن إسحاق في حديثه: ((وأنَّه لا ٣٤٤/٥
إسلالَ ولا إغلالَ)) أي: لا سَرِقة ولا خيانة، فالإسلال: من السَّلَّة، وهي السَّرِقة،
والإغلال: الخيانة، تقول: أغَلَّ الرَّجلُ، أي: خان، أمَّا في الغَنيمة فيقال: غَلَّ، بغير ألف،
والمراد: أن يأمَن بعضهم من بعض في نُفوسهم وأموالهم سِرّاً وجَهراً، وقيل: الإسلال من
سَلِّ السُّيوف، والإغلال من لُبْس الدُّروع، ووَهّاه أبو عُبيد.
(١) بل في الطلاق، عند الحديث (٥٢٨٨).

٤٧٤
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن إسحاق في حديثه: ((وأنَّه مَن أحَبَّ أن يَدخُل في عَقد محمد وعَهده دَخَلَ فيه،
ومَن أحَبَّ أن يَدخُل في عَقد قُرَيش وعَهدهم دَخَلَ فيه، فتَواثَبَت خُزاعة فقالوا: نَحنُ في
عَقد محمد وعَهده، وتَواثَبَت بنو بكر فقالوا: نحن في عَقد قُرَيش وعَهدهم، وأنَّك تَرجِع
عَنّا عامَك هذا فلا تَدخُل مَكَّة علينا، وأنَّه إذا كان عامُ قابلِ خَرَجنا عَنك فدَخَلتَها
بأصحابك فأقَمتَ بها ثلاثاً مَعَك ◌ِلاح الرَّاكب: السُّيوف في القِرَب، ولا تَدخُلها
بغيره))(١) وهذه القِصَّة سيأتي مثلُها في حديث البراء بن عازِب في المغازي (٤٢٥١)، قال
ابن إسحاق في حديثه: ((فبينما رسول الله وَّلَهِ يَكتُّب الكتاب هو وسُهَيل بن عمرو إذ جاء
أبو جَندَل بن سُهَيل)) فذكر القِصَّة.
قوله: ((قال المسلمونَ: سبحان الله، كيف يُرَدّ؟)) في رواية عُقَيل الماضية أوَّل الشُّروط
(٢٧١١ و٢٧١٢): ((وكان فيما اشتَرَطَ سُهَيل بن عَمْرو على النبي ◌َّهِ أَنَّه لا يأتيك مِنّا أحد
- وإن كان على دينك - إلَّا رَدَدته إلينا، وخَلَّيت بيننا وبينه. فكَرهَ المؤمنون ذلك وامتَعَضوا
منه، وأبى سُهَيل إلَّا ذلك، فكاتَبَه النبيِ وََّعلى ذلك، فرَدَّ يومئذٍ أبا جَندَل إلى أبيه سُهَيل
ابن عَمْرو، ولم يأتِه أحد من الرِّجال في تلكَ المَّة إلَّا رَدَّه)) وقائل ذلك يُشبِه أن يكون هو
عمر لمَا سيأتي، وسَمّى الواقدي ممَّن قال ذلك أيضاً أُسَيد بن حُضَيرٍ وسعد بن عُبادةَ،
وسيأتي في المغازي (٤١٨٩) أنَّ سهل بن حُنَيْفٍ كان مَمَّن أنكَرَ ذلك أيضاً.
ولمسلمٍ (١٧٨٤) من حديث أنس بن مالك: ((أنَّ قُرَيشاً صالَحَت النبيِ وَلّ على أنَّه مَن
جاء منكم لم نَرُدّه عليكُم، ومَن جاءكُم مِنّا رَدَدتُوه إلينا، فقالوا: يا رسول الله، أنَكتُبُ
هذا؟ قال: نعم، إنَّه مَن ذهب مِنّا إليهم فأبعَده الله، ومَن جاء منهم إلينا فسيَجعَلُ الله له
فَرَجاً وَخَرَجاً)».
وزاد أبو الأسوَد عن عُرْوة هنا، ولابن عائذ من حديث ابن عبّاس نحوه: ((فلمَّا لانَ
بعضهم لبعضٍ في الصُّلح وهم على ذلك، إذ رَمى رجل من الفريقَينِ رجلاً من الفريق
(١) انظر ((سيرة ابن هشام)) ٢٨٦/٤.

٤٧٥
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
كتاب الشروط
الآخر، فتصايَحَ الفريقان، وارتَهَنَ كلّ من الفريقَينِ مَن عندهم، فارتَهَنَ المشركون عثمان
ومَن أتاهم من المسلمين، وارتَهَنَ المسلمون سُهَيل بن عَمْرو ومَن معه، ودَعا رسول الله
وَيُّ إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة على أن لا يَفِرّوا، وبَلَغَ ذلك المشركينَ فأرعَبَهم الله،
فأرسَلوا مَن كان مُرتَهَناً ودَعَوا إلى الموادَعة، وأنزَلَ الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَبْدِيَهُمْ
عَنكُمْ﴾ الآية [الفتح: ٢٤])). وسيأتي في غَزْوة الحُدَيبية (٤١٤٧- ٤١٩١) بيان مَن أخرج هذه
القِصَّة موصولةً وكيفية البيعة عند الشجرة، والاختلاف في عدد مَن بايَعَ وفي سبب البيعة
إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فبينما هم كذلك إذ دَخَلَ أبو جَنْدَل)) بالجيمِ والنّون وزن جعفر، وكان اسمه
العاصي، فَتَرَكَه لمَّا أسلَمَ، وله أخ اسمه عبد الله أسلَمَ أيضاً قديماً وحَضَرَ مع المشركينَ
بدراً فقَرَّ منهم إلى المسلمين، ثمَّ كان معهم بالحُدَيبية. ووَهِمَ مَنَ جَعَلَهما واحداً، وقد
استُشهِدَ عبد الله باليمامة قبل أبي جَندَل بمُدَّةٍ، وأمَّا أبو جَندَل فكان حُبِسَ بمَكَّة ومُنِعَ من
الهجرة وعُذِّبَ بسببِ الإسلام كما في حديث الباب. وفي رواية ابن إسحاق: ((فإنّ
الصَّحيفة لَتُكتَبُ إذ طَلَعَ أبو جَندَل بن سُهَیل، وكان أبوه حَبَسَه فأَفَتَ))، وفي رواية أبي
الأسوَد عن عُرْوة: وكان سُهَيل أوثَقَه وسَجَنَه حين أسلَمَ، فخَرَجَ من السِّجن وتَنَكَّبَ
الطَّريق ورَكِبَ الجِبالَ حتَّى هَبَطَ على المسلمين، ففَرِحَ به المسلمون وتَلقَّوْه.
قوله: ((يَرْسُف)) بفتح أوَّله وضَمّ المهمَلة وبالفاء، أي: يَمشي مَشياً بطيئاً بسببِ القَيد.
قوله: ((فقال سُهَيل: هذا يا محمد أوَّل مَن أُقاضيك عليه أن تَرُدَّه إليّ)) زاد ابن إسحاق في
روايته: فقام سُهَيل بن عَمْرو إلى أبي جَندَل فضَرَبَ / وجهَه وأخَذَ يُلِّبه.
قوله: ((إنّا لم نَقْضِ الكتاب)) أي: لم نَفرُغ من كتابته.
قوله: «فأجِزْه لي)) بصيغَة فعل الأمر، من الإجازة، أي: أمضٍ لي فعلي فيه فلا أرُدّه
إليك، أو أستَئنيه من القَضية. ووقع في (الجمع)) للحُميدي: ((فأجِرِه)) بالراء، ورَجَّحَ ابن
الجوزي الزّاي.
٣٤٥/٥

٤٧٦
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه أنَّ الاعتبار في العُقود بالقولِ ولو تأخّرَت الكتابة والإشهاد، ولأجلِ ذلك أَمضى
النبي ◌َّ لِسُهَيلِ الأمر في رَدّ ابنه إليه، وكان النبي ◌َّ تَلَطَّفَ معه بقوله: ((لم نَقضِ
الكتاب بَعدُ)) رَجاء أن يُحِيبه لذلك ولا يُنكِرِه بقيّةُ قُرَيش لكَونِه ولدَه، فلمَّا أصَرَّ على الامتناع
تَرَگه له.
قوله: ((قال مِكْرَز: بَلْ)) كذا للأكثر بلفظ الإضراب، وللگُشْمِیھني: ((بلی)» ولم یذكُر هنا
ما أجابَ به سُهَيل مِكرَزاً في ذلك، قيل: في الذي وقع من مِكرَز في هذه القِصَّة إشكال،
لأنَّه خلاف ما وصَفَه به النبيِ وَّ من الفُجور، وكان من الظَّاهر أن يُساعِد سُهَيلاً على أبي
جَندَل، فكيف وقع منه عكس ذلك؟ وأُجيبَ بأنَّ الفُجور حَقيقة، ولا يلزم أن لا يقع منه
شيءٌ من البِرّ نادراً، أو قال ذلك نِفاقاً وفي باطنه خلافه، أو كان سمِعَ قول النبي ◌ِّ: إنَّه
رجل فاجر، فأراد أن يُظهِر خلاف ذلك، وهو من جُملة فُجوره.
وزَعَم بعض الشُّرَاحِ أنَّ سُهَيلاً لم يُحِبْ سؤاله؛ لأنَّ مِكرَزاً لم يكن ممّن جُعِلَ له أمرُ عَقْدِ
الصُّلح، بخلاف سُهَيل، وفيه نظر، فإنَّ الواقديَّ رَوى أنَّ مِكرَزاً كان ممَّن جاء في الصُّلح
مع سُهَيل، وكان معهما حُوَيطِب بن عبد العُزّى، لكن ذكر في روايته ما يدلّ على أنَّ إجازة
مِكرَز لم تَكُن في أن لا يردّه إلى سُهَيل، بل في تأمينه من التَّعذيب ونحو ذلك، وأنَّ مِكرَزاً
وحُوَيطِباً أخَذا أبا جَندَل فأدخَلاه فُسطاطاً وكفَّا أباه عنه. وفي ((مَغازي)) ابن عائذ نحو
ذلك كلّه من رواية أبي الأسوَد عن عُرْوة ولفظه: ((فقال مِكرَز بن حفص، وكان مَمَّن أقبَلَ
مع سُهَيل بن عَمْرو في التماس الصُّلح: أنا له جار، وأخَذَ قَيدَه فأدخَلَه فُسطاطاً)) وهذا لو
ثبت لكان أقوى من الاحتمالات الأُوَّل، فإنَّه لم تُجِزْه بأنْ يُقِرّه عند المسلمين، بل ليكُفّ
العذاب عنه ليَرجِع إلى طَواعية أبيه، فما خَرَج بذلك عن الفُجور. لکن يُعگِّر عليه قوله في
رواية ((الصحيح)): فقال مِكرَز: قد أجَزناه لك؛ يُخاطب النبيَّ ◌َّ بذلك.
قوله: ((قال أبو جَنْدَل: أي مَعْشَرِ المسلمينَ، أُرَدّ إلى المشرِكينَ ... )) إلى آخره، زاد ابن
إسحاق: فقال رسول الله وَ له: ((يا أبا جَندَل، اصبر، واحتَسِب، فإنّا لا نَغدِرُ، وإنَّ الله جاعِلٌ
لك فَرَجاً وتَخَرَجاً»، وفي رواية أبي المليح: فأوصاه رسول الله وَّ، قال: فوَثَبَ عمر مع أبي

٤٧٧
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
كتاب الشروط
جَندَل يمشي إلى جَنْبه ويقول: اصِرٍ، فإنَّما هم مُشِرِكونَ، وإنَّما دَمُ أحدِهم كدَمٍ كلب، قال:
ويُدْني قائمةَ السَّيف منه، يقول عمر: رَجَوتُ أن يأخذه منّي فيَضرِبَ به أباه، فضَنَّ الرجلُ
- أي: بَخِلَ - بأبيه ونَفَذَت القَضيّة.
قال الخطَّابي: تأوَّلَ العلماء ما وقع في قِصَّة أبي جندل على وجهين:
أحدهما: أنَّ الله قد أباح النَّقية للمسلم إذا خافَ الهلاك، ورَخَّصَ له أن يَتَكَلَّم بالكُفْرِ
مع إضمار الإيمان إن لم يُمكِنه التَّورية، فلم يكن رَدّه إليهم إسلاماً لأبي جَندَل إلى الهلاك مع
وجود السَّبيل إلى الخَلاص من الموت بالتَّقية.
والوجه الثاني: أنَّه إنَّما رَدَّه إلى أبيه، والغالب أنَّ أباه لا يَبلُغ به الهلاك، وإن عَذَّبَه أو
سَجَنَه، فله مَنْدوحة بالتَّقية أيضاً، وأمَّا ما يخاف عليه من الفِتنة فإنَّ ذلك امتحان من الله
يَبتَلي به صَبْرَ عِباده المؤمنينَ.
واختلف العلماء: هل يجوز الصُّلح مع المشركينَ على أن يُرَدّ إليهم مَن جاء مسلماً من
عندهم إلى بلاد المسلمين أم لا؟ فقيل: نعم، على ما دَلَّت عليه قِصَّة أبي جَندَل وأبي بَصیر،
وقيل: لا، وأنَّ الذي وقع في القِصَّة منسوخ، وإنَّ ناسخه حديث: ((أنا بريءٌ مِن مسلمٍ بين
مُشِرِكِينَ))(١)، وهو قول الحنفية. وعند الشّافعية تفصيل بين العاقل والمجنون والصَّبي فلا
يُرَدّان. وقال بعض الشّافعية: ضابط جواز الرَّدّ أن يكون المسلم بحيثُ لا تجب عليه
الهجرة من دارَ الحرب، والله أعلم.
قوله: ((قال عُمر بن الخطّاب: فأتيت نبيَّ الله وَلِ)) / هذا ممّا يُقوِّي أنَّ الذي حدَّث المِسوَر ٣٤٦/٥
ومروان بقِصَّة الحديبية هو عُمر، وكذا ما تقدَّم قريباً من قِصَّة عمر مع أبي جَندَل.
قوله: ((فقلت: ألستَ نبيَّ الله حقّاً؟ قال: بلى)) زاد الواقدي من حديث أبي سعيد: ((قال
عُمر: لقد دَخَلَني أمر عظيم، وراجَعت النبي ◌َِّ مُراجَعةً ما راجَعتُه مثلها قَطُّ)، وفي
حديث سُهَيل بن حُنَيفٍ الآتي في الجِزية (٣١٨٢) وسورة الفتح (٤٨٤٤): ((فقال عُمر:
(١) أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤) من حديث جرير بن عبد الله، ورجال إسناده ثقات.

٤٧٨
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
ألَسنا على الحقّ وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنَّة وقَتلاهم في النار؟ فعَلامَ نُعطي
الدَّنِيَّة - بفتح المهمَلة وكسر النّون وتشديد التَّحتانية - في دِيننا، ونَرجِعُ ولم يَحَكُم الله بيننا؟
فقال: يا ابنَ الخطَّاب، إنّ رسول الله، ولن يُضَيِّعَني الله. فَرَجَعَ مُتَغيِّظاً، فلم يَصِرِ حتَّى
جاء أبا بكر))، وأخرجه البَزّار (١٤٨) من حديث عُمرَ نَفْسِه مختصراً ولفظه: ((فقال عُمر:
اتَّهِموا الرَّأي على الدِّين، فلقد رأيتُني أرُدّ أمر رسول الله ◌َّهِ برأي، وما أَلَوْتُ عن الحقّ))
وفيه: ((قال: فَرَضِيَ رسول اللهِوَلَه وأَبيتُ، حَتَّى قال لي: يا عُمر، تَراني رَضيت وتأبى!)).
قوله: ((إنّ رسول الله ولست أَعصيهِ)) ظاهر في أنَّه ◌َ له لم يَفعَل من ذلك شيئاً إلَّا بالوحي.
قوله: ((أوَليسَ كنتَ حدَّثْتنا أنّا سَنأتي البيت)) في رواية ابن إسحاق: «كان الصحابة لا
يَشُكّون في الفتح لرُؤيا رآها رسول الله بَّرَ، فلمَّا رأوا الصُّلح دَخَلهم من ذلك أمر عظيم،
حتَّى كادوا يَهَلَكون))، وعند الواقدي: أنَّ النبي ◌َّ كان رأى في مَنامه قبل أن يَعْتَمِر أنَّه
دَخَلَ هو وأصحابه البيت، فلمَّا رأوا تأخير ذلك شَقَّ عليهم.
ويُستَفاد من هذا الفصل جواز البحث في العلم حتَّى يَظهَر المعنى، وأنَّ الكلام يُحمَل
على عُمومه وإطلاقه حتَّى تَظهَر إرادة التَّخصيص والتَّقييد، وأنَّ مَن حَلَفَ على فعل شيء
ولم يَذكُر مُدَّة مُعيَّنة لم يحنَث حتَّى تَنقضي أيام حياته.
قوله: ((فأتيت أبا بَكْر)) لم يَذْكُر عمر أنَّه راجَعَ أحداً في ذلك بعد رسول الله وَل# غير أبي
بكر الصِّدّيق، وذلك لجلالة قَدْره وسَعة عِلمه عنده، وفي جواب أبي بكر لعُمر بنَظِير ما
أجابَه النبي ◌َّه سواءً، دلالةٌ على أنَّه كان أكملَ الصحابة، وأعرفهم بأحوال رسول اللّه ◌َێ،
وأعلمَهم بأُمورِ الدّين، وأشدَّهم موافقة لأمر الله تعالى. وقد وقع التصريح في هذا الحديث
بأنَّ المسلمين استنكروا الصُّلح المذكور وكانوا على رأي عمر في ذلك، وظَهر من هذا
الفصل أنَّ الصِّدّيق لم يكن في ذلك موافقاً لهم، بل كان قلبُه على قلب رسول الله وَّل سواءً،
وسيأتي في الهجرة (٣٩١٥) أنَّ ابن الدُّغُنَّة وصَفَ أبا بكر الصِّدّيقِ بنَظِير ما وصَفَتْ به
خَدِيجَة رسول الله وَ﴿ سواءً، من كونه يَصِل الرَّحِم، ويَحمِل الكَلّ، ويُعين على نَوائب الحقّ،

٤٧٩
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
كتاب الشروط
وغير ذلك، فلمَّا كانت صِفاتهما مُتَشابهَةً من الابتِداء استَمَرَّ ذلك إلى الانتهاء. وقول أبي
بكر: «فاستَمْسِكْ بغَرْزِه)) هو بفتح الغين المعجمة وسكون الراء بعدها زاي، وهو - أي:
الغَرْز - للإِبِلِ بِمَنْزِلة الرِّكاب للفَرَس، والمراد به التَّمَسُّك بأمره وتَرك المخالَفة له، كالذي
يُمسِك بِر کابِ الفارس فلا يُفارقه.
قوله: ((قال الزُّهْري: قال عُمر: فعَمِلْت لذلك أعمالاً)) هو موصول إلى الزُّهري بالسَّنَد
المذكور، وهو مُنقَطِع بين الزُّهري وعمر.
قال بعض الشُّاح: قوله: ((أعمالاً)) أي: من الذَّهاب والمجيء والسُّؤال والجواب، ولم
يكن ذلك شكّاً من عُمر، بل طلباً لكشفٍ ما خَفيَ عليه، وحثّاً على إذلال الكُفّار، لما
عُرِف من قوَّته في نُصرة الدِّين، انتهى.
وتفسير الأعمال بما ذكر مردود، بل المراد به الأعمال الصَّالحة ليُكَفِّر عنه ما مضى من
التَّوقُّف في الامتثال ابتداءً، وقد وَرَد عن عمر التصريح بمُراده بقوله: ((أعمالاً))، ففي رواية
ابن إسحاق: وكان عمر يقول: ما زِلت أتصَدَّق وأصوم وأُصَلّي وأُعتق من الذي صَنَعت
يومئذٍ، تَخَافَةَ كلامي الذي تَكَلَّمت به، وعند الواقدي من حديث ابن عبّاس: قال عُمر:
لقد أعتَقْت بَسببٍ ذلك رِقاباً، وصُمت دهراً.
وأمَّا قوله: ((ولم يكن شكّاً) فإن أراد نَفْيَ الشَّكّ في الدِّين فواضحٌ، وقد وقع في رواية
ابن إسحاق: ((أنَّ أبا بكر لمَّا قال له: الزَم غَرْزَه، فإنَّه رسول الله، / قال عمر: وأنا أشهد أنَّه ٣٤٧/٥
رسول الله)) وإن أراد نَفْيَ الشَّكّ في وجود المصلحة وعَدَمها فمردود، وقد قال السُّهَيلي:
هذا الشَّكّ هو ما لا يَستَمِّرّ صاحبُه عليه، وإنَّما هو من باب الوَسوَسة، كذلك قال، والذي
يَظهَر أنَّه تَوقّفٌ منه ليقِفَ على الحِكمة في القِصَّة وتَنكَشِف عنه الشُّبهَة، ونظيره قِصّته في
الصلاة على عبد الله بن أُبَيّ، وإن كان في الأُولى لم يُطابق اجتهادُه الحكم بخلاف الثانية،
وهي هذه القِصَّة، وإنَّما عَمِلَ الأعمال المذكورة لهذه، وإلَّا فجميع ما صَدَرَ منه كان معذوراً
فیه، بل هو مأجور؛ لأنَّه ◌ُتَهِد فيه.

٤٨٠
باب ١٥ / ح ٢٧٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فلمَّا فَرَغَ من قَضيّة الكتاب)) زاد ابن إسحاق في روايته: فلمَّا فَرَغَ الكتاب أشهَدَ
على الصُّلح رجالاً من المسلمين ورجالاً من المشركينَ ومنهم أبو بكر وعمر وعليّ وعبد الرحمن
ابن عوف وسعد بن أبي وقاصٍ ومحمود بن مَسَلَمة وعبد الله بن سُهَيل بن عَمْرو ومِكرَز بن
حفص، وهو مُشرِك.
قوله: «قال رسول الله آل﴾ لأصحابه: قوموا فانحروا ثمَّ احلقوا» في رواية أبي الأسوَد عن
عُرْوة: ((فلمَّا فرَغوا من القَضية أمَرَ رسول الله وَّر بالهدى فساقه المسلمون - يعني إلى جِهَة
الحَرَم - حتَّى قام إليه المشركون من قُرَيش فحَبَسوه، فأمَرَ رسول اللهِ ﴿ِ بِالنَّحْرِ)».
قوله: ((فوَالله ما قام منهم رجل)) قيل: كأنَّهم تَوَقَّفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك
للنَّذْب، أو لرَجاءِ نزول الوحي بإبطال الصُّلح المذكور، أو تخصيصه بالإذنِ بدخولِهِم مَكَّة
ذلك العام لإتمام نُسُكِهم، وسُوِّغَ لهم ذلك؛ لأنَّه كان زمان وقوع النَّسْخ، ويحتمل أن
يكونوا أهَتُهُم صورة الحال فاستَغرَقوا في الفِكر لمَا لَحِقَهم من الذُّلّ عند أنفُسهم، من
ظُهور قوَّتهم واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غَرَضهم وقَضاء نُسُكهم بالقَهرِ والغَلَبة، أو
أخروا الامتثال لاعتقادهم أنَّ الأمر المطلَق لا يقتضي الفَوْر، ويحتمل مجموع هذه الأُمور
المجموعِهم كما سيأتي من كلام أُمّ سَلَمة، وليس فيه حُجَّة لمن أثبَتَ أنَّ الأمر للفَور، ولا لمن
نَفاه، ولا لمن قال: إنَّ الأمر للوجوب لا للنَّذْب، لمَا يَطْرُقُ القِصَّة من الاحتمال.
قوله: ((فذكر لها ما لَفيَ من النّاس)) في رواية ابن إسحاق: ((فقال لها: ألا تَرَينَ إلى
الناس؟ إنّ آمُرهم بالأمر فلا يَفْعَلونَه!))، وفي رواية أبي المليح: «فاشتَّ ذلك عليه، فدَخَلَ
على أُمّ سَلَمة فقال: هلَكَ المسلمونَ، أمَرتُهم أن يَجلِقوا ويَنحَروا فلم يَفعَلوا، قال: فجَلّى الله
عنهم يومئذٍ بأُمِّ سَلَمة)).
قوله: ((قالت أُمّ سَلَمة: يا نبيَّ الله، أتُّحِبُّ ذلك؟ اخرُج ثمَّ لا تُكَلِّم أحداً منهم» زاد ابن
إسحاق: ((قالت أُمّ سَلَمة: يا رسول الله، لا تُكَلِّمهم، فإنَّهم قد دَخَلهم أمر عظيم ممّاً
أدخَلتَ على نفسك من المشَقَّة في أمر الصُّلح، ورُجوعهم بغير فتح))، ويحتمل أنَّهَا فَهِمَت