النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ باب ٧ / ح ٢٧٠٢ كتاب الصلح قال: انطَلَقَ عبدُ الله بنُ سَهْلٍ ومُحيِّصةُ بنُ مسعودِ بنِ زيدٍ إلى خَبِيرَ، وهي يومَئذٍ صُلْحٌ. [أطرافه في: ٣١٧٣، ٦١٤٣، ٦٨٩٨، ٧١٩٢] قوله: ((باب الصُّلْح مع المشرِكينَ)) أي: حكمه أو كيفيته أو جوازه، وسيأتي شرحه وبيانه في كتاب الجِزية والموادعة مع المشركينَ بالمال وغيره (٣١٧٣). قوله: (فيه)) أي: يَدخُل في هذا الباب. قوله: ((عن أبي سُفْيان)) يشير إلى حديث أبي سفيان صَخر بن حَرْب في شَأن هِرَقل، وقد تقدَّم بطولِه في أوَّل الكتاب (٧). والغَرَض منه قوله في أوَّله: ((إنَّ هِرَقل أرسَلَ إليه في رَكْب من قُرَيش في المدَّة التي هادنَ فيها رسول الله وَّل كُفّار قُرَيش)) الحديث. وقوله فيه: ونحنُ منه في مُدَّة لا ندري ما هو صانع فيها. قوله: ((وقال عَوْف بن مالك عن النبي ◌ِّ: تكون هُدْنة بينكُم وبين بني الأصفر)) هذا طَرَف من حديث وَصَلَه المؤَلِّف بتمامه في الجِزية (٣١٧٦) من طريق أبي إدريس الخَوْلاني عنه، وسيأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى. وقوله: ((وفيه سهل بن حُنَيفٍ: لقد رأيتُنا يوم أبي جَندَل)) هو أيضاً طَرَف من حديث وَصَلَه أيضاً في أواخر الجِزية (٣١٨١)، لم يقع في رواية غير أبي ذرِّ والأَصِيلي: لقد رأيتنا يوم أبي جَندَل. قوله: ((وأسماء والِسْوَر)) أمَّا حديث أسماء: وهي بنت أبي بكر، فكأنَّه يشير إلى حديثها الماضي في الهِبَة (٢٦٢٠)، قالت: ((قَدِمتْ عَلِيَّ أُمّي راغِبة في عَهد قُرَيش)) الحديث. وأمَّا حديث المِسوَر فسيأتي موصولاً في الشُّروط (٢٧٣١ و٢٧٣٢). قوله: ((وقال موسى بن مسعود)) هو أبو حُذَيفة النَّهدي، وطريقه هذه وَصَلَها أبو عَوَانة في (صحيحه)) (٦٧٩٩) عن محمد بن حَيْوةَ عنه، ووَصَلها أيضاً الإسماعيلي والبيهقي (٩٪ ٢٢٦) وغيرهما. ٤٠٢ باب ٧ / ح ٢٧٠٢ فتح الباري بشرح البخاري وحديث البراء المذكور يأتي شرحه في عمرة القضاء (٤٢٥١) مُستَوفَّى إن شاء الله تعالى. وقوله فيه: ((يَحْجُل)) بفتح أوَّله وسكون المهمَلة وضَمّ الجيم، أي: يَمشي مِثل الحَجَلة، الطَّير المعروف يَرفَع رجلاً ويَضَع أُخرى، وقيل: هو كِناية عن تَقارُب الخُطا. قوله: ((قال أبو عبد الله: لم يَذْكُر مُؤَمَّل عن سُفْيان أبا جَنْدَل، وقال: إلَّا بِجُلُبِّ السّلاح)) يعني أنَّ مُؤْمَّلاً - وهو ابن إسماعيل - تابَعَ أبا حُذَيفة في رواية هذا الحديث عن سفيان - وهو الثَّوري - لكنَّه لم يَذكُرِ قِصَّة أبي جَندَل وقال: ((بجُلُبّ)) بدل قوله: ((بجُلُبَّان))، وجُلُبّ بضمِّ الجيم واللّام وتشديد الموحَّدة، وذكرها الخطَّبي بالتَّخفيفِ جمع جُلُبَّة، وأمَّا جُلُبَّان فضَبَطَه ابن قُتَيبة وابن دُرَيدٍ وجماعة بضمَّتين وتشديد الموخَّدة، وضَبَطَه ثابت في ((الدَّلائل)) وأبو عُبيد الهَرَوي بسكونِ اللّام مع التَّخفيف، ونُقِلَ عن بعض المتقِنِينَ(١) أنَّه بالراءِ بدل اللّام مع التَّشديد، وكأنَّه جمع جِراب، لكن لم يقع في رواية ((الصحيح)) إلَّا باللّام، ووقع في نُسخَة مُتقَنة بكسر الجيم واللّام مع التَّشديد، وهو خلاف ما اتَّفَقَ عليه أهل اللُّغة والغريب(٢)، فلا تَغْتَرَّ بذلك. وطريق مُؤَمَّل هذه وَصَلها أحمد في ((مسنده)) (١٨٦٨٣) عنه، ورُوّيناها بعُلوّ في ((الحِلية)) ٣٠٦/٥ وغيرها. ومن فوائدها/ تصريح سفيان بتحديث أبي إسحاق له، وبتحديثِ البَراء لأبي إسحاق. ثمَّ ذَكَرَ المصنِّ في الباب حديثَ ابن عمر في قِصَّة صُلح الحُدَيبية أيضاً مختصراً، وسيأتي شرحه في عمرة القضاء أيضاً (٤٢٥٢)، وحديث سهل بن أبي حَثْمة في قتل عبد الله ابن سهل بخَيبَ، والغَرَض منه قوله: ((وهي يومئذٍ صُلْح)) والمراد مُصالحة أهلها اليهود مع المسلمين، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في مكانه من كتاب الحدود(٣). (١) كذا وقعت هذه اللفظة في الأصلين و(س)، وهذا النص في الكلام على ((جلبان)) منقول عن ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض ١/ ١٥٠ بتصرف، وفيه: ((بعض المتعقبين)) بدل: بعض المتقنين. (٢) في (س): والعربية، بدل: والغريب. (٣) بل في الديات برقم (٦٨٩٨). ٤٠٣ باب ٨-٩ / ح ٢٧٠٣ - ٢٧٠٤ كتاب الصلح ٨- باب الصُّلح في الدِّیَة ٢٧٠٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ، قال: حدَّثني مُميدٌ، أنَّ أنساً حدَّثهمْ: أنَّ الرُّبِيِّعَ - وهي ابنةُ النَّضْرِ - كَسَرَت ثَنِيَّةَ جاريةٍ، فطَلَبُوا الأَرْشَ، وطَلَبُوا العَفْوَ، فأبَوْا فأتَوُا النبيَّ ◌ََّ، فأمَرَهم بالقصاصِ، فقال أنسُ بنُ النَّضْرِ: أَتُكسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبِيِّع يا رسولَ الله؟ لا والَّذِي بَعَثَكَ بالحقِّ لا تُكسَرُ ثَنِيَّتُها، فقال: ((يا أنسُ، كتابُ الله القِصاصُ)) فَرَضِيَ القومُ وعَفَوْا، فقال النبيُّ ◌َّ: ((إنَّ من عِبادِ الله مَن لو أقسَمَ على الله لَأَبَّه)). زادَ الفَزَاريُّ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ: فَرَضِيَ القومُ، وَقَبِلُوا الأرْشَ. [أطرافه في: ٢٨٠٦، ٤٤٩٩، ٤٥٠٠، ٤٦١١، ٦٨٩٤] قوله: ((باب الصُّلْح في الدّية)) أي: بأن يَجِب القِصاص فيقع الصُّلح على مال مُعيَّن، ذكر فيه حديث أنس في قِصَّة الرُّبيِّع - وهو بضمِّ الراء وفتح الموخَّدة وتشديد التَّحتانية المكسورة - وهي عَمَّة أنس. وقوله: ((زاد الفَزاري)) يعني: مروان بن معاوية. قوله: ((فَرَضِيَ القوم وقَبِلوا الأَرْشَ)) أي: زاد على رواية الأنصاري ذِكر قَبُولهم الأَرْشَ، والذي وقع في رواية الأنصاري: ((فَرَضِيَ القوم وعَفوا)) وظاهره أنَّهم تَرَكوا القِصاص والأرش مُطلَقاً، فأشار المصنِّف إلى الجمع بينهما بأنَّ قوله: ((عَفوا)) محمول على أنَّهم عَفوا عن القِصاص على قَبُول الأَرْشِ جمعاً بين الرِّوايَتَين، وطريق الفَزاري هذه وَصَلَها المؤَلِّف في تفسير سورة المائدة (٤٦١١)، وسيأتي الكلام عليه مُستَوفَّى هناك إن شاء الله تعالی. ٩- باب قول النبي ◌ّ للحسن بن علي رضي الله عنهما: ((ابني هذا سَيِّدٌ، ولعلَّ الله أن يُصلحَ به بين فئتين عظيمتين)) وقولِه جَلَّ ذِكرُه: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] ٢٧٠٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ عن أبي موسى، قال: سمعتُ الحسنَ يقول: استَقْبَلَ والله الحسنُ بنُ عليٍّ معاويةَ بكتائبَ أمثالِ الْجِبال، فقال عَمْرُو بنُ العاصِ: إني ٤٠٤ باب ٩ / ح ٢٧٠٤ فتح الباري بشرح البخاري لأَرَى كتائبَ لا تُوَلّ حتَّى تقتلَ أقرانَها، فقال له معاويةُ - وكان والله خيرَ الرَّجلَينِ -: أي عَمْرُو، إن قَتَلَ هُؤُلاءِ هؤلاءٍ، وهؤلاءِ هَؤُلاءِ، مَن لي بأُمُورِ النّاسِ؟ مَن لي بنِسائهِمْ؟ مَن لي بضَيعَتِهِمْ؟ فَبَعَثَ إليه رجلَينٍ من قُرَيشٍ، من بني عَبْدِ شَمْسٍ: عبدَ الرَّحمنِ بنَ سَمُرَةَ وعبدَ الله ٣٠٧/٥ ابنَ عامِرِ بنِ كُرَيٍ، فقال: اذْهَبا إلى هذا الرجلِ، فاعِرِضا عليه وقُولا له، واطْلُبا إليه، فأَتَياه/ فدَخَلا عليه، فتكلَّما وقالا له، فطلبًا إليه، فقال لهما الحسنُ بنُ عليٍّ: إنّا بَنُو عبدِ المطَّلِبِ قد أصَبنا من هذا المال، وإنَّ هذه الأُمََّ قد عائَت في دِمائها، قالا: فإنَّه يَعْرِضُ عليكَ كذا وكذا، ويَطْلُبُ إليكَ ويَسْألُكَ، قال: فمَن لي بهذا؟ قالا: نحنُ لكَ به، فما سألَما شيئاً إلَّا قالا: نحنُ لكَ به، فصالَحَه، فقال الحسنُ: ولقد سمعتُ أبا بَكْرةَ يقول: رأيتُ رسولَ الله ◌ِِّ على المِنْبر والحسنُ ابنُ عليٍّ إلى جَنْبِهِ، وهو يُقْبِلُ على النّاسِ مَرّةً وعليه أُخرَى، ويقول: ((إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ، ولعلَّ اللهَ أن يُصْلِحَ به بين فِئَتَبنِ عَظِيمَتَينِ مِن المسلمِينَ)». قال أبو عبد الله: قال لي عليٌّ بنُ عبدِ الله: إِنَّمَا ثَبَتَ لنا سماعُ الحسنِ من أبي بَكْرةَ بهذا الحديث. [أطرافه في: ٣٦٢٩، ٣٧٤٦، ٧١٠٩] قوله: ((باب قول النبي ◌َّ للحسنِ بن علي رضي الله عنهما: إنَّ ابْني هذا سَيِّد، ولعلَّ الله أن يُصْلِحِ به بين فِئَتَيْنِ عَظيمَتَينِ)) اللّم في قوله: (للحسنٍ)) بمعنى ((عن))، وتَرجَمَ المصنِّف بلفظ الحديث احترازاً وأدَباً، وكذلك تَرجَمَ بنحوِه في كتاب الفِتَن (٧١٠٩)، وسيأتي شرحُه مُستَوفَى هناك. وقوله جَلَّ ذِكْره: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ لم يَظهَر لي مُطابقة الحديث لهذا القَدْر من التَّرجمة، إِلَّا إن كان يريد أنَّه وَ لَ كان حريصاً على امتثال أمر الله، وقد أمَرَ بالإصلاح، وأخبر ◌َِّ أنَّ الصُّلح بين الفِئَتين المختَلِفَتين سيقعُ على يد الحسن. قوله: ((قال أبو عبد الله)) أي: المصنّف: ((قال لي عليّ بن عبد الله)) أي: ابن المديني: ((إنَّما ثبتَ لنا سماعُ الحسن)) أي: البصري ((من أبي بَكْرة بهذا الحديث)) أي: لتصريحِه فيه بالسَّماع. وقد أخرج المصنِّف هذا الحديث عن عليٍّ بن المديني عن ابن عُيَينةَ في كتاب الفِتَن (٧١٠٩) ولم يَذكُر هذه الزِّيادة. ٤٠٥ باب ١٠ / ح ٢٧٠٥ - ٢٧٠٦ كتاب الصلح ١٠ - باب هل يُشير الإمام بالصُّلح ٢٧٠٥- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيسِ، قال: حدَّثني أخي، عن سليمانَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن أبي الرِّجال محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أُمَّه عَمْرةَ بنتَ عبدِ الرَّحمنِ، قالت: سمعتُ عائشةَ رضي الله عنها، تقولُ: سمعَ رسولُ الله ◌َِّ صوتَ خُصُوم بالباب عاليةٍ أَصواتُهم، وإذا أحدُهما يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ ويَسْتَرْفِقُه في شيءٍ، وهو يقول: والله لا أفعَلُ، فخَرَجَ عليهما رسولُ الله ◌َّةِ، فقال: ((أينَ المُتَأَّي على الله لا يَفْعَلُ المعرُوفَ؟)) فقال: أنا يا رسولَ الله، فلَهُ أَيُّ ذلك أحَبَّ. ٢٧٠٦ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيٍ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن جعفرِ بنِ رَبِيعةً، عن الأعرج، قال: حذَّثني عبدُ الله بنُ كَعْبٍ بنِ مالكِ، عن كَعْبٍ بنِ مالكٍ: أنَّه كان له على عبدِ الله بنِ أبي حَدْرَدٍ الأسلَمِيِّ مالٌ، فَلَقِيَه فَلَزِمَه، حتَّى ارْتَفَعَت أصواتُهما، فمَرَّ بهما النبيُّ ◌ِ له فقال: ((يا كَعْبُ)) فأشارَ بَيَدِه كأَنَّه يقول: النِّصْفَ، فأخَذَ نِصْفَ ما له عليه، وتَرَكَ نِصْفاً. قوله: ((باب هل يشير الإمام بالصُّلْح)) أشار بهذه التَّرجمة إلى الخلاف، فإنَّ الجمهور استَحَبّوا للحاكمِ أن يشير/ بالصُّلح وإن انّجَهَ الحقّ لأحدِ الخَصمَين، ومَنَعَ من ذلك ٣٠٨/٥ بعضُهم وهو عن المالكية. وزَعَمَ ابن التِّين أنَّه ليس في حديثَي الباب ما تَرجَمَ به، وإنَّما فيه الحَضّ على تَرْك بعض الحقّ، وتُعُقِّبَ بأنَّ الإشارة بذلك بمعنى الصُّلح، على أنَّ المصنِّ ما جَزَمَ بذلك، فكيف يُعتَرَض علیه؟! قوله: ((حدَّثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدَّثني أخي)) هو أبو بكر عبد الحميد، وسلیمان: هو ابن بلال، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاري، وأبو الرِّجال بالجيم: محمد بن عبد الرحمن، أي: ابن حارثةَ بن النُّعمان الأنصاري، كُنيته أبو عبد الرحمن، وقيل له: أبو الرِّجال، لأنَّه وُلِدَ له عشرة ذُكور، وهو من صِغار التابعين، وكذا الراوي عنه، والإسناد كلّه مدنيُّونَ، وفيه ثلاثة من التابعين في نَسَقٍ منهم قَرِينان. ٤٠٦ باب ١٠ / ح ٢٧٠٦ فتح الباري بشرح البخاري وهذا الحديث أخرجه مسلم (١٥٥٧) قال: ((حدَّثنا غير واحد عن إسماعيل بن أبي أُوَيس)) فعَدَّه بعضُهم في المنقَطِع، والتَّحقيق أنَّه مُتَّصِل في إسناده مُبهَم، وقد رواه عن إسماعيل أيضاً محمد بن يحيى الذُّهلي، أخرجه أبو عَوَانةَ (٥٢١٤) والإسماعيلي وغيرهما من طريقه، وأخرجه أبو عَوَانة أيضاً (٥٢١٤) من طريق إبراهيم بن الحسين الكِسائي وإسماعيل ابن إسحاق القاضي، ورُوّيناه في ((المَحَامِليّات)) عن عبد الله بن شَبِيب، فيُحتَمَل أن يُفسَّر مَن أبهَمَه مسلم بهؤلاءِ أو بعضهم، ولم يَنفَرِدْ به إسماعيل بل تابَعَه أيوب بن سليمان(١) عن أبي بكر بن أبي أوَيس، أخرجه الإسماعيلي أيضاً، ولا انفَرَدَ به يحيى بن سعيد، فقد أخرجه ابن حِبَّان (٥٠٣٢) من طريق عبد الرحمن بن أبي الرِّجال عن أبيه. قوله: ((سمعَ رسول الله ◌ِّ﴿ صوتَ خُصوم بالباب عاليةٍ أصواتهم)) في رواية ((أصواتُه)» وكأنَّ جَمَعَ باعتبار مَن حَضَرَ الخصومة وثَنّى باعتبار الخَصمَين، أو كأنَّ التَّخاصُم من الجانبينِ بين جماعة فجَمَعَ ثمَّ ثَنّى باعتبار جنس الخَصْم، وليس فيه حُجَّة لمن جَوَّزَ صِيغَة الجمع بالاثنَيْنِ كما زَعَمَ بعض الشُّرّاح، ويجوز في قوله: ((عالية)) الجرّ على الصِّفة، والنَّصب على الحال. قوله: ((وإذا أحدُهما يَسْتَوْضِعُ الآخَر)) أي: يَطلُب منه الوَضِيعة، أي: الخَطِيطة من الدَّين. قوله: ((ويَسْتَرْفِقُه)) أي: يَطلُب منه الرِّفق به. وقوله: ((في شيء)) وقع بيانه في رواية ابن حِبَّان (٥٠٣٢) فقال في أوَّل الحديث: ((دَخَلَت امرأة على النبي وسلّ فقالت: إنّ ابتَعت أنا وابني من فلان تمراً فأحصَيناه، لا والذي أكرَمك بالحقِّ ما أحصَينا منه إلَّا ما نأكله في بُطوننا أو نُطعِمه مِسكيناً، وجِئنا نَستَوضِعُه ما نَقَصَنا» الحديث، فَظَهَرَ بهذا ترجيح ثاني الاحتمالَينِ المذكورَينِ قَبلُ، وأنَّ المخاصَمة وقعت بين البائع وبين المشتَرِيَينِ، ولم أقفْ على تسمية واحد منهم، وأمَّا تجويز بعض الشُّرَاح أنَّ المتخاصمَينِ (١) كذا في الأصلين على الصواب، وتحرف في (س) إلى: سفيان، وأيوب: هو ابن سليمان بن بلال القرشي التميمي، أبو يحيى المدني، معروف بالرواية عن أبي بكر عبد الحميد بن أبي أويس. ٤٠٧ باب ١٠ / ح ٢٧٠٦ كتاب الصلح هما المذكوران في الحديث الذي يَليه، ففيه بُعدٌ لتَغايُرِ القِصَّتَين، وعُرِفَ بهذه الزِّيادة أصلُ القِصَّة. قوله: ((أينَ المُتألِّ)) بضمِّ الميم وفتح المثنَّة والهمزة وتشديد اللّام المكسورة، أي: الحالف المبالغ في اليمين، مأخوذ من الأَلِيَّة بفتح الهمزة وكسر اللّام وتشديد التَّحتانية: وهي اليمين، وفي رواية ابن حِبَّان فقال: آلى أن لا يصنع خيراً (١)، ثلاث مَرّات، فَبَلَغَ ذلك صاحب التّمر. قوله: ((فَلَه أيُّ ذلك أحَبَّ)) أي: من الوَضْع أو الرّفق، وفي رواية ابن حِبَّان: ((فقال: إن شئت وَضَعت ما نَقَصوا، وإن شئت من رأس المال، فَوَضَعَ ما نَقَصوا)) وهذا يُشعِر بأنَّ المراد بالوضع: الخَطَّ من رأس المال، وبالرِّفق: الاقتصار عليه وتَرْك الزِّيادة، لا كما زَعَمَ بعض الشُّرّاح أنَّه يريد بالرِّفق الإمهالَ. وفي هذا الحديث الحَضّ على الرِّفق بالغَريمِ والإحسان إليه بالوضع عنه، والَّجر عن الحَلِف على تَرك فعل الخير. قال الدَّاوُودي: إنَّما كُرهَ ذلك لكَونِهِ حَلِفٌ على تَرْك أمرٍ عسى أن يكون قد قَدَّرَ الله وُقوعَه، وعن المهَّب نحوُه. وتَعَقَّبَه ابن التِّين بأنَّه لو كان كذلك لكُرهَ الحَلِفِ لمن حَلَفَ لَیَفعَلَنَّ خیراً، وليس كذلك بل الذي يَظهَر أنَّهِ كُرهَ له قَطْعِ نَفْسِه عن فعل الخير، قال: ويُشكِل في هذا قوله ◌ّ للأعرابي الذي قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقُص: ((أفلَحَ إن صَدَقَ))(٢)، ولم يُنكِرِ عليه حَلِفَه على / ترك الزِّيادة وهي من فعل الخير، ويُمكِن الفَرْق بأنَّه في قِصَّة الأعرابي كان في مقام ٣٠٩/٥ الدُّعاء إلى الإسلام والاستمالة إلى الدُّخول فيه، فكان يَحِرِص على تَرك تحريضهم على ما فيه نوعُ مَشَقَّةٍ مهما أمكنَ، بخلاف مَن تمكَّنَ في الإسلام فيَحُضُّه على الازدياد من نوافل الخير. (١) ولفظه في المطبوع من ((صحيحه)): تألّى لا يصنع خيراً. (٢) سلف برقم (٤٦). ٤٠٨ باب ١١ / ح ٢٧٠٧ فتح الباري بشرح البخاري وفيه سُرْعة فَهْم الصحابة لمُراد الشّارع، وطَواعِيَتَهم لمَا يشير به، وحِرصُهم على فعل الخير. وفيه الصَّفْحُ عَّا يجري بين المتخاصمَينِ من اللَّغَط ورفع الصَّوت عند الحاكم. وفيه جواز سؤال المَدِين الخَطِيطةَ من صاحب الدَّين خلافاً لمن كَرِهَه من المالكية واعتَلَّ بما فيه من تَحمُّل الِنَّة. وقال القُرطُبي: لعلَّ مَن أطلقَ كَراهتَه أراد أنَّه خلاف الأولى. وفيه هِبَةُ المجهول، كذا قال ابن التِّين، وفيه نظر لمَا قَدَّمناه من رواية ابن حِبَّان، والله أعلم. قوله: ((حدَّثنا يحيى بن بُكَيرٍ)) تقدَّم حديث كعب بهذا الإسناد في أوَّل الملازمة (٢٤٢٤)، وتقدَّم شرح الحديث مُستَوفَّى في ((باب التَّقاضي والملازَمة في المسجد)) من كتاب الصلاة (٤٥٧)، وأفاد ابن أبي شَيْبة (٧/ ٣١٩) في روايته: أنَّ الدَّين المذكور كان أوقيتَين، قال ابن بَطَّل: هذا الحديث أصلٌ لقولِ الناس: خيرُ الصُّلح على الشَّطْر. ١١ - باب فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم ٢٧٠٧ - حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن همَّام، عن أبي هريرةً مه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((كلُّ سُلَامَى مِن النّاس عليه صَدَقَةٌ، كلَّ يومٍ تَطلُعُ فيه الشمسُ، يَعْدِلُ بين النّاسِ صَدَقٌ)). [طرفاه في: ٢٨٩١، ٢٩٨٩] قوله: ((باب فضل الإصْلاح بين النّاس والعَدْل بينهم)) أورَدَ فيه حديث أبي هريرة: (يَعدِلُ بين الناس صدقة)) وهو طَرَف من حديث طويل يأتي في الجهاد (٢٨٩١ و٢٩٨٩). ووقع هنا في أوَّل الإسناد: ((حدَّثنا إسحاق)) غير منسوب في جميع الرِّوايات إلَّا عن أبي ذرّ فقال: ((إسحاق بن منصور))، ووقع في الجهاد في موضعَينِ أحدهما: ((إسحاق بن نَصْر))، والآخر: ((إسحاق)) غير منسوب، وسياق إسحاقَ بنِ نَصر مُغاير لسياق إسحاق الآخر، فَتَعيَّنَ أنَّه ابن منصور، والله أعلم. ٤٠٩ باب ١٢ / ح ٢٧٠٨ كتاب الصلح قوله: ((سُلَامى)) بِضَمِّ المهمَلة وتخفيف اللّام مع القَصْر، أي: مَفْصِل، ووقع عند مسلم من حديث أبي ذرِّ تفسيره بذلك، وأنَّ في الإنسان ثلاثَ مئةٍ وستّينَ مَفْصِلاً(١). قال ابن المنيِّر: تَرجَمَ على الإصلاح والعَدل ولم يورِد في هذا الحديث إلَّا العَدل، لكن لمَّا خاطَبَ الناس كلَّهم بالعَدلِ وقد عَلِمَ أنَّ فيهم الحُكّام وغيرهم، كان عَدْلَ الحاكم إذا حَكَمَ، وعَدْلَ غيره إذا أصلَحَ. وقال غيره: الإصلاح نوع من العَدْل، فعَطْف العَدل عليه من عَطْفِ العامِّ على الخاصّ. ١٢ - باب إذا أشار الإمام بالصُّلح فأبى، حَكَم عليه بالحكم البِّن ٢٧٠٨ - حدَّثْنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَير، أنَّ الزُّبَيرَ كان يُحدِّثُ: أَنَّه خاصَمَ رجلاً مِن الأنصار قد شَهِدَ بَدْراً إلى رسولِ الله وَّ فِي شِراج مِن الحَرّةِ، كانا يَسْقِيانِ به كِلاهما، فقال رسولُ الله ◌َّهِ لِلْزُّبَيرِ: ((اسقِ يا زُبَيرُ، ثمَّ أرسِلْ إلى جارِكَ)) فغَضِبَ الأنصاريُّ، فقال: يا رسولَ الله، آنْ كان ابنَ عَمَّتِكَ؟ فتَلَوَّنَ وَجْهُ رسولِ الله وَّ، ثمَّ قال: ((اسقِ ثمَّ احبِسْ حتَّى يَبلُغَ الجَدْرَ)) فاستَوْعَى/ رسولُ اللهِ وَهِ حِينَئِذٍ حقَّه ٣١٠/٥ اللُّبَيرِ، وكان رسولُ اللهِ وَّهِ قبلَ ذلك أشارَ على الزُّبَير برأي سَعةٍ له وللأنصاريِّ، فلمَّا أحفَظَ الأنصاريُّ رسولَ الله وََّ اسْتَوْعَى لِلْزُّبَيرِ حقَّه في صَرِيحِ الحُكْم، قال عُرْوةُ: قال الزُّبَيرُ: والله ما أحسِبُ هذه الآيةَ نزلَت إلَّا في ذلك: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآيةَ [النساء: ٦٥]. قوله: ((باب إذا أشارَ الإمام بالصُّلْحِ فَأَبِى)) أي: مَن عليه الحقّ ((حَكمَ عليه بالحُكْمِ البِيِّن)) أورَدَ فيه قِصَّة الزُّبَير مع غَريمه الأنصاريِّ الذي خاصَمَه في سَقْي النَّخل، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوقَى في كتاب الشُّرب (٢٣٥٩ و٢٣٦٠). قوله: ((فلمَّا أحفَظَه)) بالحاءِ المهمَلة والفاء والظَّاء المعجَمة، أي: أغضَبَه، وَزَعَمَ الخطَّابِ أنَّ هذا من قول الزُّهري أدَرَجَه في الخبر. (١) بل وقع عنده هذا التفسير من حديث عائشة برقم (١٠٠٧)، أما حديث أبي ذر فهو عنده برقم (٧٢٠) ولیس فيه ما ذکر. ٤١٠ باب ١٣ / ح ٢٧٠٩ فتح الباري بشرح البخاري ١٣ - باب الصُّلح بين الغُرَماء وأصحاب الميراث والمجازَفةِ في ذلك وقال ابنُ عبّاسٍ: لا بَأسَ أن يَتَخارَجَ الشَّرِيكانِ، فيأخُذَ هذا دَيناً وهذا عَيناً، فإن تَوِيَ لأحدِهما لم يَرجِعْ على صاحبِهِ. ٢٧٠٩ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا عُبيدُ الله عن وَهْبٍ بنِ كَيْسانَ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: تُوفِّيَ أبي وعليه دينٌ، فعَرَضْتُ على غُرَمائه أن يأخُذُوا النَّمْرَ بما عليه فَأَبَوْا، ولم يَرَوْا أنَّ فيه وفاءً، فأتيتُ النبيَّ نَّهِ فَذَكَرْتُ ذلك له، فقال: ((إذا جَدَدْتَه فَوَضَعْتَه في المِرْبَدِ آذَنْتَ رسولَ الله)) فجاء ومعه أبو بكرٍ وعمرُ، فجَلَسَ عليه ودَعا بالبَرَكةِ، ثمَّ قال: ((ادْعُ غُرَماءَكَ فَأَوْفِهِمْ)) فما تَرَكْتُ أحداً له على أبي دَينٌ إلا قَضَيتُهُ، وفَضَلَ ثلاثةَ عَشَرَ وَسْقاً: سَبْعَةٌ عَجْوَةٌ وسِتَةٌ لَوْنٌ، أو سِتَةٌ عَجْوةٌ وسَبْعَةٌ لَوْنٌ، فوافَيتُ مَعَ رسولِ الله وَّ المغربَ، فَذَكَرْتُ ذلك له، فضَحِكَ، فقال: ((انْتِ أبا بكرٍ وعُمرَ فأخبِرْهما)) فقالا: لقد عَلِمْنا إذْ صَنَعَ رسولُ اللهِ ﴿ مَا صَنَعَ أن سَيكونُ ذلك. وقال هشامٌ عن وَهْب، عن جابرٍ: صلاةَ العَصْرِ، ولم يَذْكُر أبا بكرٍ ولا ضَحِكَ، وقال: وتَرَكَ أبي عليه ثلاثينَ وَسْقاً دَيناً. وقال ابنُ إسحاقَ، عن وَهْب، عن جابرٍ: صلاةَ الظُّهْرِ. قوله: ((باب الصُّلْح بين الغُرَماء وأصحاب الميراث والمجازَفَة في ذلك)) أي: عند المعارضة، وقد قَدَّمت توجيه ذلك في كتاب الاستقراض (٢٣٩٦)، ومُراده أنَّ المجازَفة في الاعتیاض عن الدَّين جائزة وإن كانت من جنس حقّه وأقلّ، وأنَّه لا يتناوله النَّهيَ، إذ لا مُقابَلةَ من الطَّرَفَين. قوله: ((وقال ابن عبّاس ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٢٠٧/٦ و٣٤٩/٧)، وقد تقدَّم شرحه في أوَّل الحوالة(١)، وحديث جابر يأتي الكلام عليه في علامات النُّبَوَّة (٣٥٨٠) إن شاء الله تعالى. (١) بین یدي الحديث (٢٢٨٧). ٤١١ باب ١٤ / ح ٢٧١٠ كتاب الصلح وقوله فيه: ((وفَضَلَ)) بفتح / المعجَمة، وضُبِطَ عند أبي ذرِّ بكسرها، قال سيبويه: وهو نادر. ٣١١/٥ وقوله: ((وقال هشام)) أي: ابن عُرْوة ((عن وَهْب)) أي: ابن كَيْسان، ورواية هشامٍ هذه تقدَّمت موصولة في الاستقراض (٢٣٩٦). وقوله: ((وقال ابن إسحاق عن وَهْب عن جابر: صلاة الظَّهْر)) أي: أنَّ ابن إسحاق روى الحديث عن وهب بن كَيْسان كما رواه هشام بن عُرْوة، إلَّا أنَّهما اختلفا في تعيين الصلاة التي حَضَرَها جابر مع النبيِّ وَِّ حَتَّى أعلمَه بقِصَّتِهِ، فقال ابن إسحاق: الظُّهر، وقال هشام: العصر، وقال عُبيد الله بن عمر: المغرب، والثلاثة رَوَوه عن وهب بن کَیْسان عن جابر، وكأنَّ هذا القَدر من الاختلاف لا يَقدَح في صِحَّة أصل الحديث: لأنَّ المقصود منه ما وقع من بَرَكَتُهُ وَّهِ في الثَّمر وقد حَصَلَ تَوافُقُهم عليه، ولا يَتَرَتَب على تعيين تِلكَ الصلاة بعَينِها كبيرُ معنًى، والله أعلم. وقوله: ((وستَّةٌ لَونٌ)) اللَّون: ما عَدَا العَجْوة، وقيل: هو الدَّقَل وهو الرَّديء، وقيل: اللَّون: اللِّين واللِّينة، وقيل: الأخلاط من الثَّمر، وسيأتي اللِّينة في تفسير سورة الحشر (٤٨٨٤) وأنَّه اسم للنَّخلة. ١٤ - باب الصُّلح بالدّين والعَينِ ٢٧١٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حَدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، أخبرنا يونس (ح) وقال اللَّيثُ: حذَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهَابٍ، أخبرني عبدُ الله بنُ كَعْبٍ، أنَّ كَعْبَ بنَ مالكٍ أخبَرَهُ: أنَّه تَقاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَیناً كان له عليه في عَهْدِ رسولِ الله وََّ في المسجدِ، فَارْتَفَعَت أصواتُما حتَّى سمعَها رسولُ الله ◌َّه وهو في بَيْهِ، فَخَرَجَ رسولُ اللهِ وَه إليهما، حتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فنادَى كَعْبَ بنَ مالكٍ، فقال: ((يا كَعْبُ)) فقال: لَبَّيكَ يا رسولَ الله، فأشارَ بِيَدِه أن ضَعِ الشَّطرَ، فقال كَعْبٌ: قد فعلتُ يا رسولَ الله، فقال رسولُ الله ◌ََّ: ((قُمْ فَاقْضِهِ)). قوله: «باب الصُّلْح بالدّینِ والعَین)» أورَدَ فیه حدیث کعب بن مالك وقِصَّته مع ابن أبي حَدَرَدٍ، وقد تقدَّم قبل ثلاثة أبواب (٢٧٠٦). ٤١٢ باب ١٤ / ح ٢٧١٠ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن التِّين: ليس فيه ما تَرجَمَ به. وأُجيبَ بأنَّ فيه الصُّلح فيما يَتعلَّق بالدَّين، وكأنَّه الحَقَ به الصُّلح فيما يتعلَّق بالعين بطريق الأوْلِى. قال ابن بَطَّل: أَنَّفقَ العلماء على أنَّه إن صالَحَ غريمَه عن دراهمَ بدراهمَ أقلَّ منها جازَ إذا حَلَّ الأجل، فإذا لم يَحِلّ الأجَل لم يَجُزُ أن يَحُطّ عنه شيئاً قبل أن يُقبِضه مكانه، وإن صالَحَه بعد حُلول الأجَل عن دراهم بدَنانير أو عن دَنانير بدراهم جازَ واشتُرِطَ القَبض. انتهى. قوله: ((وقال اللَّيث: حدَّثني يونس)) وَصَلَه الذُّهلي في ((الزّهريات))، ولَلَّيثِ فيه إسناد آخر تقدَّم قبل ثلاثة أبواب. خاتمة: اشتمل كتاب الصُّلح من الأحاديث المرفوعة على أحدٍ وثلاثينَ حديثاً، المعَلَّق منها اثنا عشر حديثاً والبقية موصولة، المكرّر منها فيه وفيما مضى تسعة عشر حديثاً، والخالص اثنا عشر حديثاً، وافقَه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي بَكْرة في فضل الحسَن، وحديث عوف والمِسوَر المعَلَّقَين. وفيه من الآثار عن الصحابة ومَن بعدهم ثلاثةُ آثار. ٤١٣ باب ١ / ح ٢٧١١ - ٢٧١٤ كتاب الشروط ٣١٢/٥ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الشُروط ١ - باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة ٢٧١١، ٢٧١٢ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، حدَّثنا اللَّيِثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أَنَّه سمعَ مروانَ والِسْوَرَ بنَ تَخَرَمةَ رضي الله عنهما يُخِْران عن أصحاب رسولِ الله وَّ﴾، قال: لمَّا كاتَبَ سُهَيلُ بنُ عَمْرِو يومَئذٍ كان فيما اشتَرَطَ سُهَيلُ بنُ عَمْرٍو على النبيِّ بَطِّ: أنْ لا يأتيكَ مِنّ أحدٌ وإن كان على دِينِكَ إلا رَدَدْتَه إلَينا، وخَلَّتَ بيننا وبينه، فكّرِهَ المؤمنونَ ذلك وامتَعَضُوا منه، وأَبَى سُهَيْلٌ إلا ذلك، فكاتَبَه النبيُّ ◌َلّ على ذلك، فرَدَّ يومَئذٍ أبا جَنْدَلٍ إلى أبيه سُهَيلٍ بنِ عَمْرٍو، ولم يأتِه أحدٌ مِن الرِّجال إلا رَدَّه في تلكَ المدّةِ، وإن كان مُسلِماً، وجاءتِ المؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ، وكانت أُمُّ كُلْتُومٍ بنتُ عُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيطٍ مَمَّنْ خَرَجَ إلى رسولِ الله وَّه يومَئذٍ وهي عاتِقٌ، فجاء أهلُها يَسْأَلُونَ النبيَّ ◌َّهِ أَن يَرجِعَها إليهم، فلم يَرجِعْها إليهم لِما أنزلَ الله فيهنَّ: ﴿ إِذَا جََّكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَنِهِنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. ٢٧١٣ - قال عُرْوةُ: فأخبَرَ تْني عائشةُ: أنَّ رسولَ الله وَ لِ كَان يَمْتَحِنُهنَّ بهذه الآيةِ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال عُرْوةُ: قالت عائشةُ: فمَن أقرَّ بهذا الشَّرْطِ منهنَّ قال لها رسولُ الله ◌َيُّ: ((قد بايعتُكِ)) كَلاماً يُكَلِّمُها به، والله ما مَسَّت يَدُه يَدَ امرأةٍ قَطَّ في المبايَعةِ، وما بايَعَهِنَّ إلا بقولِه. [أطرافه في: ٢٧٣٣، ٤١٨٢، ٤٨٩١، ٥٢٨٨، ٧٢١٤] ٢٧١٤ - حدَّثنا أبو نُعَيمِ، حدَّثنا سفيانُ، عن زِبادِ بنِ عِلاقةَ، قال: سمعتُ جَرِيراً. يقول: بايعتُ رسولَ اللهِوَّ فاشتَرَطَ عليَّ: ((والنُّصْح لكلِّ مُسلِمٍ)). ٤١٤ باب ١ / ح ٢٧١٥ فتح الباري بشرح البخاري ٢٧١٥- حدَّثنَا مُسدّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، قال: حدَّثني قيسُ بنُ أبي حازمِ، عن جَرِيرِ بنِ عبدِ الله ◌َُّهُ، قال: بايعتُ رسولَ الله وَلِّ على إقام الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، والنَّصْحِ لكلِّ مُسلِمٍ. قوله: ((باب ما يجوز من الشَّروط في الإسلام والأحْكام والمبايعة)) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَ ((كتاب الشُّروط)) لغيره. والشُّروط: جمع شرط - بفتح أوَّله وسكون الراء -: وهو ما يَستَلِزِمِ نَفيُهُ نَفْيَ أمرٍ آخر ٣١٣/٥ غير السَّبَب، والمراد به هنا بيان/ ما يَصِحّ منها ممَّا لا يَصِحّ. وقوله: ((في الإسلام)) أي: عند الدُّخول فيه، فيجوز مثلاً أن يَشتَرِط الكافر أنَّه إذا أسلَمَ لا يُكَلَّف بالسَّفَرِ من بلد إلى بلد مثلاً، ولا يجوز أن يَشتَرِط أن لا يُصلّيَ مثلاً. وقوله: ((والأحكام)) أي: العُقود والمعاملات. وقوله: ((والمبايعة)) من عَطف الخاصّ على العامّ. قوله: ((يُخْبِران عن أصحاب رسول الله بَيرٍ)) هكذا قال عُقَيل عن الزُّهري، واقتَصَرَ غيره على رواية الحديث عن المِسوَر بن تَرَمةَ ومروان بن الحكم، وقد تَبيَّنَ برواية عُقَيل أنَّه عنهما مُرسَل، وهو كذلك لأنَّها لم يَحَضُرا القِصَّة، وعلى هذا فهو من مسند مَن لم يُسَمّ من الصحابة، فلم يُصِب مَن أخرجه من أصحاب الأطراف في مسند المِسوَر أو مروان؛ لأَنَّ مروان لا يَصِحّ له سماع من النبيِّ وَّهِ ولا صُحبةٌ، وأمَّا المِسوَر فصَحَّ سماعُه منه لكنَّه إنَّما قَدِمَ مع أبيه وهو صغير بعد الفتح، وكانت هذه القِصَّة قبل ذلك بسَنَتين. قوله: ((لمَّا كاتَبَ سُهَيل بن عَمْرو)) هكذا اقتَضَبَ هذه القِصَّة من الحديث الطَّويل، وسيأتي بعد أبواب بطولِه من وجه آخر عن ابن شِهَاب، ويأتي الكلام عليه مُستَوفَّى هناك (٢٧٣١ و ٢٧٣٢). وقوله: ((فامتَعَضوا)» بعَينٍ مُهمَلة وضاد مُعجَمة، أي: أَنِفوا وشَقَّ عليهم، قال الخليل: مَعِضَ - بكسر العين المهمَلة والضَّاد المعجَمة - من الشيء، وامتَعَضَ: تَوَجَّعَ منه. وقال ٤١٥ باب ٢-٣ / ح ٢٧١٦ -٢٧١٧ كتاب الشروط ابن القطَّاعِ: شَقَّ عليه وأَنِفَ منه. ووقع من الرُّواة اختلاف في ضَبْط هذه اللَّفظة، فالجمهور على ما هنا، والأَصِيلي والهَمْداني بظاءٍ مُشَالَة، وعند القابِسي: ((امَّعَضوا)) بتشديد الميم، وكذا العَبْدُوسي، وعند النَّسَفي: ((انغَضّوا)) بنونٍ وغَين مُعجَمة وضاد غير مُشالة، قال عِيَاض: وكلّها تغييرات، حتَّى وقع عند بعضهم: ((انفَضّوا)) بفاءٍ وتشديد، وبعضهم: ((أغيَظوا)) من الغَيْظ. وقوله: ((قال عُرْوة: فأخبرتني عائشة)) هو مُتَّصِل بالإسناد المذكور أوَّلاً، وسيأتي شرحه مُستَوقَى في أواخر النِّكاح (٥٢٨٨). ومضى الكلام على حديث جَرِير في أواخر كتاب الإيمان (٥٧). ٢ - بابٌ إذا باع نخلاً قد أُبِرَتْ ٢٧١٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمر رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((مَن باعَ نَخْلاً قد أُبِرَتْ فَثَمَرَتُها للْبائع، إلا أن يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ)). قوله: ((بابٌ إذا باع نَخْلاً قد أُبِرَتْ)) زاد أبو ذرِّ عن الكُشْمِيهني: ((ولم يَشتَرِطِ الثَّمَر(١)»، أي: المشتري. ذكر فيه حديث ابن عمر، وقد تقدَّم شرحه في كتاب البيوع (٢٢٠٣)، ولم يَذكُر جواب الشَّرط اكتِفاءَ بما في الخبر. ٣- باب الشّروط في البيع ٢٧١٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُرْوةَ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها أخبَرَتُهُ: أنَّ بَرِيرةَ جاءت عائشةَ تَسْتَعِينُها في كتابَتِها، ولم تَكُنْ قَضَت من كتابتِها شيئاً، قالت لها عائشةُ: ارْجِعي إلى أهلِكِ، فإن أحَبُّوا أن أقضِيَ عنكِ كتابَتَكِ ويكونَ ولاؤُكِ لي فعَلْتُ، فَذَكَرَت ذلك بَرِيرةُ إلى أهلِها، فأبَوْا وقالوا: إن شاءَت أن تحتَسِبَ عليكِ (١) كذا في الأصلين، وفي الطبعة السلطانية: الثمرة، وتحرّف في (س) إلى: ((الثمن)) بالنون، قال العيني في ((عمدة القاري)) ٢٩٢/١٣: أي: والحال أيضاً أن المشتري لم يشترط الثمر. ٤١٦ باب ٤ / ح ٢٧١٨ فتح الباري بشرح البخاري فلْتَفْعَل، ويكونَ لنا ولاؤُكِ، فَذَكَرَت ذلك لرسولِ الله وَّهِ، فقال لها: ((ابْتاعي فأَعتِقي، فإنَّما الولاءُ لِمَن أَعتَقَ». قوله: ((باب الشُّروط في البيوع)) ذكر فيه حديث عائشة في قِصَّة بَرِيرة، وقد تقدَّم الكلام عليه ٣١٤/٥ في كتاب العِثْق (٢٥٦٠ - ٢٥٦٦)، وإنَّما أطلقَ التَّرجمة للتَّفصيلِ في اعتباره بين الفقهاء. ٤ - باب إذا اشترط البائع ظَهْرَ الدابةِ إلى مكانٍ مسمّی جاز ٢٧١٨ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا زكريّا، قال: سمعتُ عامِراً يقول: حدَّثني جابرٌ﴾: أنَّه كان يَسِيرُ على جملٍ له قد أَعْيَا، فَمَرَّ النبيُّ نَّهِ فِضَرَبَه، فسارَ سَيْراً ليسَ يَسِيرُ مثلَه، ثمَّ قال: (بِعْنِيه بأُوْقِيَّةٍ)) فِعْتُه، فاستَنَيتُ ◌ُمْلاَنَه إلى أهلي، فلمَّا قَدِمْنا أتيتُهُ بالجَمَلِ ونَقَدَني ثَمَنَه، ثمَّ انصَرَفْتُ، فأرسَلَ على إثْري قال: ((ما كنتُ لآخُذَ جمَلَكَ، فخُذ جمَلَكَ ذلك فهو مالُكَ)). قال شُعْبةُ، عن مُغِيرةَ، عن عامِرٍ، عن جابرٍ: أَفْقَرَني رسولُ اللهَوَ لَظَهْرَه إلى المدينةِ. وقال إسحاقُ، عن جَرِيرٍ، عن مُغِيرةَ: فِعْتُهُ على أنَّ لي فقارَ ظَهْرِه حتَّى أَبلُغَ المدينةَ. وقال عطاءٌ وغيرُه: ((ولَكَ ظَهْرُه إلى المدينةِ)). وقال محمَّدُ بنُ المنكَدِر، عن جابرٍ: شَرَطَ ظَهْرَه إلى المدينةِ. وقال زيدُ بنُ أسلَمَ، عن جابرٍ: ((ولَكَ ظَهْرُهُ حتَّى تَرْجِعَ)). وقال أبو الزُّبَير، عن جابرٍ: ((أفقَرْناكَ ظَهْرَه إلى المدينةِ)). وقال الأعمَشُ، عن سالمٍ، عن جابرٍ: (تَبَلَّغْ عليه إلى أهلِكَ)). قال أبو عبد الله: الاشتراط أکثرُ وأصحُّ عندي. وقال عُبيدُ الله وابنُ إسحاقَ، عن وَهْب، عن جابرٍ: اشْتَراه النبيُّ وَلَ بِأُوقِيَّةٍ. وتابَعَه زيدُ بنُ أسلَمَ، عن جابٍ. وقال ابنُ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ وغيرِهِ، عن جابرٍ: ((أخَذْتُه بأربعةِ دَنانيرَ))، وهذا يكونُ أُوقِيَّةً على حِساب الدِّينار بعَشَرةِ دَراهمَ. ٤١٧ باب ٤ / ح ٢٧١٨ كتاب الشروط ولم يُبيِِّ الثَّمَنَ مُغِيرةُ، عن الشَّعْبِيِّ، عن جابرٍ، وابنُ المنكَدِر وأبو الزُبير، عن جابرٍ. وقال الأعمَشُ، عن سالمٍ، عن جابرٍ: أُوقِيَّةُ ذَهَبٍ. وقال أبو إسحاقَ، عن سالمٍ، عن جابرٍ: بِمِثَتَي دِرْهَمٍ. وقال داودُ بنُ قيسٍ، عن عُبيد الله بنِ مِقْسَمٍ، عن جابٍ: اشتَرَاه بطَرِيقِ تَبُوكَ، أحسَبُه قال: بأربع أواقٍ. وقال أبو نَضْرةَ، عن جابرٍ: اشتَراه بعِشْرِينَ دِيناراً. وقولُ الشَّعْبِيِّ: بأُوقيَّةٍ أكثرُ. الاشتِراط أكثرُ وأصحُ عندِي، قاله أبو عبدِ الله. قوله: ((باب إذا اشتَرَطَ البائع ظَهْر الدّابَّة إلى مكان مُسَمَّى جازَ)) هكذا جَزَمَ بهذا الحكم لِصِحَّة دليله عنده، وهو ممَّا اختُلِفَ فيه وفيما يُشبِهِه كاشتراط سُكنى الدّار وخِدْمة العبد. فذهب الجمهور إلى بُطلان البيع؛ لأَنَّ الشَّرط المذكور يُنافي مُقتَضى العقد. وقال الأوزاعي وابن شُبْرُمةَ وأحمد وإسحاق وأبو ثور وطائفة: يَصِحّ البيع ويَتَنَّل فيه الشَّرط مَنزِلة الاستثناء؛ لأَنَّ المشروط إذا كان قَدْرُه معلوماً صار كما لو باعه بألفٍ إلَّا خمسينَ درهماً مثلاً، ووافقَهم مالك في الَّمَن اليَسير دون الكثير، وقيل: حَدّه عنده ثلاثةُ أيام، وحُجَّتهم حديث الباب، وقد رَجَّحَ البخاري فيه الاشتراطَ كما سيأتي آخرَ كلامه. وأجابَ عنه الجمهور بأنَّ ألفاظه اختلفَت: فمنهم مَن ذَكَر فيه الشَّرط، ومنهم مَن / ذَكر فيه ما يدلّ عليه، ومنهم مَن ذَكر ما يدلّ على أنَّه كان بطريق الهِبَة، وهي واقعةٌ ٣١٥/٥ عَينٍ يَطْرُقها الاحتمال. وقد عارَضَه حديث عائشة في قِصَّة بَرِيرة، ففيه بُطلان الشَّرط المخالف لمُقتَضى العَقْد كما تقدَّم بسطُه في آخر العِثْق (٢٥٦٠-٢٥٦٦)، وصحَّ من حدیث جابر أيضاً النَّهيُ عن بيع الثَّنْيًا (١)، أخرجه أصحاب (السُّنَن))(٢) وإسناده صحيح؛ ووَرَدَ النَّهيُ (١) بيع الثُّنيا: هو أن يستثنى في عقد البيع شيء مجهول فيفسد، وقيل: هو أن يُباع شيء جزافاً، فلا يجوز أن يُستثنى منه شيء قلَّ أو کَثُر. (٢) أبو داود (٣٤٠٤) و(٢٤٠٥)، والترمذي (١٢٩٠)، والنسائي (٢٢٨٠) و(٤٦٣٣)، وفاته أن يعزوه لمسلم، فهو في «صحيحه)) برقم (١٥٤٣) (٨٥). ٤١٨ باب ٤ / ح ٢٧١٨ فتح الباري بشرح البخاري عن بيع وشرط(١)، وأُجيبَ بأنَّ الذي يُنافي مقصود البيع ما إذا اشتَرَطَ مثلاً في بيع الجارية أن لا يَطَأها، وفي الدّار أن لا يَسكُنَها، وفي العبد أن لا يَستَخدِمَه، وفي الدّابَّة أن لا يَركَبَها، أمَّا إذا اشتَرَطَ شيئاً معلوماً لوقتٍ معلوم فلا بأس به. وأمَّا حديث النَّهي عن الثُّنْيا ففي نفس الحديث: ((إلَّا أن يُعلَمَ)) فعُلِمَ أنَّ المراد أنَّ النَّهْيَ إنّما وقع عمّا كان مجهولاً. وأمَّا حديث النَّهي عن بَيْع وَشْرطٍ ففي إسناده مقال، وهو قابل للتَّأويل، وسيأتي مزيد بسط لذلك في آخر الكلام على هذا الحديث إن شاء الله تعالى. قوله: ((سمعت عامِراً)) هو الشَّعبي. قوله: ((أنَّه كان يَسير على جمل له قد أَعْيَا)) أي: تَعِبَ، في رواية ابن نُمَیر عن زکریّا عند مسلم (١٠٩/٧١٥): ((أنَّه كان يَسير على جمل فأعيا، فأراد أن يُسَيِّبه)) أي: يُطلِقه، ولیس المراد أن يَجِعَله سائبةً لا يَركَبه أحد كما كانوا يَفعَلون في الجاهلية لأنَّه لا يجوز في الإسلام، ففي أوَّل رواية مُغيرة عن الشَّعبي في الجهاد (٢٩٦٧): ((غَزَوت مع رسول الله وَ ◌َّ فَتَلاحَقَ بي وتحتي ناضِحٌ لي قد أَعْيا فلا يَكاد يَسير))، والناضح بنونٍ ومُعجَمة ثمَّ مُهمَلة: هو الجمل الذي يُستَقى عليه، سُمّي بذلك لنَضْحِه بالماءِ حال سَقْبِهِ. واختُلِفَ في تعيين هذه الغَزْوة كما سيأتي بعد هذا، ووقع عند البزّار من طريق أبي المتوَكِّل عن جابر: أنَّ الجمل كان أحمر(٢). قوله: ((فَمَرَّ النبي ◌َّ فِضَرَبَه فَدَعا له)) كذا فيه بالفاءِ فيهما، كأنَّه عَقَّبَ الدُّعاء له بضربِهِ. ولمسلمٍ وأحمد (١٤١٩٥) من هذا الوجه ((فضَرَبَه برجلِه ودَعا له))(٣)، وفي رواية يونس بن بُكَيرٍ عن زكريّا عند الإسماعيلي: ((فضَرَبَه رسول الله بََّ ودَعا له فمَشی مِشیةً ما مشی قبل ذلك مثلها»، وفي رواية مُغيرة المذكورة: ((فَزَجرَه ودعا له))، وفي رواية عطاء وغيره عن جابر المتقدِّمة في الوكالة (٢٣٠٩): ((فمَرَّ بيَ النبي ◌َّه فقال: مَن هذا؟ قلت: جابر بن عبد (١) سلف برقم (٤٦). (٢) وهو عند أبي يعلى (١٧٩٣)، وعند أحمد أيضاً (١٥٠٠٤) بنحوه. (٣) قوله: ((برجله)) ليس في رواية مسلم (٧١٥) (١٠٩). ٤١٩ باب ٤ / ح ٢٧١٨ كتاب الشروط الله قال: مالك؟ قلت: إنّي على جمل ثِفال. فقال: أمَعَك قَضيب؟ قلت: نعم. قال: أعطِنِيه، فأعطَيته فضربَه فَزَجرَه، فكان من ذلك المكان من أوَّل القوم))، وللنَّسائي من هذا الوجه (١): ((فأزْحَفَ فَزَجَرَه النبيِّ فانبَسَطَ حتَّى كان أمام الجيش))، وفي رواية وَهْب بن كَيْسان عن جابر المتقدِّمة في البيوع (٢٠٩٧): ((فتَخَلَّفَ، فنزلَ يَحْجُنُهُ بِمِحْجَنه ثمَّ قال: اركَبْ، فَرَكِبت، فلقد رأيتُه أكُفَّه عن رسول الله وَّ))، وعند أحمد (١٥٠٢٦) من هذا الوجه: ((فقلت: يا رسول الله، أبطأ بي جملي هذا، قال: أنِخْه، وأناخَ رسول الله ◌َِّ، ثُمَّ قال: أعطِنِي هذه العَصا - أو اقطَعْ لي عصاً من شجرة - ففعلتُ، فأخَذَها فَنَخَسَه بها نَخَسات فقال: اركَب، فَرَكِيت))، وللطَّبَراني(٢) من رواية زيد بن أسلَمَ عن جابر: ((فأبطَأ عليَّ حتَّى ذهب الناس، فجَعَلت أرقُبه ويُهمّني شَأنه، فإذا النبي وسلّ فقال: أجابر؟ قلت: نعم. قال: ما شَأنك؟ قلت: أبطأً عليَّ جملي، فنَفَثَ فيها - أي: العَصا - ثمَّ مَجَّ من الماء في نَحْرِه ثمَّ ضَرَبَه بالعَصا فوَثَبَ))، ولابن سعد من هذا الوجه: ((ونَضَحَ ماءً في وَجْهِهِ ودُبُرُه وضربَه بِعُصَيَّةٍ فانْبَعَثَ، فما كِدت أُمسِكُه))، وفي رواية أبي الزُّبَير عن جابر عند مسلم (١١٣/٧١٥): ((فكنتُ بعد ذلك أحبِس خِطامَه لأسمع حديثه))، وله من طريق أبي نَضْرة عن جابر: ((فَنَخَسَه ثمَّ قال: اركَبْ باسْمِ الله)) زاد في رواية مُغيرة المذكورة: ((فقال: كيف تَری بَعیرك؟ قلت: بخيرٍ، قد أصابته بَرَكَتُك». قوله: ((ثُمَّ قال: بِعْنِيهِ بأَوقيةٍ، قلت: لا)) في رواية أحمد: ((فكَرِهتُ أن أبيعَه))، وفي رواية مُغيرة المذكورة: ((قال: أتبيعُنيهِ؟ فاستَحيَيتُ ولم يكن لنا ناضح غيره، فقلت: نعم))، وللنَّسائي (٤٦٣٨) من هذا الوجه: ((وكانت لي إليه حاجة شديدة)). ولأحمد (١٤٨٦٤) من رواية نُبَيح، وهو بالنّون والموخَّدة والمهمَلة مُصغَّر(٣)، وفي رواية (١) هو عنده (٤٦٣٨) ولكن من رواية المغيرة عن الشعبي، وليس من الوجه المذكور. (٢) لم نقف على رواية زيد بن أسلم عن جابر في المطبوع من مصنفات الطبراني، وهي عند البيهقي في ((الكبرى)) ٣٣٧/٥ مختصرة. (٣) كذا قال، ولم يسق لفظ رواية نُبيح عند أحمد، ولفظها: ((أنت بائعي جملك هذا؟ قال: قلت: نعم)). ٤٢٠ باب ٤ / ح ٢٧١٨ فتح الباري بشرح البخاري عطاء قال: ((بِعْنيهِ، قلت: بل هو لك يا رسول الله، قال: بِعْنيهِ))، زاد النَّسائي (٤٦٤٠) من ٣١٦/٥ طريق أبي الزُّبَير قال: ((اللهمَّ اغْفِرْ/ له، اللهمَّ ارحمه)). ولابن ماجَهْ (٢٢٠٥) من طريق أبي نَضْرة عن جابر: ((فقال: أتبیعُ ناضحك هذا بدینارٍ والله يَغْفِر لك؟))، زاد النَّسائي (٤٦٤١) من هذا الوجه: ((وكانت كلمة تقولها العرب: افعَل كذا والله يَغْفِرُ لك)». ولأحمد (١٥٠١٣): ((قال سليمان - يعني بعضَ رُواته -: فلا أدري كم من مرَّة)) يعني: قال له: والله يَغْفِر لك، وللنَّسائي (ك ٨١٩١) من طريق أبي الزُّبَير عن جابر: ((اسْتَغْفَرَ لي رسول الله وَ ل﴿ ليلة البعير خمساً وعشرينَ مرَّة)»، وفي رواية وهب بن کیْسان عن جابر عند أحمد (١٥٠٢٦): ((أتبيعُني جملك هذا يا جابر؟ قلت: بل أهَبه لك. قال: لا، ولكن بعنیه))، وفي كلّ ذلك رَدِّ لقولِ ابن التِّين: إنَّ قوله: ((لا)) ليس بمحفوظٍ في هذه القِصَّة. قوله: ((بِعْنيه بوُقيّةٍ)) في رواية سالم عن جابر عند أحمد (١٤٣٧٦): ((فقال: بعنيه، قلت: هو لك، قال: قد أخَذته بوُقيَّةٍ))، ولابن سعد وأبي عَوَانة (٤٨٤٧) من هذا الوجه: ((فلمَّاً أكثرَ عليَّ قلت: إنَّ لرجلٍ عليَّ أوقية من ذَهَب هو لك بها، قال: نعم))، والوُقيَّة من الفِضَّة كانت في عُرْف ذلك الزّمان أربعين درهماً، وفي عُرف الناس بعد ذلك عشرة دراهم، وفي عُرف أهل مِصر اليوم اثنا عشر درهماً، وسيأتي بيان الاختلاف في قَدْر الثَّمَن في آخر الكلام على هذا الحدیث. قوله: ((فاستَئِنَيتُ مُمْلاَتَه إلى أهلي)) الحُمْلان بضمِّ المهمَلة: الحَمْل، والمفعول محذوف، أي: استَئِنَيَت ◌َمْلَه إيّايَ، وقد رواه الإسماعيلي بلفظ: ((واستَئنَيت ظَهْره إلى أن نَقْدَمَ))، ولأحمد (١٥٢٢٢) من طريق شَريك عن مُغيرة: ((اشتَرى مِنّي بعيراً على أن يُفقِرني ظَهره سفَري ذلك))، وذكر المصنّف الاختلاف في ألفاظه على جابر، وسيأتي بيانه. قوله: ((فلمَّا قَدِمْنا)) زاد مُغيرة عن الشَّعبي كما مضى في الاستقراض (٢٤٠٦): «فلمَّاً دَنَونا من المدينة استأذَنته فقال: تزوَّجت بكراً أم نَيِّاً؟))، وسيأتي الكلام عليه في النِّكاح