النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب الهبة
قوله: ((يقالُ له: المندوب)) قيل: سُمّي بذلك من النَّدْب: وهو الرَّهنُ عند السِّباق،
وقيل: لنَدبِ كان في جِسمِه وهو أثرُ الجُرحِ، زاد في الجهاد (٢٨٦٧) من طريق سعيد عن
قَتَادة: ((كان يَقطِفُ، أو كان فيه قِطاف)) كذا فيه بالشَّكّ، والمراد أنَّه كان بَطيءَ المشي.
قوله: ((وإن وَجَدْناه لَبَحْراً))، في رواية المُستَمْلي: ((وإن وجَدنا)) بحذف الضَّمير، قال
الخطَّابي: ((إنْ)) هي النافيةُ، واللّم في ((لَبَحرا)) بمعنى إلَّا، أي: ما وجَدناه إلَّ بَحراً، قال ابن
التِّين: هذا مذهب الكوفيينَ، وعند البصريينَ ((إن)» مُفَّفة من الثَّقيلة واللّام زائدة، كذا
قال، قال الأصمَعي: يقال للفَرَس: بَحرٌ، إذا كان واسعَ الْجَرْيِ، أو لأنَّ جَرْيَه لا يَنفُذُ كما لا
يَنفُذُ البحر، ويُؤيِّدُه ما في رواية سعيدٍ عن قَتَادة: ((وكان بعدَ ذلك لا يُجارى))، وسيأتي في
الجهاد، ويأتي الكلامُ عليه مُستَوفَّى هناك إن شاء الله تعالى(١).
٣٤- باب الاستعارة للعروس عند البناء
٢٦٢٨ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ أيمَنَ، قال: حدَّثني أبي، قال: دَخَلْتُ على
عائشةَ رضي الله عنها وعليها دِرْعُ قِطْرٍ ثَمَنَ خمسةِ دَراهمَ، فقالتِ: ارْفَع بَصَرَكَ إلى جاريَتي
انظر إليها، فإنَّها تُزْهَى أن تَلْبَسَه في البيتِ، وقد كان لي منهنَّ دِرْعٌ على عَهْدِ رسولِ الله ◌ِِّ، فما
كانتِ امرأةٌ تُقَيَّنُ بالمدينةِ، إلا أرسَلَت إليَّ تَستَعِيرُه.
قوله: (باب الاستعارةِ للعَروسِ عند البناءِ)) أي: الزّفاف، وقيل له: ((بناء)) لأنَّهم يَبنون
لمن يَتَزوَّجُ قُبَّة يخلو بها مع المرأة. ثمَّ أُطلِقَ ذلك على التَّزويج.
قوله: ((حدَّثنا عبد الواحد)) تقدَّم (٢٥٦٥) بهذا الإسناد في آخرِ العِثْق حديثٌ، وفيه
شرحُ حالٍ أيمَنَ والِدِ عبد الواحد.
قوله: ((وعليها دِرْعُ قِطْرٍ)) الدِّرع: قَميص المرأة وهو مُذَكَّر، قال الجَوْهَري:/ ودِرع ٢٤٢/٥
الحديد مؤنَّئة، وحَكَى أبو عُبيدة أنَّه أيضاً يُذَكَّرُ ويُؤَنَّث. والقِطرُ بكسر القاف وسكونٍ
(١) كذا أحالَ على كتاب الجهاد، وشرحُه هناك مختصر وهنا أتمُّ وأوفى.

٢٨٢
باب ٣٤ / ح ٢٦٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
المهمَلة بعدَها راء، وفي رواية المُستَمْلِي والسَّرَخسي بضمِّ القاف وآخره نون، والقِطْر:
ثياب من غَليظ القُطْن وغيره، وقيل: من القُطْنِ خاصَّة، وحَكَى ابن قُرقولٍ أنَّه في رواية
ابن السَّكَنِ والقابِسي بالفاء المكسورة آخره راء: وهو ضربٌ من ثياب اليمن تُعرَفُ
بالقِطْرية فيها مُرة. قال البَيّاسي(١): والصوابُ بالقاف، وقال الأزهَري: الثّيابُ القِطْرية
منسوبة إلى قَطر: قرية في البحرين، فكَسَروا القافَ للنِّسبة وخَفَّفوا.
قوله: ((ثَمَنَ خمسَةِ دَراهمَ)) بنصب ((ثَمَن)) بتقدير فعل، و((خمسة)) بالخَفضِ على الإضافة،
أو برفع الثَّمَنِ وخمسة على حذف الضَّمير، والتَّقدير: ثمنُه خمسة، ورُوِيَ بضمٍّ أوَّلِه
وتشديد الميم على لفظ الماضي، ونصبٍ ((خمسة)) على نَزع الخافض، أي: قوِّمَ بخمسة
دراهمَ. ووقع في رواية ابن شَبّويه وحدَه: ((خمسة الدَّراهم».
قوله: ((إلى جاريتي)) لم أعرِف اسمَها.
قوله: ((تُزْهى)) بضمّ أوَّله، أي: تأنَفُ أو تَتكبَّ، يقال: زُهِيَ يُزْهَى(٢): إذا دَخَلَه الزَّهْو:
وهو الكِبْرُ، ومنه: ما أزهاه! وهو من الحُروفِ التي جاءت بلفظ البناءِ للمَفعولِ وإن
كانت بمعنى الفاعِل، مِثل: عُنِيَ بالأمر، ونُتِجَت الناقة، قلت: ورأيته في رواية أبي ذرِّ
((تَزهى)) بفتح أوَّله، وقد حَكاها ابن دُرَيد، وقال الأصمَعي: لا يقال بالفتح.
قوله: (تُقَيَّن)) بالقاف، أي: تُزيَّنُ، مِن: قانَ الشيءَ قِيانةً، أي: أصلَحَه، والقَيْنة تُقالُ
للماشطة وللمُغَنّة وللأَمة مُطلَقاً. وحَكَى ابن التِّينِ أنَّه روي ((تُفيَّن)) بالفاء، أي: تُعرَضُ
وتُجُلّى على زوجِها. قلت: ولم يُضبَط ما بعدَ الفاء، ورأيته بخَطّ بعضِ الحفّاظ بمُثنّة فوقانية.
(١) كذا في (أ) على الصواب، وفي (ع): الشاشي، وهو تصحيف، وتصحف في (س) إلى: البناسي. والبيّاسي:
هو العلامة النحوي أبو الحجاج يوسف بن محمد بن إبراهيم الأنصاري المغربي، توفي سنة ثلاثٍ
وخمسين وست مئة. انظر ((سير أعلام النبلاء)» ٣٣٩/٢٣.
(٢) كذا ضبطه الأزهري في ((تهذيب اللغة)) ١٩٨/٦ على لفظ ما لم يُسمَّ فاعله، وقال: ولا يقال: زَهَا. وانظر
((اللسان)) (زها).

٢٨٣
باب ٣٥ / ح ٢٦٢٩
كتاب الهبة
قال ابن الجوزي: أرادت عائشة رضي الله عنها أنَّهم كانوا أوَّلاً في حالٍ ضِيقٍ، وكان
الشيء المحتَقَر عندهم إذ ذاكَ عظيم القَدر.
وفي الحديث أنَّ عاريَّة الثّاب للعَروسِ أمر مَعمول به مُرَغَّب فيه، وأنَّه لا يُعَدُّ من الشُّنْعِ.
وفيه تَواضُعُ عائشة، وأمرُها في ذلك مشهور. وفيه حِلمُ عائشة عن خَدَمِها ورِفقُها في
المعاتَبة، وإيثارُها بما عندها مع الحاجة إليه، وتَواضُعُها بأخذِها بالبُلْغة (١) في حال اليسار مع
ما كان مشهوراً عنها من الجودِ رضي الله عنها.
٣٥- باب فضل المَنِیحة
٢٦٢٩ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرِ، حدَّنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ظُه
أَنَّ رسولَ الله وَِّ قال: «نِعْمَ المنيحةُ اللّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، والشّاةُ الصَّفِيُّ تَغْدُو بإناءٍ وتَرُوحُ
بإناءٍ)).
حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ وإسماعيلُ، عن مالكٍ قال: ((نِعْمَ الصَّدَقُ)).
[طرفه في: ٥٦٠٨]
قوله: ((باب فضل المَنِيحة)) حذف ((باب)) من رواية أبي ذرٍّ، والمنيحة بالنّونِ والمهملة ٢٤٣/٥
وزن عظيمة، هي في الأصلِ العَطيّةُ، قال أبو عُبيد: المنيحة عند العربٍ على وجهين،
أحدهما: أن يُعطيَ الرجلُ صاحبَه صِلةً فتكون له، والآخر: أن يُعطيَه ناقة أو شاة ينتفعُ
بِحَلْبِها ووَبَرها زَمَناً ثمَّ يردُّها، والمراد بها في أوَّلِ أحاديثِ الباب هنا عاريَّة ذوات الألبان
ليؤخَذَ لَبَنُها ثمَّ تُرَدُّ هي لصاحبِها. وقال القَزّاز: قيل: لا تكون المنيحة إلَّا ناقة أو شاة،
والأوَّل أعرَفُ.
ثمَّ ذكر المصنفُ فيه ستةَ أحاديث:
الأول: حديث أبي هريرة.
(١) في (س): السُّلفة، وهو تحريف ظاهر، وما أثبتناه من الأصلين، وهو الذي يقتضيه السياق. والبُلْغة: ما
يُتبلَّغ به من العيش.

٢٨٤
باب ٣٥ / ح ٢٦٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((نِعْمَ المنيحةُ اللَّقْحةُ الصَّفيُّ مِنْحَةً)) اللِّقحة: الناقة ذات اللَّبَنِ القريبة العَهد بالولادة،
٢٤٤/٥ وهي مكسورةُ اللّام ويجوزُ فتحُها، والمعروفُ أنَّ اللَّقحةَ بفتح اللام: المرّة/ الواحدة من
الحَلْب، والصَّفي بفتح الصَّاد وكسر الفاء، أي: الكَرِيمةُ الغَزيرةُ اللَّبَن، ويقال لها: الصَّفية
أيضاً، كذا رواه يحيى بن بُكَيرٍ، وذكر المصنّفُ بعدَه أنَّ عبد الله بن يوسف وإسماعيل - يعني
ابن أبي أَوَيس - رَوَياه بلفظ: (نِعمَ الصَّدَقة اللِّحة الصَّفيُّ مِنحةً)) وهذا هو المشهورُ عن
مالك، وكذا رواه شعيب عن أبي الزنادِ كما سيأتي في الأشربة (٥٦٠٨). قال ابن التِّين: مَن
روى: ((نِعمَ الصَّدَقة)) روى أحدَهما بالمعنى؛ لأَنَّ الِحةَ: العَطيّة، والصَّدَقة أيضاً عَطيّة.
قلت: لا تَلازُمَ بينهما، فكلّ صدقة عَطيّة وليس كلُّ عَطيّة صدقة، وإطلاق الصَّدَقة على
المِنِحة مجاز، ولو كانت المنحة صدقة لما حَلَّت للنبي وَ لَ و بل هي من جنس الهِبَة والهديّة.
وقوله: ((مِنحة)) منصوب على التَّمييز، قال ابن مالك: فيه وقوع التَّمييزِ بعدَ فاعِلِ ((نِعمَ))
ظاهراً، وقد مَنَعَه سيبَوَيه إلَّا مع الإضمار مِثل: ﴿بِئْسَ لِظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، وجَوَّزَه
المَبَرِّد وهو الصَّحيحُ، وقال أبو البقاء: اللِّقحةُ هي المخصوصَةُ بالمدح و((مِنحة)) منصوب
على التّمییزِ تَوکیداً، وهو کقول الشاعر:
فنِعمَ الزّادُ زادُ أبيكَ زادا(١)
قوله: ((تَغْدو بإناءٍ وتَروحُ بإناءٍ)) أي: من اللَّبَن، أي: تَحلبُ إناءً بالغَدَاة وإناءً بالعَشي.
ووقع هذا الحديث في رواية مسلم (١٠١٩) من رواية سفيان عن أبي الزِّنادِ بلفظ: ((ألا
رجل يَمنَحُ أهلَ بيت ناقةً تَغدُو بإناءٍ وتَروحُ بإناءٍ، إنَّ أجرَها لَعظيم)).
الحديث الثاني: حديث أنس.
٢٦٣٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا ابنُ وَهْب، حدَّثنا يونسُ، عن ابنِ
شِهَابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾ قال: لمَّا قَدِمَ المهاجِرُونَ المدينةَ من مكَّةً وليسَ بأيدِیهم،
(١) هذا عجز بيت لجرير بن عطية، وصدره:
تزوَّد مثلَ زاد أبيكَ فينا
انظر ((اللسان)» (زود).

٢٨٥
باب ٣٥ / ح ٢٦٣٠
كتاب الهبة
وكانتِ الأنصارُ أهلَ الأرضِ والعَقَار، فقاسَمَهم الأنصارُ على أن يُعْطُوهم ثِمارَ أموالهم
كلَّ عامِ، ويَكْفُوهم العملَ والمؤنَةَ، وكانت أُمُّه ◌ُمُّ أنسٍ أُمُّ سُلَيمٍ كانت أُمَّ عبدِ الله بنِ أبي
طَلْحَةَ، فكانت أعطَت أُمُّ أنسٍ رسولَ الله وَِّ عِذاقاً، فأعطاهنَّ النبيُّ ◌َّهِ أُمَّ أيمَنَ مَوْلاتَه
أُمَّ أُسامةَ بنِ زیدٍ.
قال ابنُ شِهَابٍ: فأخبرني أنسُ بنُ مالكِ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ لمَّا فَرَغَ من قِتالِ أهلِ خَيِبرَ
فانصَرَفَ إلى المدينةِ، رَدَّ المهاجِرُونَ إلى الأنصار مَنائحَهم من ثمارهم، فَرَدَّ النبيُّ ◌َ إلى أُمِّه
عِذاقَها، فأعطَى رسولُ الله ◌َِّ أُمَّ أيمَنَ مكانهنَّ من حائطِهِ.
وقال أحمدُ بنُّ شَبِيبٍ: أخبرنا أبي عن يونسَ بهذا وقال: مكانهنَّ من خالصِهِ.
[أطرافه في: ٣١٢٨، ٤٠٣٠، ٤١٢٠]
قوله: ((وليس بأيديهم)) كذا للجميع، وفي رواية الأَصِيلي وكَرِيمة: ((يعني شيءٌ)) وثبت
لفظُ ((شيء)) في رواية مسلمٍ (١٧٧١/ ٧٠) عن حَرمَلَةَ وأبي الطاهرِ عن ابن وَهْبٍ.
قوله: ((فقاسَمَهم الأنصارُ)) ... إلى آخره، ظاهره مُغاير لقوله في حديث أبي هريرة الماضي
في المزارعة (٢٣٢٥): «قالت الأنصار للنبي وَّ: اقسِم بيننا وبين إخواننا النَّخيل، قال:
لا)). والجمع بينهما أنَّ المراد بالمقاسَمة هنا: القِسمة المعنَوية، وهي التي أجابَهم إليها في
حديث أبي هريرة حيثُ قال: ((قالوا: فيَكفونَنا المؤنة ونشركُهم في الثَّمَرِ)) فكان المراد هنا
مُقاسَمة الثِّمار، والمنفيُّ هناك مُقاسَمة الأُصول.
وزَعَمَ الدَّاوُودي وأقرَّه ابن التِّينِ أنَّ المراد بقوله هنا: ((قاسَمَهم الأنصار)) أي: حالَفوهم،
جَعَلَه من القَسَمِ بفتح القاف والمهمَلة لا من القَسْمِ بسكونِ المهمَلة، وقد تقدَّم تَعَقُّبُ ما
زَعَمَه في كتاب المزارَعة.
قوله: ((وكانت أُمُّه أُمُّ أنس ... )) إلى آخره، الضَّمير في ((أُمّه)) يعودُ على أنسٍ، و((أُمّ أنس)»
بدل منه، وكذا أُمُّ سُلَيمٍ، وفي رواية مسلم: ((وكانت أُمُّ أنس بن مالك(١) وهي تُدعى أُمَّ
(١) في (س): ((كانت أمّه أم أنس)) بزيادة ((أمه)) وهي زيادة مقحمة.

٢٨٦
باب ٣٥ / ح ٢٦٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
سُلَيم، وكانت أُمَّ عبد الله بن أبي طلحة، كان أخاً لأنسٍ (١) لأُمِّه)) والذي يَظهَرُ أنَّ قائل ذلك
هو الزُّهري الراوي عن أنس، لكنَّ بقيةَ السِّياق يقتضي أنَّه من رواية الزُّهري عن أنس،
فيُحمَلُ على التَّجريد.
قوله: ((فكانت أعطَت أُمُّ أنس)) أي: كانت أُمّ أنس أعطَت.
قوله: ((عِذاقاً)) بكسر المهمَلة وبذالٍ مُعجَمةٍ خفيفة جمع عَذْق، بفتحِ ثمَّ سکون گَحَبْلٍ
وحِبالٍ، والعَذق: النَّخلة، وقيل: إنَّما يقال لها ذلك إذا كان حَمْلها مَوجوداً، والمراد: أنَّها
وهَبَت له ثَمَرها.
قوله: ((قال ابن شِهَاب)) هو موصولٌ بالإسناد المذكور، وكذا هو عند مسلم.
قوله: ((إلى أُمُّ)) أي: إلى أُمّ أنس، وهي أُمّ سُلَيم.
قوله: ((فأعطى رسول الله وَ﴿ أُمّ أيمَن مكانَهنَّ) أي: بَدَنَّ.
قوله: ((من حائطِه)) أي: بُستانه.
قوله: ((وقال أحمد بن شبيب: أخبرنا أبي عن يونسَ بهذا)) أي: بالإسناد والمتن.
قوله: ((وقال: مكانهنَّ من خالصِهِ)) يعني: أنَّه وافقَ ابنَ وَهبٍ في السّياق إلَّا في قوله:
((من حائطِهِ)) فقال: ((من خالصِه)) أي: من خالص ماله. قال ابن التِّين: المعنى واحدٌ؛
لأَنَّ حائطَه صار له خالصاً. قلت: لكنَّ لفظ: ((خالصِه)) أصرَحُ في الاختصاص من
(حائطه)).
وطريق أحمد بن شَبيب هذه وَصَلَها البُرقاني في ((المصافَحة)) من طريق محمد بن عليّ
٢٤٥/٥ الصَّائغ، عن أحمد بن شَبيب المذكورِ مثله، زاد مسلم في / آخرِ الحديث: ((قال ابن شِهَاب:
وكان من شَأْنِ أُمّ أيمَن أنَّها كانت وَصِيفةً لعبد الله بن عبد المطَّلِب، وكانت من الحَبَشة، فلمَّا
ولَدَت آمِنَةُ رسولَ الله ◌َّهِ بعدَما تُوُلِّي أبوه، كانت أُمّ أيمَن تَحَضُنُهُ حتَّى كَبِرَ فأعتَقَها، ثمَّ
أنگحها زيد بن حارثة، وتُنّیت بعدە پێ بخمسة أشهُر))، وسيأتي في المغازي (٤١٢٠) ذِکر
(١) في (ع) و(س): أخا أنس، وما أثبتناه من (أ) وهو الموافق لما في ((صحيح مسلم)).

٢٨٧
باب ٣٥ / ح ٢٦٣١
كتاب الهبة
سببٍ إعطاءِ رسولِ اللهِ وَِّ لأَمِّ أيمَن بدلَ العِذاق، وفيه زيادةٌ على رواية الزُّهري، فإنَّه
أخرج من طريق سليمان التَّيْمي عن أنس قال: ((كان الرجلُ يَجِعَلُ للنبيِ نَِّ النَّخْلاتِ))
الحديث، وفيه: ((وإنَّ أهلي أمَروني أن أسألَ النبيَّ وَِّ الَّذِي كانوا أعطَوْه، وكان قد أعطاه
أُمّ أيمَن، فجاءت أُمُّ أيمَن فجَعَلَت الثَّوبَ في عُنُقي تقولُ: لا نُعطيكم وقد أعطانيهِ، قال:
والنبيُّ وَّ يقول: لكِ كذا؛ حتَّى أعطاها عشرةَ أمثالِه)) أو كما قال.
الحديث الثالث:
٢٦٣١ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثْنَا عِيسَى بنُ يونسَ، حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن حسَّانَ بنِ عَطِيَّةً،
عن أبي كَبْشةَ السَّلُوِيِّ، سمعتُ عبد الله بنَ عَمْرٍو رضي الله عنهما، يقول: قال رسولُ الله ◌ِهِ:
((أربعُونَ خَصْلةً أعلاهنَّ مَنِيحةُ العَنْزِ، ما من عامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلةٍ منها رَجاءَ ثوابِها وتصديقَ
مَوْعُودِها، إلَّا أدخَلَه الله بها الجنَّةَ)).
قال حسَّانُ: فَعَدَدْنا ما دُونَ مَنِيحةِ العَنْزِ: من رَدِّ السَّلامِ، وتَشْمِيتِ العاطسِ، وإماطةٍ
الأَذَى عن الطَّرِيقِ ونَحْوِه، فما استَطَعْنا أن نَبلُغَ خمسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً.
قوله: ((عن حسَّان بن عَطيّة)) في رواية أحمدَ (٦٤٨٨) عن الوليد: حدَّثنا الأوزاعي،
حدَّثنا حسَّان بن عَطيّة.
قوله: ((عن أبي كَبْشَةَ)) في رواية أحمدَ المذكورة: ((حدَّثني أبو كَبْشَة)) وهو بفتح الكاف
وسكونِ الموحّدة بعدَها مُعجَمة ((السَّلُولي)) بفتح المهمَلة وتخفيف اللّام المضمومة بعدَها واو
ساكنة ثمَّ لامٌ، لا يُعرَفُ اسمُه، وزَعَمَ الحاكمُ أنَّ اسمَه البَراء بن قيس، ووَلَّمَه عبد الغني بن
سعيد وبَيَّنَ أنَّه غيرُه، وليس لأبي كَبْشَةَ ولا للرّاوي عنه حسَّان بن عَطيّة في البخاري سوى
هذا الحديث، وآخر في أحاديث الأنبياءِ (٣٤٦١).
قوله: ((قال رسول الله وَال﴾)) في رواية أحمدَ: سمعتُ رسولَ الله وَل.
قوله: ((أربعونَ خَصْلةً)) في رواية أحمدَ: أربعون حَسَنة.
قوله: ((العَنْز)) بفتح المهمَلة وسكون النّونِ بعدَها زاي، معروفة: وهي واحدة المَعْز.

٢٨٨
باب ٣٥ / ح ٢٦٣١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال حسَّان)) هو ابن عَطيّة راوي الحديث، وهو موصولٌ بالإسناد المذكورِ.
قال ابن بَطَّال ما مُلخَّصُه: ليس في قولِ حسَّان ما يَمنَعُ من وجدان ذلك وقد حَضَّدِله
على أبوابٍ من أبواب الخير والبِّ لا تُحصى كَثْرَةً(١)، ومعلومٌ أنَّه وَّهِ كان عالماً بالأربعينَ
المذكورة، إنَّما لم يَذَكُرُها لمعنّى هو أنفَعُ لنا من ذِكْرِها، وذلك خَشْيَةَ أن يكون التَّعيين لها
مُزَهِّداً في غيرها من أبواب البِرّ.
قال: وقد بَلَغَني أنَّ بعضَهم تَطَلَّبَها فَوَجَدَها تَزِيدُ على الأربعينَ فممَّا زاده: إعانة
الصَّانِعِ والصَّنعة للأخرَق، وإعطاء شِسْع النَّعل، والسَّتر على المسلم، والذَّبّ عن عِرضِه،
وإدخال الشُّرورِ عليه، والتَّفَسُّح في المجلس، والدّلالة على الخير والكلام الطيِّب، والغَرس
والزَّرع والشَّفاعة، وعيادة المريضِ والمصافحة، والمحَبَّة في الله والبُغض لأجلِهِ، والمجالَسة
لله، والتَّزاوُر والنُّصح والرّحمة، وكلّها في الأحاديثِ الصَّحيحة(٢). وفيها ما قد يُنازَعُ في
(١) تحرفت في (س) إلى: كثيرة.
(٢) انظر في إعانة الصانع والصنعة للأخرق حديث أبي ذر السالف برقم (٢٥١٨)، وفي إعطاء شسع النعل
حديث جابر بن سليم عند أحمد (١٥٩٥٥)، وفي الستر على المسلم حديث ابن عمر السالف برقم
(٢٤٤٢)، وفي الذب عن عرضه حديث أبي الدرداء عند أحمد (٢٧٥٣٦)، والترمذي (١٩٣١)، وفي
إدخال السرور عليه حديث علي بن أبي طالب عند الطبراني (٢٧٣١) و(٢٧٣٨)، والقضاعي في «مسند
الشهاب (((١١٣٩)، وحديث ابن عباس عند الطبراني (١١٠٧٩)، وفي التفسح في المجلس حديث ابن
عمر الآتي برقم (٦٢٧٠).
وفي الدالِّ على الخير حديث أبي مسعود البدري عند أحمد (٢٢٣٣٩)، والبخاري في ((الأدب المفرد))
(٢٤٢)، ومسلم (١٨٩٢)، وأبي داود (٥١٢٩)، وحديث أنس عند الترمذي (٢٦٧١)، وحديث بريدة
عند أحمد (٢٣٠٢٧).
وفي الكلمة الطيبة حديث أبي هريرة وحديث أنس، وقد سلفا برقم (٥٧٥٤) و(٥٧٥٦).
وفي الغَرس والزرع حديث أنس السالف برقم (٢٣٢٠).
وفي الشفاعة حديث أبي موسى السالف برقم (١٤٣٢).
وفي عيادة المريض حديث أبي موسى والبراء بن عازب سيأتيان (٥٦٤٩) و(٥٦٥٠).
وفي المصافحة حديث البراء عند أبي داود (٥٢١١) و(٥٢١٢)، وابن ماجه (٣٧٠٣)، والترمذي (٢٧٢٧).
وفي الحب في الله والبغض في الله، حديث أبي هريرة السالف برقم (٦٦٠)، وحديث أنس السالف برقم =

٢٨٩
باب ٣٥ / ح ٢٦٣٢ - ٢٦٣٣
كتاب الهبة
كَونِه دون مَنيحة العَنز، وحَذَفت ممَّا ذكره أشياءَ قد تَعَقَّبَ ابن المنيِّر بعضَها وقال: الأَولى
أن لا يُعتَنى بعدِّها لمَا تقدَّم.
وقال الكِرْماني: جميعُ ما ذكره رَجمٌ بالغَيب، ثمَّ أنّى عَرَفَ أنَّها أدنى من المنيحة؟
قلت: وإنَّما أرَدت بما ذكرتُه منها تقريبَ الخمس عشرة التي عَدَّها حسَّان بن عَطيّة
وهي إن شاء الله تعالى لا تَخْرُجُ عَّا ذكرتُه، ومَعَ ذلك فأنا موافقٌ لابن بَطَّالٍ في إمكان تَتُّع
أربعينَ خَصلةً من خصال الخير أدناها مَنيحة العَنز، وموافق لابن المنيِّرِ في رَدّ كثير مما ذكره
ابن بَطَّال ◌ِمَّا هو ظاهرٌ أنَّه فوقَ المنيحة، والله أعلم.
الحديث الرابع:
حديث جابر: ((كانت لرجالٍ مِنّا فُضولُ أَرَضينَ)).
٢٦٣٢ - حدّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حذَّثنا الأوْزاعيُّ، قال: حذَّثني عطاءٌ، عن جابرِ
قال: كانت لِرِجالٍ مِنّا فُضُولُ أَرَضِينَ فقالوا: نُؤاجِرُها بالثّلثِ والرُّبُع والنِّصْفِ، فقال النبيُّ وَلِّ.
((مَن كانت له أرضٌ فَلْيَزْرَعْها أو لِيَمْنَحْها أخاه، فإن أَبَى فَلْيُمْسِك أرضَه)).
تقدَّم في المزارَعة (٢٣٤٠) مع الكلام عليه، والغَرَضُ منه هنا قوله: ((أو ليمنَحْها
أخاه)).
الحديث الخامس:
٢٦٣٣- وقال محمَّدُ بنُ يوسفَ: حدَّثْنا الأوْزاعيُّ، حدَّثني الزُّهْرِيُّ، حذَّثني عطاءُ بنُ
= (١٦)، وفي لفظ له عند النسائي (٤٩٨٧): وأن يبغض في الله. وحديث أبي أمامة عن أبي داود (٤٦٨١).
وفي المجالسة والتزاور حديث أبي هريرة عند أحمد (٩٢٩١)، ومسلم (٢٥٦٧)، وحديث معاذ عند
مالك في «الموطأ)) ٢/ ٩٥٣ -٩٥٤، وابن حبان (٥٧٥).
وفي النصح حديث جرير بن عبد الله، وقد سلف برقم (٥٧) و(٥٨).
وفي الرحمة حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري في ((الأدب المفرد)» (٣٨٠)، وأحمد (٦٥٤١)،
وحديث آخر عن ابن عمرو عند البخاري في ((الأدب المفرد)» (٣٥٥)، وأحمد (٦٧٣٣)، وحديث آخر
عنه عند أبي داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤)، وأحمد (٦٤٩٤)، وانظر تتمة شواهده في ((المسند)).

٢٩٠
باب ٣٥ / ح ٢٦٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
يزيدَ، حدَّثني أبو سعيدٍ، قال: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله ◌َّهِ، فسألَه عن الهِجْرةِ فقال: ((وَيُحَكَ!
إِنَّ الهِجْرةَ شَأْنُها شديدٌ، فَهَل لكَ من إِلٍ؟)) قال: نعم، قال: ((فَتُعْطِي صَدَقَتَها؟)) قال: نعم،
قال: ((فَهَل تَمَنَحُ منها شيئاً؟)) قال: نعم، قال: ((فَتَحْلُبُها يومَ وِرْدِها؟)) قال: نعم، قال: ((فاعمَل
من وراءِ البِحار، فإن الله لن يَتِرَكَ من عَملِكَ شيئاً».
قوله: ((وقال محمد بن يوسف)) يُتمَلُ أن يكون معطوفاً على الَّذي قبلَه فيكون موصولاً،
لكن صَرَّحَ الإسماعيلي وأبو نُعيم بأنَّه لم يَذكُر فيه الخبر، ويُؤيِّدُه أنَّه أورَدَه في الهجرة
(٣٩٢٣) موصولاً من طريق الوليد بن مسلم، قال: ((وقال محمد بن يوسف)) كلاهما عن
الأوزاعي، فلو أراد هنا أن يَعطِفَه لَقال هناك: حدّثنا محمد بن یوسف، کعادتِه.
نعم، زَعَمَ الِزّي أنَّه أخرجه في الهِبَة: عن محمد بن يوسف، وفي الهجرة: وقال محمد بن
یوسف، فالله أعلم.
وقد وَصَلَه الإسماعيلي / وأبو نُعيم من طريق محمد بن يوسف المذكورِ وسيأتي شرحُه
٢٤٦/٥
في الهجرة إن شاء الله تعالى. والغَرَضُ منه قوله: «فهل تَنَحُ منها شيئاً؟ قال: نعم)) فإنَّ فيه
إثباتَ فضيلة المنيحة.
وقوله: (لن يَتِرَكَ)) أي: لن يَنقُصَك.
الحديث السادس: حديث ابن عبّاس.
٢٦٣٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا أيوبُ، عن عَمْرٍو، عن
طاؤُوسٍ، قال: حدَّثني أعلمُهم بذاكَ - يعني: ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما -: أنَّ النبيَّ وَّ خَرَجَ
إلى أرضٍ تَهْتَزُّ زَرْعاً، فقال: ((لِمَن هذه؟)) فقالوا: اكْتَراها فلانٌ، فقال: ((أُمَا إنَّه لو مَنَحَها إيّاه،
كان خيراً له من أن يأخُذَ عليها أجْراً مَعْلُوماً)).
وقد تقدَّم في المزارعة أيضاً (٢٣٣٠)، والمراد منه هنا ما دَلَّ من قوله: «لو مَنَحَها إياه
كان خيراً له)) على فضل المَنِيحة.

٢٩١
باب ٣٦ / ح ٢٦٣٥
كتاب الهبة
٣٦- بابٌ إذا قال: أَخدمتُك هذه الجاريةَ على ما يَتَعارَفُ
النّاسُ، فهو جائزٌ
وقال بعضُ النّاسِ: هذه عاريَّةٌ، وإن قال: كَسَوْتُكَ هذا الثَّوْبَ، فهذه هِبَّةٌ.
٢٦٣٥ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ◌َُه
أنَّ رسولَ الله وَّلِ قال: «هاجَرَ إِبراهيمُ بسارةَ، فأعطَوْها آجَرَ فَرَجَعَت، فقالت: أَشَعَرْتَ أنَّ
الله كَبَتَ الكافرَ، وأخدَمَ ولِیدةً)).
وقال ابنُ سِيرِينَ: عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وََّ: ((فأخدَمَها هاجَرَ )).
قوله: ((باب إذا قال: أخَدَمْتُك هذه الجاريةَ على ما يَتَعارَفُ النّاسُ فهو جائز، وقال بعض
النّاس: هذه عارِيَّة، وإن قال: كَسَوْتُك هذا الثَّوْب فهذه هِبَة)) أورَدَ فيه طَرَفاً من حديثٍ أبي
هريرة في قِصَّة إبراهيم وهاجَر وقال فيه: ((وأخدَمَ وليدةً)) قال: وقال ابن سيرينَ عن أبي
هريرة: ((فأخدَمَها هاجَر))، وسيأتي موصولاً في أحاديثِ الأنبياءِ (٣٣٥٧ و٣٣٥٨) مع
الکلام علیه.
قال ابن بَطَّال: لا أعلمُ خلافاً أنَّ مَن قال: أخدَمتُك هذه الجاريةَ أنَّه قد وَهَبَ له
الخدمة خاصَّة، فإنَّ الإخدام لا يقتضي تمليك الرَّقَبة كما أنَّ الإسكان لا يقتضي تمليك الدّار.
قال: واستدلالُه بقوله: ((فأخدَمَها هاجَر)) على الهِبَة لا يَصِحُ، وإنَّما صَخَّت الهِبَة في هذه
القِصَّة من قوله: ((فأعطَوها هاجَر))، قال: ولم يختلف العلماءُ فيمَن قال: كَسَوتُك هذا
الثَّوبَ مُدَّة مُعيَّنة أنَّ له شرطَه، وإن لم يَذْكُر أجَلاً فهو هِبَة، وقد قال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ:
إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيَكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ولم تَخْتَلِف
الأُمَّةُ أنَّ ذلك تمليك للطّعام والكسوة، انتهى.
والذي يَظهَرُ أنَّ البخاري لا يُخالفُ ما ذكره عند الإطلاق، وإنَّما مُرادُه أنَّه إن وُجِدَت
قَرِينة تدلُّ على العُرفِ حُلَ عليها، وإلا فهو على الوضع في الموضعین، فإن كان جَری بین
قومٍ عُرفٌ في تنزيل الإخدام مَنزِلة الهِبَة فأطلقَه شخصٌّ وقَصَدَ الثَّمليكَ نَفَذَ، ومَن قال:

٢٩٢
باب ٣٧ / ح ٢٦٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
هي عاريّةٌ في كلِّ حالٍ فقد خالَفَه، والله أعلم.
٣٧- باب إذا حَمَلَه على فرسٍ فهو كالعُمْرى والصَّدقة
وقال بعضُ النّاسِ: له أن يرجعَ فيها.
٢٦٣٦- حدَّثنا الحُمَيديُّ، أخبرنا سفيانُ، قال: سمعتُ مالكاً يَسْألُ زيدَ بنَ أسلَمَ، قال:
سمعتُ أبي يقول: قال عمرُ عَ: حَمَلتُ على فرسٍ في سبيلِ الله، فرأيتُه يُباعُ، فسألتُ رسولَ الله وَّه
فقال: ((لا تَشْتَرِهِ، ولا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ)).
قوله: ((باب إذا حَملَه على فرسِ فهو كالعُمْرى والصَّدَقةِ. وقال بعض النّاس: له أن يَرجِعَ
٢٤٧/٥ فيها)) أورَدَ فيه/ حديثَ عمرَ: ((حَمَلتُ على فرسٍ)) مختصراً، وقد تقدَّم الكلام عليه قبلَ
أبواب (٢٦٢٣).
قال ابن بَطَّال: ما كان من الحَملِ على الخيلِ تمليكاً للمحمولِ عليه بقوله: هو لك، فهو
كالصَّدَقة، فإذا قَبَضَها لم يَجُزُ الرُّجوعُ فيها، وما كان منه تحبيساً في سبيلِ الله فهو كالوَقْف لا
يجوزُ الرُّجوعُ فيه عند الجمهور، وعن أبي حنيفة: أنَّ الحَبَسَ باطلٌ في كلِّ شيءٍ، انتهى.
والذي يَظهَرُ أنَّ البخاري أراد الإشارةَ إلى الرَّدِّ على مَن قال بجوازِ الرُّجوعِ في الهِبَة ولو
كانت للأجنبي، وإلَّ فقد قَدَّمْنا تقرير أنَّ الحملَ المذكورَ في قِصَّة عمرَ كان تمليكاً، وأنَّ قولَ
مَن قال: كان تحبيساً، احتمالٌ بعيد، والله أعلم؛ وسيأتي مزيدُ بَسطٍ لذلك قريباً في كتاب
الوَقف (٢٧٧٥) إن شاء الله تعالى.
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الهِبَة وما معها من أحاديثِ العُمرَى والعاريّة على تِسعةٍ
وتسعين حديثاً مئة إلَّا واحد، المعَلَّقُ منها ثلاثة وعشرونَ، والبقية موصولة، المكرَّر منها
فيه وفيما مضى ثمانية وستّون حديثاً، والخالص أحد وثلاثونَ، وافقَه مسلم على تخريجِها
سوى حديث أبي هريرة: ((لو دُعيت إلى كُراع))، وحديث أُمّ سَلَمة في الهديّة، وحديث
أنس في الطِّيب، وحديث عائشة: ((كان يقبلُ الهديّةَ))، وحديث ابن عبّاس: ((مَن أُهديت
له هدیّة فجُلَساؤُه شُرَکاؤُه)»، وحديث ابن عمر في قِصَّة فاطمة في سترٍ بابها، وحديث

٢٩٣
باب ٣٧ / ح ٢٦٣٦
كتاب الهبة
ابن عمر في قِصَّة صُهَيب، وحديثٍ عائشة في الدِّرع، وحديثٍ عبد الله بن عَمْرو بن
العاص في الأربعينَ خَصْلة.
وفيه من الآثار عن الصحابة ومَن بعدَهم ثلاثة عشرَ أثراً، والله سبحانه وتعالى أعلم.

٢٩٥
باب ١
كتاب الشهادات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الشهادات
قوله: ((كتاب الشَّهادات)) هي جمع شهادة، وهي مصدرُ شَهِدَ يَشهَد. قال الجَوْهَري:
الشَّهادة: خبر قاطع، والمشاهدة: المعاينة، مأخوذة من الشُّهود، أي: الحُضورِ؛ لأنَّ الشّاهدَ
مُشاهِدٌ لمَا غابَ عن غيره، وقيل: مأخوذة من الإعلام.
١ - باب ما جاء في البينة على المدّعي
لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية
[البقرة: ٢٨٢].
وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾ إلى قوله: ٢٤٨/٥
﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].
قوله: ((بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. باب ما جاء في البيِّئِةِ على المدّعي)) كذا للأكثر، وسَقَطَ
لبعضِهم لفظ ((باب))، وقَدَّمَ النَّسَفي وابن شَبّويه البسملة على ((كتاب)).
قوله: ((لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُمُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ
الآية)) كذا لابن شَبّويه، ولأبي ذرِّ بعدَ قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾: إلى قوله: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ
وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللّهُ بِككُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾، وساق في رواية الأَصِيلي وكَرِيمة الآيةَ كلّها،
وكذا التي بعدها.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾ إلى
قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيًا﴾)) كذا لأبي ذرِّ وابن شَبّويه، ووقع للنَّسَفي بعدَ قوله في الآية
الأولى: ﴿فَكْتُبُوهُ﴾: ((﴿وَلْيَكْتُبِ بَّيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا
عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾))، وهو غَلَطٌ لا محالةَ، وكأنَّه سقط منه شيءٌ

٢٩٦
باب ٢ / ح ٢٦٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
أوضحتْه روایةُ غیرہ کما تَری.
ولم يَسُق في الباب حديثاً، إمَّا اكتِفاء بالآيتين، وإمَّا إشارة إلى الحديث الماضي قريباً في
ذلك في آخر باب الرَّهن (٢٥١٤ و٢٥١٥ و٢٥١٦)، وستأتي ترجمة الشِّقِّ الآخِرِ وهي
((اليمينُ على المدَّعى عليه)) قريباً.
قال ابن المنيِر: وجه الاستدلال بالآية للترجمة أنَّ المدّعي لو كان القول قوله لم يَحَتَج إلى
الإشهاد ولا إلى كتابة الحقوق وإملائها، فالأمر بذلك يدلُّ على الحاجة إليه، ويَتَضَمَّنُ أنَّ
البَيِّئَةَ على المدَّعي، ولأنَّ اللّه حينَ أمَرَ الَّذي عليه الحقّ بالإملاءِ، اقتَضى تصديقَه فيما أقرَّ به،
وإذا كان مُصدَّقاً فالبيِّنة على مَن ادَّعى تكذيبَه.
٢ - باب إذا عدَّل رجلٌ رجلاً فقال: لا نعلم إلَّا خيراً
أو ما علمتُ إلّا خيراً
وساق حديث الإفكِ: فقال النبيُّ وَّةِ لأَسامةَ حين سَألَه، قال: أهلَكَ، ولا نَعلَمُ إلّ
خيراً.
٢٦٣٧ - حدَّثْنَا حَجّاجٌ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرَ النُّمَيرِيُّ، حذَّثنا يونُس.
وقال اللَّيثُ: حذَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبير وابنُ المسيّبِ
وعَلْقمةُ بنُ وَقَّاصٍ وعُبيدُ الله بنُ عبدِ الله، عن حديثٍ عائشةَ رضي الله عنها، وبعضُ حديثهم
يُصَدِّقُ بعضاً، حينَ قال لها أهلُ الإِفْكِ ما قالوا، فدعا رسولُ الله ◌َّةِ عليّاً وأُسامةَ حينَ
اسْتَلْبَثَ الوَحْيُّ، يَسْتَأْمِرُهما في فِراقِ أهلِهِ، فَأَمَّا أُسامةُ فقال: أَهلَكَ، ولا نعلمُ إلا خيراً. وقالت
بَرِيرةٌ: إن رأيتُ عليها أمراً أغمِصُه أكثرَ من أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ، تَنامُ عن عَجِينِ أهلِها،
فتأتي الدّاجِنُ فَتَأْكُلُه، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: (مَن يَعْذُرُنا في رجلٍ بَلَغَني أذاه في أهلِ بيتي، فوالله
ما عَلِمْتُ من أهلي إلَّا خيراً، ولقد ذَكَرُوا رجلاً ما عَلِمْتُ عليه إلَّا خيراً».
قوله: ((باب إذا عَدَّلَ رجل رجلاً فقال: لا نعلمُ إلَّا خيراً، أو ما عَلِمْتُ إلَّا خيراً)» في رواية
الكُشْمِيهني: ((أحداً)) بدل ((رجلاً).

٢٩٧
باب ٢ / ح ٢٦٣٧
كتاب الشهادات
قال ابن بَطَّال: حَكَى الطَّحَاوي عن أبي يوسف أنَّه قال: إذا قال ذلك قُبِلَت شهادتُه،
ولم يَذكُر خلافاً / عن الكوفيينَ في ذلك، واحتَجّوا بحديثِ الإفك. وقال مالك: لا يكون ٢٤٩/٥
ذلك تَزكيةً حتَّى يقولَ رِضاً، أي: بالقَصْر. وقال الشّافعي: حتَّى يقولَ: عَدْلٌ، وفي قولٍ:
عَدْلٌ عليَّ ولي. ولا بُدّ من مَعرِفة المزَّي حالَه الباطنة، والحُجَّةُ لذلك أنَّه لا يَلِزَمُ من أنَّه لا
يَعلَمُ منه إلا الخير أن لا یکون فيه شرّ.
وأمَّا احتجاجُهم بقِصَّة أُسامةَ، فأجابَ المهلَّبُ: بأنَّ ذلك وقع في العصرِ الَّذي زَكّى الله
أهلَه وكانت الجُرحة فيهم شاذَّة، فكَفى في تعديلِهم أن يقال: لا أعلمُ إلَّا خيراً، وأمَّا اليومَ
فالجُرحة في الناس أغلَبُ، فلا بُدّ من التَّنصيصِ على العَدالة. قلت: لم يَبْتَّ البخاري الحكمَ
في الترجمة، بل أورَدَها مَورِد السُّؤال لقوَّة الخلاف فيها.
قوله: «وساق حديثَ الإفكِ: فقال النبيِ وَلِ لأَسامةَ حينَ سَأْلَهُ(١)، قال: أهلَكَ، ولا نَعلَمُ
إلَّا خيراً)) كذا لأبي ذرٍّ، ولم يقع هذا كلّه عند الباقينَ، وهو اللّائقُ؛ لأنَّ حديثَ الإفكِ قد
ذُكِرَ في الباب موصولاً وإن كان اختصره، وسيأتي مُطوَّلاً أيضاً بعد أبواب (٢٦٦١)، ويأتي
الكلامُ عليه في تفسير سورة النّورِ (٤٧٥٠).
قوله فيه: ((وقال اللَيثُ: حدَّثني يونس)) وَصَلَه هناك أيضاً.
وقوله: ((أهلَكَ ولا نعلمُ إلَّا خيراً) بنصبِ ((أهلَكَ)) للأكثر على الإغراء، أو على فعلٍ
محذوفٍ تقديره: أمسِكْ أهلَكَ، ولِبعضِهم: بالرفع، أي: هم أهلُكَ.
قال ابن المنيِر: التَّعديلُ إِنَّما هو تنفيذٌ للشَّهادة، وعائشة رضي الله عنها لم تكُن شَهِدَت
ولا كانت محتاجة إلى التَّعديلِ؛ لأنَّ الأصلَ البراءة، وإنَّما كانت محتاجة إلى نفي التُّهمة
عنها، حتَّى تكون الدَّعوى عليها بذلك غيرَ مَقبولةٍ، ولا شُبهَةَ، فيَكفي في هذا القَدْرِ هذا
اللَّفظ، فلا يكون فيه لمن اكتَفى في التَّعديلِ بقوله: ((لا أعلمُ إلَّا خيراً) حُجَّةٌ.
(١) في (س): استشاره، والمثبت من الأصلين، وفي هامش اليونينية: حين عدَّله!

٢٩٨
باب ٣ / ح ٢٦٣٨ - ٢٦٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
٣- باب شهادة المُختَبئ
وأجازَه عَمْرُو بنُ حُرَيثٍ، قال: وكذلك يُفْعَلُ بالكاذبِ الفاجِرِ.
وقال الشَّعْبيُّ وابنُ سِيرِينَ وعطاءٌ وقَتَادَةُ: السَّمعُ شهادةٌ.
وكان الحسنُ يقول: لم يُشْهِدُوني على شيءٍ، وإنِّ سمعتُ كذا وكذا.
٢٦٣٨ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال سالم: سمعتُ عبد الله
ابنَ عمرَ رضي الله عنهما، يقول: انطَلَقَ رسولُ اللهِ وَ﴿ وَأُبَيُّ بنُ كَعْبِ الأنصاريُّ یَؤُمّانِ
النَّخْلَ التي فيها ابنُ صَيّادٍ، حتَّى إذا دَخَلَ رسولُ اللهِ وَّةِ، طَفِقَ رسولُ اللهِ وَ يَتَّقي
بجُذُوعِ النَّخْلِ، وهو يَخْتِلُ أن يَسْمَعَ مِن ابنِ صَيّادٍ شيئاً قبلَ أن يَراه، وابنُ صَيّادٍ مُضْطَجِعٌ
على فِراشه في قَطِيفةٍ، له فيها رَمْرَمَةٌ أو زَمْزَمَةٌ، فَرَأت أُمُّ ابنِ صَيّادِ النبيَّ وَّلِ وهو يَتَّقي
بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فقالت لابنِ صَيّادٍ: أَيْ صَافِ، هذا محمَّدٌ، فَتَنَاهَى ابنُ صَيّادٍ. قال النَّبِيُّ ◌َلّ:
((لو تَرَكَتْهُ بَيَّنَ)).
٢٦٣٩ - حدَّثَني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حذَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةً
رضي الله عنها: جاءتٍ امرأةُ رِفاعةَ القُرَظِيِّ إلى النبيِّ وَّةِ، فقالت: كنتُ عندَ رِفاعةً فطَلَّقَني،
فأبتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبدَ الرَّحمنِ بنَ الزَّبِيِ، إِنَّا معه مِثْلُ هُدْبةِ الثَّوْبِ، فقال: ((أتريدينَ أن
تَرْجِعي إلى رِفاعةً؟ لا، حتَّى تَذُوقِي عُسَيلَتَه ويَذُوقَ عُسَيلتَكِ))، وأبو بكرٍ جالسٌ عندَه، وخالدُ
٢٥٠/٥ ابنُ سعيدِ بنِ العاصِ بالبابِ يَنْتَظِرُ أن يُؤْذَنَ له،/ فقال: يا أبا بكرٍ، ألا تَسْمَعُ إلى هذه ما تَجْهَرُ به
عندَ النبيِّ أَيّ؟
[أطرافه في: ٥٢٦٠، ٥٢٦١، ٥٢٦٥، ٥٣١٧، ٥٧٩٢، ٥٨٢٥، ٦٠٨٤]
قوله ((باب شهادة المخْتَبِئ)) بالخاء المعجمة، أي: الَّذي يَخْتَفي عند التَّحَمُّل.
قوله: ((وأجازَه)) أي: الاختباءَ عند تحمُّل الشَّهادة.
قوله: ((عَمْرو بن حُرَيثٍ)) بالمهمَلة والمثلَّثة مُصغَّر: ابن عَمْرو بن عثمان بن عبد الله بن

٢٩٩
باب ٣ / ح ٢٦٣٩
كتاب الشهادات
عمر بن ◌َخُزُوم المخزومي، من صغار الصحابة، ولأبيه صُحبة، وليس له في البخاري ذِكْر
إلَّا في هذا الموضع(١).
قوله: ((قال: وكذلك يُفْعَلُ بالكاذبِ الفاجرِ» كأنَّه أشار إلى السَّبَب في قَبُول شهادتِهِ،
وقد روى ابن أبي شَيْبة (٤٩٧/٦) من طريق الشَّعبي عن شُرَيح: أنَّه كان لا يُجِيزُ شهادة
المختَبِئ، قال: وقال عَمْرو بن حُرَيثٍ: كذلك يُفعَلُ بالخائنِ الظَّالم أو الفاجر. وروى سعيد
ابن منصور من طريق محمد بن عُبيد الله الثَّقفي: أنَّ عَمْرو بن حُرَيثٍ كان يُجيزُ شهادته
ويقول: كذلك يُفْعَلُ بالخائنِ الفاجر، ورُوِيَ من طرق عن شُرَيح: أنَّه كان يردُّ شهادة
المختَبِئِ، وكذلك الشَّعبي(٢)، وهو قولُ أبي حنيفة والشّافعي في القديم، وأجازَها في الجديد
إذا عایَنَ المشهودَ علیه.
قوله: ((وقال الشَّعْبي وابن سيرينَ وعطاء وقَتَادة: السَّمعُ شهادة)) أمَّا قول الشَّعبي فوَصَلَه
ابن أبي شَيْبة (٤٩٦/٦) عن هُشَيمٍ عن مُطرِّفٍ عنه بهذا، ورُوّيناه في ((الجعديات)) (٢٤٧١)
قال: حدَّثنا شَريكٌ عن الأشعَث عن عامٍ وهو الشَّعبي، قال: تجوزُ شهادةُ السَّمع إذا قال:
سمعتُه یقول، وإن لم يَشْهَده.
وقول الشَّعبي هذا يُعارضُ رَدّه لشهادة المختَبِئِ، ويحتملُ أن يُفرَّقَ بأنَّه إنَّمَا رَدَّ شهادة
المختَبِىء لما فيها من المخادعة، ولا يَلزَمُ من ذلك رَدّه لشهادة السَّمع من غير قَصْد. وهو
قولُ مالك وأحمد وإسحاق، وعن مالكٍ أيضاً: الحِرْص على تحمُّلِ الشَّهادة قادح، فإذا
اختفی لیشھَدَ فھو حِرصٌ.
(١) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فقد وقع لعمرو بن حريث ذكرٌ في البخاري أيضاً في الجمعة بين يدي
الحديث (٩٠٣)، كما أن له فيه رواية في أربعة مواضع: الأول في حديث قصة وفد طيِّئ (٤٣٩٤) من
روايته عن عدي بن حاتم، والثلاثة الأخرى على التوالي (٤٤٧٨) و(٤٦٣٩) و(٥٧٠٨) من روايته عن
سعيد بن زيد مرفوعاً: ((الكمأة من المَنِّ وماؤها شفاء للعين)).
(٢) عند ابن أبي شيبة في «مصنفه)) ٦/ ٤٩٦ و ٤٩٧.

٣٠٠
باب ٣ / ح ٢٦٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا قولُ ابن سيرينَ وقَتَادة، فسيأتي في ((باب شهادة الأعمى)).
وأمَّا قولُ عطاءٍ، وهو ابن أبي رَباح، فوَصَلَه الكَرابِيسي في ((أَدَبِ القضاء)) من رواية
ابن جُرَيجٍ عن عطاء: السَّمع شهادة.
قوله: ((وكان الحسنُ يقول: لم يُشْهِدوني على شيء، ولكن سمعتُ كذا وكذا)» وَصَلَه ابن
أبي شَيْبة (٤٩٧/٦) من طريق يونس بن عُبيدٍ عنه، قال: لو أنَّ رجلاً سمِعَ من قومٍ شيئاً،
فإِنَّه يأتي القاضي فيقول: لم يُشهِدوني ولكن سمعتُ كذا وكذا، وهذا التَّفصيل حسنٌّ؛ لأنَّ
الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ولم يقل: ((الإشهاد))، فيَفتَرِقُ الحال
عند الأداء، فإن سمِعَه ولم يُشهِده، وقال عند الأداء: ((أشهَدَني)) لم يُقبَل، وإن قال: ((أشهَدُ
أنَّه قال كذا)» قُبِلَ.
ثمَّ أورَدَ المصَنِّفُ فیه حدیثین:
أحدهما: حديث ابن عمر في قِصَّة ابن صَيّادٍ، وسيأتي الكلامُ عليه مُستَوفَّى في كتاب
الفِتَنْ(١)، والغَرَضُ منه قوله فيه: ((وهو يَخْتِلُ أن يسمعَ من ابن صَيّادٍ شيئاً قبلَ أن يَراه)).
وقوله في آخره: ((لو تَرَكَتْه بَيَّنَ)) فإنَّه يقتضي الاعتماد على سماع الكلام، وإن كان السَّامع
مُحتجِباً عن المتكَلِّمِ إذا عَرَفَ الصَّوتَ.
وقوله: ((يَخْتِل)) بفتح أوَّلِه وسكون المعجَمة وكسر المثنَّة، أي: يَطلُبُ أن يسمعَ كلامه
وهو لا يَشعُرُ.
ثانيهما: حديث عائشة في قِصَّة امرأة رِفَاعة، وسيأتي الكلامُ عليه في الطَّلاق (٥٣١٧)،
والغَرَضُ منه إنكار خالد بن سعيد على امرأة رِفاعة ما كانت تَكَلِّمُ به عند النبيِّ وَّ، مع
گونه محجوباً عنها خارج الباب، ولم يُنکِر النبي پے علیه ذلك، فاعتماد خالدٍ على سماع
صوتها حتَّى أنكَرَ عليها، هو حاصلُ ما يقعُ من شهادة السَّمع.
(١) بل في كتاب الجهاد (٣٠٥٥)، وقد سلف قوله: إنه سيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الجهاد عند
الحديث رقم (١٣٥٤).